← Джавами‘

Джавами‘ · id 7680

دروس للشيخ عبد العزيز بن باز

ابن باز

Полный текст (499 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

حكم الوصية بالثلث للأضحية وكيف يصرف الباقي السؤال توفي والدي وقد وصى بثلث ماله في أضحية له ولوالديه، حيث أن عنده مالاً قبل الوفاة وله استحقاق من وظيفته، وله دين، السؤال: هل الثلث من جميع هذه الأموال أم من بعضها؟ وهل الثلث لغرض الأضحية حتى ينتهي، أو هل يمكن وضع بعضه في عمارة أو فرش لبعض المساجد؟ الجواب الثلث يكون من جميع المال، كأراضي أو ديون أو حقوق عند الدولة، كل هذا يكون له ثلث فيه مما استحقه عند الدولة، أو اجتمعت له ديون على الدولة أو غير ذلك يكون له حق فيه، أما التقاعد فيكون للورثة وليس له، لكن إذا كان له ديون أو حقوق عند الدولة تعطيه إياه، فهذا يدخل فيه الثلث، وكذلك الدين الذي عند الناس، إذا مات قتيلاً أو مدعوساً، فالدية يؤخذ منها الثلث أيضاً، فالثلث يكون من جميع ما يستحقه ويورث عنه. ثم يدعى في أرض اشتغل، أو في عمارة أو في نخل اشتغل ويضحى منه من غلة، ثم بعد الأضحية يصرف في وجوه البر وأعمال الخير، من تأثيث المساجد، ومواساة الفقراء والمساكين، وقضاء الدين عن المدينين، والمساعدة في الجهاد في سبيل الله، وغير ذلك، إلا إذا كان عين شيئاً بعد الأضحية وقال: الباقي بعد الأضحية يصرف في فقراء الذرية، أو في فقراء المسلمين، أو في ترميم المساجد، فيلتزم بما قال، وإذا سكت فالفاضل بعد الأضحية يصرف في وجوه البر وأعمال الخير كلها، وإذا كان في أقاربه وذريته فقراء أعطوا من ذلك أيضاً.

стр. 212

حكم قضاء صلاة الوتر السؤال إذا لم أذكر الوتر إلا بعد يومين أو ثلاثة، فماذا أفعل فيه؟ الجواب إذا نام عن الوتر أو نسيه شرع له أن يصلي من الضحى ما تيسر له، وإذا ذهب الضحى زالت السنة، ولم يبق عليه شيء، ولكن يشرع له أن يعوض عنه في الضحى إن نسيه من الليل، فيصلى من الضحى ركعات، هذه هي السنة. لكن يشفع صلاته ولا يوتر، قالت عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ إذا شغله عن وتره نومٌ أو مرض صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة) ، وكان وتره في الغالب إحدى عشرة ركعة ﵊، وإذا نام عنها أو شغله مرض صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة من ست تسليمات، هذا هو الأفضل. فإذا كنت تصلي من الليل خمس ركعات وفاتك بسبب نوم أو مرض فتصلي من النهار ست ركعات، تزيد ركعة، بثلاث تسليمات، وإذا كانت عادتك سبع ركعات توتر بها فتصلي من النهار ثمان ركعات بأربع تسليمات، وإذا كان عليك ثلاث ركعات توتر بها في الليل ونمت عنها أو انشغلت عنها بمرض أو نحوه، فصلِّ من النهار أربع ركعات بتسليمتين، ومن زاد فلا بأس وهو خير، والقضاء يكون قبل الظهر، فإذا فات هذا الوقت فالظاهر أنه سنة فات محلها.

стр. 213

الفرق بين الصالح والمصلح والفاسد والمفسد السؤال أرجو أن يبين سماحتكم الفرق بين الصالح والمصلح، وبين الفاسد والمفسد. الجواب الصالح من عباد الله ذكر العلماء أنه الذي يقوم بحق الله وبحق عباده، هذا هو الصالح، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فالصالحون هم الذين يقومون بحقوق الله من أداء فرائضه وترك محارمه، وأداء حق العباد من أداء الأمانة والنصح لهم، وعدم غشهم، وبذل السلام، ورد السلام، وأداء الأمانات ونحو ذلك، هذا هو الصالح. والمصلح هو الذي يتولى إصلاح الناس، ويتولى توجيههم وإرشادهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والأخذ على يد السفيه ونحو ذلك، فهذا هو صالح ومصلح، يتقي الله في نفسه، ويجتهد في إصلاح غيره، فهذا صالح مصلح. والفاسد هو الذي فسد دينه بالكفر بالله، أو بالمعاصي والسيئات، والمفسد هو الذي يدعو إلى الفساد والشر، ويدعو للزنا والفواحش، ويشجع عليها وينميها بين الناس، نسأل الله العفو والسلامة.

стр. 214

حكم أخذ الأموال من العمال قبل استقدامهم السؤال بعض الأفراد حسب ما نسمع يستقدمون أشخاصاً من الخارج، على أن يدفع ذلك الشخص المستقدم مبلغاً من النقود، مع العلم أنه إذا لم يدفع ذلك المبلغ لا يحصل له الوصول إلى هذا البلد لكي يكسب المعيشة له ولأولاده، فالذي يستقدمه ويأخذ منه مبلغاً هل يدخل في حديث: (من باع حراً وأكل ثمنه ... ) نرجو الإفادة؟ الجواب ليس هذا من بيع الأحرار، ولكن هذه المعاملة ظاهر كلام أهل العلم منعها؛ لأنه أكل مالٍ بغير حق، من استقدم عمالاً لا ليعملوا عنده، ولكن ليعملوا عند غيره، ويعطونه مقابل استقدامهم وكفالتهم شيئاً من المال، هذا محل نظر، وظاهر كلام أهل العلم منع ذلك، ولا نرى في كلام أهل العلم ما يدل على جواز ذلك، وقد بحثنا هذا في هيئة كبار العلماء ودُرِسَ ذلك دراسة وافية، فلم يتضح من كلام أهل العلم ما يدل على جواز هذا العمل، لكن إذا استقدمه ليعمل عنده بأجرٍ معلوم في البناء أو في الزراعة أو غيرها فلا بأس، لكن لا ينبغي أن يستقدم الكافر، فإن هذه الجزيرة لا يبقى فيها دينان، فإن الرسول ﷺ أمر بإخراج المشركين واليهود والنصارى من هذه الجزيرة ولا يبقى فيها إلا دينٌ واحد وهو الإسلام، فإذا استقدم فليستقدم مسلماً، من إندونيسيا، من باكستان وغير ذلك، يعمل ويتحرى أن يكون مسلماً طيباً، فإن بعض المسلمين فيه شرٌ كثير، لكن ينبغي له إذا استقدم أحداً أن يتحرى ويسأل عنه حتى لا يستقدم إلا مسلماً طيباً في عمله، وأما استقدامه ليستفيد منه، ويوزعه على الناس، فهذا يسبب استقدام المفسدين والفاسدين والأشرار، فلا ينبغي ذلك، ولا نعلم من كلام أهل العلم ما يسوغ ذلك.

стр. 215

حكم إخراج الزكاة من تأجير البيوت السؤال إذا كان للشخص عمارةٌ يؤجرها سنوياً، فهل يخرج الزكاة من دخلها أو من ثمنها؟ الجواب إذا كان يستغلها في الإيجار لا للبيع فإنه يكفي الدخل الإيجار، أما إذا نواها للتجارة وأعدها للتجارة ويؤجرها وهي معدة للتجارة فيزكي عن الجميع، يزكي عن الأجرة ويزكي عن القيمة كل سنة، أما إذا لم يعدها للبيع فإنه يزكي عنها إذا حال عليها الحول.

стр. 216

حكم طاعة الوالدين في ترك النوافل أو ارتكاب المعاصي السؤال أنا شاب أرغب في بعض الطاعات كصيام النفل يومي الخميس والإثنين، والذهاب إلى مكة لأداء العمرة وغير ذلك، إلا أن والدي يمنعني، فما موقفي منه؟ الجواب عليك أن تستأذن والدك وأن تستسمحه في ذلك؛ لأن بره واجب، وهذه نوافل، فلا تقدم النوافل على الواجب، بر أبيك واجب، وقد يكون صومك في النهار يعطل عليه بعض المصالح، ويسبب عليه مشاكل، فينبغي لك أن تجتهد في إرضاء والدك واستسماحه حتى يسمح لك بصوم الإثنين والخميس، وحتى يسمح لك بالذهاب للعمرة الغير واجبة، أما العمرة الواجبة والحج الواجب فالواجب عليه أن يسمح لك، وإذا أبى فلك أن تحج الحج الواجب إن كنت قادراً، وتعتمر إذا كنت قادراً ولو لم يسمح لك، لكن هذا في النوافل؛ العمرة النافلة والحج النافلة ونحو ذلك. السائل: حتى لو كان أمر الوالد لولده بحلق لحيته مثلاً؟ الشيخ: هذه معصية، لا يجوز طاعته في حلق اللحية، ولا في جر الثياب، ولا في ترك صلاة الجماعة؛ لأن المعصية لا تجوز طاعته فيها، إنما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أما النوافل فيجتهد مع والده حتى لا يكون بينه وبين والده شر وعقوق ونحوه.

стр. 217

حكم زكاة العمارة إذا كان صاحبها متردداً بين بيعها وتأجيرها السؤال لدينا فلة من العام الماضي خرجنا منها ونوينا أن نؤجرها أو نبيعها، فما يلزمنا من الزكاة؟ الجواب إذا كنتم صممتم على البيع فهي للتجارة، تزكي كل سنة إذا كلف ثمنها، أما إذا كان تردد بيع أو إيجار، إن جاء مستأجر أجرنا، وإن جاء بائع بعنا، فالزكاة في الإيجار إذا أجرتموه لأنكم لم تصمموا على البيع.

стр. 218

زكاة الغنم السؤال نرجو من سماحتكم إفادتنا عن زكاة عشرين من الغنم مع واحد لحاله، وعشرين مع واحد آخر لحاله، وهل يجوز إعطاء الزكاة للأخ وهو معه؟ الجواب الزكاة في الغنم ثابتة بالنص والإجماع، وأقل نصابها أربعون، إذا ملك أربعين شاة من الغنم أو المعز سائمة ترعى ولا تعلف، ترعى أغلب الحول؛ وجب عليه الزكاة فيها شاة واحدة من أربعين، إذا كانت مملوكة له ملكاً تاماً، وكانت سائمة ترعى ولا يعلفها؛ وجب عليه الزكاة وهي شاة واحدة في الأربعين، وما فوقها إلى مائة وعشرين ليس فيها إلا شاة واحدة، الأربعون والخمسون والستون إلى المائة والعشرين هذه كلها فيها شاة واحدة، وهذا من تسهيل الله جل وعلا ورحمته، ما أوجب علينا إلا اليسير ، فإذا زادت شاة واحدة إلى مائة وواحدة وعشرين؛ صار فيها شاتان، إلى مائتين ففيها شاتان، وإذا زادت على مائتين إلى مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياة، ثم بعد ذلك في كل مائة شاة، فإذا كانت أربعمائة ففيها أربع شياة، وخمسمائة فقط خمس شياة وهكذا، إذا كانت راعية ترعى في البر، أما إذا كان يعلفها وليس عنده عشب، فلا زكاة فيها. وإذا كانوا شريكين في أربعين شاة مختلطة، هذا عشرون وهذا عشرون، فعليها شاة واحدة كل واحد نصف شاة، وكل واحد منهما يعطي الآخر نصف القيمة، وهكذا إذا كانت بينهما ستون أو سبعون أو ثمانون إلى مائة وعشرين، ففيها شاة واحدة إذا كانت مختلطة في المرعى والمراح، فالزكاة بينهما.

стр. 219

مشروعية التصدق على الأقارب الفقراء السؤال لي ولد عم وله سبعة أولاد وأنا أعطيه ما كتب الله؛ لأن حالته ضعيفة، ولي امرأة حريصة عليَّ ولا تريد أن أعطيه شيئاً، ومن شدة الغضب تترك الطعام لمدة يومين، ولنا مدة أربعة سنوات ونحن على هذه الحالة، ولي منها أربعة أولاد، فما رأي سماحتكم في ذلك؟ وعندما تغضب تترك صلاة الفجر؟ الجواب هذا شيءٌ عجيب ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذا غريب جداً! تمنعه من الصدقة وتترك الصلاة من أجل ذلك وتعتزل الطعام لأجل ذلك! هذه حالة سيئة عليه أن يستتيبها، وعليه أن يبين لها سوء عملها، وأن هذا العمل منكر، وأن الواجب عليها أن تساعده على الخير، إذا كان ولد عمك فقيراً وله أولاد، فينبغي أن تساعده وتتصدق عليه، وتعطيه ما تيسر من المال، بشرط ألا يضر بالمرأة وأولادها، أن تكون هذه العطية لا تضر بالمرأة وأولادها، فإذا كان عنده فضل يستطيع أن يقوم بواجب الزوجة وأولادها وكسوتها، وأن هذا الذي يعطيه ابن عمه الفقير زائد لا يضره، فعملها هذا منكر ولا يليق منها هذا، وإضرابها عن الطعام منكر، وإضرابها عن صلاة الفجر أنكر وأنكر، فيجب أن يخاطبها بالتي هي أحسن، وأن يبصرها عيبها، ويبين لها خطأها، وإذا كان لها والد أو أخ أو عم جيد فيخبره حتى ينصحها ويبلغها سوء عملها، حتى لو كان مقصراً ما ينبغي منها هذا، فكيف إذا كان عنده مال يسد الحاجة ويفضل حتى يساعد ابن عمه الفقير. على كل حال، هذه أخطأت خطأً كبيراً، فعلى زوجها أن يعالجها ويحاسبها ويخوفها من الله، ويحثها على التقوى، لعلها أن تستقيم، ولعلها أن تهتدي، هذا شيء منكر لا يجوز البقاء عليه. السائل: هل يطلقها؟ الشيخ: التطليق محل نظر، وإذا كان عندها أولاد فلعل تعديلها خير من طلاقها، وإن لم تعتدل فالطلاق عند ذلك فرجٌ له.

стр. 220

حكم طلاق الزوجة التي تترك الصلاة السؤال هل يجوز طلاق الزوجة التي تصر على ترك الصلاة؟ الجواب يجب أن تطلق وليس يجوز فقط؛ لأن ترك الصلاة كفر، من ترك الصلاة من غير عذر فقد كفر، فإذا أصرت على ترك الصلاة فيفارقها ويبعدها، وكذلك الزوجة إذا كان زوجها يصر على ترك الصلاة فتبتعد عنه وتذهب إلى أهلها حتى يتوب إلى الله.

стр. 221

الرد على دعوى التحذير من الزواج المبكر السؤال قال أحد وزراء الشئون الاجتماعية لإحدى الدول العربية: إن الزواج المبكر سببٌ في خروج الجنين مشوهاً، فما تعليق سماحتكم على ذلك؟ الجواب هذا ما لا نعرفه له، الزواج المبكر مطلوب، والنبي ﵊ قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج) ، هذا هو المشروع، فإذا زوجه عند أهليته للزواج، وعند وجود الشهوة، فقد أحسن، وليس عليه بذلك بأس، وقول هذا الذي قال تخرص من القول ولا أصل له، أن الجنين يخلق مشوهاً في الزواج المبكر، هذا شيء لا أصل له، وإنما هو تنفير من الزواج المبكر بغير حق وبغير علم، وقد زوجنا وزوج الناس أولادهم مبكرين وما رأوا إلا خيراً، ولا نحمل ذلك على الشر الذي قاله هذا القائل.

стр. 222

ابن باز في ضيافة الشيخ/ ناصر العمر في هذه المادة يلتقي عدد من المشايخ والعلماء، فيعلق الشيخ ابن باز على بعض الآيات من كتاب الله، وبعد ذلك يتحدث الشيخ/ ناصر العمر مرحباً بضيوفه الكرام، متناولاً أهمية الالتفاف حول العلماء، وبعد ذلك يتحدث الشيخ ابن باز بنصيحة توجيهية للحضور، ويجيب على بعض أسئلة الحضور، ويأتي الدور إلى الشيخ/ البراك فيتحدث عن الحرص على طلب العلم والعمل به، والدعوة إلى الله والصبر على الأذى، ويختم اللقاء بقصيدة لشاعر الصحوة الشيخ الدكتور/ عبد الرحمن العشماوي.

стр. 223

في ضلال آيات من سورة آل عمران المقدم: الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: سماحة والدنا وشيخنا العزيز! الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، شيوخنا الكرام، علماءنا الأفاضل! نحييكم في مستهل هذا اللقاء الذي نرجو أن يجعله الله لقاءً مباركاً طيباً، نحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. خير ما نبدأ به هذا اللقاء الطيب تلاوة من كتاب الله الكريم، يتلوها علينا أخونا الفاضل الشيخ صالح الهبدان. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين * قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣-١٤١] .

стр. 224

تفسير قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ... ) الشيخ ابن باز: في هذه الآيات الكريمات مواعظ وتذكير لأهل الإيمان والتقوى ولغيرهم من ذوي العقول السليمة، يقول الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [آل عمران:١٣٣] لما ذكر قصة أحد وما جرى فيها من المصائب العظيمة على المسلمين، وما ذكر فيها من بعض الحكم، ثم نهاهم عن الربا، وأمرهم بالتقوى، قال بعد هذا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣] أي: لا يمنعكم ما حصل من المصائب، أو لا يضعفكم، أو لا يكسلكم ما حصل من المصائب عن المسارعة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣] أي: إلى أسباب المغفرة، والمسارعة بالمغفرة معناها: المسارعة إلى أسبابها، من طاعة الله وتقواه، والتوبة إليه . قال تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] ، الله يدعونا إلى أن نسارع إلى أسباب المغفرة وأسباب الجنة، وهي التوبة الصادقة، والأعمال الصالحة، ثم يبين أن الجنة أعدت للمتقين، كما أن النار أعدت للكافرين، فالجنة أعدها الله للمتقين.

стр. 225

تفسير قوله تعالى: (الذين ينفقون في السراء والضراء ... ) ثم ذكر بعض أعمال المتقين فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران:١٣٤-١٣٥] ، ذكر الله، خمساً من صفاتهم، والمتقي على الإطلاق هو الذي يتقي غضب الله وعقابه بطاعته وترك معصيته، هذا هو المتقي، وهو المؤمن، وهو المهتدي، وهو الصالح، وهو المسلم حقاً، وهو البر الذي يتقي غضب الله ويتقي عقابه بأداء الفرائض وترك المحارم، والوقوف عند الحدود التي حدها الله، هذا هو المتقي وهو المؤمن حقاً. فمن صفاتهم ومن أعمالهم أنهم ينفقون في السراء والضراء، ينفقون من أموالهم ومما أعطاهم الله، في الشدة والرخاء، في السراء والضراء، نفقتهم مطلقة ليست تخص الضراء، بل في السراء والضراء، في وجوه الخير، والمشاريع النافعة، ومساعدة الفقراء والمحاويج، إلى غير هذا من وجوه الخير. قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران:١٣٤] يصيبهم ما يصيبهم من النكبات والظلم فيكظمون الغيظ، يصبرون ويحتسبون ويتحملون في سبيل الله هكذا المؤمن، هكذا طالب العلم، يتحمل ويكظم الغيظ يرجو ما عند الله من المثوبة، والإنسان قد يغضب كثيراً لأسباب كثيرة، لكنه إذا عفا وأصلح وكظم الغيظ في محله كان له أجر عظيم، وإذا انتقم واقتص فلا بأس في محله، فالمقصود أن المؤمن بين العفو والسماح وبين القصاص إذا رأى المصلحة في ذلك. قال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] ، فالكظم غير العفو عن الناس، وفي آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩] إذا دعت المصلحة للانتصار انتصر، وإذا دعت المصلحة للعفو عفا، وكظم الغيظ، فالعفو في محله، والانتصار والقصاص في محله.

стр. 226

تفسير قوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة ... ) ثم ذكر من صفاتهم المسارعة بالتوبة إذا فعلوا فاحشة، والفاحشة كل ما نهى الله عنه فهو فاحشة، والكبائر أعظم الفواحش، والشرك أعظمها وأكبرها. قال تعالى: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] أي: بشيء من أنواع الظلم للنفس من سائر المعاصي، فإن الفاحشة تطلق على الصغيرة والكبيرة، أو ظلموا أنفسهم بما يعد ظلماً ويعتبر ظلماًَ من سائر المعاصي ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٣] ذكروا عظمة الله، وذكروا عظيم حقه، وذكروا شدة غضبه، فبادروا بالتوبة والإصلاح، وبادروا بالندم والإقلاع، فاستغفروا لذنوبهم استغفاراً كاملاً معه التوبة والندم وعدم الإصرار فالاستغفار المفيد النافع هو الذي تصحبه التوبة والندم، والإقلاع وعدم الإصرار، أما الاستغفار بالقول من دون عزم صادق على الترك، ومن دون إقلاع، فهذا مجرد كلام، وقد يرد على صاحبه ولا يقبل عقوبة له، فالمقصود أن الاستغفار المفيد العظيم النفع الحقيقي هو الذي تصحبه التوبة والندم وعدم الإصرار، ولهذا قال بعده: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ [آل عمران:١٣٥] أي: استغفروا صادقين، وتابوا صادقين، فلم يصروا على الذنوب، بل استغفروا بالألسنة وصدقوا ذلك بالقلوب، بالندم، والإقلاع، والعزم الصادق ألا يعودوا.

стр. 227

تفسير قوله تعالى: (أولئك جزاؤهم مغفرة ... ) قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [آل عمران:١٣٦] هذا جزاء التائبين المستغفرين الصادقين غير المصرين: ﴿جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٦] هذا فيه رحمة، ودعوة للعاصي بالمبادرة بالتوبة وعدم اليأس من الله، فلا يقنط، ويبادر بالتوبة، والله يتوب على التائبين.

стр. 228

تفسير قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن ... ) ثم يشير إلى السنن التي مضت في العباد من نصر الله للمؤمنين وعقابه للمجرمين، فاحذر أن يصيبك ما أصاب المجرمين، انظر سنة الله في قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط وغيرهم؛ حتى لا يصيبك ما أصاب أولئك، عليك بالحذر فما فعله الله بالمجرمين، وعليك بحسن الظن بالله فيما فعله بالمؤمنين. ثم يبين أن هذا القرآن بيان للناس وبلاغ وهدى وموعظة للمتقين، فالله جعل فيه البيان والهدى، كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩] ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم:٥٢] فالواجب الانتفاع بهذا البيان، والاستفادة من هذا البيان، والحذر من الإصرار على الذنوب.

стр. 229

تفسير قوله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ... ) ثم يخاطب المؤمنين الذين أصيبوا يوم أحد: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] أي: لا يحملكم ما أصابكم يوم أحد من المصيبة على الوهن والضعف، بل شمروا واصبروا وصابروا، فأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، فهم الأعلون وهم المنصورون إذا استقاموا على الإيمان، ولهذا نصرهم الله، وجمع شملهم بعد أحد، وهزم عدوهم، وجعل لهم العاقبة الحميدة يوم الأحزاب، ويوم خيبر، ويوم الفتح، وصارت العاقبة الحميدة لهم بنصره سبحانه وبحمده ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤٠-٤١] .

стр. 230

تفسير قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح ... ) ثم يبين أن القرح ليس حاصلاً بهم، بل قد أصاب عدوهم ما أصابهم: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠] يوم بدر ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] الله يداول الأيام بين الناس، يوم لنا ويوم علينا، عبر يمحص الله بها المؤمنين ويبين إيمانهم وصدقهم، ويفضح الله بها المنافقين، ويمحص الله بها ذنوب المسلمين، فلله فيها الحكم العظيمة، فالإنسان لا يقنط إذا نزلت به مصيبة، أو أصابه المرض، أو خسر في سلعة في مال، أو أصابته نكبة في أي شيء، فلا يجزع ولا يقنط، بل يشمر في طاعة الله، ويسأل ربه العون والتوفيق والعوض عما أصابه، وليشمر إلى طاعة الله ورسوله، وليبشر بالعاقبة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩] ، فالله جل وعلا وعد بالعاقبة الحميدة لمن صبر: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣] ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] . وفقنا الله وإياكم لما يرضيه، وأعاذنا وإياكم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ومنحنا جميعاً وسائر المسلمين الاستقامة على الحق، وحسن الظن بالله، والعافية من أسباب غضبه، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه. المقدم: جزاك الله خيراً يا سماحة الشيخ! ونسأل الله أن يرزق هذه الأمة اليقين به، الذي يحقق لها النصر المبين إن شاء الله. والآن مع كلمة لصاحب هذه الدار المباركة أخونا الدكتور ناصر العمر، يرحب فيها بضيوفه الكرام.

стр. 231

كلمة الشيخ/ ناصر العمر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. سماحة والدنا وشيخنا الشيخ العلامة/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله، أصحاب الفضيلة العلماء، أيها الإخوة الكرام! نيابة عن والدي وإخواني وأعمامي وأصالة عن نفسي، أرحب بكم في هذه المناسبة المباركة التي شرفنا فيها والدنا الشيخ/ عبد العزيز حفظه الله. إنني لم أستطع أن أعبر عن سروري وشعوري بالغبطة بهذا اللقاء المبارك، حيث إن زيارة سماحة الوالد لهذا البيت لأبنائه في بيتهم تعد إكراماً لنا وتشريفاً لنا، كيف وقد تحقق مع هذه الزيارة أن تفضل عدد من مشايخنا وعلمائنا وإخواننا بزيارتنا في هذا البيت في هذا اليوم المبارك! والله يعلم يا سماحة الوالد! ما نكنه لكم من محبة وتقدير، ووالله إننا لنخصكم بالدعاء لما نعلمه من جهودكم، وما تعلقه الأمة عليكم من آمال بعد الله جل وعلا. إن العلماء هم قادة الأمة الذين يهدونها إلى الصراط المستقيم، والعلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر، ونحسب أنكم يا سماحة الوالد قد أكرمكم الله جل وعلا بعلمٍ غزير استفادت منه الأمة على مر الأجيال ولا زالت تستفيد، ليس في هذه البلاد فحسب، بل في أنحاء العالم الإسلامي، وهذا من فضل الله عليكم، ثم هو يحملكم مزيداً من التبعة والمسئولية أعانكم الله على حملها. إن هذه البلاد تميزت بميزة لم أجدها في كثير من الدول، تميزت بعلمائها إن المأساة التي تعاني منها كثير من الشعوب في الدول الإسلامية أنها لا تجد لها قائداً يقودها إلى الحق، إلا قلة من الأفراد وبعض العلماء، الذين لم يتح لهم كما أتيح من العلم والقبول لعلمائنا في هذه البلاد المباركة، والناس يا سماحة الوالد! ويا أصحاب الفضيلة! لا أقول في البلاد الإسلامية أو العربية، بل حتى في الدول الأوروبية، بل حتى في دول شرق آسيا، بل حتى في الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي، ينظرون لعلماء هذه البلاد نظرة خاصة إذا قالوا فقولهم الفصل، وإذا حكموا فإن الناس ينتظرون إلى قولهم وإلى حكمهم، وهذا يتطلب منا مزيداً من الجهد، ومزيداً من العناية بهؤلاء في أنحاء العالم. أما وقد حباكم الله بهذه المكانة فأقول: هنيئاً لكم، وهنيئاً لعلمائنا بهذه المكانة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] . إن الفتن يا سماحة الوالد! ويا أصحاب الفضيلة! وأيها الإخوة الكرام! تعصف في هذه الأيام بالبلاد الإسلامية وغيرها، ولا نجاة ولا مخرج للأمة من هذه الفتن إلا بما خرجت به في الأزمان الماضية، بكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله ﷺ لقد خُتمت النبوة والرسالة بنبينا ﷺ ، وبقي دور من يحمل هذا العلم، يحمل هذا الميراث، ميراث الكتاب والسنة، ميراث النبوة. فأقول: إنني قلما زرت بلداً إلا أجد السؤال عن علماء هذا البلد، وأجد السؤال بصفة خاصة عنكم يا سماحة الوالد، ومن هنا فقد اغتاظ الأعداء عندما رأوا هذه المكانة لعلمائنا، وهذه المنزلة التي هي في سويداء القلب في بلادٍ كثيرة وأخص هذه البلاد، فدأبوا يبثون الفتن والشكوك عندما أعيتهم السبل والحيل لتفريق الأمة أو لعزلها عن علمائها، فبدءوا يبثون الأقاويل، ويرجفون ليل نهار بخيلهم ورجلهم لتشويه صورة علمائنا، ولافتراء الأكاذيب، وللفصل بين العلماء وطلبة العلم، وهذا سيرتد عليهم بإذن الله بخيبة كبيرة، وسيبقى علماء هذه البلاد كباراً وصغاراً وليس فيهم صغير، ستبقى كلمتهم واحدة، ومنهجهم واحد هو منهاج النبوة، منهج سلف هذه الأمة، منهج أهل السنة والجماعة. إنها مناسبة كبيرة وعزيزة أن نلتقي مع سماحة والدنا، ويحضر هذا اللقاء عدد من مشايخنا وإخواننا من طلاب العلم ومن الدعاة إلى الله جل وعلا، إنه شرف لنا أن نكثر من هذه المجالس، وأن تستمر الزيارة والصلة بين علمائنا أو مع علمائنا. إن من حق مشايخنا على تلاميذهم أن يصلوهم وأن يزوروهم، وأن يأخذوا من علمهم، وأن يدافعوا عن أعراضهم، فدفاعهم عن أعراضهم دفاع عن ميراث النبوة. إنني لا أريد أن أستأثر بالحديث، فإن الإخوة ينتظرون، وجاءوا ليستمعوا لكلماتكم، ولينهلوا من علمكم الغزير، فأكرر شكري لكم يا سماحة الوالد، ولصحبكم الكرام، ولجميع الإخوة الحاضرين، فقد شرفتمونا شرفاً لا نجازيكم به إلا بالدعاء في الأوقات الفاضلة، والأزمان الفاضلة، والأماكن الفاضلة، فجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وأسأل الله جل وعلا أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يزيدنا علماً ويقيناً وعملاً لما نتعلم. شكراً لكم مرة أخرى، وبارك الله فيكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الشيخ ابن باز: جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، وأثابكم الله، وتقبل منا ومنكم، وهدانا جميعاً إلى صراطه المستقيم، وأعاذنا جميعاً من مضلات الفتن، وأصلح أحوال المسلمين جميعاً، وأصلح علماءهم، وأعانهم على أداء الواجب في كل زمان ومكان، إنه سميع قريب.

стр. 232

كلمة توجيهية للشيخ/ ابن باز المقدم: أنقل إلى سماحة والدنا الكريم رغبة الإخوة الحضور في أن يلقي عليهم سماحته كلمة توجيهية بمناسبة هذا الحضور، وهم يعدون ما سبق من كلماته إنما كان تعليقاً على الآيات الكريمات التي قرأها أخونا الشيخ صالح، فيرجون من سماحة الشيخ أن يلقي كلمة توجيهية بهذه المناسبة في هذا اللقاء الطيب.

стр. 233

الاعتناء بالكتاب والسنة باسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله. أحسن موعظة وأكبر موعظة هو كتاب الله ، فيه الهدى والنور، فيه التبصير والتذكير، يقول : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥-١٦] فأنا أوصي الجميع ونفسي بتقوى الله جل وعلا، والعناية بالقرآن الكريم، والإقبال عليه، والإكثار من تلاوته بالتدبر والتعقل والنية الصالحة للعمل، ليس المقصود مجرد التلاوة، ولكن المقصود هو التدبر والتعقل والعمل، فالتلاوة وسيلة وعبادة يؤجر عليها، لكنها ليست هي المقصود، المقصود هو التدبر والتعقل والعمل، فأنا أوصي الجميع رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، بالعناية بالقرآن، والحرص على تلاوته، وحفظ ما تيسر منه، أو حفظه كله إذا تيسر ذلك، مع القصد الصالح والنية الصالحة، وذلك بالتدبر للعمل، بالتدبر ليعمل بأوامر الله وينتهي عن نواهيه الرجل والمرأة، والكبير والصغير، والشيبة والشاب، يتدبر كتاب ربه، فإن الله أنزله للعمل، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام:١٥٥] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] . فأنا أوصي الجميع بتقوى الله في جميع الأحوال، وأوصي الجميع أيضاً بالعناية بالقرآن؛ لأنه هو الوسيلة العظيمة لمن أصلح الله نيته وأراد الخير، أن يتدبر القرآن، وأن يعمل به في السر والجهر، في الشدة والرخاء، مع العناية بالسنة -سنة النبي ﷺ وحفظ ما تيسر منها، ومراجعة كتبها، وسؤال أهل العلم عما أشكل؛ لأن السنة تفسر القرآن وتبين معانيه، وتدل على ما قد يشكل، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] . فأكرر وصيتي للجميع بالعناية بالقرآن تلاوة وتدبراً، وتعقلاً وعملاً، في الأوقات المناسبة بالليل والنهار، للرجال والنساء، للعالم والطالب، ولغير العالم والطالب، ولجميع المسلمين، مع العناية بالسنة حسب الطاقة، سنة الرسول، ﷺ وحفظ ما تيسر منها، كـ عمدة الأحكام، والأربعين النووية، وبلوغ المرام، وحفظ ما تيسر من كتب العقيدة مثل: الأصول الثلاثة، وهو كتاب جيد مع اختصاره لكنه عظيم ومفيد، فأنا أوصي كل طالب وكل طالبة بحفظه، وكل مؤمنة تستطيع أن تحفظه، لما فيه من الخير مع كتاب الله . وكذلك كشف الشبهات، فهو كتاب عظيم مع صغره، والعقيدة الواسطية، كتاب عظيم في العقيدة.

стр. 234

أهمية التناصح والتواصي بالحق ثم أوصي الجميع بالتناصح والتواصي بالحق والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، في البيت في الطريق في السيارة في القطار في الطائرة في كل مكان، الرجال والنساء جميعاً، يقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] هذا أمره سبحانه لجميع الناس، للشيب والشباب، للرجال والنساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] الوقاية بماذا؟ بالتناصح. بالتعاون على البر والتقوى بالدعوة إلى الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه هي الوقاية، وليس بالمال، بل الكلام بالنصيحة بالتوجيه إلى الخير بالأمر والنهي، والمال من ذلك إذا دفع المال ليعينه على طاعة الله، ويشجعه على طلب العلم وحفظ القرآن، فهذا حسن، فالمقصود التعاون على البر والتقوى، حتى يقي الإنسان نفسه، ويقي أهل بيته من زوجة وأم وأب وإخوان ذكور وإناث وغيرهم، يقيهم عذاب الله، بالتناصح والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقول سبحانه في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] ، أولياء وليسوا أعداءً، أولياء يتناصحون، كل واحد يحب الخير لأخيه لا يؤذيه لا يظلمه في نفسه ولا في ماله ولا في عرضه لا يدعي عليه الدعوى الباطلة، ولا يشهد عليه بالزور، ولا يخونه في المعاملة، ولا يغشه في المعاملة، هذه من الولاية ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١] ، لا غل، ولا حقد، ولا غش، ولا خيانة، أحباب وإخوة يتناصحون ويتواصون بالحق والصبر عليه. ثم نبّه على أمرٍ عظيم مما تقتضيه الولاية فقال: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] ، هذا من واجب المحبة في الله، ومن واجب الولاية في الله على الإخوة، لا تمنعك محبتك أخيك أن تأمره بالمعروف لا تمنعك قرابته لا تمنعك صلته لا يمنعك الإحسان إليه أن تأمره بالمعروف وأن تنهاه عن المنكر، فإن هذا من الإحسان إليه، ومن محبته، ومن وقايته عذاب الله، أن تأمره بالمعروف وأن تنهاه عن المنكر. ثم قال: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة:٧١] هذا واجب المؤمنين لا يكون إلا بهذا، وإلا يكون إيمانهم معدوم أو ناقص، ثم قال: ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة:٧١] مع الولاء فيما بينهم مع النصح مع التواصي بالحق مع الأمر بالمعروف مع النهي عن المنكر مع إقامة الصلاة مع إيتاء الزكاة، يطيعون الله في كل شيء من بقية الأوامر يطيعون الله ورسوله في بقية الأوامر والنواهي. ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] وعدهم بالرحمة على هذا العمل الطيب، في الدنيا بالتوفيق والهداية والإعانة، وفي الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء المؤمنين، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأن يمنحنا الفقه في الدين والثبات عليه، وأن يعيذنا من مضلات الفتن، وأن يصلح ولاة أمرنا، وأن يهدينا وإياهم صراطه المستقيم، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يجعلهم دعاة إلى الحق وهداة للخلق، وأن يعينهم على إصلاح ما فسد، وعلى كل خير، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

стр. 235

الأسئلة المقدم: جزاك الله خيراً يا سماحة الوالد! وقد ورد إلينا عدد من الأسئلة من الإخوة الحضور يرغبون من سماحتكم الإجابة عليها، فهل تأذنون لنا بعرضها عليكم؟ الشيخ: لا بأس.

стр. 236

وجوب الصلاة على النبي ﷺ السؤال هل تجب الصلاة على النبي ﷺ عند كل مرة يذكر فيها، ولو تكرر في المجلس الواحد عدة مرات؟ الجواب ظاهر الحديث وجوبها؛ لأنه ﵊ قال: (رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف امرئٍ ذكرت عنده فلم يصل عليَّ) وهذا وعيد، بل وفي الحديث الآخر: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ) ولا بأس بإسناده أيضاً، فظاهر الحديث أنه متى ذكر النبي يصلى عليه اللهم صلِّ عليه وعلى آله، دعاء من الله يثني عليه ويرحمه.

стр. 237

ظاهرة انتشار الرقية مع أخذ المبالغ الطائلة عليها السؤال كثر الذين يرقون الناس حتى اتخذها بعضهم مهنة وحرفة لا عمل له إلا هذا، وأقحم نفسه في هذا الأمر من لم يتميز عن غيره بعلم ولا صلاح، مع ما يأخذون من الناس من الأموال الكثيرة، وفي نفس الوقت الذي يقصر فيه بعض طلبة العلم، ويحجمون عن أن يكفوا أهليهم في هذا الجانب، فهل من تعليق على هذا الأمر مع بيان الحكم؟ الجواب نعم. هذه مسألة كثرت من الناس، ولعل من أسبابه: الحرص على المال، والتظاهر بأنه يحسن هذا الشيء، فيحصلون على المال بهذه الرقية، وقد نُبهت الداخلية على هذا، وقد شكلت وزارة الداخلية لجنة من العلماء فدرسوا الموضوع وأعدوا بياناً بهذا الشيء، وذكروا فيه الشروط التي ينبغي لمن توفرت فيه الشروط أن يسمح له بالرقية، وجاءتنا صورة منه، واقترحنا عليهم أن هذا لا نستطيع أن نكون نحن المسئولين في هذه المملكة، ولكن اقترحنا عليهم أن يكون هذا إلى الحاكم، وأن تعطى المحاكم صورة مما قررته اللجنة، وكل إنسان يريد الرقية ومعالجة الناس يرفع للمحكمة، والمحكمة تسأل عنه وتعرف حاله، ثم تأذن له إذا كان أهلاً لذلك أو تمنعه؛ لأن المحاكم والحمد لله منتشرة في المملكة، وهي أولى الجهات بأن تكون هي المسئولة عن هذا الشيء، وقد أكدنا على هذا أيضاً مرات في هذه الأيام، وأيضاً أكدنا أنها تبلغ للمحاكم، لأننا لا نستطيع أن نقوم بهذا في جميع المملكة، ونرى أن المحاكم لعل فيها -إن شاء الله- البركة والخير حتى تقوم بهذا الأمر. وينبغي لمن عرف إنساناً لا يصلح أن يكتب عنه لوزير الداخلية أو نائبه، أو لنا، ونحن ننظر في الموضوع إن شاء الله؛ لأن من لا يصلح لا ينبغي أن يقر، والله المستعان. السائل: جزاكم الله خيراً تتمة للسؤال: ما حكم الاحتراف؟ الشيخ: إذا كان عنده معلومات حسنة في الرقية، وله نية صالحة فلا بأس، فإن الصحابة لما جاءهم أصحاب اللديغ رقوه بجعل. السائل: موضع السؤال عن الاحتراف، اتخاذ هذا الشيء والتفرغ له، هذا الآن هو الذي حصل فيه التوسع؛ لأنه يمكن أن يقرأ على مقدار كذا من الماء. الشيخ: والله أنا لا أعرف لهذا أصلاً، أما كونه يقرأ في الماء ويعطيهم فليس فيه شيء. السائل: كونه يقرأ من بعيد لا يقرأ بفيه من بعيد، أو يقرأ على كمية من الماء ثم يفرغه في قوارير ويبيعها وربما أنتم تعرفون أكثر مما أعرف. الشيخ: بلغنا هذا، والرقية في الماء ليس فيها مانع. السائل: بهذا الشكل يا شيخ؟ الشيخ: نعم. السائل: وإذا كان بنية جماعة؟ الشيخ: إذا كانوا جماعة وسمعوا عنده وقرأ وهو ينوي لهم ووزعه عليهم فلا أعلم فيه شيئاً. السائل: وإذا باع هذا المقدار الذي قرأ فيه بالعشرة أو العشرين؟ الشيخ: ينبغي فيه التسامح وعدم التكلف، وإذا كان المبلغ يسيراً فلا بأس، أو إذا كان المبلغ يسيراً عن جلوسه وتعطله لهذا العمل فالأصل فيه قصة اللديغ، وحديث: (إن أحق ما أخذتم عليه الأجر كتاب الله) .

стр. 238

ضابط الإنكار للحاكم والمحكوم السؤال ما ضابط الإنكار من حيث الإسرار والجهر به، وإذا لم يُجْدِ الإسرار فهل يجهر بالإنكار؟ وهل هنالك فرق بين الحاكم والمحكوم في هذه المسألة؟ وكيف نوجه قصة أبي سعيد الخدري مع الخليفة في تقديم الخطبة على الصلاة، وقصة سلمان مع عمر في قصة القميص وغيرها من الوقائع؟ الجواب الأصل أن المُنكِر يتحرى ما هو الأصلح والأقرب إلى النجاح، فقد ينجح في مسألة مع أمير ولا ينجح مع الأمير الثاني، فالمسلم الناصح يتحرى الأمور التي يرجو فيها النجاح، فإذا كان جهره بالنصيحة في موضع يفوت الأمر فيه، مثل قصة أبي سعيد، والرجل الذي أنكر على مروان إخراج المنبر، وتقديم الصلاة، فهذا لا بأس؛ لأنه يفوت، أما إذا كان الإنكار على أمور واقعة، ويخشى أنه إن أنكر لا يقبل منه أو تكون العاقبة سيئة، فيفعل ما هو الأصلح، فإذا كان في مكان أو في بلد مع أي شخص، ويظهر له ويرتاح إلى أن الأصلح مباشرة الإنكار باللسان والجهر معه فليفعل ذلك، ويتحرى الأصلح؛ لأن الناس يختلفون في هذه المسائل، فإذا رأى المصلحة ألا يجهر، وأن يتصل به كتابة أو مشافهة فعل ذلك؛ لأن هذه الأمور تختلف بحسب أحوال الناس. وكذلك الشخص المعين يحرص على الستر مهما أمكن، ويزوره، أو يكاتبه، وإذا كان يرى من المصلحة أنه إذا جهر قال: فلان فعل كذا، ولم تنفع فيه النصيحة السرية، ورأى من المصلحة أنه ينفع في هذا الشيء فيفعل الأصلح، فالناس يختلفون في هذا، والإنسان إذا جهر بالمنكر فليس له حرمة إذا جهر به بين الناس فليس لمجهر الفسق حرمة في عدم الإنكار عليه، وقد ذكروا أن الغيبة في حق من أظهر الفسق لا تكون غيبة إذا أظهره ولم يستحِ.

стр. 239

مراعاة المصلحة في إظهار الدعوة السؤال في بعض البلاد يصعب أن يعلن الداعية عن دعوته لما يلحقه من الضرر، لذلك يلجأ إلى السرية في دعوته، فما هو الحكم؟ الجواب مثلما تقدم، هذا هو الأحسن، هذا هو الواجب أن يعمل ما هو الأصلح، في مقام يعلن، وفي مقام يسر، وفي مقام يتصل بفلان الذي ينصح له، وفي مقام يقول على رءوس الأشهاد كذا وكذا، على حسب المصلحة الدينية وليس بالهوى.

стр. 240

منهج السلف في التعامل مع المخالفين السؤال كثيراً ما يحصل الخلاف بين طلبة العلم أصحاب المعتقد الواحد في بعض المسائل التي يسوغ الخلاف فيها، سواء العلمية أو الدعوية، فيؤدي هذا الخلاف ببعض المخالفين إلى التجني على المخالف بالكلام والقدح واللمز والتنقص والتبديع، فما هو منهج السلف في التعامل مع الخلاف؟ الجواب هذا لا يجوز، والواجب على العلماء وطلبة العلم في هذه المسائل وإن اختلفوا، أن تكون ألسنتهم لينة وبريئة من اللمز والغمز، وأن يكونوا متناصحين، كل واحد يعذر أخاه، فقد يكون اجتهد في هذا، وهذا له أجران، وهذا له أجر مع النية الصالحة، إذا كان المقام يسوغ فيه الاجتهاد، وليس فيه نص واضح، أما إذا كان فيه نص واضح فالنص يقطع النزاع، الله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] ، أما إذا كان ليس فيه شيء، مثلما قال النبي ﷺ في حديث القضاء: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن حكم فاجتهد وأخطأ فله أجر) ، والواجب عدم التنابز بالألقاب، وعدم إعلان السب لأخيه، ولكن يتناصحون فيما بينهم، يجتمعون ويتناصحون، يزور هذا هذا، أو يزور هذا هذا، أو يتوسط هذا لهذا، حتى تزول الوحشة، وحتى تحصل الفائدة بالمذاكرة في العلم، وأخذ الدليل على هذا أو هذا، فكل الأئمة اختلفوا الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومالك، وقبلهم التابعون، وقبلهم الصحابة مع المحبة فيما بينهم، فلا يجوز في هذا اللمز والغمز وتعاطي أسباب الشحناء والعداوة، فهذا منكر.

стр. 241

الأمانة في تقويم اختبار المخالف في العقيدة أو الدين السؤال الذي يقوم بتدريس أحد من الرافضة، كيف يقومه في الاختبار؟ هل بما يعلمه من عقيدته، أو بما يكتب في الورقة من إجابة؟ علماً بأن هؤلاء الرافضة سيقومون بالتدريس والعمل في مصالح المسلمين؟ الجواب الذي يظهر لي أن هذه أمانة، ينصح في تصحيح الأوراق على حسب حال ما عنده، وأما النصيحة في عدم التوظيف فهذا ليس بيده، هذا شيء آخر، المقصود هنا أن يغش هذا أو ينصح له، حتى لو كان كافراً فلا يغشه، الغش محرم (من غشنا فليس منا) ، لكن ينصح في اختبار الجميع، ويؤدي الحق في اختبار الجميع، ويدعو إلى الله، يدعو هذا المبتدع إلى الله، وكذلك يدعو الكافر، ومسألة الولايات ليست إليه. السائل: هل عليه أن يقوم هذا الشخص بالدرجات؟ الشيخ: يصحح حسب ما عنده، أما التقويم فإلى الله، لكن النصيحة والتصحيح في الاختبار إذا أصاب صوبه وإذا أخطأ خطأه. السائل: وإن كان نصرانياً. الشيخ: والنصراني واليهودي الذي عندك. السائل: تقويم الدرجات من حيث السيرة والسلوك، هل يكون مثل بقية الطلاب؟ الشيخ: السيرة لها شأن آخر، إذا كان هناك شيء يتعلق بالسيرة أو بالإيمان أو العمل الصالح، فيخفض من جهة السيرة لا من جهة العلم. السائل: إذاً الرافضي في السيرة صفر. الشيخ: ليس فيه شيء، الرافضي والكافر صفر، والعاصي بين ذلك.

стр. 242

الانشغال بالدعوة مع التقصير في النوافل وغيرها السؤال هل الانشغال بالدعوة والسعي في أمور المسلمين حجة للضعف في العبادة، وهجر القرآن، وترك النوافل، والتقصير في حقوق الأهل؟ الجواب هذا يختلف بحسب حال الداعي إلى الله، إذا كان ذا علم وبصيرة، وليس هناك من يقوم مقامه بهذا الأمر، فهذا واجب عليه مقدم على النوافل، فقراءة القرآن نافلة، ونوافل العبادة نافلة، فإذا كانت النافلة تمنعه من هذا الواجب قدم الواجب، وإذا كان في بلد هو الذي يأمر وينهى، وإذا جلس يقرأ القرآن أو يتنفل الضحى، أو يتنفل قبل الصلاة، تعطل المنكر وما وجد من ينكره، قدم إنكار المنكر؛ لأنه واجب، فالمقصود هنا يختلف بحسب أحوال الناس، وإذا كان هناك من يقوم مقامه ويكفي عنه، فلا يعطل ما شرع الله من الرواتب، أو من الوتر، أو صلاة الضحى، أو قراءة ما تيسر من القرآن، يجمع بين هذا وهذا، لكن إذا تعارض واجب ومستحب قدّم الواجب. السائل: وحقوق الأهل أحسن الله إليكم؟ الشيخ: وحق الأهل فيه تفصيل: إن كان واجباً فلا بد أن يقدم الواجب، وأما المستحب والنوافل والشيء الزائد فيقدم الواجب عليه، يقدم ما هو أهم من مصلحة المسلمين عليه، والجلوس عندهم الوقت الطويل، والمداعبة والمحادثة معهم، والأنس معهم مستحب، لكن إذا كان يضيع مصالح المسلمين العامة فهذا يقدم، أما أداء الواجب من كسوة، ومن حسن خلق، ومن جماع، ومن مبيت، فلا يعطله، ورعاية الأولاد كذلك حق واجب عليه، والله المستعان!

стр. 243

معاملة الخادمات في البيوت السؤال هنا سؤال عن الخادمات في البيوت يقول: الخادمات في البيوت من احتاج إليهن كيف يصنع، وبخاصة أنهن يستقدمن من غير محرم، وهل يدخل هذا تحت عموم البلوى؟ الجواب الخادمات والخدم من البلايا وكذلك السائقون، كلها من البلوى التي أصيب المسلمون بشرها العظيم، من جهة الخادمات والخدم والسائقين والعمال الذين يتساهلون معهم، فالواجب الحذر، وألا تستجلب الخادمة إلا عند الضرورة والحاجةِ الشديدة، ويتحرى الحذر من الخلوة بها، يكلمها من دون خلوة، ويستعملها من دون خلوة، وكذلك زوج المرأة أو أخوها أو أبوها لا يخلو بها، بل يستعملونها من دون خلوة، مثلما كانت تستخدم عند النبي ﷺ ، ومثلما كانت الخادمة عند فاطمة وغيرها، من غير خلوة، هذا عمل الصحابة وعمل الأخيار إذا استعملوا الخدم يكون من غير خلوة، ومن غير نظر إليهن، ويجب غض البصر عنهن، يجتهد في هذا كله، وإذا استغناه الله فليحذر، ولا يستقدم الكافرات، فلا يستقدم إلا مسلمات، ويتحرى، فلا يستقدم سائقاً كافراً، ولا خادماً كافراً، ولا عاملاً كافراً، يجتهد ألا يستقدم إلا مسلماً أو مسلمة عند الحاجة والضرورة، والسائق كذلك. السائل: ما حكم استقدام الخادمات بدون محرم؟ الشيخ: لا يطيعون، يرسلونها بمحرم، فالذي يظهر لي أنه لا يجوز إلا بمحرم، لكن إذا استقدمها أهلها وهم الذين أرسلوها فالإثم عليهم، والمستقدم إذا قال: هم الذين أرسلوها، فالواجب عليه ألا يستقدم إلا بمحرم، إلا إذا كانوا هم الذين فعلوا، هذا الذي يظهر لي، ولا يرضى بفعل المعصية.

стр. 244

مراعاة المصلحة في الأعمال السؤال من وجد أن اعتماره أول شهر رمضان أو أوسطه، ثم رجوعه إلى بلده واعتكافه في مسجد حيه، أصلح لحاله وأشرح لصدره، فهل يكون أولى من اعتكافه في المسجد الحرام، وبخاصة أنه يؤدي إلى رعاية أولاده والمحافظة عليهم؟ الجواب الأفضل أن يعمل الأصلح، إذا كان الرجوع أصلح لدينه ولأهل بيته رجع، يأخذ العمرة ويكفي ويرجع، ولا يعتكف هناك، بل يهتم بالبيت وبالأولاد، هذا الاعتكاف منفعة خاصة له، والرجوع منفعة عامة ومصلحة عامة فيرجع.

стр. 245

حكم همز ولمز الدعاة إلى الله السؤال هذا السؤال الأخير طرحه بعض الإخوة، ويقولون: يوجه إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وإلى فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين، والشيخ عبد الرحمن البراك، يقول: سمعنا كلاماً في شريط لأحد الأشخاص يصف فيه بعض الدعاة أمثال الشيخ/ سلمان العودة، والشيخ/ سفر الحوالي وغيرهما من طلبة العلم وأمثالهما، يصفهم بأنهم ضلال، ودعاة بدعة، وأنهم أضل من مبتدعة العصور الماضية، ويحذر من سماع أشرطتهم والاغترار بكلامهم. فما رأيكم في مثل هذا الكلام أثابكم الله؟ الجواب هذا غلط قبيح، ولا ينبغي أن يسمح لهذا الشريط، ينبغي أن يتلف هذا الشريط، والمقصود أن هذا لا ينبغي أن يسمع له ولا يتكلم فيه، وينكر عليه. نسأل الله أن يعفي عن الجميع، وأن يجمع قلوبهم على التقوى، وهذا الذي أشرنا له أن الواجب الكلام الطيب، وعدم إشاعة الفاحشة والكلام السيئ، والتنابز بالألقاب، وغيبة الناس بغير الحق، وهذا شر نسأل الله العافية، والله يهدي الجميع، ويعيذ الجميع من الشيطان.

стр. 246

كلمة الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله المقدم: الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله، يتكلم كلمة جزاه الله خيراً. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله أصحاب الفضيلة، سماحة شيخنا! حياكم الله جميعاً في هذا اللقاء الطيب، وإننا نشكر الله على إعانته وتيسيره لهذا الاجتماع الكريم، ثم نشكر أخانا الدكتور ناصر العمر ووالده وإخوته، جزاهم الله خيراً على التسبب في هذا الاجتماع. ثم نشكر شيخنا على كلماته الطيبة، وتوجيهاته الحسنة، فجزاه الله خيراً، وأثابه أجراً في التعليق وفي الإرشاد والتوجيه والإجابة على الأسئلة، نرجو الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا. وفي الحقيقة ليس عليه مزيد، ولكن أحب أن أقول كلمة قصيرة تحتوي على أربعة أشياء، وبيان نتائج تركها:

стр. 247

الحرص على العلم النافع أولاً: يجب علينا الحرص على العلم النافع، الذي ينفعنا عند الله، من كتاب الله ومن سنة رسوله محمد ﷺ ، وأن نتروى بهذا، وأن نكثر من حضور مجالس الذكر وحلق العلم، وأن نحرص على الأخذ من كتاب الله وسنة رسوله، ومن علمائنا الأفاضل، حتى نربي قلوبنا على محبة الله ورسوله.

стр. 248

العمل بالعلم ثانياً: العمل والحرص والجد والاجتهاد على التطبيق، لا نقول: نتسمى بأننا طلبة علم، ثم يتخلف كثير منا عن العمل، فلا يليق من طالب العلم هذا وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن فيجب علينا أن نحرص على التطبيق، وعلى العمل بالعلم؛ حتى نكون قدوة حسنة، وحتى نقود الناس بأفعالنا قبل أقوالنا.

стр. 249

الدعوة إلى الله ثالثاً: الدعوة إلى ذلك، والحرص على الدعوة، وأداء هذه المهمة، وهذه الفضيلة التي ساقها الله لك -أيها الأخ الكريم- أن تبذل مما أعطاك الله، وأن تدعو وتعلم، وترشد الناس وتدعوهم إلى الحق، حتى يصلحك الله ويصلح الله بك، لا تقتصر على نفسك، بل تسعى في الدعوة إلى الله، وإرشاد الناس إلى الخير، وحثهم على التناصح فيما بينهم والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وأن تؤدي زكاة هذا العلم الذي أعطاك الله، ولهذا يقول الشافعي ﵀: وأدِ زكاة الجاه واعلم بأنها كمثل زكاة المال تم نصابها فعليك مسئولية عظمى وأمانة كبرى بهذا العلم الذي خصك الله به، أن تسعى بالتعليم، وتسعى في الإصلاح وفي حل مشاكل الناس.

стр. 250

الصبر في طريق الدعوة رابعاً: الصبر في طريق الدعوة طريق العمل الصالح، أن يتحمل الإنسان الصبر، وأن يوطن نفسه على الصبر، ويعتبر ذلك رفعة لدرجاته بتوفيق الله، وتكفيراً لسيئاته، ويحتسب ذلك في سبيل الله، ولا يكون صبره تجلداً، فإن التجلد لا يفيده شيئاً؛ بل يكون الصبر بالاحتساب حتى يثيبه الله، ولنا القدوة الحسنة في رسول الله ﷺ ، الذي أوذي ورجم بالحجارة، وأدميت عراقيبه، وقال: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني! إلى ضعيف يتجهمني، أم إلى قوي ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي) إلى آخر الدعاء المشهور. فيصبر الإنسان على الأذى وما يناله من جرح ونيل وعراقيل، وبغض وعداوة، وسب وشتم، يتحمل ذلك في ذات الله، والله يقول لنبيه الكريم: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] ، فعلينا جميعاً -أيها الإخوة- أن نوطن أنفسنا على الصبر، وتحمل المشقة، ولا يحصل الأجر -يا إخوان- إلا بالصبر، ولهذا يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] .
следующие страницы →