Полный текст (5 355 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
فَأَمَّا إذَا رَأَى الْعَادِلُ أَبَاهُ الْبَاغِيَ، أَوْ جَدَّهُ، يَقْصِدُ إلَى مُسْلِمٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ، أَوْ ظُلْمَهُ، فَفَرْضٌ عَلَى الِابْنِ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِغَيْرِهِ عَنْهُ، وَفَرْضٌ عَلَيْهِ دَفْعُهُ عَنْ الْمُسْلِمِ - بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ - وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ قَتْلُ الْأَبِ، وَالْجَدِّ، وَالْأُمِّ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ نا شُعْبَةُ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْد بْنِ مُقَرِّنٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ - فَذَكَرَ - عِيَادَةَ الْمَرَضِ، وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلَامِ، وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِي، وَإِبْرَارَ الْمُقْسِمِ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَمْنَعُهُ، تَأْخُذُ فَوْقَ يَدِهِ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» فَهَذَا أَمْرٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يُسْلِمَ الْمَرْءُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لِظُلْمِ ظَالِمٍ، وَأَنْ يَأْخُذَ فَوْقَ يَدِ كُلِّ ظَالِمٍ، وَأَنْ يَنْصُرَ كُلَّ مَظْلُومٍ، فَإِذَا رَأَى الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْبَاغِيَ، أَوْ ذَا رَحِمِهِ - كَذَلِكَ - يُرِيدُ ظُلْمَ مُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ، فَفَرْضٌ عَلَيْهِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ، بِكُلِّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ إلَّا بِهِ مِنْ قِتَالٍ أَوْ قَتْلٍ، فَمَا دُونَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَإِنَّمَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِحْسَانَ إلَى الْأَبَوَيْنِ، وَأَنْ لَا يُنْهَرَا، وَأَنْ يُخْفَضَ لَهُمَا جَنَاحُ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ، فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ.
وَهَكَذَا نَقُولُ: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ لَهُ أَبٌ كَافِرٌ أَوْ أُمٌّ كَافِرَةٌ، أَنْ يُهْدِيَهُمَا إلَى طَرِيقِ الْكَنِيسَةِ، وَلَا أَنْ يَحْمِلَهُمَا إلَيْهَا، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ لَهُمَا قُرْبَانًا، وَلَا أَنْ يَسْعَى لَهُمَا فِي خَمْرٍ لِشَرِيعَتِهِمَا الْفَاسِدَةِ، وَلَا أَنْ يُعِينَهُمَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى مِنْ زِنًى، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ لَا يَدَعَهُ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ خَيْرٍ فِي الْعَالَمِ.
стр. 4902
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا الْفِئَتَانِ الْبَاغِيَتَانِ مَعًا فَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ إلَّا مَنْعُهُمَا وَقِتَالُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَاغِيَةٌ عَلَى الْأُخْرَى، فَمَنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَسِعَتْهُ التَّقِيَّةُ وَأَنْ يَلْزَمَ مَنْزِلَهُ، وَمَسْجِدَهُ، وَمَعَاشَهُ، وَلَا مَزِيدَ، وَكِلَاهُمَا لَا يَدْعُو إلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ ني عَمْرٌو النَّاقِدُ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ «مَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، وَحَتَّى إنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا نا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ: مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «لَا يُشِرْ أَحَدُكُمْ إلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِغُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ نا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ - هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - قَالَ: سَمِعْت رِبْعِيًّا - هُوَ ابْنُ حِرَاشٍ - يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «إذَا أَشَارَ الْمُسْلِمُ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَهُمَا عَلَى حَرْفِ جَهَنَّمَ فَإِذَا قَتَلَهُ خَرَّا فِيهَا جَمِيعًا» .
فَهَذِهِ صِفَةُ الطَّائِفَتَيْنِ إذَا كَانَتَا بَاغِيَتَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَا مَعًا عَادِلَتَيْنِ وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: أَنْ يُقَادَ لِلْبَاغِي إذَا قُوتِلَ لِيَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَقَطْ، وَلَمْ نُحِلَّهُ بِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَمَنْ قَتَلَ بَاغِيًا لِيَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ قَتَلَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ لَهُ عُضْوًا فِي الْحَرْبِ، أَوْ عَقَرَ تَحْتَهُ فَرَسًا، أَوْ أَفْسَدَ لَهُ لِبَاسًا فِي الْمُضَارَبَةِ، فَلَا ضَمَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ أَحْسَنَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]
[مَسْأَلَةٌ أَحْكَامُ أَهْلِ الْبَغْيِ]
٢١٦١ - مَسْأَلَةٌ: أَحْكَامُ أَهْلِ الْبَغْيِ؟ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ - حَاشَا
стр. 4903
الطَّحَاوِيَّ - أَنَّهُ مَا حَكَمَ بِهِ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ فَلَا يَجُوزُ لِقَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ، وَلَا أَنْ يَقْبَلَ كِتَابَهُ قَالُوا: وَمَا أَخَذُوهُ مِنْ صَدَقَةٍ فَلَا يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ ثَانِيَةً، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ أَخَذُوهَا مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا مَرَّةً أُخْرَى.
قَالُوا: وَأَمَّا مَنْ مَرَّ عَلَيْهِمْ مِنْ التُّجَّارِ فَعَشَّرُوهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُهُ ثَانِيَةً مِنْ التُّجَّارِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْفُذُ كُلُّ قَضِيَّةٍ قَضَوْهَا إذَا وَافَقَتْ الْحَقَّ، وَيَجْزِي مَا أَخَذُوهُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَمَا أَقَامُوا مِنْ الْحُدُودِ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ - وَأَصْحَابُنَا لَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ قَضَايَاهُمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا وَلَا يُجْزِئُ مَا أَخَذُوهُ مِنْ الصَّدَقَاتِ، وَلَا مَا أَقَامُوا مِنْ الْحُدُودِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ الصَّدَقَاتِ، وَمِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ ثَانِيَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتْبَعُهُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنْ قَالُوا: إنَّ أَخْذَ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا جَاءَ التَّضْيِيعُ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ فَقَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهُمْ، وَأَمَّا مَنْ مَرَّ عَلَيْهِمْ فَقَدْ عَرَّضَ مَالَهُ لِلتَّلَفِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شُبْهَةً غَيْرً هَذَا وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ بِأَنَّ تَضْيِيعَ الْإِمَامِ يُسْقِطُ الْحُقُوقَ الْوَاجِبَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَيْضًا - فَكَمَا أَخَذُوا الْعُشْرَ ثَانِيَةً مِمَّنْ جَعَلُوا ذَنْبَهُ أَنَّهُ عَرَّضَ مَالَهُ لِلتَّلَفِ فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الزَّكَاةَ ثَانِيَةً، وَيَجْعَلُوا ذَنْبَ أَهْلِهَا أَنَّهُمْ عَرَّضُوا أَمْوَالَهُمْ لِلتَّلَفِ، فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُمْ الْهَرَبُ عَنْ مَوْضِعِ الْبُغَاةِ، أَوْ يُعَذِّرُوا الْمُعَشِّرِينَ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُمْ إذَا حَكَمُوا بِالْحَقِّ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَإِذَا أَخَذُوا الزَّكَاةَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَقَامُوا الْحُدُودَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَدْ تَأَدَّى كُلُّ ذَلِكَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا تَأَدَّى كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِهِ ثَانِيَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَمَا لَا يُؤَاخَذُونَ بِمَا أَصَابُوا مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ، فَكَذَلِكَ لَا يُؤَاخَذُونَ -
стр. 4904
هُمْ وَلَا غَيْرُهُمْ - بِمَا حَكَمُوا أَوْ أَقَامُوا مَنْ حَدٍّ، أَوْ أَخَذُوا مِنْ مَالِ صَدَقَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا - بِحَقٍّ أَوْ بِبَاطِلٍ - وَلَا فَرْقَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ كَمَا قَالُوا، وَذَلِكَ أَنَّنَا نَسْأَلُهُمْ، فَنَقُولُ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ حَاضِرًا مُمَكَّنًا عَدْلًا، أَيَحِلُّ أَنْ يَأْخُذَ صَدَقَةً دُونَهُ، أَوْ يُقِيمَ حَدًّا دُونَهُ، أَوْ يَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ دُونَهُ، أَمْ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: هَذَا كُلُّهُ مُبَاحٌ: خَرَقُوا الْإِجْمَاعَ، وَتَرَكُوا قَوْلَهُمْ، وَأَبْطَلُوا الْأَمَانَةَ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَوْجَبُوا أَنْ لَا حَاجَةَ بِالنَّاسِ إلَى إمَامٍ - وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَالنَّصِّ. وَإِنْ قَالُوا: بَلْ لَا يَحِلُّ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا دَامَ الْإِمَامُ قَائِمًا فَقَدْ صَحَّ أَنْ لَا يَحِلَّ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا إلَّا مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ الْحُكْمَ، وَلَا أَنْ يَكُونَ آخِذًا لِلْحُدُودِ إلَّا مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ ذَلِكَ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا إلَّا مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ أَخْذَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَنْ أَقَامَ - حَدًّا، أَوْ أَخَذَ صَدَقَةً، أَوْ قَضَى قَضِيَّةً، وَلَيْسَ مِمَّنْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ بِتَقْدِيمِ الْإِمَامِ، فَلَمْ يَحْكُمْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا أَقَامَ الْحَدَّ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ فَإِذْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كَمَا أُمِرَ، فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِحَقٍّ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِحَقٍّ، فَإِنَّمَا فَعَلَهُ بِبَاطِلٍ، وَإِذْ فَعَلَهُ بِبَاطِلٍ فَقَدْ تَعَدَّى؛ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَإِذْ هُوَ ظُلْمٌ، فَالظُّلْمُ لَا حُكْمَ لَهُ إلَّا رَدُّهُ وَنَقْضُهُ فَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ صَدَقَةً فَعَلَيْهِ رَدُّهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَخَذَ، إلَّا أَنْ يُوَصِّلَهُ إلَى الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ فَإِذَا أَوْصَلَهَا إلَيْهِمْ فَقَدْ تَأَدَّتْ الزَّكَاةُ إلَى أَهْلِهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ حَدٍّ أَقَامُوهُ فَهُوَ مَظْلَمَةٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَتُعَادُ الْحُدُودُ ثَانِيَةً وَلَا بُدَّ، وَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْ مَالِ مَنْ قَتَلُوهُ قَوَدًا، وَأَنْ يُفْسَخَ كُلُّ حُكْمٍ حَكَمُوهُ وَلَا بُدَّ.
وَيُبَيِّنُ مَا قُلْنَاهُ نَصًّا: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا مُحَمَّدُ بْنُ نُمَيْرٍ نا عَبْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ إدْرِيسَ - نا ابْنُ عِجْلَانَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، كُلُّهُمْ
стр. 4905
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﵌ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَرْفَجَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ «إنَّهُ سَيَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ - وَهِيَ جَمِيعٌ - فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَصَحَّ أَنَّ لِهَذَا الْأَمْرِ أَهْلًا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُنَازِعَهُمْ إيَّاهُ، وَأَنَّ تَفْرِيقَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ اجْتِمَاعِهَا لَا يَحِلُّ.
فَصَحَّ أَنَّ الْمُنَازِعِينَ فِي الْمُلْكِ وَالرِّيَاسَةِ مَرِيدُونَ تَفْرِيقَ جَمَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنَّهُمْ مُنَازِعُونَ أَهْلَ الْأَمْرِ أَمْرَهُمْ، فَهُمْ عُصَاةٌ بِكُلِّ ذَلِكَ.
فَصَحَّ أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ عُصَاةٌ فِي مُنَازَعَتِهِمْ الْإِمَامَ الْوَاجِبَ الطَّاعَةَ، وَإِذْ هُمْ فِيهِ عُصَاةٌ، فَكُلُّ حُكْمٍ حَكَمُوهُ مِمَّا هُوَ إلَى إمَامٍ، وَكُلُّ زَكَاةٍ قَبَضُوهَا مِمَّا قَبْضُهَا إلَى الْإِمَامِ، وَكُلُّ حَدٍّ أَقَامُوهُ مِمَّا إقَامَتُهُ إلَى الْإِمَامِ - فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ ظُلْمٌ وَعُدْوَانٌ.
وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ تَنُوبَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ طَاعَتِهِ، وَأَنْ يُجْزِيَ الظُّلْمُ عَنْ الْعَدْلِ، وَأَنْ يَقُومَ الْبَاطِلُ مَقَامَ الْحَقِّ، وَأَنْ يُغْنِيَ الْعُدْوَانُ عَنْ الْإِنْصَافِ.
فَصَحَّ مَا قُلْنَا نَصًّا وَوَجَبَ رَدُّ كُلِّ مَا عَمِلُوا مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إمَامٌ مُمَكَّنٌ فَقَدْ قُلْنَا: إنَّ كُلَّ مَنْ قَامَ بِالْحَقِّ حِينَئِذٍ فَهُوَ نَافِذٌ، فَالْبُغَاةُ - إنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ - فَكُلُّ مَا فَعَلُوهُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ نَافِذٌ - وَأَمَّا إنْ كَانُوا كُفَّارًا فَلَا يَنْفُذُ مِنْ حُكْمِ الْكَافِرِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ يُسْتَعَانُ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ بِأَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ غَيْرهمْ]
٢١٦٢ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُسْتَعَانُ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ بِأَهْلِ الْحَرْبِ؟ أَوْ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ؟ أَوْ بِأَهْلِ بَغْيٍ آخَرِينَ؟ .
стр. 4906
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَانَ عَلَيْهِمْ بِحَرْبِيٍّ، وَلَا بِذِمِّيٍّ، وَلَا بِمَنْ يَسْتَحِلُّ قِتَالَهُمْ، مُدْبِرِينَ - وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُسْتَعَانَ عَلَيْهِمْ بِأَهْلِ الْحَرْبِ، وَبِأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَبِأَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي " كِتَابِ الْجِهَادِ " مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ «إنَّنَا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ» وَهَذَا عُمُومٌ مَانِعٌ مِنْ أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِ فِي وِلَايَةٍ، أَوْ قِتَالٍ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، إلَّا مَا صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِيهِ: كَخِدْمَةِ الدَّابَّةِ، أَوْ الِاسْتِئْجَارِ، أَوْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْرُجُونَ فِيهِ عَنْ الصَّغَارِ.
وَالْمُشْرِكُ: اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا عِنْدَنَا - مَا دَامَ فِي أَهْلِ الْعَدْلِ مَنَعَةٌ - فَإِنْ أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَكَةِ وَاضْطُرُّوا وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ حِيلَةٌ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَلْجَئُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَنْ يَمْتَنِعُوا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ، مَا أَيَقَنُو أَنَّهُمْ فِي اسْتِنْصَارِهِمْ: لَا يُؤْذُونَ مُسْلِمًا وَلَا ذِمِّيًّا - فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ حُرْمَةٍ مِمَّا لَا يَحِلُّ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ مَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ، إلَّا مَا مَنَعَ مِنْهُ نَصٌّ، أَوْ إجْمَاعٌ.
فَإِنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُ - وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً - أَنَّ مَنْ اسْتَنْصَرَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ الذِّمَّةِ يُؤْذُونَ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا فِيمَا لَا يَحِلُّ، فَحَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِمَا، وَإِنْ هَلَكَ، لَكِنْ يَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى - وَإِنْ تَلِفَتْ نَفْسُهُ وَأَهْلُهُ وَمَالُهُ - أَوْ يُقَاتِلُ حَتَّى يَمُوتَ شَهِيدًا كَرِيمًا، فَالْمَوْتُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا يَتَعَدَّى أَحَدًا أَجَلُهُ.
بُرْهَانُ هَذَا: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ ظُلْمًا عَنْ نَفْسِهِ بِظُلْمٍ يُوصِلُهُ إلَى غَيْرِهِ - هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ.
وَأَمَّا الِاسْتِعَانَةُ عَلَيْهِمْ بِبُغَاةٍ أَمْثَالِهِمْ - فَقَدْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَوْمٌ - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] .
وَأَجَازَهُ آخَرُونَ - وَبِهِ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّنَا لَا نَتَّخِذُهُمْ عَضُدًا، وَمَعَاذَ اللَّهِ، وَلَكِنْ نَضْرِبُهُمْ بِأَمْثَالِهِمْ صِيَانَةً لِأَهْلِ الْعَدْلِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: ١٢٩]
стр. 4907
وَإِنْ أَمْكَنَنَا أَنْ نَضْرِبَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الْكُفَّارِ، حَتَّى يُقَاتِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَدْخُلَ إلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَتَوَصَّلُ بِهِمْ إلَى أَذَى غَيْرِهِمْ، بِذَلِكَ حَسَنٌ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «إنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ هَذَا الدِّينَ بِقَوْمٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ رَاشِدٍ ثنا أَبُو الْيَمَانِ نا شُعَيْبٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ نا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «إنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» .
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا رِيَاحُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «إنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا يُبِيحُ الِاسْتِعَانَةَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ بِأَمْثَالِهِمْ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ بِأَمْثَالِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْفُجَّارِ الَّذِينَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ.
وَأَيْضًا - فَإِنَّ الْفَاسِقَ مُفْتَرَضٌ عَلَيْهِ مِنْ الْجِهَادِ، وَمِنْ دَفْعِ أَهْلِ الْبَغْيِ، كَاَلَّذِي اُفْتُرِضَ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْفَاضِلِ، فَلَا يَحِلُّ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ الْفَرْضُ أَنْ يَدْعُوَ إلَى ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة قَتْلَ رَجُل رَجُلًا فِي الْحَرْب ثُمَّ قَالَ حسبته مِنْ أَهْل الْبَغْي]
٢١٦٣ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ قَتَلَ فِي الْحَرْبِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، ثُمَّ قَالَ: حَسِبْتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَإِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُمْكِنًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، ثُمَّ يَضْمَنُ دِيَتَهُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ خَطَأً بَلْ قَتَلَهُ عَمْدًا قَصْدًا إلَى قَتْلِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ حَرَامُ الدَّمِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُقَدْ مِنْهُ - وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ مَا قَالَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ بِاخْتِيَارِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ وَهَكَذَا الْقَوْلُ - سَوَاءً سَوَاءً، إذَا قَتَلَهُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، وَلَا فَرْقَ.
стр. 4908
وَكَذَلِكَ لَوْ رَجَعَ إلَيْنَا بَعْضُ أَهْلِ الْبَغْيِ تَائِبًا فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَقَالَ: إنِّي ظَنَنْتُهُ دَخَلَ لِيَطْلُبَ غِرَّةً، فَإِنْ نَكَلَ هَؤُلَاءِ عَنْ الْيَمِينِ حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، وَلَا قَوَدَ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِمْ مَا يُوجِبُ الْقَوَدَ مِنْ التَّعَمُّدِ وَهُمْ عَالِمُونَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ: إذَا كَانَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالسُّنَّةِ فِي عَسْكَرِ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَمْدًا، وَجَرَحَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَمْدًا، وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مَالَ بَعْضٍ عَمْدًا، فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ: لَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ - غَلَبَ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ وَالْإِمَامُ الْعَدْلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ: أَوْ لَمْ يَغْلِبُوا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَا لِهَذَا الْقَوْلِ جَوَابٌ إلَّا أَنَّهُ حُكْمُ إبْلِيسَ، وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي كَيْفَ انْشَرَحَتْ نَفْسُ مُسْلِمٍ لِاعْتِقَادِ هَذَا الْقَوْلِ الْمُعَانِدِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِرَسُولِهِ ﵇، أَوْ كَيْفَ انْطَلَقَ لِسَانُ مُؤْمِنٍ يَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ وَنَهَاهُ بِهَذَا الْقَوْلِ السَّخِيفِ - وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى عَافِيَةً شَامِلَةً - كَأَنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ لَمْ يَسْمَعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي النُّفُوسِ، وَالْجِرَاحِ، وَمِنْ تَحْرِيمِ الْأَمْوَالِ، فِي الْقُرْآنِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵌.
وَهَذَا قَوْلٌ مَا نَعْلَمُ فِيهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ سَلَفًا: لَا مِنْ صَاحِبٍ وَلَا مِنْ تَابِعٍ، وَنَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، فَإِنَّمَا مَوَّهُوا بِمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: كَمَا ثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَذَكَرَ قَتْلَ عُمَرَ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَلَمْ نُجَرِّبْ عَلَيْهِ كَذِبَةً قَطُّ، قَالَ: حِينَ قُتِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ انْتَهَيْتُ إلَى الْهُرْمُزَانِ، وَجُفَيْنَةَ، وَأَبِي لُؤْلُؤَةَ - وَهُمْ بِحَيٍّ - فَتَبِعْتُهُمْ فَثَارُوا وَسَقَطَ مِنْ بَيْنَهُمْ خَنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَانْظُرُوا بِمَا قُتِلَ بِهِ عُمَرُ فَوَجَدُوهُ خِنْجَرًا عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَخَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مُشْتَمِلًا عَلَى السَّيْفِ حَتَّى أَتَى الْهُرْمُزَانَ فَقَالَ: اصْحَبْنِي نَنْظُرُ إلَى فَرَسٍ لِي - وَكَانَ الْهُرْمُزَانُ بَصِيرًا بِالْخَيْلِ - فَخَرَجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَلَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالسَّيْفِ، فَلَمَّا وَجَدَ حَدَّ السَّيْفِ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَتَلَهُ.
стр. 4909
ثُمَّ أَتَى جُفَيْنَةَ - وَكَانَ نَصْرَانِيًّا - فَلَمَّا أَشْرَفَ لَهُ عَلَاهُ بِالسَّيْفِ فَضَرَبَهُ فَصَلَبَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ - ثُمَّ أَتَى ابْنَةَ أَبِي لُؤْلُؤَةَ - جَارِيَةً صَغِيرَةً تَدَّعِي الْإِسْلَامَ - فَقَتَلَهَا، فَأَظْلَمَتْ الْأَرْضُ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَهْلِهَا. - ثُمَّ أَقْبَلَ بِالسَّيْفِ صَلْتًا فِي يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: وَاَللَّهِ لَا أَتْرُكُ فِي الْمَدِينَةِ سَبْيًا إلَّا قَتَلْته وَغَيْرَهُمْ؟ كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَاسٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ لَهُ: أَلْقِ السَّيْفَ، فَأَبَى - وَيَهَابُونَهُ أَنْ يَقْرَبُوا مِنْهُ - حَتَّى أَتَاهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: أَعْطِنِي السَّيْفَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ ثَارَ إلَيْهِ عُثْمَانُ فَأَخَذَ بِرَأْسِهِ، فَتَنَاصَبَا حَتَّى حَجَزَ النَّاسُ بَيْنَهُمَا. - فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ قَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي فَتَقَ فِي الْإِسْلَامِ مَا فَتَقَ - يَعْنِي عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ: قُتِلَ عُمَرَ بِالْأَمْسِ وَتُرِيدُونَ أَنْ تُتْبِعُوهُ ابْنَهُ الْيَوْمَ، أَبْعَدَ اللَّهُ الْهُرْمُزَانَ، وَجُفَيْنَةَ؟ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْفَاك أَنْ يَكُونَ هَذَا الْأَمْرُ وَلَك عَلَى النَّاسِ مِنْ سُلْطَانٍ، إنَّمَا كَانَ هَذَا الْأَمْرُ وَلَا سُلْطَانَ لَك، فَاصْفَحْ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَلَى خُطْبَةِ عَمْرٍو، وَوَدَى عُثْمَانُ الرَّجُلَيْنِ وَالْجَارِيَةَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: فَيَرْحَمُ اللَّهُ حَفْصَةَ أَنْ كَانَتْ لِمَنْ شَيَّعَ عُبَيْدَ اللَّهِ عَلَى قَتْلِ الْهُرْمُزَانِ، وَجُفَيْنَةَ - قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُثْمَانُ: أَنَا وَلِيُّ الْهُرْمُزَانِ، وَجُفَيْنَةَ، وَالْجَارِيَةِ، وَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهَا دِيَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرُنِي الْآنَ ذِكْرُهُ: أَنَّ عُثْمَانَ أَقَادَ وَلَدَ الْهُرْمُزَانِ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَنَّ وَلَدَ الْهُرْمُزَانِ عَفَا عَنْهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَقْتُلْ مَنْ قَتَلَ فِي عَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَلَا فِي وَقْتٍ كَانَ فِيهِ بَاغٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يُعْرَفُ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ، وَمَحَلَّةِ الْجَمَاعَةِ وَصِحَّةِ الْأُلْفَةِ، وَفِي أَفْضَلِ عِصَابَةٍ وَأَعْدَلِهَا.
وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مَنْ قَتَلَ فِي عَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَهُمْ
стр. 4910
لَا يَقُولُونَ بِإِهْدَارِ الْقَوَدِ عَمَّنْ قَتَلَ فِي الْجَمَاعَةِ بَيْنَ مَوْتِ إمَامٍ وَوِلَايَةِ آخَرَ، فَقَدْ خَالَفُوا عُثْمَانَ وَمَنْ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَأَيْضًا - فَإِنَّ فِي هَذَا الْخَبَرِ: أَنَّ عُثْمَانَ جَعَلَهَا دِيَةً - وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ فِي ذَلِكَ دِيَةً، وَالْوَاجِبُ أَنْ نَحْكُمَ فِي كُلِّ ذَلِكَ كَمَا نَحْكُمُ فِي مَحَلَّةِ الْجَمَاعَةِ وَلَا فَرْقَ؛ لِأَنَّ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ فِي كُلِّ مَكَان، وَكُلَّ زَمَانٍ، وَعَلَى كُلِّ لِسَانٍ، وَمَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِإِيجَابِ الْقَوَدِ، وَأَخْذِ الْحُدُودِ، وَضَمَانِ الْأَمْوَالِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانِ، وَسَائِرِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ مَكَانًا دُونَ مَكَان، وَلَا زَمَانًا دُونَ زَمَانٍ، وَلَا حَالًا دُونَ حَالٍ، وَلَا أُمَّةً دُونَ أُمَّةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة إذَا كَانَ فِي الْبَاغِينَ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ أَوْ امْرَأَةٌ فَقَاتَلَا]
٢١٦٤ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَوْ كَانَ فِي الْبَاغِينَ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ أَوْ امْرَأَةٌ فَقَاتَلَا دُوفِعَا، فَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى قَتْلِهِمَا فِي حَالِ الْمُقَاتَلَةِ فَهُمَا هَدَرٌ؛ لِأَنَّ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَهُ مُرِيدٌ بِغَيْرِ حَقٍّ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الضُّرَّ كَيْفَ أَمْكَنَهُ - وَلَا دِيَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَا قَوَدَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ سَأَلُوا النَّظْرَةَ حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أُمُورِهِمْ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَكِيدَةً، فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْظِرَهُمْ مُدَّةً يُمْكِنُ فِي مِثْلِهَا النَّظَرُ فَقَطْ - وَهَذَا مِقْدَارُ الدُّعَاءِ، وَبَيَانُ الْحُجَّةِ فَقَطْ، وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] فَلَمْ يُفْسِحْ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَرْكِ قِتَالِهِمْ إلَّا مُدَّةَ الْإِصْلَاحِ، فَمَنْ أَبَى قُوتِلَ.
وَأَيْضًا - فَإِنَّ فَرْضًا عَلَى الْإِمَامِ إنْفَاذُ الْحُقُوقِ عَلَيْهِمْ وَتَأْمِينُ النَّاسِ مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَأَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِالِافْتِرَاقِ إلَى مَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.
وَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا سَأَلْنَاهُ: مَاذَا يَقُولُ، إنْ اسْتَنْظَرُوهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَهَكَذَا نَزِيدُهُ سَاعَةً سَاعَةً، وَيَوْمًا يَوْمًا حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ إلَى انْقِضَاءِ أَعْمَارِهِمْ، وَفِي هَذَا إهْلَاكُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالِاشْتِغَالُ بِالتَّحَفُّظِ عَنْهُمْ، كَمَا هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِيهِ، فَإِنْ حَدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ كُلِّفَ أَنْ يَأْتِيَ بِالدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ تَحْدِيدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ.
стр. 4911
فَإِنْ ذَكَرُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَدْ قَاضَى قُرَيْشًا عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا وَجَعَلَ أَجَلَ الْمُصَرَّاةِ ثَلَاثًا، وَخِيَارَ الْمَخْدُوعِ فِي الْبَيْعِ ثَلَاثًا، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَّلَ ثَمُودَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قُلْنَا لَهُمْ: نَعَمْ، هَذَا حَقٌّ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَجَلَ الْمُولِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَجَلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَمَا الَّذِي جَعَلَ بَعْضَ هَذِهِ الْأَعْذَارِ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَكَانَ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَهُوَ الْحَقُّ، وَكَانَ مَا أَرَادَهُ مُرِيدٌ أَنْ يَزِيدَهُ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِرَأْيِهِ وَقِيَاسِهِ فَهُوَ الْبَاطِلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة تحصن البغاة فِي حصن فِيهِ نِسَاء أَوْ صبيان]
٢١٦٥ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ تَحَصَّنَ الْبُغَاةُ فِي حِصْنٍ فِيهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَلَا يَحِلُّ قَطْعُ الْمِيرِ عَنْهُمْ، لَكِنْ يُطْلَقُ لَهُمْ مِنْهُ بِمِقْدَارِ مَا يَسَعُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَطْ، وَيُمْنَعُونَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ.
وَجَائِزٌ قِتَالُهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَالرَّمْيِ، وَلَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ بِنَارٍ تُحْرِقُ مَنْ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَلَا بِتَغْرِيقٍ يُغْرِقُهُمْ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا الْبُغَاةُ فَقَطْ فَفَرْضٌ أَنْ يُمْنَعُوا الْمَاءَ وَالطَّعَامَ حَتَّى يَنْزِلُوا إلَى الْحَقِّ، وَإِلَّا فَهُمْ قَاتِلُو أَنْفُسِهِمْ بِامْتِنَاعِهِمْ مِنْ الْحَقِّ.
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ تُوقَدَ النِّيرَانُ حَوَالَيْهِمْ، وَيُتْرَكُ لَهُمْ مَكَانٌ يَتَخَلَّصُونَ مِنْهُ إلَى عَسْكَرِ أَهْلِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ نَارٌ أَوْقَدْنَاهَا، وَمَا أَطْلَقْنَاهُ هُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهَا - إنْ أَحَبُّوا - وَلَا يَحِلُّ - إحْرَاقُهُمْ، وَلَا تَغْرِيقُهُمْ دُونَ أَنْ يَتَخَلَّصُوا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ ﵌ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْمُقَاتَلَةِ فَقَطْ.
وَلَا يَحِلُّ بِأَنْ يَبِيتُوا إلَّا بِأَنْ نَقْبِضَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ فَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ أَمَانَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ الْحُرِّ]
٢١٦٦ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَالَ قَوْمٌ: إنَّ أَمَانَ الْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالرَّجُلِ الْحُرِّ جَائِزٌ لِأَهْلِ الْبَغْيِ.
وَهَذَا عِنْدَنَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ أَمَانَ أَهْلِ الْبَغْيِ بِأَيْدِيهِمْ، مَتَى تَرَكُوا الْقِتَالَ حَرُمَتْ
стр. 4912
دِمَاؤُهُمْ، وَكَانُوا إخْوَانَنَا، وَمَا دَامُوا مُقَاتِلِينَ بَاغِينَ فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ إعْطَاؤُهُمْ الْأَمَانَ عَلَى ذَلِكَ، فَالْأَمَانُ وَالْإِجَارَةُ هَاهُنَا هَدَرٌ وَلَغْوٌ، وَإِنَّمَا الْأَمَانُ وَالْإِجَارَةُ لِلْكَافِرِ الَّذِي يَحِلُّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُ - إذَا أَسَرُوهُ - وَاسْتِبْقَاؤُهُ، لَا فِي مُسْلِمٍ - إنْ تَرَكَ بَغْيَهُ - كَانَ هُوَ مِمَّنْ يُعْطَى الْأَمَانَ وَيُجَارُ.
وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ أَجَارَ كَافِرًا جَازَتْ إجَارَتُهُ، كَإِجَارَةِ غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» .
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ دَخَلُوا غُزَاةً إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَوَافَقُوا أَهْلَ الْعَدْلِ فَقَاتَلُوا مَعَهُمْ فَغَنِمُوا، فَالْغَنِيمَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ مُسْلِمُونَ.
وَمَنْ قَتَلَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ قَتِيلًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَهُ سَلَبُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ الْحُكْمِ.
وَلَوْ تُرِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ الْكُفَّارِ، وَأَهْلُ الْمُحَارَبَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ، فَفَرْضٌ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى الْإِمَامِ عَوْنُ أَهْلِ الْبَغْيِ وَإِنْقَاذُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ مُسْلِمُونَ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وَأَمَّا أَهْلُ الْمُحَارَبَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ ظُلْمَ أَهْلِ الْبَغْيِ فِي أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، وَالْمَنْعُ مِنْ الظُّلْمِ وَاجِبٌ - قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فَمَنْ تَرَكَ الْمُحَارِبَ، لَمْ يُعِنْ الْمَطْلُوبَ فَقَدْ أَعَانَ الْمُحَارِبَ عَلَى إثْمِهِ وَعُدْوَانِهِ، وَهَذَا حَرَامٌ.
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعَدْلِ وَأَهْلَ الْبَغْيِ تَوَادَعُوا وَتَعَاطَوْا الرِّهَانَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، إلَّا مَعَ ضَعْفِ أَهْلِ الْعَدْلِ عَلَى الْمُقَاتَلَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] فَمَا دُمْنَا قَادِرِينَ عَلَى الْمُقَاتَلَةِ لَهُمْ لَمْ يَحِلَّ لَنَا غَيْرُهَا أَصْلًا، وَلَسْنَا
стр. 4913
فِي سِعَةٍ مِنْ تَرْكِهَا سَاعَةً فَمَا فَوْقَهَا، فَإِنْ ضَعُفْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَإِنْ قَتَلُوا رَهْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ لَمْ يَحِلَّ لَنَا قَتْلُ رَهْنِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ غَيْرُ مُقَاتِلِينَ، وَلَمْ يَقْتُلُوا لَنَا أَحَدًا وَإِنَّمَا قَتَلَ الرَّهْنَ غَيْرُهُمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
стр. 4914
[كِتَابُ الْحُدُودِ] [ مَسْأَلَةٌ الْحُدُودُ فِي غَيْرِ النَّفْسِ وَالْأَعْضَاءِ سَبْعَةُ أَشْيَاءٍ]
٢١٦٧ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: لَمْ يَصِفْ اللَّهُ تَعَالَى حَدًّا مِنْ الْعُقُوبَةِ مَحْدُودًا لَا يَتَجَاوَزُ فِي النَّفْسِ، أَوْ الْأَعْضَاءِ، أَوْ الْبَشَرَةِ، إلَّا فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ: وَهِيَ: الْمُحَارَبَةُ، وَالرِّدَّةُ، وَالزِّنَى، وَالْقَذْفُ بِالزِّنَى، وَالسَّرِقَةُ، وَجَحْدُ الْعَارِيَّةِ، وَتَنَاوُلُ الْخَمْرِ فِي شُرْبٍ أَوْ أَكْلٍ فَقَطْ - وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَا حَدَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَحْدُودًا فِيهِ - وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
وَنَحْنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - ذَاكِرُونَ مَا فِيهِ الْحُدُودُ مِمَّا ذَكَرْنَا بَابًا بَابًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - ثُمَّ نَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَشْيَاءَ لَا حَدَّ فِيهَا، وَادَّعَى قَوْمٌ: أَنَّ فِيهَا حُدُودًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
ثُمَّ نَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - قَبْلَ ذَلِكَ أَبْوَابًا تَدْخُلُ فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ، أَوْ فِي أَكْثَرِهَا، فَإِنَّ جَمْعَهَا فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ أَوْلَى مِنْ تَكْرَارِهَا فِي كُلِّ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْحُدُودِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَهُوَ أَيْضًا - حَصْرُهَا لِمَنْ يَطْلُبُهَا، وَأَبْيَنُ لِاجْتِمَاعِهَا فِي مَكَان وَاحِدٍ، إذْ لَيْسَ كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ الْحُدُودِ أَوْلَى بِهَذِهِ الْأَبْوَابِ مِنْ سَائِرِ كُتُبِ الْحُدُودِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَهِيَ: الْحَدِيثُ الْوَارِدُ «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» مَعَ سَائِرِ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالنُّهْبَةِ.
وَهَلْ تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ أَمْ لَا؟ .
стр. 4915
وَهَلْ الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا؟ .
وَاجْتِمَاعُ الْحُدُودِ مَعَ الْقَتْلِ، وَالتَّوْكِيلِ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ؟ وَهَلْ تُقَامُ الْحُدُودُ بِعِلْمِ الْحَاكِمِ أَمْ لَا؟ وَالسِّجْنُ فِي التُّهْمَةِ، وَالِامْتِحَانُ بِالضَّرْبِ، وَالِاعْتِرَافُ بِالْإِكْرَاهِ، وَمَا الْإِكْرَاهُ وَالِاسْتِتَابَةُ فِي الْحُدُودِ؟ وَمَتَى يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْجَارِيَةِ وَالْغُلَامِ؟ وَاعْتِرَافُ الْعَبْدِ بِالْحَدِّ، وَالشَّهَادَةُ فِي الْحُدُودِ، وَالتَّأْجِيلُ فِي الْحَدِّ وَالتَّعَافِي فِي الْحُدُودِ قَبْلَ بُلُوغِهَا إلَى السُّلْطَانِ وَالتَّرْغِيبُ فِي إمَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا يُؤَاخِذُ اللَّهُ عَبْدًا بِأَوَّلِ ذَنْبٍ - ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ - الرُّجُوعُ عَنْ الِاعْتِرَافِ بِالْحَدِّ؟ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْحَاكِمِ فِي حُكْمِهِ بِالْحَدِّ، هَلْ يُكْشَفُ وَيَسْأَلُ مَنْ ذُكِرَ عَنْهُ حَدٌّ أَمْ لَا؟ هَلْ تُقَامُ الْحُدُودُ عَلَى الْكُفَّارِ أَمْ لَا؟ كَيْفَ حَدُّ الْعَبْدِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ؟ كَيْفَ حَدُّ الْمُكَاتَبِ؟ ٢١٦٨ - مَسْأَلَةٌ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ التُّجِيبِيُّ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ
стр. 4916
عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولَانِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» .
وَبِهِ - إلَى مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: أَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، ثُمَّ اتَّفَقَ شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ - هُوَ الْأَعْمَشُ - عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ» هَذَا لَفْظُ شُعْبَةَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ فِي حَدِيثِهِ، رَفَعَهُ: نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْمَنْكِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنُ هَيَّاجٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْقَيْسِيُّ نا مُبَارَكُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ عَطَاءٍ نا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقْتُلُ الْقَاتِلُ حِينَ يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَخْتَلِسُ خِلْسَةً وَهُوَ مُؤْمِنٌ، يُخْلَعُ مِنْهُ الْإِيمَانُ كَمَا يُخْلَعُ مِنْهُ سِرْبَالُهُ، فَإِذَا رَجَعَ إلَى الْإِيمَانِ رَجَعَ إلَيْهِ، وَإِذَا رَجَعَ رَجَعَ إلَيْهِ الْإِيمَانُ» .
نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا عِيسَى بْنُ حَمَّادِ بْنِ زُغْبَةَ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ شَارِبُهَا حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا
стр. 4917
يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً فَيَرْفَعُ النَّاسُ فِيهَا إلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ] وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ حِينَ يَزْنِي مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ وَهُوَ حِينَ يَسْرِقُ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَهُوَ حِينَ يَشْرَبُهَا مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا مُؤْمِنٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ نا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَزْنِي الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ. فَقُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْتَزَعُ الْإِيمَانُ مِنْهُ؟ فَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا، فَقَالَ: هَكَذَا، فَإِذَا تَابَ عَادَ إلَيْهِ هَكَذَا، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ «لَا يَسْرِقُ سَارِقٌ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَزْنِي زَانٍ حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْحُدُودَ - يَعْنِي الْخَمْرَ - أَحَدُكُمْ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَنْتَهِبُ أَحَدُكُمْ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ إلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَعْيُنَهُمْ فِيهَا وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا مُؤْمِنٌ، وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إيَّاكُمْ إيَّاكُمْ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ فَمَرَّ جَلَبَةً عَلَى بَابِهَا فَسَمِعَتْ الصَّوْتَ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: رَجُلٌ ضُرِبَ فِي الْخَمْرِ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ - يَعْنِي الْخَمْرَ - حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاكُمْ» .
стр. 4918
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا أَثَرٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، لَا مَغْمَزَ فِيهِ، رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، بِالْأَسَانِيدِ التَّامَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا.
وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَحُمَيْدٌ: ابْنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَخُو سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِكْرِمَةُ، وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ: النَّاسُ، فَهُوَ نَقْلٌ تَوَاتَرَ يُوجِبُ صِحَّةَ الْعِلْمِ، وَذُكِرَ فِيهِ كَمَا أَوْرَدْنَا: الْقَتْلُ، وَالزِّنَى، وَالْخَمْرُ، وَالسَّرِقَةُ، وَالنُّهْبَةُ، وَالْغُلُولُ.
فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهِ، وَمَا هُوَ هَذَا الْإِيمَانُ الَّذِي يُزَايِلُهُ حِينَ مُوَاقَعَتِهِ هَذِهِ الذُّنُوبَ: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا كَمَا أَوْرَدْنَا آنِفًا أَنَّهُ يُخْلَعُ مِنْهُ الْإِيمَانُ كَمَا يُخْلَعُ سِرْبَالُهُ فَإِذَا رَجَعَ رَجَعَ إلَيْهِ الْإِيمَانُ.
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا أَوْرَدْنَا أَنَّهُ فَسَّرَ انْتِزَاعَ الْإِيمَانِ مِنْهُ: بِأَنْ شَبَّكَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، ثُمَّ زَايَلَهَا قَالَ: وَهَكَذَا، ثُمَّ رَدَّهَا وَقَالَ: فَإِذَا تَابَ عَادَ إلَيْهِ.
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِضُ عَلَى مَمْلُوكِهِ الْبَاءَةَ، وَيَقُولُ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ زَوَّجْته؟ فَإِنَّهُ لَا يَزْنِي زَانٍ إلَّا نَزَعَ اللَّهُ مِنْهُ رِبْقَةَ الْإِيمَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ رَدَّهُ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَمْنَعَهُ مَنَعَهُ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْت عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ حِينَ يَزْنِي، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ حِينَ يَشْرَبُ - قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إلَّا قَالَ: وَإِذَا اعْتَزَلَ خَطِيئَتَهُ رَجَعَ إلَيْهِ الْإِيمَانُ - قَالَ: فَرَاجَعْته؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إلَّا قَالَ: فَيُنْتَزَعُ مِنْهُ الْإِيمَانُ مَا دَامَ عَلَى خَطِيئَتِهِ، فَإِذَا فَارَقَهَا رَجَعَ إلَيْهِ الْإِيمَانُ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ
стр. 4919
يَقُولُ: لَا يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ حِينَ يَزْنِي، فَإِذَا زَايَلَهُ رَجَعَ إلَيْهِ الْإِيمَانُ لَيْسَ إذَا تَابَ مِنْهُ، وَلَكِنْ إذَا أَخَّرَ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ - قَالَ: وَحَسِبْته أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ: فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ زَالَ عَنْهُ الْإِيمَانُ، يُقَالُ: الْإِيمَانُ كَالظِّلِّ.
وَذَكَرَ أَيْضًا مَعْمَرٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَعَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: هَذَا نَهْيٌ، يَقُولُ: حِينَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَفْعَلَنَّ - يَعْنِي: لَا يَسْرِقُ، وَلَا يَزْنِي، وَلَا يَغُلُّ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذِهِ التَّفَاسِيرُ كُلُّهَا لَيْسَ فِيهَا إلَّا مُزَايَلَةُ الْإِيمَانِ لِلْفَاعِلِ حِينَ الْفِعْلِ، ثُمَّ رُجُوعُهُ فِي بَعْضِهَا إلَيْهِ إذَا تَابَ، وَإِذَا تَرَكَ.
وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ بَيَانُ مَا هُوَ الْإِيمَانُ الزَّائِلُ حِينَ هَذِهِ الْمَعَاصِي؟ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ الْحَقُّ الْوَاضِحُ، الَّذِي لَا حَقِيقَةَ فِي غَيْرِهِ، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ حِينَ فِعْلِهِ إيَّاهُ مُؤْمِنًا، فَإِنَّ الْإِيمَانَ قَدْ فَارَقَهُ بِلَا شَكٍّ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا هَذَا الْإِيمَانُ الَّذِي يَزُولُ عَنْهُ فِي حِينِ ذَلِكَ الْفِعْلِ؟ لِنَعْلَمَ مِنْ ذَلِكَ حُكْمَ ذَلِكَ الْفَاعِلِ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهُ: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَوَجَدْنَا النَّاسَ فِي تَفْسِيرِ لَفْظَةِ " الْإِيمَانِ " قَدْ افْتَرَقُوا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: الْإِيمَانُ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ -: أَحَدُهَا: الْعَقْدُ بِالْقَلْبِ - وَالْآخَرُ: النُّطْقُ بِاللِّسَانِ - وَالثَّالِثُ: عَمَلٌ بِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ - فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا - وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ - مُخْطِئَةٌ -: إنَّ الْإِيمَانَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى مَعْنَيَيْنِ، وَهُمَا: الْعَقْدُ بِالْقَلْبِ، وَالنُّطْقُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الطَّاعَاتِ، وَاجْتِنَابَ الْمُحَرَّمَاتِ: إنَّمَا هِيَ شَرَائِعُ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَتْ إيمَانًا، وَهَذِهِ مَقَالَةٌ - وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً - فَصَاحِبُهَا لَا يُكَفَّرُ.
وَقَالَتْ طَائِفَتَانِ قَوْلَيْنِ خَرَجَا بِهِمَا إلَى الْكُفْرِ صُرَاحًا:
أَحَدُهُمَا: جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَمَنْ قَلَّدَهُ وَائْتَمَّ بِهِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْإِيمَانُ
стр. 4920
هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ فَقَطْ، وَإِنْ أَعْلَنَ الْكُفْرَ، وَجَحَدَ النُّبُوَّةَ، وَصَرَّحَ بِالتَّثْلِيثِ، وَعَبَدَ الصَّلِيبَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، دُونَ تَقِيَّةٍ.
وَالْآخَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ كِرَامٍ السِّجِسْتَانِيُّ، وَمَنْ اتَّبَعَهُ وَاقْتَدَى بِهِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ، وَإِنْ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ.
فَلَزِمَ الطَّائِفَةَ الْأُولَى: أَنَّ إبْلِيسَ مُؤْمِنٌ، وَأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُؤْمِنُونَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، لِأَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ عَرَفُوا اللَّهَ تَعَالَى بِقُلُوبِهِمْ، وَعَرَفُوا صِحَّةَ نُبُوَّةِ رَسُولِهِ ﷺ بِقُلُوبِهِمْ، وَجَدُوهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ، أَوْ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ تَعَالَى فِي إخْبَارِهِ بِصِحَّةِ عِلْمِ إبْلِيسِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِنُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈.
وَلَزِمَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِي شَهِدَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مُؤْمِنُونَ، أَوْلِيَاءُ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ - وَهَذَا كُفْرٌ مُجَرَّدٌ.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَمُخَالَفَةٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْإِيمَانَ الْمُزَايِلَ لِلزَّانِي فِي حِينِ زِنَاهُ، وَلِلْقَاتِلِ فِي حِينِ قَتْلِهِ، وَلِلسَّارِقِ فِي حِينِ سَرِقَتِهِ، وَلِلْغَالِّ فِي حِينِ غُلُولِهِ، وَلِلشَّارِبِ فِي حِينِ شُرْبِهِ، وَلِلْمُنْتَهِبِ فِي حَالِ نُهْبَتِهِ: أَنَّهُ التَّصْدِيقُ أَنْ يَقُولَ: الْقَاتِلُ، وَالزَّانِي، وَالْغَالُّ، وَالْمُنْتَهِبُ، وَالشَّارِبُ: قَدْ بَطَلَ تَصْدِيقُهُمْ وَمَنْ بَطَلَ تَصْدِيقُهُ فَهُوَ كَافِرٌ.
فَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ زَكَاةٌ، وَلَا يُتْرَكَ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلَا أَنْ يَدْخُلَ الْحَرَمَ، وَلَا أَنْ يَبْتَدِئَ نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ، وَإِنْ مَاتَ لَهُ قَرِيبٌ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَنْ لَا يَرِثَهُ - وَهَذَا خِلَافٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ يَعْتَدُّ بِهِ بَعْدَهُمْ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ هَذَا - يَعْنِي مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذْ لَمْ يُرِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الزَّانِيَ كَافِرٌ، وَلَا أَنَّ الْقَاتِلَ كَافِرٌ، وَلَا أَنَّ الْمُنْتَهِبَ كَافِرٌ، وَلَا أَنَّ الْغَالَّ كَافِرٌ، وَلَا أَنَّ الشَّارِبَ كَافِرٌ، وَلَا أَنَّ السَّارِقَ كَافِرٌ.
وَصَحَّ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا كُفَّارًا لَلَزِمَهُمْ مَا يَلْزَمُ الْمُرْتَدَّ عَنْ دِينِهِ مِنْ الْقَتْلِ، وَفِرَاقِ
стр. 4921
الزَّوْجَةِ، وَاسْتِيفَاءِ الْمَالِ - فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَعْنِ بِذَهَابِ الْإِيمَانِ الْمَذْكُورِ ذَهَابَ تَصْدِيقِهِ.
وَأَيْضًا - فَبِضَرُورَةِ الْحِسِّ يَدْرِي مَنْ وَاقِعٍ شَيْئًا مِنْ الذُّنُوبِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَفْسِهِ: أَنَّ تَصْدِيقَهُ لَمْ يَزُلْ، وَأَنَّهُ كَمَا كَانَ، وَكُلُّ قَوْلٍ تُكَذِّبُهُ الضَّرُورَةُ فَهُوَ قَوْلٌ مُتَيَقَّنُ السُّقُوطِ؟ فَقَدْ صَحَّ مَا قُلْنَا: إنَّ الْإِيمَانَ الْمُزَايِلَ لَهُ فِي حَالِ هَذِهِ الْأَفَاعِيلِ إنَّمَا هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي هُوَ الطَّاعَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَطْ.
وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ بِالْيَقِينِ، لِأَنَّ الزِّنَى، وَالْقَتْلَ، وَالْغُلُولَ، وَالنُّهْبَةَ، وَشُرْبَ الْخَمْرِ، لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَيْسَتْ إيمَانًا، فَإِذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا إيمَانًا، فَفَاعِلُهَا لَيْسَ مُؤْمِنًا، بِمَعْنَى لَيْسَ مُطِيعًا، إذْ لَمْ يَفْعَلْ الطَّاعَةَ، لَكِنَّهُ عَاصٍ وَفَاسِقٌ، وَمَنْ فَعَلَ الْإِيمَانَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا لَمْ يَفْعَلْ فِي فِعْلِهِ تِلْكَ الْأَفْعَالَ إيمَانًا، فَلَيْسَ مُؤْمِنًا.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ الْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ عَلَى أَنَّ الطَّاعَاتِ كُلَّهَا إيمَانٌ، وَأَنَّ تَرْكَ الطَّاعَةِ لَيْسَ إيمَانًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة إقَامَة الْحُدُود فِي الْمَسَاجِد]
٢١٦٩ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا أَبُو نَشِيطٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَ أَبُو نَشِيطٍ: نا أَبُو الْمُغِيرَةَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ نا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: نا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَبَّارُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ - ثُمَّ اتَّفَقَ قَتَادَةُ، وَإِسْمَاعِيلُ - كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يُقْتَلُ بِالْوَلَدِ الْوَالِدُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَسَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ضَعِيفَانِ -
стр. 4922
وَبِهِ - إلَى الْبَزَّارِ نا يُونُسُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مُعَاذٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ نا إِسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُقَامَ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ» .
مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ سَاقِطٌ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ» - مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْعَبَّاسُ: مَجْهُولَانِ.
وَعَنْ وَكِيعٍ نا مُبَارَكٌ عَنْ ظَبْيَانَ بْنِ صُبَيْحٍ الضَّبِّيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ - ظَبْيَانَ: مَجْهُولٌ.
وَعَنْ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَجُلٌ فِي حَدٍّ، فَقَالَ: أَخْرِجَاهُ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ اضْرِبَاهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، قَدْ صَحَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِتَطْيِيبِ الْمَسَاجِدِ وَتَنْظِيفِهَا» .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]
فَوَجَبَ صَوْنُ الْمَسَاجِدِ، وَرَفْعُهَا، وَتَنْظِيفُهَا - فَمَا كَانَ مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ فِيهِ تَقْذِيرٌ لِلْمَسْجِدِ بِالدَّمِ: كَالْقَتْلِ، وَالْقَطْعِ، فَحَرَامٌ أَنْ يُقَامَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَطْيِيبًا؛ وَلَا تَنْظِيفًا - وَكَذَلِكَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِ مَاعِزٍ بِالْبَقِيعِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ» .
وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْحُدُودِ جَلْدًا فَقَطْ، فَإِقَامَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ جَائِزٌ، وَخَارِجَ الْمَسْجِدِ أَيْضًا جَائِزٌ، إلَّا أَنَّ خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَحَبُّ إلَيْنَا، خَوْفًا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَجْلُودِ بَوْلٌ لِضَعْفِ طَبِيعَتِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤْمَنُ مِنْ الْمَضْرُوبِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَلَوْ كَانَ إقَامَةُ الْحُدُودِ بِالْجَلْدِ فِي الْمَسَاجِدِ حَرَامًا لَفَصَّلَ لَنَا ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي الْقُرْآنِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ .
стр. 4923
وَمِمَّنْ قَالَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ بِالْجَلْدِ فِي الْمَسَاجِدِ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَغَيْرُهُ - وَبِهِ نَأْخُذُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة هَلْ الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لِمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ أَمْ لَا]
٢١٧٠ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لِمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: كُلُّ مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فِيهِ حَدٌّ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ مَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ - تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ - حَاشَ الْمُحَارَبَةِ، فَإِنَّ إثْمَهَا بَاقٍ عَلَيْهِ وَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهَا، وَلَا يُسْقِطُهَا عَنْهُ إلَّا التَّوْبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَطْ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ «عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ، إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» .
وَبِهِ - إلَى مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا خَالِدٌ - هُوَ الْحَذَّاءُ - عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ - هُوَ الصَّنْعَانِيِّ - عَنْ «عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاَللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا يَغْتَابَ بَعْضُنَا بَعْضًا - فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ عِقَابُهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ - إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» .
وَأَمَّا تَخْصِيصُنَا الْمُحَارَبَةَ مِنْ جَمِيعِ الْحُدُودِ، فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] فَنَصَّ اللَّهُ تَعَالَى نَصًّا لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا، عَلَى أَنَّهُمْ مَعَ إقَامَةِ هَذَا الْحَدِّ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا، وَلَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
стр. 4924
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ النُّصُوصِ كُلِّهَا كَمَا جَاءَتْ، وَأَنْ لَا يُتْرَكَ شَيْءٌ مِنْهَا لِشَيْءٍ آخَرَ وَلَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِنْ بَعْضٍ، وَكُلُّهَا حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى - وَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: أَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ - فَإِنَّهُ فَضِيلَةٌ لَنَا أَنْ تُكَفَّرَ عَنَّا الذُّنُوبُ بِالْحَدِّ، وَالْفَضَائِلُ لَا تُنْسَخُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَوَامِرَ، وَلَا نَوَاهِيَ، وَإِنَّمَا النَّسْخُ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي - سَوَاءٌ وَرَدَتْ بِلَفْظَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ - أَوْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ الْمُحَقَّقُ فَلَا يَدْخُلُ النَّسْخُ فِيهِ، وَلَوْ دَخَلَ لَكَانَ كَذِبًا - وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِشَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ . وَأَمَّا الْآيَةُ فِي الْمُحَارَبَةِ - فَإِنَّ وُجُوبَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ مَعَ الْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ: خَبَرٌ مُجَرَّدٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَأَمِنَ دُخُولُ النَّسْخِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِنْ تَعَلَّقَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْعُذْرِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ دُحَيْمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكَشِّيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا أَدْرِي أَتُبَّعُ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لَا؟ وَمَا أَدْرِي ذُو الْقَرْنَيْنِ أَنَبِيًّا كَانَ أَمْ لَا؟ وَمَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا؟» .
وَبِمَا ثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْعُذْرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَعِيدِ بْنِ سَخْتَوَيْهِ الْإسْفَرايِينِيّ - فِي دَارِهِ بِمَكَّةَ - ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ بْنِ مُوسَى نا
стр. 4925
دَاوُد بْنُ رَشِيدٍ نا سَيْفُ بْنُ هَارُونَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا بَايَعَتْ النِّسَاءُ، فَمَنْ مَاتَ مِنَّا وَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْهُنَّ: ضَمِنَ لَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ مِنَّا وَأَتَى بِشَيْءٍ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ: فَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَصَحِيحُ السَّنَدِ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُ فِي وَقْتِنَا هَذَا عِلَّةً، إلَّا أَنَّ الَّذِي لَا نَشُكُّ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ، وَلَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ، وَقَدْ قَالَ ﷺ بِأَصَحِّ سَنَدٍ مِمَّا أَوْرَدْنَا آنِفًا مِنْ طَرِيقِ عُبَادَةَ: «أَنَّ مَنْ أَصَابَ مِنْ الزِّنَى، وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَتْلِ، وَالْغَصْبِ: شَيْئًا، فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَشُكَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ قَدْ قَطَعَ بِهِ، وَبَشَّرَ أُمَّتَهُ بِهِ، وَهُوَ وَحْيٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْحَى إلَيْهِ بِهِ.
وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا فِيهِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا الْكَلَامَ، وَقَدْ سَمِعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ أَحَدِ الْمُهَاجِرِينَ، مِمَّنْ سَمِعَهُ ذَلِكَ الصَّاحِبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَوَّلِ الْبَعْثِ، قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ عُبَادَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ» فَهَذَا صَحِيحٌ بِأَنَّهُ ﵇ لَا يُعَلِّمُ إلَّا مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ أَعْلَمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ حِينَئِذٍ، وَأَخْبَرَ بِهِ الْأَنْصَارَ، إذْ بَايَعُوهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَالْحُدُودُ حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ، لَا حِينَ بَيْعَةِ عُبَادَةَ وَلَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَ رَسُولَهُ ﵇ أَنَّهُ سَيَكُونُ لِهَذِهِ الذُّنُوبِ حُدُودٌ، وَعُقُوبَاتٌ - وَإِنْ كَانَ لَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا - لَكِنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهَا كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا - هَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ - إنْ صَحَّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ عِلَّةٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ - فَسَاقِطٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُد بْنِ رَشِيدٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي تَكَلَّمْنَا فِيهِ آنِفًا، وَالْأَمْرُ كَانَ حِينَئِذٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَبْيَنُ، لِأَنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ مُتَأَخِّرٌ جِدًّا بَعْدَ الْفَتْحِ، لَمْ يُدْرِكْ قَطُّ بَيْعَةَ النِّسَاءِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْقِتَالِ، لِأَنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ " الْمَائِدَةِ " فَصَارَ حَدِيثُ عُبَادَةَ قَاضِيًا عَلَى كُلِّ ذَلِكَ، وَمُخْبِرًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَيْسَ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ: مِنْ أَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا، حَاشَ مَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا
[مَسْأَلَة هَلْ تَسْقُطُ الْحُدُودُ بِالتَّوْبَةِ أَمْ لَا]
стр. 4926
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَالَ قَوْمٌ: إنَّ الْحُدُودَ كُلَّهَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ - وَهَذِهِ رِوَايَةٌ رَوَاهَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ، قَالَهَا بِالْعِرَاقِ وَرَجَعَ عَنْهَا بِمِصْرَ - وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: بِمَا نَاهٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِ، فَلَمَّا مَسَّتْهُ الْحِجَارَةُ خَرَجَ يَشْتَدُّ، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنَسٍ مِنْ نَادِي قَوْمِهِ بِوَظِيفِ حِمَارٍ، فَضَرَبَهُ فَصَرَعَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِأَمْرِهِ فَقَالَ أَلَا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ؟ يَا هَذَا لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ» .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ امْرَأَةً وَقَعَ عَلَيْهَا رَجُلٌ فِي سَوَادِ الصُّبْحِ وَهِيَ تَعْمِدُ إلَى الْمَسْجِدِ عَنْ كُرْهِ نَفْسِهَا، فَاسْتَغَاثَتْ بِرَجُلٍ مَرَّ عَلَيْهَا وَفَرَّ صَاحِبُهَا، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهَا قَوْمٌ ذَوُو عَدَدٍ، فَاسْتَغَاثَتْ بِهِمْ، فَأَدْرَكُوا الَّذِي اسْتَغَاثَتْ بِهِ، وَسَبَقَهُمْ الْآخَرُ، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهَا، وَأَخْبَرَهُ الْقَوْمُ: أَنَّهُمْ أَدْرَكُوهُ يَشْتَدُّ، فَقَالَ: إنَّمَا كُنْتُ أَغَثْتُهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَأَدْرَكَنِي هَؤُلَاءِ فَأَخَذُونِي، قَالَتْ: كَذَبَ، هُوَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ النَّاسِ فَقَالَ: لَا تَرْجُمُوهُ وَارْجُمُونِي أَنَا الَّذِي فَعَلْتُ بِهَا الْفِعْلَ، فَاعْتَرَفَ، فَاجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا، وَاَلَّذِي أَغَاثَهَا، وَالْمَرْأَةُ، فَقَالَ أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، وَقَالَ لِلَّذِي أَغَاثَهَا قَوْلًا حَسَنًا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَرْجُمُ الَّذِي اعْتَرَفَ بِالزِّنَى؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا، إنَّهُ قَدْ تَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى زَادَ ابْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ لَوْ تَابَهَا أَهْلُ مَدِينَةِ يَثْرِبَ لَقُبِلَ مِنْهُمْ» .
نا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ نا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ نا أَبُو النَّضْرِ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ
стр. 4927
أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي مَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ الْهُذَلِيِّ عَنْ «وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَتَى الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: أَصَبْت حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَأَقِمْ فِي حَدَّ اللَّهِ قَالَ: أَلَمْ تُحْسِنْ الطُّهُورَ - أَوْ الْوُضُوءَ - ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا آنِفًا؟ اذْهَبْ فَهِيَ كَفَّارَتُكَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ نا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ «الْبَاهِلِيِّ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ عَلَيَّ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ - وَمَعَهُ الرَّجُلُ - وَتَبِعْتُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ عَلَيَّ حَدِّي فَإِنِّي أَصَبْتُهُ، فَقَالَ: أَلَيْسَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ مَنْزِلِكَ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ وَشَهِدْتَ مَعَنَا الصَّلَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ - أَوْ حَدَّكَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ - وَفِيهِ " إنِّي زَنَيْت " كَمَا ثنا الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ الْأَسَدِيُّ التَّمِيمِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَصِيلِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّوَّافُ نا أَحْمَدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ رَوْحٍ الْبَرْذَنْجِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْوَاسِطِيُّ نا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ الْحَدَّ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ كَفَّرَ عَنْكَ بِصَلَاتِكَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ وَقَالُوا: قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]
قَالُوا: فَصَحَّ النَّصُّ مِنْ الْقُرْآنِ وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ بِأَنَّ حَدَّ الْمُحَارَبَةِ تُسْقِطُهُ التَّوْبَةُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ الْحُدُودِ مِنْ: الزِّنَى، وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَذْفِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا كُلَّهَا حُدُودٌ وَقَعَتْ التَّوْبَةُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَهْلِهَا.
стр. 4928
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا كُلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحُدُودَ.
وَاحْتَجُّوا: بِمَا ناه حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا بَكْرُ - هُوَ ابْنُ حَمَّادٍ - نا مُسَدَّدٌ نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ نا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ حَدَّثَهُ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا فَقَالَتْ: إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا وَلِيَّهَا فَقَالَ أَحْسِنْ إلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا فَفَعَلَ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، هَلْ وَجَدْتَ شَيْئًا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا؟» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى نا دَاوُد بْنُ أَبِي نَضْرَةَ «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ: مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنِّي أَصَبْتُ فَاحِشَةً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا ثُمَّ سَأَلَ قَوْمَهُ؟ فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا - فَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ وَفِيهِ - فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَرْجُمَهُ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ: قَائِلٌ يَقُولُ: هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلُ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ، إنَّهُ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ فَقَالَ: اُقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ - أَوْ ثَلَاثَةً - ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ جُلُوسٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَقَالُوا: غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ نا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي
стр. 4929
قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَرَدَّهُ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ - فَجَاءَتْ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَأَنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا؟ فَوَاَللَّهِ إنِّي لَحُبْلَى، قَالَ أَمَّا الْآنَ فَاذْهَبِي وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ - فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ - وَفِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ - فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ إلَى صَدْرِهَا وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا - فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَرَمَى رَأْسَهَا فَنَضَحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سَبَّهُ إيَّاهَا، فَقَالَ: مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ» .
قَالُوا: فَهَذَا مَاعِزٌ قَدْ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ الرَّجْمِ بِإِخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وَبِأَنَّهَا مَقْبُولَةٌ - وَهَذِهِ الْغَامِدِيَّةُ، وَالْجُهَيْنِيَّةُ ﵄ قَدْ تَابَتَا أَتَمَّ تَوْبَةٍ وَأَصَحَّهَا، مَقْبُولَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﵇ وَلَمْ تُسْقِطْ هَذِهِ التَّوْبَةُ عَنْهُمْ الْحَدَّ.
قَالُوا: وَكَذَلِكَ أَيْضًا «حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ الَّذِينَ قَذَفُوا عَائِشَةَ ﵂؟» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ [فَنَتْبَعَهُ] بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنِّهِ: فَنَظَّرْنَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مَنْ رَأَى الْحُدُودَ سَاقِطَةً بِالتَّوْبَةِ.
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَوَجَدْنَاهُ مُرْسَلًا، فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حَدِيث عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، فَوَجَدْنَاهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ وَهُوَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ، شَهِدَ بِذَلِكَ شُعْبَةُ، وَغَيْرُهُ، فَسَقَطَ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، فَوَجَدْنَا الْأَوَّلَ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَاهِلِيِّ، فَوَجَدْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
стр. 4930
فَإِنْ قِيلَ: وَقَدْ رَوَيْتُمُوهُ بِأَنَّ فِيهِ زَيْنَبَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَفِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ رِجَالُهُ، ثُمَّ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ دُونَ عِلَّةٍ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ فِيهِ وُجُوهًا تَمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ: أَحَدُهَا - أَنَّ مُمْكِنًا أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ حَدِّ الزِّنَى ثُمَّ نَزَلَ حَدُّ الزِّنَى فَكَانَ الْحُكْمُ لِإِيجَابِ الْحَدِّ.
فَإِنْ قِيلَ: وَمُمْكِنٌ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نُزُولِ حَدِّ الزِّنَى ثُمَّ نَزَلَ حَدُّ الزِّنَى فَكَانَ الْحُكْمُ لَهُ وَيَكُونُ نَاسِخًا لِمَا فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ، وَالْغَامِدِيَّةِ وَالْجُهَيْنِيَّةِ؟ قُلْنَا: إنَّ الْوَاجِبَ إذَا تَعَارَضَتْ الْأَخْبَارُ أَنْ يُؤْخَذَ بِالزَّائِدِ وَالزَّائِدُ: هُوَ الَّذِي جَاءَ بِحُكْمٍ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فِي مَعْهُودِ الْأَصْلِ، وَكَانَ مَعْهُودُ الْأَصْلِ بِلَا شَكٍّ: أَنْ لَا حَدَّ عَلَى أَحَدٍ - تَائِبًا كَانَ أَوْ غَيْرَ تَائِبٍ - فَجَاءَ النَّصُّ: بِإِيجَابِ الْحُدُودِ جُمْلَةً، وَكَانَتْ هَذِهِ النُّصُوصُ زَائِدَةً عَلَى مَعْهُودِ الْأَصْلِ، وَجَاءَ حَدِيثُ مَاعِزٍ، وَالْغَامِدِيَّةِ، وَالْجُهَيْنِيَّةِ، فَكَانَ مَا فِيهَا مِنْ إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى التَّائِبِ زَائِدًا عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ إسْقَاطُ الْحَدِّ عَنْ التَّائِبِ - هَذَا لَوْ كَانَ فِي حَدِيثِهِمْ أَنَّ الْحَدَّ سَقَطَ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ، فَكَيْفَ وَلَيْسَ هَذَا فِيهِ؟ وَإِنَّمَا فِيهِ إسْقَاطُ الْحَدِّ بِصَلَاتِهِ فَقَطْ، وَهَذَا مَا لَا يَقُولُونَهُ [بَلْ هُمْ يُخَالِفُونَ لِهَذَا الْحُكْمِ] فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَبِتِلْكَ الْأَخْبَارِ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قَالُوا: هَبْكُمْ أَنَّ حَدَّ الزِّنَى قَدْ وَجَدْتُمْ فِيهِ، وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ: إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ تَابَ، فَمِنْ أَيْنَ لَمْ تُسْقِطُوا حَدَّ السَّرِقَةِ، وَحَدَّ الْخَمْرِ بِالتَّوْبَةِ؟ وَلَا نَصَّ مَعَكُمْ فِي إقَامَتِهَا عَلَى التَّائِبِ مِنْهَا؟ قُلْنَا: إنَّ النَّصَّ قَدْ وَرَدَ جُمْلَةً بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي السَّرِقَةِ، وَالْخَمْرِ، وَالزِّنَى، وَالْقَذْفِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ اللَّهُ تَعَالَى تَائِبًا مِنْ غَيْرِ تَائِبٍ، وَلَمْ يَصِحَّ نَصٌّ أَصْلًا بِإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْ التَّائِبِ، فَإِذَا الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُخَصَّ التَّائِبُ مِنْ عُمُومِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ بِالرَّأْيِ، وَالْقِيَاسِ دُونَ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ، فَهَذِهِ عُمْدَتُنَا فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى التَّائِبِ وَغَيْرِ التَّائِبِ.
وَإِنَّمَا حَدِيثُ مَاعِزٍ، وَالْغَامِدِيَّةِ، وَالْجُهَيْنِيَّةِ: مُؤَيِّدٌ لِقَوْلِنَا فِي ذَلِكَ فَقَطْ، وَلَوْ لَمْ
стр. 4931
يَأْتِ مَا احْتَجْنَا إلَيْهَا مَعَ الْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
وَقَوْلِهِ ﵇ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» .
وَمَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] .
وَمَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] .
وَمَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» الْحَدِيثَ.
стр. 4932
فَلَمْ يَخُصَّ ﵇ شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ مِمَّا أَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ تَائِبًا مِنْ غَيْرِهِ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
ثُمَّ نَظَرْنَا أَيْضًا فِي احْتِجَاجِهِمْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ بِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ عَذَابَ الْآخِرَةِ - وَهُوَ الْعَذَابُ الْأَكْبَرُ - فَإِذَا أَسْقَطَتْ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ فَأَحْرَى وَأَوْجَبُ أَنْ تُسْقِطَ الْعَذَابَ الْأَقَلَّ، الَّذِي هُوَ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا فَوَجَدْنَا هَذَا كُلَّهُ لَازِمًا لِكُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا، لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ - بِزَعْمِهِمْ - وَلَوْ صَحَّ قِيَاسٌ يَوْمًا مَا مِنْ الدَّهْرِ لَكَانَتْ هَذِهِ الْمَقَايِيسُ أَصَحَّ قِيَاسٍ فِي الْعَالَمِ.
وَأَيْنَ هَذَا مِنْ قِيَاسِهِمْ الْفَاسِدِ: الْحَدِيدُ عَلَى الذَّهَبِ فِي الرِّبَا، وَغَزْلُ الْقُطْنِ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الرِّبَا، وَقِيَاسِهِمْ فَرْجَ الزَّوْجَةِ عَلَى يَدِ السَّارِقِ، وَسَائِرِ قِيَاسَاتِهِمْ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا تُعْقَلُ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا يَلْزَمُنَا هَذَا، لِأَنَّ الْقِيَاسَ كُلَّهُ بَاطِلٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِشَيْءٍ مِنْهُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَعَذَابُ الْآخِرَةِ غَيْرُ عَذَابِ الدُّنْيَا، وَلَيْسَ إذَا سَقَطَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ الْآخَرُ، إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ نَصُّ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَعَاصِي لَيْسَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا حَدٌّ، كَالْغَصْبِ - وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: يَا كَافِرُ - وَكَأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ عِقَابٌ، بَلْ فِيهَا أَعْظَمُ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ.
стр. 4933
فَصَحَّ أَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] فَوَجَدْنَاهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُسْقِطْ الْحَدَّ بِالتَّوْبَةِ مُطْلَقَةً، وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ (إلَّا الَّذِينَ تَابُوا) وَلَمْ يَقُلْ " مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ " فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢] بَيَّنَ لَنَا تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ بَعْدِ الْجَلْدِ ثَمَانِينَ، وَاسْتِحْقَاقُ اسْمِ الْفُسُوقِ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ، لَا قَبْلَ الْجَلْدِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّمَا سَقَطَ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ الْجَلْدِ مَا عَدَا الْجَلْدَ، لِأَنَّ الْجَلْدَ قَدْ نَفَذَ فَلَا يَسْقُطُ بَعْدَهُ بِالتَّوْبَةِ إلَّا الْفِسْقُ، وَحُكْمُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ فَقَطْ.
وَأَيْضًا: فَبَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مِسْطَحَ بْنِ أُثَاثَةَ، وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ - فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ.
وَصَحَّ أَنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ بِهَا مَا عَدَا الْحَدَّ - وَهُوَ الْفِسْقُ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ فَقَطْ - فَبَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ بِهِ - وَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ شَيْءٌ مِنْ الْحُدُودِ، حَاشَا حَدِّ الْحِرَابَةِ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ بِسُقُوطِهَا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَقَطْ - وَأَمَّا بِالتَّوْبَةِ الْكَائِنَةِ مِنْهُمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ عَنْهُمْ حَدُّ الْمُحَارَبَةِ أَصْلًا، لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يُسْقِطْ الْحَدَّ عَنْهُمْ إلَّا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَقَطْ، وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى إنْفَاذِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ عَلِيٌّ ﵀: وَالدَّلِيلُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ وَلَمْ يَقُلْ مَا هُوَ؟ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَصْلًا كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ حَدٌّ فِيهِ الْجَلْدُ فَقَطْ: لَمْ يَقُمْ أَيْضًا جَلْدٌ، لِأَنَّهُ قَدْ يُظَنُّ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ حَدٌّ يُوجِبُ جَلْدًا - وَلَيْسَ كَمَا يُظَنُّ - فَإِذْ هُوَ مُمْكِنٌ فَلَا يَحِلُّ لَنَا بَشَرَتُهُ بِإِحْلَالِهِ لَنَا إيَّاهَا، لِأَنَّ تَحْرِيمَ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا قَبْلَ إحْلَالِهِ الْفَاسِدِ.
وَلَوْ أَنَّ امْرَأً قَالَ لِآخَرَ: اضْرِبْنِي فَقَدْ أَحْلَلْت لَك بَشَرَتِي؟ لَمْ يَحِلَّ ضَرْبُهُ أَصْلًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا، وَلَا أَنْ يُحَرِّمَ مِنْهَا مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 4934
وَلَوْ قَالَ مَنْ صَحَّ عَلَيْهِ الْجَلْدُ فِي الْقَذْفِ، أَوْ الزِّنَى، أَوْ الْخَمْرِ: قَدْ حَرَّمْت عَلَيْكُمْ بَشَرَتِي، لَكَانَ كَلَامُهُ هَذْرًا وَلَغْوًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَحَلَّ لِآخَرَ قَتْلَ نَفْسِهِ أَوْ قَطْعَ يَدِهِ أَوْ أَحَلَّتْ الْمَرْأَةُ فَرْجَهَا لِأَجْنَبِيٍّ.
أَوْ حَرَّمَ الرَّجُلُ فَرْجَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ، أَوْ حَرَّمَتْ هِيَ فَرْجَهَا عَلَيْهِ، لَكَانَ كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلًا، وَلَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ ﵇، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]
فَإِنْ قَالَ عَلَيَّ لِلَّهِ تَعَالَى حَدٌّ يُوجِبُ: إمَّا زِنًا، وَإِمَّا قَذْفًا، وَإِمَّا شُرْبَ خَمْرٍ، فَهَذَا لَمْ يُحَقِّقْ وَلَا أَقَرَّ إقْرَارًا صَحِيحًا - وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا حَدُّ الْخَمْرِ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْحُدُودِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ بِيَقِينٍ.
وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَزْدَادَ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِالشَّكِّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْلَدَ شَيْئًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَا هُوَ الْحَدُّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَيَصِفَهُ وَصَفًّا تَامًّا.
[مَسْأَلَة السِّجْنُ فِي التُّهْمَةِ]
٢١٧٢ - مَسْأَلَةٌ: السِّجْنُ فِي التُّهْمَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: قَالَ قَوْمٌ: بِالسِّجْنِ فِي التُّهْمَةِ؟ وَاحْتَجُّوا: بِمَا ثنا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ثنا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ ثنا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَاتِمٍ الطَّوِيلُ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ احْتِيَاطًا، أَوْ قَالَ: اسْتِظْهَارًا: يَوْمًا وَلَيْلَةً» .
وَبِهِ - إلَى قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ نا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قَالَ «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنْ قَوْمِهِ فِي تُهْمَةٍ فَحَبَسَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عَلَى مَا تَحْبِسُ جِيرَتِي؟ فَصَمَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إنَّكَ لَتَنْهَى عَنْ الشَّيْءِ وَتَسْتَخْلِي بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا
стр. 4935
يَقُولُ؟ فَجَعَلْتُ أَعْرِضُ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ مَخَافَةَ أَنْ يَسْمَعَهَا فَيَدْعُوَ عَلَى قَوْمِي دَعْوَةً لَا يُفْلِحُونَ بَعْدَهُ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى فَهِمَهَا؟ قَالَ: قَدْ قَالُوهَا؟ وَقَالَ قَائِلُهَا مِنْهُمْ: وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتُهَا لَكَانَ عَلَيَّ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ، خَلُّوا لَهُ عَنْ جِيرَانِهِ» .
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَقْبَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي غِفَارٍ حَتَّى نَزَلَا مَنْزِلًا بِضَجِنَانَ مِنْ مِيَاهِ الْمَدِينَةِ، وَعِنْدَهَا نَاسٌ مِنْ غَطَفَانَ مَعَهُمْ ظَهْرٌ لَهُمْ، فَأَصْبَحَ الْغَطَفَانِيُّونَ قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرَيْنِ مِنْ إبِلِهِمْ فَاتَّهَمُوا بِهِمَا الْغِفَارِيِّينَ، فَأَقْبَلُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرُوا أَمْرَهُمْ، فَحَبَسَ أَحَدَ الْغِفَارِيِّينَ، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبْ فَالْتَمِسْ؟ فَلَمْ يَكُنْ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ بِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَحَدِ الْغِفَارِيِّينَ - حَسِبْتُ أَنَّهُ الْمَحْبُوسُ - اسْتَغْفِرْ لِي؟ فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: وَلَكَ وَقَتَلَكَ فِي سَبِيلِهِ، قَالَ: فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَذَهَبَ إلَى هَذَا قَوْمٌ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كِتَابًا قَرَأْته: إذَا وُجِدَ الْمَتَاعُ مَعَ الرَّجُلِ الْمُتَّهَمِ فَقَالَ: ابْتَعْته فَاشْدُدْهُ فِي السِّجْنِ وَثَاقًا، وَلَا تَحُلُّهُ بِكِتَابِ أَحَدٍ حَتَّى يَأْتِيَهُ فِيهِ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَطَاءٍ فَأَنْكَرَهُ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ - إلَى الْمَنْعِ مِنْ الْحَبْسِ بِالتُّهْمَةِ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَامِرٍ قَالَ: انْطَلَقْت فِي رَكْبٍ حَتَّى إذَا جِئْنَا ذَا الْمَرْوَةِ سُرِقَتْ عَيْبَةٌ لِي، وَمَعَنَا رَجُلٌ مُتَّهَمٌ، فَقَالَ أَصْحَابِي: يَا فُلَانُ اُرْدُدْ عَلَيْهِ عَيْبَتَهُ؟ فَقَالَ: مَا أَخَذْتهَا: فَرَجَعْت إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرْته، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَعَدَدْتهمْ، فَقَالَ: أَظُنُّهَا صَاحِبُهَا لِلَّذِي أَتَّهِمُ؟ فَقُلْت: لَقَدْ أَرَدْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ مُصَفَّدًا، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَأْتِي بِهِ مَصْفُودًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، لَا أَكْتُبُ لَك فِيهَا، وَلَا أَسْأَلُك عَنْهَا، وَغَضِبَ وَمَا كَتَبَ لِي فِيهَا، وَلَا سَأَلَ عَنْهَا، فَأَنْكَرَ عُمَرُ ﵁ أَنْ يُصَفَّدَ أَحَدٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ لَا حُجَّةَ
стр. 4936
فِي شَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ خُثَيْمٍ ضَعِيفٌ، وَبَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَحَدِيثَ عِرَاكٍ مُرْسَلٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ فِيهِ الدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْحَبْسِ لِاسْتِغْفَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ «الْمَرْأَةِ الْغَامِدِيَّةِ الَّتِي قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَهِّرْنِي، قَالَ: وَيْحَكِ، ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إلَيْهِ، قَالَتْ: لَعَلَّك تَرُدُّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَتْ: إنِّي حُبْلَى مِنْ الزِّنَى، قَالَ: أَثَيِّبٌ أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا نَرْجُمَنَّكِ حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةِ قَالَ: إذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: إلَيَّ رَضَاعُهُ، فَرَجَمَهَا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْجِنْهَا وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ، لَكِنْ فِيهِ: أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ تَوَلَّى أَمْرَهَا وَحِيَاطَتَهَا فَقَطْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] فَإِنَّ هَذَا حُكْمٌ مَنْسُوخٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
قَالَ عَلِيٌّ ﵀: فَإِذْ لَمْ يَبْقَ لِمَنْ رَأَى السِّجْنَ حُجَّةٌ، فَالْوَاجِبُ طَلَبُ الْبُرْهَانِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ بِسَجْنِهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا لَمْ يَصِحَّ قَبْلَهُ شَيْءٌ، أَوْ يَكُونَ قَدْ صَحَّ قَبْلَهُ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِّ، فَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِقَتْلٍ، أَوْ زِنًا، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ شُرْبٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: فَلَا يَحِلُّ سَجْنُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» وَقَدْ كَانَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُتَّهَمُونَ بِالْكُفْرِ - وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ - فَمَا حَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ أَحَدًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 4937
[مَسْأَلَة فِيمَنْ أَصَابَ حَدًّا مَرَّتَيْنِ فَصَاعِدًا]
؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، كَمَنْ زَنَى مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ فِي ذَلِكَ، أَوْ قَذَفَ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ فِي ذَلِكَ، أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، أَوْ سَرَقَ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ فِي ذَلِكَ، أَوْ جَحَدَ عَارِيَّةً مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ، قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَوْ حَارَبَ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ فَقَطْ - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهِ لِكُلِّ مَرَّةٍ حَدٌّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَوَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ؟ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتَّبِعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: لِكُلِّ فِعْلَةٍ حَدٌّ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]
وَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا مَعْمَرٌ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ قَالُوا: فَوَجَبَ بِنَصِّ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ عَلَى مَنْ زَنَى الْجَلْدُ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَعَلَى مَنْ سَرَقَ قَطْعُ يَدِهِ، وَعَلَى مَنْ قَذَفَ الْجَلْدُ الْمَأْمُورُ بِهِ وَعَلَى مَنْ
стр. 4938
شَرِبَ الْخَمْرَ الْجَلْدُ الْمَأْمُورُ بِهِ، فَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَيْهِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ مَتَى زَنَى ثَانِيَةً وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ ثَانٍ، وَإِذَا سَرَقَ ثَانِيَةً وَجَبَ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ الثَّانِيَةِ قَطْعٌ ثَانٍ، وَإِذَا قَذَفَ ثَانِيَةً وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ ثَانٍ، وَإِذَا شَرِبَ ثَانِيَةً وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ ثَانٍ وَلَا بُدَّ - وَهَكَذَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] الْآيَةَ.
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ.
وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» فَكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ، وَيَكْفُرُ مَنْ أَنْكَرَ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: فَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَيْهِ، فَهَذَا وَهْمُ أَصْحَابِنَا، وَلَسْنَا نَقُولُ بِهَذَا، لَكِنْ نَقُولُ: إنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ بِنَفْسِ الزِّنَى، وَلَا بِنَفْسِ الْقَذْفِ، وَلَا بِنَفْسِ السَّرِقَةِ، وَلَا بِنَفْسِ الشُّرْبِ، لَكِنْ حَتَّى يَسْتَضِيفَ إلَى ذَلِكَ مَعْنًى آخَرَ - وَهُوَ ثَبَاتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ، إمَّا بِعِلْمِهِ، وَإِمَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، وَإِمَّا بِإِقْرَارِهِ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَلَا يَلْزَمُهُ حَدٌّ، لَا جَلْدٌ، وَلَا قَطْعٌ أَصْلًا.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: هُوَ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ الْحُدُودُ الْمَذْكُورَةُ بِنَفْسِ الْفِعْلِ لَكَانَ فَرْضًا عَلَى مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ عَلَى نَفْسِهِ لِيَخْرُجَ مِمَّا لَزِمَهُ، أَوْ أَنْ يُعَجِّلَ الْمَجِيءَ إلَى الْحَاكِمِ فَيُخْبِرَهُ بِمَا عَلَيْهِ لِيُؤَدِّيَ مَا لَزِمَهُ فَرْضًا فِي ذِمَّتِهِ، لَا فِي بَشَرَتِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا بِلَا خِلَافٍ.
أَمَّا إقَامَتُهُ الْحَدَّ عَلَى نَفْسِهِ فَحَرَامٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِسَارِقٍ أَنْ يَقْطَعَ يَدَ نَفْسِهِ، بَلْ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ الْأُمَّةِ كُلِّهَا عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَوْ كَانَ الْحَدُّ فَرْضًا وَاجِبًا بِنَفْسِ فِعْلِهِ لَمَا حَلَّ لَهُ السَّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا جَازَ لَهُ تَرْكُ الْإِقْرَارِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، لِيُؤَدِّيَ عَنْ نَفْسِهِ مَا لَزِمَهُ.
وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵇ الْأَئِمَّةَ وَوُلَاتَهُمْ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى مَنْ جَنَاهَا، وَبِيَقِينِ الضَّرُورَةِ نَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْهُمْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ لِكُلِّ زِنًا يَزْنِيهِ، وَكُلِّ قَذْفٍ يَقْذِفُهُ، وَكُلِّ شُرْبٍ
стр. 4939
يَشْرَبُهُ، وَكُلِّ سَرِقَةٍ يَسْرِقُهَا، وَكُلِّ حِرَابَةٍ يُحَارِبُ، وَكُلِّ عَارِيَّةٍ يَجْحَدُهَا قَبْلَ عِلْمِ الْإِمَامِ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ، لَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى مَنْ زَنَى مَرَّةً، أَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ - إذَا عَلِمَ الْإِمَامُ بِذَلِكَ - جَلْدَ مِائَةٍ، وَعَلَى الْقَاذِفِ، وَالسَّارِقِ، وَالْمُحَارِبِ، وَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَالْجَاحِدِ مَرَّةً، وَأَلْفَ مَرَّةٍ حَدًّا وَاحِدًا، إذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ كُلَّهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا إنْ وَقَعَ عَلَى مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيعٌ مِنْ الْإِمَامِ، أَوْ أَمِيرِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، ثُمَّ شَرَعَ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ فَوَقَعَتْ ضَرُورَةٌ مَنَعَتْ مِنْ إتْمَامِهِ فَوَاقَعَ فِعْلًا آخَرَ مِنْ نَوْعِ الْأَوَّلِ، فَقَوْلُنَا، وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا سَوَاءٌ: يَسْتَتِمُّ عَلَيْهِ الْحَدَّ الْأَوَّلَ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فِي الثَّانِي وَلَا بُدَّ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْحَدَّ كُلَّهُ قَدْ وَجَبَ بِعِلْمِ الْإِمَامِ، أَوْ أَمِيرِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى إقَامَةِ جَمِيعِ الْحَدِّ، ثُمَّ أَحْدَثَ ذَنْبًا آخَرَ، فَلَا يَجْزِي عَنْهُ حَدٌّ قَدْ تَقَدَّمَ وُجُوبُهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَنَسْأَلُ الْمُخَالِفِينَ عَنْ قَوْلِهِمْ فِيمَنْ زَنَى مَرَّاتٍ، أَوْ شَرِبَ مَرَّاتٍ، أَوْ قَذَفَ مَرَّاتٍ إنْسَانًا وَاحِدًا، أَوْ سَرَقَ مَرَّاتٍ، أَوْ حَارَبَ مَرَّاتٍ - وَعَلِمَ الْإِمَامُ كُلَّ ذَلِكَ - وَقَدَرَ عَلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يُحَدَّ حَتَّى وَاقَعَ مَا ذَكَرْنَا، فَلَمْ يُوجِبُوا عَلَيْهِ إلَّا حَدًّا وَاحِدًا، مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إنْ أَفْطَرَ عَامِدًا فَوَطِئَ أَيَّامًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ كَفَّارَةً؟ وَمَنْ حَلَفَ أَيْمَانًا كَثِيرَةً عَلَى أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ؟ وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إنْ ظَاهَرَ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً فَإِنَّ لِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةً؟ وَقَوْلُهُمْ كُلُّهُمْ: إنَّ مَنْ أَصَابَ - وَهُوَ مُحْرِمٌ - صُيُودًا فَعَلَيْهِ لِكُلِّ صَيْدٍ جَزَاءٌ بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَوْ أَصَابَ صَيْدًا وَاحِدًا - وَهُوَ قَارِنٌ - فَعَلَيْهِ جَزَاءَانِ.
فَإِنْ ادَّعَوْا فِي كَفَّارَةِ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ إجْمَاعًا: ظَهَرَ جَهْلُ مَنْ ادَّعَى ذَلِكَ، أَوْ كَذِبُهُ، لِأَنَّ زُفَرَ بْنَ الْهُذَيْلِ وَغَيْرَهُ - مِنْهُمْ - يَرَى أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ جَمِيعَ أَيَّامِ
стр. 4940
شَهْرِ رَمَضَانَ - وَلَمْ يُكَفِّرْ - فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ - وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ - عَلَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْهُ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ صَوْمٌ وَاحِدٌ، مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْهُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ جَمِيعِهِ يَقْضِي شَهْرًا، وَلَا بُدَّ، وَمَنْ أَفْطَرَهُ كُلَّهُ فَعَلَيْهِ شَهْرٌ وَاحِدٌ أَيْضًا وَلَا مَزِيدَ.
[مَسْأَلَة فِيمَنْ أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ لَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ أَوْ ارْتَدَّ]
٢١٧٤ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ لَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ أَوْ ارْتَدَّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إلَى الشِّرْكِ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَالْعَبْدُ هَاهُنَا كُلُّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، فَكُلُّنَا عَبِيدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الشِّرْكِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَهُوَ مُحَارِبٌ، هَذَا أَقَلُّ أَحْوَالِهِ إنْ سَلِمَ مِنْ الرِّدَّةِ بِنَفْسِ فِرَاقِهِ جَمَاعَةَ الْإِسْلَامِ، وَانْحِيَازِهِ إلَى أَرْضِ الشِّرْكِ:
следующие страницы →