Полный текст (499 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
كلمة الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله
المقدم: الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله، يتكلم كلمة جزاه الله خيراً.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله أصحاب الفضيلة، سماحة شيخنا! حياكم الله جميعاً في هذا اللقاء الطيب، وإننا نشكر الله على إعانته وتيسيره لهذا الاجتماع الكريم، ثم نشكر أخانا الدكتور ناصر العمر ووالده وإخوته، جزاهم الله خيراً على التسبب في هذا الاجتماع.
ثم نشكر شيخنا على كلماته الطيبة، وتوجيهاته الحسنة، فجزاه الله خيراً، وأثابه أجراً في التعليق وفي الإرشاد والتوجيه والإجابة على الأسئلة، نرجو الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا.
وفي الحقيقة ليس عليه مزيد، ولكن أحب أن أقول كلمة قصيرة تحتوي على أربعة أشياء، وبيان نتائج تركها:
стр. 247
الحرص على العلم النافع
أولاً: يجب علينا الحرص على العلم النافع، الذي ينفعنا عند الله، من كتاب الله ومن سنة رسوله محمد ﷺ ، وأن نتروى بهذا، وأن نكثر من حضور مجالس الذكر وحلق العلم، وأن نحرص على الأخذ من كتاب الله وسنة رسوله، ومن علمائنا الأفاضل، حتى نربي قلوبنا على محبة الله ورسوله.
стр. 248
العمل بالعلم
ثانياً: العمل والحرص والجد والاجتهاد على التطبيق، لا نقول: نتسمى بأننا طلبة علم، ثم يتخلف كثير منا عن العمل، فلا يليق من طالب العلم هذا
وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن
فيجب علينا أن نحرص على التطبيق، وعلى العمل بالعلم؛ حتى نكون قدوة حسنة، وحتى نقود الناس بأفعالنا قبل أقوالنا.
стр. 249
الدعوة إلى الله
ثالثاً: الدعوة إلى ذلك، والحرص على الدعوة، وأداء هذه المهمة، وهذه الفضيلة التي ساقها الله لك -أيها الأخ الكريم- أن تبذل مما أعطاك الله، وأن تدعو وتعلم، وترشد الناس وتدعوهم إلى الحق، حتى يصلحك الله ويصلح الله بك، لا تقتصر على نفسك، بل تسعى في الدعوة إلى الله، وإرشاد الناس إلى الخير، وحثهم على التناصح فيما بينهم والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وأن تؤدي زكاة هذا العلم الذي أعطاك الله، ولهذا يقول الشافعي ﵀:
وأدِ زكاة الجاه واعلم بأنها كمثل زكاة المال تم نصابها
فعليك مسئولية عظمى وأمانة كبرى بهذا العلم الذي خصك الله به، أن تسعى بالتعليم، وتسعى في الإصلاح وفي حل مشاكل الناس.
стр. 250
الصبر في طريق الدعوة
رابعاً: الصبر في طريق الدعوة طريق العمل الصالح، أن يتحمل الإنسان الصبر، وأن يوطن نفسه على الصبر، ويعتبر ذلك رفعة لدرجاته بتوفيق الله، وتكفيراً لسيئاته، ويحتسب ذلك في سبيل الله، ولا يكون صبره تجلداً، فإن التجلد لا يفيده شيئاً؛ بل يكون الصبر بالاحتساب حتى يثيبه الله، ولنا القدوة الحسنة في رسول الله ﷺ ، الذي أوذي ورجم بالحجارة، وأدميت عراقيبه، وقال: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني! إلى ضعيف يتجهمني، أم إلى قوي ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي) إلى آخر الدعاء المشهور.
فيصبر الإنسان على الأذى وما يناله من جرح ونيل وعراقيل، وبغض وعداوة، وسب وشتم، يتحمل ذلك في ذات الله، والله يقول لنبيه الكريم: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] ، فعلينا جميعاً -أيها الإخوة- أن نوطن أنفسنا على الصبر، وتحمل المشقة، ولا يحصل الأجر -يا إخوان- إلا بالصبر، ولهذا يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] .
стр. 251
خطورة التفريط في الدين
هذه هي الأربع المسائل، وكلكم تعرفونها، ولكني أردت تذكير نفسي وإخواني، والشيء الذي هو ضد هذا هو أننا إذا تخلينا عن أمر ربنا ليس يضر ربنا، وليس نضر ديننا، إنما نضر أنفسنا، ونرجع أذناباً بعد أن كنا دعاة، بعد أن كان لنا السمعة الطيبة، فإذا تهاونا بأمر الله، وضيعنا حقوق الله، فخطير أن نرجع أنقص الناس، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] .
نسأل الله أن يمن على الجميع بهدايته، وأن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يعيذنا جميعاً من نزغات الشيطان الرجيم، وأن يمن علينا وعليكم وعلى المسلمين بالهداية والتوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 252
قصيدة للدكتور/ عبد الرحمن العشماوي
الشيخ ناصر العمر: إذا سمحتم يا سماحة الوالد! لعلنا بعد أن استمعنا إلى توجيهاتكم وإجاباتكم، أن نختم به هذا اللقاء المبارك، أن نلبي رغبة كثير من الإخوة الكرام بالاستماع إلى بعض ما لدى شاعرنا حسان هذه الصحوة كما سمي، الشيخ الدكتور عبد الرحمن العشماوي، فلعلكم تأذنون له ببعض ما عنده.
الشيخ ابن باز: الله يوفقنا وإياه.
الدكتور العشماوي: جزاكم الله خيراً، يعلم الله أنني ما كنت أريد أن أشغل شيئاً من وقتكم، لكن يقول المثل العامي: الضيف في حكم المضيف، فما دام حكم علينا مضيفنا لهذه الليلة وأذن لنا سماحة الشيخ، فألقي عليكم قصيدة عنوانها: "جولة في محيط المشاعر".
وهذه القصيدة دعاني إلى إلقائها فضيلة الوالد الشيخ عبد الرحمن الفريان في حفل تحفيظ القرآن الأخير، ولكن حالت ظروف معينة دون إلقائها في ذلك المكان، فلعلها مناسبة طيبة أن ألقيها هنا.
أقول في القصيدة مع التحية إلى كل حافظ لكتاب الله:
بيني وبينك منهج وكتاب وعقيدة وصلت بها الأسبابُ
وشريعة غراء أشرق نورها فظلام ليلك عندها ينجابُ
ما زال يسري في البصائر نورها فالكون ميدان لها ورحابُ
يا سائلي عن نبض قلبي لا تسل بيني وبين همومه سردابُ
قلب الفتى دنيا تقوم بنفسها فيها جبال صلبة وشعابُ
فيها محيط من مشاعره له ثبج وموج هادر وعبابُ
لا لا تسلني عن بحار مشاعري فالموج فيها هادر صخابُ
سلني عن الأشواق عن غايتها فلديّ عن هذا السؤال جوابُ
أنا شاعر وقفت قصيدته على غصن وفي نظراتها استغرابُ
وقف اليراع على ضفاف دواته متأملاً ما صاغه الكتّابُ
ما صاغه الشعراء في زمنٍ له من كل فكر ساقط كُلابُ
قد عُلقت فيه الرءوس فما ترى إلا الرءوس تقودها الأذنابُ
لا لا تسلني عن بداية رحلتي وعن الطريق تحفه الأتعابُ
سلني عن الأرض التي واجهتها بالصرخة الأولى فعز جنابُ
بالأمس تأسرني براءة وجهها ويشد قلبي لونها الجذابُ
واليوم تأسرني تلاوة قارئٍ تنساب فوق لسانه الأحزابُ
يتلو فتنتفض القلوب مهابة إن القلوب الموقنات تهابُ
فإذا تلا أم الكتاب تألقت أرواحنا وسما بنا الإعجابُ
إياك نعبد لا لغيرك ننثني وبك استعانتنا ومنك ثوابُ
يا قارئ القرآن ليلك واحة والأفق عندك منظر خلابُ
اقرأ ليذكر من تكبر أنه مهما تطاول في الحياة ترابُ
اقرأ ليفهم من يحيد عن الهدى أن الولاء لمن إليه مآبُ
اقرأ ليخرس كل فن ساقط يشدو به عبر الأثير غرابُ
اقرأ لتنقذ أمة في دربها تتثاءب الأزلام والأنصابُ
لعبت بها الأهواء فهي شقية بقعودها وعدوها وثابُ
لعبت بها الأهواء فهي ذليلة تشكو وتغلق دونها الأبوابُ
اقرأ كتاب الله فهو شريعة من دونها نهر الحياة سرابُ
آياته تتلى فتسعد أنفس شقيت ويذهب همها وتثابُ
هذا خطاب للعباد فهل وعى قلب وهل غسل العقول خطابُ
دين يعيش به الحقيقة موقنٌ ويتيه عن ومضاته المرتابُ
دين يذوق به السعادة صادق ويذوق طعم شقائه الكذابُ
في القرب منه سعادة ولذاذة والبعد عنه تحسر وعذابُ
يا قارئ القرآن لا تركن إلى من سافروا في لهوهم وارتابوا
أخلص فأقوال العباد وفعلهم قشر وإخلاص القلوب لبابُ
يا قارئ القرآن قلبك عامر وقلوب من هجروا الكتاب خرابُ
في الناس من هم كالسوائل مالهم وعي ولكن ما لهم أقتابُ
ولرب ذي عقل حصيف راجحٍ أغواه عن درب الهدى الأصحابُ
خاطبت نفسي والهموم كبيرة وعلى وجوه الذكريات حجابُ
لا تحقري يا نفس منظر عابدٍ فالنحل في نظر العيون ذبابُ
ما قيمة الإنسان إلا بالتقى فأمامه تتضاءل الأنسابُ
نعطي ونمنع واهنين وإنما يعطي ويمنع ربنا الوهابُ
الشيخ ابن باز: لا إله إلا الله! بارك الله فيك، جزاك الله خيراً، لا فض فوك، والبيت الذي فيه الأذناب إن غيرته كان أحسن.
стр. 253
حكم الاحتفال بالمولد
لقد توفي رسول الله ﷺ وما من خير إلا وقد دلنا عليه، ولا شر إلا وقد حذرنا منه، ولا ترك لنا طائراً يطير في السماء إلا وذكر لنا منه علماً، فكان قرنه خير القرون، ثم قرن صحابته من بعده الذين مضوا على سنته، ثم التابعين من بعدهم، وبعد ذلك انتشرت البدع والخرافات، وسيطر الجهل والضلالات على كثير من بلاد المسلمين، ومن تلك البدع بدعة المولد النبوي، والاحتفال به الذي لم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه الكرام ولا التابعون لهم بإحسان، وقد أبدلنا الله بأعياد شرعية خير من هذا كالأضحى والفطر ويوم الجمعة، وحذرنا الله على لسان رسوله من الابتداع في الدين وتشريع ما لم يشرعه الله ولا رسوله الأمين.
стр. 254
نعمة إرسال الرسول وإكمال الدين
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام الأَتَمَّان الأكملان على عبده ورسوله وخليله، وأمينه على وحيه، وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا شك أن من أعظم نعم الله على عباده وإحسانه إليهم أن ﴿بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] كما أخبر عن نفسه ﵊.
فمن رحمة الله العظيمة وإحسانه العميم أن أرسل إلى الناس نبياً كريماً، ورسولاً عظيماً، وإماماً مقدماً، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، ينتهي نسبه إلى نبي الله إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعليهما الصلاة والسلام، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
بعثه الله جلَّ وعلا على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، وخفاء من معالم الهدى، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا يسيرة من أهل الكتاب، فأرسل هذا الرسول العظيم؛ ليبين للناس صراط الله المستقيم، وليعلمهم دين الله القويم، وليوضح لهم الإسلام الذي بعث الله به المرسلين، وجعله الله رحمة للعالمين، فقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ:٢٨] .
فهدى به من الضلالة، وبصَّر به من العمى، وجمع به بعد الفرقة، وأغنى به بعد العيلة والفقر، وهدى به الأمة إلى الصراط المستقيم، وأحيا به ملة إبراهيم ﵊، فدعا إلى الهدى، وبشَّر وأنذر.
وقد بعثه الله في مكة المكرمة على رأس أربعين عاماً من عمره ﵊، لما أكمل الله له أربعين عاماً بعثه إلى الناس رحمة وهدىً، فبلَّغ وأنذر، ودعا إلى الله ، وصبر على الأذى من قومه، وهدى الله على يديه من هدى في مكة المكرمة.
ولما اشتد بهم الأذى هاجر جمع غفير منهم إلى الحبشة؛ لأن ملكها ذاك الوقت ملك عادل، لا يُظلم عنده أحد، فهاجروا إليه وهو على النصرانية، فرحب بهم، وكان على رأسهم جعفر بن أبي طالب أخو علي ﵄، وهذه هي الهجرة الأولى إلى الحبشة، فجلسوا هناك في أمن وأمان، وهدى الله على أيديهم ملك الحبشة النجاشي فأسلم على أيديهم.
ولم يزالوا هناك حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، ومضى على هجرته في المدينة ست سنين، ثم قدموا عليه عام خيبر من الحبشة هجرة ثانية إلى المدينة.
والنبي ﷺ لما اشتد به الأذى في مكة، وبأصحابه ﵃؛ أذن الله له بالهجرة، فهاجر هو ومن استطاع من أصحابه إلى المدينة، وأظهر الله دينه هناك، ورفع شأن الإسلام، وأقام سوق الجهاد إلى آخر ما هو معروف في السيرة النبوية.
وكانت هذه النعمة لا يعادلها نعمة؛ لأن الله جلَّ وعَلا نشر بها دينه، وأعلى بها كلمته، وعرَّف الناسَ بها دينه الذي بعث به الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وهو دين الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] .
فنشر أعلامه وبين معالمه على يدَي هذا النبي الكريم ﵊، وأنزل عليه القرآن الكريم الذي هو أفضل وأعظم كتاب فيه الهدى والنور فيه الدلالة على كل خير، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والتحذير من الشرك بالله، ومن سائر ما لا يرضي الله من أقوال وأعمال.
قال فيه سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] ، وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] ، وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [الزمر:٢٣] أي: يشبه بعضُه بعضاً.
فهو أحسن القصص، وهو أحسن الحديث، وهو كتاب الله العظيم، الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] هدى الله به الأمم من عهده ﷺ إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة هداهم الله به إلى أسباب السعادة، وإلى دين الإسلام، وإلى الأخلاق الكريمة، والأعمال الحميدة، وإلى كل خير، وحذَّرهم فيه من كل شر.
ونبينا ﷺ هو أعظم داعٍ، وأفضل وأعظم وأفضل رسول ﵊، كمل الله به المرسلين، وختم به عِقْد النبوة، فصار هو خاتم النبيين والمرسلين ﵊، وليس بعده نبي، ومن ادَّعى النبوة بعده فهو كافر ضال مضل.
فمحمد ﷺ خاتم النبيين، وهو رسول رب العالمين، ورسالته خاتمة الرسالات، وشريعته أكرم الشرائع ﵊ شريعته أفضل الشرائع وأهداها، وأحكمها وأعمها، وجعل الله فيها حل كل مشكل، وبيَّن فيها جميع ما يحتاجه العباد، وجعل شريعته بحمد الله سمحة ميسرة، ليس فيها أغلال ولا آصار: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] .
ومر رسول الله ﷺ وصحابته على الهدى المستقيم، وعلى الصراط القويم، بعدما أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة ﵊، أنزل الله عليه في حجة الوداع يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] ، هذه الآية بيَّن الله فيها أنه أكمل الدين للأمة، وأتم عليهم النعمة، ورضي لهم الإسلام ديناً، فلما أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة؛ أخذه إليه وتوفاه، ونقله إلى الرفيق الأعلى إلى دار النعيم والكرامة، فجسدُه في الأرض، وروحه في أعلى عليين، في دار النعيم ﵊.
стр. 255
حال الصحابة والقرون المفضلة بعد النبي ﷺ
استمر أصحابه ﵃ وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين، وعلي المرتضى، كلهم ساروا على نهجه، وعلى طريقه، يدعون إلى الله ، ويبشرون بالإسلام، ويعلِّمون الناس أحكامه، وهكذا بقية الصحابة جاهدوا في سبيل الله، ونشروا دين الله، وعلَّموه الأمة، ولم يبتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، فعلَّموا الناس دين الإسلام، وأرشدوهم إلى دين الإسلام، وساروا مع رسول الله ﵊ بالأقوال والأعمال والسيرة، وبلّغوا عن الله رسالته، وعن نبيه ما جاء به ﵊، وصبروا على ذلك وجاهدوا عليه؛ جاهدوا الروم وفارس وغيرها من الأمم الكافرة، ونشروا دين الله في أنحاء الدنيا، وقاتلوا المرتدين، وقضوا على أسباب الردة، وجمع الله بهم الكلمة، وأعز بهم الإسلام، ورفع بهم رايته في الآفاق، ﵃ وأرضاهم، وصاروا ملوك الناس، وقادتهم، وصارت الكلمة لله وحده، وصار دينه هو الظاهر على أيدي أصحاب الرسول ﷺ ، وأئمة الهدى من بعدهم، يدعون إلى الله، ويخشونه ولا يخشون أحداً سواه جاهدوا في سبيله، ونصروا دينه، وأعلوا كلمته، وصبروا على ذلك صادقين مؤمنين موفَّقين نصحوا لله ولعباده، فأعلى الله بهم كلمته، وأعز بهم دينه، ورفع بهم شأن الإسلام، وجعلهم أئمة وهداة وقادة ﵃ وأرضاهم ومن تبعهم بإحسان.
ثم مضى على ذلك القرن الثاني والقرن الثالث مضوا على الهدى والدعوة إلى الله ، ونبغت فيهم نوابغ من أهل البدع؛ ولكن أهل السنة وأهل الحق جاهدوا أهل البدع، وحذَّروا منهم، وبيَّنوا بدعهم وضلالاتهم، وسفَّهوا أحلامهم، وظهر أمر الله بين العباد بسبب أهل العلم والإيمان من أئمة السنة والحديث والفقه الإسلامي، فقد نشروا دين الله، وأنذروا الناس ما ابتدعه المبتدعون في العقيدة وفي غيرها.
стр. 256
بدعة المولد ظهورها وبيان بدعيتها
ثم لما مضى القرن الثالث من القرون الثلاثة التي قال فيها النبي ﷺ : (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ثم يجيء قوم تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه) قد خف عليهم أمور الدين، وسهلت عليهم المخالفات والبدع.
فعند هذا التغيُّر وعند هذا الاختلاف وظهور أهل البدع من أئمة الكلام وغيرهم، نبغت نابغة يُقال لهم: الفاطميون، واعتدوا على ولاية المسلمين، وتملكوا بلاد المغرب، ثم امتد ملكهم إلى مصر، وصارت لهم دولة في مصر، ثم ابتدعوا بدعاً كثيرة، منها: بدعة الموالد، قالوا: إن النبي ﷺ وُلد في ربيع الأول، فلابد أن نبتدع احتفالاً بمولده، ومولد فاطمة، ومولد الحسين، ومولد علي ﵁، فابتدعوا بدعاً ما أنزل الله بها من سلطان، وهم من الشيعة الرافضة، يدَّعون الإسلام وهم في الباطن من الروافض، من المؤيدين للغلو في أهل البيت، وعبادتهم من دون الله ، فصاروا يحتفلون بهذه الموالد بخمسة موالد: للنبي ﷺ ، ولـ علي، والحسين، والحسن، وفاطمة، ولحاكمهم الموجود في ذلك الوقت ورئيسهم وخليفتهم.
ثم بعد ذلك ابتدع من ابتدع الموالد، وصار هؤلاء هم الأئمة لهؤلاء المبتدعين في هذه الموالد التي ابتدعوها، وصاروا هم القادة لهم في هذه البدع، فصار كثير من الناس يبتدعون لكل من يزعمون أنه ولي أو شيخ كبير، فإذا مات جعلوا له عيداً كل سنة لمولده، يجمعون فيه الناس، ويذبحون فيه الإبل والبقر والغنم على حسب ما يتيسر لهم، ويطعمون الطعام، ويقرءون في ذلك ما شاءوا من قصائد أو رسائل أو تراجم لهذا الرجل أو غير ذلك.
ومن ذلك: بدعة مولد النبي ﵊، فإن الفاطميين الذين هم ملوك المغرب ومصر ابتدعوا هذه البدعة في القرن الرابع، وتابعهم أناس بعد ذلك، ثم انتشرت هذه البدعة في كثير من بلدان المسلمين، في أفريقيا، وفي آسيا وفي غيرها، وصارت عندهم هذه البدعة عيداً إسلامياً، مثل عيد الفطر والأضحى، يعظِّمونه، ويشرعون له، ويجمعون فيه الناس، ويوجد فيه الأطعمة والموائد الكثيرة، والقصائد التي بعضها فيه شرك أكبر، وبعضها فيه شرك أصغر، وبعضها فيه المنكرات الكثيرة، وقلَّ احتفال من احتفالاتهم أن يسلم من شرك وبدعة ومعصية إلا ما عصم الله، فنفس المولد ونفس الاحتفال بدعة، ثم ينضم إليه بدع كثيرة، مثل: الغلو في النبي ﷺ ، والغلو في أناس آخرين، وإيجاد منكرات أخرى، من اختلاط النساء بالرجال، وربما وجد في بعض موالدهم شرب الخمور، وأنواع الفسوق، نسأل الله العافية والسلامة.
стр. 257
الاحتفال بالمولد بدعة محدثة
فالحاصل أن هذه البدعة التي ابتدعها ملوك المغرب في القرن الرابع، ثم تابعهم بعض الناس، ثارت في الناس، وانتشرت في الناس، في أفريقيا وغيرها من بلاد المسلمين، وصارت سنة عندهم، من أنكرها فقد أنكر السنة، ومن خالف فيها فقد خالف السنة؛ لأنهم عاشوا ونشئوا عليها هم وأسلافهم الذين مضوا بعد القرون الثلاثة المفضلة، وبعد ظهور البدعة في القرن الرابع على يد الفاطميين، ثم على يد مَن جاء بعدَهم من بعض الناس، صار بعض الناس الذين نشئوا فيها واعتادوها يعتقدونها سنة، ويعتقدونها عيداً يجب أن يُقام، ويجب أن يُعظَّم، وإنما هو بدعة منكرة ما أنزل الله به من سلطان.
ولقد رأيت التنبيه على هذا، وكان الناس في هذه البلاد لا يعرفون هذه الأمور؛ لأنهم -بحمد الله- نشئوا على الطريقة المحمدية، والسيرة التي سار عليها النبي ﵊ وأصحابه؛ بسبب دعوة الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في القرن الثاني عشر، فإنه دعا إلى السنة، ونَشَر دين الله، وعلَّم الناس ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وهكذا أولاده وأتباعه وأنصاره من آل سعود ساروا على هذا النهج، يعلِّمون الناس سيرة الرسول ﷺ وسنته، وأحكام الشريعة، ولا يعرفون هذه الموالد، ولا يقيمونها؛ لأنهم عرفوا من دين الله وعرفوا من أئمة الهدى الذين دعوا إلى الله في هذه البلاد أن هذه بدع ما أنزل الله بها من سلطان، فما كان يحتفلون بذلك، وما كانوا يعرفون ذلك.
لكن لما وُجدت الإذاعات والصحف، وانتشرت بين الناس هذه الأمور؛ صار الناس يتبعون هذه الاحتفالات في الإذاعات، ويقرءونها في الصحف، ووُجد بيننا في غرب المملكة مَن قد يحبذ هذا الشيء ويظن أنه قُربة وطاعة.
فوجب حينئذٍ على أهل العلم أن يبينوا شرع الله في هذه المسائل، وأن يوضحوا للناس الحقيقة التي سار عليها نبينا ﷺ وصحابته الكرام ﵃، وأئمة الإسلام بعدهم، وأن يوضحوا البدع التي ابتدعها الناس، بلاغاً عن الله وعن رسوله، وأداءً للأمانة، وتحذيراً الأمة من البدع التي ما حدثت في قوم إلا حلَّ بهم الدمار، وانتشرت بينهم الشرور والفساد.
البدع مفاتيح الشر، وهي أعظم وأكبر من المعاصي، فإن أعظم المنكرات: الشرك، ثم بعده البدعة، ثم بعده كبائر الذنوب.
وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: فهو مردود عليه.
وقال ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .
وكان يخطب ﷺ في الجمع، فيقول في خطبته: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) .
وقال ﵊ لما خطب الناس ذات يوم: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) .
فوجب على أهل العلم والإيمان أن يبينوا هذه البدع، ويرشدوا الناس إلى ما بينه الرسول ﷺ فيها، وأن الواجب الحذر منها وإنكارها، وعدم الموافقة عليها، والرسول ﷺ لم يفعلها ولا أصحابه، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة.
فلو كان الاحتفال بالمولد النبوي أو بموالد الأولياء وأفضل الأولياء وأعظمهم: الصدِّيق ﵁، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم بقية العشرة المُبَشَّر لهم بالجنة، هؤلاء أفضل أولياء الله بعد الرسل والأنبياء، ومع ذلك لم يحتفلوا بموالدهم، ولم يحتفل بموالدهم بقية الصحابة، ولا التابعون، ولا أتباعهم بإحسان، فكيف يجوز لنا أن نحدث في دين الله ما لم يأذن به الله؟ فلو كان خيراً لسبقونا إليه.
والرسول ﷺ بلغ البلاغ المبين، وما بقي شيء يقرب من الله إلا دعا إليه، وعلَّم الناس إياه ﵊، كما أنه ما بقي شيء يضرنا إلا نهانا عنه ﵊، فقد نهانا عن البدع، وحذَّرنا من البدع، وقال: (إياكم ومحدثات الأمور) ، وقال: (شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) ، ولَمْ يُقِمْ مولداً له ﵊ في حياته، ولا أرشد الناس إلى ذلك، ولا أقامه أبو بكر الصديق ﵁، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي ولا غيرهم، ولا معاوية بعدهم، ولا الأئمة بعدهم في القرن الأول، والقرن الثاني، والقرن الثالث، ولا أئمة الهدى بعد ذلك، فكيف يسوغ للمسلمين أن يتابعوا الرافضة وغير الرافضة من أهل البدع أو جهلة الأمراء أو غيرهم ممن أحدثوا البدع؟! بل الواجب على أهل الإسلام والإيمان أن يتقيدوا بالسنة، وأن يستقيموا ويسيروا عليها، وأن يحذروا ما خالفها.
والله جلَّ وعَلا بعث رسوله ﷺ معلماً للناس ومرشداً لهم، وأمره أن يبلغهم ما بعثه به، فلم يمت ﵊ إلا وقد بلغ كل شيء، ولم يكتم شيئاً ﵊، بل بلَّغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده ﵊.
فلو كان الاحتفال بالمولد في الثاني عشر من ربيع الأول أو قبله أو بعده، أو في غير ذلك لبينه للأمة، ولنقله الصحابة ﵃، فقد نقلوا كل شيء ﵃ وأرضاهم، ولفعلوه في أنفسهم؛ لأنه لا يوجد بعده نبي يبلغ عنه، فهو خاتم الأنبياء، فالشيء الذي ما بلغنا إياه ولا علَّمنا إياه فليس لنا أن نحدثه.
فالدين كامل بحمد الله، قد أكمله الله، فليس لأحدٍ من الناس أن يحدث في الدين أو يشرع فيه ما لم يأذن به الله، والعبادة توقيفية، ليست بالآراء والاختراعات، ولكنها بالتوقيف قال الله وقال رسوله، فما لم يأت عن الله ولا عن رسوله من العبادات فليس لنا أن نتعبد به فيكون بدعة.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] ، وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ [الجاثية:١٨-١٩] .
ولهذا فإن أهل العلم بينوا أن بدعة الموالد ما أنزل الله بها من سلطان، وما انتشرت بين الناس، كل جماعة لهم شيخ أو كبير يجعلون له مولداً، ويجتمعون له، ويحتفلون بالطعام وغير ذلك في أيامٍ وليالٍ معلومة، وجعلوا من ذلك مولد النبي ﵊، فصاروا يحتفلون به في ربيع الأول؛ لأنه مات ﵊ في الثاني عشر من ربيع الأول، فيوم ربيع الأول مولد ومأتم عند أهل البدع، والله ما شرع لنا لا الاحتفال بالمولد ولا بمأتم وحزن على الأموات، فلا نقيم مولداً ولا مأتماً، وقد جمعت الرافضة بين هذا وهذا، فجعلوا مآتم بموت عظمائهم، وجعلوا موالد لعظمائهم، وتابعهم كثير من الناس على هذه البدع، فجعلوا عاشوراء مأتماً للحسين، وجعلوا في رمضان مأتماً لـ علي، وتابعهم كثير من أهل البدع، فجعلوا المآتم والموالد التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وأهل السنة والجماعة وقولهم الحق لا يرون أن فعل هؤلاء وهؤلاء حق، ويقولون: يجب التوقف عن كل بدعة، وترك كل بدعة، والسير على منهاج الرسول ﷺ الذي سار عليه في حياته، وسار عليه أصحابه ﵃ وأرضاهم، وسار عليه أئمة الهدى من بعدهم، وقالوا: يجب أن نعمل بقوله ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: فهو مردود عليه.
وقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا -أي: في ديننا- هذا ما ليس منه فهو رد) أي: فهو مردود، وقوله: (وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) .
стр. 258
الاحتفال بالمولد بين البدعة والشرك
كثير من هؤلاء الذين أحدثوا هذه البدع أحدثوا معها أنواعاً من الشرك، فتجدهم يَغْلُون في الرسول ﷺ وفيمن يعظمون من الناس، كـ علي والحسين وكـ البدوي في مصر، وكالشيخ/ عبد القادر الجيلاني في العراق، وابن عربي في الشام وآخرين يعظمونَهم ويَرون فيهم عند اجتماعهم حال الاحتفال برئيسهم، وفي غير ذلك.
وهذه ثمرات الغلو والبدع: تنتهي بالناس إلى الشرك بالله، وإلى عبادة غيره، فإنهم عند المديح لا يدعهم الشيطان يقفون عند حد، إذا جاء المديح جرهم الشيطان إلى الشرك بالله ، حتى يمدحوا الرسول ﷺ أو غيره من الناس بالشرك بالله الشرك الأكبر.
ويقولون: إنه يُستغاث به وإنه يكشف الكربات، ويعلم الغيوب إلى غير هذا من الشرك بالله العظيم، نعوذ بالله من ذلك.
هذا من المدح، يجرهم الشيطان في مدحه حتى يقعوا في الشرك الأكبر.
وحتى يقولوا في الرسول ﷺ : إنه يعلم الغيب، والله هو الذي يعلم الغيب كما قال : ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] .
وقال سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] .
ويقولون فيه: إنه يغيث الملهوفين، وينصر المسلمين على عدوهم بعد موته ﵊، ويفعل ويفعل، حتى قالوا: إنه يعطي الجنة من يشاء ويمنعها عمن يشاء.
وقالوا: إنه يعلم اللوح المحفوظ وما فيه، وأن مِن جوده الدنيا وضرتها.
هذا كله من الجهل بالله.
حتى قال البوصيري في قصيدته المعروفة والمشهورة التي يحفظها كثير من الناس، ويتخذها ورداً في الصباح، وهي الشرك الأكبر، ويقرءونها في الموالد، يقول فيها:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك
يخاطب النبي ﷺ ، يخاطبه يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم
أي: يوم القيامة.
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدمِ
فإن من جودك الدنيا وضرتها
أي: الآخرة.
ومن علومك علم اللوح والقلمِ
أهذا يقوله إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر؟! إلى آخر ما يقول، نعوذ بالله، كل شيء جعله للنبي ﷺ ، ما جعل لله شيئاً.
فإن من جودك الدنيا وضرتها
الدنيا والآخرة.
فالمعنى: فإن من جودك الدنيا والآخرة، والله يقول: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم:٢٥] وهؤلاء يقولون: لا.
لمحمد الآخرة والأولى.
أهذا يقوله عاقل؟! أهذا يقوله من يفهم الدين؟!
ومن علومك علم اللوح والقلمِ
أي: كل العلوم عنده يعلمها، وهو ﷺ نفى ذلك، وأخبر أنه لا يعلم الغيب ﵊.
ولما وقع ما وقع على عائشة ورماها المنافقون وبعض الجهلة وبعض من اغتر بالمنافقين، رموها بالفاحشة، توقف ﵊، ولم يعلم الحقيقة حتى أنزل الله براءتها في القرآن، في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] الآية.
فالله جلَّ وعَلا أعلمه بذلك، وقد سألها وسأل غيرها، ليس عنده علم بالواقعة حتى أخبره الله .
ولما ضاع عقدها في غزوة من الغزوات، فبعث ليلتمسوه -يبحثون عنه في مكانه- فالتمسوه ولم يجدوه، ولم يعلمه ﷺ حتى قام البعير، فوجدوه تحت البعير، قام البعير ولا علمه النبي ﷺ ، ولا علمه الصحابة وقد صاروا سادات الأولياء وأفضل الأولياء بعد الأنبياء، فالرسول والصحابة والأولياء لا يعلمون الغيب، علم الغيب لله جلَّ وعَلا، لا يعلمه أحد.
فهذا محمد ﵊ أفضل الخلق وأفضل الأنبياء لم يعلم ما جرى على عائشة، ولم يعلم عقدها الذي ضاع أين هو حتى قام البعير فوجدوه، وأصحاب النبي ﷺ هم أولياء الله بعد الأنبياء، وهم أفضل الناس لم يعلموه حتى قام البعير فوجدوه.
فالغيب إلى الله .
فهؤلاء الذين ابتدعوا هذه الموالد يقع عندهم من الشرك الأكبر، ويقع عندهم من الشرور والبدع والخرافات الكثيرة ما يقع.
ثم هذه البدعة جرَّتهم إلى بدعٍ كثيرة، فصاروا يبتدعون احتفالات كثيرة لمن يسمونهم بالأولياء في كل مكان، حتى إن في أفريقيا مئات أو آلاف الموالد وفي غيرها من البلدان، كلها بأسباب هؤلاء الضالين الذين أحدثوا هذه البدع، وصاروا أئمة في الشرك والبدع، وهم بنو عبيد القدَّاح، الفاطميون الذين أحدثوا البدعة في مصر في القرن الرابع، ثم تابعهم بعض الناس على ذلك حتى انتشرت هذه البدعة.
فوجب علينا وعلى غيرنا من طلبة العلم أن يبينوا للناس ما وقع فيه بعض الجهلة، وما غلا فيه بعض الناس من المنتسبين للعلم اغتراراً بهذه البدعة، واغتراراً بغيرهم، واقتداءً بمن جهل الحق، وراج عليه الباطل، واشتبهت عليه الأمور.
стр. 259
الرد على شبه القائلين بعدم بدعية المولد
وقد تعلق بعضهم في هذه البدعة بما ثبت عنه ﷺ أنه لما سئل عن صوم يوم الإثنين قال: (ذلك يوم وُلدتُ فيه، وبُعثتُ فيه، وأُنزلَ عليَّ فيه) ﵊، وهذا لا حجة فيه لأحد لو عقل أهل البدع، فإنه يدل على شرعية صومه فقط، وليس فيه الاحتفال بالمولد، والنبي ﷺ صام الإثنين والخميس، وقال: (إنهما يومان تُعرض فيهما الأعمال على الله، وإني أحب أن يُعرض عملي وأنا صائم) فصوم يوم الإثنين يوم عظيم، أنزل الله عليه فيه، وولد فيه، وهو يوم تعرض فيه الأعمال على الله ، فالذي عظمه النبي ﷺ بالصوم، فمن يريد تعظيمه بالصوم فعليه بالصوم كما شرع الله ذلك، يوم الإثنين يوم فاضل، ويوم الخميس يوم فاضل، تعرض فيهما الأعمال على الله ، فإذا صامه الرجل كما صامه النبي ﷺ فهذا حسن ومشروع؛ لكن أين الاحتفال؟! هل احتفل به النبي ﷺ وأصحابه؟! تعظيمه بالصوم الذي شرعه الله، لا في غيره.
وبعضهم يتعلق بأن النصارى واليهود يعظمون أنبياءهم بالأعياد، ويقولون كيف لا نعظم نبينا؟! وهذا من الجهل الكبير، نبينا ﷺ حذَّرنا أن نتشبه بأعداء الله اليهود والنصارى، ونهانا أن نقلد اليهود والنصارى في أعيادهم وفيما هم عليه من الباطل، وقال: (لتتبعن سَنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه -يحذرنا- قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فَمَنْ؟!) وفي لفظ (قالوا: يا رسول الله، فارس والروم؟ قال: فَمَنْ؟!) أي: هم أولئك الذين أحذركم من اتباعهم وتقليدهم.
فالرسول ﷺ حذَّرنا من تقليد اليهود والنصارى، والتشبه بهم في عوائدهم وأعيادهم، فإذا أوجدوا أعياداً لعظمائهم أو لأنبيائهم أو لعيسى ﵊، فليس لنا أن نقلدهم في باطلهم، وليس لنا أن نتشبه بهم، ولا نعمل أعمالهم، بل نتبرأ من ذلك وننتهي عن ذلك، ونعلم أنهم قد ابتدعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، وأن رسولنا ﷺ نهانا أن نقلدهم أو نتشبه بهم.
فالدعوة إلى أن نوجد عيداً للمولد مثل ما للنصارى معناه دعوة للتشبه بالنصارى، ومعناه دعوة إلى تقليد النصارى وأشباههم من اليهود بما أحييتم من البدع.
هذه حجة داحضة، وحجة فاسدة، ما لها مصادمة فيما قاله النبي ﷺ ، والمعارضة لما حذَّر منه ﵊، فهو حذرنا أن نتشبه بأعدائنا، وحذرنا أن نقلد أعداءنا، فكيف نتشبه بهم في الأعياد؟! ثم هذه الأعياد مهما كانت فهي محل الشر والفتن، ومحل البدع، ومحل الغلو والإفراط والزيادة في دين الله، فوجب منعها لكونها بدعة، ولما يترتب عليها في كثير من الأحيان وفي كثير من البلدان من شرور كثيرة، والغلو، والإفراط، والرأي الباطل.
ورسولنا ﵊ بحمد الله لم يزل يُذكر ﵊، ولم يزل يُدعى إلى سنته ﵊، ليس في حاجة إلى الاحتفال بالمولد، فهو لم يُنْسَ حتى يُذكَّر بمولده ﵊، مولده يُدرَّس في المدارس، والسيرة تُدرَّس في المدارس والمعاهد والجامعات والمساجد، لم يُنْسَ ﵊، فسيرته وشريعته وأحكامه ودينه كله يُدرَّس في المدارس وفي المعاهد وفي الكليات وفي المساجد، يُعلَّم ويُدرَّس بين الناس، وذكره لم يزل في اليوم والليلة، في الأذان والإقامة، والصلوات؛ أشهد أن محمداً رسول الله في الأذان خمس مرات في اليوم، وفي الإقامة خمس مرات كل يوم على رءوس الأشهاد أشهد أن محمداً رسول الله، لم يُنْسَ بحمد الله، بل يُذكر على المنابر وفي المساجد وفي الدروس وفي التحيات، في الصلاة مرتين؛ الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفي الفجر مرة واحدة، وهو: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله.
فالرسول لن ننساه بحمد الله، وليس بحاجة إلى إحداث موالد، إنما يأتي بالموالد من نسي أصحابه، ونسي من يجعل له مولداً فيخلد فيه ذكره، في مولده الذي فعل، وبدعته التي أحدث، أما نبينا ﷺ فلا يُنسى بحمد الله، فالمسلمون يذكرونه، ويشهدون له بالرسالة، ويصلون عليه دائماً ﵊، ويتبعون سنته، بل يعظمون أمره ونهيه، ويدرِّسون سيرته وشريعته في مساجدهم ومدارسهم ومعاهدهم وحلقات العلم في كل مكان بحمد الله يوجد فيها مسلمون.
هذه نبذة بما يتعلق بالمولد وبدعة المولد، وليس هذا خاصاً بمولده ﷺ ، بل جميع الموالد كلها بدعة، من البداية بدعة، ومما أحدثه الناس أيضاً تقليداً لأعداء الله: أن بعض الناس يجعلون مولداً لبنته، ولأمه، ولأبيه، ولنفسه، ويقول: هذا مولد فلان.
ويجعل وليمة، وعزيمة، هذا من التأسِّي بالنصارى واليهود، وهذا لا أصل له، هذه من البدع المنكرة، فليس لدينا موالد، نحتفل بها ولا تعظَّم، لا للأولياء، ولا للأنبياء، ولا لغيرهم، بل هي مما قلد فيه الناس الأعاجم من النصارى واليهود وأتباعهم.
وعلينا أن نتبع ولا نبتدع، والله جلَّ وعَلا يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] هذا جزاء من اتبع الأولين من أصحاب النبي ﷺ بإحسان، وسار على نهجهم، جزاؤه أن الله يرضى عنه، ويدخله الجنة .
فعلينا أن نتأسى بهم، ونسير على نهجهم.
وقال جلَّ وعَلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] فنتأسى بالرسول ﷺ وبأتباعه بإحسان من أصحابه ﵃ وأرضاهم، ومن سار على نهجهم، وليس لنا أن نحدث في الدين ما لم يأذن به الله، وليس لنا أن نقلد أعداء الله فيما أحدثوا في دين الله، بل علينا أن نعظم أمر الله ونهيه، وعلينا أن نبادر بأمر الله، وأن ننتهي عن نهي الله، وندعو الناس إلى دين الله وشريعة الله، وأن نحذرهم فيما ابتدعه الناس في دين الله من الموالد وغير الموالد، هذا واجب على أهل العلم والإيمان في كل مكان وزمان.
ولا بد أن منكم من يسمع في الإذاعات بدعاً كثيرة، نسمع المولد في هذا الشهر، والاحتفال في أماكن كثيرة، وتسمعون أيضاً في أوقات أخرى بدعة رجب؛ الإسراء والمعراج، وبدعاً أخرى في أوقات أخرى يبتدعها الناس، فالناس عندهم بدع كثيرة.
стр. 260
أعياد المسلمين المشروعة
فينبغي أن يعلم المؤمن أنَّه ليس لنا إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى، هذه أعياد المسلمين: فيها الاجتماع على صلاة وذكر، وعبادة لله .
عيد الفطر بعدما يسر الله لنا صيام رمضان ومنَّ علينا بصيامه وقيامه جاءت صلاة العيد، والفطر في عيد الفطر شكراً لله على ما أنعم به من نعمة الصيام والقيام.
ولنا عيد الأضحى بعدما منَّ الله على المسلمين بحج بيته الحرام، وما شرع لهم في أيام العيد من الذكر والتكبير، وما حصل في أيام الحج من إكمال الدين، وتمام الدين، حيث أنزل سبحانه في يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] فجائزة النحر شكراً لله على ما أنعم به من نعمة الإسلام ونعمة إكمال الدين، وما شرعه الله لنا في أيام الحج من العبادات، وفي عشر ذي الحجة من الذكر والتكبير والتعظيم لله ، هو عيد مثل الأيام، وهي أيام الحج كلها أعياد، كلها أيام ذكر ودعاء، وأيام تقرب إلى الله ، يوم عرفة، وأيام التشريق كلها عيد للمسلمين، فيها الاجتماع على طاعة الله، من الوقوف بـ عرفة، ومزدلفة، ومن رمي الجمار، ومن ذبح الهدايا، ومن ذكر وتكبير، كلها قربات لله ، وكلها فضل من الله علينا جلَّ وعَلا، أما أعياد جديدة تستحدث وتبتدع فليس لها أصل في دين الله ، ولا يجوز إقرارها، ولا الدعوة إليها، ولا الرضا بها والله المستعان.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين والثبات عليه، وأن يعيذنا جميعاً من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأن يعيذنا من البدع جميعاً، وأن يهدي المسلمين لاتباع سنة نبيه، والاستقامة على دينه، والحذر مما أحدثه المحدثون، والله جلَّ وعَلا أمرنا بالاستقامة على دينه، وحذرنا من البدع والمخالفات، فعلينا أن نستقيم على دينه، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] .
ويقول سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .
إنه تعالى جواد كريم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 261
الأسئلة
стр. 262
الرد على دعوى أن أهل نجد أشد الناس تشدداً في تبديع الأمة
السؤال
إن كثيراً من طلاب العلم في هذه الآونة من الزمان يقولون: إن الذي يجتمع في ليلة مولد الرسول، ويداوم كل سنة على قراءة القصائد والمدائح وغيرها من أنواع الاحتفالات دون وجود الاختلاط مع النساء، المقصود أنهم يقولون: إن هذا المبتدع لا يأثم، وإن علماء نجد أشد الناس تشدداً في تبديع هذه الأمة، وإنه بلغ بهم ذلك بتكفير المالكي الذي رد عليه ابن منيع! نرجو الجواب من سماحة الشيخ، فإنا بحاجة إليه حاجة ماسة؟
الجواب
علماء نجد وعلماء السلف إنما قالوا ما بلغهم عن الله وعن رسوله ﵊، ومعهم في هذا علماء القرون الثلاثة، كلهم على هذا المنهج العظيم، وهو اتباع الرسول ﷺ ، ونبذ البدع، وعدم الإحداث لا في مولد ولا في غيره، ثم تابعهم أهل العلم والإيمان بعد ذلك، تابعوا أهل السنة والجماعة وأصحاب النبي ﷺ ، تابعهم أهل الإيمان في القرون كلها من أهل البصيرة، وعلى رأسهم في القرن الثامن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه بين في كتابه: اقتضاء الصراط المستقم أن الاحتفال بالموالد من البدع المنكرة، كما بين بدعة الاحتفال بليلة الرغائب في رجب وغير ذلك، وهكذا الإمام الشاطبي ﵀ بيَّن بدعة المولد، وهكذا غيرهم من أئمة الإسلام الذين عرفوا هذه المسألة وسمعوا بها، ووُفِّقوا لمعرفة الحقيقة، بينوا أنها بدعة؛ ولا يجوز فعلها ولا إقرارها، والذين تساهلوا في ذلك إنما تساهلوا ظناً منهم أن ذلك لا بأس به، ولم يتفطنوا للأصول المتبعة، والأدلة الصحيحة الصريحة في تحريم البدع، بل غلب عليهم تقليد غيرهم من آبائهم وأسلافهم، والناس إذا عاشوا في شيء ظنوه طيباً، وظنوه سنة؛ لأنهم عاشوا عليه ودرجوا عليه مع أسلافهم، فيصعب عليهم بعد ذلك إنكاره وقد عاشوا عليه ولو كان بدعة منكرة، حتى إن الذين عاشوا على الشرك أقروا الشرك ورضوا به؛ لأنهم عاشوا عليه وعرفوه، فتجدهم عند القبور يستغيثون بأهل القبور، ويقول: يا سيدي فلان انصرني، واشفِ مريضي، وأنا في جوارك، ويرى أن هذا هو الدين، وهو الشرك الأكبر، نعوذ بالله؛ لأنه عاش عليه، وعاش عليه آباؤه وأسلافَه.
وفي هذا الزمان، في السنين الأخيرة، منذ سنتين أو ثلاث، ألَّف المدعو/ محمد علوي المالكي كان شاباً وكان يرجى فيه قبل ذلك العلم والخير؛ ولكنه أخيراً أظهر شيئاً ما كنا نظن أنه يظهره، أظهر أنواعاً من الشرك، وأنواعاً من البدع، وألف كتاباً سماه: الذخائر المحمدية، فأوجد فيه أشياء تدل على جهله بالتوحيد، وجهله بالسنة، ولذلك رد عليه أهل العلم، وردت عليه هيئة كبار العلماء، ورد عليه غيرهم من إخواننا في مصر وغير مصر من أهل العلم والإيمان، وذلك أنه ذكر في كتابه هذا قصائد مضمونها الشكوى إلى النبي ﷺ ، والفزع إليه، وطلبه الغوث والإجارة مما وقع فيه الناس، فهذا يرجع إلى النبي ﷺ لا إلى الله ، يفتقرون إليه ويسألونه الغوث والنصر ويلجئون إليه، ويفزعون إليه، ويقولون: مَنْ يجيرنا ومَنْ ينصرنا إذا لم تنصرنا يا محمد، وإذا لم تجرنا؟ فنسوا الله ولم يلتفتوا إليه، والتفتوا إلى نبينا ﷺ ، ورفعوا إليه شكواهم، وطلبوا منه النصر والتأييد، وهذا هو الشرك الأكبر، وهذا في كتابه: الذخائر المحمدية قصائد موجودة، ذكرناها وبيَّناها للناس.
ورد عليه أخونا الشيخ: عبد الله بن سالم المنيع، وبيَّن هذه القصائد.
وقد ذكر المالكي في كتابه أيضاً أن محمداً ﷺ يعلم الغيب، وهذا كفر أكبر آخر، وقال: إنه يدخل الجنة من يشاء، وهذا كفر آخر، فالجنة بيد الله، هو الذي يعطيها من يشاء ، وجعل هذه الموالد من السنن، وجعل من جهله ليلة المولد أفضل من ليلة القدر، أهذا يقوله عاقل؟ قال: ليلة المولد، ليلة (١٢) من ربيع أول أفضل من ليلة القدر التي قال فيها الرب : ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] فجعل الليلة التي أنزل الله فيها القرآن وجعلها أفضل ليلة جعل ليلة المولد أفضل منها، وسبقه إلى هذا بعض الجهَّال من بعض المغاربة، هذا كله يدل على جهل عظيم ومطبق، والبعد عن معرفة الدين على الحقيقة، فلهذا رددنا عليه ورد عليه غيرنا من أهل العلم؛ لأجل إيضاح الحق، وبيان الهدى، وطالبنا من الدولة وفقها الله أن تمنعه من الحديث في المسجد الحرام، وفي الإذاعة، وفي غير ذلك، حتى يعلن توبته، وحتى يبين رجوعه عن هذا الباطل، لئلا يتأثر به الناس، ولئلا يعلم الطلَبَة الشرك الأكبر بالله، والبدع والمنكرات.
فهذا الذي جرى في هذا الرجل، وألفت فيه المؤلفات في بيان هذا الباطل، وهو رد عليه وعلى غيره من أشباهه، ليس رداً عليه وحده، بل رد عليه وعلى أشباهه، ولا نزال نطلب من ولاة الأمور أن يمنعوه من التدريس في المسجد الحرام، وفي الإذاعة، وفي التلفاز، وفي الصحف، حتى يعلن توبته إلى الله من هذا الشرك الذي وقع فيه، فإذا أعلن توبته من هذا الشرك والبدع فلا بأس، إن أعلن ذلك فهو أخونا في الله، ومتى لم يعلن لنا ذلك فإننا نبرأ إلى الله منه، ونشهد الله على أنه ضل عن السبيل، وكفر بالله بعد الإيمان على ما أحدث من الضلال في كتابه العظيم، ونسأل الله العافية.
والنبي ﷺ يقول: (من بدَّل دينه فاقتلوه) هكذا قال النبي ﷺ ، ولقد جاء معاذ ذات يوم إلى أبي موسى في اليمن الرسول ﷺ بعث أبا موسى إلى اليمن داعياً ومعلماً ومرشداً، وبعث معاذاً أيضاً إلى اليمن، فقدِّر أن أبا موسى بلغ عن يهودي أسلم ثم ارتد، فدعاه أبو موسى واستتابه أن يرجع إلى الإسلام، فأبى، وإذا جيء به مقيداً يُقتل، إن لم يتب يُقتل، فجاء معاذ فقال: من هذا المقيَّد؟ قالوا: هذا رجل أسلم ثم ارتد إلى دينه الباطل اليهودية.
فقال معاذ: لا أنزل من دابتي حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله.
فقال أبو موسى: إنما جئنا به ليقتل إن لم يتب.
قال: ما أنزل حتى يُقتل، ما دام ما أراد التوبة، فلا أنزل حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله.
فالردة عن الإسلام بين المسلمين شأنها خطير، وشأنها عظيم، ونشر الكفر بين الناس في الكتب شأنه خطير، وبلاؤه عظيم.
فالعلوي هو العلوي من الناس زيد أو عمرو إذا أظهر الكفر بالله وجب أن يؤخذ على يديه، ووجب أن يُنهى، ولو كان من أولاد الأنبياء، ولو كان من أولاد الحكومة، ولو كان من أولاد علماء البلاد، ولو كان من أعيانهم، إذا ارتد عن دينه وأظهر كفره وجب أن يؤخذ على يديه كائناً من كان، سواءً كان زيداً أو عمراً والله المستعان.
نسأل الله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يهدي ضال المسلمين جميعاً.
стр. 263
حكم الاحتفال باليوم الوطني وأسبوع الإمام محمد بن عبد الوهاب
السؤال
ما حكم الاحتفال باليوم الوطني، وكذلك أيضاً أسبوع للإمام محمد بن عبد الوهاب، وإذا كانت ليست بدعاً فما الفرق بينها وبين البدع؟
الجواب
اليوم الوطني بدعة، أما أسبوع العلماء من الذي قال: إنه بدعة؟! هذا أسبوع تعرض فيه كتبهم، ما هو باحتفال، هذا أسبوع تُعرض فيه الكتب، إذا قيل: أسبوع لكتاب كذا، وأسبوع لكتاب كذا، وهذا الأسبوع يباع فيه كذا، وأسبوع يباع فيه كذا، ليس هذا احتفالاً، هذا معرض للكتب، وبيان ما ألفه فلان، وما طُبع من كتبه، فإذا قيل: أسبوع لـ محمد، وأسبوع لـ شيخ الإسلام، وأسبوع لـ ابن عبد السلام، وأسبوع للقرطبي، وأسبوع لكذا، تنشر كتبهم، وتباع بين الناس، ليس هذا من البدع، هذا إظهار للكتب وبيع لها ونشر لها بين الناس.
أما اليوم الوطني، والاحتفال باليوم الوطني، أو بأي يوم، أو بليلة الرغائب كل هذا بدعة، كلها من البدع، وهو تشبه بأعداء الله.
стр. 264
خطورة الإعلام في محاربة أحكام الشريعة
السؤال
هناك برامج تُعرض في الصباح؛ حيث يكون الرجال في عملهم، وتهدف إلى محاربة أحكام الشريعة، كتعدد الزوجات، حيث يوجد مسلسل يُعرض فيه نص: من تزوج باثنتين أصيب بالجنون، فلماذا لا تبلغوا الجماعات العليا بهذه المأساة، ولماذا لا يُعرض ما يهدف إلى تعريف الأمة بطرق التربية الإسلامية الصحيحة؟
الجواب
من وجد هذا فليكتب وجزاه الله خيراً، وليبين المسلسل هذا عنوانه، وفي أي ليلة، وفي أي وقت سمع هذا الشيء، حتى نسأل عنه، ونطلب الشريط الذي فيه هذا الشيء حتى نكون على بينة، ينبغي لإخواننا الذين يسمعون هذه الأشياء إذا سمع شيئاً من ذلك أن يبين الوقت والساعة، وعنوان الشريط، إذا كان معه عنوان الشريط، أو عنوان المسلسل، ويعطي ويكتب لنا في ذلك، أو إلى رئيس الهيئات، أو إلى غيره من أهل العلم، أو إلى وزير الداخلية، أو إلى الملك.
يجب أن يفعل ما يستطيع من إنكار المنكر.
стр. 265
بعض شبه من يحتج بمشروعية أعياد الموالد
السؤال
ما هي الشبه التي يوردها مَن يقول بسنية أعياد الموالد، وخاصة مولد الرسول ﷺ ؟
الجواب
سمعت شبهتهم التأسي بأعداء الله؛ من اليهود والنصارى، وهؤلاء يفعلون، ونحن نفعل مثلهم! لماذا لا ما نعظم نبينا مثل تعظيمهم للموالد؟! ديننا معظم بحمد الله، بما شرع لنا ربنا على يديه ﵊، فنحن نعظمه بالصلاة عليه، واتباع سنته، والشهادة له بالرسالة ﵊، والدعوة إلى دينه، وتحذير من خالفه ﵊، لا بالبدع وإحياء الموالد.
стр. 266
حكم التهنئة بأعياد الاستقلال ونحوها
السؤال
ما رأي سماحتكم فيمن يرسل رسالة إلى صديقه أو رئيسه يهنئه فيها بذكرى مولده أو ذكرى استقلال بلاده، وذلك بدون احتفال؟
الجواب
هذا مما يفعل، وليس له أصل، لأنه من عمل المشركين، وهو شيء جديد، ومحدث لنا.
لكن ولي الأمر إذا رأى فيه المصلحة، وصد أهل الفتن، فقد نص أهل العلم أنه يجوز لولي الأمر أن يهنئ الكفار إذا رأى المصلحة الإسلامية في ذلك، وأن يدرأ بها شراً، أو يثبت بها خيراً، من باب درء المفاسد، وجلب المصالح.
стр. 267
حكم عمل المناسبات التي لا تتكرر
السؤال
لقد سمعتُ بعض المشايخ في إحدى دروسه في التلفاز يقول بأنه لا بأس من عمل مناسبة لمولود، أو مناسبةٍ مضى عليها عام، وبما عملته جامعة الرياض بمرور ومضي (٢٥) عاماً على تأسيس جامعة الرياض!
الجواب
إذا لم يتهيئوا إذا تكرر في مناسبة إذا كان لنعمة حدثت فيجمع الناس لأنه قدم من سفر، أو شُفي من مرض، فيدعو أقاربه هذا لا بأس به، العيد لا يتكرر، مثل العادة تتكرر كل سنة أو كل شهر هذا هو العيد، أما إذا أولم وليمة بمناسبة قدومه من سفر، أو مناسبة وليد له يذبح فيه العقيقة يوم السابع، ويدعو بعض مَن شاء مِن أقاربه، أو مناسبة شفاه الله من مرض فيجمعهم ويقيم وليمة، أو ما أشبه ذلك، ليس هذا من البدع؛ هذا من باب شكر الله على نعمه، العيد لا يتكرر، يدور بدور الشهر، أو بدور الأسبوع، أو بدور العام، يُسمى عيداً.
السائل: يعني: من هذا إذاً أعياد الجلاء، والأعياد الوطنية! الشيخ: هذه الأعياد تكرر وتسمى أعياداً.
стр. 268
طلب شفاعة الشيخ إلى الوزير بسفر المدرسين الأجانب في العطلة
السؤال
سماحة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صرَّح معالي وزير المعارف بمنع المدرسين المتعاقدين من السفر إلى بلادهم في إجازة الربيع، ونحن نود أن نسافر إلى أهلنا وزوجاتنا وأولادنا، وذلك على نفقاتنا الخاصة، مع استعدادنا لتقديم كافة الضمانات اللازمة للعودة، نأمل التزكية لدى وزير المعارف وإدارة التعليم بـ الرياض، وجزاكم الله خيراً، حتى نستطيع أن نصل أهلنا وزوجاتنا وأبناءنا.
الجواب
قد كلمناه في هذا في العام الماضي لا في هذا العام، وقال لنا: إنه لا يستطيع؛ لأنه جرب إخواننا المصريين وغيرهم يراهم يتأخرون عن الدروس، ويضيع بعضهم الدروس، فلم نجد حيلة إلا أن نمنعهم من السفر في العطلة؛ لأن العطلة قصيرة، فلن ينفعنا إلا منعهم من السفر؛ لأنهم إذا سافروا يتأخر كثير منهم، هذا يقول: مرضتُ، وهذا يقول: جرى لزوجتي كذا، وهذا يقول: جرى لي كذا، فيتأخرون عن مواعيد رجوعهم، هذه علتهم في هذا الأمر.
وهذا شيء إليهم، نسأل الله أن يوفقهم، وليس لنا فيه دخل، ونسأل الله لهم التوفيق للجميع.
стр. 269
متى يكون العمل بدعة
السؤال
نرجو من سماحتكم توضيحاً مفصَّلاً قدر الإمكان إلى موضوع البدعة، ومتى يكون العمل بدعةً، ومتى يكون سنة حسنة؛ لأن هذا الموضوع يسبب اختلافات كثيرة بين المسلمين؟
الجواب
ليس في البدع شيء حسن، كلها ضلالة، قال النبي ﷺ : (كل بدعة ضلالة) وهو الإمام العادل ﵊، وهو المعلم المرشد ﵊، قال: (كل بدعة ضلالة) .
فلا يجوز لأحد أن يقول: إن بعض البدع ليس بضلالة، فإن هذا معناه الرد على الرسول ﷺ ، ومعناه مخالفة له ﵊، فالذين قالوا: إن البدع أقسام قولهم ليس بصحيح.
فالبدعة كلها ضلالة، ومما زعموا أن من البدع ما يجب، كجمع المصحف الكريم، فليس هذا من البدع، بل هذا من ضبط القرآن، والعناية بالقرآن، ومما شرعه الله .
فالحاصل أنه ليس في البدعة شيء حسن، فكلها ضلالة، كما قاله المصطفى ﵊: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) والتقسيم غير جائز وغير وارد.
وأما ما يروى عن عمر أنه قال في التراويح: [نعمت البدعة هذه] فالعلماء قالوا فيها: إن المراد أنها بدعة من جهة اللغة؛ لأن أهل العربية كل شيء على غير مثال سابق يُسمونه بدعة، فليس مقصوده أنها بدعة في الدين، ولكن جمعه للناس على إمام واحد بعدما كانوا متفرقين، إنه بدعة من جهة اللغة، وإلا فليست بدعة، بل هو سنة، فالتراويح فعلها النبي ﷺ ، وفعلها الصحابة ﵃ وأرضاهم، فهي سنة مؤكدة وليست بدعة.
стр. 270
بيان كفر وضلال المدعو محمد محمود طه
السؤال
بالنسبة لصلاة التراويح في رمضان، يقول المدعو: محمود محمد طه، وهو رجل ظهر في السودان باسم الدين، إن هذه الصلاة التي يصليها المسلمون جماعة بدعة من البدع، كما يقول بتحريم ذبح الأضحية باعتبار أن الخروف مسلم مثل الإنسان المسلم، نرجو من سماحتكم التكرم في الرد على هذه الدعوات وتوضيحها للمسلمين، كما نرجو من فضيلتكم التكرم بالتعاون مع علماء السودان والعالم الإسلامي والمسئولين السودانيين لوضع حد من نشاط هذا الرجل، خاصة أن السودان أكرمها الله تعالى باختيار الطريق الإسلامي أخيراً!
الجواب
هذا رجل ضال مضل، محمود محمد طه ضال مضل، وكافر ضال لا إشكال في أمره، وقد كتبنا لنفس الرئيس، النميري، وإلى مجلس تأسيس الرابطة، والمجلس الأعلى الإسلامي، وكتبنا أن هذا يجب أن يُستتاب وإلا قُتل؛ ولكن لم يفعلوا شيئاً؛ ولكن بلغنا الآن أنه مسجون، ولعله يأخذه في السجن إن شاء الله، فهو ضال مضل، ولو هدى الله النميري لَقَتَلَه؛ ولكن إن شاء الله بعدما حكم الشريعة النميري، وبعدما أظهر تحكيم الشريعة نسأل الله له التوفيق، لعله إن شاء الله يقتله إن لم يتب، فهو ضال مضل، يقول: يُعمل بما كان عليه النبي في مكة، ولا يرى الشرائع التي جاءت في المدينة، ولا يرى جلد الزاني، ولا قطع السارق، ولا رجم الزاني، ولا ولا ولا، كل الشرائع يأتي بها وراء ظهره، كل الشرائع التي جاءت في المدينة ينسفها، فهو ضال مضل.
ومن جهله إذا كان يقول: إن الخروف مسلم، هذا من جهله الكبير، ومن ضلاله العظيم، الرسول ذبح ﷺ ، وضحى بكبشين أقرنين، فهل يقول هذا عاقل يعلم ما يقول؟! هذا رجل جاهل ومن السفهاء.
стр. 271
مسئولية استقدام العمال الكفار إلى جزيرة العرب
السؤال
تفضلتم سماحتكم الأسبوع الماضي بالرد على سؤال الأخ الذي ذكر أن أحد السائقين الكفرة صاحب إحدى الأُسَر، وكانوا حريماً، اصطحبهن إلى إحدى الأفراح، وبعد انتهاء الفرح ذهب بالسيارة إلى إحدى الشركات كما حدث، نحن نلقي عليكم التبعة واللوم؛ لأنكم في وُسعكم أن تمنعوا استخدام هؤلاء الكفرة داخل البيوت، ولا يكلفكم هذا شيء غير أن تتفضلوا بزيارة ولي الأمر، وسوف يسألكم الله؛ لأنكم أنتم المسئولون الأُوَل عن إقامة شرع الله، وأخذاً بالحديث الذي يقول: (لا يبقى في جزيرة العرب غير مسلم) أو كما قال ﷺ ، وجزاكم الله خير الجزاء!
الجواب
لا شك أني من المسئولين، وقد بذلتُ في هذا ما يعلمه الله من الكتابة والمباشرة، مع الملك، ومع غير الملك، وبينا لهم أن هذا منكر، وأنه لا يجوز استخدامهم، ونشرناه في الصحف، وبينا في المجالس هذه مع الملك وفقه الله، ومع ولي العهد، ومع وزير الداخلية، مشافهةً وكتابةً، ونسأل الله لهم التوفيق، وقد صدر تعميم من وزير الداخلية بمنع استخدام السائقين وغير السائقين من الكفرة، من الخدم والسائقين، وأسأل الله أن يمن بمنع حتى العمال، أسأل الله أن يكفينا شرهم.
فالجهود مبذولة، وليس في أيدينا إلا البلاغ، ما في أيدينا المنع، نحن في أيدينا البلاغ فقط، أما المنع فبيد ولاة الأمور، أسأل الله أن يوفقهم ويهديهم.
стр. 272
خطورة مقولة: اللهم اغفر لي قبل أن يدهمك الناس
السؤال
ما مدى تأثير هذا الدعاء المذكور في هذه الورقة على العقيدة، وهذه الورقة مأخوذة من تقويم من بنك الرياض، طباعة دار الأصفهاني بـ جدة، فيه يقول: حجَّ أعرابي، فدخل مكة قبل الناس، وتعلق بأستار الكعبة وقال: اللهم اغفر لي قبل أن يَدْهَمَك الناس؟
الجواب
على العموم: إما جاهل وإلاَّ لعَّاب، يريد الناس يضحكون عليه.
هذا غلط ومنكر، ما يقال للحق: قبل أن يَدْهَمَك الناس، فهذا جاهل جهداً مركباً، أو لاعب مستهتر.
стр. 273
شرح حديث: (من تعلم العلم ليجاري به العلماء)
السؤال
(من تعلم العلم ليجاري به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار) أرجو أن تشرحوا هذا الحديث شرحاً موجزاً!
الجواب
هذا الحديث ضعيف الإسناد؛ ولكن معناه صحيح، من تعلم العلم للمباهاة؛ مباهاة العلماء، أو مجاراة السفهاء، أو لأجل أن يثني عليه الناس، ويقولوا: إنه كذا، وإنه كذا، فهذا مراءٍ، ما قصد وجه الله، فيكون مع المرائين، تُسَعَّر بهم النار، نعوذ بالله، ولهذا قال: فالنار النار، نسأل الله العافية.
فمعناه صحيح، ويحذر من الرياء، وأن الواجب إذا تعلم العلم لا لمباهاة العلماء، ولا لمماراة السفهاء، ولا لأجل صرف نظر الناس إليه، وثنائهم عليه، وتحيتهم له، لا، ولكن يجب أن يتعلمه ليعرف به دينه، وليعبد الله به، وليعلمه الناس، ويدعو إلى شريعة الله وأحكامه، هكذا يجب التعلم، أما من أجل الرياء والسمعة والمباهاة ومماراة السفهاء، أو لأجل حطام الدنيا، فهذا من الرياء الذي حرمه الله، وتوعَّد عليه بالنار، نعوذ بالله من النار.
стр. 274
صحة حديث: (هلك المتنطعون)
السؤال
ما مدى صحة حديث: (هلك المتنطعون) ؟
الجواب
هذا حديث صحيح، رواه مسلم وغيره: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثاًَ ﵊، يُقصد به التكلف والتعمق في الشيء والابتداع، هذا من حجة أهل السنة على أهل البدع، لأن هذا تنطُّع وتكلُّف، فالمتنطع والمتكلف والمتعمق الذي يسأل عن أشياء ويأتي بأشياء ما شرعها الله .
стр. 275
حكم الحلف بالطلاق
السؤال
إنسان طلّق على أنه لا يقعد عند هذا الشخص، وفي يوم من الأيام ذهب إليه، فما حكم ذلك اليمين؟
الجواب
إذا طلق الإنسان لا يقعد عند فلان، أو لا يكلم فلاناً، فله حالات: - إحداهما: أن يقصد منع نفسه ولا يقصد إيقاع الطلاق، إنما قصده منع نفسه من الشيء وشدد على نفسه بالطلاق، ولم يرد إيقاع الطلاق على أهله، وإنما أراد منع نفسه من القعود عنده أو الكلام، فهذا حكمه حكم اليمين على الصحيح، وعليه كفارة اليمين، ولا يقع الطلاق.
- أما إذا أراد وقوع الطلاق، نوى أنه إذا قعد عنده فزوجته طالق، فإنه متى كلمه أو قعد عنده تقع طلقة؛ لأنه طلاق معلق على الشرط، مثلما لو قال: إذا دخل رمضان فزوجته طالق، فإنها تَطْلُق، أو قال: إذا نزل المطر فزوجته طالق، أو قال: إذا حاضت فهي طالق وهكذا.
стр. 276
حكم طلاق السكران
السؤال
شخص طلق وهو في حالة سكر على أن لا يركب السيارة مع أشخاص، ثم ركب معهم؛ ولكن في مقدمة السيارة، والبقية في المؤخرة؟
الجواب
السيارة كلها واحدة مقدمتها أو مؤخرتها، إذا كان عقله معه وقع الطلاق إذا قصد الطلاق، وإن كان عقله ليس معه، تكلم وهو غير عاقل؛ زائل العقل، فهو مثل المجنون، لا يقع طلاقه.
إذا تكلم وهو غير عاقل مثل المجنون فلا يقع طلاقه، أما إذا كان يعقل، فيُسْتَفْسَر، فإن كان أراد منع نفسه من الركوب، مثلما تقدم فيمن طلَّق ألا يكلم فلاناً ولا يقعد عنده، وإن كان حلف بالطلاق، وليس قصده فراق زوجته، وإنما قصده منع نفسه من الركوب والتشديد على نفسه، فهذا حكمه حكم اليمين، وعليه الكفارة، فإن كان أراد إيقاع الطلاق وركب وقع الطلاق على زوجته، يقع عليها طلقة في ذلك إذا كان عقله معه، سواءً ركب في مقدمها أو في مؤخرها؛ إلا إذا قال: لا أركب في مقدمها أو مؤخرها فعَيَّنَ، فهو على ما عَيَّنَ، وهذا نوع.
стр. 277
حكم قصر الصلاة في مطار الرياض لأهل الرياض
السؤال
ما حكم الصلاة في المطار الجديد، علماً بأنه يبعد عن الرياض نحو (٥٣كم) ، هل نصلي ركعتين أو أربع ركعات؟
الجواب
يصلي صلاة مقيم، لأنه مِن توابع الرياض، مِن تَبَعِها، مِن تَبَعِ البلد، والبناء حوله.
стр. 278
حكم الإمام الذي يكثر الحركة في الصلاة
السؤال
إمام كثير الحركة في صلاته، فما حكم صلاته وصلاة من خلفه؟
الجواب
يُعَلَّم ويُنْصَح، ويُبَيَّن له أنه لا يجوز الحركات الكثيرة المتوالية، وأن الواجب علينا الخشوع والطمأنينة، فإذا كثرت الحركات وتوالت من دون ضرورة بطلت الصلاة.
فالواجب أن يُنْصَح ويُوَجَّه إلى الخير ويُنَبَّه، لأن بعض الناس، قد لا ينتبه فيجب أن يُنَبَّه ويُحَذَّر.
стр. 279
حكم من صلى في جورب فيه ثقب
السؤال
رجل يمسح على جوربه، وبعد صلاة الظهر مباشرة وجد فيه ثقباً، ولا يدري كم صلاة صلاها بهذا الثقب!
الجواب
إذا كان الثقب خفيفاً قليلاً لا يضر فصلاتُه صحيحة، وإن كان الثقب واسعاً كثيراً تعيد الصلاة الأخيرة فقط، يتوضأ ويصلي.
стр. 280
حكم من أحرم للعمرة من جدة وهو ليس من أهلها
السؤال
ذهبت إلى العمرة واعتمرت من جدة، فهل عليَّ هدي؟
الجواب
إذا كنتَ من أهل جدة يكفي، أما إذا كنت جئت من مكان آخر من الرياض أو من الطائف، وأنت تقصد العمرة، ولكن ما أحرمت إلا من جدة، فقد تجاوزت الميقات، فعليك دم لأنك تجاوزت الميقات، إذا كنت جئت من مكان بعيد عن جدة، كأن جئت من الطائف، أو جئت من رابغ، وأنت من أهل رابغ، ولا أحرمت من رابغ، ونويت العمرة وأنت في رابغ، ولا أحرمتَ منه، يكون عليك ذبيحة، تكفيراً لعمرتك وجبراً لها.
أما إذا كنت من أهل جدة فلا بأس، أو كنت جئت جدة ما نويت شيئاً، سافرت من الرياض أو من المدينة أو من غيرها إلى جدة، وما عندك نية عمرة، فلما كنت في جدة طرأ وبدا لك أخيراً أن تعتمر فلا بأس، تحرم من جدة ولا شيء عليك، لأنك ما نويت العمرة إلا منها، فلا بأس.
стр. 281
حكم التسمي بنور الدائم ووداعة الله وغلام الله
السؤال
يوجد معنا زميل يسمى: نور الدائم بن وداعة الله بن غلام الله، فهل هذا الاسم جائز؟ وهل يجوز لنا كتابة هذا الاسم في الوثائق والشهادات؟ وماذا يفعل الموظف إذا قابله ذلك الاسم أثناء عمله في المستندات؟
الجواب
لا نعرف شيئاً في وداعة الله، وكل الناس وداعة الله، نعم.
السائل: وغلام الله يا شيخ؟ الشيخ: غلام الله لا يجوز، ونور الله مثل أي مخلوق، لو غُيِّر يكون أحسن، المقصود كلها من الله، هو الذي خلقها.
السائل: هناك جار الله! الشيخ: جار الله كذلك.
السائل: وجاب الله؟ الشيخ: وجاب كذلك.
السائل: بعض الناس يسمون غلام الرسول من الباكستانية! الشيخ: غلام الرسول لا يجوز، غلام الرسول وعبد الرسول لا يجوز، أما عبد الله وغلام الله، فهذا لا بأس به.
السائل: وعبد النبي؟ الشيخ: وعبد النبي لا يجوز، عبد النبي وعبد الحسين، كل هذا لا يجوز، هذا من عمل الرافضة، التعبد بغير الله لا يجوز، أما نور الله فهو تعبير ليس بطيب، ينبغي أن يغيَّر.
السائل: نور الدائم؟ الشيخ: نور الدائم إذا كان أراد به الله، الدائم الله، فنور الله ينبغي أن يغيَّر، لئلا يُظَن أنه نور الله الذي هو صفة الله ، فإن النور نورين: - نور هو صفة الله ، وهذا يختص به سبحانه.
- ونور مخلوق، من جنس الأنوار، مثل: الشمس، والقمر، وغير ذلك، هذه أنوار مخلوقة.
ونور الإسلام مثل الأنوار المخلوقة، فينبغي له أن يغير هذا الاسم، حتى لا يوهم.
السائل: جار الله يا شيخ ليس فيه شيء؟ الشيخ: ليس فيه شيء.
стр. 282
حكم الصور التي تظهر في صفحات المجلات
السؤال
نسأل عن حكم الصور التي تظهر في مجلة الدعوة الإسلامية التي كانت من قبل هي قدوة كل الصحف؛ لأنها خالية من الصور، هل إذا وُضعت في الغرفة مثلاً نخشى ألا تدخل الملائكة علينا فيها؟
الجواب
ينبهون إن شاء الله، والأولى والأحسن أن يُقطع الرأس، إذا قُطع الرأس بحبر أو غيره انتهى الموضوع.
السائل: أو يُطمس.
الشيخ: إذا طُمس الرأس كفى، أو طُمس بالحبر كفى.
стр. 283
حكم ذهاب المرأة إلى طبيبة كتابية للعلاج
السؤال
مرضت امرأة ولم تجد في بلدها غير طبيبة كتابية وطبيب مسلم، فأيهما تختار؟ وهل هناك اختلاف لو كانت الكتابية احتمال أن تؤذيها أم لا؟
الجواب
إذا كان المقصود يحصل بالطبيبة الطبيبة الكتابية فتختار المرأة؛ لأنها أسهل وأسلم، وتحذر من شرها إن كان هناك شر، وإن ذهبت لطبيب مسلم من باب الاحتياط فالأمر في هذا واسع متقارب؛ لأن هذه كتابية وفيها شر، وهذا رجل والمرأة عورة، فالأمر متقارب؛ ولكن إذا كانت الطبيبة معروفة بالأمانة، ولها معرفة بالطب جيدة، فلا بأس في ذلك.
стр. 284
حكم جلوس الرجال مع النساء غير المحارم
السؤال
إخوة يجلسون مع بعض زوجاتهم في جلسة واحدة لتناول القهوة أو للذكر، فهل هذا جائز، وإن كان جائزاً فما حكم من لم يكونوا إخوة وهم على هذه الصورة؟
الجواب
ليس لزوج الأخت ولا لزوجة الأخ ونحو ذلك الجلوس مع أخي زوجها، وليس للمرأة مع زوج أختها أن تبدي له شيئاً من محاسنها، لا الوجه ولا غيره، بل عليها التستر في ذلك، فإن جلست معهم مع الحجاب والتستر وعدم التبرج فلا بأس، إذا جلست وسلمت عليهم باللسان مع الحجاب الشرعي في وجهها وسائر بدنها فلا بأس ولا حرج، أما أن تجلس وهي تبدي لهم محاسنها فلا يجوز، حتى ولو كانت غير جالسه معهم، ولو كانت في مكان آخر، ليس لها أن تبدي محاسنها، فعليها أن تحتجب عن زوج أختها، وعن أخي زوجها، وعن عم زوجها، وعن سائر أقاربها غير المحارم مطلقاً.
стр. 285
حكم المصافحة بعد الصلوات
السؤال
ما حكم من يصافح الذي على يمينه وعلى شماله دائماًَ بعد صلاة الرواتب، أي: السنن قبل الفريضة في المسجد؟
الجواب
لا حرج، فالسنة عند المقابلة المصافحة، كان الصحابة يصافحون النبي ﷺ ، يقول أنس ﵁: (كان أصحاب النبي ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا) فإذا لقي أخاه في الصف صافحه قبل الصلاة أو بعدما يصلي الراتبة أو تحية المسجد، فهذا سنة.
السائل: وإذا كان يقرأ يا شيخ؟ الشيخ: ولو يقرأ، فليصافح أخاه.
السائل: لا يا شيخ، إذا تسننتُ أنا ووجدتُ الذي بجانبي يقرأ.
الشيخ: تصافحه ولو كان يقرأ، من السنة عند اللقاء أن تسلم على أخيك.
следующие страницы →