Полный текст (5 355 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُجْلَدُ حِينَ يُؤْخَذُ.
وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ قَالَ: يُؤَخَّرُ حَتَّى يَصْحُوَ إلَّا أَنْ قَالُوا: إنَّ الْجَلْدَ تَنْكِيلٌ وَإِيلَامٌ، وَالسَّكْرَانُ لَا يَعْقِلُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَاحْتَجَّ مِنْ رَأَى أَنَّ الْحَدَّ حِينَ يُؤْخَذُ بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَرِيقِ عُتْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِمْ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِالشَّارِبِ فَأَقَرَّ، فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَنْتَظِرْ أَنْ يَصْحُوَ» .
وَالنَّظَرُ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْخَبَرِ الثَّابِتِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُحَدَّ حِينَ يُؤْتَى بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يُحِسَّ أَصْلًا، وَلَا يَفْهَمَ شَيْئًا، فَيُؤَخَّرُ حَتَّى يُحِسَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة فِيمَنْ جَالَسَ شُرَّابَ الْخَمْرِ أَوْ دَفَعَ ابْنَهُ إلَى كَافِرٍ فَسَقَاهُ خَمْرًا]
٢٢٩٥ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ جَالَسَ شُرَّابَ الْخَمْرِ، أَوْ دَفَعَ ابْنَهُ إلَى كَافِرٍ فَسَقَاهُ خَمْرًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ ابْنَ عَامِرٍ قَالَ: لَا أُوتَى بِرَجُلٍ دَفَعَ ابْنَهُ إلَى يَهُودِيٍّ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ، فَسَقَاهُ خَمْرًا إلَّا جَلَدْتُ أَبَاهُ الْحَدَّ.
وَبِهِ - إلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أُتِيَ بِرَجُلٍ صَائِمٍ دَعَا قَوْمًا فَسَقَاهُمْ الْخَمْرَ - وَلَمْ يَشْرَبْ مَعَهُمْ - فَجُلِدُوا الْحَدَّ، وَجَلَدَهُ مَعَهُمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُعْبَأُ بِهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
وَقَدْ بَيَّنَّا - أَنْ لَا حَدَّ إلَّا عَلَى زَانٍ، أَوْ مُرْتَدٍّ، أَوْ مُحَارِبٍ، وَقَاذِفٍ، أَوْ سَارِقٍ، أَوْ مُسْتَعِيرٍ جَاحِدٍ، أَوْ شَارِبِ خَمْرٍ.
وَأَمَّا مَنْ سَقَى غَيْرَهُ الْخَمْرَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَشَرَتَهُ حَرَامٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِإِبَاحَتِهَا بِإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، لَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ؟
стр. 5287
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: لَقَدْ يَلْزَمُ مَنْ رَأَى الْقَوَدَ بِالْقَتْلِ عَلَى الْمُمْسِكِ إنْسَانًا حَتَّى قُتِلَ ظُلْمًا، وَمَنْ رَأَى الْحَدَّ فِي التَّعْرِيضِ قِيَاسًا عَلَى الْقَذْفِ، وَمَنْ رَأَى الْحَدَّ عَلَى فَاعِلِ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ قِيَاسًا عَلَى الزِّنَى: أَنْ يَرَى الْحَدَّ عَلَى سَاقِي الْقَوْمِ الْخَمْرَ قِيَاسًا عَلَى شَارِبِهَا - وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا فِي قِيَاسِهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا]
٢٢٩٦ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ اُضْطُرَّ إلَى شُرْبِ الْخَمْرِ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵀: مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا لِعَطَشٍ، أَوْ عِلَاجٍ، أَوْ لِدَفْعِ خَنْقٍ، فَشَرِبَهَا، أَوْ جَهِلَهَا فَلَمْ يَدْرِ أَنَّهَا خَمْرٌ، فَلَا حَدَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ.
أَمَّا الْمُكْرَهُ - فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
فَصَحَّ أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ شَرَابٍ.
وَأَمَّا الْجَاهِلُ - فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَلَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ - وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّهُ مَنْ دُسَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي مَنْ هِيَ يَظُنُّ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَبَدَّلَهُ جَاهِلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؟ قَالَ تَعَالَى ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فَصَحَّ أَنَّهُ لَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ بَلَغَهُ التَّحْرِيمُ، وَعَلَى مَنْ عَرَفَ أَنَّ الزِّنَى حَرَامٌ فَقَصَدَهُ عَمْدًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة حَدُّ الذِّمِّيِّ فِي الْخَمْرِ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَدْ بَيَّنَّا فِي مَوَاضِعَ جَمَّةٍ مِقْدَارَ الْحُكْمِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كَالْحُكْمِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] .
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] .
стр. 5288
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: لَا حَدَّ عَلَى الذِّمِّيِّ إلَّا أَنْ يَسْكَرَ، فَإِنْ سَكِرَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ الْعَصِيرِ مِمَّنْ لَا يُوقِنُ أَنَّهُ يُبْقِيه حَتَّى يَصِيرَ خَمْرًا]
٢٢٩٨ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: جَائِزٌ بَيْعُ الْعَصِيرِ مِمَّنْ لَا يُوقِنُ أَنَّهُ يُبْقِيه حَتَّى يَصِيرَ خَمْرًا، فَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ خَمْرًا لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ مِنْهُ أَصْلًا وَفُسِخَ الْبَيْعُ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ مَنْ بَاعَ الْعِنَبَ، أَوْ التِّينَ، أَوْ الْخَمْرَ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، فَقَدْ أَعَانَهُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ - وَهَذَا مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَإِذْ هُوَ مُحَرَّمٌ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ؟ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَمَنْ كَسَرَ إنَاءَ خَمْرٍ، أَوْ شَقَّ زِقَّ خَمْرٍ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ، وَأَمْوَالُ النَّاسِ مُحَرَّمَةٌ، وَقَدْ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَحِلُّ، فَإِفْسَادُهُ إفْسَادٌ لِلْمَالِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ أَبَا طَلْحَةَ: وَجَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ كَسَرُوا خَوَابِيَ الْخَمْرِ؟ قُلْنَا: لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ أَنَّهُ ﵇ عَرَفَ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُ - وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ شَقُّ الزِّقَاقِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ طَلْقٍ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، عَنْ شَرَاحِيلَ بْنِ نُكَيْلٍ - هُوَ مَجْهُولٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَمَنْ طَرَحَ فِي الْخَمْرِ سَمَكًا وَمِلْحًا فَجَعَلَهَا مَرْيًا؟ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، لِاسْتِعْمَالِهِ الْخَمْرَ الَّذِي لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا، وَلَا تَحِلُّ فِي شَيْءٍ أَصْلًا، وَلَا يَحِلُّ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا الْهَرْقُ، فَإِنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ - وَلِلْخَمْرِ رِيحٌ، أَوْ طَعْمٌ، أَوْ لَوْنٌ: هَرَقَ الْجَمِيعَ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَائِعٍ خُلِطَ فِيهِ خَمْرٌ - وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ إلَّا وَقَدْ اسْتَحَالَتْ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ - فَلَا يَفْسُدُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ، وَبَيْعُهُ.
стр. 5289
وَهُوَ لِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ مِنْ النَّاسِ، لَا لِمَنْ يَطْرَحُ الْخَمْرَ - فَمَتَى سَقَطَ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ، وَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ مِلْكَهُ: لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسَائِلُ التَّعْزِيرِ وَمَا لَا حَدَّ فِيهِ]
[مَسْأَلَةٌ لَا حَدَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَحْدُودٌ وَلَا لِرَسُولِهِ إلَّا فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ]
مَسَائِلُ التَّعْزِيرِ وَمَا لَا حَدَّ فِيهِ ٢٢٩٩ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا حَدَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَحْدُودٌ وَلَا لِرَسُولِهِ ﵌ إلَّا فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ، وَهِيَ: الرِّدَّةُ، وَالْحِرَابَةُ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، وَالزِّنَى، وَالْقَذْفِ بِالزِّنَى، وَشُرْبُ الْمُسْكِرِ - سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ - وَالسَّرِقَةُ، وَجَحْدُ الْعَارِيَّةِ.
وَأَمَّا سَائِرُ الْمَعَاصِي - فَإِنَّ فِيهَا التَّعْزِيرُ فَقَطْ - وَهُوَ الْأَدَبُ - وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَشْيَاءُ، رَأَى فِيهَا قَوْمٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ حَدًّا وَاجِبًا نَذْكُرُهَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَذْكُرُ حُجَّةَ مَنْ رَأَى فِيهَا الْحَدَّ وَحُجَّةَ مَنْ لَمْ يَرَهُ لِيَلُوحَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - كَمَا فَعَلْنَا فِي سَائِرِ كِتَابِنَا: وَتِلْكَ الْأَشْيَاءُ: السُّكْرُ، وَالْقَذْفُ بِالْخَمْرِ، وَالتَّعْرِيضُ، وَشُرْبُ الدَّمِ، وَأَكْلُ الْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَفِعْلُ قَوْمِ لُوطٍ، وَإِتْيَانُ الْبَهِيمَةِ، وَالْمَرْأَةُ تَسْتَنْكِحُ الْبَهِيمَةَ، وَالْقَذْفُ بِالْبَهِيمَةِ، وَسُحْقُ النِّسَاءِ، وَتَرْكُ الصَّلَاةِ غَيْرَ جَاحِدٍ لَهَا، وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ كَذَلِكَ، وَالسِّحْرُ.
وَنَحْنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذَاكِرُونَ كُلَّ ذَلِكَ بَابًا بَابًا.
[مَسْأَلَة مِمَّا يحد السَّكْرَان]
٢٣٠٠ - مَسْأَلَةٌ: السُّكْرُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَبَاحَ أَبُو حَنِيفَةَ شُرْبَ نَقِيعِ الزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ، وَشُرْبَ نَقِيعِ التَّمْرِ إذَا طُبِخَ، وَشُرْبَ عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ - وَإِنْ أَسْكَرَ كُلُّ ذَلِكَ - فَهُوَ عِنْدَهُ حَلَالٌ، وَلَا حَدَّ فِيهِ مَا لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ الْقَدْرَ الَّذِي يُسْكِرُ - وَإِنْ سَكِرَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَإِنْ شَرِبَ نَبِيذَ تِينٍ مُسْكِرٍ، أَوْ نَقِيعَ عَسَلٍ مُسْكِرٍ، أَوْ عَصِيرَ تُفَّاحٍ مُسْكِرٍ، أَوْ شَرَابَ قَمْحٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ ذُرَةٍ مُسْكِرٍ: فَسَكِرَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَسْكَرْ، فَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ أَصْلًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْحُدُودَ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا أَصْلًا؟
стр. 5290
فَنَقُولُ لَهُمْ: أَيْنَ وَجَدْتُمْ هَذَا التَّقْسِيمَ؟ أَفِي قُرْآنٍ، أُمّ فِي سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، أَوْ سَقِيمَةٍ، أَوْ مَوْضُوعَةٍ؟ أَوْ فِي إجْمَاعٍ، أَوْ دَلِيلِ إجْمَاعٍ؟ أَمْ فِي قَوْلِ صَاحِبٍ، أَمْ فِي قَوْلِ أَحَدٍ قَبْلَكُمْ، أَمْ فِي قِيَاسٍ، أَمْ فِي رَأْيِ يَصِحُّ؟ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى وُجُودِ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ؟ ؛ لِأَنَّهُمْ، إنْ قَالُوا: حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَمْرَ فِي الْقُرْآنِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ وَجَدْتُمْ أَنْتُمْ الْحَدَّ فِي السُّكْرِ مِمَّا لَيْسَ خَمْرًا عِنْدَكُمْ، بَلْ هُوَ حَلَالٌ عِنْدَكُمْ طَيِّبٌ، وَهُوَ مَطْبُوخُ عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ إذَا طُبِخَا، وَلَا خَمْرَ هَاهُنَا أَصْلًا؟ فَإِنْ قَالُوا: «جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّكْرَانَ إذْ أُتِيَ بِهِ» .
وَرَوَوْا حَدِيثَ الْخَمْرِ بِعَيْنِهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ غَيْرِهَا، أَوْ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ، و «اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلَا تَسْكَرُوا» وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْأَخْبَارِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - فَأَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ، فَإِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ وُجِدَ سَكْرَانَ.
وَأَيْضًا: فَهَلْ وَجَدْتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ مِمَّاذَا سَكِرَ؟ فَإِنْ قَالَ لَهُ: مِنْ نَبِيذِ عَسَلٍ، أَوْ شَرَابِ شَعِيرٍ، أَوْ شَرَابِ ذُرَةٍ، أَطْلَقَهُ، وَقَدْ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودًا كَثِيرًا عَلَى عَهْدِهِ ﵇.
وَإِنْ قَالَ لَهُ: مِنْ نَبِيذِ تَمْرٍ، أَوْ نَقِيعِ زَبِيبٍ، أَوْ عَصِيرِ عِنَبٍ: حَدَّهُ.
هَلْ جَاءَ هَذَا قَطُّ فِي نَقْلٍ صَادِقٍ أَوْ كَاذِبٍ؟ فَأَنَّى لَكُمْ هَذَا التَّقْسِيمُ السَّخِيفُ؟ فَعَنْهُ سَأَلْنَاكُمْ، وَعَنْ تَحْرِيمِكُمْ بِهِ، وَتَحْلِيلِكُمْ، وَعَنْ إبَاحَتِكُمْ بِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُحَرَّمَةَ، أَوْ إسْقَاطِكُمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاجِبَةَ؟ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى حَدِّ الشَّارِبِ بِعَصِيرِ الْعِنَبِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ إذَا سَكِرَ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا عَدَاهُ؟ قُلْنَا لَهُمْ: فَمِنْ أَيْنَ أَوْجَبْتُمْ الْحَدَّ عَلَى مَنْ سَكِرَ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ - مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ
стр. 5291
غَيْرَ مَطْبُوخٍ - وَمِنْ نَبِيذِ الرُّطَبِ كَذَلِكَ، وَمِنْ نَبِيذِ الزَّهْوِ، وَمِنْ نَبِيذِ الْبُسْرِ، وَمِنْ نَبِيذِ الزَّبِيبِ كَذَلِكَ، وَلَا إجْمَاعَ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ؟ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى السَّكْرَانِ مِنْ النَّبِيذِ - وَكَذَلِكَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - وَلَا يَجِدُونَ أَبَدًا قَوْلَ صَاحِبٍ، وَلَا قَوْلَ تَابِعٍ بِمِثْلِ هَذَا التَّقْسِيمِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ اُضْطُرَّ إلَى الْخَمْرِ لِعَطَشٍ، أَوْ لِاخْتِنَاقٍ، فَشَرِبَ مِنْهَا مِقْدَارَ مَا يُزِيلُ عَطَشَهُ، أَوْ اخْتِنَاقَهُ، وَذَلِكَ حَلَالٌ لَهُ - عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ - فَسَكِرَ مِنْ ذَلِكَ؟ وَهَذَا لَا يَقُولُونَهُ.
فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ السُّكْرَ لَا حَدَّ فِيهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الْحَدُّ، وَالتَّحْرِيمُ، فِي الْمُسْكِرِ - سَكِرَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ - وَقَدْ نَجِدُ مَنْ يَسْكَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ - أَوْ أَرْبَعَةٍ سُكْرًا شَدِيدًا - وَنَجِدُ مَنْ لَا يَسْكَرُ مِنْ أَزِيدَ مِنْ عِشْرِينَ رِطْلًا مِنْ خَمْرٍ، وَلَا تَتَغَيَّرُ لَهُ حَالَةٌ أَصْلًا.
وَأَمَّا الْقَذْفُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ - فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا بِأَبْوَابٍ وَقَوْلُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةُ وَغَيْرِهِ إيجَابُ الْحَدِّ فِيهِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا التَّعْرِيضُ فِي الْقَذْفِ - فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كَلَامِنَا فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَتَقَصَّيْنَاهُ هُنَالِكَ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ فِيهِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا صَحِيحَةٌ، وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضٍ - وَذَكَرْنَا صِحَّةَ الْخَبَرِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الَّذِي أَخْبَرَهُ: أَنَّ امْرَأَتَهُ وَلَدَتْ وَلَدًا أَسْوَدَ - وَهُوَ يُعَرِّضُ بِنَفْيِهِ» .
وَفِي «الَّذِي أَخْبَرَهُ ﵇: أَنَّ امْرَأَتَهُ لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ فَلَمْ يُوجِبْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ حَدَّ الْقَذْفِ» - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ٢٣٠١ -
[مَسْأَلَة شُرْبُ الدَّمِ وَأَكْلُ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ]
ِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا
стр. 5292
عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ، قُلْت لِعَطَاءٍ: رَجُلٌ وُجِدَ يَأْكُلُ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَقَالَ: اشْتَهَيْتُهُ - أَوْ مَرَّتْ بِهِ بَدَنَةٌ فَنَحَرَهَا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا بَدَنَةٌ - أَوْ امْرَأَةٌ أَفْطَرَتْ فِي رَمَضَانَ - أَوْ أَصَابَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا - أَوْ قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ مُتَعَمِّدًا - أَوْ شَرِبَ خَمْرًا فَتَرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ فَذَكَرَ جُمْلَةً؟ فَقَالَ عَطَاءٌ: مَا كَانَ اللَّهُ نَسِيًّا، لَوْ شَاءَ لَجَعَلَ ذَلِكَ شَيْئًا يُسَمِّيه، مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ - ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنْ قَالَ: إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِذَا عَاوَدَ ذَلِكَ: فَلْيُنَكَّلْ - وَذَكَرَ الَّذِي قَبَّلَ امْرَأَتَهُ، وَاَلَّذِي أَصَابَ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: إذَا أَكَلَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
بِهِ - إلَى مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: إذَا كَانَ فَاسِقًا مِنْ الْفُسَّاقِ: نُكِّلَ نَكَالًا مُوجِعًا، وَيُكَفِّرْ أَيْضًا - وَإِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ انْتِحَالًا لِدِينٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، عُرِضَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي أَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ فِي كُلِّ ذَلِكَ: حَدٌّ كَحَدِّ الْخَمْرِ.
وَاَلَّذِي نَعْرِفُهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِمْ، وَأَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يُعَزَّرُ فَقَطْ.
فَهَذِهِ فِي الْخِنْزِيرِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ فِيهِ: الْحَدُّ كَحَدِّ الْخَمْرِ - وَقَوْلٌ فِيهِ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ أَصْلًا - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ - وَأَوَّلُ قَوْلَيْ عَطَاءٍ -
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ - وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، فَإِنْ عَادَ عُزِّرَ.
وَقَوْلَةٌ خَامِسَةٌ: أَنَّهُ يُعَزَّرُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَظَرْنَا فِيمَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ رَأَى أَنَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا؟ فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ شَيْئًا إلَّا الْقِيَاسَ، فَلَمَّا كَانَتْ الْخَمْرُ مَطْعُومَةً مُحَرَّمَةً، فِيهَا حَدٌّ مَحْدُودٌ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَطْعُومٍ مُحَرَّمٍ، فِيهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ كَالْخَمْرِ، قِيَاسًا عَلَيْهَا - وَهَذَا أَصَحُّ قِيَاسٍ.
فِي الْعَالَمِ إنْ صَحَّ قِيَاسٌ يَوْمًا مَا.
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: لَمْ يَفْرِضْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعَتْ عَلَى فَرْضِهِ فَصَارَ وَاجِبًا بِالْإِجْمَاعِ.
стр. 5293
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: إنَّمَا فُرِضَتْ قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إلَى السُّكْرِ، فَيَكُونُ فِيهِ الْقَذْفُ.
فَأَمَّا الْفِرْقَةُ الَّتِي قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ حَدَّ الْخَمْرِ، فَمِنْ أَصْلِهِمْ أَنْ يُقَاسَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ يَقِيسُونَ مَسَّ الدُّبُرِ عَلَى مَسِّ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا عِنْدَهُمْ فَرْجٌ؟ وَلَا يَشُكُّ ذُو حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ، فَإِنَّ قِيَاسَ شُرْبِ الدَّمِ، وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَصَحُّ مِنْ قِيَاسِ الدُّبُرِ عَلَى الذَّكَرِ؟ وَكُلُّهُمْ يَقِيسُونَ حُكْمَ مَاءِ الْوَرْدِ، وَالْعَسَلِ، تَمُوتُ فِيهِ الْفَأْرَةُ، أَوْ الْقَطَاةُ، فَلَا تُغَيِّرُ مِنْهُ لَوْنًا وَلَا طَعْمًا وَلَا رِيحًا، عَلَى السَّمْنِ تَمُوتُ فِيهِ الْفَأْرَةُ - وَقِيَاسُ الْخِنْزِيرِ، وَالدَّمِ، وَالْمَيْتَةِ، عَلَى الْخَمْرِ أَصَحُّ مِنْ كُلِّ قِيَاسٍ لَهُمْ، وَلَوْ صَحَّ يَوْمًا مَا.
وَأَمَّا الْقَطَاةُ فَلَيْسَتْ كَالْفَأْرَةِ؛ لِأَنَّ الْقَطَاةَ تُؤْكَلُ، وَالْفَأْرَةُ لَا تُؤْكَلُ، وَالْقَطَاةُ تُجْزِي فِي الْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُهَا هُنَالِكَ - وَالْفَأْرَةُ لَا تُجْزِي، وَيَحِلُّ قَتْلُهَا هُنَالِكَ.
وَكَذَلِكَ مَاءُ الْوَرْدِ وَالْعَسَلِ، لَيْسَ كَالسَّمْنِ؛ لِأَنَّ الْعَسَلَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَالسَّمْنُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَمَاءُ الْوَرْدِ لَا رِبَا فِيهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَالسَّمْنُ فِيهِ الرِّبَا عِنْدَ جَمِيعِهِمْ - فَظَهَرَ تَرْكُهُمْ الْقِيَاسَ الَّذِي بِهِ يَحْتَجُّونَ، وَأَنَّهُمْ لَا يُحْسِنُونَهُ، وَلَا يَطْرُدُونَهُ.
وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الَّتِي تَقُولُ: إنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ فَرَضُوا حَدَّ الْخَمْرِ، وَالْقِيَاسُ أَيْضًا لَازِمٌ لَهُمْ، كَمَا لَزِمَ الطَّائِفَةَ الْمَذْكُورَةَ.
وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الَّتِي قَالَتْ: إنَّ حَدَّ الْخَمْرِ إنَّمَا فُرِضَ قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَالْقِيَاسُ لِهَؤُلَاءِ أَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا جَازَ أَنْ يُفْرَضَ حَدُّ الْخَمْرِ قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ، فَكَذَلِكَ يُفْرَضُ حَدُّ أَكْلِ الْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَشُرْبِ الدَّمِ، قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْخَمْرِ - وَجُمْهُورُهُمْ يُجِيزُونَ الْقِيَاسَ عَلَى الْمَقِيسِ.
فَوَضَحَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ فَسَادِ أَقْوَالِهِمْ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، فَوَجَدْنَاهُ قَدْ حَكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الرِّدَّةِ عِنْدَهُ - وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى مُسْلِمٍ بِالْكُفْرِ مِنْ أَجْلِ مَعْصِيَةٍ أَتَى بِهَا إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ صَحِيحٌ، أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، عَلَى أَنَّهُ
стр. 5294
يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا، وَأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ كُفْرٌ، وَلَيْسَ مَعَنَا نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، عَلَى أَنَّ آكِلَ الْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لِذَلِكَ: كَافِرٌ، وَلَكِنَّهُ عَاصٍ، مُذْنِبٌ، فَاسِقٌ، إلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا لَهُ، فَيَكُونُ كَافِرًا حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ مُعَانَدَةَ مَا صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ، وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُفْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» .
[مَسْأَلَة تَارِكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا]
٢٣٠٢ - مَسْأَلَةٌ: تَارِكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: الصَّلَاةُ حَقٌّ فَرْضٌ إلَّا أَنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ - فَإِنَّهُ يُتَأَنَّى بِهِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُقْتَلْ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمَا: لَا قَتَلَ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُعَزَّرُ حَتَّى يُصَلِّيَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهُمَا يَرَيَانِ تَارِكَ الصَّلَاةِ الَّذِي ذَكَرْنَا مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُمَا يُوَرِّثَانِ مَالَهُ وَلَدَهُ، وَيُصَلِّيَانِ عَلَيْهِ، وَيَدْفِنَانِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُفَرِّقَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَيُنْفِذَانِ وَصِيَّتَهُ، وَيُوَرِّثَانِهِ مَنْ مَاتَ قَبْلَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ قَوْلُهُمَا فِي قَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ نَفْسٌ بِنَفْسٍ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ مُتَعَمِّدًا - كَمَا ذَكَرْنَا - لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ كَافِرًا، أَوْ يَكُونَ غَيْرَ كَافِرٍ - فَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ قَالُوهُ لَلَزِمَهُمْ أَنْ يُلْزِمُوهُ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَفِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ - فَإِذْ لَيْسَ كَافِرًا، وَلَا قَاتِلًا، وَلَا زَانِيًا مُحْصَنًا، وَلَا مُحَارِبًا، وَلَا مَحْدُودًا فِي الْخَمْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَدَمُهُ حَرَامٌ بِالنَّصِّ، فَسَقَطَ قَوْلُهُمْ بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَإِنْ احْتَجُّوا بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ
стр. 5295
وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» .
وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ تَخْلِيَةُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ، وَلَمْ يُزْكِ.
وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى نا قَتَادَةُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مُحْصَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، قَالَ: فَمَنْ رَضِيَ وَتَابِعَ، قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: لَا، مَا صَلُّوا» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا دَاوُد بْنُ رَشِيدٍ نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَخْبَرَنِي مَوْلَى بَنِي فَزَارَةَ زُرَيْقُ بْنُ حَيَّانَ أَنَّهُ سَمِعَ سُلَيْمَ بْنَ قَرَظَةَ ابْنَ عَمِّ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ يَقُولُ سَمِعْت عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تَبْغُضُونَهُمْ وَيَبْغُضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ، لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ.
وَالْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ فِيهِمَا «نَهَيْتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ» و " لَا لَعَلَّهُ يَكُونُ يُصَلِّي ".
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ - هُوَ ابْنُ زِيَادٍ - عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي النُّعْمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ «بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمِ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ -
стр. 5296
وَفِيهِ فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمِّرُ الْإِزَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، أَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ؟ قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: لَعَلَّهُ يَكُونُ يُصَلِّي؟» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ نا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذَهَبِيَّةٍ فِي تُرْبَتِهَا فَذَكَرَ الْخَبَرَ. وَفِيهِ فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمِنْ يُطِعْ اللَّهَ إنْ لَمْ أُطِعْهُ؟ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَا تَأْمَنُنِي - ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ - يَرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» ؟ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَأَخْبَرَ ﵇ أَنَّهُ يُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ. فَصَحَّ أَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ، وَنَهَى عَنْ قَتْلِ الْأَئِمَّةِ مَا صَلُّوا.
فَصَحَّ أَنَّهُمْ إنْ لَمْ يُصَلُّوا قُوتِلُوا.
وَصَحَّ أَنَّ الْقَتْلَ بِالصَّلَاةِ حَرَامٌ، فَوَجَبَ أَنَّهُ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ حَلَالٌ.
وَصَحَّ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ.
فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ قَتْلِ غَيْرِ الْمُصَلِّينَ - مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً فِي إبَاحَةِ قَتْلِ مَنْ لَا يُصَلِّي غَيْرَ هَذَا - وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا الْآيَةَ - فَإِنَّ نَصَّهَا قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ.
وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يَدْعُو الْمُشْرِكِينَ إلَى الْإِيمَانِ حَتَّى مَاتَ - إلَى رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَرَامَتِهِ - وَأَنَّهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ لَمْ يَثْقَفْ مَنْ
стр. 5297
أَجَابَهُ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى يَأْتِيَ وَقْتُ صَلَاةٍ فَيُصَلِّيَ، ثُمَّ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ فَيُزَكِّيَ، ثُمَّ يُطْلِقُهُ - هَذَا مَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى دَفْعِهِ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ: فَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵄ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِ الْوُلَاةِ مَا صَلُّوا وَلَسْنَا مَعَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا نَحْنُ مَعَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ صَبْرًا وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ جَازَ قَتْلُهُ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ قُتِلَ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِ الْبُغَاةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إلَى أَنْ يَفِيئُوا، ثُمَّ حَرَّمَ قَتْلَهُمْ إذَا فَاءُوا.
وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ مَنَعَ حَقًّا مِنْ أَيِّ حَقٍّ كَانَ - وَلَوْ أَنَّهُ فِلْسٌ - وَجَبَ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِآدَمِيٍّ، وَامْتَنَعَ دُونَ أَدَائِهِ فَإِنَّهُ قَدْ حَلَّ قِتَالُهُ؛ لِأَنَّهُ بَاغٍ عَلَى أَخِيهِ، وَبَاغٍ فِي الدِّينِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ عَمَلٍ لِلَّهِ تَعَالَى لَزِمَهُ وَامْتَنَعَ دُونَهُ، وَلَا فَرْقَ، فَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ أُجْبِرُوا عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ بِالتَّعْزِيرِ وَالسَّجْنِ.
كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَنْ أَتَى مُنْكَرًا فَلَا يُزَالُ يُؤَدَّبُ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ أَوْ يَمُوتَ - غَيْرَ مَقْصُودٍ إلَى قَتْلِهِ - وَحَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَتَارِكُ الصَّلَاةِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، إنْ امْتَنَعَ قُوتِلَ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، بَلْ يُؤَدَّبُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا أَوْ يَمُوتَ كَمَا قُلْنَا - غَيْرَ مَقْصُودٍ إلَى قَتْلِهِ - وَلَا فَرْقَ.
فَصَحَّ أَنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ - حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَحَدِيثُ عَوْفٍ - إنَّمَا هُوَ فِي بَابِ الْقِتَالِ لِلْأَئِمَّةِ، لَا فِي بَابِ الْقَتْلِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ لَا يُصَلِّي.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " لَعَلَّهُ يُصَلِّي " فَإِنَّمَا فِيهِ الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِ مَنْ يُصَلِّي، وَلَيْسَ فِيهِ قَتْلُ مَنْ لَا يُصَلِّي أَصْلًا، بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَإِذَا سَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حُكْمٍ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ ﵇ مَا لَمْ يَقُلْ، فَيَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَيُخْبِرُ عَنْ مُرَادِهِ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ فَيَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا «نَهَيْتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» و " أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي
стр. 5298
اللَّهُ عَنْهُمْ " فَنَعَمْ، لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُصَلٍّ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ فِي قَتْلِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِقَتْلِ مَنْ لَيْسَ مُصَلِّيًا إذَا أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ، أَصْلًا.
وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُنْسَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ. وَيُقَالُ لِمَنْ جَسَرَ عَلَى هَذَا: أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا الَّذِي تَقُولُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، كُذِّبَ جِهَارًا، وَإِنْ قَالَ: لَمْ يَقُلْ، لَكِنَّهُ دَلَّ عَلَيْهِ؟ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ دَلِيلُك عَلَى ذَلِكَ؟ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى دَلِيلٍ أَصْلًا، إلَّا ظَنَّهُ الْكَاذِبَ - فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ دَلِيلٌ أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ صَحِيحٍ - وَمَا كَانَ هَكَذَا مِنْ الْأَقْوَالِ فَهُوَ خَطَأٌ بِلَا شَكٍّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ مَعَ مَنْ قَالَ بِقَتْلِهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ غَيْرُ كَافِرٍ - وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِهِ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، فَلَيْسَ هَذَا مَكَانُ الْكَلَامِ فِيهِ مَعَهُمْ، فَسَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ مُتَقَصًّى فِي " كِتَابِ الْإِيمَانِ " مِنْ الْجَامِعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذْ قَدْ بَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ فَإِنَّا نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: إنَّهُ قَدْ صَحَّ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا - فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ» فَكَانَ هَذَا أَمْرًا بِالْأَدَبِ عَلَى مَنْ أَتَى مُنْكَرًا - وَالِامْتِنَاعُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَمِنْ الطَّهَارَةِ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَمِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ، وَمِنْ الزَّكَاةِ، وَمِنْ الْحَجِّ، وَمِنْ أَدَاءِ جَمِيعِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا وَمِنْ كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ - بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ - كُلُّ ذَلِكَ مُنْكَرٌ، بِلَا شَكٍّ وَبِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَالْحَرَامُ مُنْكِرٌ بِيَقِينٍ.
فَصَحَّ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إبَاحَةُ ضَرْبِ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا بِالْيَدِ.
وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَضْرِبَ فِي التَّعْزِيرِ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ عَلَى مَا نُورِدُ فِي " بَابِ كَمْ يَكُونُ التَّعْزِيرُ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 5299
فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَوَاجِبٌ أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا عَشْرَ جَلَدَاتٍ فَإِنْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَقَدْ بَرِئَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَمَادَى عَلَى الِامْتِنَاعِ فَقَدْ أَحْدَثَ مُنْكَرًا آخَرَ بِالِامْتِنَاعِ الْآخَرِ، فَيُجْلَدُ أَيْضًا عَشْرًا - وَهَكَذَا أَبَدًا، حَتَّى يُؤَدِّيَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ يَمُوتَ - غَيْرَ مَقْصُودٍ إلَى قَتْلِهِ - وَلَا يُرْفَعُ عَنْهُ الضَّرْبُ أَصْلًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَتَدْخُلَ أُخْرَى فَيُضْرَبُ لِيُصَلِّيَ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا، وَهَكَذَا أَبَدًا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، فَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ الْعَتَمَةِ تُرِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى صَلَاةٍ مَا خَرَجَ وَقْتُهَا - ثُمَّ يُجَدَّدُ عَلَيْهِ الضَّرْبُ إذَا دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا - ثُمَّ يُتْرَكَ إلَى أَوَّلِ الظُّهْرِ، وَيَتَوَلَّى ضَرْبَهُ مَنْ قَدْ صَلَّى، فَإِذَا صَلَّى غَيْرُهُ خَرَجَ هَذَا إلَى الصَّلَاةِ وَيَتَوَلَّى الْآخَرُ ضَرْبَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - حَتَّى يَتْرُكَ الْمُنْكَرَ الَّذِي يُحْدِثُ أَوْ يَمُوتُ، فَالْحَقُّ قَتْلُهُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ مَعَ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة فِعْلُ قَوْمِ لُوطٍ]
٢٣٠٣ - مَسْأَلَةٌ: فِعْلُ قَوْمِ لُوطٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فِعْلُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْ الْكَبَائِرِ الْفَوَاحِشِ الْمُحَرَّمَةِ: كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَالْخَمْرِ، وَالزِّنَى، وَسَائِرِ الْمَعَاصِي، مَنْ أَحَلَّهُ أَوْ أَحَلَّ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا فَهُوَ كَافِرٌ، مُشْرِكٌ حَلَالُ الدَّمِ وَالْمَالِ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُحْرَقُ بِالنَّارِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُحْمَلُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ إلَى أَعْلَى جَبَلٍ بِقَرْيَةٍ - فَيُصَبُّ مِنْهُ، وَيُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُرْجَمُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ - سَوَاءٌ أَحْصَنَا أَوْ لَمْ يُحْصِنَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلَانِ جَمِيعًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَمَّا الْأَسْفَلُ فَيُرْجَمُ - أَحْصَنَ أَمْ لَمْ يُحْصِنْ - وَأَمَّا الْأَعْلَى فَإِنْ أَحْصَنَ رُجِمَ، وَإِنْ لَمْ يُحْصِنْ جُلِدَ جَلْدَ الزِّنَى.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ كِلَاهُمَا سَوَاءٌ - أَيُّهُمَا أَحْصَنَ رُجِمَ، وَأَيُّهُمَا لَمْ يُحْصِنْ جُلِدَ مِائَةً، كَالزِّنَى.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا وَلَا قَتْلَ، لَكِنْ يُعَزَّرَانِ.
فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ - كَمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ
стр. 5300
نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ سَمْعَانَ عَنْ رَجُلٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَأَخْبَرُوهُ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ يُنْكَحُ كَمَا تُوطَأُ الْمَرْأَةُ، وَقَدْ أَحْصَنَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الرَّجْمُ - وَتَابَعَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ الْعَرَبَ تَأْنَفُ مِنْ عَارِ الْمِثْلِ وَشُهْرَتِهِ، أَنْفًا لَا تَأْنَفُهُ مِنْ الْحُدُودِ الَّتِي تَمْضِي فِي الْأَحْكَامِ فَأَرَى أَنْ تُحْرِقَهُ بِالنَّارِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ أَبُو الْحَسَنِ وَكَتَبَ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: أَنْ أُحْرِقَهُ بِالنَّارِ؟ فَفَعَلَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: لَا أَرَى خَالِدًا أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ إلَّا بَعْدَ أَنْ قَتَلَهُ، لِأَنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ أَحْرَقَ بِالنَّارِ فَاعِلَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ لَمْ يُخْطِئْ.
وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: نا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ: أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ كَتَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أَنَّهُ وَجَدَ فِي بَعْضِ سَوَاحِلِ الْبَحْرِ رَجُلًا يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْبَيِّنَةُ، فَاسْتَشَارَ أَبُو بَكْرٍ فِي ذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ أَشَدُّهُمْ فِيهِ يَوْمئِذٍ قَوْلًا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إنَّ هَذَا ذَنْبٌ لَمْ يَعْصِ بِهِ مِنْ الْأُمَمِ إلَّا أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ صَنَعَ اللَّهُ بِهَا مَا قَدْ عَلِمْتُمْ، أَرَى أَنْ تُحْرِقَهُمَا بِالنَّارِ، فَاجْتَمَعَ رَأْي صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّه ﷺ عَلَى أَنْ يُحْرِقَهُ بِالنَّارِ؟ فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ أَحْرِقْهُ بِالنَّارِ - ثُمَّ حَرَقَهُمَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي زَمَانِهِ - ثُمَّ حَرَقَهُمَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ - ثُمَّ حَرَقَهُمَا الْقَسْرِيُّ بِالْعِرَاقِ.
حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ دُلَيْمٍ الْحَضْرَمِيُّ قَاضِي مَيُورْقَةَ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْخَلَّاصِ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ ني مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَسْلَمَ نا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ: أَنَّهُ وَجَدَ فِي بَعْضِ ضَوَاحِي الْبَحْرِ رَجُلًا يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ - قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: كَانَ اسْمُهُ الْفُجَاءَةَ - فَاسْتَشَارَ أَبُو بَكْرٍ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ الَّذِي ذَكَرْنَا حَرْفًا حَرْفًا نَصًّا سَوَاءٌ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ يُصْعَدُ بِهِ إلَى أَعْلَى جَبَلٍ فِي الْقَرْيَة:
стр. 5301
فَكَمَا نا أَحْمَدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ دُلَيْمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْخَلَّاصِ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ نُعَيْمٍ نا مُعَاذٌ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ نا حَسَّانُ بْنُ مَطَرٍ نا يَزِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ حَدِّ اللُّوطِيِّ فَقَالَ: يُصْعَدُ بِهِ إلَى أَعْلَى جَبَلٍ فِي الْقَرْيَةِ ثُمَّ يُلْقَى مُنَكَّسًا ثُمَّ يُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: يُرْجَمُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ أَحْصَنَا أَوْ لَمْ يُحْصِنَا: فَكَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمِهْرَانِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ عَلِيًّا رَجَمَ لُوطِيًّا.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا، وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْبِكْرِ يُوجَدُ عَلَى اللُّوطِيَّةِ: أَنَّهُ يُرْجَمُ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرْجَمَ مَرَّتَيْنِ لَكَانَ يَنْبَغِي لِلُوطِيِّ أَنْ يُرْجَمَ مَرَّتَيْنِ.
وَعَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَخَذَ الرَّجُلُ لُوطِيًّا رُجِمَ، لَا يُلْتَمَسْ بِهِ إحْصَانٌ، وَلَا غَيْرُهُ.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: عَلَى اللُّوطِيِّ الرَّجْمُ أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِنْ.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي الشِّمْرُ بْنُ نُمَيْرٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ جعدبة، وَمِنْ أَثِقُ بِهِ، وَكَتَبَ إلَى ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، قَالَ الشِّمْرُ: عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ جعدبة: عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ: سَمِعْت أَبَا الزِّنَادِ، وَقَالَ الَّذِي يَثِقُ بِهِ: عَنْ الْحَسَنِ، ثُمَّ اتَّفَقَ عَلِيٌّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَالْحَسَنُ، كُلُّهُمْ مِثْلَ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ الْمَذْكُورِ.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ.
стр. 5302
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: يُقْتَلَانِ: فَكَمَا رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: هُوَ كَالزِّنَى يُرْجَمُ الْمُحْصَنُ مِنْهُمَا وَيُجْلَدُ غَيْرُ الْمُحْصَنِ مِائَةَ جَلْدَةٍ: فَكَمَا نا أَحْمَدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ دُلَيْمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْخَلَّاصِ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالضَّحَّاكُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ نا مُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَيْسٍ الضَّبِّيُّ عَنْ الْيَمَانِي بْنِ الْمُغِيرَةِ نا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: شَهِدْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَأُتِيَ بِسَبْعَةٍ أَخَذُوا فِي اللِّوَاطِ فَسَأَلَ عَنْهُمْ؟ فَوَجَدَ أَرْبَعَةً قَدْ أَحْصَنُوا، فَأَمَرَ بِهِمْ فَأُخْرِجُوا مِنْ الْحَرَمِ - ثُمَّ رُجِمُوا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى مَاتُوا، وَجَلَدَ ثَلَاثَةً الْحَدَّ - وَعِنْدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، فَلَمْ يُنْكِرَا ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ: إنْ كَانَ ثَيِّبًا رُجِمَ، وَإِنْ كَانَ بِكْرًا جُلِدَ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ الْفَاعِلَ إنْ كَانَ مُحْصَنًا فَإِنَّهُ يُرْجَمُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةً وَيُنْفَى سَنَةً، وَأَمَّا الْمَنْكُوحُ فَيُرْجَمُ أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِنْ: فَقَوْلٌ ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ - أَحَدُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيِّينَ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ: فَكَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ: يُجْلَدُ دُونَ الْحَدِّ.
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَنْ اتَّبَعَهُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ رَأَى حَرْقَهُ بِالنَّارِ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَلَا يَجُوزُ خِلَافُ إجْمَاعِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ عُمَرَ، بَعْدَ ذَلِكَ الرَّجْمُ، وَحَدُّ الزِّنَى، وَغَيْرُ ذَلِكَ؟
стр. 5303
قِيلَ: هَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ خِلَافٌ لِمَا أَجْمَعُوا.
فَهَذَا كُلُّ مَا ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ، لَا حُجَّةَ لَهُمْ غَيْرَ هَذَا.
وَوَجَدْنَاهُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا ابْنُ سَمْعَانَ عَنْ رَجُلٍ أَخْبَرَهُ - لَمْ يَسْمَعْهُ - أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَصَفْوَانِ بْنِ سُلَيْمٍ، وَدَاوُد بْنِ بَكْرٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - وَابْنَ شَعْبَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُد بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَصَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَدَاوُد بْنِ بَكْرٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ. فَهَذِهِ كُلُّهَا مُنْقَطِعَةٌ لَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ.
وَأَيْضًا - فَإِنَّ ابْنَ سَمْعَانَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ وَصَفَهُ بِذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
وَوَجْهٌ آخَرَ - وَهُوَ أَنَّ الْإِحْرَاقَ بِالنَّارِ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ: كَمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نا أَبُو دَاوُد نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَّرَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ وَقَالَ: إنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ، فَوَلَّيْت فَنَادَانِي فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: إنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَاقْتُلُوهُ وَلَا تُحْرِقُوهُ، فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى قَتْلَهُمْ: فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ: بِمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا أَبُو دَاوُد نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» .
стр. 5304
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ ثني سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» .
وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
وَبِهِ - إلَى يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوهُ» وَهَذَا الرَّجُلُ - هُوَ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ، وَكُلُّهُ لَيْسَ لَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ يَصِحُّ: أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - فَانْفَرَدَ بِهِ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو - هُوَ ضَعِيفٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - فَانْفَرَدَ بِهِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ - وَهُوَ مُطْرَحٌ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ - فَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ - وَهُوَ شَرٌّ مِنْهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي الزِّيَادِ - فَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ضَعِيفٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ - وَهُوَ أَيْضًا مُرْسَلٌ.
فَسَقَطَ كُلُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ.
وَلَا يَحِلُّ سَفْكُ دَمٍ يَهُودِيٍّ - أَوْ نَصْرَانِيٍّ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، نَعَمْ، وَلَا دَمُ حَرْبِيٍّ بِمِثْلِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، فَكَيْفَ دَمُ فَاسِقٍ أَوْ تَائِبٍ؟ وَلَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِمَّا قُلْنَا مِنْهَا
стр. 5305
لَقُلْنَا بِهِ، وَلَمَّا اسْتَجَزْنَا خِلَافَهُ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: يُرْجَمَانِ مَعًا - أَحْصَنَا أَوْ لَمْ يُحْصِنَا - فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ: بِأَنَّهُ هَكَذَا فَعَلَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ - مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣] .
وَاحْتَجُّوا مِنْ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا آنِفًا: بِمَا نا أَحْمَدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ دُلَيْمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْخَلَّاصِ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ ثَنْي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَأَبِي الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي رِشْدِينَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَارْجُمُوا الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ» وَقَالَ فِيهِ: وَقَالَ «أَحْصَنَا أَوْ لَمْ يُحْصِنَا» .
فَهَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ - وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَمَّا فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْمِ لُوطٍ - فَإِنَّهُ لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٣] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] .
قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ٨١] الْآيَةُ، فَنَصَّ تَعَالَى نَصًّا جَلِيًّا عَلَى أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَفَرُوا، فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ الْحَاصِبَ.
فَصَحَّ: أَنَّ الرَّجْمَ الَّذِي أَصَابَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِلْفَاحِشَةِ وَحْدَهَا، لَكِنْ لِلْكُفْرِ وَلَهَا: فَلَزِمَهُمْ أَنْ لَا يَرْجُمُوا مَنْ فَعَلَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، وَإِلَّا فَقَدْ خَالَفُوا حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَأَبْطَلُوا احْتِجَاجَهُمْ بِالْآيَةِ، إذْ خَالَفُوا حُكْمَهَا.
وَأَيْضًا - فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ: أَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ أَصَابَهَا مَا أَصَابَهُمْ، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ ذِي مَسْكَةِ عَقْلٍ أَنَّهَا لَمْ تَعْمَلْ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ.
فَصَحَّ: أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الْعَمَلِ وَحْدَهُ، بِلَا مِرْيَةٍ.
стр. 5306
فَإِنْ قَالُوا: إنَّهَا كَانَتْ تُعِينُهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ؟ قُلْنَا: فَارْجُمُوا كُلَّ مَنْ أَعَانَ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ بِدَلَالَةٍ أَوْ قِيَادَةٍ وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضْتُمْ وَأَبْطَلْتُمْ احْتِجَاجَكُمْ بِالْقُرْآنِ، وَخَالَفْتُمُوهُ.
وَأَيْضًا - فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، فَيَلْزَمُهُمْ وَلَا بُدَّ أَنْ يُسْمِلُوا عُيُونَ فَاعِلِي فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْجُمْهُمْ فَقَطْ، لَكِنْ طَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ رَجَمَهُمْ، فَإِذْ لَمْ يَفْعَلُوا هَذَا، فَقَدْ خَالَفُوا حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ، وَأَبْطَلُوا حُجَّتَهُمْ.
وَيَلْزَمُهُمْ أَيْضًا - أَنْ يَطْمِسُوا عَيْنَيْ كُلَّ مَنْ رَاوَدَ آخَرَ.
وَيَلْزَمُ أَيْضًا - أَنْ يُحْرِقُوا بِالنَّارِ مَنْ أَنْقَصَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْرَقَ بِالنَّارِ قَوْمَ شُعَيْبٍ فِي ذَلِكَ.
وَيَلْزَمُهُمْ - أَنْ يَقْتُلُوا مِنْ عُقْرِ نَاقَةِ آخَرَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْلَك قَوْمَ صَالِحٍ إذْ عَقَرُوا النَّاقَةَ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْمَ لُوطٍ بِطَمْسِ الْعُيُونِ، وَالرَّجْمِ - إذْ أَتَوْا تِلْكَ الْفَاحِشَةَ - وَبَيْنَ إحْرَاقِ قَوْمِ شُعَيْبٍ إذْ بَخَسُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ - وَبَيْنَ إهْلَاكِهِ قَوْمِ صَالِحٍ إذْ عَقَرُوا النَّاقَةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤] إلَى آخِرِ السُّورَةِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ لَمْ يَرَ فِي ذَلِكَ حَدًّا: فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ وَزِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ أَوْ نَفْسًا بِنَفْسٍ» .
وَقَالَ ﵇ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»
стр. 5307
فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى دَمَ كُلِّ امْرِئٍ - مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ - إلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا حَقَّ إلَّا فِي نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ.
وَحَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الدَّمَ إلَّا بِمَا أَبَاحَهُ بِهِ مِنْ الزِّنَى بَعْدَ الْحِصَانِ، وَالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالْقَوَدِ وَالْمَحْدُودِ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثًا، وَالْمُحَارِبُ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ - وَلَيْسَ فَاعِلُ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ، فَدَمُهُ حَرَامٌ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَصِحُّ أَثَرٌ فِي قَتْلِهِ؟ نَعَمْ، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا - فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ، وَالصَّحَابَةِ إنَّمَا هِيَ مُنْقَطِعَةٌ: وَإِحْدَاهَا - عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ عَنْ مَجْهُولٍ.
وَالْأُخْرَى عَمَّنْ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى رِوَايَتِهِ.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِحْدَاهُمَا - عَنْ مُعَاذِ بْن الْحَارِث عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ الضَّبِّيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ مَطَرٍ - وَكُلُّهُمْ مَجْهُولُونَ - وَالرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ عُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مَجْهُولِينَ.
فَبَطَلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ أَحَدٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ بِشَيْءٍ يَصِحُّ - وَأَمَّا مَنْ رَأَى دُونَ الْحَدِّ، فَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذْ قَدْ صَحَّ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَيْهِ وَلَا حَدَّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وَلَا رَسُولَهُ ﵇ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ أَتَى مُنْكَرًا - فَالْوَاجِبُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ، فَوَاجِبٌ أَنْ يَضْرِبَ التَّعْزِيرَ الَّذِي حَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ لَا أَكْثَرَ، وَيَكُفُّ ضَرَرَهُ عَنْ النَّاسِ فَقَطْ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ نا هِشَامٌ - هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - نا يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ، وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ، وَأَخْرَجَ فُلَانًا، وَأَخْرَجَ فُلَانًا» .
وَأَمَّا السِّجْنُ - فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] .
وَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّ كَفَّ ضَرَرِ فِعْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ - النَّاكِحِينَ
стр. 5308
وَالْمَنْكُوحِينَ - عَنْ النَّاسِ عَوْنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَإِنَّ إهْمَالَهُمْ عَوْنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَوَجَبَ كَفُّهُمْ بِمَا لَا يُسْتَبَاحُ بِهِ لَهُمْ دَمٌ، وَلَا بَشَرَةٌ، وَلَا مَالٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِنْ شَنَّعَ بَعْضُ أَهْلِ الْقِحَةِ وَالْحَمَاقَةِ أَنْ يَقُولَ: إنْ تَرَكَ قَتْلَهُمْ ذَرِيعَةً إلَى هَذَا الْفِعْلِ؟ قِيلَ لَهُمْ: وَتَرَكَكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا كُلَّ زَانٍ ذَرِيعَةً إلَى إبَاحَةِ الزِّنَى مِنْكُمْ، وَتَرَكَكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا الْمُرْتَدَّ - وَإِنْ تَابَ - تَطْرِيقٌ مِنْكُمْ وَذَرِيعَةٌ إلَى إبَاحَتِكُمْ الْكُفْرَ، وَعِبَادَةُ الصَّلِيبِ، وَتَكْذِيبُ الْقُرْآنِ وَالنَّبِيِّ ﵇ وَتَرْكُكُمْ قَتْلَ آكِلِ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ تَطْرِيقٌ مِنْكُمْ وَذَرِيعَةٌ إلَى إبَاحَتِكُمْ أَكْلَ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ - وَإِنَّمَا هَذَا انْتِصَارٌ مِنْهُمْ بِمِثْلِ مَا يَهْذِرُونَ بِهِ ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ [الشورى: ٤٢] الْآيَةُ.
وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ نَغْضَبَ لَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا غَضِبَ تَعَالَى لِدِينِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَنْ نُشَرِّعَ - بِآرَائِنَا - الشَّرَائِعَ الْفَاسِدَةَ - وَنَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى كَثِيرًا عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ التَّمَسُّكِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً]
٢٣٠٤ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: حَدُّهُ حَدُّ الزَّانِي يُرْجَمُ إنْ أَحْصَنَ، وَيُجْلَدُ إنْ لَمْ يُحْصِنْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلُ وَلَا بُدَّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهِ أَدْنَى الْحَدَّيْنِ أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِنْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهِ الْحَدُّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْبَهِيمَةُ لَهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُعَزَّرُ إنْ كَانَتْ الْبَهِيمَةُ لَهُ، وَذُبِحَتْ وَلَمْ تُؤْكَلْ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ لَمْ تُذْبَحْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِيهَا اجْتِهَادُ الْإِمَامِ فِي الْعُقُوبَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ فِيهِ إلَّا التَّعْزِيرُ دُونَ الْحَدِّ.
فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ - كَمَا نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نا أَبُو ذَرٍّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُرَيْمِ بْنِ فِهْرٍ الشَّاشِيُّ ثني عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ
стр. 5309
أَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الرَّحَبِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - مَقْدَمِهِ مِنْ الشَّامِ - عَنْ رَجُلٍ أَتَى بَهِيمَةً، فَقَالَ: إنْ كَانَ مُحْصَنًا رُجِمَ.
وَعَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ، أَوْ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، قَالَ: عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ: إنْ كَانَ ثَيِّبًا رُجِمَ، وَإِنْ كَانَ بِكْرًا جُلِدَ - وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي - عَنْ ابْنِ الْهَادِي، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ: لَوْ وَجَدْتُهُ لَقَتَلْتُهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: تُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ أَيْضًا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ - عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ، قَالَ: عَلَيْهِ أَدْنَى الْحَدَّيْنِ - أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِنْ.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ - عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ: هُوَ الْمُبْتَغِي مَا لَمْ يُحَلِّلْ اللَّهُ لَهُ، فَرَأَى الْإِمَامُ فِيهِ الْعُقُوبَةَ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، فَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ أَمْرًا عَظِيمًا - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ - وَعَنْ الشَّعْبِيِّ مِثْلُهُ.
وَعَنْ عَطَاءٍ فِي الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ، فَقَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ نَسِيًا: أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ قَبِيحٌ، فَقَبَحُوا مَا قَبَّحَ اللَّهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا - وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ: فَنَظَرْنَا فِيمَا قَالَ بِهِ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ - فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ قَاسُوهُ عَلَى الزِّنَى، فَقَالُوا: هُوَ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ - وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مَنْ أَوْلَجَ فِي حَيَاءِ بَهِيمَةٍ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَيَجْعَلُهُ كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَلَا فَرْقَ.
وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي - فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِمَا رُوِّينَاهُ - كَمَا نا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ - هُوَ ابْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ - نا عَبَّادٌ - هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ - عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ -
стр. 5310
أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ «اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُد نا النُّفَيْلِيُّ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - نا عَبْدُ الْعَزِيزِ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ، مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ» قُلْت: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: مَا أَرَاهُ قَالَ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ لَحْمِهَا وَقَدْ عَمِلَ بِهَا ذَلِكَ الْعَمَلَ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ الرَّقِّيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجَحْدَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ - هُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ - عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اُقْتُلُوا مُوَاقِعَ الْبَهِيمَةَ، اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ نا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - لَعَنَ اللَّهُ مَنْ وَاقَعَ بَهِيمَةً، مَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَرِهَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ لَحْمِهَا، أَوْ يُنْتَفَعَ بِهَا وَقَدْ عُمِلَ بِهَا ذَلِكَ الْعَمَلُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حُجَّةَ لَهُمْ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ضَعْفُ هَذَا الْآثَارِ لِأَنَّ عَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ، وَعَمْرَو بْنَ أَبِي عَمْرٍو، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ضُعَفَاءُ كُلُّهُمْ وَلَوْ صَحَّتْ لَقُلْنَا بِهَا وَلِجَارِينَا عَلَيْهَا وَلَمَا حَلَّ خِلَافُهَا - فَإِذْ لَا تَصِحُّ فَلَا
стр. 5311
يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهَا إلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَازِمًا لِلْحَنَفِيَّيْنِ، وَالْمَالِكِيِّينَ الْقَوْلَ بِهَا عَلَى أُصُولِهِمْ، فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِأَسْقَطَ مِنْهَا فِي إيجَابِ حَدِّ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ فِي مَوَاضِعَ جَمَّةٍ.
ثُمَّ نَظَّرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: عَلَيْهِ أَدْنَى الْحَدَّيْنِ - فَوَجَدْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُ أَصْلًا، وَلَا نَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا - فَسَقَطَ.
ثُمَّ نَظَّرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: " يُحَدُّ وَتُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ " فَوَجَدْنَاهُ فِي غَايَة الْفَسَادِ.
ثُمَّ نَظَّرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: " عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ بِرَأْيِ الْإِمَامِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ " فَوَجَدْنَاهُ خَطَأً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ زَمَّ الْأُمُورَ وَلَمْ يُهْمِلْهَا، وَلَمْ يُطْلِقْ الْأَئِمَّةُ عَلَى دِمَاءِ النَّاسِ، وَلَا أَعْرَاضِهِمْ، وَلَا أَبْشَارِهِمْ، وَلَا أَمْوَالِهِمْ، بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇ فَقَالَ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
وَلَعَلَّ رَأْيَ الْإِمَامِ يَبْلُغُ إلَى خِصَائِهِ، أَوْ إلَى أَخْذِ مَالِهِ، أَوْ إلَى قَتْلِهِ، أَوْ إلَى بَيْعِهِ، فَإِنْ مُنِعُوا مِنْ هَذَا، سُئِلُوا الْفَرْقَ بَيْنَ مَا مُنِعُوا مِنْ هَذَا وَبَيْنَ مَا أَبَاحُوا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَيْهِ، فَحَصَلَ هَذَا الْقَوْلُ لَا حُجَّةَ لِقَائِلِهِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الْقَوْلِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ - وَهُوَ أَنَّ عَلَيْهِ التَّعْزِيرَ فَقَطْ - فَوَجَدْنَاهُ صَحِيحًا، لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى مُنْكَرًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ تُؤْتَى الْبَهِيمَةُ أَصْلًا، فَفَاعِلُ ذَلِكَ فَاعِلُ مُنْكَرٍ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ، فَعَلَيْهِ مِنْ التَّعْزِيرِ مَا نَذْكُرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَة فِيمَنْ قَذَفَ آخَرَ بِبَهِيمَةٍ أَوْ بِفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ]
٢٣٠٥ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَذَفَ آخَرَ بِبَهِيمَةٍ، أَوْ بِفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ.
كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَنْ قَذَفَ آخَرَ بِبَهِيمَةٍ جُلِدَ حَدَّ الْفِرْيَةِ.
стр. 5312
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَدُّ الْفِرْيَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَنْ جَعَلَ إتْيَانَ الْبَهِيمَةِ زِنًى فَقَدْ طَرَدَ أَصْلَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ زِنًى فَقَدْ طَرَدَ أَصْلَهُ، إذْ جَعَلَ فِي الْقَذْفِ بِهِمَا حَدَّ الزِّنَى، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمَا لَيْسَا زِنًى فَالْقَذْفُ بِهِمَا لَيْسَ هُوَ الْقَذْفُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ، وَإِنَّمَا هُوَ أَذًى فَقَطْ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ - فَإِنَّهُمْ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ لَيْسَ زِنًى، وَأَنَّ إتْيَانَ الْبَهِيمَةِ لَيْسَ زِنًى، فَسَاوَوْا بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ، ثُمَّ إنَّهُمْ جَعَلُوا فِي الْقَذْفِ بِفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ حَدَّ الْقَذْفِ بِالزِّنَى، وَلَمْ يَجْعَلُوا فِي الْقَذْفِ بِإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ حَدَّ الْقَذْفِ بِالزِّنَى، وَهَذَا تَنَاقُضٌ.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ أَعْظَمُ مِنْ الزِّنَى؟ قِيلَ لَهُمْ: هَبْكُمْ أَنَّهُ كَالْكُفْرِ، فَهَلَّا جَعَلْتُمْ فِي الْقَذْفِ بِالْكُفْرِ حَدَّ الزِّنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْفَاسِدِ؟ وَهَذَا لَا مَخْلَصَ مِنْهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: هُوَ زِنًى، وَلَكِنَّهُ أَعْظَمُ الزِّنَى، فَجُعِلَ فِيهِ أَعْظَمُ حُدُودِ الزِّنَى، لِأَنَّ الْمَزْنِيَّ بِهَا قَدْ تَحِلُّ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ، وَفِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ لَا يَحِلُّ الْمَفْعُولُ بِهِ ذَلِكَ لِلْفَاعِلِ أَبَدًا، فَهُوَ أَعْظَمُ بِلَا شَكٍّ؟ قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَبْطُلُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا - أَنَّ الزَّانِيَ بِحَرِيمَتِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، فَاجْعَلُوا فِيهِ أَغْلَظَ حُدُودَ الزِّنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ.
وَالثَّانِي - أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: وَاطِئُ أَجْنَبِيَّةٍ فِي دُبُرِهَا أَتَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا فَاجْعَلُوا فِيهِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَغْلَظَ حُدُودَ الزِّنَى.
وَالثَّالِثُ - أَنْ يُقَالَ لَهُمْ أَيْضًا: آتِي الْبَهِيمَةَ آتِي مَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، فَقَدْ سَاوَى فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلْتُمْ بِهَا قَوْلَكُمْ، فَهَلَّا جَعَلْتُمْ فِيهِ أَغْلَظَ الْحُدُودِ فِي الزِّنَى أَيْضًا؟ وَلَا فَرْقَ، ثُمَّ رَجَعْنَا إلَى قَوْلِهِمْ " إنَّ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ أَعْظَمُ الزِّنَى "؟
стр. 5313
فَنَقُولُ لَهُمْ: إنَّنَا قَدْ أَوْضَحْنَا أَنَّ الزِّنَى بِاللُّغَةِ، وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَقَعُ عَلَى فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ - وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ زِنًى وَلَا أَعْظَمَ مِنْ الزِّنَى، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ كَلَامًا - مَعْنَاهُ: الشِّرْكُ، ثُمَّ قَتْلُ الْمَرْءِ وَلَدَهُ مَخَافَةَ أَنْ يُطْعَمَ مَعَهُ، ثُمَّ الزِّنَى بِحَلِيلَةِ الْجَارِ.
فَصَحَّ أَنَّ الزِّنَى بِحَلِيلَةِ الْجَارِ أَعْظَمُ مِنْ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ رَدَّهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة مَا يَقْبَل فِي فعل قَوْم لوط وأتيان الْبَهَائِم مِنْ الشُّهُود]
٢٣٠٦ -. مَسْأَلَةٌ: الشَّهَادَةُ فِيمَا ذَكَرْنَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ: قَالَ قَوْم مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ، وَقَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ، وَإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ اثْنَانِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَنْ جَعَلَ هَذَيْنِ الذَّنْبَيْنِ زِنًى فَقَدْ طَرَدَ أَصْلَهُ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا بِالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الزِّنَى أَصْلًا فَلَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ مِمَّا خَصَّ بِهِ حُكْمَ الزِّنَى.
وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا: إنَّ الْأَبْشَارَ مُحَرَّمَةٌ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَى إبَاحَةِ بَشَرَةِ فَاعِلِ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ، وَبَشَرَةِ آتِي الْبَهِيمَةِ بِتَعْزِيرٍ، وَلَا بِغَيْرِهِ، إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهُمَا بِأَقَلَّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَيَلْزَمُ مَنْ رَاعَى هَذَا أَنْ لَا يَحْكُمَ بِقَوَدٍ أَصْلًا إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إبَاحَةِ دَمِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ عُدُولٍ؟ فَإِنْ قَالَ بِذَلِكَ كُلِّهِ قَائِلٌ كَانَ الْكَلَامُ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَهُ: قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ الصَّادِقُ الْقَاطِعُ الْمُتَيَقِّنُ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ - أَوَّلُهَا عَنْ آخِرِهَا - وَحَدَّ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ عَدَدًا وَسَكَتَ عَنْ بَعْضِهَا، فَإِذْ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، فَهَذَانِ الْحُكْمَانِ، وَغَيْرُهُمَا، قَدْ أَيْقَنَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِإِنْفَاذِ الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ بِشَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ.
فَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ قَبُولُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ بَيِّنَةٍ، إلَّا أَنْ يَمْنَعَ نَصٌّ مِنْ شَيْءٍ مِنْ
стр. 5314
ذَلِكَ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ، وَقَدْ مَنَعَ النَّصُّ مِنْ قَبُولِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ، وَأَخْبَرَ النَّصُّ: أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ شَهَادَةِ الرَّجُلِ، وَأَنَّ الصِّبْيَانَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَخَرَجَ هَؤُلَاءِ مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ حَسْبَمَا أَخْرَجَهُمْ النَّصُّ فَقَطْ.
وَأَيْضًا - فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] الْآيَةُ فَصَحَّ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَارِدٌ فِي كُلِّ مَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ فِي دَمِهِ وَمَالِهِ، وَبَشَرَتِهِ، وَفِي كُلِّ حُكْمٍ.
فَلَوْلَا النَّصُّ الثَّابِتُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَكَمَ بِيَمِينِ الطَّالِبِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ» وَصَحَّ «أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ دُونَ يَمِينٍ مَعَهَا» لَوَجَبَ قَبُولُ شَاهِدٍ وَاحِدٍ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، إلَّا حَيْثُ جَاءَ النَّصُّ بِاثْنَيْنِ أَوْ أَرْبَعَةٍ.
فَلَمَّا كَانَ هَذَانِ الْحُكْمَانِ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا تَحْلِيفُ الطَّالِبِ، لِأَنَّهَا لَيْسَا حَقًّا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا هُمَا لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ فِيهِمَا إلَّا مَا قَالَ قَائِلُونَ بِإِجَازَتِهِ - وَهُوَ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ، أَوْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ.
وَأَمَّا الزِّنَى وَحْدَهُ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ بِالنَّصِّ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة فِي الْمَرْأَة تَأْتِي الْمَرْأَة]
٢٣٠٧ - مَسْأَلَةُ: السَّحْقِ
стр. 5315
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السَّحْقِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُجْلَدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِائَةً - كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثني ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ عُلَمَاءَنَا يَقُولُونَ فِي الْمَرْأَةِ تَأْتِي الْمَرْأَةَ بِ " الرِّفْعَةِ " وَأَشْبَاهَهَا يُجْلَدَانِ مِائَةً - الْفَاعِلَةُ وَالْمَفْعُولُ بِهَا.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
وَرَخَّصَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ - كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مَنْ أَصْدُقُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْمَرْأَةِ تُدْخِلُ شَيْئًا، تُرِيدُ السِّتْرَ تَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ الزِّنَى.
وَقَالَ آخَرُونَ - هُوَ حَرَامٌ وَلَا حَدَّ فِيهِ، وَفِيهِ التَّعْزِيرُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ: فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ الزُّهْرِيِّ فَلَمْ نَجِدْ لَهُ حُجَّةً أَصْلًا، إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: كَمَا جَعَلَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ أَشَدُّ الزِّنَى، فَجَعَلُوا فِيهِ أَعْظَمَ حَدٍّ فِي الزِّنَى، فَكَذَلِكَ هَذَا أَقَلُّ الزِّنَى، فَجَعَلَ فِيهِ أَخَفَّ حَدِّ الزِّنَى؟ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا قِيَاسٌ لَازِمٌ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ جَعَلَ الرَّجْمَ فِي فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ، لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ الزِّنَى، وَلَا مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْ هَذَا أَصْلًا، وَأَنْ يَجْعَلُوا " السَّحْقَ " أَيْضًا أَشَدَّ الزِّنَى، كَفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ، فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا فِيهِ الرَّجْمَ، كَمَا جَعَلُوا فِي فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ وَلَا بُدَّ، لِأَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ عُدُولٌ بِالْفَرْجِ إلَى مَا لَا يَحِلُّ أَبَدًا.
وَلَكِنَّ الْقَوْمَ لَا يُحْسِنُونَ الْقِيَاسَ، وَلَا يَعْرِفُونَ الِاسْتِدْلَالَ، وَلَا يَطْرُدُونَ أَقْوَالَهُمْ، وَلَا يَلْزَمُونَ تَعْلِيلَهُمْ، وَلَا يَتَعَلَّقُونَ بِالنُّصُوصِ، وَهَلَّا قَالُوا هَاهُنَا: إنَّ الزُّهْرِيَّ أَدْرَكَ الصَّحَابَةَ وَكِبَارَ التَّابِعِينَ؟ فَلَا يَقُولُ هَذَا إلَّا عَنْهُمْ، وَلَا نَعْرِفُ خِلَافًا فِي ذَلِكَ مِمَّنْ يَرَى تَحْرِيمَ هَذَا الْعَمَلِ، فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ لَوْ وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّ الْقِيَاسَ بَاطِلٌ عِنْدَنَا، وَلَا يَلْزَمُ اتِّبَاعُ قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وَالسَّحْقُ " " وَالرِّفْعَةُ " لَيْسَا زِنًى، فَإِذْ لَيْسَا زِنًى فَلَيْسَ فِيهِمَا حَدُّ الزِّنَى، وَلَا لِأَحَدٍ أَنْ يُقَسِّمَ بِرَأْيِهِ - أَعْلَى وَأَخَفَّ - فَيُقْسِمَ الْحُدُودَ فِي ذَلِكَ كَمَا
стр. 5316
يَشْتَهِي بَلْ هُوَ تَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَشَرَعَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] .
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ هَذَا مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَتَمَادَى عَلَى الْخَطَأِ نَاصِرًا لِلتَّقْلِيدِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَإِذْ لَمْ يَأْتِ بِمِثْلِ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، فَالْأَبْشَارُ مُحَرَّمَةٌ وَالْحُدُودُ، فَلَا حَدَّ فِي هَذَا أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ ذَكَرُوا: مَا نَاهٍ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ نا جَدَّيْ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ نا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ثَنْي عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ني عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا مَكْحُولٌ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «السِّحَاقُ زِنًى بِالنِّسَاءِ بَيْنَهُنَّ» فَإِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ عَنْ بَقِيَّةٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَلَمْ يُدْرِكْ مَكْحُولًا، وَوَاثِلَةَ، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْحَدِّ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ ﵇ قَدْ بَيَّنَ فِي حَدِيثِ الْأَسْلَمِيِّ مَا هُوَ الزِّنَى الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ، وَإِنَّمَا هُوَ إتْيَانُ الرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ حَرَامًا مَا يَأْتِي مِنْ أَهْلِهِ حَلَالًا.
وَأَخْبَرَ ﵇ أَنَّ الْأَعْضَاء تَزْنِي، وَأَنَّ الْفَرْجَ يُكَذِّبُ ذَلِكَ أَوْ يُصَدِّقُهُ فَصَحَّ أَنْ لَا زِنًى بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ إلَّا بِالْفَرْجِ الَّذِي هُوَ الذَّكَرُ فِي الْفَرْجِ الَّذِي هُوَ مَخْرَجُ الْوَلَدِ فَقَطْ.
وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ هَذَا الْخَبَرِ مَنْ رَأَى بِرَأْيِهِ أَنَّ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ أَعْظَمُ الزِّنَى، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعَهُمْ فِيهِ نَصٌّ أَصْلًا، وَلَوْ وَجَدُوا مِثْلَ هَذَا لَطَغَوْا وَبَغَوْا.
فَسَقَطَ هَذَا جُمْلَةً وَاحِدَةً.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ الْحَسَنِ فِي إبَاحَة ذَلِكَ - فَوَجَدْنَاهُ خَطَأً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] إلَى قَوْلِهِ ﴿الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] .
وَصَحَّ بِالدَّلِيلِ مِنْ الْقُرْآنِ، وَبِالْإِجْمَاعِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَحِلُّ لِمِلْكِ يَمِينِهَا وَأَنَّهُ مِنْهَا ذُو مَحْرَمٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَسْقَطَ الْحِجَابَ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ عَبِيدِهِنَّ مَعَ ذِي مَحَارِمِهِنَّ مِنْ النِّسَاءِ.
стр. 5317
فَصَحَّ أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ سَيِّدِهِ ذُو مَحْرَمٍ فَالْمَرْأَةُ إذَا أَبَاحَتْ فَرْجَهَا لِغَيْرِ زَوْجِهَا فَلَمْ تَحْفَظْهُ، فَقَدْ عَصَتْ اللَّهَ تَعَالَى بِذَلِكَ - وَصَحَّ أَنَّ بَشَرَتَهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا الَّذِي أُبِيحَتْ لَهُ بِالنَّصِّ، فَإِذَا أَبَاحَتْ بَشَرَتَهَا لِامْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ غَيْرِ زَوْجِهَا فَقَدْ أَبَاحَتْ الْحَرَامَ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ - هُوَ الْعُكْلِيُّ - نا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ - هُوَ الْحِزَامِيُّ - أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِ الْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ» .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ نا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو الْأَحْوَصِ - هُوَ سَلَامُ بْنُ سُلَيْمٍ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ - هُوَ شَقِيقُ بْنِ سَلَمَةَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُبَاشِرَ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ - لَعَلَّ أَنْ تَصِفَهَا إلَى زَوْجِهَا كَأَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا» .
وَبِهِ - إلَى قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - بُنْدَارُ - أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - غُنْدَرٌ - نا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذِهِ نُصُوصٌ جَلِيَّةٌ عَلَى تَحْرِيمِ مُبَاشَرَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ، وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ، عَلَى السَّوَاءِ، فَالْمُبَاشَرَةُ مِنْهَا لِمَنْ نَهَى عَنْ مُبَاشَرَتِهِ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى، مُرْتَكِبٌ حَرَامًا عَلَى السَّوَاءِ، فَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ بِالْفُرُوجِ كَانَتْ حَرَامًا زَائِدًا، وَمَعْصِيَةً مُضَاعَفَةً، وَالْمَرْأَةُ إذَا أَدْخَلَتْ فَرْجَهَا شَيْئًا غَيْرَ مَا أُبِيحَ لَهَا مِنْ فَرْجِ زَوْجِهَا، أَوْ مَا تَرُدُّ بِهِ الْحَيْضَ، فَلَمْ تَحْفَظْ فَرْجَهَا، وَإِذْ لَمْ تَحْفَظْهُ فَقَدْ زَادَتْ مَعْصِيَةً - فَبَطَلَ قَوْلُ الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
стр. 5318
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذْ قَدْ صَحَّ - أَنَّ " الْمَرْأَةَ الْمُسَاحَقَةَ " لِلْمَرْأَةِ عَاصِيَةٌ، فَقَدْ أَتَتْ مُنْكَرًا، فَوَجَبَ تَغْيِيرُ ذَلِكَ بِالْيَدِ، كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ " مَنْ رَأَى مُنْكَرًا أَنْ يُغَيِّرهُ بِيَدِهِ " فَعَلَيْهَا التَّعْزِيرُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَوْ عَرَضَتْ فَرْجَهَا شَيْئًا دُونَ أَنْ تُدْخِلُهُ حَتَّى يُنْزِلَ فَيُكْرَهُ هَذَا، وَلَا إثْمَ فِيهِ - وَكَذَلِكَ " الِاسْتِمْنَاءُ " لِلرِّجَالِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، لِأَنَّ مَسَّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ مُبَاحٌ، وَمَسَّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا كَذَلِكَ مُبَاحٌ، بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا، فَإِذْ هُوَ مُبَاحٌ فَلَيْسَ هُنَالِكَ زِيَادَةٌ عَلَى الْمُبَاحِ، إلَّا التَّعَمُّدُ لِنُزُولِ الْمَنِيِّ، فَلَيْسَ ذَلِكَ حَرَامًا أَصْلًا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا فَصَّلَ لَنَا تَحْرِيمَهُ فَهُوَ حَلَالٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] إلَّا أَنَّنَا نَكْرَهُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَلَا مِنْ الْفَضَائِلِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي هَذَا فَكَرِهَتْهُ طَائِفَةٌ وَأَبَاحَتْهُ أُخْرَى: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ الِاسْتِمْنَاءِ؟ فَقَالَ: ذَلِكَ نَائِكُ نَفْسِهِ.
وَبِهِ - إلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: إنِّي أَعْبَثُ بِذَكَرِي حَتَّى أُنْزِلَ؟ قَالَ: أُفٍّ، نِكَاحُ الْأَمَةِ خَيْرٌ مِنْهُ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الزِّنَى.
وَإِبَاحَةُ قَوْمٌ - كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وَمَا هُوَ إلَّا أَنْ يُعْرِك أَحَدُكُمْ زُبَّهُ حَتَّى يُنْزِلَ الْمَاءَ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - بُنْدَارٌ - أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - غُنْدَرٌ - نا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا هُوَ عَصَبٌ تُدَلِّكُهُ.
стр. 5319
وَبِهِ - إلَى قَتَادَةَ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْمَغَازِي " يَعْنِي الِاسْتِمْنَاءَ " يَعْبَثُ الرَّجُلُ بِذَكَرِهِ يُدَلِّكُهُ حَتَّى يُنْزِلَ - قَالَ قَتَادَةُ: وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الرَّجُلِ يَسْتَمْنِي يَعْبَثُ بِذَكَرِهِ حَتَّى يُنْزِلَ، قَالَ: كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْمَغَازِي.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: هُوَ مَاؤُك فَأَهْرِقْهُ " يَعْنِي الِاسْتِمْنَاءَ ".
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ مَنْ مَضَى يَأْمُرُونَ شَبَابَهُمْ بِالِاسْتِمْنَاءِ يَسْتَعْفُونَ بِذَلِكَ - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَذَكَرَهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، أَوْ غَيْرِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالِاسْتِمْنَاءِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: مَا أَرَى بِالِاسْتِمْنَاءِ بَأْسًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: الْأَسَانِيدُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ فِي كِلَا الْقَوْلَيْنِ - مَغْمُوزَةٌ.
لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ صَحِيحَةٌ عَنْ عَطَاءٍ.
وَالْإِبَاحَةُ الْمُطْلَقَةُ صَحِيحَةٌ عَنْ الْحَسَنِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَعَنْ زِيَادٍ أَبِي الْعَلَاءِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ.
وَرَوَاهُ مَنْ رَوَاهُ مِنْ هَؤُلَاءِ عَمَّنْ أَدْرَكُوا - وَهَؤُلَاءِ - كِبَارُ التَّابِعِينَ الَّذِينَ لَا يَكَادُونَ يَرْوُونَ إلَّا عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَرْأَةِ تَفْتَضُّ الْمَرْأَةَ بِأُصْبُعِهَا آثَارٌ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَّ الْحَسَنَ أَفْتَى فِي الْمَرْأَةِ افْتَضَّتْ أُخْرَى بِأُصْبُعِهَا وَأَمْسَكَهَا نِسْوَةٌ لِذَلِكَ: أَنَّ الْعَقْلَ بَيْنَهُنَّ - وَقَضَى عَلِيٌّ بِذَلِكَ.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ، وَمُغِيرَةَ، قَالَ مَنْصُورٌ عَنْ
стр. 5320
الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَقَالَ مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَكَمُ، وَإِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ: أَنَّ الْحَسَنَ أَفْتَى فِي امْرَأَةٍ افْتَضَّتْ امْرَأَةً بِأُصْبُعِهَا أَنَّ عَلَيْهَا وَالْمُمْسِكَاتُ الصَّدَاقُ بَيْنَهُنَّ - هَكَذَا قَالَ الْمُغِيرَةُ.
وَقَالَ الْحَكَمُ فِي رِوَايَتِهِ: عَلَى الْمُفْتَضَّةِ وَحْدَهَا - وَاتَّفَقَا أَنَّ عَلِيًّا قَضَى بِذَلِكَ.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ - لَوْ افْتَضَّتْ امْرَأَةٌ بِأُصْبُعِهَا غَرِمَتْ صَدَاقَهَا، كَصَدَاقِ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهَا.
وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَاضِي أَهْل مِصْرَ: كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي صَبِيٍّ افْتَرَعَ صَبِيَّةً بِأُصْبُعِهِ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: لَمْ يَبْلُغْنِي فِي هَذَا شَيْءٌ، وَقَدْ جَمَعْت لِذَلِكَ، فَاقْضِ فِيهِ بِرَأْيِك، فَقَضَى لَهَا عَلَى الْغُلَامِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا عَنْ عَلِيٍّ مُرْسَلٌ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى هَاهُنَا بِصَدَاقٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ زَوَاجًا، وَلَا صَدَاقَ إلَّا فِي نِكَاحِ زَوَاجٍ - إذْ لَمْ يُوجِبْهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، فَسَوَاءٌ كَانَ الْمُفْتَضُّ بِأُصْبُعِهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً: لَا غَرَامَةَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ فِي ذَلِكَ غَرَامَةً، وَلَا رَسُولَهُ ﷺ .
فَإِنْ شَنَّعُوا - فَإِنَّ هَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ؟ قُلْنَا لَهُمْ: فَإِنَّ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا إيجَابُ نَكَالٍ عَلَى الْمُفْتَضِّ وَالْمُفْتَضَّةِ أَصْلًا، وَأَنْتُمْ تُوجِبُونَ فِي ذَلِكَ الْأَدَبَ، وَهَذَا خِلَافٌ مِنْكُمْ لِمَا تُشَنِّعُونَ بِهِ مِنْ حُكْمِ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ ﵄ وَعَارُ هَذَا وَإِثْمُهُ إنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ أَوْجَبَ فَرْضًا اتِّبَاعَ مَا رُوِيَ عَنْ الصَّاحِبِ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا يَلْزَمُ عِنْدَنَا اتِّبَاعُ أَحَدٍ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَطْ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْنَا فِي مُخَالِفَةِ مَا لَا نَرَاهُ وَاجِبًا، وَلَكِنْ عَلَى الْمُفْتَضِّ بِأُصْبُعِهِ امْرَأَةَ، وَالْمُفْتَضَّةِ بِأُصْبُعِهَا امْرَأَةً، وَمُدْخِلُ شَيْءٍ فِي دُبُرِ آخَرَ: التَّعْزِيرُ، لِأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا مَعْصِيَةٌ وَمُنْكَرٌ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ:
стр. 5321
- ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
وَهَؤُلَاءِ قَدْ انْتَهَكُوا بَشَرَةً مُحَرَّمَةً، فَأَتَوْا مُنْكَرًا، وَمَنْ أَتَى مُنْكَرًا فَفَرَضَ عَلَيْهِ تَغْيِيرَهُ بِالْيَدِ، كَمَا أَمَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ: التَّعْزِيرُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ هَذَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ: إنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا حَدَّ زِنًى، وَلَا حَدًّا مَحْدُودًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ مَا أَوْجَبُوا فِيهِ الْحُدُودَ مِمَّا لَا نَصَّ فِيهِ يَصِحُّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟
[مَسْأَلَة فِي السِّحْر]
. ٢٣٠٨ - مَسْأَلَةٌ: السِّحْرُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السِّحْرِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلُ السَّاحِرُ وَلَا يُسْتَتَابُ - وَالسِّحْرُ كُفْرٌ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْتَلُ السَّاحِرُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا: إنْ كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي يُسْحَرُ بِهِ كُفْرًا فَالسَّاحِرُ مُرْتَدٌّ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ كُفْرًا فَلَا يُقْتَلُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا.
وَذَكَرَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءَ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى جُزَيِّ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ - وَكَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - أَنْ اُقْتُلْ كُلَّ سَاحِرٍ، وَكَانَ بَجَالَةُ كَاتِبَ جُزَيٍّ، قَالَ بَجَالَةُ: فَأَرْسَلْنَا فَوَجَدْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ، فَضَرَبْنَا أَعْنَاقَهُنَّ.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: إنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ قَتَلَ سَاحِرًا
وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْهَا فَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ فَأَمَرَتْ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ فَقَتَلَهَا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: مَا تُنْكِرُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ امْرَأَةٌ سَحَرَتْ وَاعْتَرَفَتْ؟ فَسَكَتَ عُثْمَانُ.
стр. 5322
وَعَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ حَفْصَةَ سُحِرَتْ فَأَمَرَتْ عُبَيْدَ اللَّهِ أَخَاهَا فَقَتَلَ سَاحِرَتَيْنِ، وَعَنْ الْعَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ أَبُو صَفْوَانَ قَالَ: رَأَيْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى جِدَارِ بَيْتٍ لِبَنِي أَخٍ لَهُ يَتَامَى، أَتَاهُ غِلْمَةٌ أَرْبَعَةٌ، وَمَعَهُمْ غُلَامٌ هُوَ أَشَفُّ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَرَ اُنْظُرْ مَا يَصْنَعُ هَذَا؟ قَالَ: وَمَاذَا يَصْنَعُ؟ قَالَ: فَسَلْ خَيْطًا مِنْ ثَوْبِهِ فَقَطَعَهُ - وَسَالِمٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ - فَجَمَعَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ ثُمَّ تَفَلَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَدَّهُ، فَإِذَا هُوَ صَحِيحٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، فَسَمِعْت سَالِمًا يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ لَصَلَبْتُهُ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْمُهَاجِرِ بْنِ خَالِدٍ قَتَلَ نَبَطِيًّا سَحَرَ - يَعْنِي ذِمِّيًّا.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: إنَّ غُلَامًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ سَاحِرَةً فَأَلْقَاهَا فِي الْمَاءِ فَطَفَتْ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْك أَنْ تُلْقِيهَا فِي الْمَاءِ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَاقْتُلْهَا.
وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: يُقْتَلُ سَاحِرُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵌ سَحَرَهُ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ أَعْصَمَ، وَامْرَأَةٌ مِنْ خَيْبَرَ يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ، فَلَمْ يَقْتُلْهُمَا؟»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَؤُلَاءِ - عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَحَفْصَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَاهُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَهُ، وَعُثْمَانُ، وَقَيْسُ بْنُ رَبِيعَةَ.
وَمِنْ التَّابِعِينَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَخَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَأَمَّا مَنْ خَالَفَ هَذَا: فَكَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - هُوَ أَبُو الرِّجَالِ - عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْتَقَتْ جَارِيَةً لَهَا عَنْ دُبُرٍ، وَأَنَّهَا سَحَرَتْهَا وَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، وَقَالَتْ: أَحْبَبْت الْعِتْقَ، فَأَمَرَتْ بِهَا عَائِشَةُ ابْنَ أَخِيهَا أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ يُسِيءُ مَلْكَتِهَا، وَقَالَتْ: ابْتَعْ بِثَمَنِهَا رَقَبَةً فَأَعْتِقْهَا.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ
стр. 5323
أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: مَرِضَتْ عَائِشَةُ فَطَالَ مَرَضُهَا، فَذَهَبَ بَنُو أَخِيهَا إلَى رَجُلٍ، فَذَكَرُوا لَهُ مَرَضَهَا؟ فَقَالَ: إنَّكُمْ لِتُخْبِرُونِي خَبَرَ امْرَأَةٍ مَطْبُوبَةٍ، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ، فَإِذَا جَارِيَةٌ لَهَا قَدْ سَحَرَتْهَا وَكَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْهَا، فَقَالَتْ لَهَا: مَا أَرَدْتِ مِنِّي؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ تَمُوتِي حَتَّى أَعْتِقَ، قَالَتْ: فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ تُبَاعَ مِنْ أَشَدِّ الْعَرَبِ مَلِكَةً، فَبَاعَتْهَا، وَأَمَرَتْ بِثَمَنِهَا أَنْ يُجْعَلَ فِي مِثْلِهَا.
وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَطَاءٍ أَنَّ رَجُلًا عَبْدًا سَحَرَ جَارِيَةً عَرَبِيَّةً، وَكَانَتْ تَتْبَعُهُ، فَرَفَعَ إلَى عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ - وَكَانَ عَامِلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنْ يَبِيعَهُ بِغَيْرِ أَرْضِهَا وَأَرْضِهِ، ثُمَّ ادْفَعْ ثَمَنَهُ إلَيْهَا - وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عُثْمَانَ ﵁ إنْكَارَ قَتْلِ السَّاحِرِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ، فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مِنْ رَأَى قَتْلَ السَّاحِرَ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] الْآيَةُ قَالُوا: فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى السَّحَرَ كُفْرًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
قَالَ: " فَيُعَلِّمُونَ " بَدَلٌ مِنْ " كَفَرُوا " فَتَعْلِيمُ السِّحْرِ كُفْرٌ.
وَأَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وَأَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وَبِقَوْلِهِ ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وَذَكَرُوا - مَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» .
стр. 5324
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا كَانَ آخِرَ عَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ» .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ جُهَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَانَبَ عُقْبَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَنَزَلَ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: جُنْدُبُ وَمَا جُنْدُبُ وَالْأَقْطَعُ الْخَبَرُ الْخَبَرُ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا رَأَيْنَا رَاجِزًا أَحْسَنَ رَجَزًا مِنْكَ اللَّيْلَةِ، فَمَا جُنْدُبُ، وَالْأَقْطَعُ؟ قَالَ: أَمَّا جُنْدُبُ فَرَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي يَضْرِبُ ضَرْبَةً يُبْعَثُ بِهَا أُمَّةً وَحْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا الْأَقْطَعُ فَرَجُلٌ تُقْطَعُ يَدُهُ فَتُدْخَلُ الْجَنَّةَ قَبْلَ جَسَدِهِ بِبُرْهَةٍ مِنْ الدَّهْرِ» .
فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْأَقْطَعَ، زَيْدَ بْنَ صُوحَانَ، قُطِعَتْ يَدُهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ قَبْلَ يَوْمِ الْجَمَلِ مَعَ عَلِيٍّ - وَأَمَّا جُنْدُبُ، فَهُوَ الَّذِي قَتَلَ السَّاحِرَ.
وَقَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا أَبُو عِمْرَانَ - هُوَ الْجَوْنِيُّ - أَنَّ سَاحِرًا كَانَ عِنْدَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَجَعَلَ يَدْخُلُ فِي بَقَرَةٍ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَرَآهُ جُنْدُبٌ، فَذَهَبَ إلَى بَيْتِهِ فَالْتَفَعَ عَلَى سَيْفِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ السَّاحِرُ جَوْفَ الْبَقَرَةِ ضَرَبَهُمَا، قَالَ ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] فَانْدَفَعَ النَّاسُ وَتَفَرَّقُوا وَقَالُوا: حَرُورِي، فَسَجَنَهُ الْوَلِيدُ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَكَانَ يُفْتَحُ لَهُ بِاللَّيْلِ فَيَذْهَبُ إلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ رَجَعَ إلَى السِّجْنِ - قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ جُنْدُبًا صَاحِبَ الضَّرْبَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ لَهُمْ غَايَةَ التَّقَصِّي، وَأَتَيْنَا بِمَا لَمْ نَذْكُرْهُ أَيْضًا، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ:
стр. 5325
أَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ﵁ فَإِنَّهُ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْهُ أَخَذُوا مَا اشْتَهَوْا مِنْهُ، وَتَرَكُوا سَائِرَهُ، وَهُوَ خَبَرٌ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْت بَجَالَةَ كَاتِبَ جُزَيٍّ يُحَدِّثُ أَبَا الشَّعْثَاءِ، وَعَمْرَو بْنَ أَوْسٍ عَنْ صِفَةِ زَمْزَمَ فِي إمَارَةِ الْمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجُزَيٍّ - عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ - فَأَتَى كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ، بِسَنَةٍ: اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ، وَانْهَهُمْ عَنْ الزَّمْزَمَةِ، قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ، قَالَ: وَصَنَعَ طَعَامًا كَثِيرًا وَعَرَضَ السَّيْفَ، ثُمَّ دَعَا الْمَجُوسَ فَأَلْقَوْا وِقْرَ بَغْلٍ، أَوْ بَغْلَيْنِ مِنْ وَرِقِ أَخِلَّةً، كَانُوا يَأْكُلُونَ بِهَا، وَأَكَلُوا بِغَيْرِ زَمْزَمَةٍ، قَالَ: «وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ مِنْ الْمَجُوسِ الْجِزْيَةَ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ أَهْلِ هَجَرَ» فَهَكَذَا الْحَدِيثُ.
وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالْحَنَفِيُّونَ يُخَالِفُونَ عُمَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ فِيمَا لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ: بِأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى إذْ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] .
فَهُوَ إذْ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] .
فَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ وَالْمَالِكِيُّونَ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مَجُوسِيٍّ وَبَيْنَ حَرِيمَتِهِ، وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ مَنْ لَيْسَ كِتَابِيًّا مِنْ الْعَجَمِ - فَخَالَفُوا الْقُرْآنَ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، حَيْثُ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ وَقَلَّدُوهُ - بِزَعْمِهِمْ - حَيْثُ حَكَمَ فِيهِ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ قُرْآنٌ، وَلَا صَحَّتْ بِهِ سُنَّةٌ - فَهَذَا عَكْسُ الْحَقَائِقِ.
وَالزَّمْزَمَةُ - كَلَامٌ تَتَكَلَّمُ بِهِ الْمَجُوسُ عِنْدَ أَكْلِهِمْ، لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، وَلَا يَحِلُّ فِي دِينِهِمْ أَكْلٌ دُونَهُ - وَهُوَ كَلَامُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ تَعَالَى يَتَكَلَّمُونَ بِهِ فِي أَفْوَاهِهِمْ خِلْقَةً وَشِفَاهُهُمْ مُطْبَقَةٌ، لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ - وَلَهُمْ خَشَبَاتٌ صِغَارٌ يَسْتَعْمِلُونَهَا عِنْدَ ذَلِكَ - وَأَخِلَّةٌ يَأْكُلُونَ بِهَا - وَهَذَا حُمْقٌ مِنْهُمْ وَتَكَلُّفٌ.
وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَ سَاحِرًا فَدَفَنَهُ إلَى صَدْرِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ.
следующие страницы →