← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

وَالْعُقُوبَةُ - وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ - وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلِهِ وَالْعُقُوبَةُ» . نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كَمْ تُقْطَعُ الْيَدُ؟ فَقَالَ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي تَمْرٍ مُعَلَّقٍ، فَإِذَا ضَمَّهُ الْجَرِينُ قُطِعَتْ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَلَا تُقْطَعُ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ، فَإِذَا آوَاهُ الْمِرَاحُ قُطِعَتْ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَحْمَدُ يَسْمَعُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ «إنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ؟ قَالَ: هِيَ وَمِثْلُهَا، وَالنَّكَالُ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ قَطْعٌ إلَّا فِيمَا آوَاهُ الْمُرَاحُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ قَطْعُ الْيَدِ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي التَّمْرِ الْمُعَلَّقِ؟ قَالَ: هُوَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَالنَّكَالُ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ التَّمْرِ الْمُعَلَّقِ قَطْعٌ إلَّا فِيمَا آوَاهُ الْجَرِينُ، فَمَا أُخِذَ مِنْ الْجَرِينِ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ الْقَطْعُ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مَخْلَدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» . نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ نا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَرَأَ عَنْ الْمُنْتَهِبِ، وَالْمُخْتَلِسِ، وَالْخَائِنِ، الْقَطْعَ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَقَالُوا: لَمْ يَجْعَلْ النَّبِيُّ ﷺ الْقَطْعَ عَلَى مُخْتَلِسٍ، وَلَا

стр. 5217

عَلَى خَائِنٍ - فَسَقَطَ بِذَلِكَ الْقَطْعُ عَنْ كُلِّ مَنْ اُؤْتُمِنَ، وَسَقَطَ الْقَطْعُ عَنْ حَرِيسَةِ الْجَبَلِ، وَالتَّمْرِ الْمُعَلَّقِ، حَتَّى يُؤْوِيهِمَا الْجَرِينُ، وَالْمِرَاحُ، وَهُوَ حِرْزُهُمَا. وَقَالُوا: مَا وُجِدَ فِي غَيْرِ حِرْزٍ فَإِنَّمَا هُوَ لُقَطَةٌ قَدْ أُبِيحَ أَخْذُهَا وَتَحْصِينُهَا، وَقَالُوا: قَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى مُخْتَلِسٍ - وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اعْتِبَارِ الْحِرْزِ: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ: أَمَّا الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَا فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا وَلَا وَاحِدٌ. أَمَّا حَدِيثُ حَرِيسَةِ الْجَبَلِ، وَالتَّمْرِ الْمُعَلَّقِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ أَحَدَ طَرِيقَيْهِ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلٌ، وَالْأُخْرَى: هِيَ أَيْضًا أَسْقَطُ، مُرْسَلَةً - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ - وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ - وَالْأُخْرَى: مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - وَهِيَ صَحِيفَةٌ لَا يُحْتَجُّ بِهَا - فَهَذَا وَجْهٌ يَسْقُطُ بِهِ. وَدَلِيلٌ آخَرُ - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ - يَعْنِي الْحَاضِرِينَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ - مُخَالِفُونَ، لِمَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ: أَنَّ مَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْ التَّمْرِ الْمُعَلَّقِ فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ - وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا. وَكَذَلِكَ إذَا آوَاهُ الْجَرِينُ فَلَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ أَيْضًا غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا أَيْضًا. وَفِيهِ أَيْضًا: أَنَّ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ غَرَامَةُ مِثْلِهَا، وَأَنَّ فِيهَا غَرَامَةُ مِثْلَيْهَا، وَأَنَّ فِيهَا - إنْ آوَاهُ الْمِرَاحُ فَلَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ - غَرَامَةُ مِثْلَيْهَا، فَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَذَا الْخَبَرَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ أَحْكَامِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَجِيزُ ذُو وَرَعٍ يَدْرِي أَنَّ كَلَامَهُ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مُحَاسَبٌ بِهِ يَخَافُ لِقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَهَابُ عِقَابَهُ، أَنْ يَحْتَجَّ بِخَبَرٍ هُوَ يُصَحِّحُهُ، وَيُخَالِفُهُ فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ مِنْ أَحْكَامِهِ، عَلَى مَنْ لَا يُصَحِّحُهُ أَصْلًا، فَلَا يَرَاهُ حُجَّةً، وَهَلْ فِي التَّعْجِيلِ بِالْإِثْمِ، وَالْفَضِيحَةِ الْعَاجِلَةِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ فَإِنْ ادَّعَوْا فِي تَرْكِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ إجْمَاعًا؟ كَذَبُوا؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَدْ حَكَمَ بِهَا بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُعْرَفُ مِنْهُمْ لَهُ

стр. 5218

مُخَالِفٌ وَلَا يُدْرَى مِنْهُمْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ، فَأَضْعَفُ قِيمَةِ النَّاقَةِ الْمُنْتَحِرَةِ لِلْمُزَنِيِّ عَلَى رَقِيقِ حَاطِبٍ الَّتِي سَرَقُوهَا وَانْتَحَرُوهَا. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا مَا ناه أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُطَرِّفُ بْنُ قَيْسٍ نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبٍ سَرَقُوا نَاقَةً لِلْمُزَنِيِّ - رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ - فَانْتَحَرُوهَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَ عُمَرُ لِكَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ، قَالَ عُمَرُ: إنِّي أَرَاك تُجِيعُهُمْ، وَاَللَّهِ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْك - ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ: كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ؟ قَالَ: أَرْبَعمِائَةِ دِرْهَمٍ، قَالَ عُمَرُ: فَأَعْطِهِ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا أَثَرٌ عَنْ عُمَرَ كَالشَّمْسِ؟ وَأَمَّا حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - وَهُمْ يَعُدُّونَ مِثْلَ هَذَا إجْمَاعًا - إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَغَيْرِهِ نَحْوُ هَذَا فِي إتْلَافِ الْأَمْوَالِ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ أَبَاهُ عُثْمَانَ أُغْرِمَ فِي نَاقَةِ مُحْرِمٍ أَهْلَكَهَا رَجُلٌ، فَأَغْرَمُهُ الثُّلُثَ زِيَادَةً عَلَى ثَمَنِهَا - قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا أُصِيبَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ وَمَوَاشِيهِمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَإِنَّهُ يُزَادُ الثُّلُثُ لِهَذَا فِي الْعَمْدِ - فَهَذَا أَثَرٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. وَقَالَ بِهِ الزُّهْرِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُمْ لَا يُبَالُونَ بِدَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذَا جُرْأَةً عَلَى الْكَذِبِ، ثُمَّ لَا يُبَالُونَ بِمُخَالَفَةٍ مَا يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - إنَّ الْخَبَرَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ عَنْ جَابِرٍ إلَّا أَبُو الزُّبَيْرِ فَقَطْ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ مُدَلِّسٌ مَا لَمْ يُقِلْ فِيهِ: نا، أَوْ أَنَا، لَا سِيَّمَا فِي جَابِرٍ، فَقَدْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّدْلِيسِ فِيهِ: كَمَا نا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّيْدَلَانِيُّ نا أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ

стр. 5219

نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ نا عَمِّي ونا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَجِئْتُ أَبَا الزُّبَيْرِ فَدَفَعَ إلَيَّ كِتَابَيْنِ، فَانْقَلَبْتُ بِهِمَا، فَقُلْت فِي نَفْسِي: لَوْ عَاوَدْته فَسَأَلْته: أَسَمِعَ هَذَا كُلَّهُ مِنْ جَابِرٍ؟ فَرَجَعْت إلَيْهِ، فَقُلْت لَهُ: هَذَا كُلُّهُ سَمِعْتَهُ مِنْ جَابِرٍ؟ فَقَالَ: مِنْهُ مَا سَمِعْته، وَمِنْهُ مَا حُدِّثْتُ عَنْهُ، فَقُلْت لَهُ: أَعْلِمْ لِي مَا سَمِعْتَ مِنْهُ؟ فَأَعْلَمَ لِي عَلَى هَذَا الَّذِي عِنْدِي؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا لَمْ يَرْوِهِ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَوْ لَمْ يَقُلْ فِيهِ: نا، أَوْ أَنَا، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ - فَقَدْ صَحَّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَسْمَعْهُ أَبُو الزُّبَيْرِ مِنْ جَابِرٍ. وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِمَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي الْمُخْتَلِسِ - فَإِنَّ الرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ مُنْقَطِعَةٌ، وَلَمْ يَسْمَعْ الزُّهْرِيُّ مِنْ زَيْدٍ كَلِمَةً: وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهَا مُنْقَطِعَةٌ؛ لِأَنَّهَا عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْهُمَا - وَلَمْ يُولَدْ الشَّعْبِيُّ إلَّا بَعْدَ قَتْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَلَمْ يَكُنْ يَعْقِلْ إذْ مَاتَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ - فَهِيَ مِنْ طَرِيقَيْنِ -: إحْدَاهُمَا - عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ وَهُوَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ وَالْأُخْرَى - مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ أَبِي السُّمَيْطِ الْمَكْفُوفِ - وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتَادَةَ، وَعَفَّانَ، وَلَا يُعْرَفُ حَالُهُ، إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ فِي الْمُخْتَلِسِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتَلَسَ جِهَارًا غَيْرَ مُسْتَخْفٍ مِنْ النَّاسِ - فَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ سَارِقًا، وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ.

стр. 5220

أَوْ يَكُونُ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَخْفِيًا عَنْ كُلِّ مَنْ حَضَرَ - فَهَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَاضِرِينَ مِنْ خُصُومِنَا فِي أَنَّهُ سَارِقٌ، وَأَنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ. فَبَطَلَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ، وَعَرِيَ قَوْلُهُمْ فِي مُرَاعَاةِ الْحِرْزِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ أَصْلًا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الشَّيْءَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْرَزًا فَهُوَ لُقَطَةٌ فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ إنَّمَا هِيَ مَا سَقَطَ عَنْ صَاحِبِهِ وَصَارَ بِدَارِ مَضْيَعَةٍ - وَكَذَلِكَ الضَّالَّةُ - وَأَمَّا مَا كَانَ غَيْرَ مُهْمَلٍ وَلَا سَاقِطٍ، فَقَدْ بَطَلَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لُقَطَةً، أَوْ ضَالَّةً، وَقَدْ جَاءَ فِي اللُّقَطَةِ وَالضَّالَّةِ نُصُوصٌ لَا يَحِلُّ تَعَدِّيهَا، فَلَا مَدْخَلَ لِلسَّارِقِ فِيهَا، فَنَحْنُ إنَّمَا نُكَلِّمُهُمْ فِي سَارِقٍ مِنْ حِرْزٍ، لَا فِي مُلْتَقَطٍ، وَلَا فِي آخِذِ ضَالَّةٍ - فَإِنَّ الْمُلْتَقِطَ مُخْتَلِسٌ فَسَقَطَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ الْفَاسِدُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَوَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولَ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] فَوَجَبَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَرَقَ فَالْقَطْعُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَنْ اكْتَسَبَ سَرِقَةً فَقَدْ اسْتَحَقَّ بِنَصِّ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى جَزَاءً لِكَسْبِهِ ذَلِكَ قَطْعَ يَدِهِ نَكَالًا. وَبِالضَّرُورَةِ الْحِسِّيَّةِ، وَبِاللُّغَةِ يَدْرِي كُلُّ أَحَدٍ يَدْرِي اللُّغَةَ أَنَّ مَنْ سَرَقَ - مِنْ حِرْزٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ - فَإِنَّهُ " سَارِقٌ " وَأَنَّهُ قَدْ اكْتَسَبَ سَرِقَةً، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، فَإِذْ هُوَ سَارِقٌ مُكْتَسِبٌ سَرِقَةً، فَقَطْعُ يَدِهِ وَاجِبٌ، بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُخَصَّ الْقُرْآنُ بِالظَّنِّ الْكَاذِبِ، وَلَا بِالدَّعْوَى الْعَارِيَّةِ مِنْ الْبُرْهَانِ. فَإِنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَرَادَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ، فَإِنَّهُ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُخْبِرُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ نَبِيُّهُ ﷺ فَقَدْ قَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْكَذِبَ، وَقَالَ مَا لَا يَعْلَمْ، وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ - وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا. وَقَدْ أَوْرَدْنَا عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ الْقَطْعُ عَلَى مَنْ سَرَقَ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الْحِرْزِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا مِنْ السُّنَنِ

стр. 5221

فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْوَلِيدِ - هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - وَاللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فَخَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَاَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا» مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْت أَبَا صَالِحٍ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ السَّارِقِ جُمْلَةً وَلَمْ يَخُصَّ ﵇ حِرْزًا مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَقَالَ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] . وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ أَنْ لَا يَقْطَعَ السَّارِقَ حَتَّى يَسْرِقَ مِنْ حِرْزٍ وَيُخْرِجَهُ مِنْ الدَّارِ لَمَا أَغْفَلَ ذَلِكَ، وَلَا أَهْمَلَهُ، وَلَا أَعْنَتَنَا بِأَنْ يُكَلِّفَنَا عِلْمَ شَرِيعَةٍ لَمْ يُطْلِعْنَا عَلَيْهِ، وَلَبَيَّنَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ إمَّا فِي الْوَحْيِ، وَإِمَّا فِي النَّقْلِ الْمَنْقُولِ. فَإِذْ لَمْ يَفْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ فَنَحْنُ نَشْهَدُ، وَنَبُتُّ، وَنَقْطَعُ - بِيَقِينٍ لَا يُمَازِجُهُ شَكٌّ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ قَطُّ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ اشْتِرَاطَ الْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ. إذْ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ فَاشْتِرَاطُ الْحِرْزِ فِيهَا بَاطِلٌ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ، وَشَرْعٌ لِمَا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا فَإِنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَوَقَفَ عَلَى مَا

стр. 5222

ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ مَنْ سَلَفَ مِمَّنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ مَأْجُورٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا فِي أَنَّ السَّرِقَةَ هِيَ الِاخْتِفَاءُ بِأَخْذِ الشَّيْءِ لَيْسَ لَهُ، وَأَنَّ السَّارِقَ هُوَ الْمُخْتَفِي بِأَخْذِ مَا لَيْسَ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْحِرْزِ فِيمَا اقْتَضَاهُ الِاسْمُ، فَمِنْ أَقْحَمَ فِي ذَلِكَ اشْتِرَاطَ الْحِرْزِ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي اللُّغَةِ، وَادَّعَى فِي الشَّرْعِ مَا لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى وُجُودِهِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ الصَّحَابَةِ: فَقَدْ أَوْضَحْنَا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ اشْتِرَاطُ الْحِرْزِ أَصْلًا وَإِنَّمَا جَاءَ عَنْ بَعْضِهِمْ " حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الدَّارِ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ " مِنْ الْبَيْتِ " وَلَيْسَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى مَا ادَّعَوْهُ مِنْ الْحِرْزِ - مَعَ الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ فِي ذَلِكَ - فَلَاحَ أَنَّ قَوْلَنَا قَوْلٌ قَدْ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَالسُّنَنُ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسَائِلُ مِنْ بَابِ السَّرِقَة] ٢٢٦٨ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ الْغَنِيمَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: إنَّ رَجُلًا سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَكَتَبَ فِيهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟ فَكَتَبَ عُمَرُ إلَيْهِ: أَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا. وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْرَصِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ مِنْ الْخُمْسِ مِغْفَرًا فَلَمْ يَقْطَعْهُ عَلِيٌّ، وَقَالَ: إنْ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا. وَبِهِ - يَقُولُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُمَا - وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمْ: عَلَيْهِ الْقَطْعُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: إنَّمَا احْتَجَّ مِنْ لَمْ يَرَ الْقَطْعَ فِي ذَلِكَ بِحُجَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا مُشَاعًا.

стр. 5223

وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ قَوْلُ صَاحِبَيْنِ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. أَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِأَنَّهُ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، فَإِنَّ هَذَا يَلْزَمُ الْمَالِكِيِّينَ الْمُحْتَجِّينَ بِمِثْلِ هَذَا إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ التَّارِكِينَ لَهُ إذَا اشْتَهَوْا؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْل أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ نَصِيبًا - فَهَذَا لَيْسَ حُجَّةً فِي إسْقَاطِ حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى، إذْ لَيْسَتْ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَلَا مِمَّا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا مِمَّا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ: فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْعُمَدِ الثَّلَاثِ. وَكَوْنُهُ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَفِي الْمَغْنَمِ نَصِيبٌ لَا يُبِيحُ لَهُ أَخَذُ نَصِيبِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ بِإِجْمَاعٍ لَا خِلَافَ فِيهِ. وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] . فَإِذْ نَصِيبُ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ حَرَامٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ سِرْقَتِهِ إيَّاهُ وَبَيْنَ سَرِقَتَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لَا نَصِيبَ لَهُ مَعَهُ، وَهُمْ يَدَّعُونَ الْقِيَاسَ. وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْحَرَامَ إذَا امْتَزَجَ مَعَ الْحَلَالِ فَإِنَّهُ كُلُّهُ حَرَامٌ، كَالْخَمْرِ مَعَ الْمَاءِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ يُدَقُّ مَعَ لَحْمِ الْكَبْشِ، وَغَيْرِ هَذَا كَثِيرٌ؟ وَيَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ شَرِبَ خَمْرًا مَمْزُوجَةً بِمَاءٍ حَلَالٍ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ سَرَقَ شَيْئًا بَعْضُهُ لَهُ حَلَالٌ وَبَعْضُهُ حَرَامٌ لِغَيْرِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا لَمْ نَجِدْ فِي الْمَنْعِ مِنْ قَطْعِ مَنْ سَرَقَ مِنْ الْمَغْنَمِ، أَوْ مِنْ الْخُمُسِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، حُجَّةً أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةِ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] . وَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَوْجَبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّارِقِ جُمْلَةً، وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا رَسُولُهُ ﵇ سَارِقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا سَارِقًا مِنْ الْمَغْنَمِ،

стр. 5224

وَلَا سَارِقًا مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ مِنْ غَيْرِهِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ ذَلِكَ لَمَا أَغْفَلَهُ وَلَا أَهْمَلَهُ وَالْعَمَلُ فِي ذَلِكَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ شَيْءٍ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْخُمُسِ، أَوْ الْمَغْنَمِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ نَصِيبُهُ مَحْدُودًا مَعْرُوفَ الْمِقْدَارِ كَالْغَنِيمَةِ، أَوْ مَا اشْتَرَكَ فِيهِ بِبَيْعِ، أَوْ مِيرَاثٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخُمُسِ، نُظِرَ: فَإِنْ أَخَذَ زَائِدًا عَلَى نَصِيبِهِ مِمَّا يَجِبُ فِي مِثْلِهِ الْقَطْعُ قُطِعَ، وَلَا بُدَّ، فَإِنْ سَرَقَ أَقَلَّ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُنِعَ حَقُّهُ فِي ذَلِكَ أَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ فَلَمْ يَصِلْ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ إلَّا بِمَا فَعَلَ وَلَا قَدَرَ عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ خَالِصًا فَلَا يُقْطَعُ إذَا عُرِفَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الزَّائِدَ عَلَى حَقِّهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى أَخْذِ مَا أُخِذَ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَخْلِيصِ مِقْدَارِ حَقِّهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ] ٢٢٦٩ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ؟ نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ عَنْ بِلَالِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ بُرْنُسًا مِنْ الْحَمَّامِ فَرُفِعَ إلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَطْعًا. وَبِهِ - يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمْ: عَلَيْهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَ هُنَالِكَ حَافِظٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ؛ لِأَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إذَا وَافَقَ آرَاءَهُمْ، وَقَدْ خَالَفُوا هَاهُنَا قَوْلَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] وَهَذَا سَارِقٌ فَالْقَطْعُ عَلَيْهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى تَخْصِيصَ ذَلِكَ لَمَا أَغْفَلَهُ.

стр. 5225

[مَسْأَلَة فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ مَسْجِدٍ] ٍ؟ قَالَ قَوْمٌ: لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ مَسْجِدٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إذَا كَانَ هُنَالِكَ حَافِظٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ، أَوْ كَانَتْ الْأَبْوَابُ مُغْلَقَةً قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا - وَكَذَلِكَ لَوْ قَلَعَ بَابَ الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ مُغْلَقًا مَضْبُوطًا قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا - وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي بَابِ الدَّارِ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْقَطْعُ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَمْرُ الْحِرْزِ كَمَا ذَكَرْنَا - وَقَدْ بَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِمُرَاعَاةِ الْحِرْزِ فَالْوَاجِبُ قَطْعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ مَسْجِدٍ بَابًا - كَانَ مُغْلَقًا أَوْ غَيْرَ مُغْلَقٍ - أَوْ حَصِيرًا، أَوْ قِنْدِيلًا، أَوْ شَيْئًا وَضَعَهُ صَاحِبُهُ هُنَالِكَ وَنَسِيَهُ - كَانَ صَاحِبُهُ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ - إذَا أَخَذَهُ مُسْتَتِرًا بِأَخْذِهِ لِنَفْسِهِ، لَا لِيَحْفَظَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة هَلْ عَلَى النَّبَّاشِ قَطْعٌ أَمْ لَا] ٢٢٧١ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ عَلَى النَّبَّاشِ قَطْعٌ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي النَّبَّاشِ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهِ الْقَتْلُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُقْطَعُ يَدُهُ فَقَطْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُعَزَّرُ أَدَبًا - وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ رَأَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ - فَكَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ رَجُلًا يَخْتَفِي فِي الْقُبُورِ فَقَتَلَهُ، فَأَهْدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ دَمَهُ. وَأَمَّا مَنْ رَأَى قَطْعَ يَدِهِ وَرِجْلِهِ: فَكَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَطَعَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يَدَ غُلَامٍ وَرِجْلَهُ، اخْتَفَى؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: " عَبَّادٌ " هَذَا مِنْ التَّابِعِينَ أَدْرَكَ عَائِشَةَ، نَعَمْ، وَجَدُّهُ الزُّبَيْرُ، وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ ﵃.

стр. 5226

وَأَمَّا مَنْ رَأَى قَطْعَ يَدِهِ فَقَطْ: فَكَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ وَجَدَ قَوْمًا يَخْتَفُونَ الْقُبُورَ بِالْيَمَنِ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا هُشَيْمٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: شَهِدْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَطْعَ يَدِ النَّبَّاشِ. وَبِهِ - إلَى الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ: أَنَّ الشَّعْبِيَّ، وَالنَّخَعِيَّ، وَمَسْرُوقَ بْنَ الْأَجْدَعِ، وَزَاذَانَ، وَأَبَا ذُرْعَةَ بْنَ عَمْرٍو وَعَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، قَالُوا فِي النَّبَّاشِ إذَا أَخَذَ الْمَتَاعَ: قُطِعَ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إذَا سَرَقَ النَّبَّاشُ قَدْرَ مَا يُقْطَعُ فِيهِ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ النَّبَّاشِ فَقَالَ: نَقْطَعُ فِي أَمْوَاتِنَا، كَمَا نَقْطَعُ فِي أَحْيَائِنَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَنَّ كُلَّ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، لَكِنَّ الْفَرْضَ هُوَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵇ الرُّجُوعَ إلَيْهِ عِنْد التَّنَازُعِ، إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ فَفَعَلْنَا: فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَوْجَبَ الْقَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ بِقَوْلِهِ ﵇ «لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا» . وَوَجَدْنَا " " السَّارِقَ " فِي اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَبِهَا خَاطَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ الْآخِذُ شَيْئًا لَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَخْذَهُ، فَيَأْخُذُهُ مُتَمَلِّكًا لَهُ، مُسْتَخْفِيًا بِهِ - فَوَجَدْنَا النَّبَّاشَ هَذِهِ صِفَتُهُ. فَصَحَّ أَنَّهُ سَارِقٌ، وَإِذْ هُوَ سَارِقٌ، فَقَطْعُ الْيَدِ عَلَى السَّارِقِ، فَقَطْعُ يَدِهِ وَاجِبٌ - وَبِهِ نَقُولُ.

стр. 5227

وَأَمَّا مَنْ رَأَى قَتْلَهُ، أَوْ قَطْعَ يَدِهِ وَرِجْلِهِ، فَمَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً، إلَّا أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ مُحَارِبًا - وَلَيْسَ هَاهُنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُحَارِبٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخِفْ طَرِيقًا، فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ، وَدِمَاؤُنَا حَرَامٌ، فَدَمُ النَّبَّاشِ حَرَامٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مَا يَجِبُ فِيهِ عَلَى آخِذِهِ الْقَطْعُ] ٢٢٧٢ - مَسْأَلَةٌ: مَا يَجِبُ فِيهِ عَلَى آخِذِهِ الْقَطْعُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: تَنَازَعَ النَّاسُ فِي أَشْيَاءَ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا قَطْعَ فِي سَرِقَتِهَا. وَقَالَ قَوْمٌ: فِيهَا الْقَطْعُ، مِنْ ذَلِكَ: التَّمْرُ، وَالْجُمَّارُ، وَالشَّجَرُ، وَالزَّرْعُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنِي أَبِي نا سَلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْغَوْصِيُّ عَنْ الْحَسَنِ - هُوَ ابْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلَا كَثَرٍ» وَالْكَثَرُ الْجُمَّارُ - وَفِي هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ لَمْ نَذْكُرْهَا، لِئَلَّا نُطَوِّلَ بِذِكْرِهَا، وَلَوْ صَحَّتْ لَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهَا بِذَلِكَ، وَلَلَزِمَ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يُقْطَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ الثَّمَرِ، وَالْحُبُوبِ - سَوَاءٌ حُصِدَ أَوْ لَمْ يُحْصَدْ، جُدَّ أَوْ لَمْ يُجَدَّ - كَانَ فِي الْمَخَازِنِ أَوْ لَمْ يَكُنْ - لِعُمُومِ هَذَا اللَّفْظِ. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْيَابِسَ ثَمَرًا، فَقَالَ ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ﴾ [النحل: ٦٧] فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَا تُثْمِرُهُ الشَّجَرَةُ، وَالنَّخْلَةُ، وَالزَّرْعُ، ثَمَرًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ [الأنعام: ١٤١] الْآيَةَ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . فَوَجَبَ الْحَقُّ فِيهِ يَوْمَ حَصَادِهِ - وَالْحَصَادُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْيَابِسِ - وَأَمَّا سَاقُ الشَّجَرِ، وَالنَّخْلِ، وَأَغْصَانُهُ، فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ ثَمَرٍ أَصْلًا، لَا فِي لُغَةٍ، وَلَا فِي شَرِيعَةٍ. وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي هَذَا، فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: لَا قَطْعَ فِيمَا يَفْسُدُ مِنْ يَوْمِهِ مِنْ الطَّعَامِ، مِثْلَ: الثَّرِيدِ، وَاللَّحْمِ، وَمَا أَشْبَهَهُ، لَكِنْ يُعَزَّرُ. وَإِذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ فِي شَجَرَتِهَا لَمْ تُقْطَعْ الْيَدُ فِي سَرِقَتِهَا، لَكِنْ يُعَزَّرُ.

стр. 5228

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ فِي شَيْءٍ مِنْ: الْإِبِلِ، وَلَا الْبَقَرِ، وَلَا الْغَنَمِ، وَلَا الْخَيْلِ، وَلَا الْبِغَالِ، وَلَا الْحَمِيرِ - إذَا سُرِقَ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمَرْعَى، فَإِذَا كَانَتْ فِي الْمِرَاحِ، أَوْ فِي الدُّورِ فَفِيهَا الْقَطْعُ. وَلَا يُقْطَعُ فِي شَيْءٍ مِنْ: الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ كَانَتْ فِي الدُّورِ أَوْ فِي الشَّجَرِ - فِي حِرْزٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرِ حِرْزٍ - وَكَذَلِكَ الْبُقُولُ كُلُّهَا. وَكَذَلِكَ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ اللَّحْمِ، وَالطَّعَامِ كُلِّهِ - كَانَ فِي حِرْزٍ أَوْ فِي غَيْرِ حِرْزٍ. وَلَا قَطْعَ فِي الْمِلْحِ، وَلَا فِي التَّوَابِلِ، وَلَا فِي الزُّرُوعِ كُلِّهَا، فَإِذَا يَبِسَ الزَّرْعُ وَحُمِلَ إلَى الْأَنْدَرِ، أَوْ إلَى الْبُيُوتِ وَجَبَ الْقَطْعُ فِي سَرِقَةِ شَيْءٍ مِنْهُ، إذَا بَلَغَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ. وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْفَوَاكِهِ فِي أَشْجَارِهِ، وَالزَّرْعِ فِي مَزْرَعَتِهِ، فَلَا قَطَعَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ - وَكَذَلِكَ الْأَنْعَامُ فِي مَسَارِحِهَا، فَإِذَا أُحْرِزَتْ الْأَنْعَامُ فِي مِرَاحٍ، أَوْ دَارٍ، فَفِيهَا الْقَطْعُ، فَإِذَا جُمِعَ الزَّرْعُ فِي أَنْدَرِهِ أَوْ فِي الدُّورِ فَفِيهِ الْقَطْعُ، وَإِذَا جُنِيَتْ الْفَوَاكِهُ، وَأُدْخِلَتْ فِي الْحِرْزِ فَفِيهَا الْقَطْعُ، وَكَذَلِكَ تُقْطَعُ فِي الْبُقُولِ، وَالْفَوَاكِهِ كُلِّهَا، وَفِي اللَّحْمِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ إذَا كَانَ فِي حِرْزٍ - وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إذَا كَانَتْ الْفَوَاكِهُ فِي أَشْجَارِهَا - رَطْبَةً أَوْ غَيْرَ رَطْبَةٍ - وَكَانَ الْفَسِيلُ فِي حَائِطِهِ، وَكَانَ كُلُّ ذَلِكَ مُحْرَزًا مَمْنُوعًا، فَفِيهِ الْقَطْعُ - وَقَالَ - فِيمَا عَدَا ذَلِكَ - بِقَوْلِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ فِي الْبَعِيرِ، أَوْ الدَّابَّةِ تُسْرَقُ مِنْ الْفَدَّانِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا: الْقَطْعُ - مُحْرَزًا كَانَ أَوْ غَيْرِ مُحْرَزٍ - إذَا سَرَقَهُ السَّارِقُ وَلَمْ يَأْخُذْهُ مُعْلِنًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، وَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ فَوَجَدْنَاهُ صَحِيحًا، إلَّا اشْتِرَاطَهُ الْحِرْزَ فَقَطْ، فَإِنَّ الْحِرْزَ لَا مَعْنَى لَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَبْلُ.

стр. 5229

وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ هَذَا إنَّمَا صَحَّ لِمُوَافَقَتِهِ عُمُومَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وَبِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ السَّارِقِ عُمُومًا دُونَ اشْتِرَاطِ حِرْزٍ. وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَ هَذَا؛ لِأَنَّهَا وَاهِيَةٌ، وَلَا حُجَّةً إلَّا فِي صَحِيحٍ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، فَوَجَدْنَا حُجَّتَهُمَا إنَّمَا هِيَ خَبَرُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَخَبَرُ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، لَا حُجَّةَ لَهُمَا غَيْرُهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ فِي غَايَةِ الْوَهْيِ، وَأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالْوَاهِي بَاطِلٌ؛ وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ لَا تَصِحُّ وَلَوْ صَحَّتْ لَمَا كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مَنْ ادَّعَاهُ مِنْ الْحِرْزِ، بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يُقْطَعَ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ ثَمَرٍ، وَلَا اسْمُ كَثَرٍ، وَأَنْ يُقْطَعَ فِي ذَلِكَ إنْ آوَاهُ الْجَرِينُ - رَطْبًا كَانَ أَوْ غَيْر رَطْبٍ - فَهَذَا كَانَ يَكُونُ الْحُكْمُ - لَوْ صَحَّ الْخَبَرُ - وَمَا عَدَا هَذَا فَبَاطِلٌ، بِظَنٍّ كَاذِبٍ فَإِذَا لَمْ تَصِحَّ الْآثَارُ أَصْلًا فَالْوَاجِبُ مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ أَنَّ الْقَطْعَ وَاجِبٌ فِي كُلِّ ثَمَرٍ، وَفِي كُلِّ كَثَرٍ - مُعَلَّقًا كَانَ فِي شَجَرِهِ أَوْ مَجْذُوذًا، أَوْ فِي جَرِينٍ كَانَ أَوْ غَيْرِ جَرِينٍ - إذَا أَخَذَهُ سَارِقًا لَهُ، مُسْتَخْفِيًا بِأَخْذِهِ، غَيْرَ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ، وَبِغَيْرِ حَقٍّ لَهُ، فَإِنَّ الْقَطْعَ فِي كُلِّ طَعَامٍ كَانَ مِمَّا يَفْسُدُ أَوْ لَا يَفْسُدُ - إذَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ غَيْرَ مَشْهُورٍ بِأَخْذِهِ، لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَلَا عَنْ حَقٍّ أَوْجَبَ لَهُ أَخْذُهُ، فَإِنَّ الْقَطْعَ وَاجِبٌ فِي الزَّرْعِ، إذَا أُخِذَ مِنْ فَدَّانِهِ، أَوْ هُوَ بِأَنْدَرِهِ، عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ مُسْتَتِرًا، أَوْ مُخْتَفِيًا بِأَخْذِهِ، لَا عَنْ حَاجَةٍ إلَيْهِ، وَلَا عَنْ حَقٍّ لَهُ. وَأَمَّا الْمَاشِيَةُ - فَالْقَطْعُ فِيهَا أَيْضًا كَذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ ضَالَّةً يَأْخُذُهَا مُعْلِنًا فَيَكُونُ مُحْسِنًا، حَيْثُ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُهَا، وَعَاصِيًا لَا سَارِقًا، حَيْثُ لَمْ يُبَحْ لَهُ أَخْذُهَا، فَلَا قَطْعَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ سَارِقًا؛ وَإِنَّمَا الْقَطْعُ عَلَى السَّارِقِ - وَعُمْدَتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ السَّارِقِ عُمُومًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة الِاخْتِلَاف فِي الْقَطْعِ فِي الطَّيْرِ إذَا سُرِقَ] ٢٢٧٣ - مَسْأَلَةٌ: الطَّيْرُ فِيمَنْ سَرَقَهَا؟

стр. 5230

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْقَطْعِ فِي الطَّيْرِ إذَا سُرِقَ، كَالدَّجَاجِ، وَالْإِوَزِّ، وَغَيْرِهَا. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا قَطْعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: كَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ دَجَاجًا، فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَهُ، فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ كَانَ عُثْمَانُ يَقُولُ: لَا قَطْعَ فِي طَيْرٍ؟ فَخَلَّى عُمَرُ سَبِيلَهُ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: أَرَادَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يَقْطَعَ سَارِقًا سَرَقَ دَجَاجَةً، فَقَالَ لَهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ: لَا قَطْعَ فِي طَيْرٍ. وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَصْحَابُهُمَا، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْقَطْعُ فِيهِ - إذَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابُهُمَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْقَطْعُ فِيهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، إذَا سُرِقَتْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَظَرْنَا فِيمَا اخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ، فَوَجَدْنَا مَنْ احْتَجَّ بِقَوْلِ مَنْ لَمْ يَرَ الْقَطْعَ فِيهِ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ إبْطَالَ الْقَطْعِ فِيهِ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَوَى نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، هَذَا لَا يُعْرَفُ. وَقَالُوا: إنَّ الْأَصْلَ فِيهِ أَنَّهُ تَافِهٌ فِي الْأَصْلِ مُبَاحٌ، فَإِذَا كَانَ مَمْلُوكًا لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ، إذَا كَانَ مَا هَذَا وَصْفُهُ لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ، وَالطَّيْرُ إذَا كَانَ مُبَاحًا، وَكَانَ فَرْخًا فَلَا قِيمَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ لَهُ الْقِيمَةُ بَعْدَمَا يَصِيرُ مَمْلُوكًا بِالتَّعْلِيمِ. فَهَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ، مَا لَهُمْ شُبْهَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذَا قَدْ عَرَى قَوْلُهُمْ مِنْ حُجَّةٍ، وَكَانَ الطَّيْرُ مَالًا مِنْ

стр. 5231

الْأَمْوَالِ، فَقَدْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ، كَالدَّجَاجِ، وَالْحَمَامِ، وَشِبْهِهَا وَجَبَ فِيهِ الْقَطْعُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وَبِإِيجَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ. وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا رَسُولُهُ ﵇ مِنْ ذَلِكَ - طَيْرًا وَلَا غَيْرَهُ - وَتَاللَّهِ، أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّ كُلَّ مَنْ خَلَقَ، وَكُلَّ مَا هُوَ كَائِنٌ، وَحَادِثٌ، مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ نَفَسٍ، وَكَلِمَةٍ، أَبَدَ الْأَبَدِ، وَكُلَّ مَا لَا يَكُونُ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ، أَنْ يَخُصَّ مِنْ الْقَطْعِ مَنْ سَرَقَ الطَّيْرَ، لَمَا أَغْفَلَ ذَلِكَ، وَلَا أَهْمَلَهُ. فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ قَطُّ إسْقَاطَ الْقَطْعِ عَنْ سَارِقِ الطَّيْرِ، بَلْ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَطْعِهِ نَصًّا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [مَسْأَلَة الْقَطْعَ فِي الصَّيْدِ إذَا تَمَلَّكَ] ٢٢٧٤ - مَسْأَلَةٌ: الصَّيْدُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ أَمْرُ الصَّيْدِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَرَى الْقَطْعَ فِي الصَّيْدِ إذَا تَمَلَّكَ أَصْلًا، وَلَا يَرَى الْقَطْعَ فِيمَنْ سَرَقَ إبِلًا مُتَمَلِّكًا مِنْ حِرْزِهِ، وَلَا عَلَى مَنْ سَرَقَ كَذَلِكَ غَزَالًا، أَوْ خَشْفًا، أَوْ ظَبْيًا، أَوْ حِمَارًا وَحْشِيًّا، أَوْ أَرْنَبًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الصَّيْدِ. وَرَأَى مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُمَا، الْقَطْعَ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الِاخْتِلَافِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ عَنْهُمْ فِي مُرَاعَاةِ الْحِرْزِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا مَكَانٌ مَا نَعْلَمُ لِلْحَنَفِيَّيْنِ فِيهِ حُجَّةً أَصْلًا، وَلَا أَنَّهُ قَالَ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَ شَيْخِهِمْ، بَلْ هُوَ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَخِلَافٌ لِلْقُرْآنِ مُجَرَّدٌ، إلَّا أَنَّهُمْ ادَّعُوا أَنَّهُمْ قَاسُوهُ عَلَى الطَّيْرِ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الصَّيْدَ يُشْبِهُ الطَّيْرَ فِي أَنَّهُمَا حَيَوَانٌ وَحْشِيٌّ مُبَاحٌ فِي أَصْلِهِ؟ قِيلَ لَهُمْ: فَأَسْقِطُوا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ الْقَطْعَ عَمَّنْ سَرَقَ يَاقُوتًا، أَوْ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً، أَوْ نُحَاسًا، أَوْ حَدِيدًا، أَوْ رَصَاصًا، أَوْ قَزْدِيرًا، أَوْ زِئْبَقًا، أَوْ صُوفَ الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ أَجْسَامٌ مُبَاحَةٌ فِي الْأَصْلِ، غَيْرُ مُتَمَلَّكَةٌ كَالصَّيْدِ، وَلَا فَرْقَ - فَهَذَا تَشْبِيهٌ أَعَمُّ مِنْ تَشْبِيهِكُمْ، وَعِلَّةٌ أَعَمُّ مِنْ عِلَّتِكُمْ.

стр. 5232

وَأَيْضًا - فَإِنَّهُمْ قَدْ نَقَضُوا هَذَا الْقِيَاسِ، فَلَمْ يَقِيسُوا قَاتِلَ الدَّجَاجِ الْإِنْسِيِّ عَلَى الصَّيْدِ الْمُحَرَّمِ فِي الْإِحْرَامِ، وَلَا قَاسُوا الْأَنْعَامَ، وَالْخَيْلَ - عِنْدَ مَنْ يُبِيحُهَا - عَلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ الصَّيْدِ، وَكَانَ هَذَا كُلُّهُ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا مُتَيَقَّنًا فَصَحَّ أَنَّ الْقَطْعَ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ سَرَقَ صَيْدًا مُتَمَلَّكًا، كَمَا هُوَ وَاجِبٌ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة فِيمَنْ سَرَقَ خَمْرًا لِذِمِّيٍّ أَوْ لِمُسْلِمٍ أَوْ سَرَقَ خِنْزِيرًا أَوْ مَيْتَةً] ٢٢٧٥ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ سَرَقَ خَمْرًا لِذِمِّيٍّ، أَوْ لِمُسْلِمٍ، أَوْ سَرَقَ خِنْزِيرًا كَذَلِكَ، أَوْ مَيْتَةً كَذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: مَنْ سَرَقَ خَمْرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ عَطَاءٌ: زَعَمُوا فِي الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، يَسْرِقُهُ الْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُقْطَعُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ حَلَّ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَإِنْ سَرَقَ ذَلِكَ مِنْ مُسْلِمٍ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: مَنْ سَرَقَ خَمْرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قُطِعَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَغْرَمُ لَهَا مِثْلَهَا - وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِمْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَا ضَمَانَ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَصْحَابِهِمَا - وَبِهِ يَقُولُ أَصْحَابُنَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَرَأَيْنَا قَوْلَ مَنْ أَوْجَبَ الضَّمَانَ وَأَسْقَطَ الْقَطْعَ، فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو الْخَمْرُ، وَالْخِنْزِيرُ، مِنْ أَنْ يَكُونَا مَالًا لِلذِّمِّيِّ لَهُ قِيمَةٌ، أَوْ لَا يَكُونَا مَالًا لَهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ أَصْلًا، فَإِنْ كَانَتْ الْخَمْرُ، وَالْخِنْزِيرُ، مَالًا لِلذِّمِّيِّ، لَهُمَا قِيمَةٌ، فَالْقَطْعُ فِيهِمَا وَاجِبٌ - عَلَى أُصُولِهِمْ - إذَا بَلَغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِيهِ الْقَطْعُ. وَإِنْ كَانَ الْخَمْرُ، وَالْخِنْزِيرُ، لَا قِيمَةَ لَهُمَا، وَلَيْسَا مَالًا لِلذِّمِّيِّ، فَبِأَيِّ وَجْهٍ قَضَوْا بِضَمَانِ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ، وَلَا هُوَ مَالٌ، وَهَلْ هَذَا مِنْهُمْ إلَّا قَضَاءٌ بِالْبَاطِلِ؟ وَإِيكَالُ مَالٍ بِغَيْرِ

стр. 5233

حَقٍّ، لَا سِيَّمَا وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُسْلِمَ إنْ سَرَقَ خَمْرًا لِمُسْلِمٍ، أَوْ خِنْزِيرًا لِمُسْلِمٍ، فَلَا قَطْعَ، وَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مَالًا لَهُ، وَلَا لَهُمَا قِيمَةٌ. وَالْعَجَبُ كُلُّهُ، كَيْفَ يَقْضُونَ بِضَمَانِهِمَا عَلَيْهِ - وَهُوَ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى قَضَائِهِمَا -؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ - فَفِيهِمَا الْمِثْلُ عِنْدَهُمْ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى الْقَطْعَ فِي ذَلِكَ وَالضَّمَانَ، وَقَوْلَ مَنْ لَا يَرَى فِي ذَلِكَ - لَا قَطْعًا وَلَا ضَمَانًا. فَنَظَرْنَا فِيمَنْ رَأَى الْقَطْعَ وَالضَّمَانَ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا. إلَّا إنْ قَالُوا: إنَّهَا مَالٌ لَهُمْ، وَلَهَا قِيمَةٌ عِنْدَهُمْ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: أَخْبِرُونَا، أَبِحَقٍّ مِنْ اللَّهِ تَمَلَّكُوهَا، وَاسْتَحَقُّوا مِلْكَهَا وَشُرْبَهَا، أَوْ بِبَاطِلٍ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: بِحَقٍّ، وَأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، كَفَرُوا بِلَا خِلَافٍ - وَهُمْ لَا يَقُولُونَ هَذَا - وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إنَّ دِينَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَقٌّ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ أَصْلًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] . فَإِذْ قَدْ صَحَّ مَا قُلْنَا، وَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ شُرْبَ الْخَمْرِ، عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَحَرَّمَ بَيْعَهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَحَرَّمَ مِلْكَهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى آمِرًا لِلرَّسُولِ ﵇ أَنْ يَقُولَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] . وَبِقَوْلِهِ ﵇ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» وَأَنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا، ثَبَتَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَالًا لِأَحَدٍ، وَأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا أَصْلًا، وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ - لِلتَّحْرِيمِ الْوَارِدِ فِيهِ جُمْلَةً. فَإِذْ قَدْ حَرَّمَ مِلْكَهَا جُمْلَةً، كَانَ مَنْ سَرَقَهَا لَمْ يَسْرِقْ مَالًا لِأَحَدٍ، لَا قِيمَةَ لَهَا

стр. 5234

أَصْلًا، وَلَا سَرَقَ شَيْئًا يَحِلُّ إبْقَاؤُهُ جُمْلَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ - وَالْوَاجِبُ هَرْقُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ لِمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَكَذَلِكَ قَتْلُ الْخَنَازِيرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا مَنْ سَرَقَ مَيْتَةً، فَإِنَّ فِيهَا الْقَطْعَ؛ لِأَنَّ جِلْدَهَا بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا، بِدَبْغِهِ فَيَنْتَفِعُ بِهِ وَيَبِيعُهُ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ؟ أَوْجَبْتُمْ الْقَطْعَ فِي الْمَيْتَةِ مِنْ أَجْلِ جِلْدِهَا، وَلَمْ تُوجِبُوا الْقَطْعَ فِي الْخِنْزِيرِ؟ فَهَلَّا أَوْجَبْتُمُوهُ مِنْ أَجْلِ جِلْدِهِ، وَجِلْدُهُ وَجِلْدُ سَائِرِ الْمَيْتَاتِ سَوَاءٌ - فِي جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَبَيْعِهِ - إذَا دُبِغَ؟ فَجَوَابُنَا: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - وَهُوَ أَنَّ الْمَيْتَةَ كَانَتْ فِي حَيَاتِهَا مُتَمَلَّكَةٌ لِصَاحِبِهَا بِأَسْرِهَا، فَلَمَّا مَاتَتْ سَقَطَ مِلْكُهُ عَنْ لَحْمِهَا، وَشَحْمِهَا، وَدَمِهَا؛ وَمِعَاهَا، وَفَرْثِهَا، وَدِمَاغِهَا، وَغَضَارِيفِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا حَرَامٌ مُطْلَقُ التَّحْرِيمِ، وَبَقِيَ مِلْكُهُ كَمَا كَانَ، عَلَى مَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الِانْتِفَاعَ بِهِ مِنْهَا، وَهُوَ الْجِلْدُ، وَالشَّعْرُ، وَالصُّوفُ، وَالْوَبَرُ، وَالْعَظْمُ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ، إلَّا بِإِبَاحَتِهِ إيَّاهُ لِإِنْسَانِ بِعَيْنِهِ، أَوْ لِمَنْ أَخَذَهُ وَيَعْلَمُ ذَلِكَ بِطَرْحِهِ الْجَمِيعَ، وَتَبَرِّيهِ مِنْهُ، فَهُوَ مَا لَمْ يَطْرَحْهُ مَالِكٌ لِذَلِكَ، فَإِنْ سَرَقَ فَإِنَّمَا سَرَقَ شَيْئًا مُتَمَلَّكًا، مِلْكًا صَحِيحًا، وَمَالٌ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ، فَالْقَطْعُ فِيهِ. وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ رِجْسٌ مُحَرَّمٌ جُمْلَةً فَمَنْ سَرَقَهُ حَيًّا، أَوْ مَيِّتًا، فَإِنَّمَا أَخَذَ مَالًا لَا مَالِكَ لَهُ، وَمَا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُهُ فَجِلْدُهُ لِمَنْ بَادَرَ إلَيْهِ، وَأَخَذَهُ، وَدَبَغَهُ، فَإِذَا دُبِغَ صَارَ حِينَئِذٍ مِلْكًا مِنْ مَالٍ مُتَمَلَّكِهِ، مَنْ سَرَقَهُ فَعَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ، وَالْقَطْعُ وَاجِبٌ فِي عِظَامِ الْفِيلِ كَمَا ذَكَرْنَا وَالْمَيْتَاتُ كُلُّهَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» حَاشَ عَظْمِ الْخِنْزِيرِ، وَشَعْرِهِ، وَكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ حَرَامٌ جُمْلَةً، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُ شَيْءٍ مِنْهُ، إلَّا الْجِلْدَ فَقَطْ بِالدِّبَاغِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؛ [مَسْأَلَة فِيمَنْ سَرَقَ حُرًّا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا] ٢٢٧٦ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ سَرَقَ حُرًّا صَغِيرًا، أَوْ كَبِيرًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀:

стр. 5235

لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا لَا يَفْهَمُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ سَرَقَ عَبْدًا كَبِيرًا يَتَكَلَّمُ، وَفِيمَنْ سَرَقَ حُرًّا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا - فَأَمَّا الْعَبْدُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يَفْهَمُ، فَإِنَّ الَّذِي سَرَقَهُ سَارِقُ مَالٍ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ - وَأَمَّا مَنْ سَرَقَ الْعَبْدَ الَّذِي يَفْهَمُ، فَإِنَّمَا أَسْقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ مَنْ أَسْقَطَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُ أَطَاعَهُ مَا أَمْكَنَهُ سَرِقَتَهُ إيَّاهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْلَقَ إطْلَاقًا؛ لِأَنَّ فِي الْمُمْكِنِ أَنْ يَسْرِقَهُ وَهُوَ نَائِمٌ، أَوْ سَكْرَانُ، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، أَوْ مُتَغَلِّبًا عَلَيْهِ مُتَهَدِّدًا بِالْقَتْلِ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَلَا عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا، فَهِيَ سَرِقَةٌ صَحِيحَةٌ قَدْ تَمَّتْ مِنْهُ، وَإِذْ هِيَ صَحِيحَةٌ فَالْقَطْعُ عَلَيْهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أُخْبِرْت أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَطَعَ رَجُلًا فِي غُلَامٍ سَرَقَهُ. وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: مَنْ سَرَقَ صَغِيرًا حُرًّا، أَوْ عَبْدًا، قُطِعَ. قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْكَبِيرِ وَلَيْسَ عَلَى الصَّغِيرِ مِنْ شَيْءٍ - يَعْنِي أَنَّهُ يُقْطَعُ الْكَبِيرُ فِي سَرِقَةِ الصَّغِيرِ. وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَمَّنْ سَرَقَ عَبْدًا أَعْجَمِيًّا لَا يَفْقَهُ؟ قَالَ: يُقْطَعُ. وَبِالْقَطْعِ فِي سَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُهُمْ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُنَا، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. وَذُكِرَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ اسْتَحْسَنَ أَنْ يُقْطَعَ. وَأَمَّا مَنْ سَرَقَ حُرًّا - فَإِنَّ حُمَامَ بْنَ أَحْمَدَ نا قَالَ: نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أُخْبِرْت أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَ الْبَائِعَ - بَائِعَ الْحُرِّ - وَقَالَ: لَا يَكُونُ الْحُرُّ عَبْدًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، وَعَلَيْهِ شَبِيهٌ بِالْقَطْعِ الْحَبْسُ.

стр. 5236

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ حُرًّا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. وَقَالَ مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: عَلَى مَنْ سَرَقَ حُرًّا صَغِيرًا، الْقَطْعُ - وَذُكِرَ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا أَثَرٌ، لَا عَلَيْنَا أَنْ نَذْكُرَهُ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيِّينَ يَأْخُذُونَ بِأَقَلَّ مِنْهُ، إذَا وَافَقَهُمْ، وَهُوَ: كَمَا نا الْقَاضِي عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَحَّافٍ الْمَعَافِرِيُّ بِبُلُنْسِيَةَ نا مُحَمَّدُ نا إبْرَاهِيمُ بِطُلَيْطُلَةَ نا بَكْرُ بْنُ الْعَلَاءِ الْقُشَيْرِيُّ بِمِصْرَ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ الْبَصْرِيُّ نا الْقَاسِمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَنْصَارِيُّ نا أَبِي نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ كَانَ يَسْرِقُ الصِّبْيَانَ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصُ حُرٍّ مِنْ عَبْدٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة فِيمَنْ سَرَقَ الْمُصْحَف] ٢٢٧٧ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ سَرَقَ الْمُصْحَفَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مُصْحَفًا - سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَيْهِ حِلْيَةُ فِضَّةٍ تَزِنُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ لَمْ تَكُنْ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُنَا: عَلَيْهِ الْقَطْعُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ الْقَطْعَ بِأَنْ قَالَ: إنَّ لَهُ فِيهِ حَقَّ التَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ عَمَّنْ احْتَاجَ إلَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ كَانَ كَمَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ: وَالْفِضَّةُ تَبَعٌ؛ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي بَيْعِهِ، كَمَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِهِ الْجِلْدُ، وَالدَّفَّتَانِ - وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالْبَاطِلِ: أَوَّلُ ذَلِكَ - قَوْلُهُمْ: لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقُّ التَّعْلِيمِ - وَقَدْ كَذَبَ، إنَّمَا حَقُّ الْمُتَعَلِّمِ فِي التَّلْقِينِ فَقَطْ، لَا فِي مُصْحَفِ النَّاسِ أَصْلًا، إذْ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ.

стр. 5237

وَإِنَّمَا فَرَضَ عَلَى النَّاسِ تَعْلِيمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا الْقُرْآنَ - تَدْرِيسًا وَتَحْفِيظًا - وَهَكَذَا كَانَ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مُصْحَفٌ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُلَقِّنُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيُقْرِئُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَمَنْ احْتَاجَ مِنْهُمْ أَنْ يُقَيِّدَ مَا حَفِظَ كَتَبَهُ فِي الْأَدِيمِ، وَفِي اللِّخَافِ، وَالْأَلْوَاحِ، وَالْأَكْتَافِ فَقَطْ. فَبَطَلَ قَوْلُهُ " إنَّ لِلسَّارِقِ حَقًّا فِي الْمُصْحَفِ " وَصَحَّ أَنَّ لِصَاحِبِ الْمُصْحَفِ مَنْعُهُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، إذْ لَا ضَرُورَةَ بِأَحَدٍ إلَيْهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَصَحَّ أَنَّ الْقَطْعَ وَاجِبٌ فِي سَرِقَةِ الْمُصْحَفِ - كَانَتْ عَلَيْهِ حِلْيَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ - لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ لَا يُوجِبُوا الْقَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ كُتُبَ الْعِلْمِ - وَهَذَا خَطَأٌ، بَلْ الْقَطْعُ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاجِبٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة سُرَّاقٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِمْ] ٢٢٧٨ - مَسْأَلَةٌ: سُرَّاقٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ صَلِيبًا، أَوْ وَثَنًا - وَلَوْ كَانَ مَنْ فِضَّةٍ، أَوْ ذَهَبٍ - قَالَ: فَإِنْ سَرَقَ دَرَاهِمَ فِيهَا صُوَرُ أَصْنَامٍ، أَوْ صُوَرُ صُلْبَانٍ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُعْبَدُ وَهَذَا لَا يُعْبَدُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا خَطَأٌ، وَتَنَاقُضٌ، وَاحْتِجَاجٌ فَاسِدٌ. أَمَّا الْخَطَأُ، فَإِسْقَاطُ الْحَدِّ الَّذِي افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْقَطْعِ عَلَى السَّارِقِ. وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى سَارِقِ الصَّلِيبِ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ جَوْهَرًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ. وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ فِيهِ كَسْرُهُ فَقَطْ، وَأَمَّا مِلْكُ جَوْهَرِهِ فَصَحِيحٌ - وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ سَرَقَ إنَاءَ ذَهَبٍ وَإِنَاءَ فِضَّةٍ، وَالنَّهْيُ قَدْ صَحَّ عَنْ اتِّخَاذِ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، كَمَا صَحَّ عَنْ اتِّخَاذِ الصَّلِيبِ وَالْوَثَنِ وَلَا فَرْقَ - وَالْقَطْعُ وَاجِبٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ الصُّورَةَ، وَلَا شَكْلَ الْإِنَاءِ، وَإِنَّمَا سَرَقَ الْجِسْمَ الْحَلَالَ تَمَلُّكَهُ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ فِي الْآنِيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالصُّلْبَانِ، وَالْأَوْثَانِ، الْكَسْرُ فَقَطْ.

стр. 5238

فَإِنْ كَانَ الصَّلِيبُ، أَوْ الْوَثَنُ، مِنْ حَجَرٍ لَا قِيمَةَ لَهُ أَصْلًا بَعْدَ الْكَسْرِ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ أَصْلًا، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ «إنَّ يَدَ السَّارِقِ لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ» وَسَنَسْتَقْصِي الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كَلَامِنَا " فِي مِقْدَارِ مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ ". وَأَمَّا التَّنَاقُضُ، فَظَاهِرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ صُورَةٍ وَصُورَةٍ بِلَا بُرْهَانٍ وَكِلَاهُمَا مُحَرَّمٌ تَصْوِيرُهُ، وَمُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَمَّا فَسَادُ احْتِجَاجِهِ، بِأَنَّ الصَّلِيبَ يُعْبَدُ، وَالصُّورَةُ الَّتِي فِي الدَّرَاهِمِ لَا تُعْبَدُ، فَإِنَّ الْهِنْدَ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ كَمَا يَعْبُدُ النَّصَارَى الصَّلِيبَ، وَيُعَظِّمُونَهَا كَمَا يُعَظَّمُ الصَّلِيبُ، وَلَا فَرْقَ - فَيَلْزَمُهُ أَيْضًا، أَنْ لَا يَقْطَعَ فِي سَرِقَةِ الْبَقَرِ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّنَا نَحْنُ لَا نَعْبُدُهَا؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَإِنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا لَا نَعْبُدُ الصَّلِيبَ، وَلَا نُعَظِّمُهُ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ إسْقَاطِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَطْعَ عَنْ سَارِقِ الصَّلِيبِ، وَهُوَ يَقْتُلُ الْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَ عَابِدَ الصَّلِيبِ؟ فَلَئِنْ كَانَ لِعَابِدِ الصَّلِيبِ مِنْ الْحُرْمَةِ عِنْدَهُمْ مَا يُسْتَبَاحُ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّ لِمَالِ عَابِدِ الصَّلِيبِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا تُسْتَبَاحُ بِهِ يَدُ سَارِقِهِ، وَالصَّلِيبُ مَالٌ مِنْ مَالِهِ، هَذَا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ قَدْ صَحَّ «أَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". نَعَمْ، وَعَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، إذْ يَقُولُ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] . وَإِذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] . وَلَمْ يَأْتِ نَهْيٌ قَطُّ عَنْ قَطْعِ يَدِ مَنْ سَرَقَ مَالَ كَافِرٍ ذِمِّيٍّ بَلْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَطْعِهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ السَّارِقَ يَسْرِقُ مِنْ مُسْلِمٍ وَمِنْ ذِمِّيٍّ، فَنَحْنُ نُقْسِمُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ اسْتِثْنَاءَ سَارِقِ مَالِ الذِّمِّيِّ لَمَا سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا نَسِيَهُ، وَلَبَيَّنَهُ، كَمَا

стр. 5239

بَيَّنَ لَنَا «أَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة إحْضَارُ السَّرِقَةِ] ٢٢٧٩ - مَسْأَلَةٌ: إحْضَارُ السَّرِقَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَالَ الْمَالِكِيُّونَ: مَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ دَرَاهِمَ - كَثِيرَةٍ أَوْ قَلِيلَةٍ - أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَطْعَ لَا يَجِبُ بِذَلِكَ إلَّا حَتَّى يُحْضِرَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي أَقَرَّ بِسَرِقَتِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا أَيْضًا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ رَدٌّ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ قَطْعِ السَّارِقِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ إحْضَارَ السَّرِقَةِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] لَكِنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُهُ وَلَا بُدَّ، ثُمَّ يَلْزَمُهُ إحْضَارُ مَا سَرَقَ لِيَرُدَّ إلَى صَاحِبِهِ - إنْ عُرِفَ - أَوْ لِيَكُونَ فِي جَمِيعِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ - إنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ - فَإِنْ عَدِمَ الشَّيْءَ الْمَسْرُوقَ ضَمِنَهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَا نَعْلَمُ لِمَنْ خَالَفَ هَذَا حُجَّةً أَصْلًا؟ فَإِنْ تَعَلَّقُوا: بِمَا ناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ طَارِقًا كَانَ جَعَلَهُ ثَعْلَبَةُ الشَّامِيُّ عَلَى الْمَدِينَةِ يَسْتَخْلِفُهُ، فَأُتِيَ بِإِنْسَانٍ مُتَّهَمٍ بِسَرِقَةٍ، فَجَلَدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَجْلِدُهُ حَتَّى اعْتَرَفَ بِالسَّرِقَةِ، فَأَرْسَلَ إلَى ابْنِ عُمَرَ فَاسْتَفْتَاهُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَا تُقْطَعْ - يَدُهُ حَتَّى يُبْرِزَهَا؟ فَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ تَحْتَ الْعَذَابِ وَبِالتَّهْدِيدِ فَلَا قَطَعَ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ أَبْرَزَ السَّرِقَةَ أَوْ لَمْ يُبْرِزْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أُودِعَتْ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهَا سَرِقَةٌ أَوْ لَا يَدْرِي، فَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُودَعِ فِي ذَلِكَ قَطْعٌ أَصْلًا. وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا - أَيْ حَتَّى يُبْرِزَ - قَوْلَتَهُ مُجَرَّدَةً مِنْ الْإِقْرَارِ بِالضَّرْبِ، مَعَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَمْ قَوْلَةٌ لِابْنِ عُمَرَ قَدْ خَالَفُوهَا بِلَا بُرْهَانٍ فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَا - بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: كَتَبَ إلَيَّ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ يَقُولُ: مَنْ اعْتَرَفَ بِسَرِقَةٍ، ثُمَّ أَتَى - مَعَ ذَلِكَ - بِمَا يُصَدِّقُ اعْتِرَافَهُ فَذَلِكَ الَّذِي تُقْطَعُ يَدُهُ، وَمَنْ اعْتَرَفَ عَلَى تَهَدُّدٍ وَتَخَوُّفٍ، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ

стр. 5240

بِمَا يُصَدِّقُ اعْتِرَافَهُ، فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنْ يُقْطَعُوا فِي مِثْلِ هَذَا. وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ، قَالَ: مَنْ اعْتَرَفَ بَعْدَ امْتِحَانٍ فَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ عَمَلِهِ، فَإِنَّ اعْتِرَافَهُ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا، وَلَا إقَامَتَهُ عَلَى الِاعْتِرَافِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَلَاءِ مَا قَدْ دَفَعَ عَنْهُ مِنْ الْبَلَاءِ بِاعْتِرَافِهِ، فَنَرَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ بِاعْتِرَافِهِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ وَجْهُ الْبَيِّنَةِ وَالْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ صَاحِبُ تِلْكَ السَّرِقَةِ؟ وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ بِلَا تَهْدِيدٍ وَلَا عَذَابٍ، أَوْ أَقَرَّ بِتَهْدِيدٍ وَعَذَابٍ؟ فَإِنْ أَقَرَّ بِتَهْدِيدٍ وَعَذَابٍ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ أَصْلًا - أَحْضَرَ السَّرِقَةَ، أَوْ لَمْ يُحْضِرْهَا - إذْ قَدْ يَدْرِي مَوْضِعَهَا، أَوْ جُعِلَتْ عِنْدَهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؟ وَإِنْ كَانَ أَقَرَّ بِلَا تَهْدِيدٍ وَلَا عَذَابٍ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِ - أَخْرَجَ السَّرِقَةَ، أَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا - لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ. وَأَمَّا قَوْلُ رَبِيعَةَ " أَنْ لَا يُؤْخَذَ الْمُكْرَهُ بِاعْتِرَافٍ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ وَجْهُ الْبَيِّنَةِ وَالْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ صَاحِبُ تِلْكَ السَّرِقَةِ " فَقَوْلٌ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ، أَنَّهُ إذَا جَاءَ بِبَيَانٍ يَتَيَقَّنُ بِهِ - دُونَ شَكٍّ - أَنَّهُ سَرَقَهَا، فَالْقَطْعُ وَاجِبٌ - وَسَوَاءٌ حِينَئِذٍ أَقَرَّ تَحْتَ الْعَذَابِ أَوْ دُونَ عَذَابٍ - وَكَذَلِكَ لَوْ عُذِّبَ أَوْ أَقَرَّ، وَجَاءَتْ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ يَسْرِقُ لَوَجَبَ قَطْعُ يَدِهِ بِالسَّرِقَةِ، لَا بِإِقْرَارِهِ، وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ إحْضَارَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ لَيْسَ بَيَانًا فِي أَنَّهُ هُوَ سَرَقَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ، وَلَا يَحِلُّ قَطْعُ يَدِ مُسْلِمٍ بِالظَّنِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالظَّنُّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِحَضْرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَائِر الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُ قَطْعٌ إلَّا قَطْعٌ بِإِقْرَارٍ مُجَرَّدٍ دُونَ إحْضَارِ السَّرِقَةِ، وَأَنَّ السَّرِقَةَ إنَّمَا وُجِدْت عِنْدَ الصَّائِغِ، أَوْ عِنْدَهُ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تُوضَعُ فِي رَحْلِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ

стр. 5241

عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: إنِّي سَرَقْت، فَرَدَّهُ، فَقَالَ: إنِّي سَرَقْت، فَقَالَ: شَهِدْت عَلَى نَفْسِكَ مَرَّتَيْنِ، فَقَطَعَهُ - قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَرَأَيْت يَدَهُ فِي عُنُقِهِ مُعَلَّقَةً. وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: رَجُلٌ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: حَسْبُهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: إنَّمَا أَوْرَدْنَا هَذَا لِئَلَّا يَشْغَبُوا فِيمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ إحْضَارِ السَّرِقَةِ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، فَأَوْجَدْنَاهُمْ عَنْ عَلِيٍّ أَصَحَّ مِمَّا وَجَدُوا لِابْنِ عُمَرَ قَطْعًا، بِغَيْرِ إحْضَارِ السَّرِقَةِ، وَكَذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ - وَإِلَّا فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يَرَى دَرْءَ الْحَدِّ عَنْ السَّارِقِ بِرُجُوعِهِ: أَنَّهُ إنْ أَقَرَّ ثُمَّ رَجَعَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، لَكِنْ يَغْرَمُ السَّرِقَةَ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَهَا مِنْهُ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَخَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِشَيْءٍ إلَّا عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ؟ قُلْنَا: فَلَا يَخْلُو إقْرَارُهُ ذَلِكَ ضَرُورَةً مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ، لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ مَا ذَكَرَ - أَوْ يَكُونَ كَاذِبًا فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَقَدْ عَطَّلُوا الْفَرْضَ، إذْ لَمْ يُنَفِّذُوا عَلَيْهِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ قَطْعِ - يَدِ السَّارِقِ - وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدْ ظَلَمُوهُ، إذْ غَرَّمُوهُ مَا لَمْ يَجِبْ لَهُ عِنْدَهُ قَطُّ، وَلَا صَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ، فَهُمْ بَيْنَ تَعْطِيلِ الْفَرْضِ، أَوْ ظُلْمٍ فِي إبَاحَةِ مَالٍ مُحَرَّمٍ - وَكِلَاهُمَا لَا يَحِلُّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة أختلاف الشَّهَادَة فِي السَّرِقَة] ٢٢٨٠ - مَسْأَلَةٌ: اخْتِلَافُ الشَّهَادَةِ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو ثَوْرٍ: إنْ اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: سَرَقَ بَقَرَةً، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ ثَوْرًا - أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: سَرَقَ بَقَرَةً حَمْرَاءَ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ سَوْدَاءَ - أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: سَرَقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَا قَطَعَ عَلَيْهِ - فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: سَرَقَ بَقَرَةً حَمْرَاءَ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ سَوْدَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ قَالَ: أَحَدُ الشَّاهِدِينَ: سَرَقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ يَوْمَ

стр. 5242

الْجُمُعَةِ، وَقَالَ اثْنَانِ: زَنَى يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقَالَ اثْنَانِ: بَلْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَدْ بَطَلَ عَنْهُ حَدُّ السَّرِقَةِ، وَحَدُّ الزِّنَى. قَالَ: فَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَذَفَ زَيْدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ الْآخَرُ: قَذَفَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ - أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: شَرِبَ الْخَمْرَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ، وَحَدُّ الْخَمْرِ. وَهَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَاهُ لِنُرِيَ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - مَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ، وَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ خَيْرًا، بُطْلَانَ أَقْوَالِهِمْ فِي التَّشْبِيهِ، الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمْ أَصْلٌ لِقِيَاسِهِمْ الْبَاطِلِ، وَأَنَّهُ مَنْ مَيَّزَهُ لَمْ يَعْجِزْ أَنْ يُعَارِضَ عِلَلَهُمْ بِمِثْلِهَا، أَوْ بِأَقْوَى مِنْهَا؟ فَنَقُولُ لِجَمِيعِهِمْ: أَخْبِرُونَا عَمَّنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِأَنَّهُ سَرَقَ بَقَرَةً حَمْرَاءَ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَيْضَاءَ - وَعَمَّنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِأَنَّهُ قَذَفَ زَيْدًا، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمْسِ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ الْيَوْمَ - أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: شَرِبَ خَمْرًا أَمْسِ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ الْيَوْمَ - أَهَذِهِ الشَّهَادَةُ عَلَى سَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ؟ أَوْ عَلَى سَرِقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ؟ وَعَلَى قَذْفٍ وَاحِدٍ، أَمْ عَلَى قَذَفَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ؟ وَعَلَى شُرْبٍ وَاحِدٍ، أَمْ عَلَى شُرْبَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ؟ فَإِنْ قَالُوا: بَلْ عَلَى سَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَشُرْبٍ وَاحِدٍ، وَقَذْفٍ وَاحِدٍ، كَابَرُوا الْعِيَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشُكُّ ذُو حِسٍّ سَلِيمٍ فِي أَنَّ شُرْبَ يَوْمِ الْخَمِيسِ لَيْسَ هُوَ شُرْبَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ شُرْبٌ آخَرُ - وَأَنَّ سَرِقَةَ بَقَرَةٍ صَفْرَاءَ لَيْسَتْ هِيَ سَرِقَةُ بَقَرَةٍ سَوْدَاءَ، وَإِنَّمَا هِيَ سَرِقَةٌ أُخْرَى؟ وَإِنْ قَالُوا: بَلْ هِيَ سَرِقَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، وَشُرْبَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَقَذْفَانِ مُخْتَلِفَانِ مُتَغَايِرَانِ؟ قِيلَ لَهُمْ: فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الشَّهَادَاتِ بِزِنًا مُخْتَلِفٍ، أَوْ بِسَرِقَةِ ثَوْرٍ، أَوْ بَقَرَةٍ، أَوْ بِاخْتِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي الْمَكَانِ - وَهَذَا مَا لَا سَبِيلَ لَهُمْ مِنْهُ إلَى التَّخَلُّصِ أَصْلًا، لَا بِنَصِّ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ - فَسَقَطَ بِيَقِينٍ قَوْلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُ مَنْ سَاوَى بَيْنَهُمَا، فَرَاعَى الِاخْتِلَافَ فِي كُلِّ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يُرَاعِ الِاخْتِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَوَجَدْنَا مَنْ رَاعَى الِاخْتِلَافَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ: إذَا

стр. 5243

اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي صِفَةِ الْمَسْرُوقِ، أَوْ فِي زَمَانِهِ، أَوْ فِي مَكَانِهِ فَإِنَّمَا حَصَلَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِعْلَانِ مُتَغَايِرَانِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَإِنَّمَا حَصَلَ عَلَى فِعْلِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ - وَكَذَلِكَ الْقَذْفُ، فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ حَدِّ قَذْفٍ، وَلَا حَدِّ خَمْرٍ، بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ - فَهَذِهِ حُجَّتُهُمْ، مَا لَهُمْ حُجَّةٌ غَيْرُهَا. فَنَظَرْنَا فِيهَا فَوَجَدْنَاهَا لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُضْبَطَ فِي الشَّهَادَةِ، وَيُطْلَبَ بِهِ الشَّاهِدُ، إنَّمَا هُوَ مَا لَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ إلَّا بِهِ، وَاَلَّذِي إنْ نَقَصَ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةٌ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي إنْ اخْتَلَفَ الشَّاهِدُ فِيهِ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتِمَّ. وَأَمَّا مَا لَا مَعْنَى لِذِكْرِهِ فِي الشَّهَادَةِ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهَا، وَتَتِمُّ الشَّهَادَةُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ - وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِيهِ، أَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا، وَسَوَاءٌ ذَكَرُوهُ، أَوْ لَمْ يَذْكُرُوهُ - وَاخْتِلَافُهُمْ فِيهِ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى لَيْسَتْ مِنْ الشَّهَادَةِ فِي شَيْءٍ، وَلَا فَرْقَ، فَلَمَّا وَجَبَ هَذَا كَانَ ذِكْرُ اللَّوْنِ فِي الشَّهَادَةِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَكَانَ أَيْضًا ذِكْرُ الْوَقْتِ فِي الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا وَفِي السَّرِقَةِ، وَفِي الْقَذْفِ، وَفِي الْخَمْرِ لَا مَعْنَى لَهُ - وَكَانَ أَيْضًا ذِكْرُ الْمَكَانِ فِي كُلِّ ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ، فَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ كَاتِّفَاقِهِمْ، كَسُكُوتِهِمْ، وَلَا فَرْقَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي كُلِّ ذَلِكَ تَامَّةٌ دُونَ ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا حُكْمُ الشَّهَادَةِ؟ وَحَسْبُ الشُّهُودِ أَنْ يَقُولُوا: إنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةِ أَجْنَبِيَّةٍ نَعْرِفُهَا، أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِهَا، رَأَيْنَا ذَلِكَ فَقَطْ، وَمَا نُبَالِي قَالُوا: إنَّهَا سَوْدَاءُ، أَوْ بَيْضَاءُ، أَوْ زَرْقَاءُ أَوْ كَحْلَاءُ مُكْرَهَةٌ، أَوْ طَائِعَةٌ، أَمْسِ، أَوْ الْيَوْمِ، أَوْ مُنْذُ سَنَةٍ بِمِصْرَ، أَوْ بِبَغْدَادَ. وَكَذَلِكَ - لَوْ اخْتَلَفُوا فِي لَوْنِ ثَوْبِهِ حِينَئِذٍ، أَوْ لَوْنِ عِمَامَتِهِ. وَكَذَلِكَ - حَسْبُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: سَرَقَ رَأْسًا مِنْ الْبَقَرِ مُخْتَفِيًا بِأَخْذِهِ، وَلَا عَلَيْهِمَا أَنْ يَقُولَا: أَقْرَنُ، أَوْ أَعْضَبُ، أَوْ أَبْتَرُ، أَوْ وَافِي الذَّنَبَ أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ - وَهَكَذَا فِي الْقَذْفِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلَا فَرْقَ. فَصَحَّ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي كُلِّ ذَلِكَ تَامَّةٌ مَعَ اخْتِلَافِ الشُّهُودِ، وَمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ فِي الشَّهَادَةِ، إذَا اقْتَضَتْ شَهَادَتُهُمْ وُجُودَ الزِّنَا مِنْهُ، أَوْ وُجُودَ السَّرِقَةِ، أَوْ وُجُودَ الْقَذْفِ مِنْهُ، أَوْ وُجُودَ شُرْبِ الْخَمْرِ مِنْهُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ اتَّفَقُوا فِي ذَلِكَ.

стр. 5244

وَهَذَا هُوَ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ، فَإِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَدَّ فِي كُلِّ ذَلِكَ بِوُقُوعِ الزِّنَا، وَوُجُوبِ السَّرِقَةِ، أَوْ الْقَذْفِ، وَأَثْبَتَ الْأَرْبَعَةُ الزِّنَا فَقَدْ وَجَبَ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ لَا تَقْبَلُوا الشَّهَادَةَ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَى زِنًا وَاحِدٍ، فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَعَلَى سَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فِي مَكَان وَاحِدٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَتَاللَّهِ، لَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لَمَا أَهْمَلَهُ، وَلَا أَغْفَلَهُ حَتَّى يُبَيِّنَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَحَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا. فَصَحَّ أَنَّ مَا اشْتَرَطُوهُ مِنْ ذَلِكَ خَطَأٌ لَا مَعْنَى لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: فَلْيَعْلَمُوا أَنَّ قَوْلَهُمْ: لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَا نَذْكُرُهُ عَنْ تَابِعٍ، إلَّا شَيْئًا وَرَدَ عَنْ قَتَادَةَ: وَحَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، فِي رَجُلٍ شَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَنَّهُ سَرَقَ بِأَرْضٍ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ آخَرُ بِأَنَّهُ سَرَقَ بِأَرْضٍ أُخْرَى؟ قَالَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِمَّنْ نَعْلَمُهُ أَعْلَى مِنْ قَتَادَةَ خِلَافُ هَذَا: كَمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ وَحْدَهُ فِي السَّرِقَةِ - وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَ هَذَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ - وَإِنْ كُنَّا لَا نَقُولُ بِهِ - وَلَكِنْ لَنُرِيهِمْ أَنَّ تَمْوِيهَهُمْ بِأَنَّهَا شَهَادَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ: كَلَامٌ فَاسِدٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة السَّرِقَة عِنْد الضرورة] ٢٢٨١ - مَسْأَلَةٌ: الْقَطْعُ فِي الضَّرُورَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ حَدَّثَنَا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا تُقْطَعُ فِي عِذْقٍ، وَلَا فِي عَامِ السَّنَةِ. وَبِهِ - إلَى مَعْمَرٍ عَنْ أَبَانَ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي نَاقَةٍ نُحِرَتْ،

стр. 5245

فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ لَكَ فِي نَاقَتَيْنِ عِشْرَاوَيْنِ، مُرْتِعَتَيْنِ، سَمِينَتَيْنِ، بِنَاقَتِكَ؟ فَإِنَّا لَا نَقْطَعُ فِي عَامِ السَّنَةِ - وَالْمُرْتِعَتَانِ: الْمُوَطَّأَتَانِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ سَرَقَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُ، فَإِنْ أَخَذَ مِقْدَارَ مَا يَغِيثُ بِهِ نَفْسَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ حَقَّهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا شَيْئًا وَاحِدًا فَفِيهِ فَضْلٌ كَثِيرٌ، كَثَوْبٍ وَاحِدٍ أَوْ لُؤْلُؤَةٍ، أَوْ بَعِيرٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَأَخْذُهُ كَذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ فَضْلَهُ لِمَنْ فَضَلَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى فَضْلِ قُوَّتِهِ مِنْهُ، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى مِقْدَارِ قُوَّتِهِ يُبَلِّغُهُ إلَى مَكَانِ الْمَعَاشِ فَأَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مُمَكَّنٌ لَا يَأْخُذُهُ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِنْ فُرِضَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَخْذُ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ فِي مَعَاشِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ قَاتِلٌ نَفْسَهُ، وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَهُوَ عُمُومٌ لِكُلِّ مَا اقْتَضَاهُ لَفْظُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة السَّرِقَة مِنْ ذِي رَحِم محرم] ٢٢٨٢ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ سَرَقَ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَصْحَابُهُمْ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ: إنْ سَرَقَ الْأَبَوَانِ مِنْ مَالِ ابْنِهِمَا، أَوْ بِنْتِهِمَا فَلَا قَطَعَ عَلَيْهِمَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَذَلِكَ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ - كَيْفَ كَانُوا - لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ فِيمَا سَرَقُوهُ مِنْ مَالِ مَنْ تَلِيهِ وِلَادَتِهِمْ. وَقَالَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ - حَاشَا مَالِكًا، وَأَبَا ثَوْرٍ: لَا قَطْعَ عَلَى الْوَلَدِ، وَلَا عَلَى الْبِنْتِ فِيمَا سَرَقَاهُ مِنْ مَالِ الْوَالِدَيْنِ، أَوْ الْأَجْدَادِ، أَوْ الْجَدَّاتِ، قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهِمَا الْقَطْعُ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَا قَطْعَ عَلَى كُلِّ مَنْ سَرَقَ مَالًا لِأَحَدٍ مِنْ رَحِمِهِ الْمَحْرَمَةِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْقَطْعُ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ وَلَدِهِ، أَوْ مِنْ وَالِدَيْهِ، أَوْ مِنْ جَدَّتِهِ، أَوْ مِنْ جَدِّهِ، أَوْ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ، أَوْ غَيْرِ مَحْرَمَةٍ. وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ أَنَّهُ يُقْطَعُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ ذِي رَحِمِهِ غَيْرِ الْمَحْرَمَةِ، وَفِيمَا سَرَقَ مِنْ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَابْنَتِهِ وَابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَإِخْوَتِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ؟

стр. 5246

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا، وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتَّبِعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ أَسْقَطَ الْقَطْعَ عَنْ الْأَبَوَيْنِ فِي مَالِ الْوَلَدِ إذَا سَرَقَهُ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِالثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» قَالُوا: فَإِنَّمَا أَخَذَ مَالَهُ. وَقَالُوا: لَوْ قَتَلَ ابْنَهُ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، وَلَوْ زَنَى بِأَمَةِ ابْنِهِ لَمْ يُحَدَّ لِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِهِ - قَالَ: وَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يُعَفِّفَ أَبَاهُ إذَا احْتَاجَ إلَى النَّاسِ فَلَهُ فِي مَالِهِ حَقٌّ بِذَلِكَ. وَقَالُوا: لَهُ فِي مَالِهِ حَقٌّ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ كُلِّفَ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ. وَقَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلَى قَوْلِهِ: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] فَلَيْسَ قَطْعُ أَيْدِيهِمَا فِيمَا أُخِذَ مِنْ مَالِهِ رَحْمَةٌ؟ فَهَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ - وَكُلُّ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ، بَلْ هُوَ عَلَيْهِمْ، كَمَا نُبَيِّنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَمَّا مَا ذَكَرُوا مِنْ الْقُرْآنِ فَحَقٌّ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَوْا مِنْ إسْقَاطِ الْقَطْعِ فِيمَا سَرَقُوا مِنْ مَالِ الْوَلَدِ، وَلَا عَلَى إسْقَاطِ الْجَلْدِ، وَالرَّجْمِ، أَوْ التَّغْرِيبِ - إذَا زَنَى بِجَارِيَةِ الْوَلَدِ - وَلَا عَلَى إسْقَاطِ الْحَدِّ - إذَا قَذَفَ الْوَلَدَ - وَلَا عَلَى إسْقَاطِ الْمُحَارَبَةِ - إذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى الْوَلَدِ. أَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْإِحْسَانَ إلَيْهِمَا، كَمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا أَيْضًا لِغَيْرِنَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] .

стр. 5247

فَإِنْ كَانَتْ مُقَدِّمَةُ الْآيَةِ حُجَّةً بِوُجُوبِ الْإِحْسَانِ إلَى الْأَبَوَيْنِ فِي إسْقَاطِ الْقَطْعِ عَنْهُمَا - إذَا سَرَقَا مِنْ مَالِ الْوَلَدِ - فَهِيَ حُجَّةٌ أَيْضًا - وَلَا بُدَّ - فِي إسْقَاطِ الْقَطْعِ عَنْ كُلِّ ذِي قُرْبَى، وَعَنْ ابْن السَّبِيلِ، وَعَنْ الْجَارِ الْجُنُبِ، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ - إذَا سَرَقُوا مِنْ أَمْوَالِنَا - وَهَذَا مَا لَا يَقُولُونَهُ؟ فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ، وَبَطَلَ احْتِجَاجُهُمْ بِالْآيَةِ. وَأَيْضًا - فَالْأَمْرُ بِالْإِحْسَانِ لَيْسَ فِيهِ مَنْعٌ مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ، بَلْ إقَامَتُهَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ، بِنَصِّ الْقُرْآنِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] وَقَدْ أَمَرَنَا بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ، فَإِقَامَتُهَا عَلَى مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ إحْسَانٌ إلَيْهِ، وَإِنَّهَا تَكْفِيرٌ وَتَطْهِيرٌ لِمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ. وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ إمَامًا لَوْ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ أُمٌّ فَسَرَقَا، فَإِنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ إقَامَةُ الْقَطْعِ عَلَيْهِمَا. فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِالْآيَةِ جُمْلَةً وَصَحَّ أَنَّهَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] فَحَقٌّ - وَمِنْ الشُّكْرِ إقَامَةُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا، وَلَيْسَ يَقْتَضِي شُكْرُهُمَا إسْقَاطُ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِمَا وَاَلَّذِي أَمَرَ بِشُكْرِهِمَا - تَبَارَكَ اسْمُهُ - هُوَ الَّذِي يَقُولُ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] . فَصَحَّ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقِيَامِ عَلَيْهِمْ بِالْقِسْطِ، وَبِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ. وَمِنْ الْقِيَامِ بِالْقِسْطِ إقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] الْآيَةَ فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إسْقَاطُ الْحَدِّ عَنْهُمْ فِي سَرِقَةٍ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وَلَمْ يَكُنْ وُجُوبُ الرَّحْمَةِ لِبَعْضِنَا مُسْقِطًا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ. فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ جُمْلَةً. وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ: أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مَنْسُوخٌ، قَدْ صَحَّ نَسْخُهُ بِآيَاتِ الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا.

стр. 5248

وَأَوَّلُ مَنْ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْخَبَرِ: فَالْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ الْأَبَ إذَا أَخَذَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ دِرْهَمًا - وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ - فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِرَدِّهِ، أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ - كَمَا يُقْضَى بِذَلِكَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَلَا فَرْقَ، وَلَوْ كَانَ مَالُ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ لَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِرَدِّ مَا أُخِذَ مِنْهُ. فَإِذْ قَدْ صَحَّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مَنْسُوخٌ، وَصَحَّ أَنَّ مَالَ الْوَلَدِ لِلْوَلَدِ لَا لِلْوَالِدِ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ كَمَالِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَا فَرْقَ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ لِلْوَالِدَيْنِ حَقًّا فِي مَالِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا احْتَاجَا أُجْبِرَ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمَا، وَعَلَى أَنْ يَعِفَّ أَبَاهُ، فَإِذْ لَهُ فِي مَالِهِ حَقٌّ، فَلَا يُقْطَعُ فِيمَا سَرَقَ مِنْهُ: فَهَذَا تَمْوِيهٌ ظَاهِرٌ وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَحَدٌ فِي أَنَّ الْوَالِدَيْنِ إذَا احْتَاجَا فَأَخَذَا مِنْ مَالِ وَلَدِهِمَا حَاجَتَهُمَا بِاخْتِفَاءٍ أَوْ بِقَهْرٍ أَوْ كَيْفَ أَخَذَاهُ - فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، فَإِنَّمَا أَخَذَا حَقَّهُمَا - وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيهِمَا إذَا أَخَذَا مَا لَا حَاجَةَ بِهِمَا إلَيْهِ - إمَّا سِرًّا وَإِمَّا جَهْرًا - فَاحْتِجَاجُهُمَا بِمَا لَيْسَ مِنْ مَسْأَلَتِهِمَا تَمْوِيهٌ. وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عِنْدَ أَحَدٍ، فَأَخَذَ مِنْ مَالِهِ مِقْدَارَ حَقِّهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِرَدِّهِ - فَلَوْ كَانَ وُجُوبُ الْحَقِّ لِلْأَبَوَيْنِ فِي مَالِ الْوَلَدِ إذَا احْتَاجَا إلَيْهِ مُسْقِطًا لِلْقَطْعِ عَنْهُمَا إذَا سَرَقَا مِنْ مَالِهِ مَا لَا يَحْتَاجَانِ إلَيْهِ وَلَا حَقَّ لَهُمَا فِيهِ، لَوَجَبَ ضَرُورَةً أَنْ يَسْقُطَ الْقَطْعُ عَنْ الْغَرِيمِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ فِي مَالِ غَرِيمِهِ إذَا سَرَقَ مِنْهُ مَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ - وَهَذَا لَا يَقُولُونَهُ. فَبَطَلَ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَوْ قَتَلَ ابْنَهُ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، وَلَوْ قَطَعَ لَهُ عُضْوًا أَوْ كَسَرَهُ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ، وَلَوْ قَذَفَ لَمْ يُحَدَّ لَهُ، وَلَوْ زَنَى بِأَمَتِهِ لَمْ يُحَدَّ، فَكَذَلِكَ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِهِ لَمْ يُحَدَّ؟ فَكَلَامٌ بَاطِلٌ، وَاحْتِجَاجٌ لِلْخَطَأِ بِالْخَطَأِ. بَلْ لَوْ قَتَلَ ابْنَهُ لَقُتِلَ بِهِ، وَلَوْ قَطَعَ لَهُ عُضْوًا أَوْ كَسَرَهُ لَاقْتُصَّ مِنْهُ، وَلَوْ قَذَفَهُ لَحُدَّ لَهُ، وَلَوْ زَنَى بِأَمَتِهِ لَحُدَّ كَمَا يُحَدُّ الزَّانِي - وَقَدْ بَيَّنَّا كُلَّ هَذَا فِي أَبْوَابِهِ فِي " كِتَابِ الدِّمَاءِ، وَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الزِّنَا وَحَدِّ الْقَذْفِ ". قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ حُجَّةٌ أَصْلًا، فَالْوَاجِبُ أَنْ نَرْجِعَ عِنْدَ

стр. 5249

التَّنَازُعُ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ الرُّجُوعَ إلَيْهِ، إذْ يَقُولُ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ فَفَعَلْنَا: فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . وَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَوْجَبَ الْقَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ، وَقَالَ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» ؟ . فَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ ﷺ ابْنًا مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَلَا خَصَّ فِي الْأَمْوَالِ مَالَ أَجْنَبِيٍّ مِنْ مَالِ ابْنٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ تَخْصِيصَ الْأَبِ مِنْ الْقَطْعِ لَمَا أَغْفَلَهُ وَلَا أَهْمَلَهُ، قَالَ تَعَالَى ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فَصَحَّ أَنَّ الْقَطْعَ وَاجِبٌ عَلَى الْأَبِ، وَالْأُمِّ، إذَا سَرَقَا مِنْ مَالِ ابْنِهِمَا مَا لَا حَاجَةَ بِهِمَا إلَيْهِ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ احْتَجَّ بِهِ مَنْ رَأَى إسْقَاطَ الْقَطْعِ عَنْ الِابْنِ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ أَبَوَيْهِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] الْآيَةَ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] . قَالَ: فَإِبَاحَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْأَكْل مِنْ بُيُوتِ هَؤُلَاءِ يَقْتَضِي إبَاحَةَ دُخُولِ مَنَازِلِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَإِذَا جَازَ لَهُمْ دُخُولُ مَنَازِلِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ لَمْ يَكُنْ مَالُهُمْ مُحْرَزًا عَنْهُمْ، وَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ. وَقَالُوا أَيْضًا: فَإِنَّ إبَاحَةَ الْأَكْلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ تَمْنَعُهُمْ وُجُوبَ الْقَطْعِ لِمَا لَهُمْ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ، كَالشَّرِيكِ. قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِنَّ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمَةَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى ذِي رَحِمِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَصَارَ لَهُ بِذَلِكَ حَقٌّ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ، فَأَشْبَهَ السَّارِقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.

стр. 5250

قَالُوا: وَلَمَّا كَانَ مُحْتَاجًا إلَى مَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، فَلِذَلِكَ يَسْقُطُ الْقَطْعُ عَنْ الْيَدِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ أَصْلًا، عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَمَّا الْآيَةُ فَحَقٌّ، وَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرُوا، بَلْ هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ كَذَبُوا فِيهَا أَيْضًا: أَمَّا كَوْنُهَا لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى مَا ادَّعُوهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إسْقَاطُ الْقَطْعِ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ هَؤُلَاءِ - لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ - وَإِنَّمَا فِيهَا إبَاحَةُ الْأَكْلِ لَا إبَاحَةُ الْأَخْذِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ؟ فَإِذَا قَالُوا: قِسْنَا الْأَخْذَ عَلَى الْأَكْلِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى نَظِيرِهِ فِي الْعِلَّةِ أَوْ فِي شَبَهٍ بِوَجْهِ مَا، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ - لَا مُجِيزُ قِيَاسٍ وَلَا مَانِعٌ - قِيَاسُ الضِّدِّ عَلَى ضِدِّهِ، وَلَا مُضَادَّةَ أَكْثَرَ وَمِنْ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، وَأَنْتُمْ مُجْمِعُونَ - مَعَنَا وَمَعَ النَّاسِ - عَلَى أَنَّ الْأَخْذَ لِعُرُوضِ الْأَخِ، وَالْأُخْتِ، وَالْعَمِّ، وَالْعَمَّةِ، وَالْخَالِ، وَالْخَالَةِ، وَالْأَبِ، وَالْأُمِّ، وَالصَّدِيقِ، مِنْ بُيُوتِهِمْ، وَنَقْلُ مَا فِيهَا حَرَامٌ، وَأَنَّ الْأَكْلَ حَلَالٌ، فَكَيْفَ اسْتَحْلَلْتُمْ قِيَاسَ حُكْمِ الْحَرَامِ الْمَمْنُوعِ عَلَى حُكْمِ الْحَلَالِ الْمُبَاحِ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الْآيَةِ، وَكَذِبُهُمْ فِيهَا، قَوْلُ هَذَا الْجَاهِلِ الْمُقَدَّمِ " إنَّ إبَاحَةَ اللَّهِ تَعَالَى الْأَكْلَ مِنْ بُيُوتِ هَؤُلَاءِ يَقْتَضِي إبَاحَةَ دُخُولِ مَنَازِلِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ". فَلَيْتَ شِعْرِي أَيْنَ وَجَدُوا هَذَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا؟ فَيَدْخُلُ الصَّدِيقُ مَنْزِلَ صَدِيقِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؟ هَذَا عَجَبٌ مِنْ الْعَجَبِ، أَمَا سَمِعُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٨] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] . فَنَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَالِغٌ أَصْلًا عَلَى أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنٍ - وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ: الْأَبُ، وَالِابْنُ، وَغَيْرُهُمَا، حَاشَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُنَا، وَالْأَطْفَالَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَأْذِنُونَ إلَّا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثِ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة سَرِقَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْآخَرِ]

стр. 5251

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا قَطْعَ فِي ذَلِكَ - كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَيْسَ عَلَى زَوْجِ الْمَرْأَةِ فِي سَرِقَةِ مَتَاعِهَا قَطْعٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَا قَطْعَ عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ امْرَأَتِهِ وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ فِيمَا سَرَقَتْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَطْعُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الْآخَرِ مِنْ حِرْزٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا - كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالْآخَرُ - كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَالثَّالِثُ - أَنَّ الزَّوْجَ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِهَا قُطِعَتْ يَدُهُ، وَإِنْ سَرَقَتْ هِيَ مِنْ مَالِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرنَا نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا مَنْ لَا يَرَى الْقَطْعَ يَحْتَجُّ: بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَرَوَاهُ سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَزَادَ فِيهِ: كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مُسْلِمٍ ثني حَرْمَلَةُ ثني ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَر هَذَا الْحَدِيثَ. وَزَادَ فِيهِ «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» .

стр. 5252

قَالُوا: فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَمِينٌ فِي مَالِ الْآخَرِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ كَالْمُودَعِ. وَزَادَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْبَأُ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةً لَا نَعْرِفُهَا، وَلَفْظًا مَبْدُولًا، وَهُوَ «الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي مَالِ زَوْجِهَا وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ امْرَأَتِهِ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا. أَمَّا الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ فَحَقٌّ وَاجِبٌ لَا يَحِلُّ تَعَدِّيهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ ﵇ أَخْبَرَ: أَنْ كُلَّ مَنْ ذَكَرنَا رَاعٍ فِيمَا ذَكَرَ، وَأَنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عَمَّا اُسْتُرْعُوا مِنْ ذَلِكَ - فَإِذْ هُمْ مَسْئُولُونَ عَنْ ذَلِكَ فَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَمْ تُبَحْ لَهُمْ السَّرِقَةُ، وَالْخِيَانَةُ، فِيمَا اُسْتُوْدِعُوهُ وَأُسْلِمَ إلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ - إنْ لَمْ يَكُونُوا كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ وَالْأَبَاعِدِ وَمَنْ لَمْ يُسْتَرْعَ - فَهُمْ بِلَا شَكٍّ أَشَدُّ إثْمًا، وَأَعْظَمُ جُرْمًا، وَأَسْوَأُ حَالَةً مِنْ الْأَجْنَبِيِّينَ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَأَقَلُّ أُمُورِهِمْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّينَ وَلَا بُدَّ؟ فَهَذَا حُكْمُ هَذَا الْخَبَرِ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَأَيْضًا - فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ عَلَى مَنْ ذَكَرْنَا فِي الْخِيَانَةِ مَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّينَ مِنْ إلْزَامِ رَدِّ مَا خَانُوا وَضَمَانِهِ، وَهُمْ أَهْلُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، فَهَلَّا قَاسُوا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ السَّرِقَةِ وَالْقَطْعِ فِيهَا عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنْ حُكْمِ الْخِيَانَةِ، وَلَكِنَّهُمْ قَدْ قُلْنَا إنَّهُمْ لَا النُّصُوصَ اتَّبَعُوا وَلَا الْقِيَاسَ أَحْسَنُوا؟ وَأَيْضًا - فَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ أَصْلًا عَلَى تَرْكِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَالْقَوْلُ فِي الزِّيَادَةِ الَّتِي زَادُوهَا سَوَاءٌ - كَمَا ذَكَرْنَا - لَوْ صَحَّتْ وَلَا فَرْقَ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ " إنَّ كِلَيْهِمَا كَالْمُودَعِ، وَكَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي الدُّخُولِ " فَأَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْمُودَعَ إذَا سَرَقَ مِمَّا لَمْ يُودَعْ عِنْدَهُ لَكِنْ مِنْ مَالٍ لِمُودَعٍ آخَرَ فِي حِرْزِهِ، وَأَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي الدُّخُولِ لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ مُحْرَزٍ عَنْهُ لِلْمَدْخُولِ عَلَيْهِ الْإِذْنُ لَهُ فِي الدُّخُولِ لَوَجَبَ الْقَطْعُ عَلَيْهِمَا عِنْدَهُمْ بِلَا خِلَافٍ. فَيَلْزَمُهُمْ بِهَذَا التَّشْبِيهِ الْبَدِيعِ بِالضِّدِّ أَنْ لَا يُسْقِطُوا الْقَطْعَ عَنْ الزَّوْجَيْنِ فِيمَا سَرَقَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ إلَّا فِيمَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُحْرَزْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا لَمْ يَأْمَنْهُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ، وَأُحْرِزَ عَنْهُ، كَالْمُودَعِ وَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي الدُّخُولِ وَلَا فَرْقَ - وَهَذَا قِيَاسٌ لَوْ صَحَّ: قِيَاسُ سَاعَةٍ مِنْ الدَّهْرِ؟

стр. 5253

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - ثُمَّ نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، فَرَأَى عَلَيْهِ الْقَطْعَ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِهَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهَا الْقَطْعُ إذَا سَرَقَتْ مِنْ مَالِهِ. فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ " إنْ الرَّجُلَ لَا حَقَّ لَهُ فِي مَالِ الْمَرْأَةِ أَصْلًا، فَوَجَبَ الْقَطْعُ عَلَيْهِ إذَا سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَالْأَجْنَبِيِّ ". فَوَجَدْنَا الْمَرْأَة لَهَا فِي مَالِهِ حُقُوقًا مِنْ: صَدَاقٍ، وَنَفَقَةٍ، وَكِسْوَةٍ، وَإِسْكَانٍ، وَخِدْمَةٍ، فَكَانَتْ بِذَلِكَ كَالشَّرِيكِ - وَوَجَدْنَا «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ لِهِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ إذْ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَا يُعْطِيهَا مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا ﵇ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . قَالُوا: فَقَدْ أَطْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهَا عَلَى مَالِ زَوْجِهَا تَأْخُذُ مِنْهُ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا، فَهِيَ مُؤْتَمَنَةٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَوْدَعِ، وَلَا فَرْقَ. قَالُوا: وَالزَّوْجُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ الْقَلِيلِ مِنْ مَالِهَا وَالْكَثِيرِ عَلَيْهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا قَوْلُهُمْ - إنَّ لَهَا فِي مَالِهِ حُقُوقًا مِنْ صَدَاقٍ وَنَفَقَةٍ، وَكِسْوَةٍ، وَإِسْكَانٍ، وَخِدْمَةٍ. وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَطْلَقَ يَدَهَا عَلَى مَالِهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ حِرْزٍ أَوْ غَيْرِ حِرْزٌ، لِتَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ - إذَا لَمْ يُوَفِّهَا وَإِيَّاهُمْ حُقُوقَهُمْ - فَنَعَمْ، كُلُّ هَذَا حَقٌّ وَاجِبٌ، وَهَكَذَا نَقُولُ. وَلَكِنْ لَا يَشُكُّ ذُو مُسْكَةٍ مِنْ حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُطْلِقْ يَدَهَا عَلَى مَا لَا حَقَّ لَهَا فِيهِ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، وَلَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهَا، فَإِذْ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، فَإِبَاحَةُ

стр. 5254

اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ لِأَخْذِ الْحَقِّ وَالْمُبَاحِ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ أَصْلًا عَلَى إسْقَاطِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ أَخَذَ الْحَرَامَ غَيْرَ الْمُبَاحِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ، لَكَانَ شُرْبُ الْعَصِيرِ الْحَلَالِ مُسْقِطًا لِلْحَدِّ عَنْهُ، إذَا تَعَدَّى الْحَلَالَ مِنْهُ إلَى الْمُسْكِرِ الْحَرَامِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَهَا مَا أَخَذَتْ بِالْحَقِّ، وَعَلَيْهَا مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْقَطْعِ فِيمَا أَخَذَتْ بِوَجْهِ السَّرِقَةِ لِلْحَقِّ الْوَاجِبِ حُكْمُهُ، وَلِلْمُبَاحِ حُكْمُهُ، وَلِلْبَاطِلِ الْمُحَرَّمِ حُكْمُهُ ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] . وَهِيَ فِي ذَلِكَ كَالْأَجْنَبِيِّ - سَوَاءٌ سَوَاءٌ - يَكُونُ لَهُ حُقُوقٌ عِنْدَ السَّارِقِ، فَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ وَمِقْدَارَ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الَّذِي لَهُ عِنْدَهُ الْحَقُّ مِنْ حِرْزٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ - نَعَمْ، وَيُقَاتِلُهُ عَلَيْهِ إنْ مَنَعَهُ، وَيَحِلُّ لَهُ بِذَلِكَ دَمُهُ، وَهُوَ مَأْجُورٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ، فَإِنْ تَعَمَّدَ أَخْذَ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ، فَإِنْ تَعَمَّدَ أَخْذَهُ بِإِفْسَادِ طَرِيقٍ فَهُوَ مُحَارِبٌ، لَهُ حُكْمُ الْمُحَارَبِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مُجَاهِرًا غَيْرَ مُفْسِدٍ فِي الْأَرْضِ فَلَهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مُخْتَفِيًا فَلَهُ حُكْمُ السَّارِقِ، وَالْمُحَارَبِ. هَذَا وَالزَّوْجَةُ فِي مَالِ زَوْجِهَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخُصَّ إذْ أَمَرَ بِقَطْعِ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ زَوْجَةٌ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، وَلَا يَكُونَ زَوْجٌ مِنْ مَالِ زَوْجَتِهِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . فَصَحَّ يَقِينًا - أَنَّ الْقَطْعَ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ إذَا سَرَقَا مِنْ مَالِ ابْنِهِمَا، وَعَلَى الِابْنِ وَالْبِنْتِ إذَا سَرَقَا مِنْ مَالِ أَبِيهِمَا، وَأُمِّهِمَا، مَا لَمْ يُبَحْ لَهُمَا أَخْذُهُ. وَهَكَذَا كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ، أَوْ غَيْرِ مَحْرَمَةٍ، إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ ذِي رَحِمِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ ذِي رَحِمِهِ، مَا لَمْ يُبَحْ لَهُ أَخْذُهُ. فَالْقَطْعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ إذَا سَرَقَا مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ مَا لَمْ يُبَحْ لَهُ أَخْذُهُ كَالْأَجْنَبِيِّ وَلَا فَرْقَ - إذَا سَرَقَ مَا لَمْ يُبَحْ - وَهُوَ مُحْسِنٌ إنْ أَخَذَ مَا أُبِيحَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ حِرْزٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة هَلْ يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ] ٢٢٨٤ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ

стр. 5255

عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ حَدَّثَهُ، وَابْنَ سَابِطٍ الْأَحْوَلَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِعَبْدٍ قَدْ سَرَقَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا عَبْدٌ سَرَقَ وَأُخِذَتْ مَعَهُ سَرِقَتُهُ، وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ، أَيْتَامٌ، لَيْسَ لَهُمْ مَالٌ غَيْرَهُ، فَتَرَكَهُ، قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّانِيَةَ سَارِقًا، ثُمَّ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ الرَّابِعَةَ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ فِيهِ كَمَا قِيلَ لَهُ فِي الْأَوَّلِ، قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ السَّادِسَةَ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ السَّابِعَةَ، فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ الثَّامِنَةَ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ» . قَالَ الْحَارِثُ: أَرْبَعٌ بِأَرْبَعٍ، فَأُعْفَاهُ اللَّهُ أَرْبَعًا وَعَاقَبَهُ أَرْبَعًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ. وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ، أَنْ يَقُولُوا بِهِ، لَا سِيَّمَا وَهُمْ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا شُبْهَةَ أَقْوَى مِنْ خَبَرٍ وَارِدٍ يَعْمَلُونَ بِمِثْلِهِ، إذَا اشْتَهَوْا؟ وَتَاللَّهِ، إنَّ هَذَا الْخَبَرَ - عَلَى وَهْيِهِ - لَأَرْفَعُ أَوْ مِثْلُ خَبَرِ ابْنِ الْحَبَشِيِّ الَّذِي خَالَفُوا لَهُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ، وَأَيْمَنُ مِنْ خَبَرِ الْمِسْوَرِ الَّذِي أَسْقَطُوا بِهِ ضَمَانَ مَا أُتْلِفَ بِالْبَاطِلِ مِنْ مَالِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَخَالَفُوا بِهِ الْقُرْآنَ فِي إيجَابِهِ تَعَالَى الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْمُعْتَدِي بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى بِهِ، وَأَبَاحُوا بِهِ الْمَالَ بِالْبَاطِلِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَقَطْعُ السَّارِقِ وَاجِبٌ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ بِعُمُومِ الْقُرْآنِ كَمَا ذَكَرْنَا - وَحَسْبنَا اللَّهُ وَنَعَمْ الْوَكِيلُ. [مَسْأَلَة مِقْدَارُ مَا يَجِبُ فِيهِ قَطْعُ السَّارِقِ] ٢٢٨٥ - مَسْأَلَةٌ: مِقْدَارُ مَا يَجِبُ فِيهِ قَطْعُ السَّارِقِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مِقْدَارِ مَا يَجِبُ فِيهِ قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْطَعُ فِي كُلِّ مَا لَهُ قِيمَةٌ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَمَّا مِنْ الذَّهَبِ فَلَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِيهِ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ فَفِي كُلِّ مَا لَهُ قِيمَةٌ، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي دِرْهَمٍ أَوْ مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا فَصَاعِدًا.
следующие страницы →