← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

فِي شَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ خُثَيْمٍ ضَعِيفٌ، وَبَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَحَدِيثَ عِرَاكٍ مُرْسَلٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ فِيهِ الدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْحَبْسِ لِاسْتِغْفَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ «الْمَرْأَةِ الْغَامِدِيَّةِ الَّتِي قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَهِّرْنِي، قَالَ: وَيْحَكِ، ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إلَيْهِ، قَالَتْ: لَعَلَّك تَرُدُّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَتْ: إنِّي حُبْلَى مِنْ الزِّنَى، قَالَ: أَثَيِّبٌ أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا نَرْجُمَنَّكِ حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةِ قَالَ: إذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: إلَيَّ رَضَاعُهُ، فَرَجَمَهَا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْجِنْهَا وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ، لَكِنْ فِيهِ: أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ تَوَلَّى أَمْرَهَا وَحِيَاطَتَهَا فَقَطْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] فَإِنَّ هَذَا حُكْمٌ مَنْسُوخٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. قَالَ عَلِيٌّ ﵀: فَإِذْ لَمْ يَبْقَ لِمَنْ رَأَى السِّجْنَ حُجَّةٌ، فَالْوَاجِبُ طَلَبُ الْبُرْهَانِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ بِسَجْنِهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا لَمْ يَصِحَّ قَبْلَهُ شَيْءٌ، أَوْ يَكُونَ قَدْ صَحَّ قَبْلَهُ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِّ، فَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِقَتْلٍ، أَوْ زِنًا، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ شُرْبٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: فَلَا يَحِلُّ سَجْنُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» وَقَدْ كَانَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُتَّهَمُونَ بِالْكُفْرِ - وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ - فَمَا حَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ أَحَدًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4937

[مَسْأَلَة فِيمَنْ أَصَابَ حَدًّا مَرَّتَيْنِ فَصَاعِدًا] ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، كَمَنْ زَنَى مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ فِي ذَلِكَ، أَوْ قَذَفَ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ فِي ذَلِكَ، أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، أَوْ سَرَقَ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ فِي ذَلِكَ، أَوْ جَحَدَ عَارِيَّةً مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ، قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَوْ حَارَبَ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ فَقَطْ - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهِ لِكُلِّ مَرَّةٍ حَدٌّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَوَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ؟ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتَّبِعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: لِكُلِّ فِعْلَةٍ حَدٌّ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا مَعْمَرٌ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ قَالُوا: فَوَجَبَ بِنَصِّ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ عَلَى مَنْ زَنَى الْجَلْدُ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَعَلَى مَنْ سَرَقَ قَطْعُ يَدِهِ، وَعَلَى مَنْ قَذَفَ الْجَلْدُ الْمَأْمُورُ بِهِ وَعَلَى مَنْ

стр. 4938

شَرِبَ الْخَمْرَ الْجَلْدُ الْمَأْمُورُ بِهِ، فَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَيْهِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ مَتَى زَنَى ثَانِيَةً وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ ثَانٍ، وَإِذَا سَرَقَ ثَانِيَةً وَجَبَ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ الثَّانِيَةِ قَطْعٌ ثَانٍ، وَإِذَا قَذَفَ ثَانِيَةً وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ ثَانٍ، وَإِذَا شَرِبَ ثَانِيَةً وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ ثَانٍ وَلَا بُدَّ - وَهَكَذَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] الْآيَةَ. وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ. وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» فَكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ، وَيَكْفُرُ مَنْ أَنْكَرَ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: فَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَيْهِ، فَهَذَا وَهْمُ أَصْحَابِنَا، وَلَسْنَا نَقُولُ بِهَذَا، لَكِنْ نَقُولُ: إنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ بِنَفْسِ الزِّنَى، وَلَا بِنَفْسِ الْقَذْفِ، وَلَا بِنَفْسِ السَّرِقَةِ، وَلَا بِنَفْسِ الشُّرْبِ، لَكِنْ حَتَّى يَسْتَضِيفَ إلَى ذَلِكَ مَعْنًى آخَرَ - وَهُوَ ثَبَاتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ، إمَّا بِعِلْمِهِ، وَإِمَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، وَإِمَّا بِإِقْرَارِهِ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَلَا يَلْزَمُهُ حَدٌّ، لَا جَلْدٌ، وَلَا قَطْعٌ أَصْلًا. بُرْهَانُ ذَلِكَ: هُوَ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ الْحُدُودُ الْمَذْكُورَةُ بِنَفْسِ الْفِعْلِ لَكَانَ فَرْضًا عَلَى مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ عَلَى نَفْسِهِ لِيَخْرُجَ مِمَّا لَزِمَهُ، أَوْ أَنْ يُعَجِّلَ الْمَجِيءَ إلَى الْحَاكِمِ فَيُخْبِرَهُ بِمَا عَلَيْهِ لِيُؤَدِّيَ مَا لَزِمَهُ فَرْضًا فِي ذِمَّتِهِ، لَا فِي بَشَرَتِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا بِلَا خِلَافٍ. أَمَّا إقَامَتُهُ الْحَدَّ عَلَى نَفْسِهِ فَحَرَامٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِسَارِقٍ أَنْ يَقْطَعَ يَدَ نَفْسِهِ، بَلْ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ الْأُمَّةِ كُلِّهَا عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَوْ كَانَ الْحَدُّ فَرْضًا وَاجِبًا بِنَفْسِ فِعْلِهِ لَمَا حَلَّ لَهُ السَّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا جَازَ لَهُ تَرْكُ الْإِقْرَارِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، لِيُؤَدِّيَ عَنْ نَفْسِهِ مَا لَزِمَهُ. وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵇ الْأَئِمَّةَ وَوُلَاتَهُمْ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى مَنْ جَنَاهَا، وَبِيَقِينِ الضَّرُورَةِ نَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْهُمْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ لِكُلِّ زِنًا يَزْنِيهِ، وَكُلِّ قَذْفٍ يَقْذِفُهُ، وَكُلِّ شُرْبٍ

стр. 4939

يَشْرَبُهُ، وَكُلِّ سَرِقَةٍ يَسْرِقُهَا، وَكُلِّ حِرَابَةٍ يُحَارِبُ، وَكُلِّ عَارِيَّةٍ يَجْحَدُهَا قَبْلَ عِلْمِ الْإِمَامِ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ، لَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى مَنْ زَنَى مَرَّةً، أَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ - إذَا عَلِمَ الْإِمَامُ بِذَلِكَ - جَلْدَ مِائَةٍ، وَعَلَى الْقَاذِفِ، وَالسَّارِقِ، وَالْمُحَارِبِ، وَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَالْجَاحِدِ مَرَّةً، وَأَلْفَ مَرَّةٍ حَدًّا وَاحِدًا، إذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ كُلَّهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا إنْ وَقَعَ عَلَى مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيعٌ مِنْ الْإِمَامِ، أَوْ أَمِيرِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، ثُمَّ شَرَعَ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ فَوَقَعَتْ ضَرُورَةٌ مَنَعَتْ مِنْ إتْمَامِهِ فَوَاقَعَ فِعْلًا آخَرَ مِنْ نَوْعِ الْأَوَّلِ، فَقَوْلُنَا، وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا سَوَاءٌ: يَسْتَتِمُّ عَلَيْهِ الْحَدَّ الْأَوَّلَ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فِي الثَّانِي وَلَا بُدَّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْحَدَّ كُلَّهُ قَدْ وَجَبَ بِعِلْمِ الْإِمَامِ، أَوْ أَمِيرِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى إقَامَةِ جَمِيعِ الْحَدِّ، ثُمَّ أَحْدَثَ ذَنْبًا آخَرَ، فَلَا يَجْزِي عَنْهُ حَدٌّ قَدْ تَقَدَّمَ وُجُوبُهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَنَسْأَلُ الْمُخَالِفِينَ عَنْ قَوْلِهِمْ فِيمَنْ زَنَى مَرَّاتٍ، أَوْ شَرِبَ مَرَّاتٍ، أَوْ قَذَفَ مَرَّاتٍ إنْسَانًا وَاحِدًا، أَوْ سَرَقَ مَرَّاتٍ، أَوْ حَارَبَ مَرَّاتٍ - وَعَلِمَ الْإِمَامُ كُلَّ ذَلِكَ - وَقَدَرَ عَلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يُحَدَّ حَتَّى وَاقَعَ مَا ذَكَرْنَا، فَلَمْ يُوجِبُوا عَلَيْهِ إلَّا حَدًّا وَاحِدًا، مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إنْ أَفْطَرَ عَامِدًا فَوَطِئَ أَيَّامًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ كَفَّارَةً؟ وَمَنْ حَلَفَ أَيْمَانًا كَثِيرَةً عَلَى أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ؟ وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إنْ ظَاهَرَ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً فَإِنَّ لِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةً؟ وَقَوْلُهُمْ كُلُّهُمْ: إنَّ مَنْ أَصَابَ - وَهُوَ مُحْرِمٌ - صُيُودًا فَعَلَيْهِ لِكُلِّ صَيْدٍ جَزَاءٌ بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَوْ أَصَابَ صَيْدًا وَاحِدًا - وَهُوَ قَارِنٌ - فَعَلَيْهِ جَزَاءَانِ. فَإِنْ ادَّعَوْا فِي كَفَّارَةِ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ إجْمَاعًا: ظَهَرَ جَهْلُ مَنْ ادَّعَى ذَلِكَ، أَوْ كَذِبُهُ، لِأَنَّ زُفَرَ بْنَ الْهُذَيْلِ وَغَيْرَهُ - مِنْهُمْ - يَرَى أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ جَمِيعَ أَيَّامِ

стр. 4940

شَهْرِ رَمَضَانَ - وَلَمْ يُكَفِّرْ - فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ - وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ - عَلَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْهُ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ صَوْمٌ وَاحِدٌ، مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْهُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ جَمِيعِهِ يَقْضِي شَهْرًا، وَلَا بُدَّ، وَمَنْ أَفْطَرَهُ كُلَّهُ فَعَلَيْهِ شَهْرٌ وَاحِدٌ أَيْضًا وَلَا مَزِيدَ. [مَسْأَلَة فِيمَنْ أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ لَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ أَوْ ارْتَدَّ] ٢١٧٤ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ لَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ أَوْ ارْتَدَّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إلَى الشِّرْكِ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَالْعَبْدُ هَاهُنَا كُلُّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، فَكُلُّنَا عَبِيدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الشِّرْكِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَهُوَ مُحَارِبٌ، هَذَا أَقَلُّ أَحْوَالِهِ إنْ سَلِمَ مِنْ الرِّدَّةِ بِنَفْسِ فِرَاقِهِ جَمَاعَةَ الْإِسْلَامِ، وَانْحِيَازِهِ إلَى أَرْضِ الشِّرْكِ:

стр. 4941

بِمَا حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ ثنا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعْدٍ الْمِهْرَانِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَسَنَسْتَقْصِي الْكَلَامَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا فِي " كِتَابِ الرِّدَّةِ " مِنْ هَذَا الْكِتَابِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّمَا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَاهُنَا مَعَ ذِكْرِ الْعَبْدِ الْآبِقِ، فَصَحَّ أَنَّهُ إنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ الْمَمَالِيكَ فَقَطْ؟ قُلْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: لَيْسَ الْإِبَاقُ لَفْظًا مَوْقُوفًا عَلَى الْمَمَالِيكِ الَّذِينَ لَنَا فَقَطْ، بَلْ كُلُّ مَنْ هَرَبَ عَنْ سَيِّدِهِ وَمَالِكِهِ فَهُوَ آبِقٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْجَمِيعِ، وَالْكُلُّ عَبِيدُهُ وَمَمَالِيكُهُ، فَمَنْ هَرَبَ عَنْ جَمَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى دَارِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى دَارِ أَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُحَارِبِينَ لِلَّهِ فَهُوَ آبِقٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٠] فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِعْلَ يُونُسَ رَسُولِهِ ﷺ وَهُوَ حُرٌّ بِلَا خِلَافٍ - إذْ فَرَّ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ تَعَالَى إبَاقًا - فَصَحَّ أَنَّ الْإِبَاقَ لِكُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ وَإِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا؟ فَأَبَقَ غُلَامٌ لِجَرِيرٍ فَأَخَذَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ» .

стр. 4942

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَا يُسْقِطُ عَنْ اللَّاحِقِ بِالْمُشْرِكِينَ لِحَاقُهُ بِهِمْ شَيْئًا مِنْ الْحُدُودِ الَّتِي أَصَابَهَا قَبْلَ لِحَاقِهِ، وَلَا الَّتِي أَصَابَهَا بَعْدَ لِحَاقِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْحُدُودَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ وَلَا أَرْسَلَهَا وَلَمْ يُسْقِطْهَا. وَكَذَلِكَ لَمْ يُسْقِطْهَا عَنْ الْمُرْتَدِّ، وَلَا عَنْ الْمُحَارِبِ، وَلَا عَنْ الْمُمْتَنِعِ، وَلَا عَنْ الْبَاغِي، إذَا قُدِرَ عَلَى إقَامَتِهَا عَلَيْهِمْ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ لَمَا سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ إعْنَاتًا لَنَا، وَلَا أَهْمَلَهُ، وَلَا أَغْفَلَهُ، فَإِذْ لَمْ يُعْلِمْنَا بِذَلِكَ فَنَحْنُ نُقْسِمُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَرَادَ قَطُّ إسْقَاطَ حَدٍّ أَصَابَهُ لَاحِقٌ بِالشِّرْكِ قَبْلَ لِحَاقِهِ، أَوْ أَصَابَهُ بَعْدَ لِحَاقِهِ بِهِمْ، أَوْ أَصَابَهُ مُرْتَدٌّ قَبْلَ رِدَّتِهِ أَوْ بَعْدَهَا، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ هَذَا فَمُخْطِئٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ. وَقَدْ صَحَّ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ بِإِسْقَاطِهِ، وَهُوَ مَا أَصَابَهُ أَهْلُ الْكُفْرِ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَتَذَمَّمُوا أَوْ يُسَلِّمُوا فَقَطْ، فَهَذَا خَارِجٌ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، فَلَمْ يُؤَاخِذْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا سَلَف لَهُمْ مِنْ قَتْلٍ، أَوْ زِنًا، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ بِذَلِكَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] . فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ مِنْ الْكُفَّارِ بِلَا شَكٍّ فَإِذْ هُوَ مِنْهُمْ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ. وَذَكَرُوا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا الضَّحَّاكُ - يَعْنِي أَبَا عَاصِمٍ النَّبِيلَ - أَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ثنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ شُمَامَةَ الْمَهْرِيِّ ثنا مُضَرٌ ثنا «عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ يَبْكِي طَوِيلًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قَالَ فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: اُبْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، فَقَبَضْتُ يَدِي فَقَالَ: مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ فَقُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، فَقَالَ: تَشْتَرِطُ مَاذَا؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْكَلَامِ

стр. 4943

وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، لِإِبْرَاهِيمَ بْنُ دِينَارٍ - وَاللَّفْظُ لِإِبْرَاهِيمَ - قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﵌ فَقَالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً؟ فَنَزَلَ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ، و ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الْآيَةَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: تَمَامُ الْآيَةِ الْأُولَى إلَى قَوْله ﴿حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] . وَالْأُخْرَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] . وَكُلُّ هَذَا حَقٌّ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ بَلْ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا نُبَيِّنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] الْآيَةَ، فَنَعَمْ، هَكَذَا نَقُولُ، وَلَمْ نُخَالِفْهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا هِيَ مَسْأَلَتُنَا، وَإِنَّمَا مَسْأَلَتُنَا: هَلْ تُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ السَّالِفَةُ أَمْ لَا؟ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ هَذَا حُكْمٌ أَصْلًا لَا بِنَصٍّ مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَا مِنْ السُّنَّةِ، وَأَنَّ التَّائِبَ مِنَّا مَغْفُورٌ لَهُ، وَأَنَّ مَاعِزًا مَغْفُورٌ لَهُ وَالْغَامِدِيَّةِ، وَالْجُهَيْنِيَّةَ: مَغْفُورٌ لَهُمَا بِلَا شَكٍّ، وَلَمْ تُسْقِطْ عَنْهُمْ مَغْفِرَةُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ ذَنْبَهُمْ: حَدَّ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاجِبَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا أَسْقَطَتْ مَغْفِرَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ عَذَابَ الْآخِرَةِ فَقَطْ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ الْحَدُّ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ مَعَ عِلْمِهِ ﷺ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُمْ أَقَامَ عَلَيْهِمْ حَدَّ الزِّنَى الَّذِي قَدْ غَفَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ. وَقَدْ جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِسْطَحَ بْنَ أُثَاثَةَ فِي الْقَذْفِ وَهُوَ بَدْرِيٌّ مَغْفُورٌ لَهُ وَجَلَدَ النُّعْمَانَ فِي الْخَمْرِ وَهُوَ بَدْرِيٌّ مَغْفُورٌ لَهُ، وَجَلَدَ عُمَرُ ﵁ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ بَدْرِيٌّ مَغْفُورٌ لَهُ، كُلُّ مَا فَعَلَ فِي الْخَمْرِ، وَلَوْ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمُغِيرَةِ لَحَدَّهُ وَهُوَ بَدْرِيٌّ مَغْفُورٌ لَهُ مَا قَدْ فَعَلَ - فَصَحَّ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُسْقِطُ الْحُدُودَ الْوَاجِبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَمَنْ خَالَفَ هَذَا وَقَالَ:

стр. 4944

إنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ الْحُدُودَ كُلَّهَا خَالَفَ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَقَدْ تَقَصَّيْنَا هَذَا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ لِذَلِكَ قَبْلَ هَذَا بِأَبْوَابٍ يَسِيرَةٍ. وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا أَصْلًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إسْقَاطُ الْحُدُودِ عَلَى مَنْ أَبَقَ إلَيْهِمْ، أَوْ ارْتَدَّ، وَإِنَّمَا فِيهَا: أَنَّ الْمُرْتَدَّ مِنْ الْكُفَّارِ، وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ. فَإِنْ قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مِنْهُمْ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِهِمْ؟ قُلْنَا: لَهُمْ هَذَا وَاضِحٌ، وَبُرْهَانُ ذَلِكَ: إجْمَاعُكُمْ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ، بِخِلَافِ الْمُشْرِكِ الْكِتَابِيِّ الَّذِي يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ إذَا أَدَّى الْجِزْيَةَ صَاغِرًا وَتَذَمَّمَ، وَأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ الْمُرْتَدِّ جِزْيَةٌ أَصْلًا عِنْدَكُمْ، وَأَنَّهُ لَا تُنْكَحُ الْمُرْتَدَّةُ بِخِلَافِ الْمُشْرِكَةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْمُرْتَدِّ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِ الْكِتَابِيِّ، وَلَا يُسْتَرَقُّ الْمُرْتَدُّ إنْ سُبِيَ كَمَا يُسْتَرَقُّ الْمُشْرِكُ إنْ سُبِيَ - فَقَدْ أَقْرَرْتُمْ بِبُطْلَانِ قِيَاسِكُمْ الْفَاسِدِ فَأَبْطَلْتُمْ أَنْ يُقَاسَ الْمُرْتَدُّ عَلَى الْكَافِرِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَيَلْزَمُكُمْ أَنْ لَا تَقِيسُوهُ عَلَيْهِمْ فِي سُقُوطِ الْحُدُودِ، فَهُوَ أَحْوَطُ لِقِيَاسِكُمْ، وَلَاحَ أَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - لَا النَّصَّ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ اتَّبَعُوا، وَلَا الْقِيَاسَ طَرَدُوا، وَلَا تَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَصَحَّ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] إنَّمَا هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ بِأَنَّهُ كَافِرٌ مِنْ جُمْلَةِ الْكُفَّارِ فَقَطْ - وَهَذَا حَقٌّ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ جِزْيَةٌ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وَلَا يُسْتَرَقُّ إجْمَاعًا: دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَهْلِ مَنْ ادَّعَى ذَلِكَ أَوْ كَذِبِهِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، وَعَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ إنْ ارْتَدَّ إلَى دَيْنٍ صَابِئٍ. وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُرْتَدَّةَ إذَا لَحِقَتْ بِأَرْضِ الْحَرْبِ سُبِيَتْ وَاسْتُرِقَّتْ وَلَمْ تُقْتَلْ، وَلَوْ أَنَّهَا هَاشِمِيَّةٌ أَوْ عَبْشَمِيَّةٌ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ: أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنْ اسْأَلْهُ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ،

стр. 4945

فَإِنْ كَانَ قَدْ عَرَفَهَا فَاعْرِضْ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَإِنْ أَبَى فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْهَا فَغَلِّظْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ وَدَعْهُ. قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ: أَنَّ قَوْمًا أَسْلَمُوا ثُمَّ لَمْ يَمْكُثُوا إلَّا قَلِيلًا حَتَّى ارْتَدُّوا؟ فَكَتَبَ فِيهِمْ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنْ رُدَّ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ وَدَعْهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَهُوَ عَلَيْهِمْ أَعْظَمُ حُجَّةً، لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ - وَلَا أَحَدَ نَعْلَمُهُ - فِي أَنَّ الْحَجَّ لَا يُسْقِطُ حَدًّا أَصَابَهُ الْمَرْءُ قَبْلَ حَجِّهِ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ، وَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ دُونَهُ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَتَحَكَّمُوا فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵌ فَيَحْمِلُوا قَوْلَهُ ﵇ «إنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ» عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ يُسْقِطُ الْحُدُودَ الَّتِي وَاقَعَهَا الْعَبْدُ قَبْلَ إسْلَامِهِ، وَيَجْعَلُ الْحَجَّ لَا يُسْقِطُهَا، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مَجِيئًا وَاحِدًا، وَأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ ضِدُّ قَوْلِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ إنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، فَقَالُوا هُمْ: إنَّ الرِّدَّةَ إلَى الْكُفْرِ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا مِنْ الْحُدُودِ الْوَاجِبَةِ قِيَاسًا لِلْكُفْرِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ إلَى الشَّيْطَانِ، وَاللِّحَاقَ بِدَارِ الْكُفْرِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ، تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا مِنْ الْحُدُودِ، قِيَاسًا عَلَى الْهِجْرَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْحَجَّ لَا يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ؟ وَهَذَا عَيْنُ الْعِنَادِ وَالْخِلَافِ وَالْمُكَابَرَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ فِي ثَبَاتِ الْحُدُودِ أَوْ سُقُوطِهَا، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ فِي الْمَغْفِرَةِ. وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعَالَى لِلذُّنُوبِ لَا تُسْقِطُ الْحُدُودَ الْوَاجِبَةَ فِي تِلْكَ الذُّنُوبِ إلَّا حَيْثُ صَحَّ النَّصُّ، وَالْإِجْمَاعُ بِإِسْقَاطِهَا فَقَطْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا فِي الْحَرْبِيِّ الْكَافِرِ يَبْتَدِئُ الْإِسْلَامَ فَقَطْ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْإِسْلَامَ وَالْهِجْرَةَ الصَّادِقَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﵇ -

стр. 4946

وَأَنَّ الْحَجَّ الْمَبْرُورَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ، وَمِنْ صِفَةِ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِسْلَامِ الْحَسَنِ، وَالْهِجْرَةِ الصَّادِقَةِ - وَالْحَجِّ الْمَبْرُورِ أَنْ يَتُوبَ صَاحِبُ هَذِهِ الْحَالِ عَنْ كُلِّ ذَنْبٍ سَلَفَ قَبْلَهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى نا سُفْيَانُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْأَعْمَشُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَحُكْمُ الْإِحْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ التَّوْبَةُ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ أَسْلَفَهُ أَيَّامَ كُفْرِهِ، وَأَمَّا مَنْ أَصَرَّ عَلَى مَعَاصِيهِ: فَمَا أَحْسَنَ فِي إسْلَامِهِ بَلْ أَسَاءَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَهْجُرْ مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَلَيْسَ تَامَّ الْهِجْرَةِ - وَكُلُّ حَجٍّ أَصَرَّ صَاحِبُهُ عَلَى الْمَعَاصِي فِيهِ فَلَمْ يُوفِ حَقَّهُ مِنْ الْبِرِّ، فَلَيْسَ مَبْرُورًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة الِاسْتِتَابَةُ فِي الْحُدُودِ] ٢١٧٥ - مَسْأَلَةٌ: الِاسْتِتَابَةُ فِي الْحُدُودِ وَتَرْكُ سَجْنِهِ؟ حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَضَرْت عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ جَلَدَ إنْسَانًا الْحَدَّ فِي فِرْيَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ: إنَّ مِنْ الْأَمْرِ أَنْ يُسْتَتَابَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِلْمَجْلُودِ: تُبْ، فَحَسِبْته أَنَّهُ قَالَ: أَتُوبُ إلَى اللَّهِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ كُلُّ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، أَوْ زَنَى، أَوْ افْتَرَى، أَوْ شَرِبَ، أَوْ سَرَقَ، أَوْ حَارَبَ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: سُنَّةُ الْحَدِّ أَنْ يُسْتَتَابَ صَاحِبُهُ إذَا فَرَغَ مِنْ جَلْدِهِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إنْ قَالَ: قَدْ تُبْت - وَهُوَ غَيْرُ رَضِيٍّ - لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَبِهَذَا نَقُولُ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ

стр. 4947

مُذْنِبٍ، وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ إلَى التَّوْبَةِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨] الْآيَةَ. وَإِذَا كَانَ هَذَا الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ حَرَامًا بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا الْمُتَيَقَّنِ: فَالتَّوْبَةُ وَالْإِقْلَاعُ فَرْضٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الْآيَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا كَانَتْ التَّوْبَةُ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُفْتَرَضُ سُلُوكُهَا وَكَانَتْ مِنْ الْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ: كَانَ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَدْعُوَ إلَيْهَا بِالنُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَاسْتِتَابَةُ الْمُذْنِبِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فَالْمُسَارَعَةُ إلَى الْفَرْضِ فَرْضٌ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَتِبْهُ الْإِمَامُ، أَوْ مَنْ حَضَرَهُ إلَّا حَتَّى أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَوَاجِبٌ أَنْ يُسْتَتَابَ بَعْدَ الْحَدِّ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا - فَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ اُسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ أُطْلِقَ، وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ بِحَبْسٍ أَصْلًا، لِأَنَّهُ قَدْ أُخِذَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ الَّذِي لَا حَقَّ لَهُ قَبْلَهُ سِوَاهُ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّه تَعَالَى، وَهَذَا حَرَامٌ. ٢١٧٦ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِنْ قَالَ: لَا أَتُوبُ، فَقَدْ أَتَى مُنْكَرًا، فَوَاجِبٌ أَنْ يُعَزَّرَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي " كِتَابِ التَّعْزِيرِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 4948

- ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» فَيَجِبُ أَنْ يُضْرَبَ أَبَدًا حَتَّى يَتُوبَ، هَذَا إنْ صَرَّحَ بِأَنْ لَا يَتُوبَ، فَإِذَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى مَنِيَّتِهِ، فَذَلِكَ عَقِيرَةُ اللَّهِ، وَقَتِيلُ الْحَقِّ، لَا شَيْءَ عَلَى مُتَوَلِّي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ أَحْسَنُ فِيمَا فَعَلَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَإِنْ سَكَتَ وَلَمْ يَقُلْ: أَتُوبُ، وَلَا: لَا أَتُوبُ، فَوَاجِبٌ حَبْسُهُ وَإِعَادَةُ الِاسْتِتَابَةِ عَلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَنْطِقَ بِالتَّوْبَةِ، فَيُطْلَقَ.

стр. 4949

بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ صَحَّ مِنْهُ الذَّنْبُ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ، وَلَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ إلَّا بِنُطْقِهِ بِهَا، فَهُوَ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهَا وَبِالْإِصْرَارِ: فَمُمْكِنٌ أَنْ يَتُوبَ فِي نَفْسِهِ، وَمُمْكِنٌ أَنْ لَا يَتُوبَ، فَلَمَّا كَانَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُمْكِنًا لَمْ يَحِلَّ ضَرْبُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمُنْكَرٍ تَيَقَّنَ أَنَّهُ أَتَى بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ تَسْرِيحُهُ، لِأَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ دُعَاؤُهُ إلَى التَّوْبَةِ حَتَّى يَتُوبَ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إمْسَاكِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَهَكَذَا أَبَدًا مَتَى تَابَ ثُمَّ وَاقَعَ الذَّنْبَ أَوْ غَيْرَهُ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَبَرَانِ مُرْسَلَانِ فِي أَنَّهُ اسْتَتَابَ السَّارِقَ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ: كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَعْمَرٌ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَسُفْيَانُ، كِلَاهُمَا: عَنْ أَبِي خَصْفَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ ثَوْبَانَ، وَقَالَ مَعْمَرٌ: عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، قَالَ أَيُّوبُ، وَابْنُ ثَوْبَانَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﵌ بِرَجُلٍ سَرَقَ شَمْلَةً فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا سَرَقَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌ مَا إخَالُهُ، أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاذْهَبُوا فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ احْسِمُوهَا، ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ، فَأَتَوْهُ بِهِ، فَقَالَ: إنِّي أَتُوبُ إلَى اللَّهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ» . وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ «قَطَعَ رَجُلًا ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَحُسِمَ قَالَ لَهُ تُبْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ: أَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌ إنَّ السَّارِقَ إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ وَقَعَتْ فِي النَّارِ، فَإِنْ عَادَ تَبِعَهَا، وَإِنْ تَابَ اسْتَشَالَهَا» . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَقُولُ اسْتَشَالَهَا اسْتَرْجَعَهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَانِ مُرْسَلَانِ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِيمَا أَوْرَدْنَا مِنْ النُّصُوصِ قَبْلُ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَاهُمَا لِئَلَّا يُمَوِّه مُمَوِّهٌ بِمَا فِيهِمَا مِنْ الِاسْتِتَابَةِ بَعْدَ الْقَطْعِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4950

[مَسْأَلَةٌ الِامْتِحَانُ فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا بِالضَّرْبِ أَوْ السِّجْنِ أَوْ التَّهْدِيدِ] ِ؟ قَالَ عَلِيٌّ ﵀: لَا يَحِلُّ الِامْتِحَانُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ بِضَرْبٍ، وَلَا بِسَجْنٍ، وَلَا بِتَهْدِيدٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا يَحِلُّ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ، إلَّا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ النُّصُوصِ بَلْ قَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَشَرَ، وَالْعِرْضَ، فَلَا يَحِلُّ ضَرْبُ مُسْلِمٍ، وَلَا سَبُّهُ إلَّا بِحَقٍّ أَوْجَبَهُ الْقُرْآنُ، أَوْ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ مُسْلِمًا مِنْ الْمَشْيِ فِي الْأَرْضِ بِالسَّجْنِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْجَبَهُ قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ. وَأَمَّا مَنْ صَحَّ قِبَلَهُ حَقٌّ وَلَوَاهُ وَمَنَعَهُ، فَهُوَ ظَالِمٌ قَدْ تُيُقِّنَ ظُلْمُهُ، فَوَاجِبٌ ضَرْبُهُ أَبَدًا حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا عَلَيْهِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ» وَلِأَمْرِهِ ﵇ بِجَلْدِ عَشْرَةٍ فَأَقَلَّ فِيمَا دُونَ الْحَدِّ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي " بَابِ التَّعْزِيرِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا هَذَا فِيمَا صَحَّ أَنَّهُ عِنْدَهُ أَوْ يُعْلَمُ مَكَانُهُ، لِمَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا مَنْ كُلِّفَ إقْرَارًا عَلَى غَيْرِهِ فَقَطْ - وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْجَانِيَ - فَلَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ، وَمَنْ كَتَمَ الشَّهَادَةَ فَإِنَّهُ فَاسِقٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . فَإِذْ هُوَ فَاسِقٌ آثِمٌ، فَلَا يَنْتَفِعُ بِقَوْلِهِ، لَا يَحِلُّ قَبُولُ شَهَادَتِهِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ مُجَرَّحٌ بِذَلِكَ أَبَدًا مَا لَمْ يَتُبْ، فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُهَدَّدَ أَحَدٌ، وَلَا أَنْ يُرَوَّعَ بِأَنْ يُبْعَثَ إلَى ظَالِمٍ يَعْتَدِي عَلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ كُلَّ هَذَا حَرَامٌ فِي الذِّمِّيِّ كَمَا هُوَ فِي الْمُسْلِمِ، فَإِنْ ضُرِبَ حَتَّى أَقَرَّ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِي هَذَا: مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ

стр. 4951

نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ طَارِقًا كَانَ جَعَلَ ثَعْلَبًا الشَّامِيَّ عَلَى الْمَدِينَةِ يَسْتَخْلِفُهُ، فَأَتَى بِإِنْسَانٍ اُتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَجْلِدُهُ حَتَّى اعْتَرَفَ بِالسَّرِقَةِ، فَأَرْسَلَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاسْتَفْتَاهُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا تَقْطَعْ يَدَهُ حَتَّى يُبْرِزَهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَا إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا إقْرَارُهُ فَقَطْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ أَخْذَهُ بِإِقْرَارٍ هَذِهِ صِفَتُهُ لَمْ يُوجِبْهَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَقَدْ صَحَّ تَحْرِيمُ بَشَرَتِهِ وَدَمِهِ بِيَقِينٍ، فَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فَإِنْ اسْتَضَافَ إلَى الْإِقْرَارِ أَمْرٌ يَتَحَقَّقُ بِهِ يَقِينًا صِحَّةُ مَا أَقَرَّ بِهِ - وَلَا يُشَكُّ فِي أَنَّهُ صَاحِبُ ذَلِكَ - فَالْوَاجِبُ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَلَهُ الْقَوَدُ - مَعَ ذَلِكَ - عَلَى مَنْ ضَرَبَهُ - السُّلْطَانَ كَانَ أَوْ غَيْرَهُ - لِأَنَّهُ ضَرَبَهُ ظَالِمًا لَهُ دُونَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ ضَرْبٌ - وَهُوَ عُدْوَانٌ - وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] الْآيَةَ، وَلَيْسَ ظُلْمُهُ، وَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِغَيْرِهِ، بِمُسْقِطِ حَقِّهِ عِنْدَ غَيْرِهِ فِي ظُلْمِهِ لَهُ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا عَلَيْهِ، وَيُعْطِي هُوَ مِنْ غَيْرِهِ. وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَغَيْرُهُ، فِي السَّارِقِ يُمْتَحَنُ فَيُخْرِجُ السَّرِقَةَ بِعَيْنِهَا: أَنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَتْ مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: دَفَعَهَا إلَيَّ إنْسَانٌ أَدْفَعُهَا لَهُ، وَإِنَّمَا اعْتَرَفْتُ لِمَا أَصَابَنِي مِنْ الضَّرْبِ: فَلَا يُقْطَعُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَبِهِ يَقُولُ. وَأَمَّا الْبَعْثَةُ فِي الْمُتَّهَمِ وَإِيهَامُهُ دُونَ تَهْدِيدٍ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ فَحَسَنٌ وَاجِبٌ: «كَبَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ خَلْفَ الْيَهُودِيِّ - الَّذِي ادَّعَتْ الْجَارِيَةُ الَّتِي رَضَّ رَأْسَهَا - فَسِيقَ إلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ ﵇ حَتَّى اعْتَرَفَ فَأَقَادَ مِنْهُ» . وَكَمَا فَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إذْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ وَأَسَرَّ إلَى أَحَدِهِمْ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ فَوَهِمَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ، ثُمَّ دَعَا بِالْآخَرِ فَسَأَلَهُ فَأَقَرَّ، حَتَّى أَقَرُّوا كُلُّهُمْ: فَهَذَا حَسَنٌ، لِأَنَّهُ لَا إكْرَاهَ فِيهِ، وَلَا ضَرْبَ. وَقَدْ كَرِهَ هَذَا مَالِكٌ، وَلَا وَجْهَ لِكَرَاهِيَتِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عَمَلٌ مَحْظُورٌ، وَهُوَ فِعْلُ صَاحِبٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْكُرْهُ.

стр. 4952

مَا حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدَ الرَّحِيمِ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا أَبُو حَيَّانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ كَلَامٍ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطًا أَوْ سَوْطَيْنِ عِنْدَ سُلْطَانٍ إلَّا تَكَلَّمْت بِهِ. وَعَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ: السِّجْنُ كَرْهُ، وَالْوَعِيدُ كَرْهُ، وَالْقَيْدُ كَرْهُ، وَالضَّرْبُ كَرْهُ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: كُلُّ مَا كَانَ ضَرَرًا فِي جِسْمٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ تُوُعِّدَ بِهِ الْمَرْءُ فِي ابْنِهِ، أَوْ أَبِيهِ، أَوْ أَهْلِهِ، أَوْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، فَهُوَ كَرْهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» . وَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُسَدَّدٌ نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» . [مَسْأَلَة الشَّهَادَةُ عَلَى الْحُدُودِ] ٢١٧٨ - مَسْأَلَةٌ: الشَّهَادَةُ عَلَى الْحُدُودِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَأْمُرُ بِالشُّهُودِ إذَا شَهِدُوا عَلَى السَّارِقِ أَنْ يَقْطَعُوهُ يَلُونَ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: لَيْسَ هَذَا بِوَاجِبٍ، لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَابِتَةٌ، لَكِنْ طَاعَةُ الْإِمَامِ أَوْ أَمِيرِهِ وَاجِبَةٌ، فَإِذَا أَمَرَ الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُهُ الشُّهُودَ، أَوْ غَيْرَهُمْ أَنْ يَقْطَعَهُ لَزِمَتْهُمْ الطَّاعَةُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ نا إسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى ثَلَاثَةٍ أَنَّهُمْ سَرَقُوا، قَالَ: يُقْطَعُونَ. قَالَ عَلِيٌّ ﵀: وَهَكَذَا نَقُولُ - وَلَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ، أَوْ أَكْثَرَ، بِقَتْلٍ، أَوْ بِسَرِقَةٍ، أَوْ بِحِرَابَةٍ، أَوْ بِشُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ بِقَذْفٍ: لَوَجَبَ الْقَوَدُ، وَالْقَطْعُ، وَالْحَدُّ - فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِهِمْ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَهَادَتِهِمَا عَلَيْهِمْ مُجْتَمَعِينَ، وَبَيْنَ شَهَادَتِهِمَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ.

стр. 4953

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَوْ أَنَّ عَدْلَيْنِ شَهِدَا عَلَى عُدُولٍ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا وَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ: نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكَذَا وَكَذَا، مِثْلَ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدَانِ عَلَيْهِمْ أَوْ شَيْئًا آخَرَ؟ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى شَهَادَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمْ أَصْلًا - وَوَجَبَ إنْفَاذُ الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَةِ السَّابِقَيْنِ إلَى الشَّهَادَةِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِمْ بِمَا ذَكَرْنَا قَدْ بَطَلَتْ عَدَالَتُهُمْ، وَصَحَّتْ جَرْحَتُهُمْ بِشَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ عَلَيْهِمْ بِمَا شَهِدَا بِهِ، مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَإِنَّ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ، أَوْ بَعْضُ الْمَعَاصِي الَّتِي لَا تُوجِبُ حَدًّا، كَالْغَصْبِ، وَغَيْرِهِ: فَهُوَ مُجَرَّحٌ فَاسِقٌ بِيَقِينٍ، وَلَا شَهَادَةَ لِمُجَرَّحٍ فَاسِقٍ أَصْلًا. فَلَوْ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِمْ صَحَّتْ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ مَا كَانَ مِنْهُمْ: وَجَبَ بِذَلِكَ أَنْ تَعُودَ عَدَالَتُهُمْ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الشَّهَادَتَيْنِ مَعًا مَقْبُولَتَانِ، وَيَنْفُذُ عَلَى كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ شَهِدَتْ بِهِ عَلَيْهَا الْأُخْرَى، إلَّا أَنَّ كِلْتَا الشَّهَادَتَيْنِ شَهَادَةٌ وَاجِبَةٌ قَبُولُهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فِي أَمْرِهِ تَعَالَى بِالْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ شَهِدَتْ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى مَعًا لَمْ تَسْبِقْ إحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ الْأُخْرَى: إمَّا عِنْدَ حَاكِمَيْنِ، وَإِمَّا فِي عَقْدَيْنِ عِنْدَ حَاكِمٍ وَاحِدٍ، فَهُمَا أَيْضًا شَهَادَتَانِ قَائِمَتَانِ صَحِيحَتَانِ، فَإِنَّ كِلْتَا الشَّهَادَتَيْنِ تَبْطُلُ بِيَقِينٍ لَا شَكٍّ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ الْأُخْرَى، فَلَوْ قَبِلْنَاهُمَا مَعًا، لَكُنَّا قَدْ صِرْنَا مُوقِنِينَ بِأَنَّنَا نُنَفِّذُ الشَّهَادَةَ الْآنَ دَأْبًا حُكْمًا بِشَهَادَةِ فُسَّاقٍ، لِأَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ مِنْهُمَا تُوجِبُ الْفِسْقَ وَالْجُرْحَةَ عَلَى الْأُخْرَى، وَالْمَنْعَ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ الْأُخْرَى. وَلَوْ حَكَمْنَا بِإِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى مُطَارَفَةً لَكَانَ هَذَا عَيْنُ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ، إذْ لَمْ يُوجِبْ تَرْجِيحَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُرَجِّحَ الشَّهَادَةَ هَاهُنَا بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ، أَوْ بِأَكْثَرِهِمَا عَدَدًا: فَهُوَ خَطَأٌ مِنْ الْقَوْلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَلَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ بِمِثْلِ هَذَا لَا يَجُوزُ. [مَسْأَلَة الشَّهَادَة فِي الْحَدّ بَعْد حين] ٢١٧٩ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ شَهِدَ فِي حَدٍّ بَعْدَ حِينٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثَنَا

стр. 4954

قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ نا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ - قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِحَدٍّ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ حِينَ أَصَابَهُ، فَإِنَّمَا يَشْهَدُ عَلَى ضَغَنٍ. قَالَ عَلِيٌّ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ زَنَى فِي صِبَاهُ وَاطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ رَهْطٌ عُدُولٌ، فَلَمْ يَرْفَعُوا أَمْرَهُ، وَلَبِثَ بِذَلِكَ سِنِينَ، وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ، ثُمَّ نَازَعَ رَجُلًا فَرَمَاهُ بِذَلِكَ، وَأَتَى عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ وَاعْتَرَفَ، فَإِنَّهُ يُرْجَمُ، لَا يَضَعُ الْحَدَّ عَنْ أَهْلِهِ طُولُ زَمَانٍ، وَلَا أَنْ يُحْدِثُ صَاحِبُ ذَلِكَ حُسْنَ هَيْئَةٍ - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يُرِيدُ بِصِبَاهُ: سَفَهَهُ بَعْدَ الِاحْتِلَامِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: إنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عُدُولٌ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ بِالزِّنَى بَعْدَ مُدَّةٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: مِقْدَارُ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ شَهْرٌ وَاحِدٌ. وَقَالُوا: إنْ شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلَانِ مُسْلِمَانِ حُرَّانِ بِسَرِقَةٍ بَعْدَ مُدَّةٍ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، لَكِنْ يَضْمَنُ مَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ سَرَقَهُ. وَلَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِشُرْبِ خَمْرٍ، فَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ وَرِيحُ الْخَمْرِ تُوجَدُ مِنْهُ، أَوْ وَهُوَ سَكْرَانُ -: أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ - وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الشَّهَادَةُ بَعْدَ ذَهَابِ الرِّيحِ أَوْ السُّكْرِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا حَمَلُوهُ إلَى الْإِمَامِ فِي مِصْرٍ آخَرَ، فَزَالَ الرِّيحُ أَوْ السُّكْرُ فِي الطَّرِيقِ: فَإِنَّهُ يُحَدُّ. وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِقَذْفٍ أَوْ جِرَاحَةٍ حُدَّ لِلْقَذْفِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ حُكْمُ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَصْحَابُنَا: يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي كُلِّ ذَلِكَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثُ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَإِذْ قَدْ بَلَغَنَا هَاهُنَا فَلْنَتَكَلَّمْ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - فِي حُكْمِ مَنْ اطَّلَعَ عَلَى حَدٍّ، أَهُوَ فِي حَرَجٍ إنْ كَتَمَ الشَّهَادَةَ أَمْ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ؟

стр. 4955

فَنَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا لَيْثٌ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ النُّصُوصِ كُلِّهَا، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا الْعَمَلَ فِي جَمْعِهَا - الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ - لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يُخَصَّ عُمُومُ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَإِمَّا أَنْ يُخَصَّ عُمُومُ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ بِالْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ غَيْرُ هَذَا وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الْعَمَلَيْنِ، فَإِنْ خَصَّصْنَا عُمُومَ الْآيَاتِ بِالْخَبَرِ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقِيَامَ بِالشَّهَادَاتِ كُلِّهَا، وَالْإِعْلَانِ بِهَا فَرْضٌ، إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا سَتْرُ الْمُسْلِمِ فِي حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ، فَالْأَفْضَلُ السَّتْرُ، وَإِنْ خَصَّصْنَا عُمُومَ الْخَبَرِ بِالْآيَاتِ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ السَّتْرَ عَلَى الْمُسْلِمِ حَسَنٌ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَاتِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ. فَنَظَرْنَا: أَيْ هَذَيْنِ الْعَمَلَيْنِ هُوَ الَّذِي يَقُومُ الْبُرْهَانُ عَلَى صِحَّتِهِ فَيُؤْخَذُ بِهِ، إذْ لَا يَحِلُّ أَخْذُ أَحَدِهِمَا مُطَارَفَةً دُونَ الْآخَرِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا جَمْعًا جَمِيعًا، بَلْ الْحَقُّ فِي أَحَدِهِمَا بِلَا شَكٍّ. فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - فَوَجَدْنَا السَّتْرَ عَلَى الْمُسْلِمِ الَّذِي نُدِبْنَا إلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إمَّا يَسْتُرُهُ وَيَسْتُرُ عَلَيْهِ فِي ظُلْمٍ يَطْلُبُ بِهِ الْمُسْلِمُ، فَهَذَا فَرْضٌ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ هَذَا مَنْدُوبًا إلَيْهِ، بَلْ هُوَ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ.

стр. 4956

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الذَّنْبِ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِإِبَاحَةِ السَّتْرِ عَلَى مُسْلِمٍ فِي ظُلْمٍ ظَلَمَ بِهِ مُسْلِمًا، كَمَنْ أَخَذَ مَالَ مُسْلِمٍ بِحِرَابَةٍ وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ، أَوْ غَصَبَهُ امْرَأَتَهُ، أَوْ سَرَقَ حُرًّا، وَمَا أَشْبَهَهُ، فَهَذَا فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَقُومَ بِهِ حَتَّى يَرُدَّ الظُّلَامَاتِ إلَى أَهْلِهَا؟ فَنَظَرْنَا فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَوَجَدْنَاهُ نَدْبًا لَا حَتْمًا، وَفَضِيلَةً لَا فَرْضًا، فَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى الْمُسْلِمِ يَرَاهُ عَلَى حَدٍّ بِهَذَا الْخَبَرِ، مَا لَمْ يُسْأَلْ عَنْ تِلْكَ الشَّهَادَةِ نَفْسِهَا، فَإِنْ سُئِلَ عَنْهَا فَفَرْضٌ عَلَيْهِ إقَامَتُهَا وَأَنْ لَا يَكْتُمَهَا، فَإِنْ كَتَمَهَا حِينَئِذٍ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى. وَصَحَّ بِهَذَا اتِّفَاقُ الْخَبَرِ مَعَ الْآيَاتِ، وَأَنَّ إقَامَةَ الشَّهَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَتَحْرِيمَ كِتْمَانِهَا، وَكَوْنَ الْمَرْءِ ظَالِمًا بِذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ إذَا دُعِيَ فَقَطْ، لَا إذَا لَمْ يُدْعَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ الَّذِي حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ نا ابْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ - هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا، أَوْ يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَكَانَ هَذَا عُمُومًا فِي كُلِّ شَهَادَةٍ فِي حَدٍّ أَوْ غَيْرِ حَدٍّ، وَوَجَدْنَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] فَسَوَّى اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ وُجُوبِ أَدَاءِ الْمَرْءِ الشَّهَادَةَ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى وَالِدَيْهِ، وَأَقَارِبِهِ، وَالْأَبَاعِدِ، فَوَجَبَ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْءِ فِي تَرْكِ أَدَائِهَا مَا لَمْ يُسْأَلْهَا - حَدًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ - فَإِذَا سُئِلَهَا فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا - حَدًّا أَوْ غَيْرَهُ وَأَنَّ مَنْ كَانَ لِإِنْسَانٍ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ، وَالْمَشْهُودُ لَهُ لَا يَدْرِي بِهَا -: فَفَرْضٌ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ بِهَا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قِيلَ: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ» فَإِنْ سَأَلَهُ الْمَشْهُودُ أَدَاءَهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ فَرْضًا، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]

стр. 4957

وَإِنْ لَمْ يُسْأَلْ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ عَلَى إنْسَانٍ بِزِنَى، فَقَذَفَ ذَلِكَ الزَّانِي إنْسَانٌ فَوَقَفَ الْقَاذِفُ عَلَى أَنْ يُحَدَّ لِلْمَقْذُوفِ، فَفَرْضٌ عَلَى الشَّاهِدِ عَلَى الْمَقْذُوفِ الزَّانِي أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّهَادَةَ وَلَا بُدَّ، سُئِلَهَا أَوْ لَمْ يُسْأَلْهَا - عَلِمَ الْقَاذِفُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ - وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى إنْ لَمْ يُؤَدِّهَا حِينَئِذٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» . وَلِقَوْلِهِ ﵇ «اُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا كَانَ أَوْ مَظْلُومًا» . فَهَذَا إذَا أَدَّى الشَّهَادَةَ الَّتِي عِنْدَهُ بِصِحَّةِ مَا قَذَفَ بِهِ، مُعِينٌ عَلَى إقَامَةِ حَدٍّ بِحَقٍّ غَيْرُ ظَالِمٍ بِهِ، مُعِينٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى - وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا: مُعِينٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَهُوَ ظَالِمٌ قَدْ أَسْلَمَهُ لِلظُّلْمِ، إذْ تَرَكَهُ يُضْرَبُ بِغَيْرِ حَقٍّ. فَإِنْ ذَكَرُوا: مَا ناه يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرُهُ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَسُورِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُطَرِّفُ بْنُ قَيْسٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «إنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ: إنَّ الْآخَرَ زَنَى، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ ذَكَرْتَ ذَلِكَ لِغَيْرِي؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَتُبْ إلَى اللَّهِ، وَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، فَلَمْ تَقِرَّ نَفْسُهُ حَتَّى أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ كَمَا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَقِرَّ نَفْسُهُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّه ﷺ فَقَالَ: إنَّ الْآخَرَ زَنَى، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِرَارًا - كُلُّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَنْهُ - حَتَّى إذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ؟ بَعَثَ إلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ: أَيَشْتَكِي، أَبِهِ جِنَّةٌ؟ فَقَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟ فَقَالُوا: بَلْ ثَيِّبٌ -: فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَ. قَالَ سَعِيدٌ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ هُزَالٌ: لَوْ سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ» . قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هُزَالٍ الْأَسْلَمِيُّ؟ فَقَالَ يَزِيدُ هُزَالٌ جَدِّي - وَهَذَا الْحَدِيثُ حَقٌّ

стр. 4958

قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ لَمْ يُسْنِدْهُ سَعِيدٌ، وَلَا يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ، وَلَوْ انْسَنَدَ لَمَا خَرَجَ مِنْهُ إلَّا أَنَّ السَّتْرَ، وِتْرَك الشَّهَادَةِ أَفْضَلُ فَقَطْ - هَذَا عَلَى أُصُولِ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ إذَا سَلِمَ لَهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة اخْتِلَافُ الشُّهُودِ فِي الْحُدُودِ] ٢١٨٠ - مَسْأَلَةٌ: اخْتِلَافُ الشُّهُودِ فِي الْحُدُودِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ: أَنَّ كُلَّ مَا تَمَّتْ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِهَا، فَإِنَّ كُلَّ مَا زَادَهُ الشُّهُودُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا حُكْمَ لَهُ، وَلَا يَضُرُّ الشَّهَادَةَ اخْتِلَافُهُمْ، كَمَا لَا يَضُرُّهَا سُكُوتُهُمْ عَنْهُ - وَأَنَّ كُلَّ مَا لَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ إلَّا بِهِ -: فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُفْسِدُهَا اخْتِلَافُهُمْ، فَالشَّهَادَةُ إذَا تَمَّتْ مِنْ أَرْبَعَةِ عُدُولٍ بِالزِّنَى عَلَى إنْسَانٍ بِامْرَأَةٍ يَعْرِفُونَهَا أَجْنَبِيَّةٍ، لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْمَكَانِ، أَوْ فِي الزَّمَانِ، أَوْ فِي الْمَزْنِيِّ بِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمْسِ بِامْرَأَةٍ سَوْدَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِامْرَأَةٍ بَيْضَاءَ الْيَوْمَ -: فَالشَّهَادَةُ تَامَّةٌ، وَالْحَدُّ وَاجِبٌ، لِأَنَّ الزِّنَى قَدْ تَمَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي الشَّهَادَةِ إلَى ذِكْرِ مَكَان وَلَا زَمَانٍ، وَلَا إلَى ذِكْرِ الَّتِي زَنَى بِهَا - فَالسُّكُوتُ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ وَذِكْرُهُ سَوَاءٌ - وَكَذَلِكَ فِي السَّرِقَةِ، وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَمْسُ، وَقَالَ الْآخَرُ: عَامَ أَوَّلٍ، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: بِمَكَّةَ، وَقَالَ الْآخَرُ: بِبَغْدَادَ، فَالسَّرِقَةُ قَدْ صَحَّتْ، وَتَمَّتْ الشَّهَادَةُ فِيهَا - وَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ الْمَكَانِ، وَلَا الزَّمَانِ، وَلَا الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ - سَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِيهِ، أَوْ اتَّفَقَا فِيهِ، أَوْ سَكَتَا عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَغْوٌ، وَحَدِيثٌ زَائِدٌ، لَيْسَ مِنْ الشَّهَادَةِ فِي شَيْءٍ.

стр. 4959

وَكَذَلِكَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، وَفِي الْقَذْفِ: فَالْحَدُّ قَدْ وَجَبَ، وَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ الْمَكَانِ، وَالْمَقْذُوفُ فِي ذَلِكَ، وَالْمَسْكُوتُ عَنْهُ وَذِكْرُهُ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ سَوَاءٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَمَنْ ادَّعَى الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ؟ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُرَاعِيَ اخْتِلَافَ الشُّهُودِ فِي لِبَاسِ الزَّانِي، وَالسَّارِقِ، وَالشَّارِبِ، وَالْقَاذِفِ، فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: كَانَ فِي رَأْسِهِ قَلَنْسُوَةٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: عِمَامَةٌ، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَخْضَرُ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ أَحْمَرُ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: فِي غَيْمٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: فِي صَحْوٍ - فَهَذَا كُلُّهُ لَا مَعْنَى لَهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الْغَرَضَ فِي مُرَاعَاةِ الِاخْتِلَافِ إنَّمَا هُوَ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ عَلَى عَمَلٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، وَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَكَانِ، أَوْ الزَّمَانِ، أَوْ الْمَقْذُوفِ، أَوْ الْمَزْنِيِّ بِهَا، أَوْ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، أَوْ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ: فَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى عَمَلٍ وَاحِدٍ؟ قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمْ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى عَمَلٍ وَاحِدٍ، وَأَيُّ قُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إجْمَاعٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ؟ وَأَيُّ نَظَرٍ أَوْجَبَهُ؟ وَهَذَا مَا لَا سَبِيلَ إلَى

стр. 4960

وُجُودِهِ، بَلْ الْغَرَضُ إثْبَاتُ الزِّنَى الْمُحَرَّمِ، وَالْقَذْفِ الْمُحَرَّمِ، وَالسَّرِقَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالشُّرْبِ الْمُحَرَّمِ، وَالْكُفْرِ الْمُحَرَّمِ فَقَطْ، وَلَا مَزِيدَ، وَبَيَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ. فَصَحَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ إثْبَاتُ الزِّنَى فَقَطْ، وَهُوَ الَّذِي رَمَاهَا بِهِ، وَلَا مَعْنَى لِذِكْرِهِ الَّتِي رَمَاهَا وَلَا سُكُوتِهِ عَنْهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ: عَلَى أَنَّ الَّذِي رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَى حَقٌّ، وَلَا نُبَالِي عَمَلًا وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَرْبَعَةَ أَعْمَالٍ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ زِنًا. وَكَذَلِكَ إنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالْقَذْفِ لِمُحْصَنَةٍ، فَقَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ ثَمَانُونَ جَلْدَةً، وَلَمْ يَحُدَّ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ فِي الشَّهَادَةِ ذِكْرُ الزَّمَانِ، وَلَا ذِكْرُ الْمَكَانِ فَالزِّيَادَةُ لِهَذَا بَاطِلٌ بِيَقِينٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَلَا بِمُرَاعَاتِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فَحَسْبُنَا، وَصِحَّةُ الشَّهَادَةِ بِأَنَّهَا سَارِقَةٌ، أَوْ أَنَّهُ سَارِقٌ، وَلَمْ نَجِدْ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الزَّمَانَ، أَوْ الْمَكَانَ، أَوْ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ، أَوْ الشَّيْءَ الْمَسْرُوقَ، فَمُرَاعَاةُ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ. وَهَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» فَأَوْجَبَ الْجَلْدَ بِشُرْبِ

стр. 4961

الْخَمْرِ، فَإِذَا صَحَّتْ الشَّهَادَةُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَقَدْ وَجَبَ الْحَدُّ، بِنَصِّ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لِمُرَاعَاةِ ذِكْرِ مَكَان، أَوْ زَمَانٍ، أَوْ صِفَةِ الْخَمْرِ، أَوْ صِفَةِ الْإِنَاءِ - إذْ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِذَلِكَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا عَنْ رَسُولِهِ ﷺ فَمُرَاعَاةُ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ جَاءَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ: كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: شَهِدَ الْجَارُودُ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ - وَكَانَ عُمَرُ قَدْ أَمَّرَ قُدَامَةَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ - فَقَالَ عُمَرُ لِلْجَارُودِ: مَنْ يَشْهَدُ مَعَك؟ قَالَ: عَلْقَمَةُ الْخَصِيُّ؟ فَدَعَا عَلْقَمَةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: بِمَ تَشْهَدُ؟ فَقَالَ عَلْقَمَةُ: وَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْخَصِيِّ؟ قَالَ عُمَرُ: وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ مُسْلِمًا، قَالَ عَلْقَمَةُ: رَأَيْته يَقِيءُ الْخَمْرَ فِي طَسْتٍ، قَالَ عُمَرُ: فَلَا وَرَبِّك مَا قَاءَهَا حَتَّى شَرِبَهَا: فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ الْحَدَّ، فَهَذَا حُكْمٌ عُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ بِشَهَادَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ رَآهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَالْأُخْرَى: أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ يَشْرَبُهَا، لَكِنْ رَآهُ يَتَقَيَّؤُهَا - وَعَهِدْنَاهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَهُمْ هَاهُنَا قَدْ خَالَفُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَالْجَارُودَ، وَجَمِيعَ مَنْ بِحَضْرَتِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ، فَلَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ - وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. [مَسْأَلَة الأقرار بالحد] ٢١٨١ - مَسْأَلَةٌ: الْإِقْرَارُ بِالْحَدِّ بَعْدَ مُدَّةٍ، وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ الْإِقْرَارُ أَمْ الِاسْتِتَارُ بِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ فَنَتَّبِعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى -: فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الْمُخْتَارَةُ لِلسَّتْرِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ السَّتْرَ مُبَاحٌ، وَأَنَّ الِاعْتِرَافَ مُبَاحٌ، إنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ: إنَّ الْمُعْتَرِفَ بِمَا عَمِلَ مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ: عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى فِي اعْتِرَافِهِ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَطُّ: إنَّ السَّاتِرَ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَصَابَ مِنْ حَدٍّ: عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى: فَنَظَرْنَا فِي تِلْكَ الْأَخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهَا كُلَّهَا لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ،

стр. 4962

إلَّا خَبَرًا وَاحِدًا فِي آخِرِهَا، لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا خَبَرُ هُزَالٍ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ ابْنِ هِزَالٍ عَنْ أَبِيهِ: فَمُرْسَلٌ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ. وَكَذَلِكَ الَّذِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ - وَيَزِيدَ بْنِ النَّعِيمِ أَيْضًا مُرْسَلٌ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ: مُرْسَلٌ أَيْضًا. وَحَدِيثُ اللَّيْثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مُرْسَلٌ أَيْضًا - فَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، فَوَجَدْنَاهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَالثَّانِي: أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ عَمَّارٍ ضَعِيفٌ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيهِ مِنْ طَرِيقِ حِبَّانَ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ هُزَالٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا مُرْسَلًا. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا مُرْسَلًا. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ: فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا مُرْسَلًا. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ الْحُبُلِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ - فَوَجَدْنَاهُ مُرْسَلًا. وَأَمَّا حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، فَفِيهِ أَبُو الْمُنْذِرِ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ - وَأَبُو أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ وَهُوَ أَيْضًا مُرْسَلٌ، وَحَتَّى لَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا «مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ» وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ - فَلَوْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلَّذِي سِيقَ إلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ «مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ» لَكُنَّا عَلَى

стр. 4963

يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ ﵇ قَدْ صَدَقَ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ يَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَلْقِينٌ لَهُ، وَلَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّتْرَ أَفْضَلُ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً. وَأَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمٍ فِي الْإِجْهَادِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ أَصْلًا، لِأَنَّ الْإِجْهَادَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمَرْءُ مُفْتَخِرًا بِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِهِ الْإِمَامُ مُعْتَرِفًا لِيُقَامَ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا فِيهِ ذَمُّ الْمُجَاهَرَةِ بِالْمَعْصِيَةِ - وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ حَرَامٌ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْرَضَ عَنْ الْمُعْتَرِفِ مَرَّاتٍ» فَوَجَدْنَاهُ صَحِيحًا لَا دَاخِلَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ، إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ النَّاسَ فِي سَبَبِ إعْرَاضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَطَائِفَةٌ قَالَتْ: إنَّمَا أَعْرَضَ عَنْهُ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَى لَا يَتِمُّ إلَّا

стр. 4964

بِتَمَامِ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: إنَّمَا أَعْرَضَ عَنْهُ ﵇ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ بِهِ جُنُونًا، أَوْ شَرِبَ خَمْرًا - وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ: أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ الْإِقْرَارُ بِالْحَدِّ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتُرَهُ وَلَا يُقِيمَهُ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَسَنَسْتَقْصِي الْكَلَامَ فِي تَصْحِيحِ أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ خَبَرٌ يَتَعَلَّقُونَ بِهِ أَصْلًا؟ ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ: أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ فِي قَوْلِهِمَا لِلْأَسْلَمِيِّ: اسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللَّهِ، فَلَا تَصِحُّ، لِأَنَّهَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلَةٌ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ إبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فَهُوَ مُرْسَلٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَوَجَدْنَا الرِّوَايَةَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ الطَّائِفَةَ مِنْهُمْ قَالَتْ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ: جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ وَقَالَ: اُقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ. فَصَحَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ طَائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ بَلْ لَوْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا مُخَالِفَ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لَصَدَقْنَا، لِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى لَمْ تُخَالِفْهَا، وَإِنَّمَا قَالَتْ: لَقَدْ هَلَكَ مَاعِزٌ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ - فَإِنَّمَا أَنْكَرُوا أَمْرَ الْخَطِيئَةِ لَا أَمْرَ الِاعْتِرَافِ، فَوَجَدْنَا تَفْضِيلَ الِاعْتِرَافِ لَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ خِلَافُهُ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْآثَارِ: فَوَجَدْنَاهَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَالْبَيَانِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَمِدَ تَوْبَةَ مَاعِزٍ، وَالْغَامِدِيَّةِ، وَذَكَرَ ﵇: أَنَّ تَوْبَةَ مَاعِزٍ لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ - وَأَنَّ الْغَامِدِيَّةَ لَوْ تَابَ تَوْبَتَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ - وَأَنَّ الْجُهَيْنِيَّةَ لَوْ قُسِمَتْ تَوْبَتُهَا بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، ثُمَّ رَفَعَ ﵇ الْإِشْكَالَ جُمْلَةً، فَقَالَ: إنَّهَا لَمْ تَجِدْ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ.

стр. 4965

فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِالذَّنْبِ لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَفْضَلُ مِنْ الِاسْتِتَارِ لَهُ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَا أَفْضَلَ مِنْ جُودِ الْمُعْتَرِفِ بِنَفْسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَمِنْ الْبُرْهَانِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ كُلِّهِمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ «عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ، إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» . قَالَ عَلِيٌّ ﵀: فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَصَحَّ بِنَصِّ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِعْلَامِهِ أُمَّتَهُ، وَنَصِيحَتِهِ إيَّاهُمْ بِأَحْسَنَ مَا عَلَّمَهُ رَبُّهُ تَعَالَى، أَنَّ مَنْ أَصَابَ حَدًّا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَمْرَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى - إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ - وَأَنَّ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ الذَّنْبُ، وَكَفَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَبِالضَّرُورَةِ نَدْرِي: أَنْ يَقِينَ الْمَغْفِرَةِ أَفْضَلُ مِنْ التَّعْزِيرِ فِي إمْكَانِهَا أَوْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَأَيْنَ عَذَابُ الدُّنْيَا كُلِّهَا مِنْ غَمْسَةٍ فِي النَّارِ؟ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا - فَكَيْفَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَصَحَّ أَنَّ اعْتِرَافَ الْمَرْءِ بِذَنْبِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ السَّتْرِ بِيَقِينٍ، وَأَنَّ السَّتْرَ مُبَاحٌ بِالْإِجْمَاعِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة تَعَافُوا الْحُدُودَ قَبْلَ بُلُوغِهَا إلَى الْحَاكِمِ] ٢١٨٢ - مَسْأَلَةٌ: تَعَافُوا الْحُدُودَ قَبْلَ بُلُوغِهَا إلَى الْحَاكِمِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَنَا أَبُو دَاوُد أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْمَهْرِيُّ نا ابْنُ وَهْبٍ سَمِعْت ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:

стр. 4966

«تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» . نا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» . نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا أَبِي نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نا سَعِيدٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ مُرَقَّعٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ بُرْدَةً فَرَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ، قَالَ فَلَوْلَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ يَا أَبَا وَهْبٍ - فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الرَّقِّيِّ نا حُسَيْنٌ نا زُهَيْرٌ نا عَبْدُ الْمَلِكِ - هُوَ ابْنُ أَبِي بَشِيرٍ - أَنَا عِكْرِمَةُ عَنْ «صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ فَصَلَّى ثُمَّ لَفَّ رِدَاءً لَهُ فِي بُرْدِهِ فَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ فَنَامَ، فَأَتَاهُ لِصٌّ فَاسْتَلَّهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، فَأَخَذَهُ فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ هَذَا سَرَقَ رِدَائِي؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَسَرَقْتَ رِدَاءَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبَا بِهِ فَاقْطَعَا يَدَهُ - قَالَ صَفْوَانُ: مَا كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ فِي رِدَائِي؟ قَالَ: فَلَوْ مَا كَانَ هَذَا قَبْلُ» . نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ نا عَمْرٌو عَنْ أَسْبَاطٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ أُخْتِ صَفْوَانَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ،

стр. 4967

قَالَ: «كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى خَمِيصَةٍ لِي ثَمَنُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاخْتَلَسَهَا مِنِّي، فَأَخَذَ الرَّجُلَ فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ لِيُقْطَعَ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: تَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، أَنَا أَضَعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا؟ قَالَ: فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟» . نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ الْمَكِّيَّ حَدَّثَهُ: «أَنَّهُ قِيلَ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ: لَا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ؟ فَأَقْبَلَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ، قَالَ: قِيلَ لِي: إنَّهُ لَا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، قَالَ فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ إلَى أَبَاطِيحِ مَكَّةَ - ثُمَّ جِيءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ فَقَالَ: إنَّ هَذَا سَرَقَ خَمِيصَتِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْطَعُوا يَدَهُ - قَالَ: عَفَوْتُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟» . نا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُطَرِّفُ بْنُ قَيْسٍ نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ نا مَالِكٌ نا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، قِيلَ لَهُ: «إنَّهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ، فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَدِينَةَ فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ، فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ، فَقَالَ صَفْوَانُ: إنِّي لَمْ أُرِدْهُ بِهَذَا، هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَجَاءَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ كَمَا رُوِّينَاهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ لَقِيَ رَجُلًا قَدْ أَخَذَ سَارِقًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إلَى السُّلْطَانِ؟ فَشَفَعَ لَهُ الزُّبَيْرُ لِيُرْسِلَهُ، فَقَالَ: لَا، حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ إلَى السُّلْطَانِ، فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ: إذَا بَلَغْت بِهِ إلَى السُّلْطَانِ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ

стр. 4968

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَظَرْنَا فِي الْآثَارِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدْنَاهَا لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرٍو، وَهِيَ صَحِيفَةٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ صَفْوَانَ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ أَصْلًا، لِأَنَّهَا كُلُّهَا مُنْقَطِعَةٌ، لِأَنَّهَا عَنْ عَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ شِهَابٍ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَدْرَكَ صَفْوَانَ. وَأَمَّا عَنْ عَطَاءٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ مُرْتَفِعٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ، أَوْ عَنْ أَسْبَاطٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ أُخْتِ صَفْوَانَ وَهَذَا ضَعِيفٌ عَنْ ضَعِيفٍ عَنْ مَجْهُولٍ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذْ لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ أَثَرٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، فَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ هُوَ طَلَبُ حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْآثَارِ: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا قَدْ صَحَّ بِالْبَرَاهِينِ الَّتِي قَدْ أَوْرَدْنَا قَبْلُ: أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِهِ إلَى الْإِمَامِ وَصِحَّتِهِ عِنْدَهُ. فَإِذْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَالتَّرْكُ لِطَلَبِ صَاحِبِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مُبَاحٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَ حَدٌّ بَعْدُ - وَرَفْعُهُ أَيْضًا مُبَاحٌ، إذْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ، فَإِذْ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ، فَالْأَحَبُّ إلَيْنَا - دُونَ أَنْ يُفْتَى بِهِ - أَنْ يُعْفَى عَنْهُ مَا كَانَ وَهْلَةً وَمَسْتُورًا، فَإِنْ أَذَى صَاحِبُهُ وَجَاهَرَ: فَرَفْعُهُ أَحَبُّ إلَيْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة هَلْ تُدْرَأُ الْحُدُودُ بِالشُّبُهَاتِ أَمْ لَا] ٢١٨٣ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ تُدْرَأُ الْحُدُودُ بِالشُّبُهَاتِ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَأَشَدُّهُمْ قَوْلًا بِهَا وَاسْتِعْمَالًا لَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ الْمَالِكِيُّونَ، ثُمَّ الشَّافِعِيُّونَ. وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ الْحُدُودَ لَا يَحِلُّ أَنْ تُدْرَأَ بِشُبْهَةٍ، وَلَا أَنْ تُقَامَ بِشُبْهَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا مَزِيدَ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْحَدُّ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يُقَامَ بِشُبْهَةٍ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَإِذَا ثَبَتَ

стр. 4969

الْحَدُّ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يُدْرَأَ بِشُبْهَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي اللَّفْظِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْ تَعَلَّقَ أَيَصِحُّ أَمْ لَا؟

стр. 4970

فَنَظَرْنَا فِيهِ فَوَجَدْنَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ لَيْسَ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ ﵌ نَصٌّ، وَلَا كَلِمَةٌ، إنَّمَا هِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابٍ مِنْ طُرُقٍ كُلِّهَا لَا خَيْرَ فِيهَا: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَبِهِ - إلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ مَدْفَعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ادْفَعُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ وَعَنْ عَائِشَةَ ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ كَانَا يَقُولَانِ: ادْرَءُوا عَنْ عِبَادِ اللَّهِ الْحُدُودَ فِيمَا شُبِّهَ عَلَيْكُمْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهِيَ كُلُّهَا لَا شَيْءَ: أَمَّا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَمُرْسَلٌ، وَاَلَّذِي مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ وَلَمْ يُولَدْ إبْرَاهِيمُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بِنَحْوِ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا وَالْآخَرُ الَّذِي عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مُرْسَلٌ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَمَّا أَحَادِيثُ ابْنِ حَبِيبٍ فَفَضِيحَةٌ، لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُهُ لَكَفَى فَكُلُّهَا مُرْسَلَةٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَحَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ لَا نَعْلَمُهُ رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ أَصْلًا، وَهُوَ " ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ " لَا عَنْ صَاحِبٍ، وَلَا عَنْ تَابِعٍ إلَّا الرِّوَايَةُ السَّاقِطَةُ الَّتِي أَوْرَدْنَا مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَإِبْرَاهِيمَ سَاقِطٌ وَإِنَّمَا جَاءَ كَمَا تَرَى عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِمَّا لَمْ يَصِحَّ " ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ " وَهَذَا لَفْظٌ إنْ اُسْتُعْمِلَ أَدَّى إلَى إبْطَالِ الْحُدُودِ جُمْلَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ - وَهَذَا

стр. 4971

خِلَافُ إجْمَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَخِلَافُ الدِّينِ، وَخِلَافُ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ، لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ هُوَ مُسْتَطِيعٌ عَلَى أَنْ يَدْرَأَ كُلَّ حَدٍّ يَأْتِيهِ فَلَا يُقِيمُهُ فَبَطَلَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظُ وَسَقَطَ أَنْ تَكُونَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا اللَّفْظُ الْآخَرُ فِي ذِكْرِ الشُّبُهَاتِ؟ فَقَدْ قُلْنَا: " ادْرَءُوا " لَا نَعْرِفُهُ عَنْ أَحَدٍ أَصْلًا، إلَّا مَا ذَكَرْنَا مِمَّا لَا يَجِبُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إلَى اسْتِعْمَالِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ مَا هِيَ تِلْكَ " الشُّبُهَاتِ " فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ يُرِيدُ أَنْ يُسْقِطَ بِهِ حَدًّا " هَذَا شُبْهَةٌ " إلَّا كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ بِشُبْهَةٍ، وَلَا كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ لَا يُرِيدُ أَنْ يُسْقِطَ بِهِ حَدًّا: لَيْسَ هَذَا شُبْهَةً، إلَّا كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ: بَلْ هُوَ شُبْهَةٌ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا مَعْقُولٌ، مَعَ الِاخْتِلَاطِ الَّذِي فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِنْ شَغَبَ مِشْغَبٌ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ فَمَنْ تَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكُ، وَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنْ الْإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ، مَنْ يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ» فَإِنَّ هَذَا صَحِيحٌ، وَبِهِ نَقُولُ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَرْكُ الْمَرْءِ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا حُكْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الَّذِي لَهُ تَعَبَّدْنَا بِهِ، وَهَذَا فَرْضٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ وَهَكَذَا نَقُولُ: إنَّ مَنْ جَهِلَ - أَحَرَامٌ هَذَا الشَّيْءُ أَمْ حَلَالٌ؟ فَالْوَرَعُ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْهُ، وَمَنْ جَهِلَ أَفَرْضٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ فَرْضٍ؟ فَحُكْمُهُ أَنْ لَا يُوجِبَهُ، وَمَنْ جَهِلَ أَوَجَبَ الْحَدُّ أَمْ لَمْ يَجِبْ؟ فَفَرْضُهُ أَنْ لَا يُقِيمَهُ، لِأَنَّ الْأَعْرَاضَ وَالدِّمَاءَ حَرَامٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ

стр. 4972

دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَ وُجُوبُ الْحَدِّ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُسْقِطَهُ، لِأَنَّهُ فَرْضٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَشَدَّ جَسْرًا عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ بِالشُّبُهَاتِ وَحَيْثُ لَا تَجِبُ إقَامَتُهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ يُسْقِطُونَهَا حَيْثُ أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵇، وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا كَافِيًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَوَّلُ ذَلِكَ النَّفْسِ الَّتِي عَظَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَهَا وَحَرَّمَ قَتْلَهَا إلَّا بِالْحَقِّ فَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ - فَقَتَلُوا النَّفْسَ الْمُحَرَّمَةَ بِدَعْوَى مَنْ لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُشْفِيَ نَفْسَهُ مِنْ عَدُوِّهِ مَعَ أَيْمَانِ رَجُلَيْنِ مِنْ عَشِيرَتِهِ وَإِنْ كَانَا أَفْسَقَ الْبَرِيَّةِ، وَهُمْ لَا يُعْطُونَهُ بِدَعْوَاهُ نَوَاةً مَعْفُونَةً، وَلَوْ حَلَفُوا مَعَ دَعْوَاهُ أَلْفَ يَمِينٍ وَكَانُوا أَصْلَحَ الْبَرِيَّةِ، هَذَا سَفْكُ الدَّمِ الْمُحَرَّمِ بِالشُّبْهَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا شُبْهَةَ أَبْرَدُ مِنْهَا وَيَقْتُلُونَ بِشَهَادَةِ اللَّوْثِ غَيْرِ الْعَدْلِ وَالْقَسَامَةِ، وَلَا يُعْطَوْنَ بِشَهَادَتِهِمْ فَلْسَيْنِ، وَيَقْتُلُونَ الْآبِي عَنْ الصَّلَاةِ إنْ أَقَرَّ بِهَا، وَأَنَّهَا فَرْضٌ، وَيَقْتُلُونَ الْمُمْسِكَ آخَرَ حَتَّى قُتِلَ، وَلَا يَحُدُّونَ الْمُمْسِكَ امْرَأَةً حَتَّى يُزْنَى بِهَا، وَيَقْتُلُونَ السَّاحِرَ دُونَ اسْتِتَابَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حِيَلٌ، وَكَبِيرَةٌ كَالزِّنَى، وَلَا يَقْتُلُونَ آكِلَ الرِّبَا، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ أَشَدُّ مِنْ قَوْلِهِ فِي السَّاحِرِ، وَيَقْتُلُونَ الْمُسْتَتِرَ بِالْكُفْرِ - وَلَا يَدْرَءُونَ عَنْهُ بِإِعْلَانِهِ التَّوْبَةَ، وَلَا يَقْتُلُونَ الْمُعْلِنَ بِالْكُفْرِ إذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ، وَلَا فَرْقَ، وَيَقْتُلُونَ الْمُسْلِمَ بِالْكَافِرِ إذَا قَتَلَهُ غِيلَةً، وَلَا يُجِيزُونَ فِي ذَلِكَ عَفْوَ الْوَلِيِّ - وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ بِالشُّبْهَةِ الْفَاسِدَةِ، وَيَجْلِدُونَ الْقَاتِلَ الْمَعْفُوَّ عَنْهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَيَنْفُونَهُ سَنَةً وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ - فَيَقْتُلُونَ الْمُسْلِمَ بِالْكَافِرِ خِلَافًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى رَسُولِهِ ﵇، وَمُحَافَظَةً لِأَهْلِ الْكُفْرِ، وَلَا يَقْتُلُونَ الْكَافِرَ إذَا سَبَّ النَّبِيَّ ﵌ بِحَضْرَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَسَاجِدِهِمْ، وَلَا يَقْتُلُونَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى جِهَارًا بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ - وَهَذِهِ أُمُورٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا - وَيَقْتُلُونَ الذِّمِّيَّ الَّذِي قَدْ حَرُمَ دَمُهُ إلَّا بِالْحَقِّ بِشَهَادَةِ كَافِرَيْنِ وَأَمَّا الزِّنَى: فَإِنَّ الْمَالِكِيِّينَ - يَحُدُّونَ بِالْحَبَلِ وَلَعَلَّهُ مِنْ إكْرَاهٍ - وَيَرْجُمُونَ

стр. 4973

الْمُحْصَنَ إذَا وَطِئَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ فَعَلَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ - مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ - وَلَا يَحُدُّونَ وَاطِئَ الْبَهِيمَةِ - وَلَا الْمَرْأَةَ تَحْمِلُ عَلَى نَفْسِهَا كَلْبًا - وَكُلُّ ذَلِكَ إبَاحَةُ فَرْجٍ بِالْبَاطِلِ، وَلَا يَحُدُّونَ الَّتِي تَزْنِي - وَهِيَ عَاقِلَةٌ بَالِغَةٌ مُخْتَارَةٌ - بِصَبِيٍّ لَمْ يَبْلُغْ، وَيَحُدُّونَ الرَّجُلَ إذَا زَنَى بِصَبِيَّةٍ مِنْ سِنِّ ذَلِكَ الصَّبِيِّ وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَا يَحُدُّ النَّصْرَانِيَّ، وَلَا الْيَهُودِيَّ، إذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ، وَيُطْلِقُونَ الْحَرْبِيَّ النَّازِلَ عِنْدَنَا بِتِجَارَةٍ، وَالْمُتَذَمِّمَ يَغْرَمُ الْجِزْيَةَ عَلَى تَمَلُّكِ الْمُسْلِمَاتِ اللَّوَاتِي سَبَاهُنَّ قَبْلَ نُزُولِهِ، وَتَذَمُّمِهِ مِنْ حَرَائِرِ الْمُسْلِمَاتِ مِنْ الْقُرَشِيَّاتِ وَالْأَنْصَارِيَّات، وَغَيْرِهِنَّ، وَعَلَى وَطْئِهِنَّ، وَبَيْعِهِنَّ صُرَاحًا مُبَاحًا - وَهَذِهِ قَوْلَةٌ مَا سُمِعَ بِأَفْحَشَ مِنْهَا؟ ٢١٨٤ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا السَّرِقَةُ: فَإِنَّ الْمَالِكِيِّينَ يَقْطَعُونَ فِيهَا الرِّجْلَيْنِ بِلَا نَصٍّ ثَابِتٍ وَلَا إجْمَاعٍ، وَيَقْطَعُونَ مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَ إنْسَانٍ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَقَالَ: إنَّ صَاحِبَ الدَّارِ أَرْسَلَنِي فِي هَذِهِ الْحَاجَةِ وَصَدَّقَهُ صَاحِبُ الدَّارِ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، أَوْ يَقْطَعُونَ يَدَهُ مُطَارَفَةً، وَيَقْطَعُونَ جَمَاعَةً سَرَقَتْ رُبْعَ دِينَارٍ فَقَطْ، وَرَأَوْا - فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِمْ - أَنَّهُ إذَا غُلِطَ بِالسَّارِقِ فَقُطِعَتْ يَسَارُهُ أَنَّهُ تُقْطَعُ الْيَدُ الْأُخْرَى - فَقَطَعُوا يَدَيْهِ جَمِيعًا فِي سَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَا عَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ يُمْنَى مِنْ يُسْرَى، وَالْحَنَفِيُّونَ يَقْطَعُونَ فِيهَا الرِّجْلَ بَعْدَ الْيَدِ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ وَأَمَّا الْقَذْفُ: فَإِنَّ الْمَالِكِيِّينَ يَحُدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ، فِي التَّعْرِيضِ، وَيُسْقِطُونَ جَمِيعَ الْحُدُودِ بِالْقَتْلِ حَاشَا حَدَّ الْقَذْفِ، فَإِنْ كَانُوا يُسْقِطُونَ سَائِرَ الْحُدُودِ بِالشُّبْهَةِ، فَمَا بَالُهُمْ لَا يُسْقِطُونَ حَدَّ الْقَذْفِ أَيْضًا بِالشُّبْهَةِ؟ وَقَالُوا: إنَّمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ خَوْفَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَقْذُوفِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ الَّذِي قَذَفَك صَادِقًا لَحُدَّ لَك، فَفِي أَيِّ دِينٍ وَجَدُوهَا مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ قِيَاسٍ؟ وَيَحُدُّونَ شَارِبَ الْخَمْرِ، وَلَوْ جَرْعَةً مِنْهُ خَوْفَ أَنْ يَقْذِفَ أَحَدًا بِالزِّنَى، وَهُوَ لَمْ يَقْذِفْ أَحَدًا بَعْدُ، فَأَيُّ عَجَبٍ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ بِلَا شُبْهَةٍ، وَيَتَعَلَّقُونَ بِرِوَايَةٍ سَاقِطَةٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، قَدْ أَعَاذَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مِثْلِهَا وَيَحُدُّونَ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: لَسْت ابْنَ فُلَانٍ إذَا نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ وَيَحُدُّونَ مَنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِإِنْسَانٍ سَمَّاهُ، وَإِنْ لَاعَنَ امْرَأَتَهُ، وَهَذَا خِلَافٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ مُجَرَّدٌ

стр. 4974

وَيَحُدُّونَ مَنْ قَذَفَ إنْسَانًا نَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا لَا يَحِلُّ مِثْلُهُ، وَهُوَ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ - هَذَا وَهُمْ يَحُدُّونَ مَنْ قَذَفَ امْرَأَةً مُسْلِمَةً ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ، وَهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّهُمْ لَا يَحْلِفُونَ، وَلَا يَقْطَعُونَ أَنَّهُ مَنْ زَنَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْحَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ لِآخَرَ: زَنَتْ عَيْنُك، أَوْ زَنَتْ يَدُك - وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ «أَنَّ الْيَدَيْنِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَالْعَيْنَيْنِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» وَأَمَّا الْخَمْرُ: فَإِنَّ الْمَالِكِيِّينَ يُقِيمُونَ الْحَدَّ فِيهِ بِالنَّكْهَةِ - وَكُلُّ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ يَدْرِي أَنَّ مَنْ أَكَلَ الْكُمَّثْرَى الشَّتْوِيَّ، وَبَعْضَ أَنْوَاعِ التُّفَّاحِ: أَنَّ نَكْهَةَ فَمِهِ، وَنَكْهَةَ شَارِبِ الْخَمْرِ: سَوَاءٌ - وَأَيْضًا فَلَعَلَّهُ مَلَأَ فَمَهُ مِنْهَا وَلَمْ يَجْرَعْهَا فَبَقِيَتْ النَّكْهَةُ، أَوْ لَعَلَّهُ دُلِّسَ عَلَيْهِ بِهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي، ثُمَّ يَجْلِدُونَ - هُمْ وَالْحَنَفِيُّونَ فِي الْخَمْرِ: ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ فِيهَا أَرْبَعُونَ، فَلَمْ يَدْرَءُوا الْأَرْبَعِينَ الزَّائِدَةَ بِالشُّبْهَةِ، وَلَمْ يُوجِبْهَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ وَيَحُدُّونَ ثَمَانِينَ - كَمَا قُلْنَا - بِفِرْيَةٍ لَمْ يَفْتَرِهَا بَعْدُ، فَيُقَدِّمُونَ لَهُ الْحُدُودَ، وَلَعَلَّهُ لَا يَقْذِفُ أَحَدًا أَبَدًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَنْ يُقَدِّمُوا لَهُ حَدَّ زِنًى لَمْ يَكُنْ مِنْهُ، أَوْ حَدَّ سَرِقَةٍ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ وَيَحُدُّونَ - هُمْ وَالشَّافِعِيُّونَ: الْفَاضِلَ الْعَالِمَ الْمُتَأَوِّلَ إحْلَالَ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ، وَيَقْبَلُونَ مَعَ ذَلِكَ شَهَادَتَهُ، وَيَأْخُذُونَ الْعِلْمَ عَنْهُ - وَلَا يَحُدُّونَ الْمُتَأَوِّلَ فِي الشِّغَارِ، وَالْمُتْعَةِ - وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ - وَلَا فِي الْخَلِيطَيْنِ - وَإِنْ كَانَ حَرَامًا - كَالْخَمْرَةِ [مَسْأَلَة اعْتِرَافُ الْعَبْدِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ] ٢١٨٥ - مَسْأَلَةٌ: اعْتِرَافُ الْعَبْدِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا؟ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَالْعَبْدُ مَالٌ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ فَاعْتِرَافُهُ بِمَا يَجِبُ إبْطَالُ بَعْضِ مَالِ سَيِّدِهِ كَسْبٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ إنْ لَمْ يَأْتِ مَا يَدْفَعُهُ: فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى وَالِدَيْهِ،

стр. 4975

وَأَقْرِبَائِهِ - وَلَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِي أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ مَقْبُولَةٌ - دُونَ آخَرَ مَعَهُ دُونَ يَمِينٍ - تَلْزَمُهُ، سَوَاءٌ كَانَ فَاسِقًا، أَوْ عَدْلًا - مُؤْمِنًا كَانَ أَوْ كَافِرًا - وَأَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ لَا تُقْبَلُ إلَّا بِشَرْطِ الْعَدَالَةِ، وَبِأَنْ يَكُونَ مَعَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَمِينُ الطَّالِبِ - عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ - وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا مِنْ حُرٍّ، فَلَمَّا وَرَدَ هَذَانِ النَّصَّانِ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي اسْتِعْمَالِهِمَا؟ فَوَجَدْنَا أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: هُوَ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ، كَاسِبٌ عَلَى غَيْرِهِ: فَلَا يُقْبَلُ، وَوَجَدْنَا مَنْ خَالَفَهُمْ بِقَوْلٍ: بَلْ هُوَ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ، كَاسِبٌ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى نَقْصٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَقْصِدْ الشَّهَادَةَ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ؟ فَنَظَرْنَا فِي هَذَيْنِ الِاسْتِعْمَالَيْنِ - إذْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِعْمَالِ أَحَدِهِمَا - فَوَجَدْنَا قَوْلَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّهُ كَاسِبٌ عَلَى غَيْرِهِ إنَّمَا يَصِحُّ بِوَاسِطَةٍ، وَبِإِنْتَاجٍ، لَا بِنَفْسِ الْإِقْرَارِ؟ وَوَجَدْنَا قَوْلَ مَنْ خَالَفَهُمْ يَصِحُّ بِنَفْسِ الْقِصَّةِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِنَفْسِ لَفْظِهِ - وَهُوَ ظَاهِرُ مَقْصِدِهِ - وَإِنَّمَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى السَّيِّدِ بِتَأْوِيلٍ لَا بِظَاهِرِ إقْرَارِهِ؟ فَكَانَ هَذَا أَصَحَّ الِاسْتِعْمَالَيْنِ، وَأَوْلَاهُمَا وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ أَصْحَابُنَا لَوَجَبَ أَنْ لَا يُحَدَّ الْعَبْدُ فِي زِنًى، وَلَا فِي سَرِقَةٍ، وَلَا فِي خَمْرٍ، وَلَا فِي قَذْفٍ، وَلَا فِي حِرَابَةٍ - وَإِنْ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ - وَأَنْ لَا يُقْتَلَ فِي قَوَدٍ، لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَاسِبٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَفِي الْحَدِّ عَلَيْهِ إتْلَافٌ لِمَالِ سَيِّدِهِ؟ وَهَذَا مَا لَا يَقُولُونَهُ، لَا هُمْ وَلَا غَيْرُهُمْ [مَسْأَلَة مَنْ قَالَ لَا يُؤَاخِذُ اللَّهُ عَبْدًا بِأَوَّلِ ذَنْبٍ] ٢١٨٦ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَالَ: لَا يُؤَاخِذُ اللَّهُ عَبْدًا بِأَوَّلِ ذَنْبٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أُتِيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِسَارِقٍ؟ فَقَالَ: اقْطَعُوا يَدَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِيهَا يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَاَللَّهِ مَا سَرَقْت قَبْلَهَا؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: كَذَبْت، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا غَافَصَ اللَّهُ مُؤْمِنًا بِأَوَّلِ ذَنْبٍ يَعْمَلُهُ وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِسَارِقٍ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا سَرَقْت قَبْلَهَا؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَذَبْت وَرَبِّ عُمَرَ، مَا أَخَذَ اللَّهُ عَبْدًا عِنْدَ أَوَّلِ ذَنْبٍ وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمْعَانَ بِهَذَا، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ
следующие страницы →