← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

خِلَافُ إجْمَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَخِلَافُ الدِّينِ، وَخِلَافُ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ، لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ هُوَ مُسْتَطِيعٌ عَلَى أَنْ يَدْرَأَ كُلَّ حَدٍّ يَأْتِيهِ فَلَا يُقِيمُهُ فَبَطَلَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظُ وَسَقَطَ أَنْ تَكُونَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا اللَّفْظُ الْآخَرُ فِي ذِكْرِ الشُّبُهَاتِ؟ فَقَدْ قُلْنَا: " ادْرَءُوا " لَا نَعْرِفُهُ عَنْ أَحَدٍ أَصْلًا، إلَّا مَا ذَكَرْنَا مِمَّا لَا يَجِبُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إلَى اسْتِعْمَالِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ مَا هِيَ تِلْكَ " الشُّبُهَاتِ " فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ يُرِيدُ أَنْ يُسْقِطَ بِهِ حَدًّا " هَذَا شُبْهَةٌ " إلَّا كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ بِشُبْهَةٍ، وَلَا كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ لَا يُرِيدُ أَنْ يُسْقِطَ بِهِ حَدًّا: لَيْسَ هَذَا شُبْهَةً، إلَّا كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ: بَلْ هُوَ شُبْهَةٌ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا مَعْقُولٌ، مَعَ الِاخْتِلَاطِ الَّذِي فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِنْ شَغَبَ مِشْغَبٌ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ فَمَنْ تَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكُ، وَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنْ الْإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ، مَنْ يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ» فَإِنَّ هَذَا صَحِيحٌ، وَبِهِ نَقُولُ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَرْكُ الْمَرْءِ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا حُكْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الَّذِي لَهُ تَعَبَّدْنَا بِهِ، وَهَذَا فَرْضٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ وَهَكَذَا نَقُولُ: إنَّ مَنْ جَهِلَ - أَحَرَامٌ هَذَا الشَّيْءُ أَمْ حَلَالٌ؟ فَالْوَرَعُ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْهُ، وَمَنْ جَهِلَ أَفَرْضٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ فَرْضٍ؟ فَحُكْمُهُ أَنْ لَا يُوجِبَهُ، وَمَنْ جَهِلَ أَوَجَبَ الْحَدُّ أَمْ لَمْ يَجِبْ؟ فَفَرْضُهُ أَنْ لَا يُقِيمَهُ، لِأَنَّ الْأَعْرَاضَ وَالدِّمَاءَ حَرَامٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ

стр. 4972

دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَ وُجُوبُ الْحَدِّ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُسْقِطَهُ، لِأَنَّهُ فَرْضٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَشَدَّ جَسْرًا عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ بِالشُّبُهَاتِ وَحَيْثُ لَا تَجِبُ إقَامَتُهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ يُسْقِطُونَهَا حَيْثُ أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵇، وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا كَافِيًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَوَّلُ ذَلِكَ النَّفْسِ الَّتِي عَظَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَهَا وَحَرَّمَ قَتْلَهَا إلَّا بِالْحَقِّ فَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ - فَقَتَلُوا النَّفْسَ الْمُحَرَّمَةَ بِدَعْوَى مَنْ لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُشْفِيَ نَفْسَهُ مِنْ عَدُوِّهِ مَعَ أَيْمَانِ رَجُلَيْنِ مِنْ عَشِيرَتِهِ وَإِنْ كَانَا أَفْسَقَ الْبَرِيَّةِ، وَهُمْ لَا يُعْطُونَهُ بِدَعْوَاهُ نَوَاةً مَعْفُونَةً، وَلَوْ حَلَفُوا مَعَ دَعْوَاهُ أَلْفَ يَمِينٍ وَكَانُوا أَصْلَحَ الْبَرِيَّةِ، هَذَا سَفْكُ الدَّمِ الْمُحَرَّمِ بِالشُّبْهَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا شُبْهَةَ أَبْرَدُ مِنْهَا وَيَقْتُلُونَ بِشَهَادَةِ اللَّوْثِ غَيْرِ الْعَدْلِ وَالْقَسَامَةِ، وَلَا يُعْطَوْنَ بِشَهَادَتِهِمْ فَلْسَيْنِ، وَيَقْتُلُونَ الْآبِي عَنْ الصَّلَاةِ إنْ أَقَرَّ بِهَا، وَأَنَّهَا فَرْضٌ، وَيَقْتُلُونَ الْمُمْسِكَ آخَرَ حَتَّى قُتِلَ، وَلَا يَحُدُّونَ الْمُمْسِكَ امْرَأَةً حَتَّى يُزْنَى بِهَا، وَيَقْتُلُونَ السَّاحِرَ دُونَ اسْتِتَابَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حِيَلٌ، وَكَبِيرَةٌ كَالزِّنَى، وَلَا يَقْتُلُونَ آكِلَ الرِّبَا، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ أَشَدُّ مِنْ قَوْلِهِ فِي السَّاحِرِ، وَيَقْتُلُونَ الْمُسْتَتِرَ بِالْكُفْرِ - وَلَا يَدْرَءُونَ عَنْهُ بِإِعْلَانِهِ التَّوْبَةَ، وَلَا يَقْتُلُونَ الْمُعْلِنَ بِالْكُفْرِ إذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ، وَلَا فَرْقَ، وَيَقْتُلُونَ الْمُسْلِمَ بِالْكَافِرِ إذَا قَتَلَهُ غِيلَةً، وَلَا يُجِيزُونَ فِي ذَلِكَ عَفْوَ الْوَلِيِّ - وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ بِالشُّبْهَةِ الْفَاسِدَةِ، وَيَجْلِدُونَ الْقَاتِلَ الْمَعْفُوَّ عَنْهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَيَنْفُونَهُ سَنَةً وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ - فَيَقْتُلُونَ الْمُسْلِمَ بِالْكَافِرِ خِلَافًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى رَسُولِهِ ﵇، وَمُحَافَظَةً لِأَهْلِ الْكُفْرِ، وَلَا يَقْتُلُونَ الْكَافِرَ إذَا سَبَّ النَّبِيَّ ﵌ بِحَضْرَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَسَاجِدِهِمْ، وَلَا يَقْتُلُونَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى جِهَارًا بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ - وَهَذِهِ أُمُورٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا - وَيَقْتُلُونَ الذِّمِّيَّ الَّذِي قَدْ حَرُمَ دَمُهُ إلَّا بِالْحَقِّ بِشَهَادَةِ كَافِرَيْنِ وَأَمَّا الزِّنَى: فَإِنَّ الْمَالِكِيِّينَ - يَحُدُّونَ بِالْحَبَلِ وَلَعَلَّهُ مِنْ إكْرَاهٍ - وَيَرْجُمُونَ

стр. 4973

الْمُحْصَنَ إذَا وَطِئَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ فَعَلَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ - مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ - وَلَا يَحُدُّونَ وَاطِئَ الْبَهِيمَةِ - وَلَا الْمَرْأَةَ تَحْمِلُ عَلَى نَفْسِهَا كَلْبًا - وَكُلُّ ذَلِكَ إبَاحَةُ فَرْجٍ بِالْبَاطِلِ، وَلَا يَحُدُّونَ الَّتِي تَزْنِي - وَهِيَ عَاقِلَةٌ بَالِغَةٌ مُخْتَارَةٌ - بِصَبِيٍّ لَمْ يَبْلُغْ، وَيَحُدُّونَ الرَّجُلَ إذَا زَنَى بِصَبِيَّةٍ مِنْ سِنِّ ذَلِكَ الصَّبِيِّ وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَا يَحُدُّ النَّصْرَانِيَّ، وَلَا الْيَهُودِيَّ، إذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ، وَيُطْلِقُونَ الْحَرْبِيَّ النَّازِلَ عِنْدَنَا بِتِجَارَةٍ، وَالْمُتَذَمِّمَ يَغْرَمُ الْجِزْيَةَ عَلَى تَمَلُّكِ الْمُسْلِمَاتِ اللَّوَاتِي سَبَاهُنَّ قَبْلَ نُزُولِهِ، وَتَذَمُّمِهِ مِنْ حَرَائِرِ الْمُسْلِمَاتِ مِنْ الْقُرَشِيَّاتِ وَالْأَنْصَارِيَّات، وَغَيْرِهِنَّ، وَعَلَى وَطْئِهِنَّ، وَبَيْعِهِنَّ صُرَاحًا مُبَاحًا - وَهَذِهِ قَوْلَةٌ مَا سُمِعَ بِأَفْحَشَ مِنْهَا؟ ٢١٨٤ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا السَّرِقَةُ: فَإِنَّ الْمَالِكِيِّينَ يَقْطَعُونَ فِيهَا الرِّجْلَيْنِ بِلَا نَصٍّ ثَابِتٍ وَلَا إجْمَاعٍ، وَيَقْطَعُونَ مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَ إنْسَانٍ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَقَالَ: إنَّ صَاحِبَ الدَّارِ أَرْسَلَنِي فِي هَذِهِ الْحَاجَةِ وَصَدَّقَهُ صَاحِبُ الدَّارِ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، أَوْ يَقْطَعُونَ يَدَهُ مُطَارَفَةً، وَيَقْطَعُونَ جَمَاعَةً سَرَقَتْ رُبْعَ دِينَارٍ فَقَطْ، وَرَأَوْا - فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِمْ - أَنَّهُ إذَا غُلِطَ بِالسَّارِقِ فَقُطِعَتْ يَسَارُهُ أَنَّهُ تُقْطَعُ الْيَدُ الْأُخْرَى - فَقَطَعُوا يَدَيْهِ جَمِيعًا فِي سَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَا عَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ يُمْنَى مِنْ يُسْرَى، وَالْحَنَفِيُّونَ يَقْطَعُونَ فِيهَا الرِّجْلَ بَعْدَ الْيَدِ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ وَأَمَّا الْقَذْفُ: فَإِنَّ الْمَالِكِيِّينَ يَحُدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ، فِي التَّعْرِيضِ، وَيُسْقِطُونَ جَمِيعَ الْحُدُودِ بِالْقَتْلِ حَاشَا حَدَّ الْقَذْفِ، فَإِنْ كَانُوا يُسْقِطُونَ سَائِرَ الْحُدُودِ بِالشُّبْهَةِ، فَمَا بَالُهُمْ لَا يُسْقِطُونَ حَدَّ الْقَذْفِ أَيْضًا بِالشُّبْهَةِ؟ وَقَالُوا: إنَّمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ خَوْفَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَقْذُوفِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ الَّذِي قَذَفَك صَادِقًا لَحُدَّ لَك، فَفِي أَيِّ دِينٍ وَجَدُوهَا مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ قِيَاسٍ؟ وَيَحُدُّونَ شَارِبَ الْخَمْرِ، وَلَوْ جَرْعَةً مِنْهُ خَوْفَ أَنْ يَقْذِفَ أَحَدًا بِالزِّنَى، وَهُوَ لَمْ يَقْذِفْ أَحَدًا بَعْدُ، فَأَيُّ عَجَبٍ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ بِلَا شُبْهَةٍ، وَيَتَعَلَّقُونَ بِرِوَايَةٍ سَاقِطَةٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، قَدْ أَعَاذَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مِثْلِهَا وَيَحُدُّونَ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: لَسْت ابْنَ فُلَانٍ إذَا نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ وَيَحُدُّونَ مَنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِإِنْسَانٍ سَمَّاهُ، وَإِنْ لَاعَنَ امْرَأَتَهُ، وَهَذَا خِلَافٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ مُجَرَّدٌ

стр. 4974

وَيَحُدُّونَ مَنْ قَذَفَ إنْسَانًا نَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا لَا يَحِلُّ مِثْلُهُ، وَهُوَ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ - هَذَا وَهُمْ يَحُدُّونَ مَنْ قَذَفَ امْرَأَةً مُسْلِمَةً ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ، وَهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّهُمْ لَا يَحْلِفُونَ، وَلَا يَقْطَعُونَ أَنَّهُ مَنْ زَنَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْحَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ لِآخَرَ: زَنَتْ عَيْنُك، أَوْ زَنَتْ يَدُك - وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ «أَنَّ الْيَدَيْنِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَالْعَيْنَيْنِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» وَأَمَّا الْخَمْرُ: فَإِنَّ الْمَالِكِيِّينَ يُقِيمُونَ الْحَدَّ فِيهِ بِالنَّكْهَةِ - وَكُلُّ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ يَدْرِي أَنَّ مَنْ أَكَلَ الْكُمَّثْرَى الشَّتْوِيَّ، وَبَعْضَ أَنْوَاعِ التُّفَّاحِ: أَنَّ نَكْهَةَ فَمِهِ، وَنَكْهَةَ شَارِبِ الْخَمْرِ: سَوَاءٌ - وَأَيْضًا فَلَعَلَّهُ مَلَأَ فَمَهُ مِنْهَا وَلَمْ يَجْرَعْهَا فَبَقِيَتْ النَّكْهَةُ، أَوْ لَعَلَّهُ دُلِّسَ عَلَيْهِ بِهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي، ثُمَّ يَجْلِدُونَ - هُمْ وَالْحَنَفِيُّونَ فِي الْخَمْرِ: ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ فِيهَا أَرْبَعُونَ، فَلَمْ يَدْرَءُوا الْأَرْبَعِينَ الزَّائِدَةَ بِالشُّبْهَةِ، وَلَمْ يُوجِبْهَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ وَيَحُدُّونَ ثَمَانِينَ - كَمَا قُلْنَا - بِفِرْيَةٍ لَمْ يَفْتَرِهَا بَعْدُ، فَيُقَدِّمُونَ لَهُ الْحُدُودَ، وَلَعَلَّهُ لَا يَقْذِفُ أَحَدًا أَبَدًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَنْ يُقَدِّمُوا لَهُ حَدَّ زِنًى لَمْ يَكُنْ مِنْهُ، أَوْ حَدَّ سَرِقَةٍ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ وَيَحُدُّونَ - هُمْ وَالشَّافِعِيُّونَ: الْفَاضِلَ الْعَالِمَ الْمُتَأَوِّلَ إحْلَالَ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ، وَيَقْبَلُونَ مَعَ ذَلِكَ شَهَادَتَهُ، وَيَأْخُذُونَ الْعِلْمَ عَنْهُ - وَلَا يَحُدُّونَ الْمُتَأَوِّلَ فِي الشِّغَارِ، وَالْمُتْعَةِ - وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ - وَلَا فِي الْخَلِيطَيْنِ - وَإِنْ كَانَ حَرَامًا - كَالْخَمْرَةِ [مَسْأَلَة اعْتِرَافُ الْعَبْدِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ] ٢١٨٥ - مَسْأَلَةٌ: اعْتِرَافُ الْعَبْدِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا؟ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَالْعَبْدُ مَالٌ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ فَاعْتِرَافُهُ بِمَا يَجِبُ إبْطَالُ بَعْضِ مَالِ سَيِّدِهِ كَسْبٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ إنْ لَمْ يَأْتِ مَا يَدْفَعُهُ: فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى وَالِدَيْهِ،

стр. 4975

وَأَقْرِبَائِهِ - وَلَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِي أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ مَقْبُولَةٌ - دُونَ آخَرَ مَعَهُ دُونَ يَمِينٍ - تَلْزَمُهُ، سَوَاءٌ كَانَ فَاسِقًا، أَوْ عَدْلًا - مُؤْمِنًا كَانَ أَوْ كَافِرًا - وَأَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ لَا تُقْبَلُ إلَّا بِشَرْطِ الْعَدَالَةِ، وَبِأَنْ يَكُونَ مَعَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَمِينُ الطَّالِبِ - عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ - وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا مِنْ حُرٍّ، فَلَمَّا وَرَدَ هَذَانِ النَّصَّانِ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي اسْتِعْمَالِهِمَا؟ فَوَجَدْنَا أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: هُوَ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ، كَاسِبٌ عَلَى غَيْرِهِ: فَلَا يُقْبَلُ، وَوَجَدْنَا مَنْ خَالَفَهُمْ بِقَوْلٍ: بَلْ هُوَ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ، كَاسِبٌ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى نَقْصٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَقْصِدْ الشَّهَادَةَ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ؟ فَنَظَرْنَا فِي هَذَيْنِ الِاسْتِعْمَالَيْنِ - إذْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِعْمَالِ أَحَدِهِمَا - فَوَجَدْنَا قَوْلَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّهُ كَاسِبٌ عَلَى غَيْرِهِ إنَّمَا يَصِحُّ بِوَاسِطَةٍ، وَبِإِنْتَاجٍ، لَا بِنَفْسِ الْإِقْرَارِ؟ وَوَجَدْنَا قَوْلَ مَنْ خَالَفَهُمْ يَصِحُّ بِنَفْسِ الْقِصَّةِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِنَفْسِ لَفْظِهِ - وَهُوَ ظَاهِرُ مَقْصِدِهِ - وَإِنَّمَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى السَّيِّدِ بِتَأْوِيلٍ لَا بِظَاهِرِ إقْرَارِهِ؟ فَكَانَ هَذَا أَصَحَّ الِاسْتِعْمَالَيْنِ، وَأَوْلَاهُمَا وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ أَصْحَابُنَا لَوَجَبَ أَنْ لَا يُحَدَّ الْعَبْدُ فِي زِنًى، وَلَا فِي سَرِقَةٍ، وَلَا فِي خَمْرٍ، وَلَا فِي قَذْفٍ، وَلَا فِي حِرَابَةٍ - وَإِنْ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ - وَأَنْ لَا يُقْتَلَ فِي قَوَدٍ، لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَاسِبٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَفِي الْحَدِّ عَلَيْهِ إتْلَافٌ لِمَالِ سَيِّدِهِ؟ وَهَذَا مَا لَا يَقُولُونَهُ، لَا هُمْ وَلَا غَيْرُهُمْ [مَسْأَلَة مَنْ قَالَ لَا يُؤَاخِذُ اللَّهُ عَبْدًا بِأَوَّلِ ذَنْبٍ] ٢١٨٦ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَالَ: لَا يُؤَاخِذُ اللَّهُ عَبْدًا بِأَوَّلِ ذَنْبٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أُتِيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِسَارِقٍ؟ فَقَالَ: اقْطَعُوا يَدَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِيهَا يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَاَللَّهِ مَا سَرَقْت قَبْلَهَا؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: كَذَبْت، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا غَافَصَ اللَّهُ مُؤْمِنًا بِأَوَّلِ ذَنْبٍ يَعْمَلُهُ وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِسَارِقٍ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا سَرَقْت قَبْلَهَا؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَذَبْت وَرَبِّ عُمَرَ، مَا أَخَذَ اللَّهُ عَبْدًا عِنْدَ أَوَّلِ ذَنْبٍ وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمْعَانَ بِهَذَا، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ

стр. 4976

لَهُ: اللَّهُ أَحْلَمُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَبْدَهُ فِي أَوَّلِ ذَنْبٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ فَقُطِعَ، فَلَمَّا قُطِعَ قَامَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُك اللَّهَ، كَمْ سَرَقْت مِنْ مَرَّةٍ؟ قَالَ لَهُ: إحْدَى وَعِشْرِينَ مَرَّةً -[غَافَصَهُ: فَاجَأَهُ وَأَخَذَهُ عَلَى غِرَّةٍ] قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ، وَكُلُّ أَحْكَامِهِ عَدْلٌ وَحَقٌّ، فَقَدْ يَسْتُرُ اللَّهُ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ، عَلَى مَنْ يَشَاءُ - إمَّا إمْلَاءً وَإِمَّا تَفَضُّلًا - لِيَتُوبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ الْوَاحِدِ، وَبِالذُّنُوبِ - عُقُوبَةً أَوْ كَفَّارَةً لَهُ ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] وَ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وَالْإِسْنَادَانِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ: ضَعِيفَانِ، أَحَدُهُمَا مُرْسَلٌ، وَالْآخَرُ مُرْسَلٌ سَاقِطٌ، وَالْإِسْنَادُ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ صَحِيحٌ - وَلِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ. [مَسْأَلَة هَلْ تُقَامُ الْحُدُودُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ] ٢١٨٧ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ تُقَامُ الْحُدُودُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْخَبَرِ؟ فَجَاءَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: لَا حَدَّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الزِّنَى وَجَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا حَدَّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي السَّرِقَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الزِّنَى، وَلَا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ - وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ، وَفِي السَّرِقَةِ، إلَّا الْمُعَاهَدَ فِي السَّرِقَةِ، لَكِنْ يَضْمَنُهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبُهُ: لَا أَمْنَعُ الذِّمِّيَّ مِنْ الزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ - وَأَمْنَعُهُ مِنْ الْغِنَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا حَدَّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي زِنًى، وَلَا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ - وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ، وَالسَّرِقَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمَا: عَلَيْهِمْ الْحَدُّ فِي كُلِّ ذَلِكَ حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُحَمَّدٍ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا الثَّوْرِيُّ أَخْبَرَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ قَابُوسُ بْنُ الْمُخَارِقِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَسْأَلُهُ عَنْ مُسْلِمَيْنِ تَزَنْدَقَا، وَعَنْ مُسْلِمٍ زَنَى بِنَصْرَانِيَّةٍ، وَعَنْ مُكَاتَبٍ مَاتَ وَتَرَكَ بَقِيَّةً مِنْ كِتَابَتِهِ، وَتَرَكَ وُلْدًا أَحْرَارًا؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ عَلِيٌّ: أَمَّا اللَّذَانِ

стр. 4977

تَزَنْدَقَا فَإِنْ تَابَا وَإِلَّا فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمَا - وَأَمَّا الْمُسْلِمُ الَّذِي زَنَى بِالنَّصْرَانِيَّةِ فَأَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَارْفَعْ النَّصْرَانِيَّةَ إلَى أَهْلِ دِينِهَا - وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَأَعْطِ مَوَالِيهِ بَقِيَّةَ كِتَابَتِهِ، وَأَعْطِ وُلْدَهُ الْأَحْرَارَ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يَرَى عَلَى عَبْدٍ وَلَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ حَدًّا وَعَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْيَهُودِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ: لَا أَرَى عَلَيْهِمَا فِي الزِّنَى حَدًّا، قَالَ: وَقَدْ كَانَ مِنْ الْوَفَاءِ لَهُمْ بِالذِّمَّةِ أَنْ يُخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ دِينِهِمْ وَشَرَائِعِهِمْ، تَكُونُ ذُنُوبُهُمْ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتَّبِعَهُ؟ فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا حَدَّ عَلَى ذِمِّيٍّ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] وَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ عَاهَدْنَاهُمْ عَلَى التَّرْكِ لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَكَانَ كُفْرُهُمْ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ شَرِيطَةٍ مِنْ أَحْكَامِهِمْ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ مَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَا تُعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةٌ غَيْرُ هَذَا؟ فَلَمَّا نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ وَجَدْنَاهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ أَصْلًا، لِأَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ عَامَّةٌ لَا خَاصَّةٌ، وَهُمْ قَدْ خَصُّوا فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِمْ الْحَدَّ فِي السَّرِقَةِ، وَفِي الْقَذْفِ لِمُسْلِمٍ، وَفِي الْحِرَابَةِ، وَأَسْقَطُوا الْحَدَّ فِي الزِّنَى، وَفِي الْخَمْرِ فَقَطْ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ لَا صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ فَإِنْ قَالُوا: السَّرِقَةُ ظُلْمٌ، وَلَا يَقَرُّونَ عَلَى ظُلْمِ مُسْلِمٍ، وَلَا عَلَى ظُلْمِ ذِمِّيٍّ، وَالْقَذْفُ حُكْمٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُحْكَمُ فِي ذَلِكَ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَكَذَلِكَ الزِّنَى إذَا زَنَوْا بِامْرَأَةِ مُسْلِمٍ، أَوْ بِأَمَتِهِ، أَوْ بِامْرَأَةِ ذِمِّيٍّ أَوْ أَمَتِهِ،

стр. 4978

فَإِنَّهُ ظُلْمٌ لِلْمُسْلِمِ، أَوْ سَيِّدِهَا، وَظُلْمٌ لِلذِّمِّيِّ كَذَلِكَ، وَلَا يَقَرُّونَ عَلَى ظُلْمٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ خَصَّصْتُمْ الْآيَةَ بِلَا دَلِيلٍ وَتَرَكْتُمْ ظَاهِرَهَا بِلَا حُجَّةٍ فَإِنْ شَغَبُوا بِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي ذَلِكَ؟ قُلْنَا لَهُمْ: لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ لَا تَصِحُّ، لِأَنَّهَا عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ - ثُمَّ عَنْ قَابُوسِ بْنِ الْمُخَارِقِ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَبْعَدُ، لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّهُمْ قَدْ خَالَفُوا ابْنَ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، لِأَنَّ فِيهَا: لَا حَدَّ عَلَى عَبْدٍ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ هَذَا، وَلَا حَدَّ عَلَى ذِمِّيٍّ - وَهُمْ يَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَيْهِ فِي الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذْ قَدْ تَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؟ فَقَدْ بَطَلَ التَّعَلُّقُ بِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، وَوَجَبَ رَدُّهُمَا إلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ شَهِدَ الْقُرْآنُ، وَالسُّنَّةُ فَهُوَ الْحَقُّ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ - فَقَدْ بَطَلَ كُلُّ قَوْلٍ شَغَبَ بِهِ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ حُجَّةٌ أَصْلًا أَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَلَوْ صَحَّ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَمَا كَانَ لِمَنْ أَسْقَطَ بِهَا إقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ مُتَعَلِّقٌ، لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهَا التَّخْيِيرَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ، لَا فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ جُمْلَةً، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ حُكْمٌ عَلَيْهِمْ لَا حُكْمٌ بَيْنَهُمْ، فَلَيْسَ لِلْحُدُودِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَدْخَلٌ أَصْلًا، بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ - فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهَا جُمْلَةً وَأَمَّا عُهُودُ مَنْ عَاهَدَهُمْ عَلَى الْحُكْمِ بِأَحْكَامِهِمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ هُوَ عَهْدُ إبْلِيسَ وَعَهْدُ الْبَاطِلِ، وَعَهْدُ الضَّلَالِ، وَلَا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ عُقُودًا وَلَا عُهُودًا إلَّا مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَهِيَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَفَاءِ بِهَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ»

стр. 4979

وَقَالَ ﵇ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَإِنْ قَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] قُلْنَا: نَعَمْ، مَا نُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا عَلَى الصَّلَاةِ، وَلَا عَلَى الزَّكَاةِ، وَلَا عَلَى الصِّيَامِ، وَلَا الْحَجِّ، لَكِنْ مَتَى كَانَ لَهُمْ حُكْمٌ حَكَمْنَا فِيهِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ؟ فَافْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇ أَنْ لَا تَتَّبِعَ أَهْوَاءَهُمْ، فَمَنْ تَرَكَهُمْ وَأَحْكَامَهُمْ: فَقَدْ اتَّبَعَ أَهْوَاءَهُمْ، وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ [مَسْأَلَة حَدُّ الْمَمَالِيكِ] ٢١٨٨ - مَسْأَلَةٌ: حَدُّ الْمَمَالِيكِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: الْحُدُودُ كُلُّهَا أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ لَا خَامِسَ لَهَا: إمَّا إمَاتَةٌ بِصَلْبٍ، أَوْ بِقَتْلٍ بِسَيْفٍ، أَوْ بِرَجْمٍ بِالْحِجَارَةِ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا - وَإِمَّا نَفْيٌ - وَإِمَّا قَطْعٌ - وَإِمَّا جَلْدٌ وَجَاءَ النَّصُّ وَإِجْمَاعُ الْأَمَةِ كُلِّهَا عَلَى أَنَّ حَدَّ الْمَمْلُوكَةِ الْأُنْثَى فِي بَعْضِ وُجُوهِ الْجَلْدِ - وَهُوَ الزِّنَى مَعَ الْإِحْصَانِ خَاصَّةً -: نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ فِي ذَلِكَ وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ مَعَ النَّصِّ: أَنَّ حَدَّ الْمَمَالِيكِ فِي الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ كَحَدِّ الْأَحْرَارِ - وَجَاءَ النَّصُّ أَيْضًا فِي النَّفْيِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَمْرٌ سِوَاهُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ حَدَّ الْإِمَاءِ، وَالْعَبِيدِ - فِيمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا، وَلَا نُحَاشَ شَيْئًا - كَحَدِّ الْأَحْرَارِ سَوَاءً سَوَاءً، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: حَدُّ الْعَبِيدِ، وَالْإِمَاءِ - فِي الْجَلْدِ كُلِّهِ - عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْأَحْرَارِ وَالْحَرَائِرِ - وَحَدُّ الْعَبِيدِ، وَالْإِمَاءِ فِي الْقَطْعِ كَحَدِّ الْأَحْرَارِ وَالْحَرَائِرِ - فَاخْتَلَفَ

стр. 4980

هَؤُلَاءِ: فَطَائِفَةٌ تَقُولُ بِهِ فِي الْأَحْرَارِ، وَلَا تَقُولُ بِهِ فِي الْعَبِيدِ، وَالنِّسَاءِ، وَالْإِمَاءِ، وَالْحَرَائِرِ فَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ بِالنَّفْيِ الْمُؤَقَّتِ جُمْلَةً اخْتَلَفُوا: فَطَائِفَةٌ جَعَلَتْ حَدَّ الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ فِيهِ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ وَطَائِفَةٌ جَعَلَتْ فِيهِ حَدَّ الْإِمَاءِ خَاصَّةً عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحَرَائِرِ، وَجَعَلَتْ فِيهِ حَدَّ الْعَبِيدِ كَحَدِّ الْأَحْرَارِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا أَمَّا الطَّائِفَةُ الَّتِي لَا تَقُولُ بِالنَّفْيِ الْمُؤَقَّتِ، فَهُمْ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الَّتِي قَالَتْ بِهِ فِي الْأَحْرَارِ خَاصَّةً، وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ فِي الْعَبِيدِ، وَلَا فِي الْإِمَاءِ، وَلَا فِي الْحَرَائِرِ، فَهُمْ: مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: حَدُّ الْعَبِيدِ، وَالْإِمَاءِ فِي جَلْدِ الزِّنَى عَلَى نِصْفِ حَدِّ الْأَحْرَارِ وَالْحَرَائِرِ، وَحَدُّ الْعَبِيدِ، وَالْإِمَاءِ فِي الْقَذْفِ كَحَدِّ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةِ - وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَغَيْرِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ إنَّهُ حَدُّ الْمَمَالِيكِ ذُكُورِهِمْ، وَإِنَاثِهِمْ فِي الْجَلْدِ، وَالنَّفْيِ الْمُؤَقَّتِ، وَالْقَطْعِ: عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ - وَهُوَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفٌ وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفٌ مِنْ الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، أَوْ الصَّلْبِ، أَوْ النَّفْيِ الَّذِي لَا وَقْتَ لَهُ: فَالْمَمَالِيكُ، وَالْأَحْرَارُ فِيهِ سَوَاءٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَأَمَّا أَقْوَالُ مَنْ ذَكَرْنَا فَالتَّنَاقُضُ فِيهَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ شُبْهَةً أَصْلًا، وَسَنَذْكُرُ أَقْوَالَهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إنَّ الْقَطْعَ لَا يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ، فَهُوَ خَطَأٌ مِنْ قِبَلِ الْآثَارِ، وَمِنْ قِبَلِ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ فَأَمَّا مِنْ قِبَلِ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ: فَإِنَّ الْيَدَ مَعْرُوفَةُ الْمِقْدَارِ، فَقَطْعُ نِصْفِهَا مُمْكِنٌ ظَاهِرٌ بِالْعِيَانِ - وَهُوَ قَطْعُ الْأَنَامِلِ فَقَطْ وَيَبْقَى الْكَفُّ - وَقَدْ وَجَدْنَاهُمْ يُوقِعُونَ عَلَى الْأَنَامِلِ خَاصَّةً حُكْمَ الْيَدِ، فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ قُطِعَتْ أَنَامِلُهُ كُلُّهَا أَنَّ لَهُ دِيَةَ يَدٍ، فَمَنْ قَطَعَ الْأَنَامِلَ خَاصَّةً فَقَدْ وَافَقَ النَّصَّ، لِأَنَّهُ قَطَعَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ يَدٍ - كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 4981

وَقَطَعَ نِصْفَ مَا يُقْطَعُ مِنْ الْحُرِّ؛ كَمَا جَاءَ النَّصُّ أَيْضًا عَلَى مَا نَذْكُرُهُ - وَكَذَلِكَ الرِّجْلُ أَيْضًا لَهَا مِقْدَارٌ مَعْرُوفٌ، فَقَطْعُ نِصْفِهَا مُمْكِنٌ - وَهُوَ قَطْعُهَا مِنْ وَسَطِهَا مَعَ السَّاقِ فَقَطْ وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْآثَارِ: فَحَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقْطَعُ الْيَدَ مِنْ الْأَصَابِعِ وَالرِّجْلَ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي الْمِقْدَامِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقْطَعُ يَدَ رَجُلٍ مِنْ الْمِفْصَلِ وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقْطَعُ الْقَدَمَ مِنْ مِفْصَلِهَا، وَكَانَ عَلِيٌّ يَقْطَعُ الْقَدَمَ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَشَارَ لِي عَمْرٌو إلَى شَطْرِهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذْ قَدْ جَاءَ النَّصُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَطْعُ الْيَدِ مِنْ الْمِفْصَلِ، وَقَطْعُهَا مِنْ الْأَصَابِعِ: فَالْوَاجِبُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ التَّنَاقُضِ الَّذِي لَا وَجْهَ لَهُ، لَكِنْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي حَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْقَدَمِ أَيْضًا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَقَدْ صَحَّ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ حَدَّ الْأَمَةِ الْمُحْصَنَةِ فِي الزِّنَى نِصْفُ حَدِّ الْحُرَّةِ الْمُحْصَنَةِ، وَصَحَّ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ أَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ فِي الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، وَالصَّلْبِ: كَحَدِّ الْحُرِّ - وَكَذَلِكَ فِي النَّفْيِ غَيْرِ الْمُؤَقَّتِ، فَكَانَ يَلْزَمُهُمْ عَلَى أُصُولِهِمْ الَّتِي يَنْتَمُونَ إلَيْهَا فِي الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْقَطْعِ مَرْدُودًا إلَى أَشْبَهِ الْجِنْسَيْنِ بِهِ فَهَذِهِ عُمْدَتُهُمْ الَّتِي اتَّفَقُوا عَلَيْهَا فِي الْقِيَاسِ، فَإِذَا فَعَلُوا هَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مَقِيسًا عَلَى الْجَلْدِ، لَا عَلَى الْقَتْلِ، وَلَا عَلَى النَّفْيِ غَيْرِ الْمُؤَقَّتِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَتَنَصَّفُ، وَكَذَلِكَ النَّفْيُ غَيْرُ الْمُؤَقَّتِ وَأَمَّا الْجَلْدُ فَيَتَنَصَّفُ وَالْقَطْعُ يَتَنَصَّفُ فَكَانَ قِيَاسُ مَا يَتَنَصَّفُ عَلَى مَا يَتَنَصَّفُ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ مَا يَتَنَصَّفُ عَلَى مَا لَا يَتَنَصَّفُ - هَذَا أَصَحُّ قِيَاسٍ لَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ يَوْمًا مَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ لِيَلُوحَ الْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ فَنَتَّبِعَهُ

стр. 4982

فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْإِمَاءِ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فَكَانَ هَذَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْإِمَاءَ فَقَطْ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَأَبْقَى الْعَبِيدَ فَلَمْ يَخُصَّ كَمَا خَصَّ الْإِمَاءَ " وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخُصَّ الْعَبِيدَ مَعَ الْإِمَاءِ فَيَقْتَصِرَ عَلَى ذِكْرِ الْإِمَاءِ وَيُمْسِكَ عَنْ ذِكْرِ الْعَبِيدِ وَيُكَلِّفَنَا مِنْ ذَلِكَ عِلْمَ الْغَيْبِ وَمَعْرِفَةَ مَا عِنْدَهُ مِمَّا لَمْ يُعَرِّفْنَا بِهِ، حَاشَا لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فَلَمْ يَخُصَّ تَعَالَى هَاهُنَا أَمَةً مِنْ حُرَّةٍ، وَلَا عَبْدًا مِنْ حُرٍّ وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا تُجْلَدَ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ فِي الْقَذْفِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَيَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يَأْمُرُنَا بِجَلْدِ مَنْ قَذَفَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَلَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ لَنَا، أَفِي حُرٍّ دُونَ عَبْدٍ؟ وَفِي حُرَّةٍ دُونَ أَمَةٍ؟ وَهَذَا خِلَافُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَكَانَ حَدُّ الْقَذْفِ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَدُّ الزِّنَى مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَتَعَدَّى مَا حَدَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا؟ وَحَدَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَذْفِ ثَمَانِينَ، وَفِي الزِّنَى مِائَةً، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَدَّى مَا حَدَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَحَدِهِمَا إلَى مَا حَدَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآخَرِ فَوَاضِحٌ بِلَا شَكٍّ أَنَّ حَمْلَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، أَوْ حُرٍّ، أَوْ حُرَّةٍ: فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ، وَسِوَى مَا خَالَفَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فَقُلْتُمْ: إنَّ

стр. 4983

الْحُرَّ، وَالْعَبْدَ، وَالْأَمَةَ سَوَاءٌ، فَأَيْنَ زَهَقَ عَنْكُمْ قِيَاسُكُمْ الَّذِي خَالَفْتُمْ بِهِ الْقُرْآنَ فِي حَدِّ الْعَبْدِ الْقَاذِفِ، وَالْأَمَةِ الْقَاذِفَةِ؟ وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ تَسْتَسْهِلُوا مُخَالَفَةَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] قِيَاسًا عَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَعَظُمَ عِنْدَكُمْ أَنْ تُخَالِفُوا قَوْلَهُ ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ جِدًّا؟ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] فَكَانَ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ حُكْمِ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ ثُمَّ لَا يُبَيِّنُهُ؟ هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَيَقَّنَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُنَا إيَّاهُ، وَلَا يُرِيدُهُ مِنَّا؟ قَالُوا: وَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» وَجَلَدَ فِي الْخَمْرِ حَدًّا مُؤَقَّتًا وَلَمْ يَخُصَّ ﵇ بِذَلِكَ الْحُكْمِ حُرًّا مِنْ عَبْدٍ، وَلَا حُرَّةً مِنْ أَمَةٍ - وَهُوَ الْمُبَيَّنُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: كُلُّ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فَهُوَ حَقٌّ صَحِيحٌ - إنْ لَمْ تَأْتِ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ تُبَيِّنُ صِحَّةَ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ - وَأَمَّا إنْ جَاءَتْ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ تُوجِبُ مَا قُلْنَاهُ، فَالْوَاجِبُ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُبَيِّنِ لَنَا مُرَادَ رَبِّنَا تَعَالَى، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا مَا ثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّةَ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا أَصَابَ الْمُكَاتَبُ حَدًّا أَوْ مِيرَاثًا وَرِثَ بِحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهُ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الدِّمَشْقِيُّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ قَالَ قَتَادَةُ عَنْ

стр. 4984

خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، كِلَاهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الْمُكَاتَبُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَيَرِثُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا إسْنَادٌ عَجِيبٌ، كَأَنَّ عَلَيْهِ مِنْ شَمْسِ الضُّحَى نُورًا، مَا نَدْرِي أَحَدًا غَمَزَهُ بِشَيْءٍ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ ادَّعَى أَنَّ وُهَيْبًا أَرْسَلَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَكَانَ مَاذَا إذَا أَرْسَلَهُ وُهَيْبٌ؟ قَدْ أَسْنَدَ حُكْمَ الْمُكَاتَبِ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَفِي دِيَتِهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ، وَأَسْنَدَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ وَلَا فَرْقَ، فَعَلَى قَوْلِهِمْ مَا زَادَهُ إرْسَالُ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ إلَّا قُوَّةً، فَإِذْ قَدْ صَحَّ، وَثَبَتَ فَقَدْ وَجَبَ ضَرُورَةً بِنَصِّ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ حُدُودَ الْمَمَالِيكِ جُمْلَةً عُمُومًا لِذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ: مُخَالِفَةٌ لِحُكْمِ حُدُودِ الْأَحْرَارِ عُمُومًا لِذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، وَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ إلَى أَنَّ حَدَّ الْمَمَالِيكِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حُدُودِ الْأَحْرَارِ، فَكَانَ هَذَا وَاجِبًا الْقَوْلَ بِهِ، وَبِهَذَا نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة هَلْ يُقِيمُ السَّيِّدُ الْحُدُودَ عَلَى مَمَالِيكِهِ أَمْ لَا] ٢١٨٩ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُقِيمُ السَّيِّدُ الْحُدُودَ عَلَى مَمَالِيكِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقِيمُ السَّيِّدُ جَمِيعَ الْحُدُودِ مِنْ الْقَتْلِ فَمَا دُونَهُ عَلَى مَمَالِيكِهِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَحُدُّ السَّيِّدُ مَمَالِيكَهُ فِي الزِّنَى، وَالْخَمْرِ، وَالْقَذْفِ، وَلَا يَحُدُّهُ فِي قَطْعٍ؟ قَالُوا: وَإِنَّمَا يَحُدُّهُ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الشُّهُودُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَحُدُّ السَّيِّدُ مَمْلُوكَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَإِنَّمَا الْحُدُودُ إلَى السُّلْطَانِ فَقَطْ فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ

стр. 4985

عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَطَعَ يَدَ غُلَامٍ لَهُ سَرَقَ، وَجَلَدَ عَبْدًا لَهُ زَنَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَهُمَا وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْهَا وَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، فَأَخْبَرَتْ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَتَلَهَا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: مَا تُنْكِرُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ امْرَأَةٌ سَحَرَتْ فَاعْتَرَفَتْ؟ فَسَكَتَ عُثْمَانُ وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَبَقَ غُلَامٌ لِابْنِ عُمَرَ فَمَرَّ عَلَى غِلْمَةٍ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَسَرَقَ مِنْهُمْ جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَرَكِبَ حِمَارًا لَهُمْ فَأُتِيَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ فَبَعَثَ بِهِ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ - وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ - فَقَالَ سَعِيدٌ: لَا يُقْطَعُ غُلَامٌ أَبَقَ؟ فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ عَائِشَةُ: إنَّمَا غِلْمَتِي غِلْمَتُك، وَإِنَّمَا جَاعَ، وَرَكِبَ الْحِمَارَ لِيَبْلُغَ عَلَيْهِ، فَلَا تَقْطَعْهُ؟ قَالَ: فَقَطَعَهُ ابْنُ عُمَرَ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ قَالَ: لِابْنِ مَسْعُودٍ أَمَتِي زَنَتْ؟ قَالَ: اجْلِدْهَا، قَالَ: إنَّهَا لَمْ تُحْصَنْ؟ قَالَ: إحْصَانُهَا إسْلَامُهَا قَالَ شُعْبَةُ: أَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ بِهَذَا، وَفِيهِ: جَلَدَهَا خَمْسِينَ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ، قَالُوا: إنَّ الرَّجُلَ يَجْلِدُ مَمْلُوكَتَهُ الْحُدُودَ فِي بَيْتِهِ، وَأَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: أَمَتِي زَنَتْ؟ قَالَ: اجْلِدْهَا خَمْسِينَ، قَالَ إنَّهَا لَمْ تُحْصَنْ؟ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إحْصَانُهَا إسْلَامُهَا وَعَنْ ابْنِ وَهْبٍ نا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ كَانَتْ تَجْلِدُ وَلِيدَتَهَا خَمْسِينَ إذَا زَنَتْ وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ يَجْلِدُ وَلَائِدَهُ خَمْسِينَ إذَا زَنَيْنَ حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ نا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ جَلَدَتْ أَمَةً لَهَا الْحَدَّ زَنَتْ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانَ عَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ يُقِيمَانِ الْحَدَّ عَلَى جِوَارِي قَوْمِهِمَا

стр. 4986

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ مَنْ ذَكَرْنَا، وَغَيْرِهِمْ: جَوَازُ عَفْوِ السَّيِّدِ عَنْ مَمَالِيكِهِ فِي الْحُدُودِ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ سَلَّامٍ بْنِ مِسْكِينٍ أَخْبَرَنِي عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ أَنَّ صَالِحَ بْنَ كَرِيزٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ جَاءَ بِجَارِيَةٍ لَهُ زَنَتْ إلَى الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ إذْ جَاءَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَجَلَسَ فَقَالَ: يَا صَالِحُ مَا هَذِهِ الْجَارِيَةُ مَعَك؟ قُلْت: جَارِيَتُنَا بَغَتْ فَأَرَدْت أَنْ أَرْفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ لِيُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدَّ؟ قَالَ: لَا تَفْعَلْ، رُدَّ جَارِيَتَك، وَاتَّقِ اللَّهَ وَاسْتُرْ عَلَيْهَا؟ قُلْت: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ حَتَّى أَرْفَعَهَا، قَالَ لَهُ أَنَسٌ: لَا تَفْعَلْ وَأَطِعْنِي، قَالَ صَالِحٌ: فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي حَتَّى قُلْت لَهُ: أَرُدُّهَا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ عَلَيَّ مِنْ ذَنْبٍ فَأَنْتَ لَهُ ضَامِنٌ؟ فَقَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَدَدْتهَا وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي الْأَمَةِ تَزْنِي، قَالَ: تُجْلَدُ خَمْسِينَ، فَإِنْ عَفَا عَنْهَا سَيِّدُهَا فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَبِهِ نَأْخُذُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَانِ أَثَرَانِ سَاقِطَانِ، لِأَنَّهُمَا عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ ذَاتِ الزَّوْجِ وَغَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ فَكَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فِي الْأَمَةِ إذَا كَانَتْ لَيْسَتْ بِذَاتِ زَوْجٍ فَظَهَرَ مِنْهَا فَاحِشَةٌ جُلِدَتْ نِصْفَ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ يَجْلِدُهَا سَيِّدُهَا فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ رُفِعَ أَمْرُهَا إلَى الْإِمَامِ وَعَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: إحْصَانُ الْمَمْلُوكَةِ أَنْ تَكُونَ ذَاتَ زَوْجٍ، فَيُذْكَرَ مِنْهَا فَاحِشَةٌ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا، وَالزَّوْجُ يَذُبُّ عَنْ وَلَدِهِ، وَعَنْ رَحِمِهَا، وَعَنْ مَا بِيَدِهِ، فَلَيْسَ يُقِيمُ الْفَاحِشَةَ عَلَيْهَا إلَّا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ، وَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهَا إذَا ثَبَتَ إلَّا السُّلْطَانُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْجَلْدِ فِي الزِّنَى، وَالْخَمْرِ، وَالْقَذْفِ، وَبَيْنَ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ: وَمَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمَا

стр. 4987

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتَّبِعَهُ - بِمَنِّ اللَّهِ تَعَالَى - فَوَجَدْنَا أَبَا حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابَهُ، يَحْتَجُّونَ بِمَا: ناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيَى الْبَكَّاءِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْخُذَ عَنْهُ، قَالَ: هُوَ عَالِمٌ فَخُذُوا عَنْهُ، فَسَمِعْته يَقُولُ: الزَّكَاةُ، وَالْحُدُودُ، وَالْفَيْءُ، وَالْجُمُعَةُ، إلَى السُّلْطَانِ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ ضَمِنَ هَؤُلَاءِ أَرْبَعًا: الْجُمُعَةُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالْحُدُودُ، وَالْحُكْمُ وَعَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحُدُودُ، وَالْفَيْءُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْجُمُعَةُ، إلَى السُّلْطَانِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شُبْهَةً غَيْرَ هَذَا، وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرُوا: أَنْ لَا يُقِيمَ الْحُدُودَ عَلَى الْمَمَالِيكِ سَادَاتُهُمْ، وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ الْحُدُودِ عُمُومًا إلَى السُّلْطَانِ، وَهَكَذَا نَقُولُ، لَكِنْ يَخُصُّ مِنْ ذَلِكَ حُدُودَ الْمَمَالِيكِ إلَى سَادَاتِهِمْ بِدَلِيلٍ - إنْ وُجِدَ ثُمَّ أَيْضًا - لَوْ كَانَ فِيمَا ذَكَرُوهُ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْجَلْدِ، وَالْقَطْعِ، وَالْقَتْلِ، فَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ أَيْضًا حُجَّةً أَصْلًا، وَلَا نَدْرِي لَهُمْ فِي هَذَا التَّفْرِيقِ سَلَفًا مِنْ صَاحِبٍ، وَلَا تَابِعٍ، وَلَا مُتَعَلِّقًا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَقُولَ: إنَّ السَّيِّدَ لَهُ جَلْدُ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ أَدَبًا، وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُ أَيْدِيهِمْ أَدَبًا، فَلَمَّا كَانَ الْحَدُّ فِي الزِّنَى، وَالْخَمْرِ، وَالْقَذْفِ جَلْدًا كَانَ ذَلِكَ لِلسَّادَاتِ، لِأَنَّهُ حَدٌّ، وَجَلْدٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا الْقَوْلُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا

стр. 4988

الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَجَلْدُ الْأَدَبِ هُوَ غَيْرُ جَلْدِ الْحَدِّ بِلَا شَكٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ ثُمَّ نَظَرَنَا فِي قَوْلِ رَبِيعَةَ، فَوَجَدْنَاهُ قَوْلًا لَا تُؤَيِّدُهُ حُجَّةٌ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ: أَمَّا قَوْلُ رَبِيعَةَ فَإِنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهَا فَحُجَّةٌ زَائِفَةٌ جِدًّا، وَمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلزَّوْجِ اعْتِرَاضًا، وَلَا ذَبًّا فِيمَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِإِقَامَتِهِ عَلَيْهَا وَأَمَّا مَنْ رَأَى السَّيِّدَ يُقِيمُ جَمِيعَ الْحُدُودِ عَلَى مَمَالِيكِهِ، فَنَظَرْنَا فِيهِ فَوَجَدْنَا: مَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا لَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ» وَعَنْ مُسْلِمٍ أَيْضًا: أَنَا الْقَعْنَبِيُّ أَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ؟ قَالَ: إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا، وَلَوْ بِضَفِيرٍ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَالضَّفِيرُ - الْحَبْلُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ، أَوْ الرَّابِعَةِ - وَالْأَخْبَارُ فِيمَا ذَكَرْنَا كَثِيرَةٌ جِدًّا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: ثُمَّ نَتَكَلَّمُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - فِيمَا ذَكَرْنَا فِي الْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ بَيْعِ الْأَمَةِ الَّتِي تَزْنِي، فَنَقُولُ: إنَّ اللَّيْثَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا - وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ - وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ

стр. 4989

وَهَكَذَا أَيْضًا - رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلَمْ يَذْكُرُوا زِنَاهَا الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ جَلْدًا، بَلْ ذَكَرُوا الْبَيْعَ فَقَطْ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تُبَاعُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ مَعَ الْجَلْدِ - وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ عَلِيٌّ: فَوَجَبَ أَنْ يُلْغَى الشَّكُّ وَيَسْتَقِرَّ الْبَيْعُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ مَعَ الْجَلْدِ - وَالطُّرُقُ كُلُّهَا فِي ذَلِكَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَكُلُّ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَأَمْرُهُ ﷺ بِالْبَيْعِ فِي الثَّالِثَةِ نَدْبٌ بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَمْرُهُ بِالْبَيْعِ فِي الرَّابِعَةِ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ إلَّا هَذَا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمْرُهُ ﷺ فِي الثَّالِثَةِ فَرْضًا لَمَا أَبَاحَ حَبْسَهَا إلَى الرَّابِعَةِ وَأَمَّا الْبَيْعُ فِي الرَّابِعَةِ فَفَرْضٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، لِأَنَّ أَوَامِرَهُ ﷺ عَلَى الْفَرْضِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] الْآيَةَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَيُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى بَيْعِهَا أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ بِمَا يَنْتَهِي إلَيْهِ الْعَطَاءُ فِيهَا، وَلَا يَتَأَتَّى بِهَا طَلَبُ زِيَادَةٍ، وَلَا سَوْقٍ، كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُبَاعَ - وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ، أَوْ ضَفِيرٍ مِنْ شَعْرٍ - إذَا لَمْ يُوجَدْ فِيهَا إلَّا ذَلِكَ، فَإِنْ زَنَتْ فِي خِلَالِ تَعْرِيضِهَا لِلْبَيْعِ، أَوْ قَبْلَ أَنْ تُعْرَضَ حَدّهَا أَيْضًا، لِعُمُومِ أَمْرِهِ ﵌ بِجَلْدِهَا إنْ زَنَتْ - وَكَذَلِكَ إنْ غَابَ السَّيِّدُ أَوْ مَاتَ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيْعِهَا عَلَى الْوَرَثَةِ ضَرُورَةً - فَإِنْ كَانَتْ لِصِغَارٍ جَلَدَهَا الْوَلِيُّ أَوْ الْكَافِلُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَاجْلِدُوهَا، فَهُوَ عُمُومٌ لِكُلِّ مَنْ قَامَ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ فِي الْعَبْدِ إذَا زَنَى، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ إنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ الْأَمَةَ إذَا زَنَتْ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وَكَذَلِكَ إنْ سَرَقَتْ الْأَمَةُ أَوْ شَرِبَتْ الْخَمْرَ، فَإِنَّهَا تُحَدُّ وَلَا يَلْزَمُ بَيْعُهَا، لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا جَاءَ فِي زِنَاهَا فَقَطْ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَوْ أَعْتَقَهَا السَّيِّدُ إذَا تَبَيَّنَ زِنَاهَا لَمْ يُنَفَّذْ عِتْقُهُ بَلْ هُوَ

стр. 4990

مَرْدُودٌ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِبَيْعِهَا وَإِخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِهِ، فَهُوَ فِي عِتْقِهِ إيَّاهَا، أَوْ كِتَابَتِهِ لَهَا، أَوْ هِبَتِهِ إيَّاهَا، أَوْ الصَّدَقَةِ بِهَا، أَوْ إصْدَاقِهَا، أَوْ إجَارَتِهَا، أَوْ تَسْلِيمِهَا فِي شَيْءٍ بِصِفَةٍ غَيْرِ الْبَيْعِ - مِمَّا شَاءَ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ - بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ: مُخَالِفٌ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَقَدْ قَالَ ﵇ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَكَذَلِكَ لَوْ دَبَّرَهَا فَمَاتَ، أَوْ أَوْصَى بِهَا، فَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيْعِهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ السَّيِّدُ عَلَى مَمَالِيكِهِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَمَالِيكِ، أَوْ صِحَّةِ عِلْمِهِ وَيَقِينِهِ، عَلَى نَصِّ قَوْلِهِ ﷺ «فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا» وَلَا يُطْلَقُ عَلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمَمَالِيكِ إلَّا أَهْلُ الْعَدَالَةِ، فَقَطْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ [مَسْأَلَة أَيُّ الْأَعْضَاءِ تُضْرَبُ فِي الْحُدُودِ] ٢١٩٠ - مَسْأَلَةٌ: أَيُّ الْأَعْضَاءِ تُضْرَبُ فِي الْحُدُودِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا؟ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ فَفَعَلْنَا: فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَقَالَ ﵇ «إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» وَقَالَ ﵇ «وَعَلَى ابْنِكِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» وَسَنَذْكُرُ كُلَّ ذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَمْ نَجِدْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا عَنْ رَسُولِهِ ﷺ أَمْرًا بِأَنْ يَخُصَّ عُضْوًا بِالضَّرْبِ دُونَ عُضْوٍ إلَّا حَدُّ الْقَذْفِ وَحْدَهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ نا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَسَدِيُّ نا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «إنَّ أَوَّلَ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ شَرِيكَ ابْنَ سَحْمَاءَ بِامْرَأَتِهِ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» يُرَدِّدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا فَوَجَبَ أَنْ لَا يُخَصَّ بِضَرْبِ الزِّنَى، وَالْخَمْرِ عُضْوٌ مِنْ

стр. 4991

عُضْوٍ، إذْ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لَبَيَّنَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ اجْتِنَابُ الْوَجْهِ وَلَا بُدَّ، وَالْمَذَاكِرِ، وَالْمَقَاتِلِ أَمَّا الْوَجْهُ - فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا جَمِيعًا: أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ» وَأَمَّا الْمَقَاتِلُ: فَضَرْبُهَا غَرَرٌ، كَالْقَلْبِ، وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ - وَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ وَلَا التَّعْرِيضُ بِهِ، لِمَا نَخَافُ مِنْهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة كَيْفِيَّة ضَرْب الْحُدُود] ٢١٩١ - مَسْأَلَةٌ: كَيْف يُضْرَبُ الْحُدُودَ أَقَائِمًا أَمْ قَاعِدًا؟ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ أَمَّا مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ عَلَى الْمَحْدُودِ وَهُوَ قَائِمٌ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ مَا ناه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا الْفَرَبْرِيُّ أَنَا الْبُخَارِيُّ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ رَجَمَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الزِّنَى، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ» وَذَكَرُوا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي جَلْدِهِ حَدَّ الْقَذْفِ الَّذِي يَقُولُ فِي ذَلِكَ: لَعَمْرُك إنِّي يَوْمَ أُضْرَبُ قَائِمًا ثَمَانِينَ سَوْطًا، إنَّنِي لَصَبُورٌ ثُمَّ أَتَوْا بِأَطْرَفَ مَا يَكُونُ مِنْ التَّخْلِيطِ؟ فَقَالُوا: إنَّ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلْجَالِدِ فِي الْحَدِّ " اضْرِبْ وَأَعْطِ كُلَّ ذِي عُضْوٍ حَقَّهُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَجْلُودَ كَانَ قَائِمًا، وَقَالَ: فَدَلَّ حَدِيثُ الْيَهُودِيَّيْنِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ قَائِمًا، وَإِنَّهَا كَانَتْ قَاعِدَةً؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَكُلُّ هَذَا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ عَلَى مَا نُبَيِّنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَهُ، وَقَالُوا: لَا يَحِلُّ أَنْ

стр. 4992

يُقَامَ حَدُّ الزِّنَى عَلَى يَهُودِيٍّ وَلَا يَهُودِيَّةٍ، وَحَمَلُوا فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَى مَا لَمْ يَقْدَمُوا عَلَى إطْلَاقِهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ، إمَّا أَنَّهُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِمَّا أَنَّهُ عَلَى إنْفَاذٍ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ، مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُمْ إنْفَاذُهُ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَمْ يَحْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا بِوَحْيِهِ إلَيْهِ، وَلَا بِحَقٍّ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ: لَا مَحِيدَ لَهُمْ مِنْ هَذَا فَهَذَا الَّذِي ظَنُّوا مِنْ ذَلِكَ كَذِبٌ بَحْتٌ، وَمَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، وَلَا أَنَّهَا كَانَتْ قَاعِدَةً، بَلْ قَدْ يَحْنِي عَلَيْهَا وَهُوَ رَاكِعٌ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - أَوْ وَهُوَ مُنْكَبٌّ قَرِيبٌ مِنْ الْجُلُوسِ، وَهُوَ مُمْكِنٌ جِدًّا أَيْضًا، وَأَمَّا أَنْ يَحْنِيَ عَلَيْهَا وَهُوَ قَائِمٌ وَهِيَ قَاعِدَةٌ فَمُمْتَنِعٌ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ - وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا قَائِمَيْنِ، وَيَحْنِي عَلَيْهَا بِفَضْلِ مَا لِلرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ الطُّولِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا قَاعِدَيْنِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَيْسَ فِيهِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ قَائِمًا، إذْ جَلَدَهُ وَلَا بُدَّ، وَلَا أَنَّ الْمَرْأَةَ بِخِلَافِ الرَّجُلِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذْ لَا نَصَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَلَا إجْمَاعَ، فَقَدْ أَيْقَنَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى حَالٍ لَا يَتَعَدَّى مِنْ قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ، أَوْ فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ لَبَيَّنَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇ فَصَحَّ أَنَّ الْجَلْدَ فِي الزِّنَى، وَالْقَذْفِ، وَالْخَمْرِ، وَالتَّعْزِيرِ: يُقَامُ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، قِيَامًا وَقُعُودًا، فَإِنْ امْتَنَعَ أَمْسَكَ، وَإِنْ دَفَعَ بِيَدَيْهِ الضَّرْبَ عَنْ نَفْسِهِ: مِثْلُ أَنْ يَلْقَى الشَّيْءَ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ فَيَمْسِكَهُ أُمْسِكَتْ يَدَاهُ [مَسْأَلَة صفة ضَرْب الْحُدُود] ٢١٩٢ - مَسْأَلَةٌ: صِفَةُ الضَّرْبِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يُسَالَ الدَّمُ فِي جَلْدِ الْحُدُودِ، وَالتَّعْزِيرِ - وَهُوَ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَنْ الصَّحَابَةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ ﵁ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ لَا تَجِدُ، فَاجْلِدْهَا، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ فِي الضَّرْبِ فِي الزِّنَى، وَالْقَذْفِ، وَالْخَمْرِ، وَالتَّعْزِيرِ: أَنْ لَا يُكْسَرَ لَهُ عَظْمٌ، وَلَا أَنْ يُشَقَّ لَهُ جِلْدٌ، وَلَا أَنْ يُسَالَ الدَّمُ، وَلَا أَنْ يَعْفَنَ لَهُ اللَّحْمُ، لَكِنْ بِوَجَعٍ سَالِمٍ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، فَمَنْ تَعَدَّى فَشَقَّ فِي ذَلِكَ الضَّرْبِ جِلْدًا، أَوْ أَسَالَ دَمًا، أَوْ

стр. 4993

عَفَّنَ لَحْمًا، أَوْ كَسَرَ لَهُ عَظْمًا، فَعَلَى مُتَوَلِّي ذَلِكَ الْقَوَدُ، وَعَلَى الْآمِرِ أَيْضًا الْقَوَدُ إنْ أَمَرَ بِذَلِكَ بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] فَعَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّ لِضَرْبِ الْحُدُودِ قَدْرًا لَا يَتَجَاوَزُهُ وَقَدْرًا لَا يَنْحَطُّ عَنْهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَطَلَبْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَا أَدْنَى أَقْدَارِهِ أَنْ يُؤْلِمَ، فَمَا نَقَصَ عَنْ الْأَلَمِ فَلَيْسَ مِنْ أَقْدَارِهِ - وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ - وَكَانَ أَعْلَى أَقْدَارِهِ نِهَايَةُ الْأَلَمِ فِي الزِّنَى مَعَ السَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ الْحَطِيطَةُ مِنْ الْأَلَمِ عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفْنَا فَأَمَّا الْمَنْعُ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَحَرُمَتْ إسَالَةُ الدَّمِ نَصًّا إذْ هَرْقُ الدَّمِ حَرَامٌ، إلَّا مَا أَبَاحَهُ نَصٌّ، أَوْ إجْمَاعٌ - وَلَا نَصَّ، وَلَا إجْمَاعَ عَلَى إبَاحَةِ إسَالَةِ الدَّمِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ - نَعَمْ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَأَمَّا تَعَفُّنُ اللَّحْمِ: فَقَدْ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى تَحْرِيمِ الْبَشَرَةِ، فَلَا يَحِلُّ مِنْهَا إلَّا مَا أَحَلَّهُ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ، وَإِنَّمَا صَحَّ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى إبَاحَتِهَا لِلْأَلَمِ فَقَطْ، وَأَمَّا كَسْرُ الْعِظَامِ، فَلَا يَقُولُ بِإِبَاحَتِهِ فِي ضَرْبِ الْحُدُودِ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ بِلَا شَكٍّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَمَنْ خَالَفَنَا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سَأَلْنَاهُ أَلِشِدَّةِ الضَّرْبِ فِي ذَلِكَ حَدٌّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، تَرَكُوا قَوْلَهُمْ، وَخَالَفُوا الْإِجْمَاعَ، وَلَزِمَهُمْ أَنْ يُبِيحُوا أَنْ يُجْلَدَ فِي كُلِّ ذَلِكَ بِسَوْطٍ مَمْلُوءٍ حَدِيدًا أَوْ رَصَاصًا يُقْتَلُ مَنْ ضَرَبَهُ - وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ وَإِنْ قَالُوا: إنَّ لِذَلِكَ حَدًّا وَقَدْرًا نَقِفُ عِنْدَهُ فَلَا يَحِلُّ تَجَاوُزُهُ: سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ حَدُّوا فِيهِ غَيْرَ مَا حَدَدْنَا كَانُوا مُتَحَكِّمِينَ فِي الدِّينِ بِلَا بُرْهَانٍ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْحُدُودَ إنَّمَا جُعِلَتْ لِلرَّدْعِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: كَلًّا، مَا ذَلِكَ كَمَا تَقُولُونَ، إنَّمَا رَدْعُ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّحْرِيمِ وَبِالْوَعِيدِ فِي

стр. 4994

الْآخِرَةِ فَقَطْ، وَأَمَّا بِالْحُدُودِ فَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا شَاءَ، وَلَمْ يُخْبِرْنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا لِلرَّدْعِ، وَلَوْ كَانَتْ لِلرَّدْعِ كَمَا تَدَّعُونَ لَكَانَ أَلْفُ سَوْطٍ أَرْدَعَ مِنْ مِائَةٍ وَمِنْ ثَمَانِينَ، وَمِنْ أَرْبَعِينَ، وَمِنْ خَمْسِينَ، وَلَكَانَ قَطْعُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ أَرْدَعَ مِنْ قَطْعِ يَدٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكُنَّا نَقُولُ: هِيَ نَكَالٌ وَعُقُوبَةٌ، وَعَذَابٌ، وَجَزَاءٌ، وَخِزْيٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُحَارَبَةِ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى فِي الْقَاذِفِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ١٩] الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] الْآيَةَ وَإِنَّمَا التَّسْمِيَةُ فِي الدِّينِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَا إلَى النَّاسِ فَصَحَّ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهَا كَمَا شَاءَ حَيْثُ شَاءَ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا حَيْثُ لَمْ يَشَأْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذْ قَدْ صَحَّ مَا ذَكَرْنَا، وَصَحَّ مِقْدَارُ الضَّرْبِ الَّذِي لَا يَتَجَاوَزُ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ مَنْ تَجَاوَزَ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ فَإِنَّهُ مُتَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ عَاصٍ بِذَلِكَ، وَلَا تَنُوبُ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ طَاعَتِهِ، فَإِذْ هُوَ مُتَعَدٍّ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] الْآيَةَ فَضَرْبُ التَّعَدِّي لَا يَتَبَعَّضُ بِلَا شَكٍّ، فَإِذْ لَا يَتَبَعَّضُ - وَهُوَ مَعْصِيَةٌ - فَبَاطِلٌ أَنْ يُجْزِيَ عَنْ الْحَدِّ الَّذِي هُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَيُقْتَصُّ لَهُ مِنْهُ، ثُمَّ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة بِأَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ الضَّرْبُ فِي الْحَدِّ] ٢١٩٣ - مَسْأَلَةٌ: بِأَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ الضَّرْبُ فِي الْحَدِّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا أَهْلُ الرَّأْيِ، وَالْقِيَاسِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْحُدُودُ كُلُّهَا بِالسَّوْطِ، إلَّا الشَّافِعِيُّ ﵀ قَالَ: إلَّا الْخَمْرُ، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ فِيهَا بِمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ جَلَدَ فِيهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: احْتَجَّ مَنْ رَأَى الْجَلْدَ بِالسَّوْطِ وَلَا بُدَّ فِي الْحُدُودِ: بِمَا أَنَا حُمَامٌ أَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ أَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَا الدَّبَرِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ

стр. 4995

يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ؟ فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَوْطٍ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ عَلَيْهِ ثَمَرَتُهُ، قَالَ: لَا، سَوْطٌ دُونَ هَذَا؟ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورِ الْعَجُزِ، فَقَالَ: لَا، سَوْطٌ فَوْقَ هَذَا؟ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ بَيْنَ السَّوْطَيْنِ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ» وَذَكَرَ الْخَبَرَ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَى، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَوْطٍ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ، فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ، فَقَالَ: بَيْنَ هَذَيْنِ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ وَلَانَ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ أَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ أَنَا سَحْنُونٌ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْت عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مِقْسَمٍ يَقُولُ: سَمِعْت كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ أَوْ يُحَدَّثُ عَنْهُ قَالَ «أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَاعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَى، وَلَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ أَحْصَنَ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَوْطًا فَوَجَدَ رَأْسَهُ شَدِيدًا فَرَدَّهُ، ثُمَّ أَخَذَ سَوْطًا آخَرَ فَوَجَدَهُ لَيِّنًا، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ مِائَةً» وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي حَدٍّ - مَا أَدْرِي مَا ذَلِكَ الْحَدُّ - فَأُتِيَ بِسَوْطٍ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقَالَ: أُرِيدُ مَا هُوَ أَلْيَنُ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ لَيِّنٍ، فَقَالَ: أُرِيدُ أَشَدَّ مِنْ هَذَا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ بَيْنَ السَّوْطَيْنِ فَقَالَ: اضْرِبْ وَلَا يُرَى إبِطُك وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي حَدٍّ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ، فَهَزَّهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِسَوْطٍ أَلْيَنَ مِنْ هَذَا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ آخَرَ، فَقَالَ ائْتُونِي بِسَوْطٍ أَشَدَّ مِنْ هَذَا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ بَيْنَ السَّوْطَيْنِ، فَقَالَ: اضْرِبْ وَلَا يُرَى إبِطُك، وَأَعْطِ لِكُلِّ عُضْوٍ حَقَّهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شُبْهَةً غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا: أَمَّا الْآثَارُ - فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمُرْسَلَةٌ كُلُّهَا، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ، وَأَضْعَفُهَا حَدِيثُ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، لِأَنَّ سَمَاعَ مَخْرَمَةَ مِنْ

стр. 4996

أَبِيهِ لَا يَصِحُّ، وَشَكَّ ابْنُ مِقْسَمٍ أَسَمِعَهُ مِنْ كُرَيْبٍ أَمْ بَلَغَهُ عَنْهُ؟ ثُمَّ هُوَ عَنْ كُرَيْبٍ مُرْسَلٌ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا: أَنْ لَا تُجْلَدَ الْحُدُودُ إلَّا بِسَوْطٍ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَإِنَّمَا فِيهِ: أَنَّ الْحُدُودَ جَائِزٌ أَنْ يُضْرَبَ بِسَوْطٍ هَذِهِ صِفَتُهُ فَقَطْ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا نَأْبَاهُ - فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ وَأَمَّا الْأَثَرُ: عَنْ عُمَرَ ﵁ فَصَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا سَقَطَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ نَظَرْنَا فِيمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَقَالَ ﵇ «عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» وَقَالَ تَعَالَى فِي الْقَاذِفِ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا» وَقَالَ ﵇ «إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» وَنَهَى ﵇ أَنْ يُجْلَدَ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي غَيْرِ حَدٍّ، فَأَيْقَنَّا يَقِينًا لَا يَدْخُلُهُ شَكٌّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْجَلْدُ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا بِسَوْطٍ دُونَ سَوْطٍ لَبَيَّنَهُ لَنَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي وَحْيٍ مَنْقُولٍ إلَيْنَا ثَابِتٍ، كَمَا بَيَّنَ صِفَةَ الضَّرْبِ فِي الزِّنَى، وَكَمَا بَيَّنَ حُضُورَ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلْعَذَابِ فِي ذَلِكَ، فَإِذْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ تَعَالَى فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ قَطُّ أَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ فِي الْحُدُودِ بِسَوْطٍ خَاصَّةً، دُونَ سَائِرِ مَا يُضْرَبُ بِهِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُضْرَبَ الْحَدَّ فِي الزِّنَى وَالْقَذْفِ بِمَا يَكُونُ الضَّرْبُ بِهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، بِسَوْطٍ، أَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ، أَوْ مِنْ كَتَّانٍ، أَوْ مِنْ قُنَّبٍ، أَوْ صُوفٍ، أَوْ حَلْفَاءَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ تَفِرٍ، أَوْ قَضِيبٍ مِنْ خَيْزُرَانَ؛ أَوْ غَيْرِهِ، إلَّا الْخَمْرُ، فَإِنَّ الْجَلْدَ فِيهَا عَلَى مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -

стр. 4997

كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ - هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - أَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ، وَالنِّعَالِ» وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ اضْرِبُوهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَالْجَلْدُ فِي الْخَمْرِ خَاصَّةً يَكُونُ بِالْجَرِيدِ، وَالنِّعَالِ، وَالْأَيْدِي، وَبِطَرْفِ الثَّوْبِ، كُلِّ ذَلِكَ، أَيْ ذَلِكَ رَأْيُ الْحَاكِمِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ عِنْدَنَا أَنْ يُجْلَدَ فِي الْخَمْرِ أَيْضًا بِسَوْطٍ لَا يَكْسِرُ، وَلَا يَجْرَحُ، وَلَا يُعَفِّنُ لَحْمًا: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ إذْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَحَدَّثَهُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» فَاقْتَضَى هَذَا أَنَّ الضَّرْبَ بِالسَّوْطِ جَائِزٌ فِي كُلِّ حَدٍّ، وَفِي التَّعْزِيرِ، وَضَرْبِ الْخَمْرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة جلد الْمَرِيض الْحُدُود] ٢١٩٤ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُجْلَدُ الْمَرِيضُ الْحُدُودَ أَمْ لَا؟ وَإِنْ جُلِدَهَا كَيْفَ يُجْلَدُهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُعَجَّلُ لَهُ ضَرْبُ الْحَدِّ - كَمَا أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ أَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أُتِيَ بِرَجُلٍ يَشْرَبُ الْخَمْرَ - وَهُوَ مَرِيضٌ - فَقَالَ: أَقِيمُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمُوتَ

стр. 4998

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَاحْتَمَلَ هَذَا أَنْ يَكُونَ إشْفَاقُ عُمَرَ ﵁ مِنْ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحَدَّ فَيَكُونَ مُعَطِّلًا لِلْحَدِّ وَاحْتَمَلَ أَيْضًا: مِنْ أَنْ يَكُونَ يُصِيبُهُ مَوْتٌ مِنْهُ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ سَعِيدٍ أَيْضًا - قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ أَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ أَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا وَكِيعٌ أَنَا سُفْيَانُ فَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ، وَفِيهِ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: اضْرِبُوهُ لَا يَمُوتُ فَبَيَّنَ هَذَا أَنَّ إشْفَاقَ عُمَرَ كَانَ مِنْ كِلَا الْأَمْرَيْنِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذَا كَانَ هَذَا، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَمَرَ بِأَنْ يُضْرَبَ ضَرْبًا لَا يَمُوتُ مِنْهُ وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يَبَرُّ نَذْرَهُ بِأَدْنَى الضَّرْبِ وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: الضِّغْثُ لِلنَّاسِ عَامَّةً، فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] أَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ غُلَامٍ لَهُمْ يَفْهَمُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ذَلِكَ الْغُلَامُ أَنَّ عُرْوَةَ حَلَفَ لَيَضْرِبُنِي كَذَا وَكَذَا ضَرْبَةً، فَأَخَذَ بِيَدِهِ شَمَارِيخَ فَضَرَبَنِي بِهَا جَمِيعًا وَبِهِ - إلَى إسْمَاعِيلَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] قَالَ: عُودًا فِيهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ عُودًا، وَالْأَصْلُ تَمَامُ الْمِائَةِ، فَضَرَبَ بِهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ حَلَفَ لِيَضْرِبَنَّهَا، فَكَانَتْ الضَّرْبَةُ تَحِلَّةً لِيَمِينِهِ، وَتَخْفِيفًا عَنْ امْرَأَتِهِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُؤَخَّرُ جَلْدُهُ حَتَّى يَبْرَأَ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَجَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ: مَا ناه يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إلَى إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ

стр. 4999

عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] قَالَ: هِيَ لِأَيُّوبَ خَاصَّةً - وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ لِلنَّاسِ عَامَّةً قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتَّبِعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - فَوَجَدْنَا الطَّائِفَةَ الْمَانِعَةَ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ - حَتَّى يَبْرَأَ - يَحْتَجُّونَ: بِمَا ناه حُمَامٌ أَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَا أَبِي أَنَا غُنْدَرٌ أَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ الْأَعْلَى التَّغْلِبِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ أَمَةً زَنَتْ فَحَمَلَتْ، فَأَتَى عَلِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ: دَعْهَا حَتَّى تَلِدَ - أَوْ قَالَ حَتَّى تَضَعَ ثُمَّ اجْلِدْهَا» وَبِهِ - إلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَا وَكِيعٌ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى التَّغْلِبِيَّ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ الطَّهَوِيِّ عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ خَادِمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَحْدَثَتْ فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدَّ فَأَتَيْتُهَا فَوَجَدْتُهَا لَمْ تَجِفَّ مِنْ دَمِهَا فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: إذَا جَفَّتْ مِنْ دَمِهَا فَأَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» قَالُوا: فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُعَجِّلْ جَلْدَ الْخَادِمِ الْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ فَتُجْلَدَ الْحَدَّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ - وَكَذَلِكَ الَّتِي لَمْ تَجِفَّ مِنْ دَمِهَا حَتَّى يَجِفَّ عَنْهَا دَمُهَا ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ الْمُوجِبَةِ تَعْجِيلَ الْحَدِّ عَلَى حَسَبِ مَا يُؤْمَنُ بِهِ الْمَوْتُ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ: مَا ناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ النَّيْسَابُورِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْحَرَّانِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ أَحْمَدُ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنِي أَبِي ثُمَّ اتَّفَقَ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: قَالَا: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو - هُوَ الرَّقِّيِّ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ زَنَى، فَأَمَرَ بِهِ فَجُرِّدَ، فَإِذَا رَجُلٌ مُقْعَدٌ، حَمْشُ السَّاقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يُبْقِي الضَّرْبُ مِنْ هَذَا شَيْئًا، فَدَعَا بِأَثَاكِيلَ فِيهَا مِائَةُ شُمْرُوخٍ، فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً»

стр. 5000

أَنَا حُمَامٌ أَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ أَنَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُقَيْلِيُّ بِمَكَّةَ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ الثَّقَفِيُّ أَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِامْرَأَةٍ ضَعِيفَةٍ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَمْتَنِعَ مِمَّنْ أَرَادَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مِمَّنْ؟ قَالَتْ: مِنْ فُلَانٍ، فَذَكَرَتْ رَجُلًا ضَعِيفًا أَضْعَفَ مِنْهَا، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجِيءَ بِهِ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَقَرَّ مِرَارًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُذُوا أَثَاكِيلَ مِائَةً فَاضْرِبُوهُ بِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ صَالِحٍ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ هَذَا الْخَبَرَ الْمَعْرُوفَ فِيهِ إسْرَائِيلُ: كَمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ الْحَرَّانِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ني أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ - هُوَ خَالُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ - حَدَّثَنِي زَيْدٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: «جِيءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجَارِيَةٍ - وَهِيَ حُبْلَى - فَسَأَلَهَا مِمَّنْ حَمْلُكِ؟ فَقَالَتْ: مِنْ فُلَانٍ الْمُقْعَدِ، فَجِيءَ بِفُلَانٍ، فَإِذَا رَجُلٌ حَمْشُ الْجَسَدِ ضَرِيرٌ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا يُبْقِي الضَّرْبُ مِنْ هَذَا شَيْئًا، فَأَمَرَ بِأَثَاكِيلَ مِائَةً فَجُمِعَتْ، فَضُرِبَ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً» وَهِيَ: شَمَارِيخُ النَّخْلِ الَّذِي يَكُونُ فِيهَا الْعُرُوقُ وَفِي آثَارٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا جِدًّا، فَتَرَكْنَاهَا لِذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا جَاءَتْ الْآثَارُ كَمَا ذَكَرْنَا: وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ؟ فَوَجَدْنَا حَدِيثَ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ عَلِيٍّ صَحِيحًا إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا، لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَّرَ الْحَدَّ عَنْ الْحَمْلِ، وَعَنْ الَّتِي لَمْ تَجِفَّ مِنْ دَمِهَا - وَهَذَا لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فِي شَيْءٍ، لِأَنَّ الْحَامِلَ لَيْسَتْ مَرِيضَةً، وَإِنَّمَا خِيفَ عَلَى جَنِينِهَا الَّذِي لَا يَحِلُّ هَلَاكُهُ، وَحُكْمُ الصَّحِيحِ أَنْ تُجْلَدَ بِلَا رَأْفَةٍ، وَحُكْمُ الْجَنِينِ أَنْ لَا يُتَوَصَّلَ إلَى إهْلَاكِهِ: فَوَجَبَ تَأْخِيرُ الْجَلْدِ عَنْهَا جُمْلَةً، كَمَا يُؤَخَّرُ الرَّجْمُ أَيْضًا مِنْ أَجْلِهِ وَأَمَّا الَّتِي لَمْ تَجِفَّ مِنْ دَمِهَا: فَإِنَّ هَذَا كَانَ إثْرَ الْوِلَادَةِ، وَفِي حَالِ سَيَلَانِ الدَّمِ، وَهَذَا شُغْلٌ شَاغِلٌ لَهَا، وَمِثْلُهَا أَنْ لَا تُجْلَدَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، كَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ، أَوْ هُوَ

стр. 5001

فِي حَالِ الْغَائِطِ، أَوْ الْبَوْلِ، وَلَا فَرْقَ، وَانْقِطَاعُ ذَلِكَ الدَّمِ قَرِيبٌ، إنَّمَا هِيَ سَاعَةٌ أَوْ سَاعَتَانِ - وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ إذَا طَهُرَتْ، إنَّمَا قَالَ: إذَا جَفَّتْ مِنْ دَمِهَا فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَيْنِك الْحَدِيثَيْنِ مُتَعَلِّقٌ أَصْلًا فَإِذْ قَدْ سَقَطَ أَنْ يَكُونَ لِتِلْكَ الطَّائِفَةِ مُتَعَلِّقٌ، فَالْوَاجِبُ أَنْ نَنْظُرَ - بِعَوْنِ اللَّهِ فِيمَا قَالَتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى: فَنَظَرْنَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدْنَا مِنْ جَلْدِ الْمُزْمِنِ الْمَرِيضِ بِشَمَارِيخَ فِيهَا مِائَةُ عُثْكُولٍ: فَوَجَدْنَا الطَّرِيقَ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ طَرِيقًا جَيِّدًا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِأَمْرِ أَيُّوبَ ﵌ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا نَحْنُ فَلَا نَحْتَجُّ بِشَرِيعَةِ نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وَلَمَّا قَدْ أَحْكَمْنَا فِي كِتَابِنَا الْمَوْسُومِ بِ " الْإِحْكَامُ لِأُصُولِ الْأَحْكَامِ " قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَصِحَّ فِي هَذَا حَدٌّ، لَكَانَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] مُوجِبًا أَنْ لَا يُجْلَدَ أَحَدٌ إلَّا عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ مِنْ الْأَلَمِ، وَكَانَ نَصًّا جَلِيًّا فِي ذَلِكَ لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ أَصْلًا. وَبِضَرُورَةِ الْعَقْلِ نَدْرِي أَنَّ ابْنَ نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ قَوِيُّ الْجِسْمِ، مُصَبَّرُ الْخُلُقِ، يَحْمِلُ مِنْ الضَّرْبِ مِنْ قُوَّتِهِ مَا لَا يَحْمِلُهُ الشَّيْخُ ابْنُ ثَمَانِينَ، وَالْغُلَامُ ابْنُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، - وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ عَامًا - إذَا بَلَغَ - وَأَصَابَ حَدًّا وَكَذَلِكَ يُؤْلَمُ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْغُلَامُ الصَّغِيرُ، مِنْ الْجَلْدِ مَا لَا يُؤْلِمُ ابْنَ الثَّلَاثِينَ الشَّابُّ الْقَوِيُّ، بَلْ لَا يَكَادُ يَحُسُّ إلَّا حِسًّا لَطِيفًا مَا يُؤْلِمُ ذَيْنِك الْأَلَمَ الشَّدِيدَ وَأَنَّ الَّذِي يُؤْلِمُ الشَّابَّ الْقَوِيَّ، لَوْ قُوبِلَ بِهِ الشَّيْخُ الْهَرَمُ، وَالصَّغِيرُ النَّحِيفُ، مِنْ الْجَلْدِ لَقَتَلَهُمَا، هَذَا أَمْرٌ لَا يَدْفَعُهُ إلَّا مَدَافِعُ لِلْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ وَوَجَدْنَا الْمَرِيضَ يُؤْلِمُهُ أَقَلُّ شَيْءٍ مِمَّا لَا يَحُسُّهُ الصَّحِيحُ أَصْلًا، إلَّا كَمَا يَحُسُّ بِثِيَابِهِ الَّتِي لَيْسَ لِحِسِّهِ لَهَا فِي الْأَلَمِ سَبِيلٌ أَصْلًا، وَعَلَى حَسَبِ شِدَّةِ الْمَرَضِ يَكُونُ تَأَلُّمُهُ لِلْكَلَامِ، وَلِلتَّلَفِ، وَلِلَمْسِ الْيَدِ بِلُطْفٍ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ أَصْلًا

стр. 5002

وَمَنْ كَابَرَ هَذَا فَإِنَّمَا يُكَابِرُ الْعِيَانَ، وَالْمُشَاهَدَةَ، وَالْحِسَّ فَوَجَدْنَا الْمَرِيضَ إذَا أَصَابَ حَدًّا مِنْ زِنًى، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ خَمْرٍ، لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ الْحَدُّ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: يُؤَخَّرُ؟ قُلْنَا لَهُمْ: إلَى مَتَى؟ فَإِنْ قَالُوا: إلَى أَنْ يَصِحَّ؟ قُلْنَا لَهُمْ: لَيْسَ هَذَا أَمَدٌ مَحْدُودٌ، وَقَدْ تَتَعَجَّلُ الصِّحَّةُ، وَقَدْ تُبْطِئُ عَنْهُ، وَقَدْ لَا يَبْرَأُ، فَهَذَا تَعْطِيلٌ لِلْحُدُودِ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ أَصْلًا، لِأَنَّهُ خِلَافُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا تَعْجِيلُ الْحَدِّ كَمَا قُلْنَا نَحْنُ، وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فَصَحَّ أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُجْلَدَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حَسَبِ وُسْعِهِ الَّذِي كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَصْبِرَ لَهُ، فَمَنْ ضَعُفَ جِدًّا جُلِدَ بِشِمْرَاخٍ فِيهِ مِائَةُ عُثْكُولٍ جَلْدَةً وَاحِدَةً، أَوْ فِيهِ ثَمَانُونَ عُثْكَالًا كَذَلِكَ - وَيُجْلَدُ فِي الْخَمْرِ وَإِنْ اشْتَدَّ ضَعْفُهُ بِطَرْفِ ثَوْبٍ: عَلَى حَسَبِ طَاقَةِ كُلِّ أَحَدٍ وَلَا مَزِيدَ - وَبِهَذَا نَقُولُ وَنَقْطَعُ: أَنَّهُ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِيَقِينٍ، وَمَا عَدَاهُ فَبَاطِلٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى - وَبِهِ التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة كَمْ مَرَّةٍ مِنْ الْإِقْرَارِ تَجِبُ الْحُدُودُ عَلَى الْمُقِرِّ] ٢١٩٥ - مَسْأَلَةٌ: بِكَمْ مِنْ مَرَّةٍ مِنْ الْإِقْرَارِ تَجِبُ الْحُدُودُ عَلَى الْمُقِرِّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً تَجِبُ إقَامَةُ الْحُدُودِ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ؛ وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقَامُ عَلَى أَحَدٍ حَدُّ الزِّنَى بِإِقْرَارِهِ حَتَّى يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَطْعِ، وَالسَّرِقَةِ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ مَرَّتَيْنِ، وَحَدُّ الْخَمْرِ مَرَّتَيْنِ - وَأَمَّا فِي الْقَذْفِ فَمَرَّةٌ وَاحِدَةٌ - وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ

стр. 5003

كُلُّ طَائِفَةٍ لِقَوْلِهَا، فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنَّ الْحَدَّ لَا يُقَامُ فِي الزِّنَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ: فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِطَرِيقِ مُسْلِمٍ ني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ني أَبِي عَنْ جَدِّي ني عُقَيْلُ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ أَتَى رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ زَنَيْتُ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى كَرَّرَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ أَحْصَنْتَ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ أَنَا حِبَّانُ - هُوَ ابْنُ مُوسَى - أَنَا عَبْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُضَاضٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ مَاعِزًا أَتَى رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: هُزَالٌ، فَقَالَ: يَا هُزَالُ إنَّ الْآخَرَ قَدْ زَنَى، قَالَ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِيك قُرْآنٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَنَى؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ - أَرْبَعَ مَرَّاتٍ - فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةُ أَمَرَ بِرَجْمِهِ، فَلَمَّا رُجِمَ أُتِيَ إلَى شَجَرَةٍ فَقُتِلَ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ أَنَا حِبَّانُ - وَهُوَ ابْنُ مُوسَى - أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ زَكَرِيَّا أَبِي عِمْرَانَ الْبَصْرِيِّ - هُوَ ابْنُ سَلِيمٍ - صَاحِبِ اللُّؤْلُئِيِّ قَالَ: سَمِعْت شَيْخًا يُحَدِّثُ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ الْقُرَشِيَّ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﵇ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَغْلَتِهِ - فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ حُبْلَى فَقَالَتْ: إنَّهَا قَدْ بَغَتْ فَارْجُمْهَا؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ اسْتَتِرِي بِسِتْرِ اللَّهِ فَذَهَبَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِ - وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَغْلَتِهِ - فَقَالَتْ: اُرْجُمْهَا؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ اسْتَتِرِي بِسِتْرِ اللَّهِ فَرَجَعَتْ ثُمَّ جَاءَتْ الثَّالِثَةَ - وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَغْلَتِهِ - فَأَخَذَتْ بِاللِّجَامِ فَقَالَتْ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إلَّا رَجَمْتَهَا، فَقَالَ: انْطَلِقِي حَتَّى تَلِدِي فَانْطَلَقَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَجَاءَتْ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَكَفَلَهُ النَّبِيُّ ﵇ ثُمَّ قَالَ

стр. 5004

انْطَلِقِي فَتَطَهَّرِي مِنْ الدَّمِ فَانْطَلَقَتْ فَتَطَهَّرَتْ مِنْ الدَّمِ، ثُمَّ جَاءَتْ فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﵌ إلَى نِسْوَةٍ فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَسْتَبْرِئْنَهَا وَأَنْ يَنْظُرْنَ أَطَهُرَتْ مِنْ الدَّمِ؟ فَجِئْنَ فَشَهِدْنَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﵌ بِطُهْرِهَا، فَأَمَرَ لَهَا ﵇ بِحُفْرَةٍ إلَى ثُنْدُوَتِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ فَقَالَ بِيَدِهِ: فَأَخَذَ حَصَاةً - كَأَنَّهَا حِمَّصَةٌ - فَرَمَاهَا بِهَا، ثُمَّ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: ارْمُوهَا وَإِيَّاكُمْ وَوَجْهَهَا، فَرَمَوْهَا حَتَّى طُفِيَتْ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهَا حَتَّى صَلَّى عَلَيْهَا» وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا يَقُولُ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نُمَيْرٍ حَدَّثَهُ قَالَ: أَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ ظَلَمْت نَفْسِي وَزَنَيْتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا؟ أَتُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟ فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إلَّا وَفِي الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نَرَى، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ: حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَجَاءَتْ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَأَنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَرُدُّنِي، لَعَلَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَحُبْلَى، قَالَ لَهَا: لَا، أَمَّا الْآنَ فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ قَالَ: فَاذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ قَالَتْ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا» فَهَذَا هُوَ الْبَيَانُ الْجَلِيُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لِأَيِّ شَيْءٍ رَدَّ مَاعِزًا لِأَنَّ الْغَامِدِيَّةَ قَرَّرَتْهُ ﵇ عَلَى أَنَّهُ رَدَّ مَاعِزًا، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَرْدِيدِهَا، لِأَنَّ الزِّنَى الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، وَقَدْ ظَهَرَتْ عَلَامَتُهُ - وَهِيَ حَبَلُهَا - فَصَدَّقَهَا

стр. 5005

رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِذَلِكَ، وَأَمْسَكَ عَنْ تَرْدِيدِهَا - وَلَوْ كَانَ تَرْدِيدُهُ ﵇ مَاعِزًا مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَصِحُّ بِالزِّنَى حَتَّى يَتِمَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ لَأَنْكَرَ عَلَيْهَا هَذَا الْكَلَامَ، وَلَقَالَ لَهَا: لَا شَكَّ إنَّمَا أَرُدُّك كَمَا رَدَدْت مَاعِزًا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِأَرْبَعِ مَرَّاتٍ - وَهُوَ ﵇ لَا يُقِرُّ عَلَى خَطَأٍ، وَلَا عَلَى بَاطِلٍ فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهَا صَادِقَةٌ، فَإِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ مِنْ التَّرْدِيدِ إلَى مَا احْتَاجَ إلَيْهِ مَاعِزٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَرُدَّهَا ﵇ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ وَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ تَرْدِيدَهُ ﵇ مَاعِزًا إنَّمَا كَانَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - مَا نَصَّ ﵇ مِنْ تُهْمَتِهِ لِعَقْلِهِ فَسَأَلَ ﵇ قَوْمَهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ هَلْ بِهِ جُنُونٌ؟ وَسُؤَالُهُ ﵇ هَلْ شَرِبَ خَمْرًا كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَامِعٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ لَهُ طَهِّرْنِي، قَالَ: وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي؟ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إذَا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟ قَالَ: مِنْ الزِّنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: أَبِهِ جِنَّةٌ؟ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: أَشَرِبَ خَمْرًا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: أَزَنَيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ» وَذَكَرَ بَاقِي الْخَبَرِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ اتَّهَمَهُ أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا الزِّنَى؟ فَرَدَّدَهُ لِذَلِكَ وَقَرَّرَهُ» : كَمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أرنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ أرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ الْأَسْلَمِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَى، فَقَالَ: لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت أَوْ نَظَرْت» وَبِهِ - إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْهَيْثَمِ عَنْ عُثْمَانَ الْبَصْرِيِّ أرنا

стр. 5006

وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ يُحَدِّثُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: وَيْحَكَ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَنِكْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ» فَقَدْ صَحَّ يَقِينًا أَنَّ تَرْدِيدَ النَّبِيِّ ﵇ لِمَاعِزٍ لَمْ يَكُنْ مُرَاعَاةً لِتَمَامِ الْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَصْلًا، وَإِنَّمَا كَانَ لِتُهْمَتِهِ إيَّاهُ فِي عَقْلِهِ، وَفِي جَهْلِهِ مَا هُوَ الزِّنَى - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ بُرَيْدَةَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُضَاضٍ، فَإِنَّ ابْنَ مُضَاضٍ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ خَبَرٌ صَحِيحٌ بِبَيَانِ بُطْلَانِ ظَنِّهِمْ نَذْكُرُهُ بَعْدَ تَمَامِ كَلَامِنَا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ -: مَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الصَّامِتِ ابْنَ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «جَاءَ الْأَسْلَمِيُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بِالزِّنَى يَقُولُ: أَتَيْتُ امْرَأَةً حَرَامًا، وَكُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ فَقَالَ لَهُ: أَنْكَحْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَى؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مِثْلَ مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ حَلَالًا، قَالَ: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي؟ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرْجَمَ فَرُجِمَ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اُنْظُرُوا إلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ، فَسَكَتَ عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ سَاعَةً فَمَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلَيْهِ، فَقَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُمَا: كُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَنْ يَأْكُلُ هَذَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: مَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ هَذَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْجِيفَةِ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ الْآنَ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ»

стр. 5007

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ لَمْ يَكْتَفِ بِتَقْرِيرِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَا بِإِقْرَارِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، حَتَّى أَقَرَّ فِي الْخَامِسَةِ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتَّى سَأَلَهُ السَّادِسَةَ: هَلْ تَعْرِفُ مَا الزِّنَى؟ فَلَمَّا عَرَفَ ﵇ أَنَّهُ يَعْرِفُ الزِّنَى لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتَّى سَأَلَهُ السَّابِعَةَ، مَا يُرِيدُ بِهَذَا إلَّا لِيَخْتَبِرَ عَقْلَهُ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ عَاقِلٌ صَحِيحُ الْعَرْضِ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ - وَفِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ بُطْلَانِ الرَّأْيِ مِنْ الصَّاحِبِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ ﵇ أَنْكَرَ عَلَيْهِمَا مَا قَالَاهُ بِرَأْيِهِمَا مُجْتَهِدِينَ قَاصِدِينَ إلَى الْحَقِّ - فَهَذَا يُبْطِلُ احْتِجَاجَ مَنْ احْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ أَنَا مُعَاذٌ - يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيَّ - ني أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ني أَبُو قِلَابَةَ أَنَّ أَبَا الْمُهَلَّبِ حَدَّثَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللَّهِ ﵌ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَى - فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ؟ فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ ﵌ وَلِيَّهَا فَقَالَ: أَحْسِنْ إلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ قَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدَتْ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى؟» " وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا قُتَيْبَةُ أَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا «إنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ -: نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَإِيذَنْ لِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: قُلْ، فَقَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ لَهُ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ،

стр. 5008

وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا؟ فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَرُجِمَتْ» فَوَجَدْنَا بُرَيْدَةَ، وَعِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، كُلَّهُمْ قَدْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إقَامَةَ الْحَدِّ فِي الزِّنَى عَلَى: الْغَامِدِيَّةِ، وَالْجُهَيْنِيَّةِ، بِغَيْرِ تَرْدِيدٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا الْمَذْكُورِ بِالِاعْتِرَافِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ يَقْتَضِي - وَلَا بُدَّ - رَجْمَهَا بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ اعْتِرَافٍ، وَهُوَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ وَصَحَّ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ يُوجِبُ مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ فِي الزِّنَى بِالِاعْتِرَافِ الْمُطْلَقِ دُونَ تَحْدِيدِ عَدَدٍ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ «لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» وَأَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَضَى بِالرَّجْمِ فِي الِاعْتِرَافِ دُونَ عَدَدٍ فَصَحَّ أَنَّهُ إذَا صَحَّ الِاعْتِرَافُ مَرَّةً أَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ فَهُوَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَأَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ وَاجِبٌ وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة هَلْ فِي الْحُدُودِ نَفْيٌ أَمْ لَا] ٢١٩٦ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ فِي الْحُدُودِ نَفْيٌ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: النَّفْيُ يَقَعُ مِنْ الْحُدُودِ فِي الْمُحَارَبَةِ بِالْقُرْآنِ، وَفِي الزِّنَى بِالسُّنَّةِ، وَحَكَمَ بِهِ قَوْمٌ فِي الرِّدَّةِ، وَفِي الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةِ " قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَتَكَلَّمُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كُلِّ ذَلِكَ فَصْلًا فَصْلًا، فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: نَفْيُهُ سَجْنُهُ - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُنْفَى أَبَدًا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ قَالَتْ طَائِفَةٌ: نَفْيُهُ هُوَ أَنْ يُطْلَبَ حَتَّى يُعْجِزَهُمْ فَلَا يَقْدِرُوا عَلَيْهِ كَمَا أَنَا حُمَامٌ أَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ أَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَا الدَّبَرِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْمُحَارِبِ إنْ هَرَبَ وَأَعْجَزَهُمْ فَذَلِكَ نَفْيُهُ

стр. 5009

وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ: سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولَانِ: إنَّمَا النَّفْيُ أَنْ لَا يُدْرَكُوا، فَإِذَا أُدْرِكُوا، فَفِيهِمْ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا نُفُوا حَتَّى يَلْحَقُوا بِبَلَدِهِمْ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ حَارَبَ: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقْتَلَ، أَوْ يُصْلَبَ، أَوْ يُقْطَعَ، أَوْ يُنْفَى، فَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ - وَعَنْ الضَّحَّاكِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] قَالَ: هُوَ أَنْ يُطْلَبُوا حَتَّى يُعْجِزُوا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَبِهَذَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ - وَقَالَ آخَرُونَ: النَّفْيُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ الْمُحَارِبِ، كَمَا كَتَبَ إلَيَّ الْمَرْجِيُّ بْنُ زَرْوَانَ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الرَّحَبِيُّ أَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَاتِبُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُغَلِّسِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَنَا حَجَّاجٌ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مُحَارِبًا فَأَخَافَ الطَّرِيقَ، وَأَخَذَ الْمَالَ: قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ - وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ: قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ صُلِبَ - وَإِذَا قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ: قُتِلَ - وَإِذَا أَخَافَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا وَلَمْ يَقْتُلْ: نُفِيَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَظَرْنَا فِيمَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ قَالَ: إنَّ النَّفْيَ هُوَ السَّجْنُ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] قَالُوا: وَالنَّفْيُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ: هُوَ الْإِبْعَادُ فَصَحَّ أَنَّ الْوَاجِبَ إبْعَادُهُ مِنْ الْأَرْضِ، قَالُوا: وَلَا يُقْدَرُ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ الْأَرْضِ جُمْلَةً، فَوَجَبَ أَنْ نَفْعَلَ مِنْ ذَلِكَ أَقْصَى مَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فَكَانَ أَقْصَى مَا نَسْتَطِيعُ مِنْ ذَلِكَ إبْعَادَهُ عَنْ كُلِّ مَا قَدَرْنَا عَلَى إبْعَادِهِ مِنْهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَغَايَةُ ذَلِكَ السَّجْنُ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ حَاشَا مَا كَانَ سِجْنَهُ الَّذِي لَمْ نَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُ أَصْلًا، فَلَزِمَنَا مَا اسْتَطَعْنَا مِنْ ذَلِكَ، وَسَقَطَ عَنَّا مَا لَمْ نَسْتَطِعْ مِنْهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا: حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً، لِأَنَّهُ مَا دَامَ مُصِرًّا عَلَى الْمُحَارَبَةِ فَهُوَ مُحَارِبٌ،

стр. 5010

فَإِذْ هُوَ مُحَارِبٌ فَوَاجِبٌ أَنْ يُجْزَى جَزَاءَ الْمُحَارِبِ، فَالنَّفْيُ عَلَيْهِ بَاقٍ مَا لَمْ يَتْرُكْ الْمُحَارَبَةَ بِالتَّوْبَةِ، فَإِذَا تَرَكَهَا سَقَطَ عَنْهُ جَزَاؤُهَا أَنْ يَتَمَادَى فِيهِ، إذْ قَدْ جُوزِيَ عَلَى مُحَارَبَتِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حُجَّةِ مَنْ قَالَ: يُنْفَى أَبَدًا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ أَنْ قَالَ: إنَّنَا إذَا سَجَنَّاهُ فِي بَلَدٍ، أَوْ أَقْرَرْنَاهُ فِيهِ - غَيْرَ مَسْجُونٍ - فَلَمْ نَنْفِهِ مِنْ الْأَرْضِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، بَلْ عَمِلْنَا بِهِ ضِدَّ النَّفْيِ، وَالْإِبْعَادِ، وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَالْإِثْبَاتُ فِي الْأَرْضِ فِي مَكَان وَاحِدٍ مِنْهَا - وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنْ نَسْتَعْمِلَ إبْعَادَهُ وَنَفْيَهُ عَنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ أَبَدًا، حَسَبَ طَاقَتِنَا، أَوْ غَايَةُ ذَلِكَ أَلَّا نُقِرَّهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا دُمْنَا قَادِرِينَ عَلَى نَفْيِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ - ثُمَّ هَكَذَا أَبَدًا، وَلَوْ قَدَرْنَا عَلَى أَنْ لَا نَدَعَهُ يَقَرُّ سَاعَةً فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ لَفَعَلْنَا ذَلِكَ، وَلَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْنَا فِعْلُهُ مَا دَامَ مُصِرًّا عَلَى الْمُحَارَبَةِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ أَصَحَّ وَأَوْلَى بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ لِمَا ذَكَرَ الْمُحْتَجُّ لَهُ مِنْ أَنَّ السَّجْنَ إثْبَاتٌ، وَإِقْرَارٌ لَا نَفْيٌ وَمَا عَرَفَ قَطُّ أَهْلُ اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَخَاطَبَنَا بِهَا اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ السَّجْنَ يُسَمَّى: نَفْيًا، وَلَا أَنَّ النَّفْيَ يُسَمَّى: سَجْنًا، بَلْ هُمَا اسْمَانِ مُخْتَلِفَانِ، مُتَغَايِرَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ - وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٥ - ٣٦] فَمَا قَالَ أَحَدٌ - لَا قَدِيمٌ وَلَا حَدِيثٌ - أَنَّ حُكْمَ الزَّوَانِي كَانَ النَّفْيَ، إذْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَبْسِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ، وَلَا قَالَ قَطُّ أَحَدٌ: إنَّ يُوسُفَ ﵇ نُفِيَ إذْ حُبِسَ فِي السِّجْنِ - فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ، بِالسَّجْنِ جُمْلَةً وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْوَاجِبُ أَنْ نَنْظُرَ فِي الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا إمَّا نَفْيُهُ إلَى مَكَان غَيْرِ مَكَانِهِ وَإِقْرَارُهُ هُنَالِكَ أَوْ نَفْيُهُ أَبَدًا، فَوَجَدْنَا مِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ: يُنْفَى مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَيُقَرُّ هُنَالِكَ [أَنْ قَالُوا: أَنْتُمْ تَقُولُونَ بِتَكْرَارِ فِعْلِ الْأَمْرِ بَلْ يُجْزِي عِنْدَكُمْ إيقَاعُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِذَا كَرَّرْتُمْ النَّفْيَ أَبَدًا فَقَدْ نَقَضْتُمْ أَصْلَكُمْ
следующие страницы →