Полный текст (5 355 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا قَطْعَ فِي ذَلِكَ - كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَيْسَ عَلَى زَوْجِ الْمَرْأَةِ فِي سَرِقَةِ مَتَاعِهَا قَطْعٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَا قَطْعَ عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ امْرَأَتِهِ وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ فِيمَا سَرَقَتْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَطْعُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الْآخَرِ مِنْ حِرْزٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا - كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالْآخَرُ - كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَالثَّالِثُ - أَنَّ الزَّوْجَ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِهَا قُطِعَتْ يَدُهُ، وَإِنْ سَرَقَتْ هِيَ مِنْ مَالِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرنَا نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا مَنْ لَا يَرَى الْقَطْعَ يَحْتَجُّ: بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» .
وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
وَرَوَاهُ سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَزَادَ فِيهِ: كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مُسْلِمٍ ثني حَرْمَلَةُ ثني ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَر هَذَا الْحَدِيثَ.
وَزَادَ فِيهِ «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» .
стр. 5252
قَالُوا: فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَمِينٌ فِي مَالِ الْآخَرِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ كَالْمُودَعِ.
وَزَادَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْبَأُ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةً لَا نَعْرِفُهَا، وَلَفْظًا مَبْدُولًا، وَهُوَ «الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي مَالِ زَوْجِهَا وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ امْرَأَتِهِ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا.
أَمَّا الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ فَحَقٌّ وَاجِبٌ لَا يَحِلُّ تَعَدِّيهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ ﵇ أَخْبَرَ: أَنْ كُلَّ مَنْ ذَكَرنَا رَاعٍ فِيمَا ذَكَرَ، وَأَنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عَمَّا اُسْتُرْعُوا مِنْ ذَلِكَ - فَإِذْ هُمْ مَسْئُولُونَ عَنْ ذَلِكَ فَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَمْ تُبَحْ لَهُمْ السَّرِقَةُ، وَالْخِيَانَةُ، فِيمَا اُسْتُوْدِعُوهُ وَأُسْلِمَ إلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ - إنْ لَمْ يَكُونُوا كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ وَالْأَبَاعِدِ وَمَنْ لَمْ يُسْتَرْعَ - فَهُمْ بِلَا شَكٍّ أَشَدُّ إثْمًا، وَأَعْظَمُ جُرْمًا، وَأَسْوَأُ حَالَةً مِنْ الْأَجْنَبِيِّينَ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَأَقَلُّ أُمُورِهِمْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّينَ وَلَا بُدَّ؟ فَهَذَا حُكْمُ هَذَا الْخَبَرِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَأَيْضًا - فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ عَلَى مَنْ ذَكَرْنَا فِي الْخِيَانَةِ مَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّينَ مِنْ إلْزَامِ رَدِّ مَا خَانُوا وَضَمَانِهِ، وَهُمْ أَهْلُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، فَهَلَّا قَاسُوا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ السَّرِقَةِ وَالْقَطْعِ فِيهَا عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنْ حُكْمِ الْخِيَانَةِ، وَلَكِنَّهُمْ قَدْ قُلْنَا إنَّهُمْ لَا النُّصُوصَ اتَّبَعُوا وَلَا الْقِيَاسَ أَحْسَنُوا؟ وَأَيْضًا - فَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ أَصْلًا عَلَى تَرْكِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَالْقَوْلُ فِي الزِّيَادَةِ الَّتِي زَادُوهَا سَوَاءٌ - كَمَا ذَكَرْنَا - لَوْ صَحَّتْ وَلَا فَرْقَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ " إنَّ كِلَيْهِمَا كَالْمُودَعِ، وَكَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي الدُّخُولِ " فَأَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْمُودَعَ إذَا سَرَقَ مِمَّا لَمْ يُودَعْ عِنْدَهُ لَكِنْ مِنْ مَالٍ لِمُودَعٍ آخَرَ فِي حِرْزِهِ، وَأَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي الدُّخُولِ لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ مُحْرَزٍ عَنْهُ لِلْمَدْخُولِ عَلَيْهِ الْإِذْنُ لَهُ فِي الدُّخُولِ لَوَجَبَ الْقَطْعُ عَلَيْهِمَا عِنْدَهُمْ بِلَا خِلَافٍ.
فَيَلْزَمُهُمْ بِهَذَا التَّشْبِيهِ الْبَدِيعِ بِالضِّدِّ أَنْ لَا يُسْقِطُوا الْقَطْعَ عَنْ الزَّوْجَيْنِ فِيمَا سَرَقَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ إلَّا فِيمَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُحْرَزْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا لَمْ يَأْمَنْهُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ، وَأُحْرِزَ عَنْهُ، كَالْمُودَعِ وَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي الدُّخُولِ وَلَا فَرْقَ - وَهَذَا قِيَاسٌ لَوْ صَحَّ: قِيَاسُ سَاعَةٍ مِنْ الدَّهْرِ؟
стр. 5253
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - ثُمَّ نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، فَرَأَى عَلَيْهِ الْقَطْعَ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِهَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهَا الْقَطْعُ إذَا سَرَقَتْ مِنْ مَالِهِ.
فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ " إنْ الرَّجُلَ لَا حَقَّ لَهُ فِي مَالِ الْمَرْأَةِ أَصْلًا، فَوَجَبَ الْقَطْعُ عَلَيْهِ إذَا سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَالْأَجْنَبِيِّ ".
فَوَجَدْنَا الْمَرْأَة لَهَا فِي مَالِهِ حُقُوقًا مِنْ: صَدَاقٍ، وَنَفَقَةٍ، وَكِسْوَةٍ، وَإِسْكَانٍ، وَخِدْمَةٍ، فَكَانَتْ بِذَلِكَ كَالشَّرِيكِ - وَوَجَدْنَا «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ لِهِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ إذْ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَا يُعْطِيهَا مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا ﵇ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» .
قَالُوا: فَقَدْ أَطْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهَا عَلَى مَالِ زَوْجِهَا تَأْخُذُ مِنْهُ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا، فَهِيَ مُؤْتَمَنَةٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَوْدَعِ، وَلَا فَرْقَ.
قَالُوا: وَالزَّوْجُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] الْآيَةَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ الْقَلِيلِ مِنْ مَالِهَا وَالْكَثِيرِ عَلَيْهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا قَوْلُهُمْ - إنَّ لَهَا فِي مَالِهِ حُقُوقًا مِنْ صَدَاقٍ وَنَفَقَةٍ، وَكِسْوَةٍ، وَإِسْكَانٍ، وَخِدْمَةٍ.
وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَطْلَقَ يَدَهَا عَلَى مَالِهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ حِرْزٍ أَوْ غَيْرِ حِرْزٌ، لِتَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ - إذَا لَمْ يُوَفِّهَا وَإِيَّاهُمْ حُقُوقَهُمْ - فَنَعَمْ، كُلُّ هَذَا حَقٌّ وَاجِبٌ، وَهَكَذَا نَقُولُ.
وَلَكِنْ لَا يَشُكُّ ذُو مُسْكَةٍ مِنْ حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُطْلِقْ يَدَهَا عَلَى مَا لَا حَقَّ لَهَا فِيهِ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، وَلَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهَا، فَإِذْ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، فَإِبَاحَةُ
стр. 5254
اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ لِأَخْذِ الْحَقِّ وَالْمُبَاحِ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ أَصْلًا عَلَى إسْقَاطِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ أَخَذَ الْحَرَامَ غَيْرَ الْمُبَاحِ.
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ، لَكَانَ شُرْبُ الْعَصِيرِ الْحَلَالِ مُسْقِطًا لِلْحَدِّ عَنْهُ، إذَا تَعَدَّى الْحَلَالَ مِنْهُ إلَى الْمُسْكِرِ الْحَرَامِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَهَا مَا أَخَذَتْ بِالْحَقِّ، وَعَلَيْهَا مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْقَطْعِ فِيمَا أَخَذَتْ بِوَجْهِ السَّرِقَةِ لِلْحَقِّ الْوَاجِبِ حُكْمُهُ، وَلِلْمُبَاحِ حُكْمُهُ، وَلِلْبَاطِلِ الْمُحَرَّمِ حُكْمُهُ ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] .
وَهِيَ فِي ذَلِكَ كَالْأَجْنَبِيِّ - سَوَاءٌ سَوَاءٌ - يَكُونُ لَهُ حُقُوقٌ عِنْدَ السَّارِقِ، فَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ وَمِقْدَارَ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الَّذِي لَهُ عِنْدَهُ الْحَقُّ مِنْ حِرْزٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ - نَعَمْ، وَيُقَاتِلُهُ عَلَيْهِ إنْ مَنَعَهُ، وَيَحِلُّ لَهُ بِذَلِكَ دَمُهُ، وَهُوَ مَأْجُورٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ، فَإِنْ تَعَمَّدَ أَخْذَ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ، فَإِنْ تَعَمَّدَ أَخْذَهُ بِإِفْسَادِ طَرِيقٍ فَهُوَ مُحَارِبٌ، لَهُ حُكْمُ الْمُحَارَبِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مُجَاهِرًا غَيْرَ مُفْسِدٍ فِي الْأَرْضِ فَلَهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مُخْتَفِيًا فَلَهُ حُكْمُ السَّارِقِ، وَالْمُحَارَبِ.
هَذَا وَالزَّوْجَةُ فِي مَالِ زَوْجِهَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخُصَّ إذْ أَمَرَ بِقَطْعِ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ زَوْجَةٌ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، وَلَا يَكُونَ زَوْجٌ مِنْ مَالِ زَوْجَتِهِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
فَصَحَّ يَقِينًا - أَنَّ الْقَطْعَ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ إذَا سَرَقَا مِنْ مَالِ ابْنِهِمَا، وَعَلَى الِابْنِ وَالْبِنْتِ إذَا سَرَقَا مِنْ مَالِ أَبِيهِمَا، وَأُمِّهِمَا، مَا لَمْ يُبَحْ لَهُمَا أَخْذُهُ.
وَهَكَذَا كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ، أَوْ غَيْرِ مَحْرَمَةٍ، إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ ذِي رَحِمِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ ذِي رَحِمِهِ، مَا لَمْ يُبَحْ لَهُ أَخْذُهُ.
فَالْقَطْعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ إذَا سَرَقَا مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ مَا لَمْ يُبَحْ لَهُ أَخْذُهُ كَالْأَجْنَبِيِّ وَلَا فَرْقَ - إذَا سَرَقَ مَا لَمْ يُبَحْ - وَهُوَ مُحْسِنٌ إنْ أَخَذَ مَا أُبِيحَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ حِرْزٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة هَلْ يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ]
٢٢٨٤ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ
стр. 5255
عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ حَدَّثَهُ، وَابْنَ سَابِطٍ الْأَحْوَلَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِعَبْدٍ قَدْ سَرَقَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا عَبْدٌ سَرَقَ وَأُخِذَتْ مَعَهُ سَرِقَتُهُ، وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ، أَيْتَامٌ، لَيْسَ لَهُمْ مَالٌ غَيْرَهُ، فَتَرَكَهُ، قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّانِيَةَ سَارِقًا، ثُمَّ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ الرَّابِعَةَ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ فِيهِ كَمَا قِيلَ لَهُ فِي الْأَوَّلِ، قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ السَّادِسَةَ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ السَّابِعَةَ، فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ الثَّامِنَةَ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ» .
قَالَ الْحَارِثُ: أَرْبَعٌ بِأَرْبَعٍ، فَأُعْفَاهُ اللَّهُ أَرْبَعًا وَعَاقَبَهُ أَرْبَعًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ.
وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ، أَنْ يَقُولُوا بِهِ، لَا سِيَّمَا وَهُمْ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا شُبْهَةَ أَقْوَى مِنْ خَبَرٍ وَارِدٍ يَعْمَلُونَ بِمِثْلِهِ، إذَا اشْتَهَوْا؟ وَتَاللَّهِ، إنَّ هَذَا الْخَبَرَ - عَلَى وَهْيِهِ - لَأَرْفَعُ أَوْ مِثْلُ خَبَرِ ابْنِ الْحَبَشِيِّ الَّذِي خَالَفُوا لَهُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ، وَأَيْمَنُ مِنْ خَبَرِ الْمِسْوَرِ الَّذِي أَسْقَطُوا بِهِ ضَمَانَ مَا أُتْلِفَ بِالْبَاطِلِ مِنْ مَالِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَخَالَفُوا بِهِ الْقُرْآنَ فِي إيجَابِهِ تَعَالَى الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْمُعْتَدِي بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى بِهِ، وَأَبَاحُوا بِهِ الْمَالَ بِالْبَاطِلِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَقَطْعُ السَّارِقِ وَاجِبٌ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ بِعُمُومِ الْقُرْآنِ كَمَا ذَكَرْنَا - وَحَسْبنَا اللَّهُ وَنَعَمْ الْوَكِيلُ.
[مَسْأَلَة مِقْدَارُ مَا يَجِبُ فِيهِ قَطْعُ السَّارِقِ]
٢٢٨٥ - مَسْأَلَةٌ: مِقْدَارُ مَا يَجِبُ فِيهِ قَطْعُ السَّارِقِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مِقْدَارِ مَا يَجِبُ فِيهِ قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْطَعُ فِي كُلِّ مَا لَهُ قِيمَةٌ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَمَّا مِنْ الذَّهَبِ فَلَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِيهِ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ فَفِي كُلِّ مَا لَهُ قِيمَةٌ، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي دِرْهَمٍ أَوْ مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا فَصَاعِدًا.
стр. 5256
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي دِرْهَمَيْنِ - أَوْ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ - فَصَاعِدًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَمَّا مِنْ الذَّهَبِ فَلَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ فَلَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِيمَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، فَإِنْ سَاوَى رُبْعَ دِينَارٍ أَوْ نِصْفَ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ، وَلَمْ يُسَاوِ - لِرُخْصِ الذَّهَبِ - ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَلَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِيهِ وَإِنْ سَاوَى ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَلَمْ يُسَاوِ عُشْرَ دِينَارٍ لِغَلَاءِ الذَّهَبِ فَلَا قَطْعَ فِيهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَمَّا مِنْ الذَّهَبِ فَلَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ، فَكُلُّ مَا يُسَاوِي رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، فَفِيهِ الْقَطْعُ، فَإِنْ سَاوَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ - أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ - وَلَا يُسَاوِي رُبْعَ دِينَارٍ لِغَلَاءِ الذَّهَبِ، أَوْ سَاوَى رُبْعَ دِينَارٍ وَلَمْ يُسَاوِ نِصْفَ دِرْهَمٍ - لِرُخْصِ الذَّهَبِ - فَالْقَطْعُ فِي كُلِّ ذَلِكَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَمَّا مِنْ الذَّهَبِ فَلَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ، وَتُقْطَعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ، فَإِنْ سَاوَى رُبْعَ دِينَارٍ وَلَمْ يُسَاوِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ سَاوَى ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَلَمْ يُسَاوِ رُبْعَ دِينَارٍ، قُطِعَ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ رُبْعَ دِينَارٍ وَلَا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا يُسَاوِيهَا فَصَاعِدًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي ثُلُثِ دِينَارٍ أَوْ مَا يُسَاوِيه فَصَاعِدًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي خَمْسَةِ دَرَاهِمَ أَوْ يُسَاوِيهَا فَصَاعِدًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي دِينَارِ ذَهَبٍ أَوْ مَا يُسَاوِيه فَصَاعِدًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي دِينَارِ ذَهَبٍ، أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ مَا يُسَاوِي أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ فَصَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يُسَاوِ لَا دِينَارًا وَلَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، لَمْ تُقْطَعْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ، أَوْ مَا يُسَاوِيهَا فَصَاعِدًا، وَلَا تُقْطَعُ فِي أَقَلَّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَوَجَدْنَا - مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ نا أَبِي نا الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْت أَبَا صَالِحٍ السَّمَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ
стр. 5257
الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» فَكَانَ هَذَا أَيْضًا نَصًّا بَيِّنًا جَلِيًّا عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ فِيمَا يَجِبُ الْقَطْعُ فِيهِ فِي السَّرِقَةِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ آخَرُ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ: فَوَجَدْنَا - مَا، ناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ نا أَشْعَثُ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» .
فَعَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ سَرِقَةٍ، وَلَمْ يَخُصَّ عَدَدًا مِنْ عَدَدٍ، وَلَوْ أَنَّهُ ﵇ أَرَادَ مِقْدَارًا مِنْ مِقْدَارٍ لَبَيَّنَهُ، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي النُّهْبَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، فَخَصَّ ذَاتَ الشَّرَفِ الَّتِي يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، وَلَمْ يَخُصَّ فِي الزِّنَى، وَلَا فِي السَّرِقَةِ، وَلَا فِي الْخَمْرِ.
فَكَانَتْ هَذِهِ النُّصُوصُ الْمُتَوَاتِرَةُ، الْمُتَظَاهِرَةُ، الْمُتَرَادِفَةُ، مُوَافَقَةً لِنَصِّ الْقُرْآنِ الَّذِي بِهِ عَرَّفَنَا اللَّهُ تَعَالَى مُرَادَهُ مِنَّا.
فَنَظَرْنَا، هَلْ نَجِدُ فِي السُّنَّةِ تَخْصِيصًا لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ؟ فَوَجَدْنَا الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ - كَمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ أَرِنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» .
وَبِهِ - إلَى مُسْلِمٍ نا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِي عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ
стр. 5258
عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» ؟ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَخَرَجَ الذَّهَبُ بِهَذَا الْخَبَرِ عَنْ جُمْلَةِ الْآيَةِ، وَعَنْ عُمُومِ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَوَجَبَ الْأَخْذُ بِكُلِّ ذَلِكَ، وَأَنْ يُسْتَثْنَى الذَّهَبُ عَنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ بِوَزْنِ مَكَّةَ فَصَاعِدًا، وَلَا تُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ خَاصَّةً.
ثُمَّ نَظَرْنَا - هَلْ نَجِدُ نَصًّا آخَرَ فِيمَا عَدَا الذَّهَبِ؟ إذْ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ ذِكْرُ قِيمَةٍ وَلَا ثَمَنٍ أَصْلًا، وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا فِيهِ ذِكْرُ حُكْمِ شَيْءٍ غَيْرِ عَيْنِ الذَّهَبِ، فَإِذَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ حَدَّثَنَا: قَالَ: نا عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى - هُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى - قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ «يَدَ السَّارِقِ لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَدْنَى مِنْ ثَمَنِ حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَوْمَئِذٍ ذُو ثَمَنٍ، وَأَنَّ يَدَ السَّارِقِ لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ» فَكَانَ هَذَا حَدِيثًا صَحِيحًا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَهُوَ مُسْنَدٌ؛ لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقْطَعُ يَدَ السَّارِقِ إلَّا فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ - لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ - فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَدِينَةِ - حَيْثُ كَانَتْ عَائِشَةُ، وَحَيْثُ شَهِدَتْ الْأَمْرَ - أَحَدٌ يَقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّرِقَاتِ، وَلَا يُحْتَجُّ بِفِعْلِ أَحَدٍ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحْدَهُ. فَصَحَّ بِهَذَا الْخَبَرِ أَحْكَامٌ ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهَا - أَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَجِبُ فِي سَرِقَةِ مَا سِوَى الذَّهَبِ - فِيمَا يُسَاوِي ثَمَنَ حَجْفَةٍ أَوْ تُرْسٍ - قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ دُونَ تَحْدِيدٍ.
وَالثَّانِي - أَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ أَصْلًا - وَهُوَ التَّافِهُ - لَا يُقْطَعُ فِيهِ أَصْلًا.
وَالثَّالِثُ - بَيَانُ كَذِبِ مَنْ ادَّعَى أَنَّ ثَمَنَ الْمِجَنِّ الَّذِي فِيهِ الْقَطْعُ، إنَّمَا هُوَ مِجَنٌّ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ الَّذِي سُرِقَ، فَقَطَعَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْ بِأَنَّ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ ثَمَنُ حَجْفَةٍ أَوْ تُرْسٍ، وَكِلَاهُمَا ذُو
стр. 5259
ثَمَنٍ، فَلَمْ يَخُصَّ التُّرْسَ دُونَ الْحَجْفَةِ، وَلَا الْحَجْفَةَ دُونَ التُّرْسِ، وَأَخْبَرَتْ أَنْ كِلَيْهِمَا ذُو ثَمَنٍ دُونَ تَحْدِيدِ الثَّمَنِ.
فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ يَقِينًا.
وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي الدِّينَارُ إنَّهُ بِوَزْنِ مَكَّةَ، فَلِمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ مِمَّا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الزَّهْرَانِيُّ نا أَبُو نُعَيْمٍ - هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ - نا سُفْيَانُ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ» . فَالْمِثْقَالُ الْمَكِّيُّ: اثْنَانِ وَثَمَانُونَ حَبَّةً مِنْ حُبِّ الشَّعِيرِ الْمُجْمَلِ - لَا تُنْتَخَبُ كَبِيرَةٌ وَلَا تُتَحَرَّ صَغِيرَةٌ - فَرُبْعُ دِينَارٍ: وَزْنُهُ عِشْرُونَ حَبَّةً وَنِصْفَ حَبَّةٍ - لَا قَطَعَ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ الْمَحْضِ الصِّرْفِ، الَّذِي لَا يَنْضَافُ إلَيْهِ خَلْطٌ يَظْهَرُ لَهُ فِيهِ أَثَرٌ - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - مِنْ وَرِقٍ، أَوْ نُحَاسٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة ذِكْرُ أَعْيَانِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْقَطْعِ]
٢٢٨٦ - مَسْأَلَةٌ: ذِكْرُ أَعْيَانِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْقَطْعِ بِاخْتِصَارٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» ؟ فَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إلَّا نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ هَكَذَا رَوَاهُ عَنْهُ الثِّقَاتُ الْأَئِمَّةُ: أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، وَحَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَجُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ لَا يَلْحَقُ بِهَؤُلَاءِ، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي اللَّفْظِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: قِيمَتُهُ - وَبَعْضُهُمْ قَالَ: ثَمَنُهُ.
وَرَوَاهُ بَعْضُ الثِّقَاتِ أَيْضًا عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ: قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ.
وَجَاءَ حَدِيثٌ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ رَاوِيهِ أَبُو حَرْمَلٍ - وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ - أَنَّ «جَارِيَةً سَرَقَتْ رِكْوَةَ خَمْرٍ لَمْ تَبْلُغْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَلَمْ يَقْطَعْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
стр. 5260
وَأَمَّا الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، فَلَمْ يُرْوَ إلَّا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَرُوِيَ عَنْهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ﷺ «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ» .
" وَالثَّانِي - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ «قَطَعَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، أَوْ قَالَ: الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ» .
وَالثَّالِثُ - «أَنَّهُ ﵇ يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ - حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسٍ» لَا فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ، أَوْ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ - وَلَمْ يَرْوِ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ بِاخْتِلَافِهَا عَنْهَا ﵂ إلَّا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَامْرَأَةُ عِكْرِمَةَ - لَمْ تُسَمَّ لَنَا -.
فَأَمَّا الْقَاسِمُ، فَأَوْقَفَهُ عَلَى عَائِشَةَ مِنْ لَفْظِهَا، وَلَمْ يُسْنِدْهُ، لَكِنْ أَنَّهَا قَالَتْ: السَّارِقُ تُقْطَعُ يَدُهُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ.
وَأَنْكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُهُ عَلَى مِنْ رَفَعَهُ وَخَطَأَهُ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ، فَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ إلَّا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ مُسْنَدًا، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ مُسْنَدًا، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ مُسْنَدًا.
وَأَمَّا الَّذِينَ رَوَوْا الْقَطْعَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ لَا فِي التَّافِهِ الَّذِي هُوَ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَتَحْدِيدُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَامْرَأَةِ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ مُسْنَدًا. وَأَمَّا حَدِيثُ الْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ الدِّينَارِ، فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَصْلًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ التَّمْوِيهُ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ، إنَّمَا فِيهِ مَوْصُولًا بِهِ ذِكْرُ الْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ أَيْضًا.
وَمِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَيْمَنُ كَذَلِكَ - وَهُوَ عَنْهُمْ صَحِيحٌ، إلَّا حَدِيثًا مَوْضُوعًا مَكْذُوبًا - لَا يُدْرَى مَنْ رَوَاهُ - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُسْنَدًا: لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ، أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ فِيهِ - مَعَ عِلَّتِهِ - ذِكْرُ الْقِيمَةِ أَصْلًا.
стр. 5261
[مَسْأَلَة ذِكْرُ مَا يُقْطَعُ مِنْ السَّارِقِ]
ِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا يُقْطَعُ مِنْ السَّارِقِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُقْطَعُ إلَّا الْيَدُ الْوَاحِدَةُ فَقَطْ، ثُمَّ لَا يُقْطَعُ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقْطَعُ مِنْهُ إلَّا الْيَدُ وَالرِّجْلُ مِنْ خِلَافٍ، ثُمَّ لَا يُقْطَعُ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُقْطَعُ الْيَدُ، ثُمَّ الرِّجْلُ الْأُخْرَى.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُقْطَعُ يَدُهُ، ثُمَّ رِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ، ثُمَّ رِجْلُهُ الثَّانِيَةُ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا: كَيْف تُقْطَعُ الْيَدُ، وَكَيْف تُقْطَعُ الرِّجْلُ، وَمَاذَا يُفْعَلُ إذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ مَا يُقْطَعُ، وَأَيُّ الْيَدَيْنِ تُقْطَعُ؟ وَسَنَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - كُلَّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ أَلِأَبْوَابِ، وَالْقَائِلِينَ بِذَلِكَ، وَحُجَّةَ كُلِّ طَائِفَةٍ، لِيَلُوحَ الْحَقُّ - وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ: فَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا تُقْطَعُ إلَّا يَدُهُ فَقَطْ - فَكَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: سَرَقَ الْأُولَى، قَالَ: تُقْطَعُ كَفُّهُ، قُلْت: فَمَا قَوْلُهُمْ: أَصَابِعُهُ، قَالَ: لَمْ أَدْرِكْ إلَّا قَطْعَ الْكَفِّ كُلِّهَا، قُلْت لِعَطَاءٍ: سَرَقَ الثَّانِيَةَ، قَالَ: مَا أَرَى أَنْ تَقْطَعَ إلَّا فِي السَّرِقَةِ الْأُولَى الْيَدَ فَقَطْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَلَوْ شَاءَ أَمَرَ بِالرِّجْلِ، وَلَمْ يَكُنْ اللَّهُ تَعَالَى نَسِيًّا - هَذَا نَصُّ قَوْلِ عَطَاءٍ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: تُقْطَعُ الْيَدُ، ثُمَّ الْيَدُ، وَلَا تُقْطَعُ الرِّجْلُ - فَرُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ وَغَيْرِهِ - وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: تُقْطَعُ يَدُهُ، ثُمَّ رِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ فَقَطْ، ثُمَّ لَا يُقْطَعُ مِنْهُ شَيْءٌ: فَكَمَا، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِي الضُّحَى، قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَا يَزِيدُ فِي السَّرِقَةِ عَلَى قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ - قَالَ وَكِيعٌ: ونا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: إنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ
стр. 5262
أَقْطَعَ يَدَهُ، فَبَأْي شَيْءٍ يَأْكُلُ، أَوْ أَقْطَعَ رِجْلَهُ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَعْتَمِدُ؟ فَضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ.
وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ نا إسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِدٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِرَجُلٍ أَقْطَعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ - يُقَالُ لَهُ: سَدُومٌ - فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَهُ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إنَّمَا عَلَيْهِ قَطْعُ يَدِهِ وَرِجْلِهِ، فَحَبَسَهُ عُمَرُ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّارِقُ يَسْرِقُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ثُمَّ يَعُودُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ الْأُخْرَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلَى، وَلَكِنَّ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: سَمِعْته مِنْ عَطَاءٍ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - بَلَى، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ هَذَا، وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ يَدِهِ وَرِجْلِهِ - وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا - بَلَى، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ هَذَا - وَهُوَ الْحَقُّ - وَلَكِنَّ السُّلْطَانَ يَقْطَعُ الْيَدَ وَالرِّجْلَ، وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي - هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى غَيْرِهِ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَقِّقُ أَنَّ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يُخَالِفُهُ وَيُعَارِضُهُ.
إذْ لَا يَحِلُّ تَرْكُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا لِسُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ نَاسِخَةٍ لِمَا فِي الْقُرْآنِ، وَارِدَةٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْوَحْيِ، إلَى نَبِيِّهِ ﵇.
فَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُخَالِفَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى بِرَأْيِهِ، أَوْ بِتَقْلِيدِهِ لِرَأْيِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؛ وَهُوَ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ دَعَاهُمْ إلَى الْمُبَاهَلَةِ فِي " الْعَوْلِ " وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي أَمْرِ مُتْعَةِ الْحَجِّ وَفَسْخِهِ بِعُمْرَةٍ: مَا أَرَاكُمْ إلَّا سَيَخْسِفُ اللَّهُ بِكُمْ الْأَرْضَ أَقُولُ لَكُمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ؟ وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَّةٌ فِي ذَلِكَ وَلَا يَذْكُرُهَا، وَقَدْ أَعَاذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ.
стр. 5263
وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَسْمَعَهُ عَطَاءٌ وَيَفْهَمَ عَنْهُ أَنَّ عِنْدَهُ فِي قَطْعِ الرِّجْلِ سُنَّةً يَنْبَغِي لَهَا تَرْكُ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يَأْبَى عَطَاءٌ مِنْ قَطْعِ الرِّجْلِ فِي السَّرِقَةِ - كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ - وَيَتَمَسَّكُ بِالْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ، وَيَقُولُ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] لَوْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالرِّجْلِ.
فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَرِدْ بِقَوْلِهِ " بَلَى، وَلَكِنَّ الْيَدَ وَالرِّجْلَ " إلَّا لِتَصْحِيحِ: قَطْعِ الْيَدَيْنِ فَقَطْ، عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ " وَلَكِنَّ الْيَدَ وَالرِّجْلَ " إنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ فِعْلِ أَهْلِ زَمَانِهِ فَقَطْ.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، وَسَالِمٍ، وَغَيْرِهِ: إنَّمَا قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رِجْلَهُ، وَكَانَ مَقْطُوعَ الْيَدِ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي السُّنَّةِ إلَّا قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُتْرَكُ ابْنُ آدَمَ مِثْلَ الْبَهِيمَةِ، لَيْسَ لَهُ يَدٌ يَأْكُلْ بِهَا، وَيَسْتَنْجِي بِهَا - وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَصْحَابِهِمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى قَطْعَ يَدِ السَّارِقِ الْوَاحِدَةِ فَقَطْ ثُمَّ لَا يُقْطَعُ مِنْهُ شَيْءٌ - وَقَوْلِ مَنْ رَأَى قَطْعَ الْيَدِ بَعْدَ الْيَدِ فَقَطْ، وَلَمْ يَرَ قَطْعَ الرِّجْلِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا: فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعَ مُحَمَّدُ يَدَهَا» . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «لَمْ تَكُنْ الْأَيْدِي تُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ» .
стр. 5264
فَهَذَا الْقُرْآنُ، وَالْآثَارُ الصِّحَاحُ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ جَاءَتْ بِقَطْعِ الْأَيْدِي، لَمْ يَأْتِ فِيهَا لِلرِّجْلِ ذِكْرٌ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فِي قَطْعِ رَجُلِ السَّارِقِ شَيْءٌ أَصْلًا وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ، وَمَا تَعَدَّيْنَا.
وَلَمْ يُرْوَ فِي قَطْعِ الرِّجْلِ شَيْءٌ إلَّا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَيَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ.
فَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُثْمَانَ - فَلَا تَصِحُّ.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ قَطْعَ الرِّجْلِ الثَّانِيَةِ فِي السَّرِقَةِ الثَّالِثَةِ - وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا.
وَصَحَّ عَنْ عَلِيٍّ - أَنَّهُ لَمْ يَرَ قَطْعَ الرِّجْلِ الثَّانِيَةِ، وَلَا الْيَدِ الثَّانِيَةِ.
فَصَحَّ الِاخْتِلَافُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ ﵃.
وَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَمُحَمَّدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَرَادَ أَبُو بَكْرٍ قَطْعَ الرِّجْلِ بَعْدَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَقَالَ عُمَرُ: السُّنَّةُ فِي الْيَدِ - فَهَذَا عُمَرُ ﵁ لَمْ يَرَ السُّنَّةَ إلَّا فِي الْيَدِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَانْبَلَجَ الْأَمْرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ نا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ: إنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ عَبَّرَ تِلْكَ الرُّؤْيَا، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا» فَكُلُّ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ.
стр. 5265
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي؟» قُلْنَا: سُنَّةُ الْخُلَفَاءِ ﵃ هِيَ اتِّبَاعُ سُنَّتِهِ ﵇، وَأَمَّا مَا عَمِلُوهُ - بِاجْتِهَادٍ فَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُ اجْتِهَادِهِمْ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَغَيْرِهِمْ: الْقَوَدُ مِنْ اللَّطْمَةِ - وَالْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ، لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَيْسَ الْإِجْمَاعُ عِنْدَنَا إلَّا الَّذِي تَيَقَّنَ أَنَّهُمْ أَوَّلُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ قَالُوا بِهِ، وَعَمِلُوهُ، وَصَوَّبُوهُ، دُونَ سُكُوتٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَهَذَا حَقًّا هُوَ الْإِجْمَاعُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِذْ إنَّمَا جَاءَ الْقُرْآنُ، وَالسُّنَّةُ، بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ لَا بِقَطْعِ رِجْلِهِ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعُ رِجْلِهِ أَصْلًا، وَهَذَا مَا لَا إشْكَالَ فِيهِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
فَوَجَبَ مِنْ هَذَا إذَا سَرَقَ الرَّجُلُ، أَوْ الْمَرْأَةُ، أَنْ يَقْطَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدًا وَاحِدَةً، فَإِنْ سَرَقَ أَحَدُهُمَا ثَانِيَةً قُطِعَتْ يَدُهُ الثَّانِيَةُ، بِالنَّصِّ مِنْ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ سَرَقَ فِي الثَّالِثَةِ عُذِّرَ، وَثُقِّفَ، وَمُنِعَ النَّاسُ ضُرَّهُ، حَتَّى يَصْلُحَ حَالُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة صِفَةُ قَطْعِ الْيَدِ]
٢٢٨٨ - مَسْأَلَةٌ: صِفَةُ قَطْعِ الْيَدِ؟ قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي قَطْعِ الْأَصَابِعِ مِنْ الْيَدِ، وَقَطْعِ نِصْفِ الْقَدَمِ مِنْ الرِّجْلِ.
وَذَكَرْنَا قَوْلَ عُمَرَ ﵁ وَغَيْرِهِ فِي قَطْعِ كُلِّ ذَلِكَ مِنْ الْمِفْصَلِ.
وَأَمَّا الْخَوَارِجُ - فَرَأَوْا فِي ذَلِكَ قَطْعَ الْيَدِ مِنْ الْمِرْفَقِ، أَوْ الْمَنْكِبِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] .
стр. 5266
قَالُوا: وَالْيَدُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ إلَى طَرَفِ الْأَصَابِعِ، وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ - فَإِنَّ الْيَدَ أَيْضًا تَقَعُ عَلَى الْكَفِّ، وَتَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ إلَى الْمُرْفَقِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا يَلْزَمُنَا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ يَدٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مُحَرَّمَةٌ قَطْعُهَا قَبْلَ السَّرِقَةِ، كَمَا جَاءَ النَّصُّ بِقَطْعِ الْيَدِ، فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ التَّحْرِيمِ الْمُتَيَقَّنِ الْمُتَقَدِّمِ شَيْءٌ، إلَّا مَا تُيُقِّنَ خُرُوجُهُ، وَلَا يَقِينَ إلَّا فِي الْكَفِّ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعُ أَكْثَرَ مِنْهَا.
وَهَكَذَا وَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى إذْ أَمَرَنَا فِي التَّيَمُّمِ بِمَا أَمَرَ، إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]
فَفَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى بِذِكْرِ الْأَيْدِي هَاهُنَا، وَأَنَّهُ الْكَفَّانِ فَقَطْ، عَلَى مَا قَدْ أَوْرَدْنَاهُ.
وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ الْفَرْقُ بَيْنَ حَدِّ الْحُرِّ، وَبَيْنَ حَدِّ الْعَبْدِ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فَإِذْ قَدْ نَصَّ ﵇ عَلَى أَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ بِخِلَافِ حَدِّ الْحُرِّ، فَهَذَا عُمُومٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ بِغَيْرِ نَصٍّ، وَلَا إجْمَاعٍ.
فَالْوَاجِبُ - إنْ سَرَقَ الْعَبْدُ - أَنْ تُقْطَعَ أَنَامِلُهُ فَقَطْ، وَهُوَ نِصْفُ الْيَدِ فَقَطْ، وَإِنْ سَرَقَ الْحُرُّ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ الْكُوعِ هُوَ الْمِفْصَلُ - وَأَمَّا فِي الْمُحَارَبَةِ فَتُقْطَع يَدُ الْحُرِّ مِنْ الْمِفْصَلِ، وَرِجْلُهُ مِنْ الْمِفْصَلِ، وَتُقْطَعُ مِنْ الْعَبْدِ أَنَامِلُهُ مِنْ الْيَدِ، وَنِصْفُ قَدَمِهِ مِنْ السَّاقِ - كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ نَأْخُذُ مِنْ قَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ مَا وَافَقَ النَّصَّ، وَنَتْرُكُ مَا لَمْ يُوَافِقُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا أَيُّ الْيَدَيْنِ تُقْطَعُ؟ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ ثنا، قَالَ: ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا سَحْنُونٌ ثنا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَرَقَ سَارِقٌ بِالْعِرَاقِ فِي زَمَانِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقُدِّمَ لِيُقْطَعَ يَدُهُ، فَقَدَّمَ السَّارِقُ يَدَهُ الْيُسْرَى - وَلَمْ يَشْعُرُوا - فَقُطِعَتْ، فَأُخْبِرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ خَبَرَهُ فَتَرَكَهُ وَلَمْ يَقْطَع يَدَهُ الْأُخْرَى - وَبِهَذَا يَقُولُ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ - وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: عَلَى مُتَوَلِّي الْقَطْعِ دِيَةُ الْيَدِ - وَقَالَ قَائِلُونَ: تُقْطَعُ الْيُمْنَى.
وَاحْتَجُّوا أَنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ الْيُمْنَى - وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا ".
стр. 5267
وَالْقِرَاءَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَادَّعَوْا إجْمَاعًا - وَهُوَ بَاطِلٌ يَرُدُّهُ قَطْعُ عَلِيٍّ الشِّمَالَ عَنْ الْيَمِينِ وَاكْتِفَاؤُهُ بِذَلِكَ، فَلَوْ وَجَبَ قَطْعُ الْيَمِينُ لَمَا أَجْزَأَ عَنْ ذَلِكَ قَطْعُ الشِّمَالِ، كَمَا لَا يُجْزِئُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ، وَلَا الْأَكْلُ بِالشِّمَالِ، وَلَا نَصَّ إلَّا وُجُوبُ قَطْعِ الْيَدِ، أَوْ الْأَيْدِي، فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، إلَّا أَنَّنَا نَسْتَحِبُّ قَطْعَ الْيَمِينِ، لِلْأَثَرِ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ «كَانَ يَجِبُ التَّيَمُّنُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» .
[مَسْأَلَة مِنْ جَحَدَ الْعَارِيَّةَ هَلْ تقطع يَده]
٢٢٨٩ - مَسْأَلَةٌ: قَطْعُ الْيَدِ فِيمَنْ جَحَدَ الْعَارِيَّةَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِقَطْعِ يَدِهَا فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فِيهَا» وَذَكَر الْحَدِيثَ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ «كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ فَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﵌ بِقَطْعِ يَدِهَا فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمُوهُ فَكَلَّمَ أُسَامَةُ النَّبِيَّ ﵌ فِيهَا؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵌: يَا أُسَامَةُ، أَلَا أَرَاك تُكَلِّمُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ ﵇ خَطِيبًا فَقَالَ: إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُ إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا فَقَطَعَ يَدَ الْمَخْزُومِيَّةِ» وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﵌ بِقَطْعِ يَدِهَا» .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: سَأَلْتُ أَبِي، فَقُلْت لَهُ: تَذْهَبُ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ، وَقَالَ: تُقْطَعُ يَدُ الْمُسْتَعِير إذَا جَحَدَ ثُمَّ أَقَرَّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ أَبُو مَالِكٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ
стр. 5268
عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «إنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ لِلنَّاسِ ثُمَّ تُمْسِكُهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: لِتَتُبْ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَرُدَّ مَا تَأْخُذُ عَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: قُمْ يَا بِلَالُ فَخُذْ بِيَدِهَا فَاقْطَعْهَا» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَكَانَ مِنْ اعْتِرَاضِ مَنْ انْتَصَرَ لِهَذَا الْقَوْلِ أَنْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْتُمْ: مُخْتَلِفٌ فِيهِ، فَرَوَى بَعْضُهُمْ: أَنَّ تِلْكَ الْمَخْزُومِيَّةَ سَرَقَتْ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﵌؟ فَقَالُوا: وَمِنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَاَيْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا حَرْمَلَةُ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵌ «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﵌؟ فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ - فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِنْ سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ
стр. 5269
الْحَدَّ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَطَعَ يَدَهَا» .
فَهَؤُلَاءِ يَرَوْنَ أَنَّهَا سَرَقَتْ.
قَالُوا: وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّهَا سَرَقَتْ وَأَنَّ مَنْ رَوَى " اسْتَعَارَتْ " قَدْ وَهِمَ: أَنَّ فِي جُمْهُورِ هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّهُمْ اسْتَشْفَعُوا لَهَا بِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَنَهَاهُ أَنْ يَشْفَعَ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵁ قَدْ نَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَنْ يَشْفَعَ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَعُودُ فَيَشْفَعُ فِي حَدٍّ آخَرَ مَرَّةً أُخْرَى؟ وَقَالُوا: إنَّ الْمُسْتَعِيرَ خَائِنٌ، وَلَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ، وَلَا عَلَى الْمُخْتَلِسِ، وَلَا عَلَى الْمُنْتَهِبِ: قَطْعٌ» .
قَالَ: وَتَحْتَمِلُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِهَا: أَنَّهُمْ أَرَادُوا التَّعْرِيفَ بِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَتْ اسْتَعَارَتْ الْحُلِيَّ وَسَرَقَتْ، فَقُطِعَتْ لِلسَّرِقَةِ لَا لِلْعَارِيَّةِ.
قَالُوا: وَهَذَا كَمَا رُوِيَ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» .
«وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ فَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ» ، قَالُوا: وَلَيْسَ مِنْ أَجَلِ الْحِجَامَةِ أَخْبَرَ بِأَنَّهُمَا أَفْطَرَا، لَكِنْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ، لَكِنْ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟
стр. 5270
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَمَّا كَلَامُهُمْ فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّ مَعْمَرًا، وَشُعَيْبَ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ، رَوَيَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ - وَهُمَا فِي غَايَةِ الثِّقَةِ وَالْجَلَالَةِ - وَكَذَلِكَ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهَا كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ فَتَجْحَدُهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى - وَلَمْ يَضْطَرِبْ عَلَى مَعْمَرٍ فِي ذَلِكَ، وَلَا عَلَى شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ - وَإِنْ كَانَا خَالَفَهُمَا: اللَّيْثُ، وَيُونُسُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ.
فَإِنَّ اللَّيْثَ قَدْ اضْطَرَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ عَلَى يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، فَإِنْ اللَّيْثَ، وَيُونُسَ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِسْحَاقَ لَيْسُوا فَوْقَ مَعْمَرٍ، وَشُعَيْبٍ، فِي الْحِفْظِ، وَقَدْ وَافَقَهُمَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ.
وَأَمَّا تَنْظِيرُهُمْ فِي ذَلِكَ بِالثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مِنْ قَوْلِهِمْ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» .
وَبِأَمْرِهِ ﷺ الَّذِي صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ.
فَمَا زَادُوا عَلَى أَنْ فَضَحُوا أَنْفُسَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا فِي الْكَذِبِ الَّذِي لَا يَسْتَسْهِلُهُ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُمَا أَفْطَرَا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ النَّاسَ؟ فَقِيلَ لَهُمْ: فَمَنْ اغْتَابَ النَّاسَ - وَهُوَ صَائِمٌ - أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: لَا.
وَهَذِهِ مَضَاحِكُ وَشَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ وَاسْتِخْفَافٌ بِأَوَامِرِ النَّبِيِّ ﵌ مَعَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، أَنْ يَقُولَ ﵇ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» فَيَقُولُونَ هُمْ: لَمْ يُفْطِرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ: أَتُكَذِّبُونَ النَّبِيَّ ﵌ فِي قَوْلِهِ أَفْطَرَا؟ قَالُوا أَفْطَرَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْغِيبَةُ.
فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ: أَتُفَطِّرُ الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: لَا.
стр. 5271
فَرَجَعُوا إلَى مَا فَرُّوا عَنْهُ كَيْدًا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلِمَنْ اغْتَرَّ بِهِمْ مِنْ الضُّعَفَاءِ الْمَخَاذِيلِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ: أَمْرِ النَّبِيِّ ﵌ فِي الْمُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ لَمْ يَرْوِ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ أَمْرَهُ ﵌ بِإِقَامَةِ الصُّفُوفِ، وَالتَّرَاصِّ فِيهَا، وَالْوَعِيدِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ: لَأَمْكَنَ أَنْ يُعْذَرُوا بِالْجَهْلِ، فَكَيْف وَلَا عُذْرَ لَهُمْ؟ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُظَنَّ بِالنَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ قَالَ لِأُمَّتِهِ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» .
وَأَمَرَ الْمُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ.
ثُمَّ لَا يُبَيِّنُ لَهُمْ الْوَجْهَ الَّذِي أَفْطَرَا، بِهِ، وَلَا الْوَجْهَ الَّذِي أَمَرَ مِنْ أَجَلِهِ الْمُصَلِّيَ خَلْفَ الصَّفِّ، بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ.
فَهَذَا طَعْنٌ عَلَى النَّبِيِّ ﵌ فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ ﵇ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ لِأَمْرٍ لَمْ يُبَيِّنُهُ عَلَيْنَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْمُسْتَعِيرَ الْجَاحِدَ: خَائِنٌ، وَلَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ، وَالْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ - وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فَسَادَ هَذَا الْخَبَرِ فِي صَدْرِ كَلَامِنَا فِي قَطْعِ السَّارِقِ، وَأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَأَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ جَابِرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّدْلِيسِ.
فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهَذَا الْخَبَرِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَسْتَعِينُ: إنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِقَطْعِ يَدَهَا، وَرِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهَا سَرَقَتْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِقَطْعِ يَدِهَا: صَحِيحَانِ، لَا مَغْمَزَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ فِي الدِّينِ عَلَى مَا أَوْرَدْنَا.
стр. 5272
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ فِيمَنْ يَتَعَلَّلُ فِي رَدِّ هَذِهِ السُّنَّةِ بِهَذَا الِاضْطِرَابِ، وَهُمْ يَأْخُذُونَ بِحَدِيثِ «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ» .
وَبِحَدِيثِ «الْقَطْعِ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ» وَهُمَا مِنْ الِاضْطِرَابِ بِحَيْثُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَذَلِكَ الِاضْطِرَابُ أَشَدُّ مِنْ الِاضْطِرَابِ فِي هَذَا الْخَبَرِ بِكَثِيرٍ، أَوْ يَأْخُذُ بِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ: «قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ ذَلِكَ حَدُّ الْقَطْعِ، وَقَدْ عَارَضَهُ مِثْلُهُ فِي الصِّحَّةِ مِنْ الْقَطْعِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِنَّ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ لَيْسَ عِلَّةً فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ، فَلِنَقُلْ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى: إنَّ فِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا: اسْتَعَارَتْ الْمَتَاعَ فَجَحَدَتْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِقَطْعِهَا - وَفِي الْأُخْرَى: أَنَّهَا سَرَقَتْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِقَطْعِ يَدِهَا: لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَا فِي قِصَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، فِي امْرَأَتَيْنِ مُتَغَايِرَتَيْنِ، أَوْ يَكُونَا فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، فِي امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَإِنْ كَانَتْ فِي قِصَّتَيْنِ، وَفِي امْرَأَتَيْنِ، فَقَدْ انْقَطَعَ الْهَذْرُ، وَبَطَل الشَّغَبُ جُمْلَةً، وَيَكُونُ الْكَلَامُ فِي شَفَاعَةِ أُسَامَةَ فِيهِمَا جَمِيعًا، عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا - مِنْ الْبَيَانِ - مِنْ أَنَّهُ شَفَعَ فِي السَّرِقَةِ فَنُهِيَ، ثُمَّ شَفَعَ فِي الْمُسْتَعِيرَةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ حَدَّ ذَلِكَ أَيْضًا الْقَطْعُ.
عَلَى أَنَّنَا لَوْ شِئْنَا الْقَطْعَ، فَإِنَّهُمَا امْرَأَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ، وَقَضِيَّتَانِ اثْنَتَانِ، لَكَانَ لَنَا مُتَعَلَّقٌ، بِخِلَافِ دَعَاوِيهمْ الْمُجَرَّدَةِ مِنْ كُلِّ عَلْقَةٍ، إلَّا مِنْ الْمُجَاهِرَةِ بِالْبَاطِلِ، وَالْجَسْرِ عَلَى الْكَذِبِ، لَكَانَ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيُّ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ أَخْبَرَهُ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى امْرَأَةٍ فَقَالَتْ: إنَّ فُلَانَةَ تَسْتَعِيرُكِ حُلِيًّا - وَهِيَ كَاذِبَةٌ - فَأَعَارَتْهَا إيَّاهُ، فَمَكَثَتْ لَا تَرَى حُلِيَّهَا، فَجَاءَتْ الَّتِي كَذَبَتْ عَلَيَّ فِيهَا فَسَأَلَتْهَا حُلِيَّهَا، فَقَالَتْ: مَا اسْتَعَرْتُ مِنْكِ شَيْئًا، فَرَجَعَتْ إلَى الْأُخْرَى فَسَأَلَتْهَا حُلِيَّهَا، فَأَنْكَرَتْ أَنْ تَكُونَ اسْتَعَارَتْ مِنْهَا شَيْئًا، فَجَاءَتْ النَّبِيَّ ﵌ -
стр. 5273
فَدَعَاهَا، فَقَالَتْ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا اسْتَعَرْتُ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ: اذْهَبُوا فَخُذُوهُ مِنْ تَحْتِ فِرَاشِهَا، فَأُخِذَ، وَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ» .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي بِشْرُ بْنُ تَمِيمٍ أَنَّهَا أُمُّ عَمْرٍو بِنْتِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَا آخُذُ غَيْرَهَا، لَا آخُذُ غَيْرَهَا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ «سَرَقَتْ امْرَأَةٌ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﵌ فَجَاءَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﵌: أَيْ إنَّهَا عَمَّتِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» .
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فَلَمْ أَشُكَّ حِين قَالَ حَسَنٌ: قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﵌ إنَّهَا عَمَّتِي، إنَّهَا بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا ابْنُ جُرَيْجٍ يَحْكِي عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَنَّهُ لَا يَشُكُّ أَنَّ الَّتِي سَرَقَتْ بِنْتَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَيُخْبِرُ عَنْ بِشْرٍ التَّيْمِيِّ أَنَّ الَّتِي اسْتَعَارَتْ هِيَ بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَهُمَا ابْنَتَا عَمٍّ مَخْزُومِيَّتَانِ، عَمُّهُمَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ ﵁ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌.
وَلَكِنَّا نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: هَبْكَ أَنَّهَا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ السَّرِقَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ لَفْظِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، لَا مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﵌، وَكَذَلِكَ ذِكْرُ الِاسْتِعَارَةِ، وَإِنَّمَا لَفْظُ النَّبِيِّ ﵌ «لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُهَا» .
فَهَذَا يُخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ، يَعْنِي ذِكْرَ السَّرِقَةِ:
أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي يَرَى أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ سَرِقَةٌ، فَيُخْبِرُ عَنْهَا بِلَفْظِ السَّرِقَةِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ - هُوَ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ، ثُمَّ الْجَحْدَ سَرِقَةٌ صَحِيحَةٌ لَا مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إذَا أَتَى عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ مُسْتَخِفٌّ بِأَخْذِ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ، يُوَرِّي
стр. 5274
بِالِاسْتِعَارَةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ يَمْلِكُهُ مُسْتَتِرًا مُخْتَفِيًا - فَهَذِهِ هِيَ السَّرِقَةُ نَفْسُهَا دُونَ تَكَلُّفٍ، فَكَانَ هَذَا اللَّفْظُ خَارِجًا عَمَّا ذَكَرْنَا أَحْسَنَ خُرُوجٍ، وَكَانَ لَفْظُ مَنْ رَوَى " الْعَارِيَّةَ " لَا يَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ أَصْلًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَتُقْطَعُ يَدُ الْمُسْتَعِيرِ الْجَاحِدِ كَمَا تُقْطَعُ مِنْ السَّارِقِ - سَوَاءٌ سَوَاءٌ - مِنْ الذَّهَبِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ لَا فِي أَقَلَّ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» .
وَفِي غَيْرِ الذَّهَبِ فِي كُلِّ مَا لَهُ قِيمَةٌ - قَلَّتْ أَوْ كَثُرْت -؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ فِي مَالٍ أُخِذَ اخْتِفَاءً لَا مُجَاهِرَةً.
وَتُقْطَعُ الْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، لِإِجْمَاعِ الْأَمَةِ كُلِّهَا عَلَى أَنَّ حُكْمَ الرَّجُلِ فِي ذَلِكَ كَحُكْمِ الْمَرْأَةِ، وَمِنْ مُسْقِطٍ الْقَطْعَ عَنْهَا، وَمِنْ مُوجِبٍ الْقَطْعَ عَلَيْهَا، وَلَا قَطْعَ فِي ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ بِالْأَخْذِ، وَالتَّمْلِيكِ، مَعَ الْجَحْدِ، أَوْ الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ، فَإِنْ عَادَ مَرَّةً أُخْرَى قُطِعَتْ الْيَدُ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا - وَهَذَا عُمُومٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ طَلَبَهُ الْعَارِيَّةَ مُسْتَخْفِيًا بِمَذْهَبِهِ فِي أَخْذِهِ، فَكَانَ سَارِقًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ - وَحَسْبنَا اللَّهُ وَنَعَمْ الْوَكِيلُ.
[مَسْأَلَة مِنْ يُقْرِض فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير هَلْ تقطع يَده]
٢٢٩٠ - مَسْأَلَةٌ: قَطْعُ الدَّرَاهِمِ؟ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا أَبُو عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَشْوَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْحُذَافِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا دَاوُد بْنُ قَيْسٍ أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ وَجَدَ رَجُلًا يَقْرِضُ الدَّرَاهِمَ فَقَطَعَ يَدَهُ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إذْ ذَاكَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ - فَأُتِيَ بِرَجُلٍ يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ - وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ - فَضَرَبَهُ، وَحَلَقَهُ، وَأَمَرَ بِهِ فَطِيفَ بِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُرَدَّ إلَيْهِ، فَقَالَ: أَمَا إنِّي لَمْ يَمْنَعنِي مِنْ أَنْ أَقْطَعَ يَدَك إلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ؟
стр. 5275
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي رَأَيْت الْأَيْدِي تُقْطَعُ فِي قَرْضِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَعْنَى هَذَا: أَنَّهُ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ يُتَعَامَلُ بِهَا عَدَدًا دُونَ وَزْنٍ، فَكَانَ مَنْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ يَقْرِضُ بِالْجَلَمِ مِنْ تَدْوِيرِهَا، ثُمَّ يُعْطِيهَا عَدَدًا، وَيَسْتَفْضِلُ الَّذِي قَطَعَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا عَمَلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ - وَهُوَ صَاحِبٌ - لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالْحَنَفِيُّونَ يَجْعَلُونَ نَزْحَهُ زَمْزَمَ مِنْ زِنْجِيٍّ وَقَعَ فِيهَا حُجَّةً وَإِجْمَاعًا لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ فِي نَصْرِ بَاطِلِهِمْ، فِي أَنَّ الْمَاءَ يُنَجِّسُهُ مَا وَقَعَ فِيهِ - وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ - وَلَيْسَ فِي خَبَرِهِمْ: أَنَّ زَمْزَم لَمْ تَكُنْ تَغَيَّرَتْ، وَلَعَلَّهَا قَدْ كَانَتْ تَغَيَّرَتْ، وَلَعَلَّ الْمَاءَ كَانَ فِيهَا قَدْرَ أَقَلَّ مِنْ قُلَّتَيْنِ كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ.
وَكَيْفَ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ، وَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهَذَا، وَإِسْقَاطُهُمْ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» فَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ حَيْثُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ، وَلَيْسَ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ تَنْجِيسًا مِنْ الْمَيِّتِ، وَلَا كَرَامَةً، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ - إنْ كَانَ مُؤْمِنًا - لَكِنَّهَا شَرِيعَةٌ، كَالْغُسْلِ مِنْ الْإِيلَاجِ - وَإِنْ كَانَ كِلَا الْفَرْجَيْنِ طَاهِرًا - وَكَالْغُسْلِ مِنْ الِاحْتِلَامِ.
فَإِنْ ذَكَرُوا - مَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ضَرَبَ رَجُلًا فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ؟ قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: هَذَا لَا يُخَالِفُهُ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ قَبْلُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ: أَنَّهُ قَرْضُ مِقْدَارِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعٌ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ ﵇ إيجَابُ الْقَطْعِ فِي قَرْضِ الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ سَارِقٍ وَلَا مُسْتَعِيرٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي حَدِّ شَارِبِهَا]
стр. 5276
قَالَتْ طَائِفَةٌ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ لَمْ يَفْرِضْ فِيهَا حَدًّا وَإِنَّمَا فَرَضَهُ مَنْ بَعْدَهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا حَدَّ فِيهَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ لَمْ يَفْرِضْ فِيهَا حَدًّا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِيهَا حَدًّا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: ثَمَانِينَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَرْبَعِينَ؟ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ حَدًّا، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ: مَا نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ نا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ نا أَبُو حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ النَّخَعِيّ يَقُولُ: «سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ فَأَجِدُ فِي نَفْسِي إلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ لَمْ يَسُنَّهُ» ؟ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَكَذَا ناه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ وَبِهِ - إلَى الْبُخَارِيِّ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ: جِيءَ بِالنُّعَيْمَانَ - أَوْ ابْنِ النُّعَيْمَانِ - فَأَمَرَ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ، فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبُوهُ بِالنِّعَالِ.
وَبِهِ - إلَى الْبُخَارِيِّ نا قُتَيْبَةُ نا أَبُو ضَمْرَةَ نا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «أُتِيَ النَّبِيُّ ﵌ بِرَجُلٍ شَرِبَ، فَقَالَ: اضْرِبُوهُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا الضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، قَالَ: لَا تَقُولُوا هَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ» .
وَبِهِ - إلَى الْبُخَارِيِّ نا مَكِّيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ
стр. 5277
السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ «كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَإِمْرَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إلَيْهِ بِأَيْدِينَا، وَنِعَالِنَا، وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرَ إمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ» .
وَبِهِ - إلَى الْبُخَارِيِّ نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ثني اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ نا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشُّرْبِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاَللَّهِ مَا عَلِمْتُهُ إلَّا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ - فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتِلْكَ سُنَّتَهُ» .
ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ جَلَدَ عُمَرُ أَرْبَعِينَ صَدْرًا مِنْ إمَارَتِهِ، ثُمَّ جَلَدَ عُثْمَانُ الْحَدَّيْنِ كِلَيْهِمَا ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَثْبَتَ مُعَاوِيَةُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَمَنْ تَعَلَّقَ بِزِيَادَةِ عُمَرَ ﵁ وَمَنْ زَادَهَا مَعَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ حَدًّا وَاجِبًا مُفْتَرِضًا.
فَيَلْزَمُهُ: أَنْ يُحَرِّقَ بَيْتَ بَائِعِ الْخَمْرِ، وَيَجْعَلَ ذَلِكَ حَدًّا مُفْتَرَضًا؛ لِأَنَّ عُمَرَ فَعَلَهُ - وَأَنْ يَنْفِيَ شَارِبَ الْخَمْرِ أَيْضًا وَيَجْعَلَهُ حَدًّا وَاجِبًا؛ لِأَنَّ عُمَرَ فَعَلَهُ؟ فَإِنْ قَالَ: قَدْ قَالَ عُمَرُ: لَا أُغَرِّبُ بَعْدَهُ أَحَدًا؟ قِيلَ: وَقَدْ جَلَدَ عُمَرَ أَرْبَعِينَ، وَسِتِّينَ، فِي الْخَمْرِ، بَعْدَ أَنْ جَلَدَ الثَّمَانِينَ، بِأَصَحَّ إسْنَادٍ يُمْكِنُ وُجُودَهُ.
وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَحْلِقُوا شَارِبَ الْخَمْرِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ، فَلَا يَحُدُّونَهُ أَصْلًا، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يُوجِبُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ أَيْضًا - وَلَا بُدَّ - عَلَى مِنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، أَوْ عَلَى عُمَرَ، وَعَلَى مَنْ فَضَّلَ عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا، قَالَا ذَلِكَ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ.
стр. 5278
وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يُجْلَدَ حَدًّا وَاجِبًا كُلُّ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى الْقُرْآنِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا بِالْبَاطِلِ - فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا: أَنَّ الْقَوْلَ بِجِلْدِ أَرْبَعِينَ فِي الْخَمْرِ هُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، بِحَضْرَةِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَبِهِ - يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمَا - وَبِهِ نَأْخُذُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة هَلْ يُقْتَلُ شَارِبُ الْخَمْرِ بَعْدَ أَنْ يُحَدَّ فِيهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ]
٢٢٩٢ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُقْتَلُ شَارِبُ الْخَمْرِ بَعْدَ أَنْ يُحَدَّ فِيهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَمْ لَا؟ [قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: الْخَمْرُ حَرَامٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَمَنْ اسْتَحَلَّهَا مِمَّنْ سَمِعَ النَّصَّ فِي ذَلِكَ، وَعَلِمَ بِالْإِجْمَاعِ فَهُوَ كَافِرٌ، مُرْتَدٌّ، حَلَالُ الدَّمِ، وَالْمَالِ - فَأَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَأَمَرَ تَعَالَى بِاجْتِنَابِ الرِّجْسِ جُمْلَةً وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْخَمْرَ مِنْ الرِّجْسِ، فَفَرَضَ اجْتِنَابَهَا؛ لِأَنَّ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْفَرْضِ حَتَّى يَأْتِيَ نَصٌّ آخَرُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ فَرْضًا.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] فَنَصَّ تَعَالَى عَلَى تَحْرِيمِ الْإِثْمِ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] . فَصَحَّ أَنَّ الْإِثْمَ حَرَامٌ وَأَنَّ فِي الْخَمْرِ إثْمًا وَأَنَّ مُوَاقِعِهَا مُوَاقِعُ إثْمٍ، فَهُوَ مُوَاقِعُ الْمُحْرِمِ نَصًّا - وَأَمَّا مِنْ السُّنَّةِ فَمَعْلُومٌ مَشْهُورٌ] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ يُحَدُّ فِيهَا، ثُمَّ يَشْرَبُهَا، فَيُحَدُّ فِيهَا ثَانِيَةً، ثُمَّ يَشْرَبُهَا فَيُحَدُّ فِيهَا ثَالِثَةً، ثُمَّ يَشْرَبُهَا الرَّابِعَة؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلُ - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقْتَلُ. فَأَمَّا مَنْ قَالَ يُقْتَلُ: فَكَمَا نا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ نا
стр. 5279
جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا الْحَارِثُ - هُوَ ابْنُ أَبِي أُسَامَةَ - نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ أَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: ائْتُونِي بِرَجُلٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ فِي الْخَمْرِ، فَإِنْ لَمْ أَقْتُلْهُ فَأَنَا كَاذِبٌ؟ وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَغَيْرُهُمْ: أَنْ لَا قَتْلَ عَلَيْهِ - وَذَكَرُوا ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا مَنْ رَأَى قَتْلَهُ: كَمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُد نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا أَبُو سَلَمَةَ نا أَبَانُ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ - عَنْ عَاصِمٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي النَّجُودِ - عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا شَرِبُوا الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إنْ شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إنْ شَرِبُوا فَاقْتُلُوهُمْ» حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ ذَكْوَانَ - هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ - عَنْ مُعَاوِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ «إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ - ذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا - فَاقْتُلُوهُ» .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَانِ طَرِيقَانِ فِي نِهَايَةِ الصِّحَّةِ - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ
стр. 5280
آخَرَ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا، وَلَوْ ظَفِرَ بِبَعْضِهَا الْمُخَالِفُونَ مِنْ الْحَاضِرِينَ لَطَارُوا بِهِ كُلَّ مَطِيرٍ: مِنْ ذَلِكَ مَا ناه أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقَطِيعِيُّ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ جَمِيلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ ثَلَاثًا، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا جَرِيرٌ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ» حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ» .
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغِيثٍ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ نا أَبِي نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ «إذَا سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ، إذَا سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ سَكِرَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ نا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا هِشَامٌ أَنَا مُغِيرَةُ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ بْنِ عَبْدٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ رَفَعَ الْحَدِيثَ قَالَ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ» .
стр. 5281
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ: هَكَذَا قَالَ عَبْدُ بْنُ عَبْدٍ - وَعَبْدُ بْنُ عَبْدٍ أَوْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ - قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ؟ قَالَ: هُوَ فُلَانُ ابْنُ عَبْدٍ، كُوفِيٌّ، ثِقَةٌ، مِنْ قَيْسٍ، لَمْ يَحْفَظْ يَحْيَى اسْمَهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا شُرَحْبِيلُ بْنُ أَوْسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَبُو غُطَيْفٍ الْكِنْدِيُّ - كُلُّهُمْ عَنْ النَّبِيِّ ﵌؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَقَلُّ مِنْ هَذَا يَجْعَلُونَ فِيمَا وَافَقَهُمْ نَقْلَ تَوَاتُرٍ، كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّينَ فِي شُرْبِ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ، وَكَاعْتِمَادِ الْمَالِكِيِّينَ فِي إبْطَالِ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ فِي التَّوْقِيتِ فِي الْمَسْحِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ لَهُمْ كَثِيرٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَكَانَتْ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، ثَابِتَةً، تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُخَالِفُونَ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا الْخَبَرَ مَنْسُوخٌ - وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ: مَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ نا عَمِّي - هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ سَعْدٍ - نا شَرِيكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ «إذَا شَرِبَ الرَّجُلُ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِرَجُلٍ مِنَّا فَلَمْ يَقْتُلْهُ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى نا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاضْرِبُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ - فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نُعَيْمَانَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ» .
فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْحَدَّ قَدْ رُفِعَ، وَأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ رُفِعَ: حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ
стр. 5282
نا أَبُو ثَابِتٍ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِشَارِبِ الْخَمْرِ «إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ - فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَجَلَدَهُ - وَوَضَعَ الْقَتْلَ عَنْ النَّاسِ» .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: قَدْ نا أَبُو إسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ لِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ مِنْ وَافِدِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِهَذَا الْخَبَرِ - يَعْنِي حَدِيثَ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ هَذَا.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ثني اللَّيْثُ ثني خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشُّرْبِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاَللَّهِ مَا عَلِمْتُهُ إلَّا يُحِبُّ اللَّهَ وَيُحِبُّ رَسُولَهُ» . وَذَكَرُوا الْخَبَرَ الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ نَفْسٌ بِنَفْسٍ» فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ أَحَدٌ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْخَبَرِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَوْ أَنَّ الْمَالِكِيِّينَ، وَالْحَنَفِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، احْتَجُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِهَذَا الْخَبَرِ فِي قَتْلِهِمْ مَنْ لَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى قَتْلَهُ قَطُّ، وَلَا رَسُولُهُ ﵇: كَقَتْلِ الْمَالِكِيِّينَ بِدَعْوَى الْمَرِيضِ، وَقَسَامَةِ اثْنَيْنِ فِي ذَلِكَ وَقَتْلِهِمْ - وَالشَّافِعِيِّينَ مَنْ فَعَلَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ، وَمَنْ أَقَرَّ بِفَرْضِ صَلَاةٍ وَقَالَ: لَا أُصَلِّي. وَكَقَتْلِ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، السَّاحِرَ.
стр. 5283
وَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكْفُرْ، وَلَا زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ، وَلَا قَتَلَ نَفْسًا.
فَهَذَا كُلُّهُ نَقَضَ احْتِجَاجَهُمْ فِي قَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵌؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ.
وَذَكَرُوا عَنْ الصَّحَابَةِ: مَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَلَدَ أَبَا مِحْجَنٍ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِي مَرَّاتٍ - وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدٍ أَيْضًا - وَكُلُّ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي نَسْخِ الثَّابِتِ مِنْ الْأَمْرِ بِقَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَحَدٌ مُتَّصِلًا، إلَّا شَرِيكٌ الْقَاضِي، وَزِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ - وَهُمَا ضَعِيفَانِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ فَمُنْقَطِعٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُنْقَطِعٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الَّذِي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْهُ فَمُنْقَطِعٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْقَتْلِ، فَإِذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ فَالْيَقِينُ الثَّابِتُ لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ لِلضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ ظَنًّا - فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهِ جُمْلَةً.
وَلَوْ أَنَّ إنْسَانًا يَجْلِدُهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَ بِقَتْلِهِ فِي الرَّابِعَةِ، لَكَانَ مُقْتَضَى أَمْرِهِ ﷺ اسْتِئْنَافُ جِلْدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّهُ ﵇ حِينَ لَفَظَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَمَرَ فِي الْمُسْتَأْنَفِ بِضَرْبِهِ إنْ شَرِبَ، ثُمَّ بِضَرْبِهِ إنْ شَرِبَ ثَانِيَةً، ثُمَّ بِضَرْبِهِ ثَالِثَةً، ثُمَّ بِقَتْلِهِ رَابِعَةً - هَذَا نَصُّ حَدِيثِهِ وَكَلَامِهِ ﵇.
فَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ حُجَّةً لَوْ بَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ أُتِيَ بِهِ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ بَعْدَ أَمْرِهِ ﵇ بِقَتْلِهِ فِي الرَّابِعَةِ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ - سَوَاءٌ سَوَاءٌ - فِي حَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؟
стр. 5284
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إنَّ الْوَاجِبَ ضَمُّ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَوَامِرِ رَسُولِهِ ﷺ كُلِّهَا بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَالِانْقِيَادُ إلَى جَمِيعِهَا، وَالْأَخْذُ بِهَا، وَأَنْ لَا يُقَالَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا: هَذَا مَنْسُوخٌ إلَّا بِيَقِينٍ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] .
فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، أَوْ رَسُولُهُ ﵌ فَفَرْضٌ عَلَيْنَا الْأَخْذُ بِهِ، وَالطَّاعَةُ لَهُ، وَمَنْ ادَّعَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَسْخًا، فَقَوْلُهُ مُطَّرَحٌ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَنَا: لَا تُطِيعُوا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مِنْ رَسُولِهِ ﷺ فَوَاجِبٌ عَلَيْنَا عِصْيَانُ مَنْ أَمَرَ بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ جَلِيٌّ بَيِّنٌ يَشْهَدُ بِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَنْسُوخٌ، أَوْ إجْمَاعٌ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ بِتَارِيخٍ ثَابِتٍ مُبَيِّنٍ أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلْآخَرِ.
وَأَمَّا نَحْنُ - فَإِنَّ قَوْلَنَا: هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِ دِينِهِ وَأَكْمَلَهُ، وَنَهَانَا عَنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ، فَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يُرَدَّ نَصَّانِ يُمْكِنُ تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ، وَضَمِّهِ إلَيْهِ، إلَّا وَهُوَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُمَا بِيَقِينٍ، وَأَنَّهُ لَا نَسْخَ فِي ذَلِكَ بِلَا شَكٍّ أَصْلًا - وَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ نَسْخٌ لَبَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانًا جَلِيًّا، وَلَمَا تَرَكَهُ مُلْتَبِسًا مُشْكِلًا، حَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُرَدَّ نَصَّانِ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَخْصُوصًا مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَعَانٍ مِنْهُ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِالْأَعَمِّ، وَيَكُونُ الْبَيَانُ قَدْ جَاءَ بِأَنَّ الْأَخَصَّ قَبْلَ الْأَعَمِّ بِلَا شَكٍّ - فَهَذَا إنْ وُجِدَ فَالْحُكْمُ فِيهِ النُّسَخُ وَلَا بُدَّ، حَتَّى يَجِيءَ نَصٌّ آخَرُ أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ مِنْ الْعَامِ الَّذِي جَاءَ بَعْدَهُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] .
وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وَالْبَيَانُ - بِلَا شَكٍّ - هُوَ مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ الْوَارِدِ، مَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ آخَرُ، أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ عَلَى نَقْلِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فَالْوَاجِبُ الرَّدُّ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّدَّ إلَيْهِ، إذْ يَقُولُ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ.
стр. 5285
وَقَدْ صَحَّ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ بِقَتْلِهِ فِي الرَّابِعَةِ، وَلَمْ يَصِحَّ نَسْخُهُ، وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ - وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌.
[مَسْأَلَة هَلْ يحد شَارِب الخلطين]
٢٢٩٣ - مَسْأَلَةٌ: الْخَلِيطَيْنِ؟ قَدْ ذَكَرْنَا " فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ " أَنَّ التَّمْرَ وَالرُّطَبَ، وَالزَّهْوَ وَالْبُسْرَ، وَالزَّبِيبَ، هَذِهِ الْخَمْسَةُ - خَاصَّةٌ دُونَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ - يَحِلُّ أَنْ يُنْبَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى انْفِرَادِهِ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُنْبَذَ شَيْءٌ مِنْهَا مَعَ شَيْءٍ آخَرَ - لَا مِنْهَا وَلَا مِنْ سَائِرِهَا - فِي الْعَالَمِ.
وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُخْلَطَ نَبِيذُ شَيْءٍ - بَعْدَ طِيبِهِ أَوْ قَبْلَ طِيبِهِ - لَا بِشَيْءٍ آخَرَ وَلَا بِنَبِيذِ شَيْءٍ آخَرَ - لَا مِنْهَا وَلَا مِنْ غَيْرِهَا - أَصْلًا، وَأَمَّا مَا عَدَا هَذِهِ الْخَمْسَةَ فَجَائِزٌ أَنْ يُنْبَذَ مِنْهَا الشَّيْئَانِ وَالْأَكْثَرُ مَعًا، وَأَنْ يُخْلَطَ نَبِيذُ اثْنَيْنِ مِنْهَا فَصَاعِدًا أَوْ عَصِيرُ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَبَيَّنَّا السُّنَنَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْ الْخَلِيطِينَ الْمُحَرَّمَيْنِ مِمَّا ذَكَرْنَا شَيْئًا لَا يُسْكِرُ فَقَدْ شَرِبَ حَرَامًا كَالدَّمِ، وَالْبَوْلِ، وَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْ خَمْرًا، وَلَا حَدَّ إلَّا فِي الْخَمْرِ.
لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ «وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» وَلِلْآثَارِ الثَّابِتَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» فَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَمْرًا فَلَا حَدَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّعْزِيرُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ أَتَى مُنْكَرًا.
وَأَمَّا كُلُّ خَلِيطَيْنِ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ إذَا أَسْكَرَ فَهُوَ خَمْرٌ، وَعَلَى شَارِبِهِ حَدُّ الْخَمْرِ، لِمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقَ.
[مَسْأَلَة مَتَى يحد السَّكْرَان]
٢٢٩٤ - مَسْأَلَةٌ: مَتَى يُحَدُّ السَّكْرَانُ؟ أَبْعَدَ صَحْوِهِ أَمْ فِي حَالِ سُكْرِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّعْبِيِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: لَا يُحَدُّ حَتَّى يَصْحُوَ، وَبِهِ - قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
стр. 5286
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُجْلَدُ حِينَ يُؤْخَذُ.
وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ قَالَ: يُؤَخَّرُ حَتَّى يَصْحُوَ إلَّا أَنْ قَالُوا: إنَّ الْجَلْدَ تَنْكِيلٌ وَإِيلَامٌ، وَالسَّكْرَانُ لَا يَعْقِلُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَاحْتَجَّ مِنْ رَأَى أَنَّ الْحَدَّ حِينَ يُؤْخَذُ بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَرِيقِ عُتْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِمْ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِالشَّارِبِ فَأَقَرَّ، فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَنْتَظِرْ أَنْ يَصْحُوَ» .
وَالنَّظَرُ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْخَبَرِ الثَّابِتِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُحَدَّ حِينَ يُؤْتَى بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يُحِسَّ أَصْلًا، وَلَا يَفْهَمَ شَيْئًا، فَيُؤَخَّرُ حَتَّى يُحِسَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة فِيمَنْ جَالَسَ شُرَّابَ الْخَمْرِ أَوْ دَفَعَ ابْنَهُ إلَى كَافِرٍ فَسَقَاهُ خَمْرًا]
٢٢٩٥ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ جَالَسَ شُرَّابَ الْخَمْرِ، أَوْ دَفَعَ ابْنَهُ إلَى كَافِرٍ فَسَقَاهُ خَمْرًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ ابْنَ عَامِرٍ قَالَ: لَا أُوتَى بِرَجُلٍ دَفَعَ ابْنَهُ إلَى يَهُودِيٍّ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ، فَسَقَاهُ خَمْرًا إلَّا جَلَدْتُ أَبَاهُ الْحَدَّ.
وَبِهِ - إلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أُتِيَ بِرَجُلٍ صَائِمٍ دَعَا قَوْمًا فَسَقَاهُمْ الْخَمْرَ - وَلَمْ يَشْرَبْ مَعَهُمْ - فَجُلِدُوا الْحَدَّ، وَجَلَدَهُ مَعَهُمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُعْبَأُ بِهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
وَقَدْ بَيَّنَّا - أَنْ لَا حَدَّ إلَّا عَلَى زَانٍ، أَوْ مُرْتَدٍّ، أَوْ مُحَارِبٍ، وَقَاذِفٍ، أَوْ سَارِقٍ، أَوْ مُسْتَعِيرٍ جَاحِدٍ، أَوْ شَارِبِ خَمْرٍ.
وَأَمَّا مَنْ سَقَى غَيْرَهُ الْخَمْرَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَشَرَتَهُ حَرَامٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِإِبَاحَتِهَا بِإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، لَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ؟
стр. 5287
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: لَقَدْ يَلْزَمُ مَنْ رَأَى الْقَوَدَ بِالْقَتْلِ عَلَى الْمُمْسِكِ إنْسَانًا حَتَّى قُتِلَ ظُلْمًا، وَمَنْ رَأَى الْحَدَّ فِي التَّعْرِيضِ قِيَاسًا عَلَى الْقَذْفِ، وَمَنْ رَأَى الْحَدَّ عَلَى فَاعِلِ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ قِيَاسًا عَلَى الزِّنَى: أَنْ يَرَى الْحَدَّ عَلَى سَاقِي الْقَوْمِ الْخَمْرَ قِيَاسًا عَلَى شَارِبِهَا - وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا فِي قِيَاسِهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا]
٢٢٩٦ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ اُضْطُرَّ إلَى شُرْبِ الْخَمْرِ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵀: مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا لِعَطَشٍ، أَوْ عِلَاجٍ، أَوْ لِدَفْعِ خَنْقٍ، فَشَرِبَهَا، أَوْ جَهِلَهَا فَلَمْ يَدْرِ أَنَّهَا خَمْرٌ، فَلَا حَدَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ.
أَمَّا الْمُكْرَهُ - فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
فَصَحَّ أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ شَرَابٍ.
وَأَمَّا الْجَاهِلُ - فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَلَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ - وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّهُ مَنْ دُسَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي مَنْ هِيَ يَظُنُّ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَبَدَّلَهُ جَاهِلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؟ قَالَ تَعَالَى ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فَصَحَّ أَنَّهُ لَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ بَلَغَهُ التَّحْرِيمُ، وَعَلَى مَنْ عَرَفَ أَنَّ الزِّنَى حَرَامٌ فَقَصَدَهُ عَمْدًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة حَدُّ الذِّمِّيِّ فِي الْخَمْرِ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَدْ بَيَّنَّا فِي مَوَاضِعَ جَمَّةٍ مِقْدَارَ الْحُكْمِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كَالْحُكْمِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] .
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] .
стр. 5288
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: لَا حَدَّ عَلَى الذِّمِّيِّ إلَّا أَنْ يَسْكَرَ، فَإِنْ سَكِرَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ الْعَصِيرِ مِمَّنْ لَا يُوقِنُ أَنَّهُ يُبْقِيه حَتَّى يَصِيرَ خَمْرًا]
٢٢٩٨ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: جَائِزٌ بَيْعُ الْعَصِيرِ مِمَّنْ لَا يُوقِنُ أَنَّهُ يُبْقِيه حَتَّى يَصِيرَ خَمْرًا، فَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ خَمْرًا لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ مِنْهُ أَصْلًا وَفُسِخَ الْبَيْعُ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ مَنْ بَاعَ الْعِنَبَ، أَوْ التِّينَ، أَوْ الْخَمْرَ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، فَقَدْ أَعَانَهُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ - وَهَذَا مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَإِذْ هُوَ مُحَرَّمٌ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ؟ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَمَنْ كَسَرَ إنَاءَ خَمْرٍ، أَوْ شَقَّ زِقَّ خَمْرٍ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ، وَأَمْوَالُ النَّاسِ مُحَرَّمَةٌ، وَقَدْ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَحِلُّ، فَإِفْسَادُهُ إفْسَادٌ لِلْمَالِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ أَبَا طَلْحَةَ: وَجَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ كَسَرُوا خَوَابِيَ الْخَمْرِ؟ قُلْنَا: لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ أَنَّهُ ﵇ عَرَفَ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُ - وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ شَقُّ الزِّقَاقِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ طَلْقٍ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، عَنْ شَرَاحِيلَ بْنِ نُكَيْلٍ - هُوَ مَجْهُولٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَمَنْ طَرَحَ فِي الْخَمْرِ سَمَكًا وَمِلْحًا فَجَعَلَهَا مَرْيًا؟ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، لِاسْتِعْمَالِهِ الْخَمْرَ الَّذِي لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا، وَلَا تَحِلُّ فِي شَيْءٍ أَصْلًا، وَلَا يَحِلُّ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا الْهَرْقُ، فَإِنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ - وَلِلْخَمْرِ رِيحٌ، أَوْ طَعْمٌ، أَوْ لَوْنٌ: هَرَقَ الْجَمِيعَ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَائِعٍ خُلِطَ فِيهِ خَمْرٌ - وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ إلَّا وَقَدْ اسْتَحَالَتْ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ - فَلَا يَفْسُدُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ، وَبَيْعُهُ.
стр. 5289
وَهُوَ لِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ مِنْ النَّاسِ، لَا لِمَنْ يَطْرَحُ الْخَمْرَ - فَمَتَى سَقَطَ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ، وَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ مِلْكَهُ: لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسَائِلُ التَّعْزِيرِ وَمَا لَا حَدَّ فِيهِ]
[مَسْأَلَةٌ لَا حَدَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَحْدُودٌ وَلَا لِرَسُولِهِ إلَّا فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ]
مَسَائِلُ التَّعْزِيرِ وَمَا لَا حَدَّ فِيهِ ٢٢٩٩ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا حَدَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَحْدُودٌ وَلَا لِرَسُولِهِ ﵌ إلَّا فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ، وَهِيَ: الرِّدَّةُ، وَالْحِرَابَةُ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، وَالزِّنَى، وَالْقَذْفِ بِالزِّنَى، وَشُرْبُ الْمُسْكِرِ - سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ - وَالسَّرِقَةُ، وَجَحْدُ الْعَارِيَّةِ.
وَأَمَّا سَائِرُ الْمَعَاصِي - فَإِنَّ فِيهَا التَّعْزِيرُ فَقَطْ - وَهُوَ الْأَدَبُ - وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَشْيَاءُ، رَأَى فِيهَا قَوْمٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ حَدًّا وَاجِبًا نَذْكُرُهَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَذْكُرُ حُجَّةَ مَنْ رَأَى فِيهَا الْحَدَّ وَحُجَّةَ مَنْ لَمْ يَرَهُ لِيَلُوحَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - كَمَا فَعَلْنَا فِي سَائِرِ كِتَابِنَا: وَتِلْكَ الْأَشْيَاءُ: السُّكْرُ، وَالْقَذْفُ بِالْخَمْرِ، وَالتَّعْرِيضُ، وَشُرْبُ الدَّمِ، وَأَكْلُ الْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَفِعْلُ قَوْمِ لُوطٍ، وَإِتْيَانُ الْبَهِيمَةِ، وَالْمَرْأَةُ تَسْتَنْكِحُ الْبَهِيمَةَ، وَالْقَذْفُ بِالْبَهِيمَةِ، وَسُحْقُ النِّسَاءِ، وَتَرْكُ الصَّلَاةِ غَيْرَ جَاحِدٍ لَهَا، وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ كَذَلِكَ، وَالسِّحْرُ.
وَنَحْنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذَاكِرُونَ كُلَّ ذَلِكَ بَابًا بَابًا.
[مَسْأَلَة مِمَّا يحد السَّكْرَان]
٢٣٠٠ - مَسْأَلَةٌ: السُّكْرُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَبَاحَ أَبُو حَنِيفَةَ شُرْبَ نَقِيعِ الزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ، وَشُرْبَ نَقِيعِ التَّمْرِ إذَا طُبِخَ، وَشُرْبَ عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ - وَإِنْ أَسْكَرَ كُلُّ ذَلِكَ - فَهُوَ عِنْدَهُ حَلَالٌ، وَلَا حَدَّ فِيهِ مَا لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ الْقَدْرَ الَّذِي يُسْكِرُ - وَإِنْ سَكِرَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَإِنْ شَرِبَ نَبِيذَ تِينٍ مُسْكِرٍ، أَوْ نَقِيعَ عَسَلٍ مُسْكِرٍ، أَوْ عَصِيرَ تُفَّاحٍ مُسْكِرٍ، أَوْ شَرَابَ قَمْحٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ ذُرَةٍ مُسْكِرٍ: فَسَكِرَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَسْكَرْ، فَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ أَصْلًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْحُدُودَ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا أَصْلًا؟
стр. 5290
فَنَقُولُ لَهُمْ: أَيْنَ وَجَدْتُمْ هَذَا التَّقْسِيمَ؟ أَفِي قُرْآنٍ، أُمّ فِي سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، أَوْ سَقِيمَةٍ، أَوْ مَوْضُوعَةٍ؟ أَوْ فِي إجْمَاعٍ، أَوْ دَلِيلِ إجْمَاعٍ؟ أَمْ فِي قَوْلِ صَاحِبٍ، أَمْ فِي قَوْلِ أَحَدٍ قَبْلَكُمْ، أَمْ فِي قِيَاسٍ، أَمْ فِي رَأْيِ يَصِحُّ؟ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى وُجُودِ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ؟ ؛ لِأَنَّهُمْ، إنْ قَالُوا: حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَمْرَ فِي الْقُرْآنِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ وَجَدْتُمْ أَنْتُمْ الْحَدَّ فِي السُّكْرِ مِمَّا لَيْسَ خَمْرًا عِنْدَكُمْ، بَلْ هُوَ حَلَالٌ عِنْدَكُمْ طَيِّبٌ، وَهُوَ مَطْبُوخُ عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ إذَا طُبِخَا، وَلَا خَمْرَ هَاهُنَا أَصْلًا؟ فَإِنْ قَالُوا: «جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّكْرَانَ إذْ أُتِيَ بِهِ» .
وَرَوَوْا حَدِيثَ الْخَمْرِ بِعَيْنِهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ غَيْرِهَا، أَوْ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ، و «اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلَا تَسْكَرُوا» وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْأَخْبَارِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - فَأَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ، فَإِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ وُجِدَ سَكْرَانَ.
وَأَيْضًا: فَهَلْ وَجَدْتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ مِمَّاذَا سَكِرَ؟ فَإِنْ قَالَ لَهُ: مِنْ نَبِيذِ عَسَلٍ، أَوْ شَرَابِ شَعِيرٍ، أَوْ شَرَابِ ذُرَةٍ، أَطْلَقَهُ، وَقَدْ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودًا كَثِيرًا عَلَى عَهْدِهِ ﵇.
وَإِنْ قَالَ لَهُ: مِنْ نَبِيذِ تَمْرٍ، أَوْ نَقِيعِ زَبِيبٍ، أَوْ عَصِيرِ عِنَبٍ: حَدَّهُ.
هَلْ جَاءَ هَذَا قَطُّ فِي نَقْلٍ صَادِقٍ أَوْ كَاذِبٍ؟ فَأَنَّى لَكُمْ هَذَا التَّقْسِيمُ السَّخِيفُ؟ فَعَنْهُ سَأَلْنَاكُمْ، وَعَنْ تَحْرِيمِكُمْ بِهِ، وَتَحْلِيلِكُمْ، وَعَنْ إبَاحَتِكُمْ بِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُحَرَّمَةَ، أَوْ إسْقَاطِكُمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاجِبَةَ؟ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى حَدِّ الشَّارِبِ بِعَصِيرِ الْعِنَبِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ إذَا سَكِرَ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا عَدَاهُ؟ قُلْنَا لَهُمْ: فَمِنْ أَيْنَ أَوْجَبْتُمْ الْحَدَّ عَلَى مَنْ سَكِرَ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ - مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ
следующие страницы →