Полный текст (5 355 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
الْيَمِينِ لِخَوْفٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ حَسْبَ طَاقَتِهِ فَقَطْ؟ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ - ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ هُوَ السَّمَّانُ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ» ؟ .
فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: مَا يُجْزِئُ أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ عَلَى يَمِينِهِ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى نَفْسِهِ فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ عِنْدَهَا: تُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُ؟ قَالَ: لَا؛ وَلَكِنَّهُ اجْتَرَأَ وَجَبُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: فَمَا ذَنْبِي إنْ كُنْت حَفِظْت وَنَسُوا؟ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: مَرَّ بِي أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَأَنَا أُصَلِّي؟ فَقَالَ: افْصِلْ بِضَجْعَةٍ بَيْنَ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَصَلَاةِ النَّهَارِ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ أَوْضَحْنَا أَنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّهُ عَلَى الْفَرْضِ، حَتَّى يَأْتِيَ نَصٌّ آخَرُ أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ غَيْرُ مُدَّعًى بِالْبَاطِلِ -: عَلَى أَنَّهُ نَدْبٌ، فَنَقِفُ عِنْدَهُ، وَإِذَا تَنَازَعَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَالرَّدُّ إلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ .
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ وَرَدَ إنْكَارُ الضَّجْعَةِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ؛ وَخَالَفَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ؛ وَمَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَمْرِهِ وَعَمَلِهِ.
وَإِنْ كَانَ إنْكَارُ ابْنِ مَسْعُودٍ: حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: فَقَدْ أَنْكَرَ ﵁: وَضْعَ الْأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ فِي الصَّلَاةِ، وَضَرَبَ الْيَدَيْنِ عَلَى ذَلِكَ؟ وَقَدْ أَنْكَرَ قَصْرَ الصَّلَاةِ إلَّا فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ جِهَادٍ
стр. 632
وَأَنْكَرَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟ فَمَا الْتَفَتُّمْ إنْكَارَهُ فَالْآنَ اسْتَدْرَكْتُمْ هَذِهِ السُّنَّةَ؟ .
وَقَالُوا: لَوْ كَانَتْ الضَّجْعَةُ فَرْضًا لَمَا خَفِيَتْ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: فَهَلَّا قُلْتُمْ مِثْلَ هَذَا فِي إتْمَامِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمِنًى؛ وَإِتْمَامِ عَائِشَةَ وَسَعْدٍ ﵄؟ فَقُولُوا: لَوْ كَانَ قَصْرُ الصَّلَاةِ سُنَّةً مَا خَفِيَ عَلَى هَؤُلَاءِ وَهَلَّا قُلْتُمْ: لَوْ كَانَ الْجُلُوسُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ فَرْضًا مَا خَفِيَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ حِينَ يَقُولُ: إذَا رَفَعْت رَأْسَك مِنْ آخِرِ صَلَاتِك مِنْ السُّجُودِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك، فَإِنْ شِئْت فَقُمْ، وَإِنْ شِئْت فَاقْعُدْ؟ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا؛ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَفْزَعُونَ إلَيْهِ إذَا ضَاقَ بِهِمْ الْمَجَالُ ثُمَّ هُمْ أَوَّلُ تَارِكٍ لَهُ؟ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قَالُوا: فَبَطَلَتْ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَضْطَجِعْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَغَيْرِهِمْ؟ قُلْنَا: إنَّ الْمُجْتَهِدَ مَأْجُورٌ يُصَلِّي، وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْهِ النَّصُّ؛ وَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِيمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَعَنَدَ.
ثُمَّ نَعْكِسُ قَوْلَهُمْ عَلَيْهِمْ، فَنَقُولُ لِلْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ: أَتَرَى بَطَلَتْ صَلَاةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمَنْ وَافَقَهُ؛ إذَا كَانَ يُصَلِّي، وَلَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ؟ وَنَقُولُ لِلْحَنَفِيِّينَ: أَتَرَى صَلَاةَ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَاسِدَةً، إذْ كَانَا يُصَلِّيَانِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَنْفِ أَحَدِهِمَا دَمٌ، وَمِنْ بَثْرَةٍ بِوَجْهِ الْآخَرِ دَمٌ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ لِذَلِكَ؟ .
وَنَقُولُ لِجَمِيعِهِمْ: أَتَرَوْنَ صَلَاةَ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَزَيْدٍ، وَغَيْرِهِمْ -: كَانَتْ فَاسِدَةً إذَا كَانُوا يَرَوْنَ: أَنَّ مَنْ وَطِئَ وَلَمْ يُنْزِلْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَيُفْتُونَ بِذَلِكَ؟ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، يَعُودُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ حُجَّةٌ غَيْرُ التَّشْنِيعِ وَهُوَ عَائِدٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ خِلَافًا عَلَى الصَّحَابَةِ مِنَّا،
стр. 633
وَسُؤَالُهُمْ هَذَا لَازِمٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ كَلُزُومِهِ لَنَا وَلَا فَرْقَ؟ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ هُوَ الْمُقْرِي - ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» ؟ .
قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا إذَا صَلَّوْا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعُوا وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: أُنْبِئْت: أَنَّ أَبَا رَافِعٍ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَأَبَا مُوسَى، كَانُوا يَضْطَجِعُونَ عَلَى أَيْمَانِهِمْ إذَا صَلَّوْا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ؟ .
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غَيَّاثٍ هُوَ ابْنُ عُثْمَانَ - أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ وَيَضَعُ جَنْبَهُ فِي الْأَرْضِ وَيَدْخُلُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ.
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ فِي " كِتَابِ السَّبْعَةِ " أَنَّهُمْ - يَعْنِي: سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ -: كَانُوا يَضْطَجِعُونَ عَلَى أَيْمَانِهِمْ بَيْنَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ فَإِنْ عَجَزَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وَقَالَ ﵇: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ؟ .
وَحُكْمُ النَّاسِي هَهُنَا كَحُكْمِ الْعَامِدِ؛ لِأَنَّ مَنْ نَسِيَ عَمَلًا مُفْتَرَضًا مِنْ الصَّلَاةِ
стр. 634
وَالطَّهَارَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالصَّلَاةِ كَمَا أُمِرَ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِسُقُوطِ ذَلِكَ عَنْهُ؟ وَإِنَّمَا يَكُونُ النِّسْيَانُ بِخِلَافِ الْعَمْدِ فِي حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا - سُقُوطُ الْإِثْمِ جُمْلَةً هُنَا، وَفِي كُلِّ مَكَان.
وَالثَّانِي -: مَنْ زَادَ عَمَلًا لَا يَجُوزُ لَهُ نَاسِيًا، وَكَانَ قَدْ أَوْفَى جَمِيعَ عَمَلِهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَمِلَ مَا أُمِرَ، وَكَانَ مَا زَادَ بِالنِّسْيَانِ لَغْوًا لَا حُكْمَ لَهُ؟ فَإِنْ أَدْرَكَ إعَادَةَ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ لَزِمَهُ أَنْ يَضْطَجِعَ وَيُعِيدَ الْفَرِيضَةَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِعَادَةِ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ؟ .
وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالضَّجْعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَهَا؛ وَلَا يُجْزِئُ عَمَلُ شَيْءٍ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ، وَلَا فِي غَيْرِ زَمَانِهِ، وَلَا بِخِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ هُوَ غَيْرُ الْعَمَلِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الصُّبْحِ بِنِسْيَانٍ أَوْ بِنَوْمٍ]
٣٤٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الصُّبْحِ بِنِسْيَانٍ، أَوْ بِنَوْمٍ؟ فَنَخْتَارُ لَهُ إذَا ذَكَرَهَا - وَإِنْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِقَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ - أَنْ يَبْدَأَ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ، ثُمَّ يَأْتِي بِصَلَاةِ الصُّبْحِ؟
стр. 635
وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ غَفَلَ عَنْ صَلَاةٍ بِنَوْمٍ، أَوْ بِنِسْيَانٍ؟ ثُمَّ ذَكَرَهَا أَنْ يَزُولَ عَنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِجِسْمِهِ فِيهِ إلَى مَكَان آخَرَ؛ وَلَوْ الْمَكَانَ الْمُتَّصِلَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ فَمَا زَادَ؟ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا أَبَانُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ - ثنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ نَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ: «تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمْ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ؟ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي ثنا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ ثنا خَالِدُ بْنُ سُمَيْرٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ ثنا أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ؛ فَلَمْ تُوقِظْنَا إلَّا الشَّمْسُ طَالِعَةً، فَقُمْنَا وَهِلِينَ لِصَلَاتِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى تَعَالَتْ الشَّمْسُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلْيَرْكَعْهُمَا؟ فَقَامَ مَنْ يَرْكَعُهُمَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَرْكَعُهُمَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُنَادَى بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِنَا» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ ذِكْرُ الضَّجْعَةِ؟ قُلْنَا: قَدْ يَسْكُتُ عَنْهَا الرَّاوِي، كَمَا يَسْكُتُ عَنْ الْوُضُوءِ، وَعَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ ذِكْرِ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْخَبَرُ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَ ﵇ بِالضَّجْعَةِ؟ وَلَيْسَ جَمِيعُ السُّنَنِ مَذْكُورَةً فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَلَا فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَالتَّعَلُّلُ بِهَا قَدَحٌ فِي جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ: أَوَّلِهَا عَنْ آخِرِهَا؛ فَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا، وَهُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ وَفِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ.
стр. 636
فَكُلُّ مَنْ تَعَلَّلَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ، وَفِي أَمْرِهِ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَفِي أَمْرِهِ ﵇ بِالتَّأَنِّي [وَالِانْتِشَارِ] وَالتَّحَوُّلِ - بِمَا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَقَدْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوَّلَهُ مَا لَمْ يَقُلْ، وَافْتَرَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ -.
وَقَدْ ذَكَرَ الْأَذَانَ لَهَا وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَهُمَا -: حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ؟ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْخَبَرِ: أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُمْ حِينَئِذٍ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا» ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَدْ رُوِيَ هَذَا اللَّفْظُ، وَرُوِيَ «لِيُصَلِّهَا أَحَدُكُمْ مِنْ الْغَدَاةِ لِوَقْتِهَا» ؟ .
وَرُوِيَ «فَإِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ عَنْ الصَّلَاةِ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا وَمِنْ الْغَدِ لِلْوَقْتِ» ؟ ، وَرُوِيَ «أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَقْضِيهَا لِمِيقَاتِهَا مِنْ الْغَدِ؟ وَأَنَّهُمْ قَالُوا: أَلَا نُصَلِّي كَذَا وَكَذَا صَلَاةً قَالَ: لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ» .
وَكُلُّ هَذَا صَحِيحٌ وَمُتَّفِقُ الْمَعْنَى؛ وَإِنَّمَا يُشْكِلُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ
стр. 637
صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا» ؟ ، وَإِذَا تُؤُمِّلَ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ - فِي لُغَةِ الْعَرَبِ - رَاجِعٌ إلَى " الْغَدَاةِ " - لَا إلَى الصَّلَاةِ -: أَيْ فَلْيَقْضِ مَعَ الْغَدَاةِ مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُصَلِّي، بِلَا زِيَادَةٍ عَلَيْهَا -: أَيْ: فَلْيُؤَدِّ مَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ كُلَّ يَوْمٍ؛ فَتَتَّفِقُ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ صِفَةُ الصَّلَاةِ وَمَا لَا تُجْزِئُ إلَّا بِهِ]
٣٤٣ - مَسْأَلَةٌ: صِفَةُ الصَّلَاةِ، وَمَا لَا تُجْزِئُ إلَّا بِهِ: لَا تُجْزِئُ أَحَدًا صَلَاةٌ إلَّا بِثِيَابٍ طَاهِرَةٍ، وَجَسَدٍ طَاهِرٍ، فِي مَكَان طَاهِرٍ؟ قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ ذَكَرْنَا الْأَشْيَاءَ الْمُفْتَرَضَ اجْتِنَابُهَا؛ فَمَنْ صَلَّى غَيْرَ مُجْتَنِبٍ لَهَا فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكَنْسِ مَا كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهِ؛ وَبِأَنْ تُطَيَّبَ الْمَسَاجِدُ وَتُنَظَّفَ؛ لِقَوْلِهِ ﵇ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِسْنَادِهِ «وَجُعِلَتْ لِي كُلُّ أَرْضٍ طَيِّبَةٍ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ؟ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] .
وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: الْقَلْبُ -: فَقَدْ خَصَّ الْآيَةَ بِدَعْوَاهُ بِلَا بُرْهَانٍ، وَالْأَصْلُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ: أَنَّ الثِّيَابَ هِيَ الْمَلْبُوسَةُ وَالْمُتَوَطَّأَةُ وَلَا يُنْقَلُ عَنْ ذَلِكَ إلَى الْقَلْبِ وَالْعَرَضِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا حَالَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا حَالَانِ، لَا ثَالِثَ لَهُمَا: حَالُ الصَّلَاةِ، وَحَالُ غَيْرِ الصَّلَاةِ؟ .
وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّهُ لَا يُحْرَجُ مَنْ فِي بَدَنِهِ شَيْءٌ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ وَفِي ثِيَابِهِ أَوْ فِي مَقْعَدِهِ فِي حَالِ غَيْرِ الصَّلَاةِ؛ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ: هَلْ ذَلِكَ مُبَاحٌ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ فَإِذَا خَرَجَتْ حَالُ غَيْرِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ لَمْ يَبْقَ حَيْثُ تُسْتَعْمَلُ أَوَامِرُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ إلَّا لِلصَّلَاةِ؛ فَهَذَا فَرْضٌ فِيهَا -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 638
[مَسْأَلَةٌ أَصَابَ بَدَنَهُ أَوْ ثِيَابَهُ أَوْ مُصَلَّاهُ شَيْءٌ فُرِضَ اجْتِنَابُهُ]
مَسْأَلَةٌ:
فَمَنْ أَصَابَ بَدَنَهُ أَوْ ثِيَابَهُ أَوْ مُصَلَّاهُ شَيْءٌ فُرِضَ اجْتِنَابُهُ بَعْدَ أَنْ كَبَّرَ سَالِمًا فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا مِمَّا أَصَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ -: فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ: أَزَالَ الثَّوْبَ - وَإِنْ بَقِيَ عُرْيَانًا - مَا لَمْ يُؤْذِهِ الْبَرْدُ، وَزَالَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ وَأَزَالَهَا عَنْ بَدَنِهِ بِمَا أُمِرَ أَنْ يُزِيلَهَا بِهِ، وَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَأَجْزَأَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
فَإِنْ نَسِيَ حَتَّى عَمِلَ عَمَلًا مُفْتَرَضًا عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ أُلْغِيَ، وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ، وَأَتَى بِذَلِكَ الْعَمَلِ كَمَا أُمِرَ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ، مَا لَمْ تُنْتَقَضْ طَهَارَتُهُ؛ فَإِنْ انْتَقَضَتْ أَعَادَ الصَّلَاةَ مَتَى ذَكَرَ.
فَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ إلَّا فِي مَكَان مِنْ صَلَاتِهِ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ لَمْ تَبْطُلْ بِهِ صَلَاتُهُ مِثْلُ قِرَاءَةِ السُّورَةِ الَّتِي مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ، أَوْ مَا زَادَ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، وَالْجُلُوسِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ -: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا سُجُودُ السَّهْوِ فَقَطْ؟ فَإِنْ تَعَمَّدَ مَا ذَكَرْنَا: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ وَكَانَ كَمَنْ لَمْ يُصَلِّ، وَلَا فَرْقَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ إلَّا فِي وَقْتِهَا؟ فَصَحَّ الْآنَ أَنَّ النَّاسِيَ يُعِيدُ أَبَدًا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» ؟ .
وَالنَّاسِي: هُوَ الَّذِي عَلِمَ الشَّيْءَ ثُمَّ نَسِيَهُ، وَبَعْضُ الصَّلَاةِ: صَلَاةٌ بِنَصِّ حُكْمِ اللُّغَةِ وَالضَّرُورَةِ.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَنْ نَسِيَ الطَّهَارَةَ، أَوْ بَعْضَ أَعْضَائِهِ، أَوْ نَسِيَ سَتْرَ عَوْرَتِهِ؟ فَإِنْ ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ كَذَلِكَ أَعَادَهَا أَبَدًا.
وَصَحَّ: أَنَّ الْعَامِدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ إلَّا فِي وَقْتِهَا؛ وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَأَمَّا الْجَاهِلُ: وَهُوَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلَّا فِي صَلَاتِهِ أَوْ بَعْدَهَا؟ كَمَنْ كَانَ فِي ثِيَابِهِ، أَوْ بَدَنِهِ، أَوْ فِي مَكَانِهِ -: شَيْءٌ فُرِضَ اجْتِنَابُهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ؟ فَإِنَّهُ يُعِيدُ كُلَّ مَا صَلَّى كَذَلِكَ فِي الْوَقْتِ كَذَلِكَ
стр. 639
وَكَذَلِكَ مَنْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، وَهُوَ لَا يَرَى.
وَكَذَلِكَ مَنْ جَهِلَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ طَهَارَتِهِ، أَوْ صَلَاتِهِ ثُمَّ عَلِمَهَا -: فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ إلَّا فِي الْوَقْتِ فَقَطْ، لَا بَعْدَ الْوَقْتِ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا فِي أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْفَرَائِضُ تَنْزِلُ؛ كَتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، وَالزِّيَادَةِ فِي عَدَدِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ؟ فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ ﵇ بِإِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ بَلَغَهُ ذَلِكَ، وَأَمَرَ الَّذِي رَآهُ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ أَنْ يُعِيدَهَا.
فَصَحَّ بِذَلِكَ -: أَنْ يَأْتِيَ بِمَا جَهِلَ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا إذَا عَلِمَهُ؛ مَا دَامَ الْوَقْتُ قَائِمًا فَقَطْ؟ وَأَمَّا الْمُكْرَهُ، وَالْعَاجِزُ؛ لِعِلَّةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ؟ فَإِنَّهُ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا -: إنْ زَالَ الْإِكْرَاهُ، أَوْ الضَّرُورَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ -: فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ؟ .
وَإِنْ زَالَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ؛ فَأَتَمَّهَا كَمَا يَقْدِرُ وَاعْتَدَّ بِمَا عَمِلَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ، وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِي ذَلِكَ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ: إنْ كَانَ عَمَلٌ مَأْمُورٌ بِهِ، فَهُوَ فِيهَا جَائِزٌ - كَثُرَ أَوْ قَلَّ، وَإِزَالَةُ مَا اُفْتُرِضَ عَلَى الْمَرْءِ اجْتِنَابُهُ فِي الصَّلَاةِ مَأْمُورٌ بِهِ فِيهَا؛ فَهُوَ جَائِزٌ فِي الصَّلَاةِ؟ وَأَمَّا قَوْلُنَا: وَإِنْ بَقِيَ عُرْيَانًا؛ فَلِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَرْضَانِ -: أَحَدُهُمَا: سَتْرُ الْعَوْرَةِ؛ وَالثَّانِي: اجْتِنَابُ مَا أُمِرَ بِاجْتِنَابِهِ؟ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا.
فَإِنْ صَلَّى غَيْرَ مُجْتَنِبٍ؛ لِمَا أُمِرَ بِاجْتِنَابِهِ؟ فَقَدْ تَعَمَّدَ فِي صَلَاتِهِ عَمَلًا مُحَرَّمًا عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ؛ فَلَا صَلَاةَ لَهُ؟ .
وَإِذَا لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا أُمِرَ بِالِاسْتِتَارِ بِمِثْلِهِ؛ فَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الِاسْتِتَارِ؛ وَلَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْءِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ
стр. 640
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، وَلَيْسَ الْمَرْءُ مُضْطَرًّا إلَى لِبَاسِ ثَوْبٍ يَقْدِرُ عَلَى خَلْعِهِ، وَلَا إلَى الْبَقَاءِ فِي مَكَان يَقْدِرُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ، وَهُوَ مُضْطَرٌّ إلَى التَّعَرِّي إذَا لَمْ يَجِدْ مَا أُبِيحَ لَهُ لِبَاسُهُ؛ فَإِنْ خَشِيَ الْبَرْدَ فَهُوَ حِينَئِذٍ مُضْطَرٌّ إلَى مَا يَطْرُدُ بِهِ الْبَرْدَ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَيُصَلِّي بِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ حِينَئِذٍ؟ وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ نَسِيَ حَتَّى عَمِلَ عَمَلًا مُفْتَرَضًا عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ أَلْغَاهُ، وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ وَأَتَى بِذَلِكَ الْعَمَلِ كَمَا أُمِرَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ، مَا لَمْ تُنْتَقَضْ طَهَارَتُهُ؟ .
فَلِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُقُوطِ مَا نَسِيَهُ الْمَرْءُ فِي صَلَاتِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ صَلَاتَهُ؟ ؛ وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .
وَلِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ» بِأَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ؛ وَهَذَا قَدْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ سَاهِيًا مَا لَوْ تَعَمَّدَهُ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ أَعَادَهَا أَبَدًا مَتَى ذَكَرَ؟ فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» ، وَبَعْضُ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ عَلَيْهِ فَفَرْضٌ أَنْ يُصَلِّيَهَا، وَأَنْ يَأْتِيَ بِمَا نَسِيَ، وَبِمَا لَا يُجْزِئُ - إذَا مَا نَسِيَ - إلَّا بِهِ، مِنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ، أَوْ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى تَرْتِيبِهَا، إلَى أَنْ يُتِمَّ مَا نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ إلَّا فِي مَكَان مِنْ صَلَاتِهِ لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ، إلَى آخِرِ كَلَامِنَا؛ فَلِأَنَّهُ قَدْ وَفَّى جَمِيعَ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ سَالِمَةً كَمَا أُمِرَ؛ وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَعْمَالُ الزَّائِدَةَ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ جَائِزَةً دُونَهَا -: فَإِنَّهَا فِي جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، وَفِي حَالٍ لَوْ تَعَمَّدَ فِيهَا مَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَكَانَ مِنْهُ فِيهَا مَا كَانَ نَاسِيًا فَزَادَ فِي صَلَاتِهِ
стр. 641
عَمَلًا بِالسَّهْوِ لَا يَجُوزُ لَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا سُجُودُ السَّهْوِ، كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَرُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَلْعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لِلْقَذَرِ الَّذِي كَانَ فِيهِمَا، وَعَنْ الْحَسَنِ إذَا رَأَيْت فِي ثَوْبِك قَذَرًا فَضَعْهُ عَنْك وَامْضِ فِي صَلَاتِك، وَقَدْ أَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: غَسْلَ الرُّعَافِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَأَمَّا الصَّلَاةُ بِالنَّجَاسَةِ: فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُعِيدُ الْعَامِدُ لِذَلِكَ وَالنَّاسِي إلَّا فِي الْوَقْتِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدَّى الصَّلَاةَ الَّتِي أُمِرَ بِهَا كَمَا أُمِرَ، أَوْ لَمْ يُؤَدِّهَا كَمَا أُمِرَ؛ فَإِنْ كَانَ أَدَّاهَا كَمَا أُمِرَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ظُهْرَيْنِ، وَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ صَلَاةً قَدْ صَلَّاهَا؟ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّهَا كَمَا أُمِرَ فَمِنْ قَوْلِهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ أَبَدًا؛ فَظَهَرَ بُطْلَانُ هَذَا الْقَوْلِ؟ .
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الَّتِي تَأْمُرُونَهُ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي الْوَقْتِ وَلَا تَأْمُرُونَهُ بِهَا بَعْدَ الْوَقْتِ: أَفَرْضٌ هِيَ عِنْدَكُمْ أَمْ نَافِلَةٌ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ؟ وَبِأَيِّ نِيَّةٍ يُصَلِّيهَا؟ أَبِنِيَّةِ أَنَّهَا الْفَرْضُ اللَّازِمُ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَمْ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ؟ أَمْ بِلَا نِيَّةٍ، لَا لِفَرْضٍ وَلَا لِتَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: هِيَ فَرْضٌ وَلَا يُصَلِّيهَا إلَّا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ؛ فَمِنْ أَصْلِكُمْ الَّذِي لَمْ تَخْتَلِفُوا فِيهِ: أَنَّ الْفَرْضَ يُصَلَّى أَبَدًا، وَلَا يَسْقُطُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فِيهِ، فَهَذَا تَنَاقُضٌ وَهَدْمٌ لِأَصْلِكُمْ.
وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا وَتَأْمُرُونَهُ بِأَنْ يَدْخُلَ فِيهَا بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فَإِنَّ التَّطَوُّعَ لَا يُجْزِئُ بَدَلَ الْفَرْضِ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ تَرْكَ الْفَرْضِ وَيُصَلِّيَ التَّطَوُّعَ عِوَضًا مِنْ الْفَرْضِ؛ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَهُ بِذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ؛ بَلْ هُوَ خُرُوجُ الْكُفْرِ بِلَا شَكٍّ وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا يُصَلِّيهَا بِنِيَّةِ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ؟ كَانَ هَذَا بَاطِلًا مُتَيَقَّنًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَهَذَا لَا عَمَلَ لَهُ، إذْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ، فَقَدْ أَمَرْتُمُوهُ بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَا يَحِلُّ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: يُعِيدُ أَبَدًا فِي الْعَمْدِ، وَالنِّسْيَانِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا
стр. 642
اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ؛ وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَكَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ: - أَيْ نَجَاسَةٌ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَامِدًا كَانَ أَوْ نَاسِيًا؟ فَإِنْ كَانَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَأَقَلَّ؛ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ فِي الْعَمْدِ؛ وَالنِّسْيَانِ؟ فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ، وَكَانَتْ فِي مَوْضِعِ وَضْعِ يَدَيْهِ، أَوْ فِي مَوْضِعِ وَضْعِ رُكْبَتَيْهِ، أَوْ حِذَاءِ إبِطَيْهِ: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ فِي الْعَمْدِ، وَالنِّسْيَانِ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ إذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ وُقُوعِ جَبْهَتِهِ فِي السُّجُودِ.
فَمَرَّةً قَالَ: صَلَاتُهُ تَامَّةٌ فِي الْعَمْدِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَرَّةً قَالَ: صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ فِي الْعَمْدِ، وَالنِّسْيَانِ؛ وَبِهِ يَقُولُ زُفَرُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ كَذَلِكَ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ: فَسَدَتْ تِلْكَ السَّجْدَةُ - وَحْدَهَا خَاصَّةً - وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْهَا؟ وَإِنْ سَجَدَهَا مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ - وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْهَا حَتَّى أَتَمَّ صَلَاتَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كُلُّهَا؟ وَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ فِي هَذَا أَسْقَطَ مِنْ قَوْلِهِمْ؛ وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ لَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ وَلَا رُكْبَتَيْهِ فِي السُّجُودِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ صَلَاتَهُ شَيْئًا بِخِلَافِ قَدَمَيْهِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا احْتِجَاجٌ لِلْبَاطِلِ بِأَشْنَعَ مَا يَكُونُ مِنْ الْبَاطِلِ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِخْفَافٌ بِالصَّلَاةِ، وَيَلْزَمُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ أَنْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْ جَبْهَتَهُ بِالْأَرْضِ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَمَنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ إلَّا أَنَّهَا فِي مَوْضِعٍ يُسَجِّيهِ، وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ جِسْمِهِ، فَإِنْ كَانَ إذَا تَحَرَّكَ فِي صَلَاتِهِ لِقِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ تَحَرَّكَتْ النَّجَاسَةُ -: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا فَلَا؟ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْمُصَلِّي الْمُبَطِّنُ بِمَنْزِلَةِ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، إنْ كَانَ فِي الْبَاطِنَةِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ غَيْرِ نَافِذَةٍ إلَى الْوَجْهِ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَبْطُلُ، وَهُمَا ثَوْبَانِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ أَقْوَالٌ يَنْبَغِي حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا، وَلَا مَزِيدَ،
стр. 643
وَلَا سَلَفَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ثُمَّ الْعَجَبُ قَوْلُهُمْ لِمَنْ أَخَذَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرِ رَسُولِهِ ﷺ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِصِحَّةِ نَقْلِهِ وَبَيَانِهِ: قُولُوا لَنَا: مَنْ قَالَ بِهَذَا قَبْلَكُمْ؟ فَيَا لِلْمُسْلِمِينَ أَيُعَنَّفُ مَنْ أَخَذَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، الَّتِي أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا، حَتَّى يَأْتِيَ بِاسْمِ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ؟ وَلَا يُعَنَّفُ مَنْ قَالَ بِرَأْيِهِ - مُبْتَدِئًا دُونَ مُوَافِقٍ مِنْ السَّلَفِ - مِثْلُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْفَاسِدَةِ الْمُتَنَاقِضَةِ؟ وَحَسْبُنَا اللَّهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى هِدَايَتِهِ لَنَا وَتَوْفِيقِهِ إيَّانَا؟
[مَسْأَلَةٌ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَكَان فِيهِ مَا يَلْزَمُهُ اجْتِنَابُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الزَّوَالِ عَنْهُ]
٣٤٥ - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَكَان فِيهِ مَا يَلْزَمُهُ اجْتِنَابُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الزَّوَالِ عَنْهُ، وَكَانَ مَغْلُوبًا لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ عَنْ جَسَدِهِ، وَلَا عَنْ ثِيَابِهِ -: فَإِنَّهُ يُصَلِّي كَمَا هُوَ، وَتُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ.
فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ أَوْ جُلُوسِهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مَكَان غَيْرِهِ -: صَلَّى قَائِمًا وَجَلَسَ عَلَى أَقْرَبِ مَا يَقْدِرُ مِنْ الدُّنُوِّ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يُقَرِّبُ: جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَكْثَرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَضَعُهُمَا عَلَيْهِ، فَإِنْ جَلَسَ عَلَيْهِ، أَوْ سَجَدَ عَلَيْهِ مُتَعَمِّدًا - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ -: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَصَحَّ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ وَيَبْقَى عَلَيْهِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ عَنْ عَيْنِ النَّاظِرِ وَفِي الصَّلَاةِ جُمْلَةً]
٣٤٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ عَنْ عَيْنِ النَّاظِرِ، وَفِي الصَّلَاةِ جُمْلَةً، كَانَ هُنَالِكَ أَحَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]- ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] .
فَمَنْ أَبْدَى فَرْجَهُ لِغَيْرِ مَنْ أُبِيحَ لَهُ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى؟ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] فَاتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ؟ .
стр. 644
[مَسْأَلَةٌ لَمْ يَجِدُ ثَوْبًا يستر عَوْرَته فِي الصَّلَاةِ]
مَسْأَلَةٌ: وَإِنَّمَا هَذَا لِلْعَامِدِ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَجِدُ ثَوْبًا أُبِيحَ لَهُ الصَّلَاةُ بِهِ أَوْ أُكْرِهَ أَوْ نَسِيَ -: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ؛ وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ فِي إلْغَاءِ مَا عَمِلَ مِنْ فَرَائِضِ صَلَاتِهِ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ نَاسِيًا، وَالْمَجِيءَ بِهَا كَمَا أُمِرَ، وَالْبِنَاءَ عَلَى مَا صَلَّى مُغَطَّى الْعَوْرَةِ، وَالسُّجُودَ لِلسَّهْوِ، وَجَوَازَ الصَّلَاةِ بِمَا صَلَّى كَذَلِكَ فِي حَالٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَوْ أَسْقَطَهَا تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَسُجُودَ السَّهْوِ لِذَلِكَ -: كَمَا قُلْنَا فِي الصَّلَاةِ: غَيْرُ مُجْتَنِبٍ لِمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْنَا اجْتِنَابُهُ، سَوَاءً سَوَاءً وَلَا فَرْقَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا هُنَالِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ أَوْ غَيْرَ مُجْتَنِبٍ لِمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهُ]
٣٤٨ - مَسْأَلَةٌ:
فَلَوْ ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ أَوْ غَيْرَ مُجْتَنِبٍ لِمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهُ - عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا - فَلَا صَلَاةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ كَمَا أُمِرَ؛ وَلَا صَحَّ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ يَبْنِي عَلَيْهِ.
وَلَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ تَقْدِيمُ مُؤَخَّرٍ قَبْلَ مَا هُوَ فِي الرُّتْبَةِ قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ؟ .
[مَسْأَلَةٌ الْعَوْرَةُ الْمُفْتَرَضُ سَتْرُهَا عَلَى النَّاظِرِ وَفِي الصَّلَاةِ مِنْ الرَّجُلِ]
٣٤٩ - مَسْأَلَةٌ: وَالْعَوْرَةُ الْمُفْتَرَضُ سَتْرُهَا عَلَى النَّاظِرِ وَفِي الصَّلَاةِ -: مِنْ الرَّجُلِ: الذَّكَرُ وَحَلْقَةُ الدُّبُرِ فَقَطْ؛ وَلَيْسَ الْفَخِذُ مِنْهُ عَوْرَةً وَهِيَ مِنْ الْمَرْأَةِ: جَمِيعُ جِسْمِهَا، حَاشَا الْوَجْهِ، وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ، الْحُرُّ، وَالْعَبْدُ، وَالْحُرَّةُ، وَالْأَمَةُ، سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا ابْنُ الْحَجَّاجِ ثنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ ثنا أَبِي ثنا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ ثنا أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ
стр. 645
الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: «أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ ثَقِيلٍ أَحْمِلُهُ وَعَلَيَّ إزَارٌ خَفِيفٌ، فَانْحَلَّ إزَارِي وَمَعِي الْحَجَرُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَمْنَعَهُ حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إلَى مَوْضِعِهِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ارْجِعْ إلَى إزَارِكَ فَخُذْهُ، وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً» فَصَحَّ أَنَّ أَخْذَ الْإِزَارِ فَرْضٌ.
وَأَمَّا الْفَخِذُ: فَإِنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ حَدَّثَنَا قَالَ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ هُوَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ. - ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ؛ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ؛ فَأَجْرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ، حَتَّى إنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ فَخِذِ النَّبِيِّ ﷺ » وَذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ، قَالَ عَلِيٌّ: فَصَحَّ أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَتْ عَوْرَةً وَلَوْ كَانَتْ عَوْرَةً لَمَا كَشَفَهَا اللَّهُ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ الْمُطَهَّرِ الْمَعْصُومِ مِنْ النَّاسِ فِي حَالِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ؛ وَلَا أَرَاهَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَلَا غَيْرَهُ، وَهُوَ تَعَالَى قَدْ عَصَمَهُ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فِي حَالِ الصِّبَا وَقَبْلَ النُّبُوَّةِ كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرَبٍ ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ثنا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إزَارَكَ فَجَعَلْتَهُ عَلَى مَنْكِبِكَ دُونَ الْحِجَارَةِ قَالَ: فَحَلَّهُ وَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ؛ فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ عُرْيَانًا» . حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ
стр. 646
أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بُنِيَتْ الْكَعْبَةُ - ذَهَبَ هُوَ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الْحِجَارَةَ فَقَالَ عَبَّاسٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ اجْعَلْ إزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ مِنْ الْحِجَارَةِ فَفَعَلَ، فَخَرَّ إلَى الْأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: إزَارِي إزَارِي فَشُدَّ عَلَيْهِ إزَارُهُ» . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَاجِ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرَبٍ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - ثنا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ قَالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الصَّامِتِ ضَرَبَ فَخِذِي وَقَالَ: إنِّي سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ فَضَرَبَ فَخِذِي كَمَا ضَرَبْت فَخِذَك، وَقَالَ: «إنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَضَرَبَ فَخِذِي كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ، وَقَالَ: صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا؛ فَإِنْ أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ مَعَهُمْ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ إنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي» . فَلَوْ كَانَتْ الْفَخِذُ عَوْرَةً لَمَا مَسَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبِي ذَرٍّ أَصْلًا بِيَدِهِ الْمُقَدَّسَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْفَخِذُ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ عَوْرَةً لَمَا ضَرَبَ عَلَيْهَا بِيَدِهِ: وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ. وَمَا يَسْتَحِلُّ مُسْلِمٌ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدِهِ عَلَى ذَكَرِ إنْسَانٍ عَلَى الثِّيَابِ، وَلَا عَلَى حَلْقَةِ دُبُرِ الْإِنْسَانِ عَلَى الثِّيَابِ، وَلَا عَلَى بَدَنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَلَى الثِّيَابِ أَلْبَتَّةَ وَقَدْ «مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْقَوَدِ مِنْ الْكَسْعَةِ وَهِيَ ضَرْبُ الْأَلْيَتَيْنِ عَلَى الثِّيَابِ بِبَاطِنِ الْقَدَمِ، وَقَالَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» . فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ الْحَجَرَ قَدْ جَمَحَ بِثِيَابِ مُوسَى ﵇ حَتَّى رَأَى بَنُو إسْرَائِيلَ أَنَّهُ لَيْسَ آدَرَ
стр. 647
قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي هَذَا، لِوَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنَا كَشْفُ الْعَوْرَاتِ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ وَفِي ذَلِكَ الْخَبَرِ نَفْسِهِ: أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانُوا يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، وَكَانَ مُوسَى ﵇ يَغْتَسِلُ فِي الْخَلَاءِ، وَلَمْ يَأْتِ أَنَّهُ ﵇ نَهَاهُمْ عَنْ الِاغْتِسَالِ عُرَاةً وَقَدْ يَسْتَتِرُ ﵇ حَيَاءً، كَمَا سَتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاقَهُ حَيَاءً مِنْ عُثْمَانَ؛ وَلَيْسَتْ سَاقُ الرَّجُلِ عَوْرَةً عِنْدَ أَحَدٍ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُمْ رَأَوْا مِنْ مُوسَى: الذَّكَرَ - الَّذِي هُوَ عَوْرَةٌ - وَإِنَّمَا رَأَوْا مِنْهُ هَيْئَةً تَبَيَّنُوا بِهَا أَنَّهُ مُبَرَّأٌ مِمَّا قَالُوهُ مِنْ الْأُدْرَةِ؛ وَهَذَا يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ نَاظِرٍ بِلَا شَكٍّ بِغَيْرِ أَنْ يَرَى شَيْئًا مِنْ الذَّكَرِ، لَكِنْ بِأَنْ يَرَى مَا بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ خَالِيًا - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ فَإِنْ ذَكَرُوا الْأَخْبَارَ الْوَاهِيَةَ فِي أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ؛ فَهِيَ كُلُّهَا سَاقِطَةٌ. أَمَّا حَدِيثُ جُوَيْبِرٍ -: فَإِنَّهُ عَنْ ابْنِ جَوْهَرٍ؛ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَعَنْ مَجْهُولِينَ، وَمُنْقَطِعٌ وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - وَهُوَ صَحِيفَةٌ - قَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا لَا يَقُولُونَ بِهِ. مِثْلَ: رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى أَنَّ كُلَّ مُسْتَلْحَقٍ اُسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ ادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ: إنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا يَوْمَ أَصَابَهَا: فَقَدْ لَحِقَ بِمَنْ اسْتَلْحَقَهُ؛ وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا قُسِمَ قَبْلَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ، وَمَا أَدْرَكَ مِنْ مِيرَاثٍ لَمْ يُقْسَمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ، وَلَا يَلْحَقُ إنْ كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ أَنْكَرَهُ» . وَمِثْلَ: رِوَايَتِهِ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ مُسْنَدًا وَذَكَرَ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا «هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ» وَ «أَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْ الْحِلَقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» .
стр. 648
وَلَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إذَا هَلَكَ زَوْجُهَا فِي عِصْمَتِهَا وَ «أَنَّهُ ﵇ قَضَى فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا بِثُلُثِ الدِّيَةِ» . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا. وَفِي أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ مِنْ طَرِيقِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، فِيهِ: سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ، وَجَرِيرُ بْنُ قَطَنٍ؛ وَهُمْ مَجْهُولُونَ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جَحْشٍ، فِيهِ أَبُو كَثِيرٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ، مُنْقَطِعٌ، رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، بَيْنَهُمَا مَنْ لَمْ يُسَمَّ وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، وَرِوَايَةُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: بَيْنَهُمَا رَجُلٌ لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ إلَّا أَبُو خَالِدٍ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِيهَا أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِيهِ مَجْهُولُونَ لَا يُدْرَى مَنْ هُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا لَا شَيْءَ. وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَأْتِ مِنْ الْآثَارِ الثَّابِتَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا شَيْءٌ لَمَا جَازَ أَنْ يَقْطَعَ عَلَى عُضْوٍ بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ -: إلَّا بِبُرْهَانٍ، مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَاجِ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَنَّ أَبَاهُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: «كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّ حَمْزَةَ صَعَّدَ النَّظَرَ إلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ إلَى
стр. 649
سُرَّتِهِ.» وَذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ. فَلَوْ كَانَتْ السُّرَّةُ عَوْرَةً لَمَا أَطْلَقَ اللَّهُ حَمْزَةَ وَلَا غَيْرَهُ عَلَى النَّظَرِ إلَيْهَا. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى وَرِكِهِ مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ» . فَلَوْ كَانَ الْوَرِكُ عَوْرَةً مَا كَشَفَهَا ﵇ إلَى الْحَجَّامِ وَهَذَا إسْنَادٌ أَعْظَمُ آمَالِهِمْ أَنْ يَظْفَرُوا بِمِثْلِهِ لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمَّا نَحْنُ فَغَانُونَ بِالصَّحِيحِ عَلَى مَا لَا نَرَاهُ حُجَّةً، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ أَنْ نَحْتَجَّ فِي مَكَان بِمَا لَا نَرَاهُ حُجَّةً فِي كُلِّ مَكَان، تَعَصُّبًا لِلتَّقْلِيدِ؛ وَاسْتِهَانَةً بِالشَّرِيعَةِ، وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا بِهِ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ يُخْبِرُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَاقِفًا عَلَى قُزَحٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَصْبِحُوا، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إلَى فَخِذِهِ قَدْ انْكَشَفَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ هُوَ الْحَجَبِيُّ ثنا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ثنا ابْنُ عَوْنٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنِسِ بْنِ مَالِكٍ: فَذَكَرَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فَقَالَ:
стр. 650
أَتَى أَنَسٌ إلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهُوَ يَتَحَنَّطُ -: يَعْنِي مِنْ الْحَنُوطِ لِلْمَوْتِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَاهُ حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: دَخَلْت عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -: وَهُوَ مَحْمُومٌ وَقَدْ كَشَفَ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَذَكَرَ الْخَبَرَ فَهَؤُلَاءِ - أَبُو بَكْرٍ بِحَضْرَةِ أَهْلِ الْمَوْسِمِ -: وَثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَنَسٌ، وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَبِهِ نَأْخُذُ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]- إلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] . فَأَمَرَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِالضَّرْبِ بِالْخِمَارِ عَلَى الْجُيُوبِ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالْعُنُقِ، وَالصَّدْرِ. وَفِيهِ نَصٌّ عَلَى إبَاحَةِ كَشْفِ الْوَجْهِ؛ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ أَصْلًا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] نَصٌّ عَلَى أَنَّ الرِّجْلَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ مِمَّا يُخْفَى وَلَا يَحِلُّ إبْدَاؤُهُ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثنا هِشَامٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقُ، وَالْحُيَّضُ، وَذَوَاتُ الْخُدُورِ. قَالَتْ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، إحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ قَالَ: لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» .
стр. 651
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا أَمْرٌ بِلُبْسِهِنَّ الْجَلَابِيبَ لِلصَّلَاةِ وَالْجِلْبَابُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي خَاطَبْنَا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ مَا غَطَّى جَمِيعَ الْجِسْمِ، لَا بَعْضَهُ فَصَحَّ مَا قُلْنَا نَصًّا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ قَالَ: «سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَذْكُرُ أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَأَنَّهُ ﵇ خَطَبَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ؛ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَرَأَيْتُهُنَّ يُهَوِّينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ» . فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأَى أَيْدِيَهُنَّ؛ فَصَحَّ أَنَّ الْيَدَ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَالْوَجْهَ: لَيْسَا عَوْرَةً، وَمَا عَدَاهُمَا؛ فَفَرْضٌ عَلَيْهَا سَتْرُهُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثنا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ " فَأَخَذَ الْفَضْلُ يَلْتَفِتُ إلَيْهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً حَسْنَاءَ، وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَوِّلُ وَجْهَ الْفَضْلِ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ ". فَلَوْ كَانَ الْوَجْهُ عَوْرَةً يَلْزَمُ سَتْرُهُ لَمَا أَقَرَّهَا ﵇ عَلَى كَشْفِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَلَأَمَرَهَا أَنْ تُسْبِلَ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقٍ، وَلَوْ كَانَ وَجْهُهَا مُغَطًّى مَا عَرَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَحَسْنَاءُ هِيَ أَمْ شَوْهَاءُ فَصَحَّ كُلُّ مَا قُلْنَاهُ يَقِينًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فَدِينُ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ، وَالْخِلْقَةُ وَالطَّبِيعَةُ وَاحِدَةٌ، كُلُّ
стр. 652
ذَلِكَ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ سَوَاءٌ، حَتَّى يَأْتِيَ نَصٌّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] : يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ الْحَرَائِرَ فَقُلْنَا: هَذَا هُوَ الْكَذِبُ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّ الْبَعْلَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: السَّيِّدُ، وَالزَّوْجُ، وَأَيْضًا فَالْأَمَةُ قَدْ تَتَزَوَّجُ؛ وَمَا عَلِمْنَا قَطُّ أَنَّ الْإِمَاءَ لَا يَكُونُ لَهُنَّ: أَبْنَاءٌ، وَآبَاءٌ، وَأَخْوَالٌ، وَأَعْمَامٌ، كَمَا لِلْحَرَائِرِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ وَهَلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] إلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ لِأَنَّ الْفُسَّاقَ كَانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِلنِّسَاءِ لِلْفِسْقِ؛ فَأَمَرَ الْحَرَائِرَ بِأَنْ يَلْبَسْنَ الْجَلَابِيبَ لِيَعْرِفَ الْفُسَّاقُ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ فَلَا يَعْتَرِضُوهُنَّ. قَالَ عَلِيٌّ: وَنَحْنُ نَبْرَأُ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ الْفَاسِدِ، الَّذِي هُوَ: إمَّا زَلَّةُ عَالِمٍ وَوَهْلَةُ فَاضِلٍ عَاقِلٍ؛ أَوْ افْتِرَاءُ كَاذِبٍ فَاسِقٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الْفُسَّاقَ عَلَى أَعْرَاضِ إمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ مُصِيبَةُ الْأَبَدِ، وَمَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّ تَحْرِيمَ الزِّنَى بِالْحُرَّةِ كَتَحْرِيمِهِ بِالْأَمَةِ؛ وَأَنَّ الْحَدَّ عَلَى الزَّانِي بِالْحُرَّةِ كَالْحَدِّ عَلَى الزَّانِي بِالْأَمَةِ وَلَا فَرْقَ، وَإِنَّ تَعَرُّضَ الْحُرَّةِ فِي التَّحْرِيمِ كَتَعَرُّضِ الْأَمَةِ وَلَا فَرْقَ، وَلِهَذَا وَشِبْهِهِ وَجَبَ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا بِأَنْ يُسْنِدَهُ إلَيْهِ ﵇. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَارُودِ الْقَطَّانُ ثنا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ثنا قَتَادَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» .
стр. 653
قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ. قَالَتْ: فِي الدِّرْعِ السَّابِغِ الَّذِي يُوَارِي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَفِي الْخِمَارِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أُمِّ ثَوْرٍ عَنْ زَوْجِهَا بِشْرٍ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ مِنْ الثِّيَابِ.؟ قَالَ: فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ مَكْحُولٍ عَمَّنْ سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَتْ لَهُ: سَلْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ ارْجِعْ إلَيَّ فَأَخْبِرْنِي فَأَتَى عَلِيًّا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ، فَرَجَعَ إلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَهَا. فَقَالَتْ: صَدَقَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ أَنَا قَابُوسُ بْنُ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ جَارِيَةً كَانَتْ تَخْرُجُ عَلَى عَهْدِ عَائِشَةَ بَعْدَمَا تَحَرَّكَ ثَدْيَاهَا؛ فَقِيلَ لِعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إنَّهَا لَمْ تَحِضْ بَعْدُ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُمْ ﵃ أَرَادُوا الْحَرَائِرَ دُونَ الْإِمَاءِ: كَانَ كَاذِبًا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ فَرْقٌ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: بَلْ أَرَادُوا إلَّا الْقُرَشِيَّاتِ خَاصَّةً، أَوْ الْمُضَرِيَّاتِ خَاصَّةً؛ أَوْ الْعَرَبِيَّاتِ خَاصَّةً، وَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُثَنَّى ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ ثنا خُصَيْفٌ سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُولُ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ صَلَّتْ وَلَمْ تُغَطِّ شَعْرَهَا لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهَا صَلَاةً.
стр. 654
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُثَنَّى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: تنع الْأَمَةُ رَأْسَهَا فِي الصَّلَاةِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ تُقْبَلْ لَهَا صَلَاةٌ حَتَّى تَخْتَمِرَ، وَتُوَارِيَ رَأْسَهَا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إذَا صَلَّتْ الْأَمَةُ غَطَّتْ رَأْسَهَا وَغَيَّبَتْهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ خِمَارٍ، وَكَذَلِكَ كُنَّ يَضَعْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَكَانَ الْحَسَنُ يَأْمُرُ الْأَمَةَ إذْ تَزَوَّجَتْ عَبْدًا أَوْ حُرًّا أَنْ تَخْتَمِرَ: قَالَ عَلِيٌّ: لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي خِلَافِ هَذَا وَعَنْ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِذَا تَنَازَعَ السَّلَفُ ﵃ وَجَبَ الرَّدُّ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّدَّ إلَيْهِ: مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؛ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ: فَرْقٌ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ حُرَّةٍ وَلَا أَمَةٍ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ لَا يُبَالُونَ بِخِلَافِ عُمَرَ ﵁: حَيْثُ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ، وَحَيْثُ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَحَيْثُ مَعَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ: إذَا خَالَفَهُ رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ -: كَقَضَائِهِ فِي الْأَرْنَبِ يَقْتُلُهَا الْمُحْرِمُ بِعَنَاقٍ، وَفِي الضَّبِّ بِجَدْيٍ. وَكَقَوْلِهِ: كُلُّ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَلَا صَدَاقَ فِيهِ. وَقَوْلِهِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ - إلَى مِئِينَ مِنْ الْقَضَايَا، فَإِذَا وَافَقَ مَا رُوِيَ عَنْهُ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ: صَارَ حِينَئِذٍ حُجَّةً لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَإِنْ خَالَفُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الَّذِي عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي خُرُوجِهِنَّ لَا فِي الصَّلَاةِ؛ فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِعُمَرَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: إنْ صَلَّتْ أُمُّ الْوَلَدِ بِلَا خِمَارٍ أَعَادَتْ فِي الْوَقْتِ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]
стр. 655
قَالَ: الْكَفُّ، وَالْخَاتَمُ، وَالْوَجْهُ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: الْوَجْهُ، وَالْكَفَّانِ، وَعَنْ أَنَسٍ: الْكَفُّ، وَالْخَاتَمُ وَكُلُّ هَذَا عَنْهُمْ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا مِنْ التَّابِعِينَ قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ قَالُوا: قَدْ جَاءَ الْفَرْقُ فِي الْحُدُودِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَبَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ؛ فَلِمَ سَاوَيْتُمْ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِيمَا هُوَ مِنْهُمَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ، وَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فِيمَا هُوَ مِنْهُمَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ وَالنَّصُّ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَمَةِ كَوُجُوبِهَا عَلَى الْحُرَّةِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهَا، مِنْ الطَّهَارَةِ، وَالْقِبْلَةِ، وَعَدَدِ الرُّكُوعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَوْرَةِ وَهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَهَذَا مِقْدَارُ قِيَاسِهِمْ، الَّذِي لَا شَيْءَ أَسْقَطَ مِنْهُ وَلَا أَشَدَّ تَخَاذُلًا، فَلَا النَّصَّ اتَّبَعُوا وَلَا الْقِيَاسَ عَرَفُوا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ فَرَّقْتُمْ أَنْتُمْ بَيْنَ مَنْ اُضْطُرَّ الْمَرْءُ إلَيْهِ بِعَدَمٍ أَوْ إكْرَاهٍ فِي الصَّلَاةِ مَكْشُوفِ الْعَوْرَةِ، وَفِي مَكَان فِيهِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهُ، أَوْ فِي ثِيَابِهِ، أَوْ فِي جَسَدِهِ؛ فَأَجَزْتُمْ صَلَاتَهُ كَذَلِكَ -: وَبَيْنَ صَلَاتِهِ كَذَلِكَ نَاسِيًا فَلِمَ تُجِيزُوهَا. قُلْنَا: نَعَمْ، فَإِنَّ النُّصُوصَ قَدْ جَاءَتْ بِأَنَّ كُلَّ مَا نَسِيَهُ الْمَرْءُ مِنْ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ دُونَهَا؛ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إتْيَانِهَا؛ كَمَنْ نَسِيَ الطَّهَارَةَ، أَوْ التَّكْبِيرَ، أَوْ الْقِيَامَ؛ أَوْ السُّجُودَ، أَوْ الرُّكُوعَ، أَوْ الْجُلُوسَ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ نَسِيَ فَعَوَّضَ الْقُعُودَ مَكَانَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ الْقِيَامَ مَكَانَ الْقُعُودِ، أَوْ الرُّكُوعَ مَكَانَ السُّجُودِ -: فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ. وَقَدْ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا» ؛ وَبَعْضُ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ بِلَا خِلَافٍ؛ فَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِمَا كَمَا أَمَرَ نَاسِيًا فَقَدْ نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ جُزْءًا وَأَتَى بِمَا لَيْسَ صَلَاةً، إذْ صَلَّى بِخِلَافِ مَا أَمَرَ؛ فَمِنْ هَهُنَا أَوْجَبْنَا عَلَى النَّاسِي أَنْ يَأْتِيَ بِمَا نَسِيَ كَمَا أَمَرَ وَأَجَزْنَا صَلَاتَهُ كَذَلِكَ فِي الْإِكْرَاهِ بِغَلَبَةٍ أَوْ عَدَمٍ؛ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ بِجَوَازِ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا فِي عَدَمِ الْقُوَّةِ.
стр. 656
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا؛ فَخَلَعَهُمَا وَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ» . قُلْنَا: نَعَمْ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حِينَ أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ لَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ الصَّلَاةَ كَذَلِكَ جَائِزًا، وَقَالَ ﵇ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ إذْ سَلِمَ كَلَامًا مَعْنَاهُ: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلْيَنْظُرْ نَعْلَيْهِ - أَوْ قَالَ خُفَّيْهِ - فَإِنْ رَأَى فِيهَا شَيْئًا فَلْيَحُكَّهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» وَكَانَ هَذَا الْحُكْمُ وَارِدًا بَعْدَ تِلْكَ الصَّلَاةِ. فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يَتَأَمَّلْ نَعْلَيْهِ، أَوْ خُفَّيْهِ، وَكَانَ فِيهِمَا أَذًى فَقَدْ صَلَّى بِخِلَافِ مَا أَمَرَ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْعَوْرَةُ تَخْتَلِفُ؛ فَهِيَ مِنْ الرِّجَالِ: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَالرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ، وَالسُّرَّةُ لَيْسَتْ عَوْرَةٌ. وَهِيَ مِنْ الْحُرَّةِ: جَمِيعُ جَسَدِهَا، حَاشَا الْوَجْهَ، وَالْكَفَّيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ. وَهِيَ مِنْ الْأَمَةِ كَالرَّجُلِ سَوَاءً سَوَاءً؛ فَتُصَلِّي الْأَمَةُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرَةُ: عِنْدَهُمْ عُرْيَانَةَ الرَّأْسِ، وَالْجَسَدِ كُلِّهِ، حَاشَا مِئْزَرًا يَسْتُرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا فَقَطْ، لَا كَرَاهَةَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَأَحْكَامُ الْعَوْرَاتِ تَخْتَلِفُ؛ فَإِذَا انْكَشَفَ مِنْ الرَّجُلِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ مِنْ ذَكَرِهِ؛ أَوْ مِنْ الْمَرْأَةِ مِنْ فَرْجِهَا، فِي حَالِ اسْتِقْبَالِهِمَا الِافْتِتَاحَ لِلصَّلَاةِ؛ أَوْ فِي حَالِ اسْتِقْبَالِهِمَا الرُّكُوعَ؛ أَوْ فِي حَالِ اسْتِقْبَالِهِمَا الْقِيَامَ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُمَا، فَإِنْ انْكَشَفَ هَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ ذَكَرِهِ، أَوْ مِنْ فَرْجِهَا، فِي حَالِ الْقِيَامِ، أَوْ فِي حَالِ الرُّكُوعِ، أَوْ فِي حَالِ السُّجُودِ، فَسَتَرَا ذَلِكَ حِينَ انْكِشَافِهِ -: لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ صَلَاتَهُمَا شَيْئًا. فَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ ذَكَرِهِ، أَوْ مِنْ فَرْجِهَا، فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا قَدْرُ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ فَأَقَلُّ: لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ صَلَاتَهُمَا شَيْئًا. طَالَ ذَلِكَ أَمْ قَصُرَ.
стр. 657
فَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ فَخِذِ الرَّجُلِ، أَوْ الْأَمَةِ، أَوْ الْحُرَّةِ، أَوْ مَقَاعِدِهِمَا، أَوْ وَرِكَيْهِمَا، أَوْ مِنْ جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْحُرَّةِ: الصَّدْرِ، أَوْ الْبَطْنِ، أَوْ الظَّهْرِ، أَوْ الشَّعْرِ، أَوْ الْعُنُقِ -: مِقْدَارُ رُبْعِ الْعُضْوِ فَأَكْثَرُ -: بَطَلَتْ الصَّلَاةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. فَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ الرُّبْعِ لَمْ يَضُرَّ الصَّلَاةَ شَيْئًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ إلَّا أَنْ يَنْكَشِفَ مِمَّا عَدَا الْفَرْجِ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْعُضْوِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فَإِنْ أُعْتِقَتْ أَمَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَأْخُذُ قِنَاعَهَا وَتَسْتَتِرُ، وَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهَا، فَإِنْ بَدَأَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ عُرْيَانًا لِضَرُورَةٍ ثُمَّ وَجَدَ ثَوْبًا فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ؛ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَبْتَدِئَهَا وَلَا بُدَّ، وَسَوَاءٌ كَانَ وُجُودُهُ الثَّوْبَ فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ أَوْ فِي آخِرِهَا، وَلَوْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ، مَا لَمْ يُسَلِّمْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ أَحْدَثَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَصَارَ وُجُوبُ الثَّوْبِ أَعْظَمَ عِنْدَهُ مِنْ الْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ، قَالَ: فَلَوْ زَحَمَ الْمَأْمُومُ حَتَّى وَقَعَ إزَارُهُ وَبَدَا فَرْجُهُ كُلُّهُ فَبَقِيَ وَاقِفًا كَمَا هُوَ حَتَّى تَمَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ -: فَصَلَاةُ ذَلِكَ الْمَأْمُومِ تَامَّةٌ، فَلَوْ رَكَعَ بِرُكُوعِ الْإِمَامِ أَوْ سَجَدَ بِسُجُودِهِ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، قَالَ عَلِيٌّ: فَهَلْ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ دَوَاءٌ أَوْ مُعَارَضَةٌ إلَّا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا؟ وَهَلْ يُحْصَى مَا فِيهَا مِنْ التَّخْلِيطِ إلَّا بِكُلْفَةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: الْأَمَةُ عَوْرَةٌ كَالْحُرَّةِ؛ حَاشَا شَعْرَهَا فَقَطْ؛ فَلَيْسَ عَوْرَةً؛ فَإِنْ انْكَشَفَ شَعْرُ الْحُرَّةِ أَوْ صَدْرُهَا أَوْ سَاقُهَا فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُعِدْ إلَّا فِي الْوَقْتِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا نَدْرِي قَوْلَهُ فِي الْفَرْجِ؛ وَمَا نَرَاهُ يَرَى الْإِعَادَةَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا فِي الْوَقْتِ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ إفْسَادُنَا لِقَوْلِهِ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا؛ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ نِسْيَانٍ وَعَمْدٍ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ انْكَشَفَ مِنْ عَوْرَةِ الرَّجُلِ - وَهِيَ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ - أَوْ عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ - وَهُوَ جَمِيعُ جَسَدِ الْحُرَّةِ، وَالْأَمَةِ، حَاشَا شَعْرَ الْأَمَةِ وَوَجْهَهَا، وَوَجْهَ الْحُرَّةِ
стр. 658
وَكَفَّيْهَا، وَكَفَّيْ الْأَمَةِ -: شَيْءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ فَإِنْ سُتِرَ فِي الْوَقْتِ لَمْ يَضُرَّ شَيْئًا وَالصَّلَاةُ تَامَّةٌ؛ وَإِنْ بَقِيَ مِقْدَارَ مَا - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - وَلَمْ يُغَطِّ: بَطَلَتْ الصَّلَاةُ - النِّسْيَانُ وَالْعَمْدُ سَوَاءٌ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: النِّسْيَانُ فِي ذَلِكَ مَرْفُوعٌ؛ فَإِنْ انْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ الْعَوْرَةِ عَمْدًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ.
[مَسْأَلَةٌ صَلَاة الْعُرَاة]
٣٥٠ - مَسْأَلَةٌ: وَالْعُرَاةُ بِعَطَبٍ، أَوْ سَلْبٍ، أَوْ فَقْرٍ: يُصَلُّونَ كَمَا هُمْ فِي جَمَاعَةٍ فِي صَفٍّ خَلْفَ إمَامِهِمْ، يَرْكَعُونَ، وَيَسْجُدُونَ، وَيَقُومُونَ، وَيَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ. وَمَنْ تَعَمَّدَ فِي صَلَاتِهِ؛ تَأَمُّلَ عَوْرَةِ رَجُلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ فَإِنْ تَأَمَّلَهَا نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَلَزِمَهُ سُجُودُ السَّهْوِ. فَإِنْ تَأَمَّلَ عَوْرَةَ امْرَأَتِهِ، فَإِنْ تَرَكَ الْإِقْبَالَ عَلَى صَلَاتِهِ عَامِدًا لِذَلِكَ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِسَائِرِ الْأَشْيَاءِ وَلَا فَرْقَ؛ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ لِذَلِكَ الْإِقْبَالَ عَلَى صَلَاتِهِ: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] . فَإِذْ هُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ: فَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالصَّلَاةِ كَمَا يَقْدِرُونَ، وَبِالْإِمَامَةِ فِيهَا فِي جَمَاعَةٍ؛ فَسَقَطَ عَنْهُمْ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ، وَبَقِيَ عَلَيْهِمْ مَا يَسْتَطِيعُونَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَأَمَّا مَنْ تَأَمَّلَ فِي صَلَاتِهِ عَوْرَةً - لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا -: فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِيهَا عَمَلًا لَا يَحِلُّ لَهُ؛ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ يَأْتِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
стр. 659
فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ نِسْيَانًا مَا لَوْ عَمَدَهُ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَأَمَّا إذَا تَأَمَّلَ عَوْرَةً أُبِيحَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وُقُوعِ النَّظَرِ عَلَى بَعْضِهَا فِي الصَّلَاةِ؛ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُبَاحٍ وَمُبَاحٍ. فَإِنْ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ صَلَاتِهِ عَمْدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُصَلِّي الْعُرَاةُ فُرَادَى قُعُودًا يُومِئُونَ لِلسُّجُودِ وَالرُّكُوعِ فَإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً أَجْزَأَهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ يَقْعُدُونَ وَيَقْعُدُ الْإِمَامُ فِي وَسَطِهِمْ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ: أَنَّهُمْ إنْ صَلَّوْا قِيَامًا أَجْزَأَهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُصَلُّونَ فُرَادَى، يَتَبَاعَدُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ قِيَامًا، فَإِنْ كَانُوا فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ صَلَّوْا فِي جَمَاعَةٍ قِيَامًا، يَقِفُ إمَامُهُمْ أَمَامَهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلِّي الْعُرَاةُ فُرَادَى، أَوْ جَمَاعَةً قِيَامًا يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ وَيَقُومُ إمَامُهُمْ وَسَطَهُمْ، وَيَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ؛ وَيَصْرِفُ الرِّجَالُ وُجُوهَهُمْ عَنْ النِّسَاءِ، وَالنِّسَاءُ وُجُوهَهُنَّ عَنْ الرِّجَالِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ: يُصَلُّونَ قِيَامًا يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ، وَلَا يُجْزِيهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ - وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ كَقَوْلِنَا. قَالَ عَلِيٌّ: قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَالٌ لَمْ تَخْلُ مِنْ إسْقَاطِ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً وَهَذَا لَا يَجُوزُ. أَوْ مِنْ إسْقَاطِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهَذَا بَاطِلٌ. أَوْ مِنْ إسْقَاطِ حَقِّ الْإِمَامِ فِي تَقَدُّمِهِ؛ وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَغَضُّ الْبَصَرِ يَسْقُطُ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ فِي هَذِهِ الْفُتْيَا. وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَكْثَرُهَا تَنَاقُضًا. وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ بِكُلِّ ذَلِكَ لَا يُوَارُونَ جَمِيعَ عَوْرَاتِهِمْ مِنْ الْأَفْخَاذِ وَغَيْرِهَا، فَكَيْفَ وَالنَّصُّ قَدْ وَرَدَ بِمَا قُلْنَا.
стр. 660
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنَ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ثنا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الرَّقِّيُّ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، إذَا سَجَدْتُنَّ فَاحْفَظُوا أَبْصَارَكُمْ، لَا تَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ؛ مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ» . قَالَ عَلِيٌّ: هَكَذَا فِي كِتَابِي عَنْ حُمَامٍ، وَبِاَللَّهِ مَا لَحَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْلَا أَنَّ مُمْكِنًا أَنْ يُخَاطِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءَ وَمَنْ مَعَهُنَّ مِنْ صِغَارِ أَوْلَادِهِنَّ لَمَا كَتَبْنَاهُ إلَّا " فَاخْفِضْنَ أَبْصَارَكُنَّ ". فَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْفُقَرَاءَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ كَانُوا يُصَلُّونَ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مِنْ اللِّبَاسِ مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُمْ، وَلَا يَتْرُكُونَ الْقُعُودَ وَلَا الرُّكُوعَ وَلَا السُّجُودَ؛ إلَّا أَنَّ الْأَمْرَ بِغَضِّ الْبَصَرِ لَازِمٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ اسْتِقْبَالُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِالْوَجْهِ وَالْجَسَدِ فَرْضٌ عَلَى الْمُصَلِّي حَاشَا الْمُتَطَوِّعَ]
٣٥١ - مَسْأَلَةٌ: وَاسْتِقْبَالُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِالْوَجْهِ وَالْجَسَدِ فَرْضٌ عَلَى الْمُصَلِّي حَاشَا الْمُتَطَوِّعَ رَاكِبًا، فَمَنْ كَانَ مَغْلُوبًا بِمَرَضٍ أَوْ بِجَهْدٍ أَوْ بِخَوْفٍ أَوْ بِإِكْرَاهٍ فَتُجْزِيهِ صَلَاتُهُ كَمَا يَقْدِرُ؛ وَيَنْوِي فِي كُلِّ ذَلِكَ التَّوَجُّهَ إلَى الْكَعْبَةِ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] . وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فِي الْمَبْدَأِ: إنَّمَا هُوَ الْبَيْتُ فَقَطْ؛ ثُمَّ زِيدَ فِيهِ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ امْرَءًا لَوْ كَانَ بِمَكَّةَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فِي صَلَاتِهِ -: فَصَرَفَ وَجْهَهُ عَامِدًا عَنْهَا إلَى أَبْعَاضِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ خَارِجِهِ أَوْ مِنْ دَاخِلِهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلٌ، وَأَنَّهُ إنْ اسْتَجَازَ ذَلِكَ: كَافِرٌ - وَقَدْ ذَكَرْنَا التَّطَوُّعَ عَلَى الدَّابَّةِ قَبْلُ
стр. 661
وَأَمَّا الْمَرِيضُ وَالْجَاهِلُ وَالْخَائِفُ وَالْمُكْرَهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ.»
[مَسْأَلَةٌ الْجَاهِل بِالْقِبْلَةِ يُصَدِّق مَنْ أَخْبَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ]
٣٥٢ - مَسْأَلَةٌ: وَيَلْزَمُ الْجَاهِلَ أَنْ يُصَدِّقَ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ مَنْ أَخْبَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ إذَا كَانَ يَعْرِفُهُ بِالصِّدْقِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا سَبِيلَ لِمَنْ غَابَ عَنْ مَوْضِعِ الْقِبْلَةِ إلَى مَعْرِفَةِ جِهَتِهَا إلَّا بِالْخَبَرِ؛ وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ. نَعَمْ، وَمَنْ كَانَ حَاضِرًا فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْكَعْبَةُ إلَّا بِالْخَبَرِ وَلَا بُدَّ؛ وَهَذَا مِنْ الشَّرِيعَةِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَا الْبُرْهَانَ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِيهَا.
[مَسْأَلَةٌ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى مَعْرِفَةِ جِهَتِهَا]
٣٥٣ - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى مَعْرِفَةِ جِهَتِهَا - عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا - بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيُعِيدُ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ، إنْ كَانَ عَامِدًا، وَيُعِيدُ أَبَدًا إنْ كَانَ نَاسِيًا بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ هَذَيْنِ مُخَاطَبَانِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الصَّلَاةِ؛ فَصَلَّيَا بِخِلَافِ مَا أُمِرَا بِهِ، وَلَا يُجْزِئُ مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَمَّا أَمَرَ بِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَّةَ فِي أَمْرِ النَّاسِي قَبْلُ فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ: حَدِيثَ أَهْلِ قُبَاءَ ﵃، وَأَنَّهُمْ ابْتَدَءُوا الصَّلَاةَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَتَاهُمْ الْخَبَرُ: بِأَنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إلَى الْكَعْبَةِ فَاسْتَدَارُوا - كَمَا كَانُوا فِي صَلَاتِهِمْ - إلَى الْكَعْبَةِ، وَاجْتَزَءُوا بِمَا صَلَّوْا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا. قُلْنَا: هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَيْنَا؛ وَلَا نُخَالِفُهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ -: أَوَّلُ ذَلِكَ - أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُ، وَلَا حُجَّةَ إلَّا فِي الْقُرْآنِ، أَوْ فِي كَلَامِهِ ﵇. أَوْ فِي عَمَلِهِ أَوْ فِيمَا عَلِمَ ﵇ مِنْ عَمَلِ غَيْرِهِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَإِنَّمَا الْعَجَبُ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ؛ ثُمَّ قَدْ خَالَفُوا هَهُنَا عَمَلَ طَائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ
стр. 662
قَالَ عَلِيٌّ: أَهْلُ قُبَاءَ ﵃ كَانَ الْفَرْضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ فَلَوْ أَنَّهُمْ صَلَّوْا إلَى الْكَعْبَةِ: لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ بِلَا خِلَافٍ. وَلَا تَلْزَمُ الشَّرِيعَةُ إلَّا مَنْ بَلَغَتْهُ، لَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] . وَلَا شَكَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَلَا الْمَلَائِكَةِ: أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، أَوْ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَإِنَّهُمْ تَمَادَوْا عَلَى الصَّلَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُدَّةً طَوِيلَةً -: أَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ فَأَيَّامًا كَثِيرَةً بَعْدَ نُزُولِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ. وَأَمَّا مَنْ بِالْحَبَشَةِ: فَلَعَلَّهُمْ صَلَّوْا عَامًا أَوْ أَعْوَامًا حَتَّى بَلَغَهُمْ تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ؛ فَحِينَئِذٍ لَزِمَهُمْ الْفَرْضُ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا لَزِمَ أَهْلَ قُبَاءَ التَّحَوُّلُ حِينَ بَلَغَهُمْ لَا قَبْلَ ذَلِكَ فَانْتَقَلُوا عَنْ فَرْضِهِمْ إلَى فَرْضٍ نَاسِخٍ لَمَا كَانُوا عَلَيْهِ؛ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَنْ بَلَغَهُ فَرْضُ تَحْوِيلِ الْكَعْبَةِ وَعِلْمِهِ وَكَانَ مُخَاطَبًا بِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ تَكْلِيفُهُ عَنْهُ لِعُذْرٍ مَانِعٍ -: فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ يُصَلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ صَلَّى فِي غَيْرِ مَكَّةَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مُجْتَهِدًا وَلَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ. فَإِنْ صَلَّى فِي ظُلْمَةٍ مُتَحَرِّيًا وَلَمْ يَسْأَلْ مَنْ بِحَضْرَتِهِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ: أَعَادَ - وَهُوَ فَرْقٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ نَوْعٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ؛ فَإِنْ كَانَ مُسْتَدْبِرًا لَهَا: أَعَادَ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ: قَطَعَ وَابْتَدَأَ. وَإِنْ كَانَ مُنْحَرِفًا إلَى شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ: لَمْ يُعِدْ، وَبَنَى عَلَى مَا صَلَّى وَانْحَرَفَ وَهَذَا فَرْقٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي تَعَمُّدِ الِانْحِرَافِ عَنْ الْقِبْلَةِ أَنَّهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، وَكَبِيرَةٌ مِنْ الْكَبَائِرِ كَالِاسْتِدْبَارِ لَهَا وَلَا فَرْقَ، وَأَهْلُ قُبَاءَ كَانُوا مُسْتَدْبِرِينَ إلَى الْقِبْلَةِ.
стр. 663
وَلَا نَعْلَمُ هَذَا التَّفْرِيقَ - الَّذِي فَرَّقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ -: عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ وَالْمَحْبُوسُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالْأَعْمَى الَّذِي لَا دَلِيلَ لَهُ -: يُصَلُّونَ إلَى أَيِّ جِهَةٍ أَمْكَنَهُمْ، وَيُعِيدُونَ إذَا قَدَرُوا عَلَى مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُمْ بِصَلَاةٍ تُجْزِئُ عَنْهُمْ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهَا أَوْ أَمَرَهُمْ بِصَلَاةٍ لَا تُجْزِئُ عَنْهُمْ، وَلَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ -: فَإِنْ كَانَ أَمَرَهُمْ بِصَلَاةِ تُجْزِئُ عَنْهُمْ، وَبِاَلَّتِي أَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا؛ فَلِأَيِّ مَعْنًى يُصَلُّونَهَا ثَانِيَةً، وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُمْ بِصَلَاةٍ لَا تُجْزِئُ عَنْهُمْ، وَلَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا؛ فَهَذَا أَمْرٌ فَاسِدٌ، وَلَا يَحِلُّ لِآمِرِهِ الْأَمْرُ بِهِ، وَلَا لِلْمَأْمُورِ بِهِ الِائْتِمَارُ بِهِ، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: تُجْزِئُهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَيَبْنُونَ إذَا عَرَفُوا وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ آنِفًا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ، قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةَ فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا حِيَالَهُ، فَأَصْبَحْنَا: فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .» وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَصَابَتْنَا ظُلْمَةٌ فَلَمْ نَعْرِفْ الْقِبْلَةَ فَذَكَرَ: أَنَّهُمْ خَطُّوا خُطُوطَهُمْ فِي جِهَاتِ اخْتِلَافِهِمْ؛ فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَصَبْنَا تِلْكَ الْخُطُوطَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] » فَإِنَّ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ لَا يَصِحَّانِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ
стр. 664
وَلَمْ يَرْوِ حَدِيثَ جَابِرٍ إلَّا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيُّ عَنْ عَطَاءٍ -، وَعَاصِمٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ سَاقِطَانِ. ثُمَّ لَوْ صَحَّا لَكَانَا حُجَّةً لَنَا؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ جَهِلُوا، وَصَلَاةُ الْجَاهِلِ تَامَّةٌ؛ وَلَيْسَ النَّاسِي كَذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ النِّيَّةُ فِي الصَّلَاةِ]
٣٥٤ - مَسْأَلَةٌ: وَالنِّيَّةُ فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ -: إنْ كَانَتْ فَرِيضَةً: نَوَاهَا بِاسْمِهَا وَإِلَى الْكَعْبَةِ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالتَّكْبِيرِ، مُتَّصِلَةً بِنِيَّةِ الْإِحْرَامِ، لَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا، وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا نَوَى كَذَلِكَ: أَنَّهَا تَطَوُّعٌ؛ فَمَنْ لَمْ يَنْوِ كَذَلِكَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ قَبْلُ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] . وَالصَّلَاةُ عِبَادَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى. لَوْ جَازَ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ النِّيَّةِ وَبَيْنَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ - وَلَوْ دَقِيقَةً أَوْ قَدْرَ اللَّحْظَةِ - لَجَازَ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَبِأَكْثَرَ، حَتَّى يَجُوزَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ، وَهَذَا بَاطِلٌ أَوْ يَحُدُّ الْمُخَالِفُ حَدًّا بِرَأْيِهِ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ جَازَ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مَعَ التَّكْبِيرِ غَيْرَ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَيْهِ لَكَانَ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا بِلَا نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى النِّيَّةِ: الْقَصْدُ إلَى الْعَمَلِ؛ وَالْقَصْدُ إلَى الْعَمَلِ بِالْإِرَادَةِ مُتَقَدِّمٌ لِلْعَمَلِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا بُدَّ لِمَنْ قَالَ بِهَذَا مِنْ تَحْدِيدِ مِقْدَارِ مُدَّةِ التَّقَدُّمِ الَّذِي تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَاَلَّذِي تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَإِلَّا فَهُمْ عَلَى عَمًى فِي ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُجْزِئُ النِّيَّةُ إلَّا مُخَالِطَةً لِلتَّكْبِيرِ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ؛ وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ قَوْلُ دَاوُد، وَأَبِي حَنِيفَةَ. إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يُجِزْ الصَّلَاةَ إلَّا بِنِيَّةٍ لَهَا؛ وَأَجَازَ الْوُضُوءَ لَهَا بِلَا نِيَّةٍ؛ وَهَذَا تَنَاقُضٌ.
стр. 665
[مَسْأَلَةٌ انْصَرَفَتْ نِيَّتُهُ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا إلَى غَيْرِهَا]
مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ انْصَرَفَتْ نِيَّتُهُ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا إلَى غَيْرِهَا، أَوْ إلَى تَطَوُّعٍ، أَوْ إلَى خُرُوجٍ عَنْ الصَّلَاةِ: أَلْغَى مَا عَمِلَ مِنْ فُرُوضِ صَلَاتِهِ كَذَلِكَ وَبَنَى عَلَى مَا عَمِلَ بِالنِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ وَأَجْزَأَهُ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا فِي عَمَلٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ الصَّلَاةَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا سُجُودُ السَّهْوِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّى جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ إلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ نَاسِيًا عَمَلًا لَوْ زَادَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ وَفِي هَذَا يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِحْرَامُ بِالتَّكْبِيرِ فَرْضٌ لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ]
٣٥٦ - مَسْأَلَةٌ: وَالْإِحْرَامُ بِالتَّكْبِيرِ: فَرْضٌ، لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ» . فَقَدْ أُمِرَ بِتَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ، فَمَنْ تَرَكَهُ فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ يُصَلِّ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبِإِيجَابِ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ عَنْ التَّكْبِيرِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَيْفَ ذَكَرَ، مِثْلُ " اللَّهُ أَعْظَمُ " وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَجَازُوا ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْأَذَانِ.
стр. 666
وَلَمْ يُجِيزُوا الصَّلَاةَ إذَا اُفْتُتِحَتْ بِ " اللَّهُ أَعْلَمُ ". وَهَذَا تَخْلِيطٌ وَهَدْمٌ لِلْإِسْلَامِ، وَشَرَائِعُ جَدِيدَةٌ فَاسِدَةٌ، قَالَ عَلِيٌّ: وَاحْتَجَّ مُقَلِّدُوهُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] . قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَمَلُ الصَّلَاةِ وَصِفَتُهَا وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ: فِيهِ عَمَلُ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ إلَّا بِهِ، فَلَا يُعْتَرَضُ بِالْآيَةِ عَلَيْهِ؛ بَلْ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ أَنَّ ذَلِكَ الذِّكْرَ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ غَيْرُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] فَعَطَفَ الصَّلَاةَ عَلَى ذِكْرِ اسْمِهِ؛ فَصَحَّ أَنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] فَهَذَا الذِّكْرُ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْقَصْدُ إلَيْهِ تَعَالَى بِالنِّيَّةِ فِي أَدَائِهَا لَهُ
[مَسْأَلَةٌ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاة]
٣٥٧ - مَسْأَلَةٌ: وَيُجْزِئُ فِي التَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَاَللَّهُ الْأَكْبَرُ، وَالْأَكْبَرُ اللَّهُ، وَالْكَبِيرُ اللَّهُ، وَاَللَّهُ الْكَبِيرُ، وَالرَّحْمَنُ أَكْبَرُ - وَأَيُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ذَكَرْنَا بِالتَّكْبِيرِ. وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " فَكَبِّرْ ". وَكُلُّ هَذَا تَكْبِيرٌ، وَلَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَفْظُ: " التَّكْبِيرِ "؛ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَدَاوُد وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ إلَّا " اللَّهُ أَكْبَرُ " وَهَذَا تَخْصِيصٌ لِلتَّكْبِيرِ بِلَا بُرْهَانٍ، وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ: أَنَّ فِي الْحَدِيثِ: " إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَقُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ " قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ مَا عُرِفَ قَطُّ؛ وَلَوْ وَجَدْنَاهُ صَحِيحًا لَقُلْنَا بِهِ. فَإِنْ قَالُوا: بِهَذَا جَرَى عَمَلُ النَّاسِ، قُلْنَا لَهُمْ: مَا جَرَى عَمَلُ النَّاسِ إلَّا بِتَرْتِيبِ الْوُضُوءِ كَمَا فِي الْآيَةِ، وَأَنْتُمْ تُجِيزُونَ تَنْكِيسَهُ، وَمَا جَرَى عَمَلُ النَّاسِ قَطُّ فِي الْوُضُوءِ إلَّا بِالِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ مَعَ صِحَّتِهِ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: مَنْ تَرَكَهَا فَوُضُوءُهُ تَامٌّ وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ وَمَا جَرَى عَمَلُ النَّاسِ قَطُّ إلَّا بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصُّبْحِ وَالْأُولَيَيْنِ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْبَوَاقِي، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنْ تَرَكَ السُّورَةَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ. وَمَا جَرَى عَمَلُ الْأُمَّةِ إلَّا بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
стр. 667
وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنْ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ فَتَرَى الْعَمَلَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً إذَا شِئْتُمْ، لَا إذَا لَمْ تَشَاءُوا، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ رَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلتَّكْبِيرِ مَعَ الْإِحْرَامِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ]
٣٥٨ - مَسْأَلَةٌ: وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلتَّكْبِيرِ مَعَ الْإِحْرَامِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ: فَرْضٌ، لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ - ثنا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ثنا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَى بِهِمَا أُذُنَيْهِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ» . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ بِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَفْسِهِ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ فَرْضًا؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَرْفَعُ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنَ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَبُو خَيْثَمَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ
стр. 668
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «أَلَا أُرِيكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَعُدْ» . فَلَمَّا صَحَّ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَرْفَعُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَلَا يَرْفَعُ، كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مُبَاحًا لَا فَرْضًا، وَكَانَ لَنَا أَنْ نُصَلِّيَ كَذَلِكَ، فَإِنْ رَفَعْنَا صَلَّيْنَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَإِنْ لَمْ نَرْفَعْ فَقَدْ صَلَّيْنَا كَمَا كَانَ ﵇ يُصَلِّي وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ سَمِعْت نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا رَأَى مُصَلِّيًا لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ حَصَبَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ قَالَ عَلِيٌّ: مَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ لِيُحَصِّبَ مَنْ تَرَكَ مَا لَهُ تَرْكُهُ، وَقَدْ رُوِيَ إيجَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ لِلصَّلَاةِ فَرْضًا عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَصْحَابِنَا
[مَسْأَلَةٌ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاة]
٣٥٩ - مَسْأَلَةٌ: وَقِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ: فَرْضٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا - وَالْفَرْضُ وَالتَّطَوُّعُ سَوَاءٌ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ سَوَاءٌ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ثنا الزُّهْرِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» . فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ أَوَجَبْتُمُوهَا فَرْضًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. قُلْنَا: لِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - ثنا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الَّذِي أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ
стр. 669
مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ". فَوَجَبَ بِهَذَا الْأَمْرِ فَرْضًا أَنْ يَفْعَلَ فِي بَاقِي صَلَاتِهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِثْلَ هَذَا.
[مَسْأَلَةٌ قِرَاءَة الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ]
٣٦٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ شَيْئًا غَيْرَ أُمِّ الْقُرْآنِ -: لِمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمٍ ثنا أَبُو ثَوْرِ إبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: تَقْرَءُونَ خَلْفِي قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا، قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِهَا» . وَمِمَّنْ قَالَ بِإِيجَابِ أُمِّ الْقُرْآنِ كَمَا ذَكَرْنَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ جَوَّابِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ؟ قَالَ لَهُ عُمَرُ: نَعَمْ، قَالَ: وَإِنْ قَرَأْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ قَرَأْت. وَعَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رَدَّادٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا تَجُوزُ وَلَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَشَيْءٍ مَعَهَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْت إنْ كُنْت خَلْفَ إمَامٍ أَوْ بَيْنَ يَدَيْ إمَامٍ قَالَ: اقْرَأْ فِي نَفْسِك وَعَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ، أَوْ لَا
стр. 670
تَجُوزُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: صَلَّيْت صَلَاةً وَإِلَى جَنْبِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْت: أَبَا الْوَلِيدِ، أَلَمْ أَسْمَعْك قَرَأْت فَاتِحَةَ الْكِتَابِ قَالَ: أَجَلْ، إنَّهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِهَا وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اقْرَأْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ؛ جَهَرَ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَدَعُ أَنْ يَقْرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ. وَعَنْ غَيْرِهِمْ أَيْضًا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِك. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ الْأَعْرَجِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، أَوْ يَقُولُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ. وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَيْضًا. وَعَنْ مُعَاذٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنْ كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَجَهَرَ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ فَلَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَعَنْ حَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ ثنا أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ قَالَ: سَأَلَ جَارٌ لَنَا الْحَسَنَ قَالَ: أَكُونُ خَلْفَ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَا أَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ قَالَ: اقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، قَالَ الرَّجُلُ: وَسُورَةٍ قَالَ: يَكْفِيك ذَلِكَ الْإِمَامُ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
следующие страницы →