← Джавами‘

Джавами‘ · id 7680

دروس للشيخ عبد العزيز بن باز

ابن باز

Полный текст (499 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

التحذير من الظلم وعاقبته الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) . هذا يدل على أن الظلم والشح عواقبهما وخيمة والظلم هو العدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وحقوقهم، ولهذا حذر منه الرسول ﵊، والله جل وعلا حذرنا منه في كتابه، فقال: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ [الفرقان:١٩] وقال: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى:٨] . فالظلم عاقبته وخيمة، وشره عظيم، وأعظم الظلم الشرك بالله ، والكفر به ، فهو أعظم الظلم: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] ، ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤] ، فأعظم الظلم وأقبحه الشرك بالله وسائر أنواع الكفر به ؛ لأن المشرك والكافر ظالم واضع العبادة في غير موضعها، فلما وضع العبادة في غير محلها صار من أظلم الظالمين. ومن الظلم: التعدي على الناس في الدماء والأموال والأعراض، إما بقتل أو بجرح وضرب، وإما بخيانة الأموال بالغش والخيانة والسرقة والغصب، وغير هذا من وجوه الخيانات. وهكذا الرشوة كلها من الظلم، فالواجب على المؤمن أن يحذر أنواع الظلم كلها، ينبغي على المؤمن أن يكون في غاية الحذر من جميع أنواع الظلم. ومن الظلم: أن تغش إخوانك في المعاملات؛ سواء كانت المعاملة بيعاً، أو إجارة، أو شركة، أو زراعة، أو مساقاة، أو غير ذلك من أنواع المعاملات، فالذي يجعل ظواهر الأمور غير بواطنها، ويغش الناس في الباطن وفي الظاهر ما يضرهم، هو ظالم وخائن للأمانة والعياذ بالله! وكذلك الأعراض: الغيبة والنميمة، والشتم والسب، كل هذا من ظلم الأعراض، فيجب الحذر، ويجب حفظ اللسان عن الغيبة والنميمة، والسباب والكذب، وغير هذا من أنواع الظلم القولي. وأما الشح فهو شدة الحرص على المال مع البخل به، يكون شديد الحرص على المال وعلى جلبه وتحصيله ووسائل جمعه مع البخل به، وعدم أداء الواجب، هذا هو الشحيح، ولهذا قال : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] من وقاه الله شح النفس فقد أفلح، فالشحيح جامع بين الحرص على المال بكل وجه بحق وباطل، ومع ذلك بخيل في أداء الواجب، ولهذا قال ﵊: (حملهم -يعني: الشح- على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) فقد يحمل حب المال على سفك الدماء بغير حق، وعلى السرقات والخيانات، وعلى قطيعة الرحم، وعلى عقوق الوالدين، وعلى إيذاء الجار، وعلى غير ذلك من الشرور بأسباب شحه وحرصه على المال. فيجب الحذر، ويجب أن يكون المؤمن نزالاً للمعروف، منفقاً في وجوه الحق، ليس بخيلاً ولا شحيحاً، ينفق المال في وجهه، ويطلبه من وجهه لا يطلبه من طريق الحرام، ولا ينفقه في الحرام، ولا يبخل به عن الحق، بل يكون جواداً كريماً ينفق المال في وجوه الحق، ويطلبه من طريق الحق، لا من طريق الظلم والخيانات والكذب ونحو ذلك مما حرمه الله . وينبغي أن يكون باذلاً لوالديه وأرحامه وقراباته، في وجوه الخير ووجوه المعروف، هكذا يكون المال، ولا خير في المال إذا كان لا ينفع في هذه الأمور، وأي قيمة للمال إذا كان يشح به صاحبه ويبخل به عن وجوه الحق؟ فسوف يكون وبالاً عليه وشراً عليه في الدنيا والآخرة، فالمال إنما يراد للإنفاق والإحسان وأداء الحق، وحماية الوجه عن الحاجة إلى الناس، قال جل وعلا: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد:٧] . هكذا المؤمن له أجر عظيم في إنفاقه في وجوه الخير وطرق الحق، وعليه وزر عظيم في الشح والبخل وعدم إنفاق المال في وجهه. رزق الله الجميع التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 317

تفسير سورة التكاثر الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فيقول الله : بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:١-٨] . في هذه السورة العظيمة يحذر الله عباده من الاشتغال بالتكاثر حتى يهجم عليهم الأجل، وحتى يزوروا القبور على غفلة، ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١-٢] ، تحذير من هذا الأمر العظيم الذي يقع فيه الأكثرون، وهو الالتهاء والاشتغال بالتكاثر في الأموال والأولاد حتى تهجم المنايا، وحتى تنقل الأجساد إلى القبور، ينبغي للعاقل أن ينتبه لهذا، الموت لا بد منه، ولا بد من زيارة القبور شئت أم أبيت، كما زارها من قبلك، ونقل إليها من قبلك، فيجب عليك أن تعد العدة قبل أن تنزل المنية. ثم يقول سبحانه بعد هذا: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٣-٤] وعيد لهؤلاء، أي: سوف يعلمون مغبة تفريطهم، ومغبة اشتغالهم عن الآخرة والإعداد لها. ثم قال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٥] لو تعلمون علم اليقين، وما وراءكم من الأهوال والأخطار والعقوبات الوخيمة لمن شغل بالدنيا عن الآخرة؛ لما فعلتم هذا الأمر، ولما شغلتم بالتكاثر عن الإعداد للآخرة، ولكن جهل الأكثرين بالله، وجهلهم بالعاقبة، وجهلهم بالأخطار العظيمة، هو الذي جرأهم على الاشتغال بالأموال، والتكاثر في الأموال والأولاد عن الإعداد للآخرة، فالأمر عظيم وخطير. ثم يقول بعد هذا: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٦] ، الجحيم لا بد أن تراها، يوم القيامة تبرز للناس ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء:٩١] لابد أن تبرز، وقد جاء في الحديث الصحيح أنها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام بسبعين ألف ملك، يجرونها لإبرازها للناس -نسأل الله السلامة والعافية- وأمرها خطير ولا حول ولا قوة إلا بالله! فينبغي للمؤمن أن يتذكر هذا اليوم وأن يعد له عدته. ثم يقول: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٧] مشاهدة بالعين، يشاهدها الإنسان بعينه يوم القيامة. ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] عن نعيم الدنيا، من المآكل والمشارب والمناكح والمراكب وغير ذلك، وما أعطى الله العبد في هذه الدنيا من أنواع النعيم، سوف يسأل يوم القيامة هل أدى حقها؟ هل شكرها أم ضيعها وفرط وتساهل؟ هذا الأمر يوجب للمؤمن الانتباه واليقظة. يقول سبحانه في هذا: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢] يبين أنها زيارة للمقابر وليست مقراً، وبعض الناس يقول: انتقل إلى مقره الأخير، ليس هذا مقره الأخير، إنما هو مقر عارض ينقل منه إلى يوم القيامة، هذا القبر ليس مقراً أخيراً؛ إنما هو زيارة ثم ينتقل من هذه الزيارة إلى المحشر إلى يوم القيامة بين يدي الله، ثم ينقل إما إلى الجنة وإما إلى النار، فالمقر الأخير الجنة أو النار. أما القبر فهو برزخ، منزلة من المنازل يزورها الإنسان بعد الموت، ثم ينقل منها إما إلى نار وإما إلى نعيم. فينبغي للعاقل أن ينتبه لهذه الزيارة، فهي زيارة خطيرة، إما أن تكون زيارة إلى روضة من رياض الجنة، أو إلى حفرة من حفر النار، ثم بعده ما هو أشد منه، فينبغي أن يكون على بال العاقل، وأن ينتبه لهذا الأمر ولهذه الزيارة بعد التشاغل والتكاثر بالأموال والأولاد، وأنها زيارة خطيرة لمن زار هذه القبور: هل يزورها بعمل صالح وتقوى لله أو بتفريط وإضاعة ولهو وتشاغل عما خلق له من طاعة الله وعبادته؟ رزق الله الجميع التوفيق والإعداد، وهدانا وإياكم إلى صراطه المستقيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 318

النصيحة وأنواعها باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فقد ثبت عن رسول الله ﵊ أنه قال: (الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم) . هذا الحديث العظيم الجليل يدل على عظم شأن النصيحة، وأنها الدين؛ لأن المسلمين متى تناصحوا فيما بينهم، وتعاونوا على البر والتقوى، وتواصوا بالحق والصبر عليه استقام أمرهم، وعلا شأنهم، واتحدت كلمتهم وصفهم، ونصرهم الله على عدوهم، ومتى تخاذلوا، وغش بعضهم بعضاً، وخان بعضهم بعضاً؛ تفرقت الكلمة، وتكدرت القلوب، وحصل التباغض والفرقة والاختلاف، ولهذا أرشدهم النبي ﷺ إلى النصيحة، فقال: (الدين النصيحة) والنصيحة هي الإخلاص في الأمور، وعدم الغش فيها والخيانة أن يكون كل واحد ناصحاً في أعماله كلها ناصحاً في عمله لله، وفي عمله في كتاب الله، وفي عمله مع رسول الله ﵊، وفي عمله مع الأئمة والقادة، وفي عمله مع العامة، هكذا يكون المؤمن ناصحاً أينما كان، وفي أي عمل كان. الدين النصيحة، يقال: ذهبٌ ناصح، أي: خالص ليس فيه غش، ويقال: عسل ناصح، أي: مصفى ليس فيه شيء من الغش ولا من الشمع، فالمعنى: الدين الإخلاص والصدق والصفا في كل شيء من أمور العبد مع ربه، ومع القرآن، ومع السنة، ومع العامة ومع الخاصة.

стр. 319

معنى النصيحة لله ولكتابه ولرسوله فالنصيحة لله: الإخلاص في العمل، وأداء العمل كما شرع الله في جميع أعماله من صلاة وغيرها، أن يكون ناصحاً لله في كل أعماله في إيمانه بالله، وفي عبادته إياه، وفي جميع الأعمال التي شرعها الله ، يؤديها كما أمر الله كاملة تامة، ليس فيها غش ولا خلل ولا نقص، بل يؤديها بغاية العناية والإخلاص والتمام والكمال. وهكذا ينصح في كتاب الله العزيز، بتدبره والعمل بما فيه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، وتنفيذ أوامره والانتهاء عن نواهيه، والاعتبار بأمثاله وقصصه إلى غير ذلك، والنصح في القرآن من جميع الوجوه. وهكذا النصح لرسول الله ﷺ ؛ أن يمتثل أوامره، وينتهي عن نواهيه، عن إيمانٍ به وتصديق، وعن اعتقاد أنه رسول الله حقاً، وأن الواجب اتباعه والقيام بما شرع، عن إخلاص وصدق، وعن رغبة ورهبة وصفاء، لا عن غش وخيانة، ولا عن تفريط وإضاعة، بل يعمل بما أمر الله به ورسوله، إيمان المصدق والمخلص، هكذا المؤمن في أعماله كلها، يكون صادقاً مخلصاً، يعتني بعمله، وينقيه من كل عيب، من غش وخيانة وكذب وغير ذلك.

стр. 320

معنى النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم أما النصيحة لأئمة المسلمين: فبالنصح لهم من جهة طاعته بالمعروف، ومن جهة جمع الناس عليهم حتى يستقيموا على طاعته بالمعروف، ومن جهة الدعاء لهم بظهر الغيب، ومناصحتهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، بالأساليب الحسنة والطريقة التي تكون أقرب إلى النجاح، وهو مع ذلك يفعل ما يستطيع من كل ما يعين على جمع الشمل، ورأب الصدع، وتوحيد الصف، والتعاون على البر والتقوى مع ولاة الأمور، أمير بلده شيخ قبيلته محكمته جميع من لهم شأن، يتعاون معهم بالنصح والتوجيه والإعانة على الخير، وغير هذا من جوه التعاون الذي يترتب عليه صلاح المجتمع. وهكذا النصح للعامة، بنصيحتهم لله، وتعليمهم وإرشادهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر إلى غير هذا مما ينفع العامة ويعينهم على طاعة الله ورسوله. وهذا جماع الدين التناصح بين الجميع لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، من سلطان وأمير وقاضٍ، وداعية إلى الله ، وشيخ قبيلة وأعيان بلاد وغير ذلك، كل من له أمر، وله إمامة، ويقتدى به؛ فالواجب التناصح معه وإعانته على الخير حتى تستقيم الأحوال، وحتى تتحد الكلمة في طريق الله الذي شرعه لعباده. وفق الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى وآله وصحبه أجمعين، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 321

آداب الجلوس على الطرقات الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فقد ثبت عن رسول الله ﵊ أنه قال: (إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا: يا رسول الله! ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال: فأما إذا أبيتم فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) . يبين ﷺ أن الجالس في الطريق ومثله المار في الطريق عليه حقوق ينبغي له أن يعتني بها وأن يؤديها. - غض البصر عن عورات إخوانه. - كف الأذى القولي والعملي. - رد السلام على من سلم عليه. - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا من حق الطريق على من كان في الطريق، على بابه، أو في أي مجلسٍ من المجالس على الطريق، أو كان ماشياً في الطريق كذلك، عليه أن يلاحظ هذه الأمور التي بينها الرسول ﵊، وهي أن يكون غاض البصر، لا ينظر إلى عورات الناس، فإن الطرق تجمع من يعتني بعورته ويتحفظ ومن يتساهل، فالواجب غض البصر وإنكار المنكر، مع كف الأذى لا يؤذي الناس بلسانه، ولا بأعماله قد يكون بعض الناس مبتلىً بالغيبة والكلام السيئ في حق من يمر عليه، وبعض الناس مبتلىً -أيضاً- بالإيذاء بالفعل، بإلقاء ما يؤذي الناس في الطرقات من مياه أو أحجار أو عظام أو غير هذا مما يؤذي الناس. كذلك رد السلام كثير من الناس يتكبر ولا يبالي بالسلام، ويعرض عمن سلم عليه لا يبدأ ولا يرد، وهذا من ضعف الإيمان، قال ﵊: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) فإفشاء السلام من أسباب المحبة في الله، ومن أسباب قوة الإيمان، ولهذا قال ﷺ : (والذي نفسي بيده) حلف وهو الصادق، وإن لم يحلف ﵊، (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا -أي: الإيمان الكامل- حتى تحابوا -أي: حتى تحابوا في الله- أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) وسئل ﵊: (قيل: يا رسول الله! أي الإسلام أفضل؟ قال: أن تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) . وقال ﵊ لما قدم المدينة: (أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام) . وكثير من الناس إنما يسلم على من يعرف من أصحابه، أما من لا يعرف من المسلمين فلا يبالي، فلا يبدأ بالسلام ولا يرد السلام، وهذا لا شك من الجهل ومن ضعف الإيمان ومن قلة الآداب الشرعية. ومن الواجبات -أيضاً- على أهل الطريق: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن الطرق يقع فيها ما يقع من التقصير، ومن ظهور بعض المنكرات، فالواجب على المؤمن إذا رأى شيئاً في الطريق ألا يسكت، بل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإذا رأى من هو جالس وقد أذن المؤذن فيقول: اتق الله يا عبد الله، والصلاة الصلاة بارك الله فيك، حتى يشجع غيره على أداء هذا الواجب العظيم على أداء عمود الإسلام في الجماعة، وإذا رآه يتعاطى منكراً من غيبة أو نميمة أو ما أشبه ذلك أنكر عليه إذا ذهب إلى الحلاق ليحلق لحيته أنكر عليه رآه يتعاطى التدخين أنكر عليه رآه يتابع النساء أنكر عليه وهكذا إذا رأى متبرجة من النساء أنكر عليها، وأمرها بالستر والحجاب، والبعد عن أسباب الفتنة وهكذا، وغير ذلك من المنكرات التي تقع في الأسواق. وإذا رآه -أيضاً- قد قصر في معروف أنكر عليه، فإن المؤمن أخو المؤمن، يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ولا يسكت، ولهذا قال ﵊: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه) أخوه لا يظلمه في نفس ولا مال ولا عرض، ولا يخذله وهو إسلامه بتركه لمن يظلمه، ولكن يساعده على الخير، ويدافع عنه الشر، ويعينه على طاعة الله ورسوله، ويعينه على ترك معصية الله. رزق الله الجميع التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 322

أحكام متابعة المؤتم للإمام في الصلاة الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فقد ثبت عن رسول الله ﵊ أنه قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) . هذا الحديث العظيم يدل على وجوب متابعة المأموم للإمام، وأنه ليس لهم أن يسابقوه ولا أن يوافقوه، بل عليهم أن يتابعوه، فلا مسابقة ولا موافقة، ولكن بالمتابعة المتصلة، فإذا انتهى من التكبير كبروا، وإذا استوى راكعاً ركعوا، وإذا استوى قائماً قاموا وهكذا لا يسابقونه ولا يوافقونه، ولا يشرعون في الركن إلا بعد إنهائه إياه، واستقامته فيه، ولا يكبرون حتى ينقطع صوته، هكذا أمر ﵊، وقال: (إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف للسلام) ولكن يتابع الإمام، فإذا كبر وانقطع صوته كبر المأموم، وإذا استوى راكعاً وانقطع صوته ركع المأموم، وإذا رفع وانقطع صوته رفع، وإذا سجد وانقطع صوته سجد، وهكذا إذا سلم سلم بعده. هذا هو الواجب على المأموم مع إمامه، مع العناية بالطمأنينة والخشوع وعدم العجلة، فلا مسابقة ولا عجلة، ولكن يطمئن في صلاته ويخشع فيها لله ولا يسابق إمامه، فالطمأنينة أمر لازم، وفريضة في جميع الصلوات الفرض والنفل، الإمام والمأموم والمنفرد، يجب على الجميع أن يؤدوا الصلاة في غاية من الطمأنينة وعدم العجلة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١-٢] . ولما رأى النبي ﷺ رجلاً لا يتم صلاته، ولا يتم ركوعها ولا سجودها أمره بالإعادة، وقال: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ) ثم علمه كيف يصلي، وهكذا المأموم مع الإمام ليس له مسابقة ولا موافقة، ولكن يطمئن ولا يعجل، ثم يتابع إمامه في ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده، متحرياً انقطاع صوته، وانتقاله من ركن إلى ركن ثم يتابع، فلا مسابقة لا في التكبير ولا في غيره ولا موافقة. رزق الله الجميع التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 323

التوبة وشروطها الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فيقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] . يأمر سبحانه عباده المؤمنين بأن يتوبوا إليه من جميع ذنوبهم، ويخبر سبحانه أن في ذلك الفلاح، أي: الظفر والفوز والسعادة، وإذا كان المؤمنون يؤمرون بالتوبة فكيف بحال غيرهم؟ إذا كان المؤمن يؤمر بالتوبة وهو محل الوعد بالجنة؛ لأنه لا يخلو من تقصير وتفريط فكيف بحال غيره من الناس؟ فالتوبة لازمة لجميع المكلفين من الكفرة والمسلمين جميعاً، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وتوبة الكافر دخوله في الإسلام وندمه على ما مضى منه، وعزمه على ألا يعود في ذلك، وهذه أعظم وأكبر نعمة، أن يتوب الكافر من كفره إلى الإسلام، وأن يلتزمه خوفاً من الله، وتعظيماً له، وإخلاصاً له، ومحبة له، وتوحيداً له، واتباعاً لرسول الله ﵊، ولهذا قال ﵊: (الإسلام يهدم ما قبله، والتوبة تهدم ما قبلها) . ومن أحسن في الإسلام غفر له ما مضى من ذنوبه وسيئاته، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر، ولا حول ولا قوة إلا بالله! والعاقل يتذكر دائماً أنه لا يعلم ما يعرض له، ولا يعرف متى يهجم عليه الأجل، فلذلك يسارع إلى التوبة ويلازمها في جميع حالاته، وفي جميع زمانه، يخشى أن يلقى الله وهو غير تائب؛ فلهذا يبادر بالتوبة في جميع الأحوال، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] ، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم:٨] الآية، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥-١٣٦] فالتائب يقلع عن الذنوب ولا يصر عليها، فليبادر بالتوبة والإقلاع والندم والعزم الصادق ألا يعود، هكذا التائب. والتوبة الصادقة النصوح تشمل أموراً: ١- الندم على الماضي من السيئات. ٢- والإقلاع منها وتركها خوفاً من الله وتعظيماً له. ٣- العزم الصادق ألا يعود إليها، لا يصر؛ بل يعزم بقلبه عزماً صادقاً أنه لا يعود إليها، هذه هي التوبة الصادقة النصوح. ٤- رد المظالم، إذا كان عنده مظالم لابد من ردها إلى أهلها، أو استحلالهم منها حتى تتم توبته من سرقة، أو خيانة، أو غصب، أو ضرب، أو سفك دماء، أو غير هذا، لا بد من رد المظالم إلى أهلها أو استحلالهم منها، وإلا ستبقى عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله! والخلاصة أن على المؤمن أينما كان أن يلزم التوبة، ويحاسب نفسه، وأن يندم على سيئات أعماله، وأن يقلع عنها ويتركها ويحذرها خوفاً من الله وتعظيماً له، وأن يعزم عزماً صادقاً ألا يرجع إليها، وبذلك تغفر ذنوبه، وتحط سيئاته، ويقبل الله توبته، إلا أن تكون هناك مظالم في مال أو عرض أو نفس فلا بد من ردها إلى أهلها أو استحلالهم منها. فعليك أيها الأخ في الله عليك أيها المؤمن! أن تتذكر أنك على خطر، وأنك متى أصبحت لا تدري هل تمسي، ومتى أمسيت لا تدري هل تصبح، فالزم التوبة دائماً ولا تمهل ولا تؤجل ولا تسوف، بل بادر بالتوبة دائماً؛ لعل الله أن يتوب عليك. وفق الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 324

خطورة السخرية والاستهزاء بالمؤمنين الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فيقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١] يبين الله في هذه الآية الكريمة مسائل أربع، ويحذر منها جل وعلا:

стр. 325

حرمة السخرية الأولى: السخرية من الرجال بعضهم ببعض، أو النساء، وأن الواجب على المؤمن أن يحذر السخرية من أخيه والاستهزاء بأخيه، فربما كان المستهزأ به أفضل عند الله وخيراً من هذا المستهزئ الساخر المتنقص، وهكذا النساء مع بعضهن، ولهذا قال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ذكرهم بالإيمان الذي يجب أن يمنعهم مما حرم الله ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ﴾ [الحجرات:١١] لا تسخر من فقره، أو دمامته، أو عرجه أو غير هذا من الأسباب، وكذلك المرأة لا تسخر من أختها ولا من أخيها، بل يجب على المؤمن أن يشكر الله إذا حباه فضلاً على غيره، وأن يحمد الله الذي عافاه مما ابتلى به غيره، أما أن يسخر ويستهزئ فذلك من نقص العقل والدين.

стр. 326

حرمة اللمز والعيب المسألة الثانية: يقول جلا وعلا: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] اللمز: العيب، لا يعب بعضكم بعضاً، لا تعب أخاك بشيء ابتلاه الله به، من نقص في ماله، أو في جاهه، أو في خلقته أو نحو ذلك، فإن هذا يشبه الاستهزاء، فالواجب عليك أن تحمد الله وتشكره على ما أعطاك من النعم، وألا تعيب أخاك وتلمزه. واللمز هو المسمى: العيارة، أن يعيره بشيء فيه من النقص، هذا لا يجوز، وهو من أسباب البغضاء والشحناء، ومن أسباب العداوة والفرقة ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] أي: لا يلمز بعضكم بعضاً ولا يعيب بعضكم بعضاً؛ سواء بأشياء خارجية من فقر أو غير ذلك، أو داخلية من نقص في خلقته يعيبه بذلك.

стр. 327

حرمة التنابز بالألقاب المسألة الثالثة: قال تعالى: ((وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ)) [الحجرات:١] التنابز التداعي بالألقاب القبيحة: يا حمار! يا فاجر! يا كافر! يا قبيح! يا أعرج! يا كذا! يدعوه بألقاب لا يرضاها، هذا -أيضاً- من أسباب الشحناء والعداوة والبغضاء، وربما أفضى إلى القتال والفتن، فالواجب أن يدعوه بالأسماء الطيبة، والأسماء التي يحبها: يا فلان يا محمد يا أبا عبد الله أما أن يدعوه بأسماء أو بعبارات وألقاب يكرهها، فهذا هو التنابز بالألقاب، فيجب الحذر من ذلك؛ لئلا يجر إلى الفتن والشحناء والعداوة والبغضاء، ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ﴾ [الحجرات:١١] فبين لنا أن من تعاطى هذه الأمور يكون فاسقاً، فكيف يرضى بحاله أن يكون بعد الإيمان فاسقاً خارجاً عن طاعة الله جل وعلا؟ والفسوق هو الخروج عن الطاعة.

стр. 328

التوبة إلى الله تعالى من جميع المعاصي المسألة الرابعة: ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١] يبين سبحانه أن من أصر على المعاصي فهو ظالم، ومن تاب فقد أفلح من أصر على المعصية ولم يتب فهو ظالم لنفسه، متعرض لغضب الله، فالواجب البدار بالتوبة من المعصية، وعدم الإصرار عليها، فمن بادر بالندم والإقلاع وعدم الإصرار والعزم الصادق ألا يعود؛ سلم من شر الذنب وتاب الله عليه، ومن أصر فقد ظلم نفسه، ويبقى عليه إثم ذلك الذنب وخطره لو نزل به الأجل. رزق الله الجميع العافية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 329

المسارعة إلى صفات المتقين الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فقد سبق الكلام على شيء من صفات المتقين التي أمر الله جل وعلا بالمسارعة إلى صفاتهم التي هي أسباب المغفرة، وأسباب دخول الجنة، حيث قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣-١٣٤] . سبق الكلام على هذه الصفات، وأنه ينبغي للمؤمن أن يسارع إلى هذه الصفات وأن يلزمها، فإن تقواه لله وإيمانه بالله سبحانه، كل ذلك يحمله على المسارعة إلى هذه الصفات ولزومها والاستكثار منها. فإن كلاً منها من أسباب المغفرة، ومن أسباب دخول الجنة النفقة في السراء والضراء في الشدة والرخاء، ابتغاء وجه الله، وكتم الغيظ، والعفو عن الناس، هذه صفات جديدة من صفات أهل التقوى والإيمان، ومن صفات الكرماء والنبلاء، أصحاب النفوس الكريمة والهمم العالية، ثم ذكر بعد هذا قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥-١٣٦] وصفهم بالصفات الحميدة الكريمة، ثم وصفهم بالتوبة النصوح والمبادرة إلى ترك المعاصي والسيئات، والاستغفار منها وعدم الإصرار عليها، فهم جمعوا بين العمل الصالح وبين التوبة الصالحة، وهم يسارعون للخيرات، ويندمون على فعل السيئات، ويقلعون منها ولا يصرون عليها هذه صفات أهل الجنة وأهل المغفرة، هذه صفات أهل السعادة، المسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إلى الطاعات، والمبادرة بالتوبة من السيئات، والندم عليها وعدم الإصرار، فمن أراد الجنة والكرامة والمغفرة والسعادة فعليه بهذه الصفات الحميدة التي ندب الله إليها عباده، وبين أنها من صفات أهل التقوى الموعودين بالجنة والكرامة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر:٤٥] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور:١٧] ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم:٣٤] هذه الصفات العظيمة، النفقة في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس مع الإحسان في بقية الأعمال، فهم محسنون في صلاتهم محسنون في زكاتهم محسنون في صومهم محسنون في حجهم في جهادهم في برهم لوالديهم في صلة أرحامهم في سائر أعمالهم، محسنون لجيرانهم إلى غير ذلك، هم أهل الإحسان، وأهل الكرم، وأهل الجود، ومع ذلك متى زلت القدم، وظلموا أنفسهم بشيء من المعاصي؛ بادروا بالتوبة وعدم الإصرار، فوعدهم الله بالمغفرة لذنوبهم، وبإسكانهم الجنات دار الكرامة ودار النعيم. فعليك يا عبد الله! أن تعنى بهذه الصفات، وأن تسارع إليها، وأن تكون أبداً في سباق للخيرات ومسارعة إلى الطاعات، وأن تكون أبداً في توبة صادقة وندم على ما مضى منك من السيئات، وعدم الإصرار، لا تغفل فالموت يأتي بغتة، فقد يهجم عليك الأجل وأنت على سيئ العمل، فبادر بالتوبة النصوح، مع الاستمرار في الخيرات والطاعات والأعمال الصالحات، حتى تكون في غاية من الاستقامة، وفي بعد من أسباب الهلاك والندامة. رزق الله الجميع التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله.

стр. 330

التحذير من الإسبال والمن والأيمان الفاجرة الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فقد ثبت عن رسول الله ﵊ أنه قال: (ثلاثةٌ لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان فيما أعطى، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) . هذه خصال ثلاث حذر منها النبي الكريم ﵊، وأبدى عظم خطر العقوبة على أهلها، فدل ذلك على أنها من المحرمات الكبيرة، ومن كبائر الذنوب. - الإسبال. - والمن في العطية. - والأيمان الفاجرة. فيجب على المؤمن أن يحذر هذه الخصال الذميمة ويتباعد عنها. أما الإسبال فلما فيه من التكبر والتعاظم والاختيال، فإن الغالب على المسبل أنه يتعاظم في نفسه ويتكبر، هذا شأن الإسبال، ولهذا جاء في الحديث الآخر: (إياك والإسبال فإنه من المخيلة) أي: من الخيلاء، ويقول النبي ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) واللفظ الآخر: (ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار) فهو يدل على تحريم الإسبال، وأنه من جملة الخيلاء والكبر، والغالب على أهله أنه يدعوهم إلى التكبر، ويدعوهم ذلك إلى قلة المبالاة بالدين، وعدم المبالاة بالنجاسات والقاذورات، فهو يتلطخ بالنجاسة وبالأوساخ ولا يبالي، مع ما في هذا من كونه يجر إلى الكبر، وإن لم يقصده فهو وسيلة إليه، لكن الغالب على أهله هو التكبر والخيلاء والتعاظم. والحديث الآخر: (من اختال في مشيته وتعاظم في نفسه لقي الله وهو عليه غضبان) فينبغي للمؤمن أن يحذر أسباب التكبر وأسباب الخيلاء والتعاظم في النفس، فإن هذا يجره إلى بلاء كبير، فقد جاء في الحديث الآخر قال ﵊: (بينما رجل يمشي في بردين قد أعجبته نفسه خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) فينبغي للمؤمن أن يحذر عقوبات الله جل وعلا، وأن يبتعد عن أسباب الكبر. أما المن في العطية والكذب في الأيمان فشرهما ظاهر، يعطي عطية ويمن بها على صاحبها ويؤذيه، أو يقول له الكلام السيئ ويمن عليه بما أعطاه، وهذا منكر لا يجوز. وهكذا الأيمان التي يروج بها مبيعاته والله إنها بكذا، والله إنها بسعر كذا، والله إنها تساوي كذا، والله إنها علي بكذا، وهو يكذب حتى يروجها بين الناس، وينفقها بين الزبائن، وهذا منكر عظيم ومن كبائر الذنوب، فيجب الحذر من هذه الخصال الذميمة التي حذر الله جل وعلا منها على لسان نبيه ﵊. والملابس يجب أن تكون من منتصف الساق إلى الكعب ولا يزيد عن الكعب، والأفضل ألا يكون فوق منتصف الساق بل يكون من النصف فأقل ما بين النصف إلى الكعب، هذا هو اللباس الشرعي. أما المرأة فينزل عن هذا حتى يغطي قدميها، لكن كثيراً من الناس تشبه بالنساء وأخل بملابس الرجال، فجر ثوبه وأسبل ثيابه، والمرأة رفعت ثيابها، وهذا عكس ما شرعه الله جل وعلا، فيجب الحذر من هذه الخصال الذميمة التي فيها المعاكسة والمضادة لما شرع الله. رزق الله الجميع العافية، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 331

التحذير من التخلف عن صلاة الجماعة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فقد ثبت عن رسول الله ﵊ أنه قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما -أي: من الأجر- لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم) وروي عنه عليه الصلاة السلام أنه قال: (لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقتها عليهم) . وهذا يفيدنا عظم الخطر في التخلف عن الصلاة في الجماعة، وأن ذلك من صفات المنافقين وأعمالهم، وأنه قد هم ﵊ أن يحرق عليهم بيوتهم بسبب التخلف، ولهذا روي عنه ﵊ بيان العلة: (لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقتها عليهم) فلولا أن التخلف خطير، وأنه منكر يستحق صاحبه العقوبة، لما قال هذا الكلام ﵊، ويكفي في الذنب والعيب للمتخلفين عن الصلاة في الجماعة أنهم قد شابهوا بهذا حال المنافقين ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] هذا حالهم نعوذ بالله! وقال ﵊: (من سمع النداء فلم يأتِ فلا صلاة له إلا من عذر) قيل لـ ابن عباس: [ما هو العذر يا ابن العباس؟ قال: خوف أو مرض] . وجاءه ﷺ رجل أعمى يستأذنه، فقال: (يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب) وفي رواية أخرى قال: (لا أجد لك رخصة) فإذا كان أعمى شاسع الدار كما في الروايات الأخرى، ليس له قائد يلائمه يقال له: ليس لك رخصة في التخلف عن الجماعة في مساجد الله، فكيف بحال من عافاه الله وأعطاه السمع والبصر والصحة؟! فالأمر خطير جداً. وقد بلغني أن كثيراً من المساجد في الفجر لا يصلي فيها أحد، والعياذ بالله! يسهرون على التلفاز وعلى غير التلفاز، فإذا جاء الفجر فإذا هم أموات ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهذه من المصائب الكبيرة، فيجب التواصي بالحذر من هذا البلاء، والحذر من أسباب العقوبات العامة، يقول عبد الله بن مسعود ﵁، وهو من كبار الصحابة ومن علمائهم: [من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم -وفي لفظ: لكفرتم- ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض] فهذا يبين لنا أن المحافظة على الصلاة في الجماعة من أسباب الموت على الإسلام، ومن أسباب أنه يلقى الله مسلماً، ومقتضى هذا أن التخلف عن هذه الجماعة والتساهل من أسباب ضد ذلك من أسباب الوفاة على غير الإسلام، نعوذ بالله! فالمصيبة كبيرة، وخطر عظيم، فالمحافظة على صلاة الجماعة من أسباب السعادة وحسن الختام، ومن أسباب التوفيق لكل خير، والتخلف عنها والتشبه بأهل النفاق بأدائها في البيوت فيه خطر عظيم، فيه: أولاً: أنه معصية لله. ثانياً: أنه مشابهة لأهل النفاق. ثالثاً: أنه من أسباب سوء الخاتمة، والعياذ بالله! رزق الله الجميع العافية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله.

стр. 332

عظم منزلة الصدق الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فيقول الله جل وعلا في كتابه المبين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] . لما كان الصدق له منزلة عظيمة عند الله وعند أنبيائه ورسله وعند المؤمنين من عباده؛ نبه الله عليه وخصه بالذكر؛ كي يعلم المؤمن هذا الفضل وهذا التخصيص، فيسارع إلى الصدق في أقواله وأعماله، ويبتعد عن الكذب في أقواله وأعماله، فالصدق طريق السلامة والنجاة في الدنيا والآخرة، وطريق العزة والكرامة، يقول الله جل وعلا: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة:١١٩] هذا جزاء الصادقين. والصدق يكون في القلب، ويكون في اللسان، ويكون في العمل، فالصادق المؤمن صادق في قلبه في محبته لله، وإخلاصه له، وخوفه، ورجائه، وشوقه إليه، والحذر من محارمه. وصادق في اللسان في ذكره لله، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ودعائه وسائر أذكاره. وصادق في الأعمال، في صلاته وصومه وزكاته وحجه وجهاده وغير ذلك، هكذا يكون المؤمن صادق القول صادق العمل، صادق القلب والإقرار وأعمال القلب. ولهذا قال : ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة:١١٩] بعض الناس يصلي ولكنه ليس بصادق، ليس بمقبل على صلاته، لا يعطيها حقها، جسمه مع الناس وقلبه في كل مكان، كذلك يزكي ولكن ليس عنده إخلاص كامل، وطيب النفس بالمال والرضا فيما عند الله يصوم وليس الصوم على ما ينبغي من جهة الصدق فيما عند الله، والرغبة فيما عنده، وهكذا الحج، وبقية العبادات، فالناس في هذا يتفاوتون كثيراً. فعليك يا عبد الله! أن تصدق في أقوالك وأعمالك، وأن تكون عظيم الرغبة فيما عند الله، صادق البذل من قول وعمل، ترجو ثواب الله وتخشى عقابه . ولهذا لما عدَّ الله صفات المؤمنين وأخلاقهم وأعمالهم ذكر منها الصدق، فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥] هذا جزاء هؤلاء في أعمالهم، في إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم، والقنوت هو الثبات في الطاعة والدوام عليها والاستمرار فيها، وهكذا صدقهم، وهكذا صبرهم، وخشوعهم، وتصدقهم، وصيامهم، وحفظهم فروجهم، وإكثارهم لذكر الله ، فهم صادقون في هذه الأعمال، ولهذا أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً. وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (عليكم بالصدق -أي: في القول والعمل- فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقاً، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) فالكذب عاقبته وخيمة، وهو من خصال أهل النفاق والفجور، والصدق عاقبته حميدة، وهو من خصال أهل الإيمان والصدق، ومن خصال الرسل وأتباعهم الصادقين. جعلنا الله وإياكم من الصادقين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

стр. 333

التحذير من التشاغل بالتكاثر الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فيقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:١-٨] . هذه السورة العظيمة فيها تحذير الله عباده من التشاغل والالتهاء بالتكاثر في هذه الدنيا، وأنه ينبغي للمؤمن أن يعد العدة لآخرته، وألا يشتغل بالتكاثر في الأموال والأولاد عما خلق له من طاعة الله وعبادته، الكثير من الناس شغل بالتكاثر في الأموال والأولاد وحظ الدنيا العاجل، ونسي ما خلق له ولم يرفع به رأسه، فخسر الدنيا والآخرة، وندم غاية الندامة، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وأنذرنا سبحانه يوم التلاق، يوم يبرز خلق الله يوم القيامة، يوم تعرض عليهم أعمالهم خيرها وشرها، ولهذا قال : ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١-٣] ، وهو يوم القيامة سماها قارعة؛ لأنها تقرع أسماع الخلق كلهم، فأمرها عظيم، وشأنها خطير، ثم بينها فقال: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة:٤-٥] هذه الجبال الصلبة العظيمة تصبح كالعهن المنفوش، كالصوف المنفوش، قد ضعفت واندكت، وينسفها الله جل وعلا يوم القيامة، يقول سبحانه: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٥-١٠٧] وقال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ [النبأ:٢٠] هذه الجبال العظيمة تكون كالهباء وكالعهن المنفوش، وتصبح الأرض مستوية ليس فيها جبال ولا معالم لأحد، يحشر الناس عليها، فجدير بالعاقل أن ينتبه لهذا اليوم وأن يعد له عدته. ثم قال بعدها: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦-٧] أي: بالأعمال الصالحات ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:٨-١١] . قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١-٢] فلا ينبغي للعاقل أن يشتغل بالتكاثر عن هذا اليوم العظيم يوم القيامة، يوم هذا شأنه، تسير فيه الجبال وتكون كالعهن المنفوش، ويبرز فيه الناس كالفراش المبثوث، وكالجراد المنتشر، يموج بعضهم في بعض، كل واحد يقول: نفسي نفسي، فيكون الخلق فيه على خطر إلا من رحم الله من أهل الإيمان والتقوى. ولهذا قال بعدها: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢] أي: شغلتم حتى نزل الموت، لم تزالوا مشغولين بالتكاثر حتى هجم الأجل وزرتم القبور، فالمعنى: أعدوا العدة قبل نزول الأجل، وقبل أن تنقلوا للقبور، فإن بعد الموت لا عمل، العمل قبل الموت. قال تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢] يبين سبحانه أنها زيارة، وأن المقابر ليست مقراً لهم؛ المقابر مرحلة ينقلون منها إما إلى الجنة وإما إلى النار، فليست مقراً لهم دائماً، وإنما هي مرحلة من المراحل بين الحياة الدنيوية وبين الدار الأخروية، إما الجنة وإما النار، فأنت في المقبرة زائر لا مستقر، وسوف تنقل من هذا القبر ومن هذه الحفرة إلى ما أعد الله لك، إن كنت صالحاً فإلى الجنة، وإن كنت سوى ذلك فإلى النار، هذه النهاية، أما المقابر فليست نهاية. وقد يقول بعض الناس: مقره الأخير، وهذا خطأ، ليس مقره الأخير، المقر الأخير إما الجنة وإما النار، هذا هو المقر الأخير، وأما المقبرة فهي مقر فيه رحلة، مقر مؤقت يرتحل منه صاحبه يوم البعث والنشور إما إلى جنة وإما إلى نار. فجدير بالعاقل، وجدير بالرجل الحازم، وجدير بمن يخشى سوء العقاب وسوء الحساب أن يعد العدة، وألا ينشغل بالتكاثر ولا بغير التكاثر عن إعداده لنفسه، وأهبته لآخرته بطاعة الله ورسوله، والحذر مما نهى الله عنه ورسوله، ولهذا توعد الناس فقال سبحانه: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٣-٤] هذا وعيد، وسوف تعلمون غبَّ ما عملتم، وسوف تندمون على ما فعلتم من هذا التكاثر وهذا الشغل بالتكاثر ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٥] إذا صارت لكم حال أخرى لو علمتم لغيرتم ولانتبهتم، ولكن العبد في هذه الدنيا يصاب كثيراً بالغرور والغفلة عما أعد له وعما أمامه. رزق الله الجميع التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

стр. 334

التحذير من الفتن لقد أخبر المصطفى ﷺ عن وقوع الفتن وانتشارها في آخر الزمان، وأن ذلك مؤذن بقيام الساعة واقترابها. وهذه الفتن وانتشارها أسباب، منها: بعد الناس عن دين الله، وانتشار الجهل، والظلم والعدوان والاستعباد للآخرين، والمخرج من الفتن معلوم لمن سأل وبحث عنه، ألا وهو الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 335

خطورة الفتن والتحذير منها الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وبعد: فإن الفتن لا شك أنها موضوع خطير، وهي تكون بالقتال، وتكون بالشهوات، وتكون بالشبهات، وتكون بالجميع، نسأل الله العافية. وقد ثبت عن رسول الله ﵊ أنه قال: (تكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، من يستشرفها تستشرفه) . وقال ﵊: (بادروا بالأعمال الصالحة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويُمسي كافراً، ويُمسي مؤمناً، ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا؛ وفي لفظ: بعرض من الدنيا قليل) . ونحن في هذا الوقت، وكذلك مضت أوقات أيضاً وقع شيء منها كثير فيما مضى، ولكن في هذا الوقت أكثر، فتن الشبهات، وفتن الشهوات، وفتن القتال، كلها واقعة.

стр. 336

فتنة الشهوات فالشهوات المغرية بالمعاصي والمحارم كثيرة شهوة المال شهوة الفاحشة شهوة المسكرات شهوة الملاهي شهوة سفك الدماء إلى غير ذلك، شهوات متنوعة، وشهوة المال والمآكل والمشارب تفضي إلى الترف والكسل والضعف، وعدم المقاومة لما يعرض للناس مما يضرهم في دينهم ودنياهم، وتفضي إلى الميل إلى السعي للمحرمات. فإذا رزق الناس المال وقدروا على مطالبهم من هذه الشهوات المحرمة، فالعصمة قليلة، فمن ابتُلي بالمال الكثير، ولا سيما مع قلة العلم، وقلة البصيرة، وقلة العقل الراجح، وقلة الأخيار وصحبة الذين يوجهون إلى الخير، وكثرة المنحرفين، والذين يقودون الناس إلى أسباب الهلاك من هذه الأسباب يعظم الخطر، وتكثر المصائب في الدين، قال جلَّ وعَلا: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:١١٦] . فالترف له عواقب وخيمة، في الملبس، والمأكل، والمشرب، والمركب، والمسكن وغير ذلك، وهو يفضي إلى غايات خطيرة بانتهاك محارم الله، والضعف عن أداء ما أوجب الله، واقتحام الحدود، وعدم المبالاة بخطر العقوبات، وبغضب الله ، قال سبحانه في كتابه الكريم: ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] . وثبت عنه ﵊ أنه قال: (والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم الدنيا، أن تُبسط عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فَتَنافَسُوها كما تَنافَسُوها، فتهلككم كما أهلكتهم) . فالواجب على كل مؤمن أن يحذر الفتن من الشهوات والشبهات، قال ﵊: (يتقارب الزمان، ويفشو الزنا، ويُشرب الخمر، ويقل العلم، ويظهر الجهل، ويكثر الهرج، قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: القتل القتل) في آخر الزمان تكثر أسباب القتال والفتن، والقتل بغير حق، باب العدوان والظلم، وهذا واقع في نواحي كثيرة من هذه الدنيا. ومن أسبابه: الظلم والعدوان، وحب المال والجشع في تحصيله وجمعه من الدول والأفراد: - من الدول: الجشع على المال من أنواع المعادن؛ كالبترول وغيره. - ومن الأفراد: كذلك يُفضي بهم إلى السرقات، والخيانات، والغش في المعاملات، وغير هذا من أنواع الضرر والظلم، الذي من أسبابه الجشع على المال والحرص عليه.

стр. 337

فتنة الشبهات وأما فتن الشبهات، فأشد وأخطر فإن الإنسان بسبب الشبهة كثيراً ما يخرج عن دينه بين وقتٍ وآخر، يصبح مؤمناً، ثم تعرض له شبهة في جريدة أو في كتاب أو من طريق مجادل ومناظر ومخاصم فيضل ويخرج عن دينه بسبب ذلك. - والشُّبَه أنواع متنوعة: بعضها يتعلق بالله سبحانه. وبعضها يتعلق بالرسل عليهم الصلاة والسلام. وبعضها يتعلق بالقرآن. وبعضها يتعلق ببعض الواجبات. وبعضها يتعلق ببعض المحرمات إلى غير ذلك. فلا يزال به أعداء الإسلام يجادلونه، ويبذرون في قلبه بذور الشر، ويشككونه في دينه، ويقولون: لِمَ كذا؟! ولِمَ كذا؟! ولِمَ شُرِع كذا؟! ولِمَ صار كذا؟! وأين كذا؟! وأين الدليل على كذا؟! حتى يضل عن دينه، وحتى يهلك بجهله بالله، وجهله بدينه، ولاستيلاء هذه الشبه على قلبه، حتى لا يجد لها دافعاً من قلبه، ولا يجد لها حالاًّ ومنقذاً من مجالسيه، ومن أصحابه الذين يسمع لهم ويثق بقولهم؛ لأن الأصحاب والجلساء يغلب عليهم في هذه الأوقات الأخيرة الجهل وقلة العلم، ويغلب عليهم أيضاً إيثار الشهوات، وحب العاجلة، والإعراض عن الدين، واستثقاله؛ لأن دين الله يقيدهم عما حرم الله، وهم يجدون في الدين ما يقيدهم عن الزنا، وما يمنعهم من شرب المسكرات، وما يمنعهم من أخذ المال بغير حق بالرشوة، والخيانة، والغش في المعاملة؛ فلهذا يستثقلون الدين، ويودون التملص والتخلص منه، حتى يشبعوا رغباتهم من هذه الشهوات المحرمة. فهذه كلها فتن، حذر منها النبي ﵊ فتن الشبهات، وفتن الشهوات، وفتن القتال، وأسباب القتال، ولهذا قال ﵊: (بادروا بالأعمال الصالحة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويُمسي كافراً، ويُمسي مؤمناً، ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) والعياذ بالله!

стр. 338

الاعتصام بالكتاب والسنة نجاة من الفتن ومن أعظم الأسباب التي تقي العبد شر هذه الفتن، وتسبب نجاته وسلامته: إقباله على كتاب الله تلاوة وتعقلاً وتدبراً؛ فإنه يجد في كتاب الله الدعوة إلى أسباب النجاة، والتحذير من أسباب الهلاك. يجد في كتاب الله الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. يجد في كتاب الله الأدلة القاطعة على وجود ربه، وعلى أسمائه الحسنى، وعلى صفاته العلى، وعلى استحقاقه للعبادة والطاعة. ويجد في كتاب الله الأدلة القاطعة على صحة ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم حق من عند الله . يجد في كتاب الله الدلالة القاطعة والبراهين الساطعة على إثبات الآخرة، والجنة والنار، والبعث والنشور، وأن ذلك حق. فإذا تدبر مع ذلك أحوال العالم، وأن هذا العالم فيه الضال، وفيه المهتدي، وفيه الظالم، وفيه الجاهل، وفيه العالم، وفيه أنواع الفساد؛ عرف أن هذا العالم لا بد له من منتهى، ولا بد له من غاية، ولا بد له من لقاء مع ربه، يجازي فيه المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. كثير من هؤلاء الذين ظلموا الناس، وأكلوا أموالهم بغير حق، واعتدوا على حقوقهم كثير منهم يموتون ولم يؤخذ منهم الحق، فلا بد لهم من يوم ومكان تؤخذ منهم الحقوق فيه، ويُنصف المظلومون منهم، ويُلزمون بأداء الحقوق، وذلك اليوم هو يوم القيامة، هو يوم الحشر والجمع، هو يوم التغابن، كما قال جلَّ وعَلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢] . وقال جلَّ وعَلا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] ، وقبلها قوله جلَّ وعَلا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:٦] ، فلا بد من عرض أعمالهم، ولا بد من جزائهم عليها. وقوله جلَّ وعَلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] . ويقول جلَّ وعَلا: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧] . فالمقصود أن هناك موعداً مع الله يجازي فيه سبحانه المحسن لإحسانه، والمسيء لإساءته. فنسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاستعداد، والحذر من الفتن، والإقبال على كتاب الله ، والعناية بذلك. ومن أسباب النجاة: العناية بسنة الرسول ﷺ والإقبال عليها، والنظر في سيرته ﵊، وسيرة أصحابه الكرام ﵃ وأرضاهم، وسيرة سلفنا الصالح، الذين درسوا كتاب الله، وتعقلوه، وتدبروه، وعملوا به، ودرسوا السنة وعظموها، وانقادوا لها، وساروا على ضوئها في حياتهم؛ فإن في دراسة ذلك ما يعين على الأخذ بها، والتمسك بها مع كتاب الله ، وفي الإعراض والغفلة عن ذلك ما يسبب الهلاك والوقوع في حبائل ومكائد الشيطان، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 339

الأسئلة

стр. 340

كيفية التعريف باللقطة السؤال سماحة الشيخ! إني عثرتُ على ساعة منذ شهر ونصف، وأعلنت عنها في مكانها في نفس اليوم، ومن ذلك الوقت لم يراجعني أي شخص، وعلى أن قيمتها (٢٥٠) ريالاً تقريباً، فماذا أفعل بها؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب عليه أن يعرِّفها سنة كاملة في مجامع الناس، في الشهر مرتين، أو ثلاث، أو أربع: من له الساعة؟ من له الساعة؟ فإذا وجد من يصفها بصفتها الخاصة الدقيقة أعطاه إياها. وإن مضت السنة ولم يعرفها أحد فهي له، كسائر ماله، فإن جاء بعد ذلك من يعرفها ولو بعد سنتين أو ثلاث أو أكثر، أعطاه إياها.

стр. 341

حكم مصافحة الرجل بنت عمه أو بنت خاله السؤال إن والدي كبير السن، وله ابنة عم، وتسلم على رأسه تقديراً، فهل يجوز لها التسليم؟ الجواب هذا يسأل عن ابنة عمه التي تسلم على والده؛ تقبِّل رأسه، وبعضهن يصافحن، وبعضهن يقبلن الفم، بنات العم، وبنات الخال في كثير من الناس، ولا سيما عند بعض البادية وبعض القرى الجنوبية وغيرها، وهذا لا شك أنه لا يصلح ولا يجوز؛ لأن ابن العم وبنت العم وبنت الخال وبنت الخالة ليسوا محارماً، بل يجوز لابن العم أن ينكح بنت عمه، وبنت خاله، وبنت خالته وبنت عمته، وليس لها أن تقبل رأسه، ولا يده، ولا جبهته، ولا أنفه، ولا تصافحه، بل السلام من بعيد، من دون تقبيل، لا للرأس، ولا لليد، ولا المصافحة، كان النبي ﷺ لا يصافح النساء، ويقول: (إني لا أصافح النساء) . وقالت عائشة ﵂: [ما مست يدُه يدَ امرأة قط، ما كان يبايعهن إلا بالكلام] . وما يُروى في بعض الأحاديث أن المرأة كانت تقدم يدها للرسول ﷺ وتبايعه، كلها أحاديث ضعيفة، لا صحة لها عن النبي ﵊. فالمرأة الأجنبية وإن كانت ابنة عم لا تقبل ابن عمها، ولو قدم من سفر، لا تقبل رأسه ولا أنفه، ولا جبهته؛ لأنها قد تقبله، وتكون معها روائح فتفتنه. المقصود: أنه ليس من الْمشروع، وليس من الجائز التقبيل للأجنبي، لا لرأسه، ولا جبهته، ولا أنفه، ولا يده، بل ولا تصافحه أيضاً، بل يكون بالكلام: التحية بالكلام، السلام عليكم، كيف حالكَ يا فلان؟ كيف حالكِ يا فلانة؟ وما أشبه ذلك من الكلام الطيب.

стр. 342

حال حديث: (ما رفع المسلم منزله فوق سبعة أذرع) السؤال ما صحة الحديث: [ما رفع المسلم منزله فوق سبعة أذرع إلا قيل له: إلى أين تذهب يا فاجر؟!] . الجواب هذا ليس له أصل، ليس بحديث عن النبي ﷺ ، هذا من قول بعض السلف، وليس بحديث عن النبي ﷺ أتى به. إنما جاء إخبار النبي ﵊ أن من أشراط الساعة: (التطاول في البنيان) هذا الذي جاء في أشراط الساعة، التطاول في البنيان من أشراط الساعة ولكن ليس فيه النهي عن النبي ﷺ ، كما أن من أشراطها: (أن تلد الأمة ربتها) هذا من أشراطها، ويجوز التسري، وللسيد أن ينكح جاريته ويطأها وتلد منه، وهذا واقع من عهد النبي ﷺ ، ومن جملة ذلك: مارية، فإنها جارية، وقد تسراها النبي ﷺ ، وولدت له ابنه إبراهيم ﵊، فالتسري كثرته من أشراط الساعة، وليس بحرام، ولقد وقع من ذلك الشيء الكثير من التسري من الأمراء والأغنياء وغيرهم، زمن كثرة الأرقاء وقيام الجهاد.

стр. 343

حكم اللحوم المستوردة من الخارج السؤال ما حكم اللحوم المستوردة من الخارج وخاصة الدجاج؛ حيث يكتب عليه: مذبوح على الطريقة الإسلامية، مع ذكر أهل الكتاب؟ الجواب كذلك اللحوم المصبغة التي تأتي من الخارج فيها تفصيل أما ما يرد من بلاد أهل الكتاب من النصارى أو اليهود، فهذا أصله الحل؛ لأن الله أباح لنا طعامهم، وجعل نساءهم المحصنات وطعامهم حلاً لنا. فما ورد من بلاد النصارى ك الدانمرك، وفرنسا، وإنجلترا، وهولندا، وأشباه ذلك، فالأصل فيه حله لنا، إلا إذا علمنا أن هذا الدجاج أو هذا البقر من مجزرة تذبح ذبحاً غير شرعي، إذا علمنا ذلك يقيناً حرُم علينا ذلك الشيء المعين، أو علمنا أن هذه الذبيحة ذُبحت على غير الوجه الشرعي بالخنق أو بغير ذلك، حتى ولو كان الذابح مسلماً، إذا ذبحها بغير الشرع، أو خنقها، أو ضربها بمثقِّل حتى ماتت فتصير موقوذة؛ فلا تحل، لا من مسلم ولا من كتابي. أما إذا جاءت مذبوحة ولا نعرف، فالأصل في ذبائحهم الحل لنا، كذبائح أهل الإسلام. وأما من عرفناه من شركة أو جزار معين يذبح الذبح غير الشرعي، فإنا لا نأكل ذبيحته. أما ما يَرِد من بلاد الشيوعيين ك الصين الشعبية، وبلغاريا، وكرواتيا، وألبانيا، وأشباه ذلك، هذه البلاد الشيوعية كفرها أعظم من كفر الوثنيين، فذبائحهم لا تحل، وهكذا البلاد الوثنية، مثل: الهند، واليابان، وكوريا، وأشباهها، هذه كذلك؛ لأن البوذيين لا دين لهم. فالحاصل أن بلاد أهل الكتاب أصلها حل لنا، وما كان في بلاد غيرهم من الوثنيين والشيوعيين، فإن الأصل فيه تحريمه، حتى نعلم أنه ذبحها مسلم أو كتابي، فإذا علمنا ذلك أكلناه. السائل: يا شيخ! ما حكم ما جاء من دول شيوعية؛ ولكن مكتوب عليه: ذُبح على الطريقة الإسلامية؟ الشيخ: ما دام أنَّها بلاد شيوعية فلا ينبغي أن يوثق بذلك؛ لأنهم يكذبون ولا يبالون، حتى نعلم من طريق ثابت، ومن طريق الثقات أن هناك هيئة إسلامية تَذْبح في البلاد الشيوعية، في رومانيا، أو بلغاريا، أو ما أشبهها، إذا علمنا أن هناك مسلمين موحدين قد وُكِل لهم الأمر، وأن هذه تأتي من طريقهم، إذا علمنا ذلك جاز لنا، كما يجوز لنا أن نأكل ذبيحة المسلمين وأهل الكتاب.

стр. 344

أثر رضاع الرجل من زوجة أخيه السؤال إذا كان أبي رضع من امرأة أخيه لمدة تقارب السنة، فهل يجوز لعيال أبي أن يسلموا على بنات عمي في الوجه؟ وكذلك هل يجوز لعيال عمي أن يسلموا على بنات أبي أم لا يجوز؟ الجواب إذا كان أبو السائل قد رضع من زوجة أخيه فإنه يكون ولداً لأخيه، ويكون أخاً له، ويكون ابناً له من الرضاعة، إذا رضع من زوجة أخيه خمس رضعات أو أكثر، ولو لم تكمل السنة، إذا رضع رضاعاً شرعياً في الحولين خمس رضعات أو أكثر، صار ابناً لأخيه، وصار أولاد أخيه إخوة له، وصار أولاده حينئذٍ أبناء ابن لأخيه من الرضاع، وصار أولاد أخيه أعماماً لأولاده، والبنات عمات لأولاده؛ لأن الرضاع كالنسب، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. السائل: هم أصلاً أولاد أخيه حتى بدون الرضاعة محرمات عليه. الشيخ: فقط أبناؤه. السائل: نعم. الشيخ: أبناؤه، أبناء أخيه أبناؤه. السائل: إذا رضعت ابنتي من امرأة أخرى، هل يحق لي أنا أن آخذ بنات المرأة؟ الشيخ: هذا يسأل: إذا رضعت ابنته من امرأة، فإن المرأة تكون أماً للبنت الرضيعة، إذا رضعت خمس مرات فأكثر، ولا حرج عليه أن ينكح من بنات هذه المرضعة؛ لأنه لا تعلق لها بكونهن أخوات لبنتك، لكن نفس أولاد بنته ليس له ذلك؛ لأنه حينئذ تكون بناته خالات لهم، أختاً لأمهم. أما والد البنت فلا حرج عليه أن يتزوج المرضعة، أو يتزوج بناتها؛ لأنه لا تعلق برضاع بنته منها، كي يمنع تزوجه بها وببناتها اللاتي هن غير بنته.

стр. 345

حكم زكاة الحلي السؤال هل يجوز زكاة ذهب المرأة التي في يدها، والذي يُستعمل كحلي؟ وإذا كانت لا تملك شيئاً غيره، فهل يجوز أن تبيع منه للزكاة؟ الجواب الحلي الذي عند النساء من الذهب والفضة فيه خلاف بين أهل العلم: إذا كانت تستعمل أو تُعار، فبعض الصحابة ومن بعدهم قالوا: لا زكاة فيها، ويكفي لبسها وإعارتها. وقال آخرون من الصحابة ومن بعدهم: فيها الزكاة؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الذهب والفضة، ولأحاديث خاصة جاءت في الحلي، منها: حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ رأى في يد امرأة مسكتين من ذهب، -أي: سوارين- فقال: (أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسوِّرك الله فيهما يوم القيامة سوارين من نار؟ فألقتهما وقالت: هما لله ولرسوله) . ولما جاء أيضاً في الحديث الصحيح عن أم سلمة ﵂ أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب، فقالت: (يا رسول الله، أكنز هذا؟ قال: ما بلغ أن يزكى فزكي فليس بكنز) ولم يقل لها: ليس في الحلي زكاة. والصواب: أن فيها الزكاة إذا بلغت النصاب، من الذهب والفضة، ولو أنها تستعمل أو تعار، هذا هو الصواب من القولين؛ لأن الله جلَّ وعَلا يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] الآية. وقد رددنا هذا إلى الرسول ﷺ ، فوجدناه يأمر بالزكاة في سعر الذهب والفضة، وليس لنا أن نترك الزكاة إلا بدليل يخص شيئاً من ذلك، ولا دليل في هذه المسألة، بل الدليل يقتضي وجوب الزكاة. أما حديث: (ليس في الحلي زكاة) فهو حديث ضعيف عند أهل العلم. وأما إذا كان الحلي يعد للنفقة والادخار لحاجات الزمان، لا للبس ولا للعارية، فهذه عند الجميع فيها الزكاة، إنما الخلاف فيما إذا كانت للبس أو العارية. وأما إذا أعدت للتجارة أو للحاجات الأخرى، تدخر حتى تباع في وقت الحاجة، فهذه فيها زكاتها عند الجميع. وكذلك الحلي من الماس، أو من اللآلئ، أو ما أشبه ذلك، هذه لا زكاة فيها، ما تلبسه المرأة أو تعده للبس من اللآلئ والماس والجواهر الأخرى غير الذهب والفضة، هذه لا زكاة فيها. السائل: إذا هي تبيع منه هل تؤدي زكاة؟ الشيخ: نعم. السائل: حتى ولو استهلكته. الشيخ: تؤدي منه وإلا من غيره.

стр. 346

حكم النوم بعد صلاة الصبح السؤال هل ثبت حديث صحيح في كراهية النوم بعد صلاة الصبح؟ الجواب النوم بعد صلاة الصبح ما نعرف فيه حديثاً صحيحاً يدل على كراهته أو النهي عنه.

стр. 347

حكم الالتحاق بكلية عسكرية تأمر أفرادها بحلق اللحية السؤال أريد أن ألتحق بكلية عسكرية، وأنا ولله الحمد متمسك بسنة المصطفى ﷺ ، وهذه الكلية من شروطها: حلق اللحية، فهل عليَّ ذنب إذا حلقتها من أجل أن أتابع دراستي؟ الجواب ليس لك أن تحلق لحيتك لأجل الدراسة في الكلية؛ لأن هذا إقدام على معصية الله التي نهاك الرسول ﵊ عنها وقال: (قصوا الشوارب، وأوفوا اللحى) (أرخوا اللحى) (أعفوا اللحى) فليس لك أن تقدم على هذه المعصية، وفي إمكانك أن تدرس في كليات أخرى ليس فيها هذا الشرط، وفي بلادنا ليس هذا الشرط موجوداً، وسألنا المسئولين فقالوا: لا صحة لهذا، قالوا: إن الطالب لا يؤمر بحلق لحيته، ولا يلزم بذلك، وإنما بعض الناس عنده تساهل، فإن رأى زملاءه يحلقون حلق معهم، وإلا فليس بملزم بهذا في هذه البلاد. أما البلاد الأخرى فلا أعلم ذلك، يُقال عنها: إنها تلزِم، ولا ندري عن صحة الأخبار، وأما هنا فقد سألنا بعض الجهات المختصة في الكليات العسكرية فأجابوا بأنه لا يلزم أحدٌ بحلق لحيته. وإذا كان السائل يعلم أن هذه الكلية تأمر بذلك فنرجو منه أن يكتب لنا بذلك، وأن يعرفنا عن هذه الكلية أين وجودها، في الرياض أو في أي مكان، حتى نتكلم مع المسئولين في ذلك.

стр. 348

حكم لبس ساعات الصليب، وكذا خاتم الفضة في اليد اليمنى السؤال ما حكم لبس الساعات المعروفة بالصليب؟ وهل الصليب المعني هو الذي يمثل دائرة بداخلها إشارة (+) في ميناء هذه الساعة؟ وما حكم لبس خاتم الفضة في الخنصر الأيمن، ولو كانت الحاجة لا تدعو إليه؟ الجواب صور وساعات الصليب معروفة عند الناس وليس فيها إشكال، فإذا كانت الساعة فيها الصليب فلا يجوز لبسها؛ لأن هذا من شعار النصارى، وهكذا الملابس، الغُتَر، أو القُمُص، أو المشالح، أو غير ذلك، التي فيها شعار النصارى يجب أن يزال، وهو الصليب، فلا يجوز لبس أي ملبس فيه شعارهم إلا بإزالته أو الطمس عليه وجعل بقعة عليه تطمسه وهكذا ساعات الصليب يجب أن يُطمس الصليب، إما بالحت، وإما بوضع مادة عليه تزيله حتى لا يرى، وسواءً كان في الصلاة أو في غير الصلاة لا يلبسها. وأما وضع الخاتم من الفضة في الإصبع اليمنى أو اليسرى فلا حرج في ذلك، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لبس الخاتم من الفضة في اليسرى واليمنى جميعاً، في خنصر اليمنى واليسرى، وربما لبسه في هذه وربما لبسه في هذه ﵊، فلا حرج في ذلك.

стр. 349

حكم التوكيل في رمي الجمار السؤال حججتُ مع والدتي، وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل دفعنا من مزدلفة إلى منى على أساس أن نرمي جمرة العقبة ولكنني بعد وصولي منى خفت على والدتي من الزحام، فتركتها وذهبت، فرميت جمرة العقبة بعد شروق الشمس، فما الحكم؟ الجواب لا حرج إذا رمى الإنسان جمرة العقبة أو غيرها من الجمار عن أمه أو زوجته؛ لأنها لا تستطيع الرمي بسبب الزحام، إذا وكَّلته في ذلك فلا حرج عليه، يرمي عن نفسه وعن موكله في موقف واحد عند كل جمرة، ولا حرج في ذلك؛ لأنه لا ينبغي المخاطرة بالنفس في مثل هذه الأمور، ويكفي التوكيل، والنساء من شأنهن الضعف في رمي الجمار وأشباهها في الزحامات التي مع الرجال، فإذا وكلت المرأة من يرمي عنها، ولا سيما كبيرة السن، والضعيفة، ومن ليس عندها قوة في مثل هذا الأمر، أو تشكو مرضاً، أو حُبلى، أو معها طفل ليس عندها من يصونه ويحفظه حتى ترجع، كل هؤلاء ينبغي لهن أن يوكلن حتى لا يخاطرن بأنفسهن ولا بأطفالهن، والوكيل يقوم مقامهن في الرمي عن نفسه وعن موكلاته، كما يوكل الشيخ الكبير والمريض، وكما يرمي الإنسان عن أطفاله الذين معه وصبيانه إن حج بهم؛ لأنهم لا يستطيعون الزحام في رمي الجمار.

стр. 350

حكم التسمية في الوضوء داخل الحمام السؤال إذا أراد الإنسان الوضوء في حمام وهو مخصص لقضاء الحاجة، فهل يذكر اسم الله في هذا المجال جهراً أم سراً، أم لا يجوز ذكر اسم الله في حالة الوضوء في الحمامات؟ الجواب إذا دعت الحاجة إلى الوضوء في الحمامات فلا بأس أن يسمي الله؛ لأن التسمية واجبة عند جمع من أهل العلم، فلا يُترك الواجب لشيء مكروه، إذا جاء الواجب زالت الكراهة، فإذا كان في حمام فيه مغسلة ولا يتيسر له الوضوء خارج الحمام، سمَّى عند بدء الوضوء وقال: باسم الله، وبدأ الوضوء، ولا يضره ذلك. أما إذا كان بإمكانه الخروج فله الخروج، ويُسمي خارجاً إذا كان هناك مغسلة خارجية، يغسل ويتوضأ فيها. أما الشهادة بعد الوضوء فالأولى والسنة أن يؤخرها حتى يخرج، إذا فرغ من وضوئه يخرج ويتشهد خارج الحمام الذي يقضي فيه الحاجة، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فقد صح عن رسول الله ﵊ أنه قال: (ما من عبد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فُتِّحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيِّها شاء) -وفي رواية أخرى: (اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين) فهذه سنة بعد الوضوء. فإذا كنت في الحمام فتخرج وتأتي بهذا الذكر بعد الخروج من الحمام، هكذا في السنة. أما عند بدء الوضوء فلا بأس أن تقول: باسم الله، عند البدء ولو في الحمام؛ لأنك مأمور بالتسمية عند بدء الوضوء.

стр. 351

حكم الأدعية عند كل عضو أثناء الوضوء السؤال بمناسبة الوضوء كثير من الناس يأتي بأدعية لا ندري عنها، عند كل عضو من الأعضاء، يأتي بدعاء فما حكمها؟ الجواب هذا يسأل عما يفعله بعض الناس عند كل عضو من أعضاء الوضوء، يدعو بدعوات، هل هذا مسنون؟ وذلك أن بعضهم يقول عن غسل الوجه: اللهم بيِّض وجهي يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه. وبعضهم يقول عند غسل اليدين: اللهم أعطني كتابي بيميني، ولا تعطني بشمالي. وبعضهم يقول عند مسح الرأس: اللهم أظلني تحت ظل عرشك، يوم لا ظل إلا ظلك. وبعضهم يقول عند غسل القدمين: اللهم ثبت قدمي عند الصراط. وهذه كلها لا أصل لها، ولم يُحفظ فيها شيء عن النبي ﵊، فلا تستحب هذه الدعوات عند هذه الأعضاء، وإنما المستحب شيئان: أولاً: عند البدء بالتسمية. ثانياً: بعد الفراغ بالشهادة. هذا هو المشروع في الوضوء.

стр. 352

حكم استقدام العمال وأخذ نسبة منهم كل شهر السؤال هناك بعض المؤسسات تستقدم عمالاً على حسابها، ثم تتركهم يعملون بحرية، ثم تأخذ منهم نسبة معينة، فهل هذا حلال؟ الجواب هذا يسأل عما يفعله بعض الناس من استقبال العمال، ويدخلهم تحت كفالته، ويأخذ منهم شيئاً من النسبة المعروفة كالثلث، بكسبهم أو بغير كسبهم، أو ما أشبه ذلك، وهذا قد كثر السؤال عنه، ولم يتضح لنا حِل هذا الشيء، ولا تزال هذه تحت البحث، وإن شاء الله يصدر فيها جواب، ولعله أن يكون قريباً، فإن الظاهر من كلام العلماء أن هذا ممنوع، وأنه لا يجوز، هذا معروف من كلام أهل العلم؛ لأن معناه: أنه أخذ عوضاً عن كفالته لهم، وعن ضمانه لهم، والأصل عند العلماء أن أخذ العوض عن الكفالة والضمان ممنوع، هذا معروف عند أهل العلم. ولكن لا نزال ننظر في الموضوع، ونلتمس الأمر الواضح الذي لا شك فيه في تحريم هذا الشي، أو في حل هذا الشيء، أما الآن فالأظهر والأشهر منعه وعدم حله، ولكن من غير قطع؛ لأنه إلى الآن محل الدراسة ومحل النظر. أما إذا استقدمه بمعاشٍ معلوم على حسابه، كل واحد له معاش معلوم، سواءًَ عنده أو عند غيره، فهذا لا بأس به؛ لأنه قد ملك منافعه، إذا استقدمه من مصر أو من سوريا أو غير ذلك، كل واحد له كذا من الدراهم معلومة، خمسمائة أو ألف كل شهر، ثم صرفهم في الناس كي يعملوا عندهم، بمعاش معلوم له، ويعطيهم معاشهم، ويستعملهم عند الناس بمعاش آخر أقل أو أكثر، فلا حرج في ذلك، حسب الشروط التي بينه وبينهم حتى تنتهي المدة، ولا بد أن يكون في جنس العمل التي تمت المعاقدة عليه، أو في عمل يرضون به، لا يُكرهون عليه، لا يلزمهم إلا العمل إن تم الاتفاق عليه، أو ما يجانسه ويقاربه، ولا يزيد عليه.

стр. 353

حكم استقدام الكفار والذين لا يُصلون إلى جزيرة العرب السؤال بعض العمال لا يصلي، فهل يجوز استقدامهم؟ الجواب لا ينبغي استخدام الكفار لا من النصارى ولا من لا يصلي، بل ينبغي الاستغناء عنهم بالمسلمين؛ لأن هذه الجزيرة حرم الله جلَّ وعَلا أن يكون فيها دينان، يجب ألا يكون فيها إلا دين الإسلام فقط، لكن يجوز استخدام الكافر بصفة مؤقتة عند الحاجة إليه، كما استخدم النبي ﷺ اليهود في خيبر عند الحاجة إليهم بسبب شغل المسلمين بالجهاد، وكما استأجر النبي ﷺ عبد الله بن أريقط المشرك ليدله على طريق المدينة. فالمقصود أنه إذا كان هناك حاجة فلا بأس باستقدام الكافر بصفة مؤقتة، ثم يرجع إلى بلاده. فإذا كان الأمر هكذا؛ فينبغي للمؤمن ألا يستخدم أحداً من الكفرة، ومن لا يصلي؛ لأنه كافر والعياذ بالله! قال النبي ﵊: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) . وقال أيضاً ﵊: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) . وقال ﵊ في حديث عبادة بن الصامت: (قال عبادة: بايعنا الرسول ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، قال: إلا إن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) وفي رواية: لما سأله عن قتالهم قال له: (ما أقاموا فيكم الصلاة ... ) فدل ذلك على أن الذين لا يقيمون الصلاة قد كفروا كفراً بواحاً -والعياذ بالله-! فلا يجوز للمؤمن أن يستقدم نصرانياً، أو شيوعياً، أو وثنياً، أو من لا يصلي، من أجل حاجاته الدنيوية التي يمكن أن يستغني عنهم بأناسٍ مسلمين، فإن ذلك هو الواجب، وعلى الأقل هو الذي ينبغي، وطريق الاحتياط إن لم يكن واجباً فإنه متأكِّد، واستقدامهم إما محرم، وإما مكروه، ولا سيما إذا طالت المدة، بخلاف المدة القليلة التي يُستقدمون فيها ثم يرجعون. فينبغي للدولة وللمسلمين جميعاً أن يلاحظوا هذا، وألا يُستقدم من الكفرة إلا من تبدو لهم ضرورة بصفة مؤقتة؛ لأن هذه الجزيرة هي مهد الإسلام، وهي منبع الإسلام، ولا يكون فيها دينان. السائل: وبالنسبة لغير الجزيرة فهل يجوز؟ الشيخ: أما مثل الشام والعراق فلا بأس باستقدام الكفرة، ولا بأس باستعمالهم فيها؛ لأنها مشتركة بين المسلمين وغيرهم لكن بشرط أن يكونوا تحت السيطرة، ولا يكون منهم ضرر، فإذا كان استقدامهم يضر بالمسلمين في أي بلد كان فلا يستقدموا فيه، إذا كان يضر المسلمين، أما إذا استقدموهم في الأجرة، ومع مراعاتهم، ومع منع شرهم، ومنع عدم ظهور شعائرهم الخبيثة، فلا بأس بذلك إذا استقدموا في غير الجزيرة. السائل: وتأجيرهم البيوت، وربما يشربون فيها الخمر، أو يلعبون فيها. الشيخ: في غير الجزيرة لا بأس، وذنبهم عليهم. السائل: ولو شربوا الخمر. الشيخ: ولو شربوا الخمر في بيوتهم، لا يكره الناس غير المسلمين.

стр. 354

حكم أخذ المال بغير رضا صاحبه السؤال نحن سكان قرية نتسلم من الضمان الاجتماعي، ولنا شيخ قبيلة عمدة، يأخذ من هذا الراتب بحجة أنه يتعب معنا، فهل المال الذي يأخذه حلال؟ الجواب هذا الشيخ إذا كان يأخذ القسط من المال برضى العادات التي رتبت لهم من جهة الحكومة فلا بأس، وإلا فليس له أن يأخذ بغير رضاهم؛ لأنه مكلف في هذه الدولة أن يبلغ هذه الأموال إلى أهلها، وشيخ القبيلة كالأمير، أن يبلغ المسلمين حاجاتهم، وأن يكون واسطة بينهم وبين ولي الأمر، فليس له أن يأخذ من معاشاتهم وما تعطيهم الدولة من الضمان الاجتماعي وغيره، ليس له أن يأخذ شيئاًَ من ذلك، بل عليه بحكم وظيفته أن يوصل المال إلى مستحقه، وألا يأخذ شيئاً أبداً إلا برضاهم، فإذا رضوا وقالوا: لك كذا وكذا من المائة [٥] ، أو من المائة [٣] إذا رضوا بذلك، فهذه أجرة له برضاهم، فلا بأس. السائل: له أجرة من الدولة، له راتب. الشيخ: المقصود سواء له أجرة أو ليس أجرة، ليس له أجرة إلا برضاهم حتى ولو كان فقيراً.

стр. 355

حكم صلاة أكثر من فرض بوضوء واحد السؤال هل يجوز أن أصلي صلاتين بوضوء واحد؟ الجواب يجوز أن يصلي الإنسان صلاتين وثلاثاً وأربعاً وخمساً بوضوء واحد، والحمد لله، ما دام على الطهارة فله أن يصلي، وقد صلى النبي ﷺ عدة صلوات بوضوء واحد، ﵊.
следующие страницы →