Полный текст (5 355 стр.). Показаны 5321–5355 · переход к 5326.
стр. 5321
- ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
وَهَؤُلَاءِ قَدْ انْتَهَكُوا بَشَرَةً مُحَرَّمَةً، فَأَتَوْا مُنْكَرًا، وَمَنْ أَتَى مُنْكَرًا فَفَرَضَ عَلَيْهِ تَغْيِيرَهُ بِالْيَدِ، كَمَا أَمَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ: التَّعْزِيرُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ هَذَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ: إنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا حَدَّ زِنًى، وَلَا حَدًّا مَحْدُودًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ مَا أَوْجَبُوا فِيهِ الْحُدُودَ مِمَّا لَا نَصَّ فِيهِ يَصِحُّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟
[مَسْأَلَة فِي السِّحْر]
. ٢٣٠٨ - مَسْأَلَةٌ: السِّحْرُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السِّحْرِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلُ السَّاحِرُ وَلَا يُسْتَتَابُ - وَالسِّحْرُ كُفْرٌ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْتَلُ السَّاحِرُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا: إنْ كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي يُسْحَرُ بِهِ كُفْرًا فَالسَّاحِرُ مُرْتَدٌّ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ كُفْرًا فَلَا يُقْتَلُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا.
وَذَكَرَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءَ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى جُزَيِّ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ - وَكَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - أَنْ اُقْتُلْ كُلَّ سَاحِرٍ، وَكَانَ بَجَالَةُ كَاتِبَ جُزَيٍّ، قَالَ بَجَالَةُ: فَأَرْسَلْنَا فَوَجَدْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ، فَضَرَبْنَا أَعْنَاقَهُنَّ.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: إنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ قَتَلَ سَاحِرًا
وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْهَا فَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ فَأَمَرَتْ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ فَقَتَلَهَا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: مَا تُنْكِرُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ امْرَأَةٌ سَحَرَتْ وَاعْتَرَفَتْ؟ فَسَكَتَ عُثْمَانُ.
стр. 5322
وَعَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ حَفْصَةَ سُحِرَتْ فَأَمَرَتْ عُبَيْدَ اللَّهِ أَخَاهَا فَقَتَلَ سَاحِرَتَيْنِ، وَعَنْ الْعَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ أَبُو صَفْوَانَ قَالَ: رَأَيْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى جِدَارِ بَيْتٍ لِبَنِي أَخٍ لَهُ يَتَامَى، أَتَاهُ غِلْمَةٌ أَرْبَعَةٌ، وَمَعَهُمْ غُلَامٌ هُوَ أَشَفُّ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَرَ اُنْظُرْ مَا يَصْنَعُ هَذَا؟ قَالَ: وَمَاذَا يَصْنَعُ؟ قَالَ: فَسَلْ خَيْطًا مِنْ ثَوْبِهِ فَقَطَعَهُ - وَسَالِمٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ - فَجَمَعَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ ثُمَّ تَفَلَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَدَّهُ، فَإِذَا هُوَ صَحِيحٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، فَسَمِعْت سَالِمًا يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ لَصَلَبْتُهُ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْمُهَاجِرِ بْنِ خَالِدٍ قَتَلَ نَبَطِيًّا سَحَرَ - يَعْنِي ذِمِّيًّا.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: إنَّ غُلَامًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ سَاحِرَةً فَأَلْقَاهَا فِي الْمَاءِ فَطَفَتْ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْك أَنْ تُلْقِيهَا فِي الْمَاءِ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَاقْتُلْهَا.
وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: يُقْتَلُ سَاحِرُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵌ سَحَرَهُ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ أَعْصَمَ، وَامْرَأَةٌ مِنْ خَيْبَرَ يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ، فَلَمْ يَقْتُلْهُمَا؟»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَؤُلَاءِ - عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَحَفْصَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَاهُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَهُ، وَعُثْمَانُ، وَقَيْسُ بْنُ رَبِيعَةَ.
وَمِنْ التَّابِعِينَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَخَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَأَمَّا مَنْ خَالَفَ هَذَا: فَكَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - هُوَ أَبُو الرِّجَالِ - عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْتَقَتْ جَارِيَةً لَهَا عَنْ دُبُرٍ، وَأَنَّهَا سَحَرَتْهَا وَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، وَقَالَتْ: أَحْبَبْت الْعِتْقَ، فَأَمَرَتْ بِهَا عَائِشَةُ ابْنَ أَخِيهَا أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ يُسِيءُ مَلْكَتِهَا، وَقَالَتْ: ابْتَعْ بِثَمَنِهَا رَقَبَةً فَأَعْتِقْهَا.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ
стр. 5323
أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: مَرِضَتْ عَائِشَةُ فَطَالَ مَرَضُهَا، فَذَهَبَ بَنُو أَخِيهَا إلَى رَجُلٍ، فَذَكَرُوا لَهُ مَرَضَهَا؟ فَقَالَ: إنَّكُمْ لِتُخْبِرُونِي خَبَرَ امْرَأَةٍ مَطْبُوبَةٍ، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ، فَإِذَا جَارِيَةٌ لَهَا قَدْ سَحَرَتْهَا وَكَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْهَا، فَقَالَتْ لَهَا: مَا أَرَدْتِ مِنِّي؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ تَمُوتِي حَتَّى أَعْتِقَ، قَالَتْ: فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ تُبَاعَ مِنْ أَشَدِّ الْعَرَبِ مَلِكَةً، فَبَاعَتْهَا، وَأَمَرَتْ بِثَمَنِهَا أَنْ يُجْعَلَ فِي مِثْلِهَا.
وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَطَاءٍ أَنَّ رَجُلًا عَبْدًا سَحَرَ جَارِيَةً عَرَبِيَّةً، وَكَانَتْ تَتْبَعُهُ، فَرَفَعَ إلَى عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ - وَكَانَ عَامِلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنْ يَبِيعَهُ بِغَيْرِ أَرْضِهَا وَأَرْضِهِ، ثُمَّ ادْفَعْ ثَمَنَهُ إلَيْهَا - وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عُثْمَانَ ﵁ إنْكَارَ قَتْلِ السَّاحِرِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ، فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مِنْ رَأَى قَتْلَ السَّاحِرَ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] الْآيَةُ قَالُوا: فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى السَّحَرَ كُفْرًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
قَالَ: " فَيُعَلِّمُونَ " بَدَلٌ مِنْ " كَفَرُوا " فَتَعْلِيمُ السِّحْرِ كُفْرٌ.
وَأَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وَأَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وَبِقَوْلِهِ ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وَذَكَرُوا - مَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» .
стр. 5324
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا كَانَ آخِرَ عَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ» .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ جُهَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَانَبَ عُقْبَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَنَزَلَ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: جُنْدُبُ وَمَا جُنْدُبُ وَالْأَقْطَعُ الْخَبَرُ الْخَبَرُ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا رَأَيْنَا رَاجِزًا أَحْسَنَ رَجَزًا مِنْكَ اللَّيْلَةِ، فَمَا جُنْدُبُ، وَالْأَقْطَعُ؟ قَالَ: أَمَّا جُنْدُبُ فَرَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي يَضْرِبُ ضَرْبَةً يُبْعَثُ بِهَا أُمَّةً وَحْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا الْأَقْطَعُ فَرَجُلٌ تُقْطَعُ يَدُهُ فَتُدْخَلُ الْجَنَّةَ قَبْلَ جَسَدِهِ بِبُرْهَةٍ مِنْ الدَّهْرِ» .
فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْأَقْطَعَ، زَيْدَ بْنَ صُوحَانَ، قُطِعَتْ يَدُهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ قَبْلَ يَوْمِ الْجَمَلِ مَعَ عَلِيٍّ - وَأَمَّا جُنْدُبُ، فَهُوَ الَّذِي قَتَلَ السَّاحِرَ.
وَقَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا أَبُو عِمْرَانَ - هُوَ الْجَوْنِيُّ - أَنَّ سَاحِرًا كَانَ عِنْدَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَجَعَلَ يَدْخُلُ فِي بَقَرَةٍ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَرَآهُ جُنْدُبٌ، فَذَهَبَ إلَى بَيْتِهِ فَالْتَفَعَ عَلَى سَيْفِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ السَّاحِرُ جَوْفَ الْبَقَرَةِ ضَرَبَهُمَا، قَالَ ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] فَانْدَفَعَ النَّاسُ وَتَفَرَّقُوا وَقَالُوا: حَرُورِي، فَسَجَنَهُ الْوَلِيدُ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَكَانَ يُفْتَحُ لَهُ بِاللَّيْلِ فَيَذْهَبُ إلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ رَجَعَ إلَى السِّجْنِ - قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ جُنْدُبًا صَاحِبَ الضَّرْبَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ لَهُمْ غَايَةَ التَّقَصِّي، وَأَتَيْنَا بِمَا لَمْ نَذْكُرْهُ أَيْضًا، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ:
стр. 5325
أَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ﵁ فَإِنَّهُ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْهُ أَخَذُوا مَا اشْتَهَوْا مِنْهُ، وَتَرَكُوا سَائِرَهُ، وَهُوَ خَبَرٌ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْت بَجَالَةَ كَاتِبَ جُزَيٍّ يُحَدِّثُ أَبَا الشَّعْثَاءِ، وَعَمْرَو بْنَ أَوْسٍ عَنْ صِفَةِ زَمْزَمَ فِي إمَارَةِ الْمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجُزَيٍّ - عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ - فَأَتَى كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ، بِسَنَةٍ: اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ، وَانْهَهُمْ عَنْ الزَّمْزَمَةِ، قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ، قَالَ: وَصَنَعَ طَعَامًا كَثِيرًا وَعَرَضَ السَّيْفَ، ثُمَّ دَعَا الْمَجُوسَ فَأَلْقَوْا وِقْرَ بَغْلٍ، أَوْ بَغْلَيْنِ مِنْ وَرِقِ أَخِلَّةً، كَانُوا يَأْكُلُونَ بِهَا، وَأَكَلُوا بِغَيْرِ زَمْزَمَةٍ، قَالَ: «وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ مِنْ الْمَجُوسِ الْجِزْيَةَ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ أَهْلِ هَجَرَ» فَهَكَذَا الْحَدِيثُ.
وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالْحَنَفِيُّونَ يُخَالِفُونَ عُمَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ فِيمَا لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ: بِأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى إذْ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] .
فَهُوَ إذْ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] .
فَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ وَالْمَالِكِيُّونَ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مَجُوسِيٍّ وَبَيْنَ حَرِيمَتِهِ، وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ مَنْ لَيْسَ كِتَابِيًّا مِنْ الْعَجَمِ - فَخَالَفُوا الْقُرْآنَ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، حَيْثُ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ وَقَلَّدُوهُ - بِزَعْمِهِمْ - حَيْثُ حَكَمَ فِيهِ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ قُرْآنٌ، وَلَا صَحَّتْ بِهِ سُنَّةٌ - فَهَذَا عَكْسُ الْحَقَائِقِ.
وَالزَّمْزَمَةُ - كَلَامٌ تَتَكَلَّمُ بِهِ الْمَجُوسُ عِنْدَ أَكْلِهِمْ، لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، وَلَا يَحِلُّ فِي دِينِهِمْ أَكْلٌ دُونَهُ - وَهُوَ كَلَامُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ تَعَالَى يَتَكَلَّمُونَ بِهِ فِي أَفْوَاهِهِمْ خِلْقَةً وَشِفَاهُهُمْ مُطْبَقَةٌ، لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ - وَلَهُمْ خَشَبَاتٌ صِغَارٌ يَسْتَعْمِلُونَهَا عِنْدَ ذَلِكَ - وَأَخِلَّةٌ يَأْكُلُونَ بِهَا - وَهَذَا حُمْقٌ مِنْهُمْ وَتَكَلُّفٌ.
وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَ سَاحِرًا فَدَفَنَهُ إلَى صَدْرِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ.
стр. 5326
وَهُمْ لَا يَأْخُذُونَ بِهَذَا نَفْسَهُ مِنْ حُكْمِ عُمَرَ فِي السَّاحِرِ - وَحَتَّى لَوْ الْتَزَمُوا قَوْلَ عُمَرَ كُلَّهُ لَكَانَ إذْ صَحَّ خِلَافُ عَائِشَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهَا، وَلَا قَوْلُهَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ.
فَالْوَاجِبُ عِنْدَ التَّنَازُعِ الرُّجُوعُ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّجُوعَ إلَيْهِ: مِنْ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ - فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِعُمَرَ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَتَلَ سَاحِرًا؟ فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّاحِرُ كَافِرًا أَضَرَّ بِمُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ - وَهَكَذَا نَقُولُ.
وَأَيْضًا - فَقَدْ صَحَّ خِلَافُ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِحَدِيثِ قَيْسٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ حَفْصَةَ، وَابْنِ عُمَرَ؟ فَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا خَبَرَ الْحَسَنِ مُرْسَلًا، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ - وَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ أَصْلًا، لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ حَدُّ السَّاحِرِ: ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، وَلَيْسَ فِيهِ قَتْلُهُ، وَالضَّرْبَةُ قَدْ تُخْطِئُ فَتَجْرَحُ فَقَطْ، وَقَدْ تَقْتُلُ - فَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَذَا الْخَبَرَ وَأَوْجَبُوا قَتْلَهُ وَلَا بُدَّ.
وَأَمَّا خَبَرُ جُنْدُبَ فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ: أَوَّلُ ذَلِكَ - أَنَّهُ مُرْسَلٌ لَا يُدْرَى مِمَّنْ سَمِعَهُ أَبُو الْعَلَاءِ.
فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْآيَةُ - فَوَجَبَ النَّظَرُ فِيهَا، فَفَعَلْنَا - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - وَابْتَدَأْنَا بِأَوَّلِهَا مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وَقَوْلُهُمْ " يُعَلِّمُونَ " بَدَلٌ مِنْ " كَفَرُوا ".
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ - فَوَجَدْنَاهُ لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، بَلْ الْقَوْلُ الظَّاهِرُ هُوَ أَنَّ الْكَلَامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] وَكَمُلَتْ الْقِصَّةُ، وَقَامَتْ بِنَفْسِهَا صَحِيحَةٌ تَامٌّ ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] .
ثُمَّ ابْتَدَأَ تَعَالَى قِصَّةً أُخْرَى مُبْتَدَأَةً، وَهُوَ: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَيُعَلِّمُونَ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ لَا بَدَلَ.
стр. 5327
ثُمَّ لَوْ صَحَّ: أَنَّ " يُعَلِّمُونَ " بَدَلٌ مِنْ " كَفَرُوا " وَلَمْ يَحْتَمِلْ غَيْرَ ذَلِكَ أَصْلًا، لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ أَلْبَتَّةَ، لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حُكْمَ الشَّيَاطِينِ بَعْدَ أَيَّامِ سُلَيْمَانَ ﵇ وَذَلِكَ شَرِيعَةٌ لَا تَلْزَمُنَا، وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الشَّيَاطِينِ حُكْمٌ خَارِجٌ مِنْ حُكْمِنَا، وَكُلُّ حُكْمٍ لَمْ يَكُنْ فِي شَرِيعَتِنَا فَلَا يَلْزَمُنَا.
بَلْ قَدْ صَحَّ: أَنَّ حُكْمَ " الْجِنِّ " الْيَوْمَ فِي شَرِيعَتِنَا غَيْرُ حُكْمِنَا، كَمَا قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ طَعَامًا وَالرَّوْثُ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَحَلَالٌ لَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِذَا احْتَمَلَ ظَاهِرُ الْآيَةِ مَعْنَيَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، إلَّا بِبُرْهَانٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا.
وَأَيْضًا - فَإِنَّ نَصَّ قَوْلِهِمْ: إنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا بِتَعْلِيمِ النَّاسِ السِّحْرَ - وَهُمْ يَزْعُمُونَ: أَنَّ الْمَلَكَيْنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحْرَ، وَلَا يَكْفُرُ الْمَلَكَانِ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَدْ أَقَرُّوا بِاخْتِلَافِ حُكْمِ تَعْلِيمِ السِّحْرِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ كُفْرًا، وَلَا يَكُونُ كُفْرًا بِذَلِكَ، فَإِذْ قَدْ قَالُوا ذَلِكَ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ: أَنَّ حُكْمَ السَّاحِرِ مِنْ النَّاسِ الْكُفْرُ قِيَاسًا عَلَى الشَّيَاطِينِ، دُونَ أَنْ لَا يَكُونَ كُفْرًا قِيَاسًا عَلَى الْمَلَكَيْنِ؟ فَكَيْفَ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ.؟ فَصَحَّ - أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي تَكْفِيرِ السَّاحِرِ مِنْ النَّاسِ: بِأَنَّ الشَّيَاطِينَ يَكْفُرُونَ بِتَعْلِيمِهِ - هَذَا لَوْ صَحَّ لَهُمْ أَنَّ كُفْرَ الشَّيَاطِينِ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِتَعْلِيمِهِمْ النَّاسَ السِّحْرَ خَاصَّةً - وَهَذَا لَا يَصِحُّ لَهُمْ أَبَدًا.
بَلْ قَدْ كَفَرُوا قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَانَ تَعْلِيمُهُمْ النَّاسَ السِّحْرَ ضَلَالًا زَائِدًا، وَمَعْصِيَةً حَادِثَةً أُخْرَى، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْآيَةِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ، إلَّا بِالدَّعْوَى الْعَارِيَّةِ مِنْ الْبُرْهَانِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ صِرْنَا إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَوَجَدْنَاهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا فِي هَذَا الْكَلَامِ النَّهْيُ عَنْ الْكُفْرِ جُمْلَةً، وَلَمْ يَقُولَا: فَلَا تَكْفُرْ بِتَعَلُّمِك السِّحْرِ، وَلَا بِعِلْمِك السِّحْرَ، هَذَا مَا لَا يُفْهَمُ مِنْ الْآيَةِ أَصْلًا.
وَهَكَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ
стр. 5328
بَعْضٍ» إنَّمَا هُوَ نَهْيٌ أَنْ يَكْفُرُوا ابْتِدَاءً، وَعَنْ أَنْ يَرْتَدُّوا فَقَطْ، لَا أَنَّهُمْ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَكُونُونَ كُفَّارًا، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا خَفَاءَ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَكُلُّ مَنْ أُقْحِمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ الْقَائِلِينَ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَنَّ مُرَادَهُمَا لَا تَكْفُرْ بِتَعَلُّمِك مَا نُعَلِّمُك فَقَدْ كَذَبَ، وَزَادَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَصْلًا.
ثُمَّ صِرْنَا إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَوَجَدْنَا هَذَا أَبْعَدَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِيهِ شُبْهَةٌ يُمَوِّهُونَ بِهَا مِنْ كُلِّ مَا سَلَفَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَزَوْجِهَا لَا يَكُونُ كَافِرًا بِذَلِكَ؟ بَلْ قَدْ وَجَدْنَا الْمَالِكِيِّينَ، وَالْحَنَفِيِّينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَطُّ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَالتَّخْيِيرِ، وَالتَّمْلِيكِ وَالْعِنَانَةِ، وَعَدَمِ النَّفَقَةِ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إبَاحَةُ الْحَنَفِيِّينَ لِمَنْ طَالَتْ يَدُهُ مِنْ الْفُسَّاقِ، وَلِمَنْ قَصُرَتْ يَدُهُ مِنْهُمْ أَنْ يَأْتِيَ إلَى مَنْ عَشِقَ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْمِلَ السَّوْطَ عَلَى ظَهْرِهِ حَتَّى يَنْطِقَ بِطَلَاقِهَا مُكْرَهٌ، فَإِذَا اعْتَدَّتْ أَكْرَهَهَا الْفَاسِقُ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَهُ بِالسِّيَاطِ أَيْضًا، حَتَّى تَنْطِقَ بِالرِّضَا مُكْرَهَةً، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ نِكَاحًا طَيِّبًا، وَزَوَاجًا مُبَارَكًا، وَوَطْئًا حَلَالًا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَتَاللَّهِ، مَا فِي شَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ أَعْظَمُ إثْمًا، وَلَا أَشْنَعُ حَرَامًا وَأَبْعَدُ مِنْ رِضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا أَدْنَى، مِنْ رَأْيِ إبْلِيسَ، وَمِنْ
стр. 5329
الشَّيَاطِينِ، مِنْ هَذَا التَّفْرِيقِ الَّذِي أَمْضَوْهُ، وَأَجَازُوهُ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ مِنْ مِثْلِ هَذَا وَشِبْهِهِ.
وَقَدْ نَجِدُ النَّمَّامَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنْ يُكَفِّرُوا السَّاحِرَ بِذَلِكَ؟ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا النَّصِّ جُمْلَةً.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] إذْ لَيْسَ كُلُّ مَا ضَرَّ الْمَرْءُ يَكُونُ بِهِ كَافِرًا، بَلْ يَكُونُ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى، لَا كَافِرًا وَلَا حَلَالَ الدَّمِ.
ثُمَّ صِرْنَا إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَوَجَدْنَاهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي تَكْفِيرِ السَّاحِرِ، وَلَا فِي إبَاحَةِ دَمِهِ أَصْلًا، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ قَدْ تَكُونُ فِي مُسْلِمٍ بِإِجْمَاعِهِمْ مَعَنَا: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ نا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ نا نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخَرِ؟» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ لِبَاسَ الْحَرِيرِ لَيْسَ كُفْرًا، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ لَابِسِهِ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
فَنَظَرْنَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ مُتَعَلِّقٌ أَصْلًا، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَا مِنْ السُّنَنِ الصِّحَاحِ، وَلَا فِي السُّنَنِ الْوَاهِيَةِ، وَلَا فِي إجْمَاعٍ، وَلَا فِي قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا فِي قِيَاسٍ، وَلَا نَظَرٍ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ يَصِحُّ، بَلْ كُلُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِهِمْ.
فَلَمَّا بَطَلَ قَوْلُ مَنْ رَأَى أَنْ يَقْتُلَ السَّاحِرَ جُمْلَةً، وَقَوْلُ مَنْ ادَّعَى أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ بِالْجُمْلَةِ: وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ: فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]
стр. 5330
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الْآيَةُ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
فَصَحَّ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ: أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ فَدَمُهُ حَرَامٌ إلَّا بِنَصٍّ ثَابِتٍ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقِّنٍ - فَنَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ فِي السِّحْرِ نَصًّا ثَابِتًا بِتِبْيَانٍ مَا هُوَ؟ فَوَجَدْنَا - مِنْ طَرِيق مُسْلِمٍ نا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» .
فَكَانَ هَذَا بَيَانًا جَلَّيَا بِأَنَّ السِّحْرَ لَيْسَ مِنْ الشِّرْكِ، وَلَكِنَّهُ مَعْصِيَةٌ مُوبِقَةٌ كَقَتْلِ النَّفْسِ وَشَبَهِهَا، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَصَحَّ أَنَّ السِّحْرَ لَيْسَ كُفْرًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كُفْرًا فَلَا يَحِلُّ قَتْلُ فَاعِلِهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ، وَزِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ، وَنَفْسٌ بِنَفْسٍ» .
فَالسَّاحِرُ لَيْسَ كَافِرًا كَمَا بَيَّنَّا، وَلَا قَاتِلًا، وَلَا زَانِيًا مُحْصَنًا، وَلَا جَاءَ فِي قَتْلِهِ نَصٌّ صَحِيحٌ فَيُضَافُ إلَى هَذِهِ الثَّلَاثِ، كَمَا جَاءَ فِي الْمُحَارِبِ، وَالْمَحْدُودِ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
فَصَحَّ تَحْرِيمُ دَمِهِ بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ.
وَوَجَدْنَا أَيْضًا - مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ
стр. 5331
يَقُولُ: إنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ» قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ السِّحْرِ «فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ - أَعَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتِهِ فِيهِ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلْآخَرِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفُ الْيَهُودِ، وَكَانَ مُنَافِقًا - قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ، قَالَ: وَأَيْنَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ، قَالَ: فَأَتَى الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ، قَالَ: فَهَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي رَأَيْتُهَا، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، قَالَ: فَاسْتُخْرِجَ، فَقُلْتُ: أَفَلَا تَنَشَّرْتَ؟ قَالَ: أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا؟» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ عَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ مَنْ سَحَرَهُ، فَلَمْ يَقْتُلْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا - وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الْكَافِرَ إذَا أَضَرَّ بِمُسْلِمٍ وَجَبَ قَتْلُهُ، وَبَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ إذَا عُرِفَ وَجَبَ قَتْلُهُ؟ قُلْنَا: إنَّنَا كَذَلِكَ نَقُولُ، لِأَنَّ الْبُرْهَانَ قَامَ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الذِّمِّيُّ - إذَا أَضَرَّ بِمُسْلِمٍ، فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَإِنَّمَا حُرِّمَتْ دِمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْتِزَامِ الصَّغَارِ، فَإِذَا فَارَقُوا الصَّغَارَ فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمْ، وَسَقَطَ تَحْرِيمُ دِمَائِهِمْ، وَعَادَتْ حَلَالًا كَمَا كَانَتْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ دِمَاءَهُمْ أَبَدًا إلَّا بِالصَّغَارِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الصِّغَارُ فَدِمَاؤُهُمْ لَمْ تَحْرُمْ، وَهُمْ إذَا أَضَرُّوا بِمُسْلِمٍ فَلَمْ يَصْغُرْ وَهُمْ وَقَدْ أَصْغَرُوهُ، فَدِمَاؤُهُمْ حَلَالٌ.
وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - فَإِذَا عُرِفَ أَنَّهُ كَافِرٌ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَافْتَلُوهُ» فَهَذَا الْمُنَافِقُ أَوْ الْيَهُودِيُّ، نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ لَا مِرْيَةَ فِيهِ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بَعْدُ بِقَتْلِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، وَلَا بِقَتْلِ مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ الصَّغَارَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
стр. 5332
بُرْهَانُ ذَلِكَ - لَا يَشُكُّ أَنَّهُ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِقْدَارُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَتَعَمَّدُ عِصْيَانَ رَبِّهِ، فَلَوْ أَمَرَهُ رَبُّهُ تَعَالَى بِقَتْلِهِمْ لَأَنْفَذَ ذَلِكَ، فَإِذْ لَمْ يَقْتُلْهُ ﵇، فَبِيَقِينٍ نَقْطَعُ وَنَبُتُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ بِقَتْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا لَمْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ مَعَ الصَّغَارِ، وَقَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِقَتْلِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ.
فَإِنْ قَالُوا: قُولُوا كَذَلِكَ فِي السَّاحِرِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، هَكَذَا نَقُولُ، وَهُوَ أَنَّ السَّاحِرَ بِهَذَا الْخَبَرِ حَرَامُ الدَّمِ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودِيُّ يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِ، فَكَيْفَ بِسَيِّدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ﷺ وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْلَنَ الْإِسْلَامَ وَأَسَرَّ الْكُفْرَ.
ثُمَّ صَحَّ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِتَحْرِيمِ دِمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْجِزْيَةِ مَعَ الصَّغَارِ، وَإِبَاحَتِهَا بِعَدَمِ ذَلِكَ - وَصَحَّ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَصِرْنَا إلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْتِ أَمْرٌ صَحِيحٌ بِقَتْلِ السَّاحِرِ، فَبَقِيَ عَلَى تَحْرِيمِ الدَّمِ - فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة مِقْدَار التَّعْزِير]
. ٣٢٠٩ - مَسْأَلَةٌ: التَّعْزِيرُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مِقْدَارِ التَّعْزِيرِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ لَهُ مِقْدَارٌ مَحْدُودٌ، وَجَائِزٌ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ الْإِمَامُ مَا رَآهُ، وَأَنْ يُجَاوِزَ بِهِ الْحُدُودَ - بَالِغًا مَا بَلَغَ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - وَأَحَدُ أَقْوَالِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَالطَّحَاوِيِّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: التَّعْزِيرُ مِائَةُ جَلْدَةٍ فَأَقَلَّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَكْثَرُ التَّعْزِيرِ مِائَةُ جَلْدَةٍ إلَّا جَلْدَةً.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَكْثَرُ التَّعْزِيرِ تِسْعَةٌ وَسَبْعُونَ سَوْطًا فَأَقَلَّ - هُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَكْثَرُ التَّعْزِيرِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ سَوْطًا فَأَقَلَّ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَحَدُ أَقْوَالِ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَكْثَرُ التَّعْزِيرِ ثَلَاثُونَ سَوْطًا.
стр. 5333
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَكْثَرُ التَّعْزِيرِ عِشْرُونَ سَوْطًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَتَجَاوَزُ بِالتَّعْزِيرِ تِسْعَةً - وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَكْثَرُ التَّعْزِيرِ عَشْرَةُ أَسْوَاطٍ فَأَقَلَّ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَجَاوَزَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَمِمَّا رُوِيَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: مَا ناه أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نا الْحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ نا سَعْدُ بْنُ فَلْحُونٍ نا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ لِي مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثِقَةٌ: أُتِيَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ - وَهُوَ قَاضِي الْمَدِينَةِ وَمِنْ صَالِحِ قُضَاتِهَا - بِرَجُلٍ خَبِيثٍ مَعْرُوفٍ بِاتِّبَاعِ الصِّبْيَانِ قَدْ لَصِقَ بِغُلَامٍ فِي ازْدِحَامِ النَّاسِ حَتَّى أَفْضَى، فَبَعَثَ بِهِ هِشَامٌ إلَى مَالِكٍ، وَقَالَ: أَتَرَى أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: وَكَانَ هِشَامٌ شَدِيدًا فِي الْحُدُودِ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْقَتْلُ فَلَا، وَلَكِنْ أُرِي أَنْ تَعَاقُبَهُ عُقُوبَةً مُوجِعَةً، فَقَالَ: كَمْ؟ قَالَ: ذَلِكَ إلَيْك، فَأَمَرَ بِهِ هِشَامٌ فَجُلِدَ أَرْبَعُ مِائَةٍ سَوْطٍ، وَأَبْقَاهُ فِي السِّجْنِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ مَاتَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِمَالِكٍ، فَمَا اسْتَنْكَرَ، وَلَا رَأَى أَنَّهُ أَخْطَأَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونَ بْنِ سَعِيدٍ فِي كِتَابِهِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ أَحْكَامَ أَبِيهِ أَيَّامَ وِلَايَتِهِ قَضَاءَ مَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ لِابْنِ الْأَغْلَبِ، قَالَ: شَكَا إلَى أَبِي رَجُلٌ يَأْتِي زَوْجَتَهُ أَنَّهُ غَيَّبَ عَنْهُ ابْنَتَهُ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا؟ فَبَعَثَ فِي أَبِي الْجَارِيَةِ، قَالَ: أَيْنَ ابْنَتُك امْرَأَةُ هَذَا؟ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَتَتْنِي وَلَا أَدْرِي أَيْنَ هِيَ؟ وَلَا لَهَا عِنْدِي عِلْمٌ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَحَمَلَهُ إلَى وَسَطِ السُّوقِ، وَضُرِبَ مِائَةُ سَوْطٍ، ثُمَّ سَجَنَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً وَجَلَدَهُ فِي وَسَطِ السُّوقِ مِائَةَ سَوْطٍ - ثُمَّ أَنَا أَشُكُّ أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَوْ الرَّابِعَةَ أَمْ لَا؟ قَالَ: فَمَاتَ الرَّجُلُ مِنْ الضَّرْبِ فِي السِّجْنِ، ثُمَّ وَجَدَ ابْنَتَهُ فِي بَعْضِ الشِّعَابِ عِنْدَ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي - فَكَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ وَأَعْتَقَ مَنْ صَلَّى مِنْ رَقِيقِهِ وَصَامَ، وَكَانَتْ لَهُ نُوبِيَّةٌ قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ لَمْ تَفْقَهْ، فَلَمْ يَرُعْهُ إلَّا حَمْلُهَا وَكَانَتْ ثَيِّبًا، فَذَهَبَ إلَى عُمَرَ فَزِعًا فَحَدَّثَهُ؟ فَقَالَ: أَنْتَ الرَّجُلُ لَا تَأْتِي بِخَيْرٍ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا عُمَرُ
стр. 5334
فَسَأَلَهَا، فَقَالَ: أَحَبِلْت؟ قَالَتْ: نَعَمْ، مِنْ مَرْعُوشٍ بِدِرْهَمَيْنِ، فَصَادَفَ ذَلِكَ عِنْدَهُ: عُثْمَانُ، وَعَلِيًّا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَقَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ وَكَانَ عُثْمَانُ جَالِسًا فَاضْطَجَعَ، فَقَالَ عَلِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، فَقَالَ: أُشِرْ عَلَيَّ يَا عُثْمَانُ؟ قَالَ: قَدْ أَشَارَ عَلَيْك أَخَوَاك، قَالَ: أَشِرْ عَلَيَّ أَنْتَ، قَالَ عُثْمَانُ: أَرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ كَأَنَّهَا لَا تَعْرِفُهُ، فَلَيْسَ الْحَدُّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ، فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَجُلِدَتْ مِائَةً ثُمَّ غَرَّبَهَا، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَتْ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا الْحَدُّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ: سَمِعْت مَكْحُولًا يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ فِي بَيْتِ رَجُلٍ بَعْدَ الْعَتَمَةِ مُلَفِّفًا فِي حَصِيرٍ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ مِائَةً.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ إذَا وَجَدَ الرَّجُلَ مَعَ الْمَرْأَةِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، جَلَدَهُمَا مِائَةً كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمَا.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِرَجُلٍ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ فِي لِحَافٍ، فَضَرَبَهُمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعِينَ سَوْطًا، فَذَهَبَ أَهْلُ الْمَرْأَةِ وَأَهْلُ الرَّجُلِ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ عُمَرُ لِابْنِ مَسْعُودٍ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلْت ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ - فَرُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ضَرَبَ رَجُلًا دُونَ الْمِائَةِ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ فِي الْعَتَمَةِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ ثَلَاثُونَ سَوْطًا فَلِمَا رُوِّينَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ جَامِعٍ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حَقٌّ فَكَتَبَ إلَيْهَا يَخْرُجُ عَلَيْهَا فَأَمَرَ عُمَرُ بِأَنْ يُجْلَدَ ثَلَاثِينَ جَلْدَةً.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ عِشْرُونَ سَوْطًا - فَكَمَا رُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ اتَّفَقَا كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى لَا يُجْلَدْ فِي تَعْزِيرٍ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ سَوْطًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ: - فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ أَسْقَطَ التَّعْزِيرَ جُمْلَةً، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُزَادُ فِيهِ عَشْرُ جَلَدَاتٍ، إذْ
стр. 5335
لَمْ يَبْقَ غَيْرُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، إذْ سَائِرُ الْأَقْوَالِ قَدْ سَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً.
فَوَجَدْنَا الْمَنْعَ مِنْهُ جُمْلَةً، كَمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَنْ عَطَاءٍ هُوَ كَانَ الْأَصْلَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّه ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
لَكِنْ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلِيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ» كَانَ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ، فَكَانَ هَذَا أَمْرًا مُجْمَلًا، لَا نَدْرِي كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ التَّغْيِيرِ بِالْيَدِ كَيْفَ هُوَ؟ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ بِالْيَدِ يَكُونُ بِالسَّيْفِ، وَبِالْحَجَرِ، وَيَكُونُ بِالرُّمْحِ، وَيَكُونُ بِالضَّرْبِ - وَهَذَا لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيَانٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ: فَوَجَدْنَاهُ أَبْعَدَ الْأَقْوَالِ مِنْ الصَّوَابِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقُرْآنٍ، وَلَا بِسُنَّةٍ، وَلَا بِدَلِيلِ إجْمَاعٍ، وَلَا بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلَا بِرَأْيٍ سَدِيدٍ: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَوَجَدْنَا: مَا نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - ني يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» فَكَانَ هَذَا بَيَانًا جَلِيًّا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَدَّاهُ.
وَقَدْ رُوِّينَا - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي عَامِرٍ قَالَ: أُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِرَجُلٍ وُجِدَ تَحْتَ فِرَاشِ امْرَأَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَقَلَبُوهُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ فِي مَكَان مُنَتَّنٍ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي مَكَان شَرٌّ مِنْهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ رَجُلٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِمُسْتَعِدٍّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا احْتَلَمَ عَلَى أُمِّي الْبَارِحَةَ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اذْهَبْ فَأَقِمْهُ فِي الشَّمْسِ وَاضْرِبْ ظِلَّهُ؟
стр. 5336
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَمَنْ أَتَى مُنْكَرَاتٍ جَمَّةٍ، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَضْرِبَهُ لِكُلِّ مُنْكَرٍ مِنْهَا عَشْرُ جَلَدَاتٍ فَأَقَلَّ - بَالِغًا ذَلِكَ مَا بَلَغَ - لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي التَّعْزِيرِ جَاءَ مُجْمَلًا فِيمَنْ أَتَى مُنْكَرًا أَنْ يُغَيِّرَ بِالْيَدِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الزَّانِي الَّذِي قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ وَالنَّصُّ أَنَّ الْإِيلَاجَ وَالتَّكْرَارَ سَوَاءٌ - وَلَا كَالشُّرْبِ الَّذِي قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ وَالنَّصُّ عَلَى أَنَّ الْجَرْعَةَ وَالسُّكْرَ سَوَاءٌ - وَلَا كَالسَّرِقَةِ الَّتِي قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ بِأَنَّ سَارِقَ رُبْعِ دِينَارٍ وَسَارِقَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ - وَلَا كَالْقَذْفِ الَّذِي قَدْ صَحَّ النَّصُّ بِأَنَّ قَاذِفَ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ سَوَاءٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة هَلْ يُقَالُ ذَوُو الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتُهُمْ وَكَيْفَ يَتَجَاوَزُ عَنْ مُسِيءِ الْأَنْصَارِ]
٣٢١٠ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُقَالُ ذَوُو الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتُهُمْ؟ وَكَيْفَ يَتَجَاوَزُ عَنْ مُسِيءِ الْأَنْصَارِ ﵃؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ الْبَصْرِيُّ نا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِيُّ نا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَيْدٍ - مِنْ وَلَدِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إلَّا الْحُدُودَ» .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ مَوْلَى الْعُمَرِيِّينَ قَالَ: سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَتْ عَمْرَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا أَبِي نا جَدِّي نا مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ جَرَحَ مَوْلًى لَهُ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ ابْنُ حَزْمٍ - وَهُوَ وَالِي الْمَدِينَةِ - فَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: سَمِعْت جَدَّتِي عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ - أَوْ زَلَّاتِهِمْ» وَأَنْتَ ذُو هَيْئَةٍ، وَقَدْ أَقَلْتُك.
стр. 5337
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ زَيْدٍ الْمَدِينِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» .
نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ نا سُوَيْدٌ - هُوَ ابْنُ نَصْرٍ نا عَبْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ «تُجَاوِزُوا عَنْ زَلَّةِ ذِي الْهَيْئَةِ؟» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَ يَكُونُ جَيِّدًا لَوْلَا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ مُقَدَّرٌ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَمْرَةَ، لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ عَنْ أَبِيهِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ - وَأَمَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ - فَهُوَ ضَعِيفٌ لَيْسَ هُوَ بِشَيْءٍ - وَلَيْسَ هُوَ أَبَا بَكْرِ بْنَ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، ذَلِكَ عَالٍ ثِقَةٌ، وَهَذَا مُتَأَخِّرٌ - وَأَحْسَنُهَا كُلُّهَا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ فَهُوَ جَيِّدٌ وَالْحُجَّةُ بِهِ قَائِمَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نا شُعْبَةُ سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «الْأَنْصَارُ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَالنَّاسُ سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو عَلِيٍّ الصَّائِغُ نا شَاذَانُ - أَخُو عَبْدَانَ - نا أَبِي نا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ «مَرَّ أَبُو بَكْرٍ، وَالْعَبَّاسُ، بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ وَهُمْ يَبْكُونَ، فَقَالَ: مَا يَبْكِيكُمْ؟ فَقَالُوا: ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﵌ مِنَّا، فَدَخَلَ إلَى النَّبِيِّ ﵌ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﵌ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِحَاشِيَةِ بُرْدٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ - وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ - فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
стр. 5338
أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَقَدْ قَضَوْا الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ» .
وَبِهِ - إلَى الْبُخَارِيِّ نا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ نا ابْنُ الْمُغَلِّسِ قَالَ: سَمِعْت عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَصِّبًا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَتَقِلُّ الْأَنْصَارُ، حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ» .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ تُجْمَعُ هَذِهِ الْآثَارُ مَعَ قَوْلِهِ ﵌ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلِيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ» وَمَعَ مَا حَدَّثَكُمُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا عَبْدَانُ - هُوَ ابْنُ عُثْمَانَ - نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ نا يُونُسُ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إلَيْهِ، حَتَّى يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ ؟» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: إنَّ جَمِيعَهَا كُلَّهَا حَقٌّ مُمْكِنٌ ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ إسَاءَةٍ لَا تَبْلُغُ مُنْكَرًا وَجَبَ أَنْ يَتَجَاوَزَ فِيهَا عَنْ الْأَنْصَارِيِّ فِي التَّعْزِيرِ، وَلَمْ يُخَفِّفْ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَمَا كَانَ مِنْ حَدٍّ خَفِيفٍ أَيْضًا مِنْ الْأَنْصَارِ مَا لَا يُخَفَّفُ عَنْ غَيْرِهِمْ، مِثْلُ أَنْ يُجْلَدَ الْأَنْصَارِيُّ فِي الْخَمْرِ بِطَرَفِ الثَّوْبِ، وَغَيْرِهِ بِالْيَدِ، أَوْ بِالْجَرِيدِ، وَالنِّعَالِ، وَيُقَالُ ذُو الْهَيْئَةِ - وَهُوَ الَّذِي لَهُ هَيْئَةُ عِلْمٍ وَشَرَفٍ - عَثْرَةٌ فِي جَفَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا أَوْ مُنْكَرًا، فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ، وَالتَّعْزِيرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة الْقُرَشِيّ إذَا حَدّ فِي زَنَى أَوْ غيرة مِنْ الْحُدُود ثَلَاثًا هَلْ يقتل]
٢٣١١ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُقْتَلُ الْقُرَشِيُّ فِيمَا يُوجِبُ الْقَتْلَ مِنْ رَجْمِ الْمُحْصَنِ إذَا زَنَى، وَالْقَوَدِ، وَالْحِرَابَةِ، وَالرِّدَّةِ، وَإِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ، بَعْدَ أَنْ حُدَّ فِيهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَمْ لَا؟
стр. 5339
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الدِّينَوَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ ني عَمِّي يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ني شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ مُطِيعٍ - أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَكَانَ اسْمُهُ الْعَاصِ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: مُطِيعًا - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﵌ بِمَكَّةَ يَقُولُ «لَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ أَبَدًا وَلَا يُقْتَلُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ صَبْرًا» .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ بَهْرَامُ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ثَنْي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ نا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ زَكَرِيَّا - هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا» .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ثَنِيّ نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ زَكَرِيَّا - هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ بَرْصَاءَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ «لَا تُغْزَى بَعْدَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: الْحَارِثُ هَذَا - هُوَ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَوْدِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ بْنِ كِنَانَةِ بْن سَجْعٍ بْنِ عَامِرٍ بْنِ لَيْثٍ بْنِ بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ مُنَافٍ بْنِ كِنَانَةٍ - لَا يُعْرَفُ لِلشَّعْبِيِّ سَمَاعٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ هَذَا قُتِلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْحِصَارِ الْأَوَّلِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَيْضًا سَمَاعٌ مِنْ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ - فَحَصَلَ الْخَبَرَانِ مُنْقَطِعَيْنِ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُنْقَطِعٍ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ ﵇ لَا يَغْزُوهَا أَبَدًا، وَلَا يَقْتُلُ هُوَ قُرَشِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ صَبْرًا، فَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ ﵌.
وَبُرْهَانُ صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ: هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]
стр. 5340
فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّنَا سَنُقَاتِلُ فِيهِ وَنَقْتُلُ وَنُقْتَلُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِم نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ - هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةِ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرْنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: نا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ الْقِبْطِيَّةِ، قَالَ: دَخَلَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ، وَأَنَا مَعَهُمَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ فَيَبْعَثُ إلَيْهِ بَعْثٌ فَإِذَا كَانَ بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَسْقَطْنَا مِنْ هَذَا الْخَبَرِ كَلَامًا لِبَعْضِ رُوَاتِهِ لَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ فِي شَيْءٍ، وَهُوَ غَلَطٌ، وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَيَّامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ - وَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ مَاتَتْ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّمَا الْغَرَضُ مِنْ الْحَدِيثِ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لَا كَلَامَ مَنْ دُونِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّهَا سَمِعْت النَّبِيَّ ﵌ يَقُولُ «لَيُؤَمَّنَّ هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ يَغْزُونَهُ حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِهِمْ بِأَوْسَطِهِمْ، وَيُنَادِي أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ، ثُمَّ يُخْسَفُ بِهِمْ فَلَا يَبْقَى إلَّا الشَّرِيدُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُمْ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ ني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ نا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو نا يَزِيدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الْعَامِرِيِّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَيَعُودُ بِهَذَا الْبَيْتِ قَوْمٌ لَيْسَ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا عَدَدٌ وَلَا عُدَّةٌ يُبْعَثُ إلَيْهِمْ جَيْشٌ حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ» .
стр. 5341
قَالَ يُوسُفُ: وَأَهْلُ الشَّامِ يَوْمئِذٍ يَسِيرُونَ إلَى مَكَّةَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ: أَمَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِهَذَا الْجَيْشِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: إنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ «عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِي مَنَامِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتُ شَيْئًا فِي مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ، قَالَ: الْعَجَبُ، إنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ هَذَا الْبَيْتَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ، حَتَّى إذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ تَجْمَعُ النَّاسُ، قَالَ: نَعَمْ، فِيهِ الْمُسْتَبْصِرُ، وَالْمُجْبَرُ، وَابْنُ السَّبِيلِ، يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا، وَيُصْدَرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى حَتَّى يَبْعَثَهُمْ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» .؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ﵅ وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ - وَهُوَ صَاحِبُ - قَدْ «أَنْذَرَ النَّبِيُّ ﵌ بِأَنَّ مَكَّةَ تُغْزَى بَعْدَهُ» .
وَأَمَّا قَتْلُ الْقُرَشِيِّ صَبْرًا: فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِي حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ «ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: افْتَحْ وَبَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تَكُونُ، قَالَ: فَذَهَبْت فَإِذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قَالَ: فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَقُلْتُ الَّذِي قَالَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَبْرًا وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ نا مُسَدَّدٌ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَا جَمِيعًا: نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ -
стр. 5342
صَعِدَ أُحُدًا فَتَبِعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ نَبِيُّ اللَّهِ ﵌ بِرِجْلِهِ: اُثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ؟» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَنْذَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِأَنَّ الْكَعْبَةَ يَهْدِمُهَا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ غَزْوِهَا - بِلَا شَكٍّ - وَقَدْ صَرَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِأَنَّهَا تُغْزَى بَعْدَهُ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ عُثْمَانَ تُصِيبُهُ بَلْوَى كَمَا تَرَى - فَهَذَا أَنْذَرَ بِأَنَّهُ سَيُقْتَلُ، وَهُوَ قُرَشِيٌّ.
وَصَحَّ يَقِينًا: أَنَّ حَدِيثَ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ مُطِيعٍ، وَعَنْ الْحَارِثِ بْنِ بَرْصَاءَ، لَوْ صَحَّ - وَهُوَ لَا يَصِحُّ - لَكَانَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ ﵇ لَا يَغْزُوهَا بَعْدَ يَوْمِهِ ذَلِكَ أَبَدًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ ﵇ لَا يُقْتَلُ قُرَشِيًّا صَبْرًا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَكَذَا كَانَ، فَإِذْ هَذَا مَعْنَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ لَوْ صَحَّ - بِلَا شَكٍّ - فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْقُرَشِيَّ كَغَيْرِ الْقُرَشِيِّ فِي أَنْ يُقْتَلَ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ صَبْرًا، كَمَا يُقْتَلُ غَيْرُهُ، وَأَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ عَلَيْهِ، كَمَا تُقَامُ عَلَى غَيْرِ قُرَشِيٍّ، وَلَا فَرْقَ، مَعَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة سَبَّ نبيا أَوْ رسولا أَوْ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ مَلَكًا]
٢٣١٢ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ أَوْ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ إنْسَانًا مِنْ الصَّالِحِينَ، هَلْ يَكُونُ بِذَلِكَ مُرْتَدًّا - إنْ كَانَ مُسْلِمًا - أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَكُونُ بِذَلِكَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ - إنْ كَانَ ذِمِّيًّا - أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﵌ أَوْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّهُ مُسْلِمٌ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ ذَلِكَ كُفْرًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ كُفْرٌ، وَتَوَقَّفَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ: فَأَمَّا التَّوَقُّفُ فَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ كُفْرًا - فَإِنَّنَا رُوِّينَا بِإِسْنَادٍ غَابَ عَنَّا مَكَانُهُ مِنْ رِوَايَتِنَا، إلَّا
стр. 5343
أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَا أُوتَى بِرَجُلٍ قَذَفَ دَاوُد ﵇ بِالزِّنَا إلَّا جَلَدْته حَدَّيْنِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ كُفْرٌ فَأَبَاحَ دَمَهُ بِذَلِكَ - فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ نا أَبُو بَكْرٍ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: تَغَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ، فَقُلْت: مَنْ هُوَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: لِمَ؟ قُلْت لَهُ: لِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، إنْ أَمَرَتْنِي بِذَلِكَ؟ قَالَ: أَوَ كُنْت فَاعِلًا، قَالَ: قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: فَذَكَرْت كَلِمَةً مَعْنَاهَا لَأَذْهَبَ عِظَمُ كَلِمَتِي الَّتِي قُلْت غَضَبَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ نا الْحُمَيْدِيُّ نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ نا الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: مَرَرْت عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ مُتَغَيِّظٌ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْت: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ هَذَا الَّذِي تَغِيظُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: وَلِمَ تَسْأَلْ عَنْهُ؟ قُلْت لِأَضْرِبَ عُنُقَهُ قَالَ: فَوَاَللَّهِ لَأَذْهَبَ غَضَبَهُ مَا قُلْت، ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ نا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْت أَبَا نَصْرٍ - هُوَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ - يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: أَتَيْت عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَقَدْ أَغْلَظَ لِرَجُلٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْت: أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا أَبُو دَاوُد نا عَفَّانُ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ جِدًّا، فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِكَ قُلْت: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَلَمَّا ذَكَرْت الْقَتْلَ أَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَجْمَعَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّحْوِ، قَالَ: فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا أَرْسَلَ إلَيَّ فَقَالَ: يَا أَبَا بَرْزَةَ مَا قُلْت؟ قَالَ: وَنَسِيت الَّذِي قُلْت؟ فَقُلْت لَهُ: ذَكِّرْنِيهِ؟ فَقَالَ: أَمَّا تَذْكُرُ مَا قُلْت؟ قُلْت: لَا، وَاَللَّهِ، قَالَ: رَأَيْت حِينَ رَأَيْتنِي
стр. 5344
غَضِبْت عَلَى الرَّجُلِ، فَقُلْت: أَضْرِبُ عُنُقَهُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَا تَذْكُرُ ذَلِكَ، أَوَ كُنْت فَاعِلًا ذَلِكَ؟ قُلْت: نَعَمْ، وَاَللَّهِ وَلَئِنْ أَمَرْتنِي فَعَلْت، قَالَ: وَاَللَّهِ مَا هِيَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قِيلَ - هَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ - مَرَّةً عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، وَمَرَّةً عَنْ أَبِي الْبُحْتُرِيِّ، وَكِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بَرْزَةَ؟ قُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ كُلُّهُمْ ثِقَةٌ، سَمِعَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فَحَدَّثَ بِهِ كَذَلِكَ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ مِنْ الْجَلَالَةِ وَالثِّقَةِ بِحَيْثُ لَا يَغْمِزُهُ بِمِثْلِ هَذَا إلَّا جَاهِلٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا إنَّمَا هُوَ مَا كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يُطَاعَ فِي سَفْكِ دَمٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؟ قُلْنَا نَعَمْ، وَأَرَادَ أَيْضًا مَعْنًى آخَرَ، كَمَا رُوِّينَا مُبَيَّنًا بِلَا إشْكَالٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ نا شُعْبَةُ عَنْ ثَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: سَمِعْت أَبَا السَّوَّارِ الْقَاضِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قُدَامَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: أَغْلَظَ رَجُلٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قُلْت: أَلَا أَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ هَذَا إلَّا لِمَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﵌ فَبَيَّنَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مَنْ شَتَمَهُ، لَكِنْ يُقْتَلُ مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﵌.
وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ دَمَ الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ إلَّا بِمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَلَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ، إلَّا فِي الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، أَوْ زِنَا الْمُحْصَنِ، أَوْ قَوَدٍ بِنَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، أَوْ فِي الْمُحَارَبَةِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، أَوْ فِي الْمُدَافَعَةِ عَنْ الظُّلْمَةِ، أَوْ فِي الْمُمَانَعَةِ مِنْ حَقٍّ، أَوْ فِيمَنْ حُدَّ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ شَرِبَهَا الرَّابِعَةَ فَقَطْ.
وَقَدْ عَلِمْنَا - أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﵌ فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ لَمْ يَزْنِ، وَلَا شَرِبَ خَمْرًا، وَلَا قَصَدَ ظُلْمَ مُسْلِمٍ، وَلَا قَطَعَ طَرِيقًا - فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ كَافِرٌ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ خَالِدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ
стр. 5345
أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْكُوفَةِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إنِّي وَجَدْت رَجُلًا بِالْكُوفَةِ يَسُبُّك، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، فَهَمَمْت بِقَتْلِهِ، أَوْ قَطْعِ يَدَيْهِ، أَوْ قَطْعِ لِسَانِهِ، أَوْ جَلْدِهِ ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُرَاجِعَك فِيهِ - فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: سَلَامٌ عَلَيْك، أَمَّا بَعْدُ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قَتَلْته لَقَتَلْتُك بِهِ، وَلَوْ قَطَعْته لَقَطَعْتُك بِهِ، وَلَوْ جَلَدْته لَأَقَدْته مِنْك، فَإِذَا جَاءَك كِتَابِي هَذَا، فَاخْرُجْ بِهِ إلَى الْكُنَاسَةِ فَسُبَّهُ كَاَلَّذِي سَبَّنِي، أَوْ اُعْفُ عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَسُبُّ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ إلَّا رَجُلًا سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَسَائِرُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابُهُمْ، إلَى أَنَّهُ بِذَلِكَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لِقَوْلِهَا لِنَعْلَمَ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ فَنَتَّبِعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَأْيِيدِهِ. فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ: لَا يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا يَحْتَجُّونَ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ «آثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ فَقَالَ رَجُلٌ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» .
وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَمْرُو بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ نا أَبِي عَنْ الْأَعْمَشِ نا سُفْيَانُ قَالَ: «قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى النَّبِيِّ ﵌ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ: أَمَّا الْقَائِلُ فِي قِسْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا عَدْلٌ فِيهَا، وَلَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ قُلْنَا: إنَّ هَذَا كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَإِنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ
стр. 5346
أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّينَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ لَيْسَ كَافِرًا بِقَوْلِ ذَلِكَ، فَإِذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ النَّبِيِّ الَّذِي بِهِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمُوهُ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَمَعْنَى دُعَاءِ ذَلِكَ النَّبِيِّ ﵇ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ: إنَّمَا هُوَ بِأَنْ يُؤْمِنُوا فَيَغْفِرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ، وَيُبَيِّنَ أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا بِهِ قَوْلُهُ " فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " فَصَحَّ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ بِنُبُوَّتِهِ. فَصَحَّ أَنَّ كِلَا الْخَبَرَيْنِ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ.
وَأَمَّا سَبُّ اللَّهِ تَعَالَى - فَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يُخَالِفُ فِي أَنَّهُ كُفْرٌ مُجَرَّدٌ، إلَّا أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ، وَالْأَشْعَرِيَّةَ - وَهُمَا طَائِفَتَانِ لَا يُعْتَدُّ بِهِمَا - يُصَرِّحُونَ بِأَنَّ سَبَّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِعْلَانَ الْكُفْرِ، لَيْسَ كُفْرًا، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَعْتَقِدُ الْكُفْرَ، لَا أَنَّهُ كَافِرٌ بِيَقِينٍ بِسَبِّهِ اللَّهَ تَعَالَى - وَأَصْلُهُمْ فِي هَذَا أَصْلُ سُوءٍ خَارِجٌ عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ - وَهُوَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ فَقَطْ - وَإِنْ أَعْلَنَ بِالْكُفْرِ - وَعِبَادَةُ الْأَوْثَانِ بِغَيْرِ تَقِيَّةٍ وَلَا حِكَايَةٍ، لَكِنْ مُخْتَارًا فِي ذَلِكَ الْإِسْلَامَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا كُفْرٌ مُجَرَّدٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ وَجَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ - لَا كَافِرٌ وَلَا مُؤْمِنٌ - فِي أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدُ ﵌ وَذَكَرَ أَنَّهُ وَحْيٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ قَوْمٌ مِنْ الرَّوَافِضِ ادَّعُوا أَنَّهُ نُقِصَ مِنْهُ، وَحُرِّفَ، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ جُمْلَتَهُ - كَمَا ذَكَرْنَا.
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ فِيهِ التَّسْمِيَةَ بِالْكُفْرِ، وَالْحُكْمُ بِالْكُفْرِ قَطْعًا عَلَى مَنْ نَطَقَ بِأَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] .
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] .
فَصَحَّ أَنَّ الْكُفْرَ يَكُونُ كَلَامًا.
وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكُفْرِ عَلَى إبْلِيسَ - وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ مِنْ نَارٍ وَخَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ - وَأَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وَكَرَّمَهُ عَلَيْهِ - وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى النَّظِرَةَ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
стр. 5347
ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: إذْ لَيْسَ شَتْمُ اللَّهِ تَعَالَى كُفْرًا عِنْدَكُمْ، فَمِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ: إنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْكُفْرِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَى قَائِلِهِ بِحُكْمِ الْكُفْرِ؟ قِيلَ لَهُمْ: نَعَمْ، مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِنَفْسِ قَوْلِهِ، لَا بِمَغِيبِ ضَمِيرِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّمَا حُكِمَ لَهُ بِالْكُفْرِ بِقَوْلِهِ فَقَطْ، فَقَوْلُهُ هُوَ الْكُفْرُ، وَمَنْ قَطَعَ عَلَى أَنَّهُ فِي ضَمِيرِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمٍ ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] فَكَانُوا بِذَلِكَ كُفَّارًا، كَالْيَهُودِ الَّذِينَ عَرَفُوا صِحَّةَ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ كُفَّارٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَطْعًا بِيَقِينٍ، إذْ أَعْلَنُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذْ قَدْ سَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ فَالْوَاجِبُ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الْقَائِلَةُ إنَّ مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ أَوْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ ﵈ فَهُوَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ كَافِرٌ - سَوَاءٌ اعْتَقَدَهُ بِقَلْبِهِ أَوْ اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ: فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] الْآيَةَ. وقَوْله تَعَالَى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] قَالَ فَقَضَى اللَّهُ وَقَسَمَ وَحَكَمَ: أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ حَتَّى يُحَكِّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فِيمَا شَجَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا فِي شَيْءٍ مِمَّا قَضَى بِهِ وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا.
قَالُوا: وَبِضَرُورَةِ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ نَدْرِي أَنَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ النَّبِيَّ ﵌ أَوْ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَى جَمِيعِهِمْ السَّلَامُ - أَوْ شَيْئًا مِنْ الشَّرِيعَةِ، أَوْ اسْتَخَفَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَمْ يُحَكِّمْ النَّبِيَّ ﷺ لِمَا أَتَى بِهِ
стр. 5348
مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِكْرَامِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَتَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي هِيَ شَعَائِرُ اللَّهِ تَعَالَى. فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ فَقَدْ كَفَرَ إذْ لَيْسَ إلَّا مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ.
قَالُوا: وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِإِحْبَاطِ عَمَلِ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ عَلَى صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِحْبَاطُ الْعَمَلِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْكُفْرِ فَقَطْ. وَرَفْعُ الصَّوْتِ عَلَى صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ يَدْخُلُ فِيهِ: الِاسْتِخْفَافُ بِهِ ﵇، وَالسَّبُّ لَهُ، وَالْمُعَارَضَةُ مِنْ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ.
قَالُوا: وَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ بِاَللَّهِ وَبِآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ: أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِذَلِكَ بَعْدَ إيمَانِهِمْ، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ وَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ كُلَّ مَنْ اسْتَهْزَأَ بِشَيْءٍ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَبِرَسُولٍ مِنْ رُسُلِهِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ بِذَلِكَ مُرْتَدٌّ.
وَقَدْ عَلِمْنَا - أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كُلَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا﴾ [فاطر: ١] وَكَذَلِكَ عَلِمْنَا بِضَرُورَةِ الْمُشَاهَدَةِ: أَنَّ كُلَّ سَابٍّ وَشَاتِمٍ فَمُسْتَخِفٌّ بِالْمَشْتُومِ مُسْتَهْزِئٌ بِهِ، فَالِاسْتِخْفَافُ وَالِاسْتِهْزَاءُ شَيْءٌ وَاحِدٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ إبْلِيسَ بِاسْتِخْفَافِهِ بِآدَمَ ﵇ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ إذْ قَالَ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] فَحِينَئِذٍ أَمَرَهُ تَعَالَى بِالْخُرُوجِ مِنْ الْجَنَّةِ وَدَحْرِهِ، وَسَمَّاهُ كَافِرًا بِقَوْلِهِ ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] .
وَحَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا أَبُو مُحَمَّدٍ حَبِيبٌ الْبُخَارِيُّ - هُوَ صَاحِبُ أَبِي ثَوْرٍ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ - نا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ: " دَخَلْت عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لِي: أَتَعْرِفُ حَدِيثًا مُسْنَدًا فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﵌ فَيُقْتَلُ؟ قُلْت: نَعَمْ، فَذَكَرْت لَهُ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ " رَجُلٍ " مِنْ بُلْقِينَ قَالَ «كَانَ رَجُلٌ يَشْتُمُ النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: مَنْ يَكْفِينِي عَدُوًّا لِي؟ فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَنَا فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ ﵌ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: لَيْسَ هَذَا مُسْنَدًا، هُوَ عَنْ رَجُلٍ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا يُعْرَفُ هَذَا الرَّجُلُ وَهُوَ اسْمُهُ، قَدْ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَبَايَعَهُ، وَهُوَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ؟ قَالَ: فَأَمَرَ لِي بِأَلْفِ دِينَارٍ؟»
стр. 5349
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ كَمَا ذَكَرَهُ، وَهَذَا رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعْرُوفٌ اسْمُهُ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ " رَجُلٌ " مِنْ بُلْقِينَ.
فَصَحَّ بِهَذَا كُفْرُ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﵌ وَأَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ ﵇ لَا يُعَادِي مُسْلِمًا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .
فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ اسْتَهْزَأَ بِهِ، أَوْ سَبَّ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ اسْتَهْزَأَ بِهِ، أَوْ سَبَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ اسْتَهْزَأَ بِهِ، أَوْ سَبَّ آيَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ اسْتَهْزَأَ بِهَا، وَالشَّرَائِعُ كُلُّهَا، وَالْقُرْآنُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بِذَلِكَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، لَهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ، وَبِهَذَا نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَيُبَيِّنُ هَذَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ ني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لِعَلِيٍّ: اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَأَتَاهُ عَلِيٌّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اُخْرُجْ، فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ - لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ - فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ لَمَجْبُوبٌ، مَالَهُ ذَكَرٌ؟» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ مَنْ آذَى النَّبِيَّ ﵌ وَجَبَ قَتْلُهُ، وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجِبْ بِذَلِكَ قَتْلُهُ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يَأْمُرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ دُونَ أَنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْأَمْرُ، لَا بِوَحْيٍ، وَلَا بِعِلْمٍ صَحِيحٍ، وَلَا بِبَيِّنَةٍ، وَلَا بِإِقْرَارٍ؟ وَكَيْفَ يَأْمُرُ ﵇ بِقَتْلِهِ فِي قِصَّةٍ بِظَنٍّ قَدْ ظَهَرَ كَذِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَبُطْلَانُهُ؟ وَكَيْفَ يَأْمُرُ ﵇ بِقَتْلِ امْرِئٍ قَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى بَرَاءَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ؟ وَكَيْفَ يَأْمُرُ ﵇ بِقَتْلِهِ وَلَا يَأْمُرُ بِقَتْلِهَا، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مُشْتَرَكٌ؟
стр. 5350
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذِهِ سُؤَالَاتٌ لَا يَسْأَلُهَا إلَّا كَافِرٌ أَوْ إنْسَانٌ جَاهِلٌ يُرِيدُ مَعْرِفَةَ الْمَخْرَجِ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمَذْكُورَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: الْوَجْهُ فِي هَذِهِ السُّؤَالَاتِ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ بِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَأْمُرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ أَحَدٍ بِظَنٍّ بِغَيْرِ إقْرَارٍ، أَوْ بَيِّنَةٍ، أَوْ عِلْمٍ أَوْ مُشَاهَدَةٍ، أَوْ وَحْيٍ، أَوْ أَنْ يَأْمُرَ بِقَتْلِهِ دُونَهَا، لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُ بَرِيءٌ، وَأَنَّ الْقَوْلَ كَذِبٌ فَأَرَادَ ﵇ أَنْ يُوقَفَ عَلَى ذَلِكَ مُشَاهَدَةً فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ، فَكَانَ هَذَا حُكْمًا صَحِيحًا فِيمَنْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ عَلِمَ ﵇ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ لِمَا يُظْهِرُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَرَاءَتِهِ، وَكَانَ ﵇ فِي ذَلِكَ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ ﵇، وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْيَمَانِ - هُوَ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ - نا شُعَيْبٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ - نا أَبُو الزِّنَادِ قَالَ: إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ «أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ - فَذَكَرَ كَلَامًا - وَفِيهِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: وَكَانَتْ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا، إنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتْ الْأُخْرَى: إنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَا إلَى دَاوُد ﵇، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ ﵇ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتْ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى - قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاَللَّهِ إنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إلَّا يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ إلَّا الْمُدْيَةَ؟» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ لَمْ يُرِدْ قَطُّ شَقَّ الصَّبِيِّ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ امْتِحَانَهُمَا بِذَلِكَ، وَبِالْوَحْيِ - فَعَلَ هَذَا بِلَا شَكٍّ - وَكَانَ حُكْمُ دَاوُد ﵇ لِلْكُبْرَى عَلَى ظَاهِرِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهَا، وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مَا أَرَادَ قَطُّ إنْفَاذَ قَتْلِ ذَلِكَ " الْمَجْبُوبِ " لَكِنْ أَرَادَ امْتِحَانَ عَلِيٍّ فِي إنْفَاذِ أَمْرِهِ، وَأَرَادَ إظْهَارَ بَرَاءَةِ الْمُتَّهَمِ، وَكَذِبِ التُّهْمَةِ عِيَانًا - وَهَكَذَا لَمْ يُرِدْ اللَّهُ تَعَالَى إنْفَاذَ ذَبْحِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - إذَا أَمَرَ أَبَاهُ بِذَبْحِهِ، لَكِنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى إظْهَارَ تَنْفِيذِهِ لِأَمْرِهِ - فَهَذَا وَجْهُ الْأَخْبَارِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ كُلَّ مَنْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ يُقْتَلُ، وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟
стр. 5351
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا أَحْمَدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ دُلَيْمٍ الْحَضْرَمِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْخَلَّاصِ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ ثَنْي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيُّ نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ جُلِدَ، وَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ قُتِلَ، قِيلَ لَهُ: لِمَ يُقْتَلُ فِي عَائِشَةَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي عَائِشَةَ ﵂ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧] .
قَالَ مَالِكٌ: فَمَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ، وَمَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ قُتِلَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَوْلُ مَالِكٍ هَاهُنَا صَحِيحٌ، وَهِيَ رِدَّةٌ تَامَّةٌ، وَتَكْذِيبٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي قَطْعِهِ بِبَرَاءَتِهَا.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ سَائِرُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا فَرْقَ. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] فَكُلُّهُنَّ مُبَرَّآتٌ مِنْ قَوْلٍ إفْكٍ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا الذِّمِّيُّ يَسُبُّ النَّبِيَّ ﵌ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا، وَمَالِكًا، وَأَصْحَابَهُ، قَالُوا: يُقْتَلُ وَلَا بُدَّ. وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ: أَنْ لَا يَذْكُرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ ﵌ بِمَا لَا يَنْبَغِي، أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ تَزَوَّجَهَا، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ أَعَانَ أَهْلَ الْحَرْبِ بِدَلَالَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ آوَى عَيْنًا لَهُمْ، فَقَدْ نَقَضَ عَهْدَهُ، وَحَلَّ دَمُهُ، وَبَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ - فَتَأَوَّلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ: أَنَّهُ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذَا عَلَيْهِمْ لَمْ يَسْتَحِلَّ دَمَهُمْ بِذَلِكَ؟ قَالَ عَلِيٌّ ﵀: وَهَذَا خَطَأٌ مِمَّنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ عَنْهُ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِ فِي الذِّمِّيِّ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ قَدْ حَلَّ بِذَلِكَ دَمُهُ - تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَشَرَطَ لَهُمْ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لَهُمْ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيِّينَ: أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا سَبَّ النَّبِيَّ ﵌ -
стр. 5352
بِغَيْرِ مَا بِهِ كُفْرٌ يُقْتَلُ، فَاسْتَدَلَّ بَعْضُ النَّاسِ: أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إذَا سَبَّهُ بِتَكْذِيبٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: إنْ سَبَّ الذِّمِّيُّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ ﵌ بِأَيِّ شَيْءٍ سَبَّهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ، لَكِنْ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ - وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعَزَّرُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا بُدَّ.
وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيُّونَ لِضَلَالِهِمْ وَإِفْكِهِمْ بِمَا ناه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَعَلَيْكَ، فَقَالَ ﵇: أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟ قَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا، إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو بُغَيْمٍ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلَى، وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُد نا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَدِيٍّ نا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ نا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ النَّبِيَّ ﵌ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطكِ عَلَى ذَلِكَ - أَوْ قَالَ عَلَيَّ - فَقَالُوا: أَلَا تَقْتُلُهَا؟ فَقَالَ: لَا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَقَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ الْيَهُودِ لَهُ السَّامُ عَلَيْك - وَهَذَا قَوْلٌ لَوْ قَالَهُ مُسْلِمٌ لَكَانَ كَافِرًا بِذَلِكَ، - وَقَدْ سَمَّتْ الْيَهُودِيَّةُ طَعَامًا لِتَقْتُلَهُ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا يَفْعَلُ ذَلِكَ لَكَانَ بِذَلِكَ كَافِرًا، فَلَمْ يَقْتُلْهُمْ النَّبِيُّ ﵌،
стр. 5353
وَلَا قَتَلَهَا، وَحَدِيثُ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ إذْ سَحَرَهُ ﷺ فَلَمْ يَقْتُلْهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا أَصْلًا، وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا قَوْلُ الْيَهُودِ لِلنَّبِيِّ ﷺ «السَّامُ عَلَيْكَ» فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ السَّامَ إنَّمَا هُوَ الْمَوْتُ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ " أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ «فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ: شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إلَّا السَّامَ؟» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَالسَّامُ الْمَوْتُ، فَمَعْنَى السَّامُ عَلَيْك: الْمَوْتُ عَلَيْك، وَهَذَا كَلَامٌ حَقٌّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَفَاءٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْجَفَاءِ عَلَى النَّبِيِّ ﵌ الْكُفْرُ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَبِكُفْرِهِ يَحِلُّ دَمُهُ، وَالذِّمِّيُّ كَافِرٌ، وَلَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لِجَفَائِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﵌ يَكُونُ كَافِرًا بِجَفَائِهِ، بَلْ كَانَ كَافِرًا، وَهُوَ كَافِرٌ، وَلَا يَحِلُّ دَمُهُ بِكُفْرِهِ، إذَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ، لَكِنْ بِمَعْنًى آخَرَ غَيْرَ الْكُفْرِ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الزُّرَقِيِّ الْيَهُودِيِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَفِي سَمِّ الْيَهُودِيَّةِ لِطَعَامِهِ ﵌ وَلَا فَرْقَ، إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ الْكُفْرُ لِمَنْ فَعَلَهُ بِالنَّبِيِّ ﵌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالذِّمِّيُّونَ كُفَّارٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمَعَهُ، وَلَيْسَ بِنَفْسِ كُفْرِهِمْ حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ إذَا تَذَمَّمُوا، فَالْمُسْلِمُ يُقْتَلُ بِكُفْرِهِ إذَا أَحْدَثَ كُفْرًا بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَالذِّمِّيُّ لَا يُقْتَلُ، وَإِنْ أَحْدَثَ فِي كُلِّ حِينٍ كُفْرًا حَادِثًا غَيْرَ كُفْرِهِ بِالْأَمْسِ، إذَا كَانَ مِنْ نَوْعِ الْكُفْرِ الَّذِي تَذَمَّمَ عَلَيْهِ - فَنَظَرْنَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَ بِهِ الْقَتْلُ عَلَى الذِّمِّيِّ إذَا سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ ﵌ أَوْ اسْتَخَفَّ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ - فَوَجَدْنَاهُ إنَّمَا هُوَ نَقْضُهُ الذِّمَّةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَذَمَّمَ، وَحَقَنَ دَمَهُ بِالْجِزْيَةِ عَلَى الصِّغَارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٢٩] الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]
стр. 5354
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] . فَكَانَ هَاتَانِ الْآيَتَانِ نَصًّا جَلِيًّا لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا فِي بَيَانِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُقَاتَلُونَ وَيُقْتَلُونَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَعَلَى أَنَّهُمْ إذَا عُوهِدُوا وَتَمَّ عَهْدُهُمْ، وَطَعَنُوا فِي دِينِنَا فَقَدْ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ، وَنَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ، وَعَادَ حُكْمُ قِتَالِهِمْ كَمَا كَانَ.
وَبِضَرُورَةِ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ نَدْرِي أَنَّهُمْ إنْ أَعْلَنُوا سَبَّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَوْ شَيْءٍ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ مُسْلِمٍ مِنْ عَرَضِ النَّاسِ، فَقَدْ فَارَقُوا الصَّغَارَ، بَلْ قَدْ أَصْغَرُونَا، وَأَذَلُّونَا، وَطَعَنُوا فِي دِينِنَا، فَنَكَثُوا بِذَلِكَ عَهْدَهُمْ، وَنَقَضُوا ذِمَّتَهُمْ - وَإِذَا نَقَضُوا ذِمَّتَهُمْ فَقَدْ حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ، وَسَبْيُهُمْ، وَأَمْوَالُهُمْ بِلَا شَكٍّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَسَمُّ الْيَهُودِيَّةِ لِلنَّبِيِّ ﵌ كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ بِلَا شَكٍّ وَهُوَ قَبْلَ نُزُولِ " بَرَاءَةٌ " بِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ.
وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي قَوْلِ أُولَئِكَ الْيَهُودِ: السَّامُ عَلَيْك لِلنَّبِيِّ ﷺ . وَفِي سِحْرِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ إيَّاهُ وَأَنَّ هَذَا كُلَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ لَا يُثَبِّتَ عَهْدَ الذِّمِّيِّ إلَّا عَلَى الصِّغَارِ، وَأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إذْ كَانَتْ الْمُهَادَنَةُ جَائِزَةً لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ " السَّامِ، وَالسِّحْرِ " هُوَ مَعْنَى حَدِيثِ سَمِّ الشَّاةِ سَوَاءً سَوَاءً، وَحَدِيثُ سَمِّ الشَّاةِ مَنْسُوخٌ بِلَا شَكٍّ بِمَا فِي " سُورَةِ بَرَاءَةَ " مِنْ أَنْ لَا يُقَرُّوا إلَّا عَلَى الصِّغَارِ فَحَدِيثُ " السَّامِ، وَالسِّحْرِ " بِلَا شَكٍّ مَنْسُوخَانِ، بَلْ الْيَقِينُ قَدْ صَحَّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا مَنْسُوخٌ وَلَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِالْمَنْسُوخِ، وَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَكُونَا بَعْدَ نُزُولِ " بَرَاءَةٌ "؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَنْسَخَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا بِيَقِينٍ، ثُمَّ يَنْسَخَ النَّاسِخَ وَيُعِيدَ حُكْمَ الْمَنْسُوخِ وَلَا يَصْحَبَهُ مِنْ الْبَيَانِ مَا يَرْفَعُ الشَّكَّ، وَيَرْفَعُ الظَّنَّ، وَيُبْطِلُ الْإِشْكَالَ - هَذَا أَمْرٌ قَدْ أَمِنَّاهُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ تَقُولُونَ هَذَا وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ مَنْ سَمَّ الْيَوْمَ طَعَامًا لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا قَتْلَ عَلَيْهِ وَإِنَّ مَنْ سَحَرَ مُسْلِمًا فَلَا قَتْلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْيَهُودَ يَقُولُونَ لَنَا الْيَوْمَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَلَا قَتْلَ عَلَيْهِمْ فَمَا نَرَاكُمْ تَحْكُمُونَ إلَّا بِمَا ذَكَرْتُمْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؟ فَجَوَابُنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - أَنَّنَا لَمْ نَقُلْ إنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ نُسِخَ مِنْهَا إلَّا مَا
стр. 5355
يُوجِبُهُ حُكْمُ خِطَابِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﵌ خَاصَّةً، وَحُكْمُ سَمِّ طَعَامِهِ خَاصَّةً، وَحُكْمُ قَصْدِهِ بِالسِّحْرِ خَاصَّةً، فَهَذَا هُوَ الَّذِي نُسِخَ وَحْدَهُ فَقَطْ وَلَا مَزِيدَ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ تَعْظِيمُ النَّبِيِّ ﷺ وَتَوْقِيرُهُ، وَأَنْ لَا يُجْعَلَ دُعَاؤُهُ ﵇ كَدُعَاءِ بَعْضِنَا بَعْضًا بَاقٍ أَبَدًا - عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ. فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ قَوْلَهُ الَّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ " اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ " كَانَ رِدَّةً صَحِيحَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّرْهُ وَلَا عَظَّمَهُ كَمَا أُمِرَ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ فَحَبَطَ عَمَلُهُ.
وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا يَقُولُ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَمَنْ دُونَهُ: اعْدِلْ يَا أَبَا بَكْرٍ لِمَا كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ النَّكِرَةِ، وَلَا مِنْ الْكَرَاهَةِ، وَالْيَهُودُ إنْ قَالُوا لَنَا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، أَوْ قَالُوا: الْمَوْتُ عَلَيْكُمْ، لَقُلْنَا لَهُمْ: صَدَقْتُمْ وَلَا خَفَاءَ فِي هَذَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ خَاصَمُونَا فِي حَقٍّ يَدَّعُونَهُ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ عَلَيْنَا، مَا كَانَ فِي ذَلِكَ نَكِرَةٌ، وَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِمْ كُفْرٌ، وَنَقْضٌ لِلذِّمَّةِ.
وَكَذَلِكَ إذَا سَحَرَنَا سَاحِرٌ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ كَادَنَا كَيْدًا لَا يُفْلِحُ مَعَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] وَلَيْسَ بِالْكَيْدِ تَنْتَقِضُ الذِّمَّةُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوا بِهِ الصِّغَارَ، وَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا قُصِدَ بِهِ كُفْرٌ وَنَقْضٌ لِلذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ التَّعْظِيمِ الْمُفْتَرَضِ لَهُ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ سَمُّ الطَّعَامِ لَنَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا إفْسَادُ مَالٍ مِنْ أَمْوَالِنَا إنْ كَانَ لَنَا، أَوْ كَيْدٌ مِنْ فَاعِلِهِ إنْ كَانَ الطَّعَامُ لَهُ، وَلَيْسَ بِإِفْسَادِ الْمَالِ وَالْكَيْدِ تَنْتَقِضُ الذِّمَّةُ وَلَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ أَحَدٌ إلَّا مَنْ عَامَلَ بِذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ خَاصَّةً، فَهُوَ كُفْرٌ وَنَقْضٌ لِلذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ التَّعْظِيمِ الْمُفْتَرَضِ لَهُ عَلَيْنَا وَعَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ جِنِّهَا وَإِنْسِهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا لَمْ يُسَلِّمْ لِحُكْمٍ حَكَمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَمَنْ دُونَهُ فَاجْتِهَادُهُ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ، وَلَا رِضًى بِذَلِكَ الْقَوْلِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَرَجٌ وَلَا إثْمٌ، وَلَوْ أَنَّهُمَا لَمْ يُسَلِّمَا لِحُكْمٍ حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لَكَانَ ذَلِكَ كُفْرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَإِخْرَاجًا لَهُمْ عَنْ الْإِيمَانِ، وَلَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلذِّمَّةِ مِنْ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ الصَّغَارِ، وَطَعْنٌ فِي الدِّينِ، وَهَذَا بَيِّنٌ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَثِيرًا.