Полный текст (499 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
حكم الأدعية عند كل عضو أثناء الوضوء
السؤال
بمناسبة الوضوء كثير من الناس يأتي بأدعية لا ندري عنها، عند كل عضو من الأعضاء، يأتي بدعاء فما حكمها؟
الجواب
هذا يسأل عما يفعله بعض الناس عند كل عضو من أعضاء الوضوء، يدعو بدعوات، هل هذا مسنون؟ وذلك أن بعضهم يقول عن غسل الوجه: اللهم بيِّض وجهي يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه.
وبعضهم يقول عند غسل اليدين: اللهم أعطني كتابي بيميني، ولا تعطني بشمالي.
وبعضهم يقول عند مسح الرأس: اللهم أظلني تحت ظل عرشك، يوم لا ظل إلا ظلك.
وبعضهم يقول عند غسل القدمين: اللهم ثبت قدمي عند الصراط.
وهذه كلها لا أصل لها، ولم يُحفظ فيها شيء عن النبي ﵊، فلا تستحب هذه الدعوات عند هذه الأعضاء، وإنما المستحب شيئان: أولاً: عند البدء بالتسمية.
ثانياً: بعد الفراغ بالشهادة.
هذا هو المشروع في الوضوء.
стр. 352
حكم استقدام العمال وأخذ نسبة منهم كل شهر
السؤال
هناك بعض المؤسسات تستقدم عمالاً على حسابها، ثم تتركهم يعملون بحرية، ثم تأخذ منهم نسبة معينة، فهل هذا حلال؟
الجواب
هذا يسأل عما يفعله بعض الناس من استقبال العمال، ويدخلهم تحت كفالته، ويأخذ منهم شيئاً من النسبة المعروفة كالثلث، بكسبهم أو بغير كسبهم، أو ما أشبه ذلك، وهذا قد كثر السؤال عنه، ولم يتضح لنا حِل هذا الشيء، ولا تزال هذه تحت البحث، وإن شاء الله يصدر فيها جواب، ولعله أن يكون قريباً، فإن الظاهر من كلام العلماء أن هذا ممنوع، وأنه لا يجوز، هذا معروف من كلام أهل العلم؛ لأن معناه: أنه أخذ عوضاً عن كفالته لهم، وعن ضمانه لهم، والأصل عند العلماء أن أخذ العوض عن الكفالة والضمان ممنوع، هذا معروف عند أهل العلم.
ولكن لا نزال ننظر في الموضوع، ونلتمس الأمر الواضح الذي لا شك فيه في تحريم هذا الشي، أو في حل هذا الشيء، أما الآن فالأظهر والأشهر منعه وعدم حله، ولكن من غير قطع؛ لأنه إلى الآن محل الدراسة ومحل النظر.
أما إذا استقدمه بمعاشٍ معلوم على حسابه، كل واحد له معاش معلوم، سواءًَ عنده أو عند غيره، فهذا لا بأس به؛ لأنه قد ملك منافعه، إذا استقدمه من مصر أو من سوريا أو غير ذلك، كل واحد له كذا من الدراهم معلومة، خمسمائة أو ألف كل شهر، ثم صرفهم في الناس كي يعملوا عندهم، بمعاش معلوم له، ويعطيهم معاشهم، ويستعملهم عند الناس بمعاش آخر أقل أو أكثر، فلا حرج في ذلك، حسب الشروط التي بينه وبينهم حتى تنتهي المدة، ولا بد أن يكون في جنس العمل التي تمت المعاقدة عليه، أو في عمل يرضون به، لا يُكرهون عليه، لا يلزمهم إلا العمل إن تم الاتفاق عليه، أو ما يجانسه ويقاربه، ولا يزيد عليه.
стр. 353
حكم استقدام الكفار والذين لا يُصلون إلى جزيرة العرب
السؤال
بعض العمال لا يصلي، فهل يجوز استقدامهم؟
الجواب
لا ينبغي استخدام الكفار لا من النصارى ولا من لا يصلي، بل ينبغي الاستغناء عنهم بالمسلمين؛ لأن هذه الجزيرة حرم الله جلَّ وعَلا أن يكون فيها دينان، يجب ألا يكون فيها إلا دين الإسلام فقط، لكن يجوز استخدام الكافر بصفة مؤقتة عند الحاجة إليه، كما استخدم النبي ﷺ اليهود في خيبر عند الحاجة إليهم بسبب شغل المسلمين بالجهاد، وكما استأجر النبي ﷺ عبد الله بن أريقط المشرك ليدله على طريق المدينة.
فالمقصود أنه إذا كان هناك حاجة فلا بأس باستقدام الكافر بصفة مؤقتة، ثم يرجع إلى بلاده.
فإذا كان الأمر هكذا؛ فينبغي للمؤمن ألا يستخدم أحداً من الكفرة، ومن لا يصلي؛ لأنه كافر والعياذ بالله! قال النبي ﵊: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) .
وقال أيضاً ﵊: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) .
وقال ﵊ في حديث عبادة بن الصامت: (قال عبادة: بايعنا الرسول ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، قال: إلا إن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) وفي رواية: لما سأله عن قتالهم قال له: (ما أقاموا فيكم الصلاة ... ) فدل ذلك على أن الذين لا يقيمون الصلاة قد كفروا كفراً بواحاً -والعياذ بالله-! فلا يجوز للمؤمن أن يستقدم نصرانياً، أو شيوعياً، أو وثنياً، أو من لا يصلي، من أجل حاجاته الدنيوية التي يمكن أن يستغني عنهم بأناسٍ مسلمين، فإن ذلك هو الواجب، وعلى الأقل هو الذي ينبغي، وطريق الاحتياط إن لم يكن واجباً فإنه متأكِّد، واستقدامهم إما محرم، وإما مكروه، ولا سيما إذا طالت المدة، بخلاف المدة القليلة التي يُستقدمون فيها ثم يرجعون.
فينبغي للدولة وللمسلمين جميعاً أن يلاحظوا هذا، وألا يُستقدم من الكفرة إلا من تبدو لهم ضرورة بصفة مؤقتة؛ لأن هذه الجزيرة هي مهد الإسلام، وهي منبع الإسلام، ولا يكون فيها دينان.
السائل: وبالنسبة لغير الجزيرة فهل يجوز؟ الشيخ: أما مثل الشام والعراق فلا بأس باستقدام الكفرة، ولا بأس باستعمالهم فيها؛ لأنها مشتركة بين المسلمين وغيرهم لكن بشرط أن يكونوا تحت السيطرة، ولا يكون منهم ضرر، فإذا كان استقدامهم يضر بالمسلمين في أي بلد كان فلا يستقدموا فيه، إذا كان يضر المسلمين، أما إذا استقدموهم في الأجرة، ومع مراعاتهم، ومع منع شرهم، ومنع عدم ظهور شعائرهم الخبيثة، فلا بأس بذلك إذا استقدموا في غير الجزيرة.
السائل: وتأجيرهم البيوت، وربما يشربون فيها الخمر، أو يلعبون فيها.
الشيخ: في غير الجزيرة لا بأس، وذنبهم عليهم.
السائل: ولو شربوا الخمر.
الشيخ: ولو شربوا الخمر في بيوتهم، لا يكره الناس غير المسلمين.
стр. 354
حكم أخذ المال بغير رضا صاحبه
السؤال
نحن سكان قرية نتسلم من الضمان الاجتماعي، ولنا شيخ قبيلة عمدة، يأخذ من هذا الراتب بحجة أنه يتعب معنا، فهل المال الذي يأخذه حلال؟
الجواب
هذا الشيخ إذا كان يأخذ القسط من المال برضى العادات التي رتبت لهم من جهة الحكومة فلا بأس، وإلا فليس له أن يأخذ بغير رضاهم؛ لأنه مكلف في هذه الدولة أن يبلغ هذه الأموال إلى أهلها، وشيخ القبيلة كالأمير، أن يبلغ المسلمين حاجاتهم، وأن يكون واسطة بينهم وبين ولي الأمر، فليس له أن يأخذ من معاشاتهم وما تعطيهم الدولة من الضمان الاجتماعي وغيره، ليس له أن يأخذ شيئاًَ من ذلك، بل عليه بحكم وظيفته أن يوصل المال إلى مستحقه، وألا يأخذ شيئاً أبداً إلا برضاهم، فإذا رضوا وقالوا: لك كذا وكذا من المائة [٥] ، أو من المائة [٣] إذا رضوا بذلك، فهذه أجرة له برضاهم، فلا بأس.
السائل: له أجرة من الدولة، له راتب.
الشيخ: المقصود سواء له أجرة أو ليس أجرة، ليس له أجرة إلا برضاهم حتى ولو كان فقيراً.
стр. 355
حكم صلاة أكثر من فرض بوضوء واحد
السؤال
هل يجوز أن أصلي صلاتين بوضوء واحد؟
الجواب
يجوز أن يصلي الإنسان صلاتين وثلاثاً وأربعاً وخمساً بوضوء واحد، والحمد لله، ما دام على الطهارة فله أن يصلي، وقد صلى النبي ﷺ عدة صلوات بوضوء واحد، ﵊.
стр. 356
مشروعية سجود السهو لصلاة النافلة
السؤال
هل سجود السهو مشروع في صلاة النفل والرواتب الست؟
الجواب
سجود السهو مشروع في جميع الصلوات نافلة أو فريضة، إذا سها في الفريضة أو في النافلة سجد سجود السهو، أما الفريضة فأمر واضح وهكذا في النافلة، لو سلم قبل أن يقرأ التحيات ساهياً ثم ذكر، فيعود فيقرأ التحيات ويسجد السهو، كذلك لو نوى تَنَفُّل ركعتين كالراتبة، ثم جلس في الأولى منها يحسب أنه انتهى، ثم ذكر وقام، فيجلس كمن يصلي ويسجد سجود السهو، أو نسي الركوع، سجد ثم انتبه، يعود فيأتي بالركوع ثم يسجد، ثم إذا انتهت الصلاة يسجد للسهو.
стр. 357
حكم بيع التورق
السؤال
نرجو بيان مسألة التورُّق؛ لأنها وضعت في المناهج الفقهية، مع أن ظاهرها ربا؟
الجواب
التورُّق مسألة معروفة، ويسميها العامة (الوِعْدَة) وهو: أن يشتري مالاً من تاجر أو غيره، لا يقصد استعماله وأكله إن كان طعاماً، وإنما يشتريه ليبيعه، ويأخذ نقوده لحاجته إلى الزواج، أو إلى قضاء دين، أو إلى شراء مسكن، أو سيارة، أو ما أشبه ذلك، هذا هو التورق وهو (الوِعْدَة) يذهب إليه يريد العون، فيقول: بِعْنِي مائة طاقة، ومائة كيس سكر، أو سيارة، بِعْنِي إياها إلى أجل معلوم، وقصده من هذا الشراء أن يبيع هذا المبيع في مكان آخر، فيأخذ دراهمه وينتفع بها، فيأخذ السيارة مثلاً، ثم يبيعها في المعرض، ويأخذ دراهمها ليتزوج، أو ليشتري عقاراً، أو ليقضي ديناً، أو ما أشبه ذلك، وهكذا حكم الأكياس التي اشتراها إلى أجل، فيبيعها في أي مكان، ثم يأخذ الثمن، فيَقضي حاجته من زواج أو غيره.
هذه مسألة التورق، ويسميها بعض الناس (الوِعْدَة) وهي جائزة في أصح قولي العلماء، أي: المداينة جائزة، وبيع الآجل جائز، هذا هو الصحيح من أقوال العلماء، وهو داخل في قول الله جلَّ وعَلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] .
فهي مداينة إلى أجل، بيع إلى أجل، أما كون المشتري يستعمل ذلك أو يبيعه فلا يضر ذلك، المشتري إذا اشترى المال له التصرف فيه، إن شاء باعه، وإن شاء أبقاه إلى وقت آخر، وإن شاء استعمله إذا كان يستعمل، وإن شاء أكله إذا كان يؤكل، هذا إليه، ولا حرج فيه، ولم يقل النبي ﷺ ، ولم يقل الله في كتابه أن على المشتري أن يستأنف الشراء، والتجار يشترون إلى آجال، ويبيعون، ويتصرفون، ويطلبون الربح، وهو تاجر ببضاعتة بالأموال الجزيلة إلى آجال، ثم يتصرف بها ويبيع يطلب الربح، وهكذا صاحب الوِعْدَة وصاحب التورق، يشتري السلعة الكبيرة بالثمن الكبير، ليوفي ديناً أشغله أهله، أو ليتزوج، أو ليشتري بيت سكن له، أو ما أشبه ذلك، ويسدد هذا الثمن على أقساط مما يرزقه الله ، ففيها سعة للمشتري، وفيها مصلحة للبائع البائع يستفيد من هذا الأجل ما يُعطاه من الزيادة في الثمن، والمشتري ينتفع بهذه السلعة حتى يتوسع بها في زواجه، أو قضاء دينه، أو شراء سكن له، أو نحو ذلك.
هذا هو الصواب الذي نفتي به، وهو الحق جاء بالدليل.
وهناك مسألة أخرى تسمى: العينة، هي غير التورق، يقال لها: العِينة، وهي من جنس التورق؛ لأنها شراء إلى أجل ولكنها تخالفها؛ لأن المشتري يردها على بائعها بثمن ممقوت، هذا هو الوجه المخالف، فبيع العِينة ممنوع؛ لأنه من الربا، وصفة ذلك: أن تشتري سلعة من إنسان إلى أجل معلوم، مثل أن تشتري سيارة من إنسان بثلاثين ألفاًَ إلى أجل معلوم سنة أو سنتين، أو أقساط، ثم بعد أخذ السيارة التي اشتريتها بثلاثين ألفاً تردها عليه بعشرين ألفاً، أو بخمسة وعشرين ألفاً نقداً، تسلمها له، فهذه معناها: حيلة، السيارة حيلة، والحقيقة: أنه أعطاك خمسةً وعشرين ألفاً بثلاثين ألفاً إلى أجل، وباعها نقوداً بنقود ولكن السيارة جعلت واسطة هذا هو الممنوع، وهكذا كأن تشتري الطوائق أو أكياس أرز أو سكر إلى أجل معلوم، ثم تبيعها عليه بأقل من المال الذي اشتريتها به نقداً، هذه هي العينة، وهي ممنوعة.
أما إذا بعتها على غيره فلا بأس، إذا أخذت السيارة أو الأكياس من هذا التاجر الذي باعك إياها إلى أجل معلوم، ثم بعتها على غيره بما يشاء الله، كان هذا هو التورُّق إذا كنت أردت المال والثمن.
فينبغي العلم بالفرق بين الصفتين، فهذه جائزة وهذه ممنوعة، العينة ممنوعة عند جمهور أهل العلم؛ لأنها وسيلة للربا، ولأنها جُعلت فيها السلعة ذريعة للربا، ووسيلة إلى استحلال ما حرم الله، أما التورق فهي مسألة حصلت للتوسع من المشتري في أداء واجباته التي عليه، وفي قضاء حاجاته من زواج وغيره، أو مصلحة ظاهرة للجميع ضد الربا، وضد الضرر.
فليس كل واحد يجد من يقرضه حتى يقضي حاجته، أو حتى يتزوج، ليس كل واحد منا يجب أن يقرضه أو يعطيه أموالاً يتزوج بها، أو يقضي بها دينه، أو يشتري بها مسكناً، أو نحو ذلك؛ فلهذا يحتاج المسلم في بعض الأحيان إلى بيع التورُّق، وشراء السلعة إلى أجل معلوم، ثم يبيعها بالنقد على غير من باع عليه، ويتوسع بالنقد، هذه هي مسألة التورُّق.
стр. 358
حكم الأكل مع العمال الذين لا يصلون
السؤال
يا شيخ! أنا أشتغل، فإذا اشتغلتُ مع واحد ومعه عامل لا يصلي، وعرفتُ أنه لا يصلي فهل يجوز لي إذا جيء بالطعام أن آكل معه أم لا؟
الجواب
لا بأس أن يأكل معهم؛ لأن هذا عارض، وليس من دلائل الصحبة، ولا مصادقة، بل هذا من العوارض.
فإذا أكل معه عارضاً، وهو يبغضه في الله، وينصحه لله، ويدعوه إلى الله، ويعلمه فيه، فلا حرج عليه؛ بل إنه يستغل الفرصة في نصيحتهم ودعوتهم إلى الله .
стр. 359
واجب المسلمين تجاه الكهان والتحذير منهم
السؤال
نحن شبان القرية، ويوجد لدينا كاهن منذ عشر سنوات تقريباً، وطالبنا أهل البلد القرية بالإعراض عنه، أو التبليغ عنه لدى المحكمة فرفضوا، وحجتهم أنه طبيب يعالج المسحورين مثلاً، وكذلك المصابين بالجن، نرجو إرشادنا إلى الطريق الأصوب في ذلك.
الجواب
إذا كنتَ تعرف أن هذا كاهن فلا تنتظر أن يبلغوا، بلِّغ أنت الحاكم، أو القاضي أو الأمير الذي عندكم، واستعن بالله ثم بالأخيار الذين عندكم، يساعدونك حتى يبلغوا معك، ولا يمكن أن تكون البلاد كلها أشرار، كلهم متفقون على موالاة الكاهن، استعن بالله ثم بالأخيار منهم وبلغوا عنه، حتى يؤدب أو يُنهى من هذا الفعل، من أن يدعي علم الغيب، ومعالجته للمرضى، هذا يؤدب، فإن تاب وإلا وجب قتله؛ لأن السحر كفر بالله جلَّ وعَلا.
стр. 360
حكم من أدى العمرة في أشهر الحج ثم سافر مسافة قصر ثم حج مفرداً
السؤال
بعض الناس يؤدون العمرة في شوال ثم يذهبون إلى المدينة للزيارة، وبعد ذلك ينوون الحج مفردين ولا يهدون، فما حكم هذا؟
الجواب
هذا يقع كثيراً، بعض الناس من الشام، أو من مصر، أو من أفريقيا، أو من نجد، أو من غير ذلك، يؤدون العمرة في شوال، أو في أول ذي القعدة، أو في أثناء ذي القعدة، فإذا فرغوا من العمرة توجهوا إلى المدينة للزيارة، أو إلى الطائف، أو إلى جدة، أو غير ذلك، يريدون الحج والعمرة جميعاً.
فذهب بعض أهل العلم إلى أن من سافر للعمرة مسافة قصر ثم أراد الحج من الميقات الذي يمر عليه، فإنه يكون بهذا قد نقض تمتعه، ويسقط عنه الدم؛ لأن السفر الذي تجاوز به مسافة قصر كذهابه إلى منى وإلى الطائف ونحو ذلك، ورُوي أنه لا ينقض متعته بذلك ما دام جاء للحج، ولكنه استغل الفرصة، وذهب إلى المدينة؛ لأن الوقت فيه سعة، أو إلى الطائف يسكن فيها ويزور فيها أصحاباً له، وقالوا: هذا لا يسقط عنه الدم، بل هو متمتع، وإن ذهب إلى المدينة ورجع بحج مفرد، أو إلى الطائف وجاء إلى الحج لا يسقط عنه الدم، وهذا القول أظهر وأقرب إلى الصواب.
فينبغي لمثل هذا أن يهدي وألا يترخص برخص السفر؛ لأنه متمتع، وتعمه الآية الكريمة في قوله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] وإن تمتع بالعمرة وحل منها، وسافر وأتى أهله فهو متمتع، فينبغي له أن يُهدي، بخلاف الذي رجع إلى بلاده وأقام فيها بنية الحج المفرد، فهذا عند عامة أهل العلم على أنه لا هدي عليه، يأتي إنسان من الشام أو من الرياض عمرة في شوال أو ذي القعدة، ثم رجع إلى بلاده وأقام فيها، ثم جاء بحج مفرد وقت الحج، هذا قول جمهور أهل العلم وأكثرهم على أنه لا هدي عليه؛ لأنه جاء بحج مفرد.
وجاء عن ابن عباس ﵄: أن عليه الهدي ولو رجع إلى بلاده، لكن المعروف عن ابن عمر ﵄ أن من ذهب إلى بلاده ثم رجع بحج مفرد لا شيء عليه، وبه قال أكثر أهل العلم، فهذا لا شيء عليه، وإن أهدى تطوعاً أو احتياطاً فحسن.
стр. 361
حكم صبغ اللحية بالسواد، وصفة الجرب الذي يمسح عليه
السؤال
ما صحة الحديث في صبغ اللحية بالسواد؟ وما هي صفة الجورب التي يجوز المسح عليها؟
الجواب
السنة للمسلم تغيير الشيب، لا يدعه أبيض، يغيره بالصفرة والحمرة، أو بالحمرة والسواد مختلطَين، حتى لا يكون سواداً خالصاً مثل الحناء والكتم، هذا هو السنة، فقد كان النبي ﷺ يغير شيبه وهكذا الخلفاء، وهكذا الصحابة ﵃، كانوا يغيرون الشيب بما تيسر من الحناء والزعفران، ونحو ذلك.
أما تغيير الشيب إلى السواد الخالص فهذا لا يجوز؛ لأنه ثبت عن رسول الله ﵊ أنه أمر بتغيير الشيب، وأمر بتجنيبه السواد، ولما رأى والد الصديق رضي الله تعالى عنهما، وهو عثمان بن عامر التيمي، وهو مشهور بـ أبي قحافة، لما رأى رأسه ولحيته قد امتلأت بياضاً قال: (غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد) أمر أبا بكر أن يغير شيب أبيه، وأن يجنبه السواد، فدل ذلك على أن السنة تغيير الشيب، ولكن لا بالسواد الخالص، بل بغير السواد.
وفي المسند وسنن أبي داود بإسناد جيد، عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﵊ قال: (يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة) وهذا وعيد شديد يدل على تحريم صبغ الرأس بالسواد الخالص؛ أي: كله، ليس فيه خلط أحمر ولا أصفر ولا غيره، سواد كالح، هذا ممنوع.
أما إذا كان مخلوطاً بالحمرة، بالحناء، أو بما يجعله بين السواد والحمرة، فلا بأس.
أما المسح على الجورب فلا بأس به، والخف من الجلد، والجورب يكون من القطن أو الصوف أو الشعر إذا كان ساتراً، ولبسه على طهارة، فإنه يمسح عليه، وقد ثبت عن رسول الله ﵊ أنه مسح على الجوربين والنعلين، وثبت عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يمسحون على الجوارب؛ ولأنها من جنس ما يستر القدم، وتقيه البرودة، وتقيه الشوك ونحوه، فلا بأس بذلك.
стр. 362
حكم المبيت الليلة الثالثة بمنى أيام التشريق
السؤال
نرجو بيان حكم ما يلي: المبيت الليلة الثالثة بـ منى؟
الجواب
المبيت ليس بلازم، من شاء بات ومن شاء نَفَرَ قبل غروب الشمس؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣] واليومان: يوم الحادي عشر، والثاني عشر، ويوم العيد لا يُعد منها، يوم العيد يظن بعض العامة أنه يُعد، لكنه لا يُعد منها، اليومان: الحادي عشر، والثاني عشر، هذا هو التعجُّل، وإذا شاء أن يجلس للثالث عشر، ولا يلزمه المبيت في ليلة الثالث عشر، لكن إذا غابت عليه الشمس وهو في منى فيلزمه أن يبيت ويبقى حتى تطلع الشمس من اليوم الثالث عشر، فيرمي ثم ينفر بعد ذلك، ثم ينتهي الرجم بعد الثالث عشر، لو بقي في منى بعد ذلك في الرابع عشر فلا يرمي؛ لأن الرمي انتهى في الثالث عشر، إذا رمى بعد الزوال في الثالث عشر تم له الرمي؛ لأنه لم يتعجل، كما أفتى بهذا عمر ﵁ وأرضاه، ويبقى في الثاني عشر والثالث عشر، ثم يرمي الجمرات الثلاث، ثم ينفر إذا شاء.
стр. 363
حكم التسبيح باليمنى فقط
السؤال
ما حكم الأذكار باليد اليمنى فقط دون اليسرى؟
الجواب
حكم الأذكار باليمنى هو أفضل؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ أنه كان يسبح بيمينه، وفي الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله يعجبه التيمُّن، في تنعله، وطهوره، وترجله، وفي شأنه كله) .
فكونه يعد الأذكار باليمين أفضل، وإن عدَّها بالشمال فلا حرج، وقد جاء في بعض الأحاديث ما يدل على ذلك؛ لكن باليُمنى أفضل السائل: هل يكون التيمن في اللبس والخلع سواء؟ الشيخ: عند اللبس تلبس اليمنى قبل اليسرى، وعند الخلع تخلع اليسرى قبل اليمنى، وهكذا تفعل في السراويل، والقميص، تبدأ بالكم الأيمن قبل الأيسر في اللبس، وتبدأ بالأيسر في الخلع، أما النعلان والخفان والملابس التي لها كمان، ففي اللبس تبدأ باليمين، والخلاء تبدأ باليسار، هكذا السنة عن رسول الله ﵊.
السؤال: ما حال الأحاديث التي ترد في فضل التسبيح باليمين؟ الجواب: نعم.
قد رواها الترمذي وأبو داود وغيرهم ولا بأس بذلك، وهو الأفضل.
стр. 364
راتبة العشاء
السؤال
ما هي فضيلة أربع ركعات بعد العشاء؟
الجواب
الراتبة ركعتان، وإن صلى أربع ركعات فلا بأس، فقد جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ كان يصلي أربعاً قبل أن ينام) وإذا فعلها الإنسان فلا بأس، وإن اقتصر على ركعتين فهي الراتبة، والراتبة التي كان يحافظ عليها: بعد العشاء ركعتان، ثم ينام، ويقوم في آخر الليل يتهجد ﵊.
стр. 365
كيفية الدعوة في البلاد الأجنبية
السؤال
كيف يقوم المسلم بالدعوة في البلاد الأجنبية؟
الجواب
يقوم بالدعوة بالتجول في المواضع التي يستطيع التجول فيها، بلغة القوم، أو بمترجمين يترجمون له بلغتهم، فيدعوهم، فإن كان القوم وثنيين أو نصارى أو يهود دعاهم إلى الإسلام، وبيَّن لهم دين الإسلام بالأسلوب الحسن، بالأسلوب اللين الواضح، ويبين لهم أن دينهم الذي هو اليهودية أو النصرانية منسوخ، وأن محمداً ﷺ بعث للناس عامة، وأن الواجب على أهل الأرض جميعهم اتباعه، والانتهاج بشريعته، وأن من مات على اليهودية أو النصرانية فقد مات على غير الإسلام، فيكون من أهل النار، يبين لهم هذا بالأسلوب الواضح وباللغة الواضحة التي يعرفونها؛ ولكن بالحكمة والكلام الطيب وعدم العنف، ويبين لهم ما لهم عند الله من الخير العظيم، وأن هذا الإسلام هو الدين الحق، وديننا ليس يوجد دين سواه، ويبين له بطلان الأديان الأخرى ببعث محمد ﵊، وأن شريعته عامة للناس، وأن جميع الشرائع قد نسخت كلها، وهكذا إذا كان في بلاد أخرى مسلمة، وقد شاع بينهم الخمر، والربا، وغير ذلك، أن يبين لهم ما شاع بينهم، وأنه باطل ومحرم ومنكر، بالوسائل الناجعة الجيدة، ويقيم الأدلة من الآيات والأحاديث، ويُرغِّبه في الحق، ويحذره من البقاء على المعاصي، وأن بقاءه عليها من أسباب دخول النار، ومن أسباب مرض القلوب، والانحراف عن الهدى، والزيغ، إلى غير ذلك، وهو يستعمل الأسلوب الناجع مع بيان الأدلة من القرآن والسنة، مع العناية بالترجمة إذا كان المدعو غير عربي، أو كان من العرب وهو غير عربي، فيستعين بالترجمة.
стр. 366
حكم أخذ المال الزائد عن العوض
السؤال
تسببت إحدى الشركات في تلف سيارتي، ودفعوا لي مبلغ ألف وثمانمائة ريال، وذهبتُ فأصلحتها بألف وثلاثمائة، فهل تحل لي الخمسمائة الباقية؟
الجواب
لا حرج في ذلك، إذا أعطوه ما يرضيه ألفاً وثمانمائة وما أشبه ذلك، وأصلح الخراب بأقل فلا حرج عليه في الزائد؛ لأنهم أعطوه برضاهم.
أما إذا قالوا له: أصلحها، ورد علينا الزائد، فيصلحها ويرد عليهم الزائد.
أما إذا أعطوه إياها طيبة من أنفسهم من غير محاكمة ولا غير ذلك، إذا أعطوه طيبة من أنفسهم له، فهو يصلحها بما شاء، أو يأخذها ولا يصلح السيارة.
стр. 367
حكم إقامة صلاة جماعة ثانية في المسجد
السؤال
ما حكم أداء جماعة ثانية لفرض من الفروض في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب؟
الجواب
إذا جاء الإنسان وقد صلى الناس ووجد جماعة، فإن السنة أن يصلي جماعة، ولا يصلي فرداً، يصلي جماعة، لأن الجماعة مطلوبة، وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله ﷺ تحث على الجماعة، بغير تقييد للجماعة الأولى، بل عمَّم ﵊ وأطلق حتى قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين ودرجة) -وفي لفظ آخر: (بخمس وعشرين ضعفاً) - فهذا يدل على العموم.
وهكذا حديث أبي بن كعب: (صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أفضل من صلاته مع الرجل، وكلما أكثر فهو أحب إلى الله .
وهكذا حديث الذي دخل والناس قد صلوا، فقال النبي ﷺ لبعض الحاضرين: (من يتصدق على هذا ويصلي معه) فقام بعض الصحابة وصلى معه جماعة.
وثبت عن بعض الصحابة ك أنس ﵁ وأرضاه، أنه كان إذا أتى المسجد وقد صلوا صلى بأصحابه جماعة.
ورُوي عن بعض السلف أن الأفضل أن يصلي وحده، ويرجع إلى بيته ويستحي، ولكن هذا قول ضعيف، والراجح والأقرب والصواب أنه يصلي مع الجماعة إذا تيسر في المسجد أو في غيره، حسب التيسير، هذا هو الصواب والصحيح من القولين، أن الأولى والذي ينبغي أنه إذا أدرك جماعة يصلي معهم؛ اغتناماً لفضل الجماعة، وعملاً بالحديث الصحيح في ذلك، وعملاً بالآثار عن بعض الصحابة ﵃ وأرضاهم.
وأما قول من قال: إنه يصلي وحده فرداً، ويصلون أفراداً، فهذا قول ضعيف لا وجه له، ولا ينبغي أن يعوَّل عليه.
стр. 368
حكم الحنث في اليمين وتكراره
السؤال
حلفت على شخص ألا آكل ذبيحته، ولكن بعدما رأيت أنه قد ذبح قلتُ: أستغفر الله! فهل يلزمني كفارة اليمين؟ وإذا تكرر هذا فهل تتكرر الكفارة أيضاً؟
الجواب
إذا وفد إنسان على آخر وتكلف له وليمة، وحلف ألا يأكل منها، أو ألا يأكل ذبيحته، أو طلَّق على ذلك قصد منعه، أو قال: عليَّ الحرام ما آكل، قصد منعه، فإن هذا كله في حكم اليمين، ولو أنه بلفظ الحرام أو الطلاق، ولهذا فإنه إذا كان قصده منعه من هذه الوليمة أو من هذه الذبيحة، وليس قصده تحريم أو فراق أهله، وإنما قصده أن يعظم عليه الأمر حتى يمتنع، فهذه حكمها حكم اليمين؛ لقول الله جلَّ وعَلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:١-٢] .
والمقصود أن مثل هذا حكمه حكم اليمين، ولو كرر ذلك مرات كثيرة فحكمه يمين واحدة، إذا كان الشيء على واحد إذا كان التكرار على طعام واحد، أو على ذبيحة واحدة، فإن التكرار حكمه حكم الواحدة، فيه كفارة اليمين، وهي: إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، من قوت البلد من بر أو غيره، أو كسوتهم، يُعطى كل واحد قميصاً أو إزاراً ورداءً، هذه هي كفارة اليمين، وإن عشاهم أو غداهم بطعام مصنوع جاهز كفى ذلك.
السائل: لكن إذا كان الموضوع يختلف، فهل كل موضوع له كفارة؟ الشيخ: أي نعم.
إذا حلف على ذبيحة هذا وعلى ذبيحة هذا وعلى ذبيحة هذا، فكل واحد له كفارة.
السائل: لو قال بعدما رأى من صاحب الذبيحة: أستغفر الله وأتوب إليه.
الشيخ: يأتي ولو استغفر بكفارة يمين.
السائل: لا بد من كفارة اليمين؟ الشيخ: لأنه ليس بذنب، هذا ليس بذنب، إنما تركه أولى، أما التحريم فهو ذنب يستغفر ربه منه، ليس للمسلم أن يحرم ما أحل الله له، يقول: عليَّ الحرام أني ما آكل، وعلي الحرام من بيت فلان، أو كذا، ما ينبغي له، هذا ذنب ومعصية ينبغي له التوبة من ذلك مع كفارة يمين إذا حلف على الترك.
стр. 369
حكم الوفاء بما حلف به
السؤال
إذا حلف رجل يميناً وقال: عليَّ صيام سنة أني ما آكل ذبيحتك، ولكن صاحبه ذبح الشاة فأكل هل يلزم صيام السنة أو كفارة اليمين؟
الجواب
هذا حكمه حكم اليمين، عليه صيام سنة، أو عليه الحج إلى بيت الله، أو عليه أن يذبح كذا وكذا من الإبل أو الغنم، كل هذا المقصود به النهي، وليس المقصود به التقرب إلى الله، المقصود منعه من التصرف، أو منعه من الذبيحة، فهذا حكمه حكم اليمين، ولا شيء عليه سوى كفارة يمين فقط إذا أكل.
стр. 370
حكم من فرّط في رعاية الطفلة الرضيعة حتى ماتت
السؤال
أم ذهبت لأداء الحج وتركت طفلتها الرضيعة ولها أربعة شهور عند أخواتها الكبار، ولما عادت وجدت الطفلة قد توفيت، فهل عليها شيء، على الرغم من أن أخوات الطفلة لم يقصروا في العناية بها؟
الجواب
إذا سافرت امرأة للحج أو غيره، وتركت طفلتها عند أخواتها، أو عند أخت من أخواتها اللاتي يستطعن أن يصنَّ الطفلة ويحسن إليها، فلو ماتت الطفلة بعد ذلك فلا حرج على الوالدة المسافرة، إذا كانت البنت التي بيدها الطفلة قد اعتنت بها، أما إذا كانت البنت التي عندها الطفلة قد قصَّرت وسعت فيما يوجب موت الطفلة، فهذا إثمه على البنت التي ماتت عندها الطفلة، والكفارة عليها لا على المرأة المسافرة، المسافرة ما عليها شيء، إذا تركتها عند من يعتني بها ويقوى على ذلك، لا شيء عليها.
стр. 371
كيفية تشميت العاطس
السؤال
ماذا يقال في تشميت العاطس؟
الجواب
إذا عطس الإنسان وحمد الله يقال له: يرحمك الله، وهو يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، هذا ورد عن النبي ﷺ ، قال ﵊: (إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له: يرحمك الله، فإذا قال: يرحمك الله فليقل له: يهديكم الله ويصلح بالكم) هذه هي السنة، أما إذا لم يحمد الله فيسكت ولا يُشمَّت، فلا يقال: يرحمك الله، حتى يحمد ربه، هذه هي السنة، فينبغي أن يرفع صوته حتى يسمعه من حوله: الحمد لله، حتى يدعو له من حوله، لا يسكت بينه وبين نفسه، بل يظهر صوته حتى يحصل هذا الدعاء من إخوانه، ويقول له: يرحمك الله إذا قال: الحمد لله، وهو يقول له: يهديكم الله ويصلح بالكم، وبعض الناس يقول: يهدينا ويهديك الله، والأفضل اتباع السنة، أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم.
стр. 372
حكم المتاجرة مع الدول الكافرة
السؤال
ما حكم المتاجرة مع الدول التي لا تدين بولاء للإسلام؟
الجواب
لا بأس بالمتاجرة معها شراء حاجات شراء طعام، أو ملابس، أو سلاح، لا بأس، هذا لا يلزم الموالاة، يشتري السلاح والحاجات من كل دولة، ولو أنها كافرة؛ لكن بشرط أن يكون ذلك لا يجر إلى موالاتها، ولا يجر إلى استحسان دينها، بل إنما هو تعاون فيما ينفع المسلمين، فهو يشتري منها الطعام والحاجات الأخرى والسلاح، لا يضره ذلك إذا كان لا يتضمن الموالاة لها، ولا فعل ما حرم الله جلَّ وعَلا، والنبي ﷺ اشترى من الكفار وعاملهم، كما اشترى من يهودي طعاماً، واشترى من أعرابي كافر غنماً، إلى غير ذلك، فالبيع والشراء مع الكفرة لا حرج فيه، المهم الممنوع هو موالاتهم ومحبة دينهم، ومحبتهم ونصرهم على المسلمين، هذا هو الممنوع، أما كونه يشتري منهم أو يتاجر معهم مع بغضهم في الله، فلا حرج في ذلك.
стр. 373
حكم من فاتها قضاء الصيام لعدة أعوام
السؤال
لي أخت مر عليها عدة أعوام ولم تقضِ الأيام التي كانت تفطرها أيام الحيض، والسبب أنها جاهلة بالحكم، وكان الناس العاميون يقولون لها: ليس على المرأة قضاء في الإفطار بسبب الحيض، فماذا عليها أن تفعل إذا ما ذكَرَت الذي فاتَها؟
الجواب
على التي أفطرت في رمضان لحيض ولم تقضِ، ومضى عليها سنوات بسبب جهلها، أو بسبب تلبيس بعض النساء عليها، عليها أن تستغفر الله وتتوب إليه، وعليها أن تصوم ما أفطرت من أيام، وتطعم عن كل يوم مسكيناً مع ذلك؛ لأنها أخرت الصيام بغير حق، فعليها الصوم وقضاء عدد الأيام التي أفطرتها، وعليها مع ذلك إطعام مسكين عن كل يوم، كما أفتى به جماعة من الصحابة ﵃ وأرضاهم، ولا يسقط عنها ذلك بقول بعض السفيهات لها: لا عليك شيء، فقد أجمع العلماء على أن المرأة إذا أفطرت في رمضان أنها تقضي الصيام.
وأما الصلاة فلا تُقضى، قالت عائشة ﵂: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) رواه البخاري ومسلم في الصحيحين.
فالمرأة إذا حاضت أو نفست في رمضان، عليها بعد الطهر أن تقضي ما أفطرته من أيام رمضان في بقية السنة قبل رمضان الثاني، فإذا جاء رمضان ولم تقضِ أثمت، وعليها القضاء بعد ذلك، وتُطعم مسكيناً عن كل يوم بعد رمضان.
أما الصلاة فلا تقضى، وهذه من رخص الله جلَّ وعَلا، الصلاة في الحيض والنفاس لا تقضى؛ لأنها تتكرر كثيراً، ولو طلب منها القضاء لشق عليها ذلك كثيراً، فمن رحمة الله أن أسقط عنها ذلك، وجعل الصلاة تسقط عن الحائض والنفساء، ولا تقضى، هذا من رحمة الله جلَّ وعَلا، أما الصوم فيجب قضاؤه.
стр. 374
كيفية صلاة المريض
السؤال
بعض الناس الذين يمرضون، وتُعْمَل لهم عمليات، تأتي أوقات صلوات ولم يصلوا، فهل يقضونها أم لا؟
الجواب
هذا غلط من المرضى، بعض المرضى -كما ذكر السائل- لا يصلي، وهذا غلط، والواجب على المريض أن يصلي على حسب طاقته، إن كان يستطيع القيام صلى قائماً، وإذا لم يستطع القيام صلى قاعداً، وإذا لم يستطع القعود صلى على جنبه، وإذا لم يستطع على جنبه صلى مستلقياًَ، هكذا أمر النبي ﵊، والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .
ولما اشتكى عمران بن حصين للنبي ﷺ لمرض قال: (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب، فإن لم تستطع فمستلق) هذا ما يجب عليك يا عبد الله، ولا يجوز لك التأخير، تقول: أنا الآن مريض، وأنا لا أحسن الطهور، أو كذا أو كذا! لا.
صلِّ على حسب حالك، ولو بالتيمم ولو بالتعفُّر بالتراب إذا شق عليك الماء لمرض، أو ما تيسر لك الماء؛ لأن ما عندك أحد يلاحظك، ولم يتيسر من الممرضين أن يجيئوا بالماء، فعليك أن تصلي ولو بالتيمم.
وهكذا المرأة عليها الصلاة، إذا كانت مريضة، والصلاة تكون ولو لغير القبلة وأنت على السرير ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، يصلي على حسب حاله، إن تيسر له أن يتوضأ وأن يصلي إلى القبلة، فعلى ذلك وجب عليه ذلك، فإن لم يتيسر ذلك ولم يكن عنده من يلاحظه، صلى في ثيابه التي فيها النجاسة، وعلى فراشه، وليس عليه إلا ذلك.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .
أما إذا تيسر له من ينظفه ويعتني به ويلبسه ثياباً حسنة للطهارة والصلاة، ويغسله من أوساخه، إذا تيسر له ذلك ويستطيع ذلك، ولا يشق على الإنسان المرض وجب عليه ذلك.
أما إذا كان الماء يضره ويزيده ألماً، فإنه لا يلزمه الماء، ولكن يؤتى له بتراب في إناء أو في كيس أو أشباه ذلك، ويضرب التراب بيديه، ويمسح وجهه وكفيه، وإن كان يعجز فيُضربُ له التراب بيديه ويُمسحُ بهما وجهه وكفاه ويكتفي بأمره هذا، ثم يصلي على حاله، فإن كان قاعداً صلى إيماءً، وإن لم يستطع السجود في الأرض صلى بالإيماء ويجعل السجود والركوع بالنية، ويخفض رأسه وظهره حسب طاقته، وإن كان لا يستطيع ذلك صلى قاعداً، ونوى الركوع والسجود، وأتى بالأذكار المشروعة في كل وقت، فيكبر ويقرأ في أول الصلاة، ويكبر ويركع بالنية ويقول: سبحان ربي العظيم، ويقول: سمع الله لمن حمده، ويرفع بالنية، ويقول: ربنا ولك الحمد، ويكبر ويسجد بالنية، وهو جالس أو على جنبه أو مستلقٍ بالنية، نية السجود والركوع، وقراءة التحيات، إلى غير ذلك، فيفعل أمور الصلاة بالنية والكلام إذا كان عاجزاً عن الحركة، سواءً كان قاعداً أو على جنبه أو مستلقياً، فينبغي أن نفهم هذا جيداً، وينبغي لكل منا أن يبلغ المرضى ذلك، والذي ترك ذلك بسبب اعتقاده أن هذا أولى، وأنه سيقضي بعد ذلك، فعليه القضاء بعد الصحة، يقضي ما ترك من الصلوات التي تركها، إلا إذا كان قد ذهب عقله، ولم يعرف ما فاته بسبب شدة المرض، أي: ذهب بعقله، كما يقع لكثير من المصابين بالدهس وأشباه ذلك، فإذا كانت الأيام كثيرة سقطت عنه الصلاة، أما إذا كانت يومين أو ثلاثة، بسبب الغشيان الذي أصابه؛ لأن هذا نوع من الإغماء، فإذا كان مدة يسيرة يقضي، أما إذا كانت مدة طويلة فحكمه حكم المجنون والمعتوه لا قضاء عليه.
السائل: ترتبيها كيف يكون؟ الشيخ: يرتب كما أمر الله، يبدأ بالفجر، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ثم الفجر، ثم الظهر.
وهكذا يرتبها.
السائل: والصلاة التي حلت عليه.
الشيخ: صلِّ الصلاة في وقتها واقضِ الفروض.
السائل: أصلي الوقت هذا؟ الشيخ: صلِّ ما تيسر قبلها، ثم صلِّها، ثم اقض الفروض.
стр. 375
حكم المناديل المعطرة بالكحول
السؤال
ما رأي سماحتكم في المناديل المعطرة بالكحول، والتي توزعها وزارة المعارف مع وجبات التغذية اليومية في المدارس؟
الجواب
لا أعرف عنها شيئاً، لكن إذا عُرِف أنها معطرة بأشياء مسكرة فلا يجوز استعمالها؛ لأنها نجسة عند أكثر أهل العلم، ولأن هذا فيه استعمال لما حرم الله، فلا ينبغي.
هذا إذا ثبت.
стр. 376
حكم التصوير الفوتوغرافي
السؤال
ما رأيكم في التصوير الفوتوغرافي بالآلة؟ وهل حكمها حكم الصور التي لا ظل لها؟
الجواب
التصوير للحيوانات ولذوات الأرواح كله ممنوع، سواء كانت شمسية فوتوغرافية، أو كان بالنحت واليد، أو بأي نوع من أنواع التصوير، كل أنواع التصوير شمسياً أو جسمياً باليد أو بغير اليد، كله ممنوع؛ لقول النبي ﵊: (كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً يعذب بها في جهنم) ، ولقوله ﵊ (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) .
وقوله ﵊: (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال: أحيوا ما خلقتم) .
ولما ثبت عنه ﷺ أنه (لعن آكل الربا وموكله، ولعن المصور) .
هذه وما جاء في ذلك كلها تدل على تحريم التصوير مطلقاً، ولو كان شمسياً، في قرطاس ونحوه؛ ولأنه لما رأى تصاوير في ستر عند عائشة، هتكه، وتغيَّر وجهه، وقال: (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال: أحيوا ما خلقتم) وهو ستر، فأخذته عائشة ومزقته وجعلته وسادتين للنبي ﵊؛ ولأنه لما رأى صوراً في جدار الكعبة، أخذ ماءً وثوباً وجعل يرش الماء ويزيل هذه الصور بالثوب، حتى محاها من الجدار.
هذا هو الواضح من سنته ﵊.
وأما تساهل الناس اليوم بالتصوير، فقد ملئوا الدنيا بالتصوير، وهذا تساهل لا وجه له، وهو يدل على قلة المبالاة، وعلى ضعف الدين ممن تعاطاه، والله المستعان.
السائل: هل هناك فرق بين الراضي وغير الراضي؟ الشيخ: على الفاعل والراضي، إلا إذا كان لضرورة كمن يضطر فهو كالمكره، فإذا اضطر إلى ذلك كأخذ التابعية والجواز، يحتاج إلى جواز السفر، أو رخصة قيادة، هؤلاء المضطرون والمحتاجون هم أشبه الناس بالمكره، فنرجو ألا يكون عليهم بأس إذا كانت قلوبهم غير راضية بهذا الشيء، كارهة، ولكن أخذوه للحاجة، والضرورة دعتهم إلى ذلك.
السائل: اللعب التي للأطفال الصغار هل تجوز؟ الجواب: لا يصلح هذا، الصور كلها ممنوعة، لا للكبار ولا للصغار، أما إذا كان لهم لعب عادية ليس فيها صور، فلا بأس، الألعاب العادية التي ليس فيها صور.
السائل: ما حكم المال الذي يكتسب من الصور؟ الجواب: المال الذي يُكتسب من الحرام لا يجوز، وما يُكتسب من الحرام كالربا أو الصور أو غيرها، ويحج به فالحج صحيح، وهو آثم، حجه صحيح، وهو آثم.
السائل:.
الجواب: إثمها عليهم، لا تصور أنت وإثمها عليهم، الذين صوروها عليهم الإثم، وأن تُسأل عن هذا، وعمَّن هذا؟ وعمَّن هذا؟ لكن لا تصور، المصيبة أنهم يطلبون منك أن تصور أنت، فلا تصور.
السؤال:! الجواب: الدرس أسهل، إذا كانت لا تصور أسهل، إذا كان يوجد فائدة من منافع هذا الحيوان، تقرأ وتأخذ فوائد من منافع هذا الحيوان، وخواص هذا الحيوان، كما تقرءوه في بعض الكتب الأخرى من فائدة، فأنت لا ترضى التصوير ولا تفعل بالتصوير، وفي كتب الحيوانات قد يصوَّر فيها بعض الحيوانات.
стр. 377
حكم الدعاء للوالدين في الصلاة وكذا قراءة القرآن لهما
السؤال
إن الدعاء في صلاة الفريضة لا يجوز للوالدين، والقرآن لا يجوز أن يُجعل ثواب الختمة لوالديه، وإذا بدأ يطوف بالكعبة، لا يجوز أن يجعل ثواب السبع لوالديه! أفيدونا.
الجواب
أما الدعاء في الصلاة فلا بأس أن يكون لنفسه ولوالديه، الدعاء مطلوب للوالدين وللمسلمين، فإذا دعا في الصلاة في سجوده، أو في آخر الصلاة لنفسه أو لوالديه فلا بأس، بعض العامة يظن أن الدعاء يكون له وحده، وهذا تحجُّيرٌ لواسع، بل يدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين، في الصلاة وغيرها، في السجود، وفي التحيات، وفي الفريضة، وفي النافلة، كل هذا لا حرج فيه؛ لأن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: (أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) .
وقال ﵊: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمنٌ أن يستجاب لكم) ولم يقل: في النافلة فقط، بل عمَّم، وعندما علم أصحابه التحيات قال: (ثم ليختر من الدعاء ما أعجبه ثم يدعو) ، هكذا قال في الصحيحين من حديث ابن مسعود، عندما علمه التشهد، قال: (ثم ليختر من الدعاء ما أعجبه ثم يدعو) ، ولم يقل: لنفسه، فإذا قال: اللهم اغفر لوالدَيَّ، أو اللهم اقض حوائج المسلمين، أو اللهم انصر دينك، أو اللهم وفق ولاة أمر المسلمين، هذا كله طيب، أما ما يقوله بعض العامة أنه لا يدعو إلا لنفسه، فهذا قول لا أساس له.
وأما تثويب القراءة في الطواف للوالدين، أو لغيرهم من المسلمين، فهذا محل خلاف بين العلماء: بعض أهل العلم يرى أنه لا بأس به، ويقول: إن هذا من جنس الضحية عنه والصدقة عنه، يجوز الدعاء لهم، وهذا قول الأكثرين، إذ لا بأس أنه يطوف عن الميت ويثوب له الطواف، ويثوب له الصلاة، ويثوب له القراءة، لا بأس.
وقال آخرون من أهل العلم: الأولى أنه يقتصر على الوارد، مثل: أن يصوم عن الميت إذا كان يصوم، ومثل الحج عنه، ومثل الدعاء له، ومثل الصدقة عنه، هذا هو الوارد، ومن أراد القراءة له، أو الصلاة أو الطواف، فهذا ما ورد، فتركه أولى.
وهذا قولٌ حسن، ولكن لا نقول بالتحريم، نقول: أحسن وأولى، ولا ينبغي التشديد في هذا، لكن يقال: هذا أولى، كونه يقرأ لنفسه ويدعو لوالديه يطوف لنفسه ويدعو لوالديه في الطواف يصلي لنفسه ويدعو لوالديه في الصلاة، هذا طيب، أما أن ينوي الصلاة عن والديه، أو قراءة عن والديه، أو يطلب ثواب صلاته لوالديه، أو ثواب قراءته، هذه لا أصل لها واضح، ولا دليل عليها واضح، وأكثر العلماء قاسوه على الصوم عن الميت، والحج عن الميت، وأنه عن العاجز، والصدقة عن القاصر، وهذا على هذا، وقالوا: إن هذا مثل هذا.
وبعض أهل العلم قال: لا وجه للقياس في هذا، والأولى عدم القياس، وأن يُقتصر على الوارد، وهذا أحسن إن شاء الله، ولكن لا نقول: إنه يحرم، أو إنه باطل، لا.
لكن نقول: هذا أولى، والاقتصار على الوارد أولى وأحسن وأحوط.
والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 378
وجوب العمل بالسنة
إن منزلة السنة من الدين عظيمة، ومكانتها في الشريعة رفيعة، كيف لا وهي مصدر التشريع الثاني بعد القرآن، فما ثبت في سنة نبينا ﵊ لزمنا العمل به امتثالاً لأمر الله القائل: (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، ولو تأملنا حال الصحابة والتابعين الكرام لوجدناهم خير من قام بسنة رسول الله حق القيام.
стр. 379
مكانة السنة في التشريع
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وأصحابه أجمعين وبعد: اختير لهذا اللقاء أن تكون المحاضرة عن السنة ومكانتها في الإسلام وأصول التشريع.
والسنة من المعلوم عند جميع أهل العلم أنها الأصل الثاني من أصول الإسلام، وأن مكانتها في الإسلام الصدارة بعد كتاب الله، فهي الأصل المعتمد بعد كتاب الله بإجماع أهل العلم قاطبة، وهي حجة قائمة مستقلة على جميع الأمة، من جحدها أو أنكرها، أو زعم أنه يجوز الإعراض عنها والاكتفاء بالقرآن فقط؛ فقد ضل ضلالاً بعيداً، وكفر كفراً أكبر، وارتد عن الإسلام بهذا المقال، فإنه بهذا المقال وبهذا الاعتقاد يكون قد كذب الله ورسوله، وأنكر ما أمر الله به ورسوله، وجحد أصلاً عظيماً، أمر الله بالرجوع إليه والاعتماد عليه والأخذ به، وأنكر إجماع أهل العلم، وكذب به وجحده.
وقد أجمع علماء الإسلام على أن الأصول المجمع عليها ثلاثة: الأصل الأول: كتاب الله.
والأصل الثاني: سنة رسول الله ﵊.
والأصل الثالث: إجماع أهل العلم.
وتنازع أهل العلم في أصولٍ أخرى أهمها: القياس.
والجمهور على أنه أصل رابع إذا استوفى شروطه المعتبرة.
أما السنة فلا نزاع ولا خلاف في أنها أصل مستقل، وأنها الأصل الثاني من أصول الإسلام، وأن الواجب على جميع المسلمين بل على جميع الأمة الأخذ بها، والاعتماد عليها، والاحتجاج بها إذا صح السند عن رسول الله ﵊.
وقد دل على هذا المعنى آيات كثيرات في كتاب الله، وأحاديث صحيحة عن رسول الله ﵊، كما دل على هذا المعنى إجماع أهل العلم قاطبة، على وجوب الأخذ بها والإنكار على من أعرض عنها أو خالفها.
وقد نبغت نابغة في صدر الإسلام أنكرت السنة؛ بسبب تهمتها للصحابة ﵃ وأرضاهم كـ الخوارج؛ فإن الخوارج كفروا كثيراً من الصحابة، وفسقوا كثيراً، وصاروا لا يعتمدون -بزعمهم- إلا على كتاب الله؛ لسوء ظنهم بأصحاب رسول الله ﵊، وتابعتهم الرافضة فقالوا: لا حجة إلا فيما جاء من طريق أهل البيت فقط، وما سوى ذلك لا حجة فيه.
стр. 380
القرآنيون وموقفهم من السنة والرد عليهم
ونبغت نابغة بعد ذلك تسمى هذه النابغة الأخيرة القرآنية ويزعمون أنهم أهل القرآن، وأنهم يحتجون بالقرآن فقط، وأن السنة لا يحتج بها؛ لأنها إنما كتبت بعد النبي ﷺ بمدة طويلة، ولأن الإنسان قد ينسى وقد يغلط، ولأن الكتب قد يقع فيها غلط إلى غير هذا مما قالوا من الترهات والخرافات والآراء الفاسدة، وزعموا أنهم بذلك يحتاطون لدينهم، فلا يأخذون إلا بالقرآن فقط، وقد ضلوا عن سواء السبيل، وكذبوا وكفروا بذلك كفراً أكبر بواحاً.
فإن الله أمر بطاعة رسوله ﵊ واتباع ما جاء به، ولو كان رسوله لا يتبع ولا يطاع لم يكن للأوامر قيمة، وقد أمر أن تبلغ سنته، وكان إذا خطب أمر أن تبلغ السنة، فدل ذلك على أن سنته ﷺ واجبة الاتباع، وعلى أن طاعته واجبة على جميع الأمة، كما تجب طاعة الله تجب طاعة رسوله ﵊.
стр. 381
الرد على القرآنيين من القرآن الكريم
ومن تدبر القرآن العظيم وجد ذلك واضحاً قال تعالى في كتابه الكريم في سورة آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣١-١٣٢] فقُرِنت طاعة الرسول بطاعته ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢] فعلق الرحمة بطاعة الله ورسوله.
وقال في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] فأمر بطاعته وطاعة رسوله، وكرر الفعل في ذلك: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] ثم قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ولم يكرر الفعل؛ لأن طاعة أولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله، وإنما تجب بالمعروف، حيث كان ما أمروا به من طاعة الله ورسوله، ومما لا يخالف أمر الله ورسوله.
ثم بين أن العمدة في طاعة الله ورسوله، فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] ولم يقل: لأولي الأمر منكم؛ بل قال: ﴿إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] فدل ذلك على أن الرد في منازل النزاع والخلاف إنما يكون لله ولرسوله، قال العلماء: معنى (إلى الله) أي: إلى كتاب الله، ومعنى (والرسول) أي: إلى الرسول في حياته وإلى سنته بعد وفاته ﵊.
فعلم بذلك أن سنته مستقلة، وأنها أصل متبع، قال جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف:١٥٨] وقبلها قوله جل وعلا: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧] فجعل الفلاح لمن اتبعه ﵊: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧] فذكر أن الفلاح لهؤلاء المتبعين لنبي الله ﵊ دون غيرهم، فدل ذلك على أن من أنكر سنته ولم يتبعه فإنه ليس بمفلح وليس من المفلحين.
ثم قال بعدها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] فعلق الهداية باتباعه ﵊؛ فدل ذلك على وجوب طاعته واتباع ما جاء به من الكتاب والسنة ﵊.
وقال في آيات أخرى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] ﵊، ثم قال جل وعلا في هذه السورة سورة النور: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦] ، وقال في آخرها: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] فذكر جل وعلا أن مخالفي أمر النبي ﷺ على خطر عظيم من أن تصيبهم فتنة بالزيغ والشرك والضلال، أو عذاب أليم.
نعوذ بالله! وقال في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] .
هذه الآيات وما جاء في معناها كلها دالة على وجوب اتباعه وطاعته ﵊، وأن الهداية والرحمة والسعادة والعاقبة الحميدة كلها في اتباعه وطاعته ﵊، فمن أنكر ذلك فقد أنكر كتاب الله، ومن قال: إنه يتبع كتاب الله دون السنة فقد كذب وغلط وكفر؛ فإن القرآن أمر باتباع الرسول ﷺ ، فمن لم يتبعه فإنه لم يعمل بكتاب الله، ولم يؤمن به، ولم ينقد له؛ إذ أن كتاب الله أمر بطاعة الرسول ﷺ ، وأمر باتباعه، وحذر من مخالفته ﵊، فمن زعم أنه يأخذ بالقرآن ويتبعه دون السنة فقد كذب؛ لأن السنة جزء من القرآن، طاعة الرسول جزء من القرآن، ودل على الأخذ بها القرآن، وأمر بالأخذ بها القرآن، فلا يمكن أن ينفك هذا عن هذا، ولا يمكن أن يكون الإنسان متبعاً للقرآن بدون اتباع السنة، ولا يمكن أن يكون متبعاً للسنة بدون اتباع القرآن، فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر.
стр. 382
الرد على القرآنيين من السنة النبوية
ومما جاء في السنة عن رسول الله ﵊: ما رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمة الله عليهما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني) وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى.
قيل: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) وهذا واضح في أن من عصاه فقد عصى الله، ومن عصاه فقد أبى دخول الجنة، والعياذ بالله! وفي المسند وسنن أبي داود وصحيح الحاكم بسند جيد، عن المقداد بن معد يكرب الكندي ﵁، أن النبي ﷺ قال: (ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه -الكتاب أي: القرآن، ومثله معه أي: السنة الوحي الثاني- ألا لا يوجد رجل شبعان يتكئ على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه) ، وفي لفظ: (يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يحدث بأمرٍ من أمري مما أمرتكم به أو نهيتكم عنه، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه اتبعناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله) ﵊.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فالواجب على جميع الأمة أن تعظم سنة رسول الله ﵊، وأن تعرف قدرها، وأن تأخذ بها وتسير عليها؛ لأنها هي الشارحة والمبشرة لكتاب الله ، والدالة على ما قد يخفى من كتاب الله، والمقيدة لما قد يطلق من كتاب الله، والخاصة لما قد يعم من كتاب الله، ومن تدبر كتاب الله وتدبر السنة عرف ذلك؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] فهو يبين للناس ما نزل إليهم ﵊، فإذا كانت سنته غير معتبرة ولا يحتج بها، فكيف يبين للناس دينهم وكتاب ربهم؟ هذا من أبطل الباطل، فعلم بذلك أنه مبين لما قاله الله، وأنه الشارح لما قد يخفى من كتاب الله.
وقال تعالى في آية أخرى في سورة النحل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل:٦٤] فبين جل وعلا أنه أنزل الكتاب عليه ليبين للناس ما اختلفوا فيه، فإذا كانت سنته لا تبين للناس ولا تعتمد بطل هذا المعنى، فهو بين أنه هو الذي يبين للناس ما نزل إليهم، وأنه ﵊ يفصل النزاع بين الناس فيما اختلفوا فيه، فدل ذلك على أن سنته لازمة وواجبة الاتباع.
وليس هذا خاصاً بأهل زمانه وصحابته ﵃؛ بل هو لهم ولمن يجيء بعدهم إلى يوم القيامة، فإن الشريعة شريعة لزمانه ولمن بعد زمانه ﵊ إلى يوم القيامة، فهو رسول الله إلى الناس عامة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ:٢٨] هو رسول الله إلى جميع العالم، إلى الجن والإنس، العرب والعجم الأغنياء والفقراء، الحكام والمحكومين إلى يوم القيامة، ليس بعده نبي، فهو خاتم الأنبياء ﵊.
وجب أن تكون سنته موضحة لكتاب الله وشارحة له، ودالة على ما قد يخفى من كتاب الله وسنته أيضاً، فقد جاءت بأحكام لم يأت بها كتاب الله، جاءت بأحكام مستقلة شرعها الله ولم تذكر في كتاب الله .
فمن ذلك: تفصيل الصلوات تفصيل الركعات تفصيل أحكام الزكاة تفصيل أحكام الرضاع، فليس في كتاب الله إلا الأمهات والأخوات من الرضاع، وجاءت السنة ببقية محرمات الرضاع: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وجاءت السنة بحكم مستقل في تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وجاءت بأحكام مستقلة لم تذكر في كتاب الله في أشياء كثيرة؛ في الجنايات، والديات، والنفقات، وأحكام الزكوات، وأحكام الحج.
إلى غير ذلك.
стр. 383
دفاع السلف الصالح عن السنة واعتناؤهم بها
ولما قال بعض الناس في مجلس عمران بن حصين ﵁: دعنا من الحديث وحدثنا عن كتاب الله، غضب عمران ﵁ واشتد نكيره، وقال: [لولا السنة كيف نعرف أن الظهر أربع، والعصر أربع، والعشاء أربع، والمغرب ثلاث؟] فالسنة بينت لنا تفاصيل الصلاة وتفاصيل الأحكام، ولم يزل الصحابة ﵃ وأرضاهم يرجعون إلى السنة ويتحاكمون إليها ويحتجون بها، ولما ارتد من ارتد من العرب قام الصديق ﵁ وأرضاه ودعا إلى جهادهم، فتوقف عمر في ذلك، وقال: كيف نقاتلهم وقد قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) ؟ قال الصديق ﵁: [أليست الزكاة من حقها؟ -أي: من حق لا إله إلا الله- والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، قال عمر ﵁: فما هو إلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق] .
ثم وافق المسلمون ووافق الصحابة واجتمع رأيهم على قتال المرتدين، فقاتلوهم بأمر الله ورسوله.
ولما جاءت جدة تسأل الصديق قال: [لا أجد لك شيئاً في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولكن سوف أسأل الناس عما جاء في السنة، فسأل الناس، فأخبر أن النبي ﷺ قضى لها بالسدس، فقضى لها بالسدس ﵁ وأرضاه] .
وهكذا عمر لما أشكل عليه إملاص المرأة إذا خرج الجنين ميتاً، ما حكمه؟ توقف حتى سأل الناس، فشهد عنده محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة بأن النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة، فقضى بذلك.
ولما أشكل على عثمان عدة حكم المعتدة من الوفاة: هل تكون في بيت زوجها أو تنتقل إلى أهلها؟ شهدت عنده الفارعة بنت مالك الخدرية أخت أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ أمرها أن تعتد في بيتها، فقضى بذلك عثمان ﵁ وأرضاه.
ولما سمع علي ﵁ عثمان في بعض حجاته ينهى عن المتعة ويأمر بإفراد الحج، أحرم علي ﵁ بالحج والعمرة جميعاً، وقال: [لا أدع سنة رسول الله ﷺ لقول أحد من الناس] .
ولما سمع ابن عباس بعض الناس ينكر عليه الفتوى بالمتعة، ويحتج عليه بقول أبي بكر وعمر أنهما يريان إفراد الحج؛ قال: [يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر!] .
ولما ذكر للإمام أحمد جماعة يتركون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان الثوري، ويسألونه عما لديه وعما يقول، فتعجب وقال: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته -أي: عن الرسول ﷺ يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] ! ولما ذكر عند أيوب رجل يدعو إلى القرآن ويثبط عن السنة قال: دعوه، فإنه ضال.
المقصود أن السلف الصالح قد عرفوا هذا الأمر، ونبغت عندهم نوابغ بسبب الخوارج في هذا الباب، فاشتد نكيرهم عليهم، وضللوهم وحذروا منهم، مع أنه إنكار غير الإنكار الموجود الأخير، إنكار له شبهة بالنسبة إلى الخوارج وما اعتقدوه في الصحابة في بعضهم دون بعض.
أما هؤلاء المتأخرون فجاءوا بداهية دهياء، ومنكر عظيم، وبلاء كبير، ومصيبة عظمى؛ حيث قالوا: إن السنة برمتها لا يحتج بها كلياً، لا من هنا ولا من هناك، وطعنوا فيها وفي رواتها وفي كتبها، وسار على هذا النهج وأعلنه كثيراً الرئيس القذافي المعروف، فضل وأضل، وهكذا جماعة في مصر وغير مصر، قالوا هذه المقالة؛ فضلوا وأضلوا، وسموا أنفسهم بالقرآنيين.
وقد جهلوا ما قام به علماء السنة، وقد احتاطوا كثيراً للسنة، تلقوها -أولاً- عن الصحابة حفظاً، ودرسوها وحفظوها حفظاً كاملاً دقيقاً حرفياً، ونقلوها إلى من بعدهم، ثم ألف العلماء في القرن الثاني، في رأس القرن الأول وفي أثناء القرن الثاني، ثم كثر ذلك في القرن الثالث؛ فقد ألفوا الكتب، وجمعوا فيها الأحاديث، حرصاً على بقائها وحفظها وصيانتها، فانتقلت من الصدور إلى الكتب المحفوظة المتداولة المتناقلة التي لا ريب فيها ولا شك، ثم نقبوا عن الرجال، وعرفوا ثقاتهم من كذابيهم من ضعفائهم، من شيئي الحفظ منهم، حتى حرروا ذلك أتم تحرير، وبينوا من يصلح للرواية ومن لا يصلح لها، ومن يحتج به ومن لا يحتج به، واعتنوا بما قد وقع من بعض الناس من أوهام وأغلاط سجلوها عليه، وعرفوا الكذابين والوضاعين، وألفوا فيهم وأوضحوا أسماءهم؛ فأيد الله بهم السنة، وأقام بهم الحجة، وقطع بهم المعذرة، وزال تلبيس الملبسين، وانكشف ضلال الضالين، فبقيت السنة بحمد الله جلية واضحة لا شبهة عليها ولا غبار.
وكان الأئمة يعظمون ذلك كثيراً، وإذا رأوا من أحدهم أي تساهل بالسنة أو إعراض أنكروا عليه، فقد حدث ذات يوم عبد الله بن عمر بقول النبي ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) فقال بعض أبنائه: والله لنمنعهن.
عن اجتهاد، ومقصوده أنهن تغيرن، وقد يتساهلن في الخروج، وليس قصده إنكار السنة، فأقبل عليه عبد الله وسبه سباً سيئاً، وقال: [أقول لك: قال رسول الله، وتقول: والله لنمنعهن!] .
ورأى عبد الله بن مغفل المزني ﵁ بعض أقاربه يخذف، فقال: (إن النبي ﷺ نهى عن الخذف، وقال: إنه لا يصيد صيداً، ولا ينكأ عدواً، ثم رآه في وقت آخر يخذف، فقال: أقول لك: إن رسول الله نهى عن ذلك ثم تخذف، لا كلمتك أبداً) .
فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعظمون هذا الأمر جداً، ويحذرون الناس من التساهل بالسنة أو الإعراض عنها، أو الإنكار لها لرأي من الآراء أو اجتهاد من الاجتهادات.
стр. 384
تعظيم الأئمة الأربعة وأهل العلم للسنة النبوية
وقال أبو حنيفة ﵁ ورحمه في هذا المعنى: إذا جاء الحديث عن رسول الله ﵊ فعلى العين والرأس إلى آخر كلامه.
وقال مالك ﵀: ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر ﵊.
وقال أيضاً: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها وهو اتباع الكتاب والسنة، وهكذا قال غيره من الأئمة.
وقال الشافعي ﵀: إذا رأيتم حديثاً صحيحاً ثم رأيتموني خالفته فاعلموا أن عقلي قد ذهب.
وفي لفظ آخر قال: إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ وقولي يخالفه فاضربوا بقولي الحائط.
وقال أحمد بن حنبل ﵀: لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكاً ولا الشافعي وخذوا من حيث أخذنا.
وسبق قوله ﵀: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان! فالأمر في هذا واضح، وكلام أهل العلم في هذا جلي ومتداول عند أهل العلم، وقد تكلم المتأخرون في هذا المقام كلاماً كثيراً؛ كـ أبي العباس ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وغيرهم، وأوضحوا أن من أنكر السنة فقد زاغ عن سواء السبيل، وأن من عظم آراء الرجال فقد ضل وأخطأ، وأن الواجب عرض آراء الرجال مهما عظموا رحمة الله عليهم، يجب عرض آرائهم على كتاب الله وسنة رسوله ﵊، فما شهد له منهما بالقبول قبل، وما لا فإنه يرد على قائله.
ومن آخر من كتب في هذا الحافظ السيوطي ﵀، حيث كتب رسالة سماها: مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، وذكر في أولها أن من أنكر السنة وزعم أنه لا يحتج بها فقد كفر إجماعاً، ونقل كثيراً من كلام السلف في ذلك.
стр. 385
الرد على من رد أحاديث الآحاد ولم يعمل بها
هذه منزلة السنة ومكانتها من الإسلام، وأنها الأصل الثاني من أصول الإسلام، وأنها حجة مستقلة قائمة بنفسها يجب الأخذ بها والرجوع إليها، وأنه متى صح السند إلى رسول الله ﷺ وجب الأخذ به مطلقاً، ولا يجب ولا يشترط في ذلك أن يكون متواتراً أو مشهوراً أو مستفيضاً، أو بعدد كذا من الطرق، بل ولو بطريق واحدة، متى استقام الإسناد وجب الأخذ بالحديث مطلقاً، بسند واحد، أو بسندين، أو بثلاثة أو بأكثر؛ سواء سمي خبر تواتر أو خبر آحاد، لا فرق في ذلك، كلها حجة يجب الأخذ بها، مع اختلاف ما تقتضيه من العلم الضروري أو العلم النظري أو الظني، هذا أمر آخر لا يتعلق بالأخذ بها، بل هذا أمر يتعلق بالقلوب يختلف فيه الناس، لكن العمل بها واجب الاتباع، واجب الأخذ بها مطلقاً، متى صح الإسناد وجب الأخذ بذلك، وتحكيم ذلك، وترك ما خالف ذلك.
أما كونه متواتراً، أو كونه مشهوراً أو مستفيضاً، أو آحاداً غير مستفيض ولا مشهور، أو غريب، أو غير ذلك؛ هذه أشياء اصطلح عليها أهل السنة في أصول الحديث، وعرفوها في أصول الفقه أيضاً، وهذا يختلف بحسب اختلاف الناس في العلم، فإنه قد يكون هذا الحديث متواتراً عند زيد وعمرو وليس متواتراً عند خالد وبكر؛ لما بينهما من الفرق في العلم واتساع العلم، وقد يروي زيد حديثاً من عشر طرق، أو من ثمان أو من سبع أو من خمس أو ست، ويقطع بأنه متواتر؛ لما اتصل به رواته من العدالة والحفظ والإتقان والجلالة، وقد يروي الآخر حديثاً من عشرين سنداً، ولا يحصل له ما حصل لذاك من العلم اليقيني القطعي بأنه عن الرسول ﷺ ، أو بأنه متواتر.
هذه أمور تختلف بحسب ما يحصل للناس من العلم بأحوال الرواة، وعدالتهم، ومنزلتهم في الإسلام، وصدقهم، وحفظهم، وغير ذلك، وهذا شيء يتفاوت فيه الرجال حسب ما أعطاهم الله من العلم بأحوال الحديث ورجاله، وصفاتهم، وطرق الحديث، إلى غير ذلك.
لكن أهل العلم أجمعوا على أنه متى صح السند وسلم من العلة وجب الأخذ به، وبينوا أن الإسناد الصحيح هو ما ينقله العدل الضابط عن مثله عن مثله عن مثله إلى النبي ﷺ ، من غير شذوذ ولا علة ولا انقطاع هذا متى جاء الحديث بهذا المعنى، متصلاً لا شذوذ فيه ولا علة؛ وجب الأخذ به والاحتجاج به على المسائل التي يتنازع فيها الناس؛ سواء حكمنا عليه بأنه غريب، أو عزيز، أو مشهور، أو متواتر، أو غير ذلك؛ إذ الاعتبار والحجة في استقامة السند وصلاحه وسلامته، تعددت أسانيده أو لم تتعدد.
هذا وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يمنحنا جميعاً الفقه في دينه، وأن يرزقنا الاستقامة على ما يرضيه، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه جل وعلا جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه.
стр. 386
الأسئلة
стр. 387
أقسام الحديث الضعيف
السؤال
ما هي أنواع الحديث الضعيف؟
الجواب
الضعيف من الحديث له أنواع، وقد قسمها الحافظ ابن حبان إلى أنواعٍ كثيرة، إلى تسعة وأربعين نوعاً، ولكنها في الحقيقة تنقسم إلى قسمين: ضعيف يعتبر حسناً عند الترمذي وأشباهه، وضعيف غير متماسك لا تقوم به الحجة؛ لأن فيه متهماً بالكذب، وإما لأن فيه من هو فاحش الغلط، أو لأن فيه انقطاعاً شديداً، أو ما أشبه ذلك.
فالضعيف الذي يعتبر حسناً في اصطلاح أبي عيسى الترمذي ﵀، وهو ما خف الضبط في رواته، وليسوا بالرواة الذين قد امتازوا بالحفظ، ولكنهم عدول، والحديث ليس بشاذ ولا منقطع، ولا معلول بعلة قادحة -يقال: معلل أفصح- هذا يحتج به كالصحيح عند أهل العلم.
وكان الأولون يقسمون الحديث إلى قسمين: صحيح وضعيف، ويدخل الحسن في الصحيح، ثم رأى الترمذي وجماعة بعد ذلك تقسيمه إلى الأقسام الثلاثة: صحيح وضعيف وحسن، فصار الحسن عندهم ما خف الضبط في رواته، ليس ضبطهم بالكامل، فهذا يسمونه الحسن، إذا استقامت الأحوال الأخرى؛ من عدالة واتصال وعدم شذوذ وعلة.
فهذا يحتج به، وهو خير من الآراء والقياس، كما قال الإمام أحمد ﵀: الحديث الضعيف أولى من القياس والآراء البشرية.
والضعيف هو المتماسك الذي يصلح للاحتجاج؛ لأنه متصل السند، غير معلل ولا شاذ، إلا أن رواته أو بعضهم ليسوا بكاملي الحفظ، بل عندهم في الحفظ نقص، وليسوا بفاحشي الغلط، ولكن يقع لهم أوهام وأخطاء.
стр. 388
حكم من حكم بالقوانين الوضعية
السؤال
هل نقول إن بعض الدول العربية المسلمة تحكم بغير القرآن، فهل يرتكبون بذلك ذنباً ويدخلون في مذهب العلمانية؟
الجواب
الذي لا يحكم بالشريعة الإسلامية يعتبر كافراً؛ لأن من عطل الشريعة، ورضي بالقوانين الوضعية وحكمها في رقاب الناس وأعمال الناس ومعاملاتهم، فقد رضي بغير الشريعة، وقد تنقص الشريعة، وزعم أنها غير صالحة للحكم بين الناس، فالذين أوجدوا القوانين والحكم القانوني بآراء البشر؛ من قوانين فرنسية، أو إيطالية، أو أمريكية، أو إنجليزية، أو سوفيتية، أو غير ذلك، هؤلاء قد نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فلا يكونون على الإسلام ولا حكاماً مسلمين؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] وقال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] وقال سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] .
فالذين لم يرضوا بالشريعة وحكموا القوانين الوضعية، معناه: أنهم لم تطب نفوسهم بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﵊، ورأوا أن في القوانين التي ارتضوها لأنفسهم مصلحة، أو أنها أولى من الشريعة، أو أنها مساوية، أو أنها أصلح.
على كل حال هذا كفر وضلال.
لكن قد توقف بعض الناس في كفرهم وقالوا: إنهم يزعمون ويرون أنهم مخطئون، وأن الواجب تحكيم الشريعة، ولكنهم لا يستطيعون أن يحكموها؛ لما لديهم من عناصر وجيوش لا ترضى بذلك، وأناس مطاعون لا يرضون بذلك، فهم كالمضطرين إلى تحكيم القوانين، وهم لا يعتقدون أن حكمها جائز، ولا يرضون بعزل حكم الله، ولكن لأسباب اضطرتهم إلى ذلك.
وهذا محل نظر، والأصل عند أهل السنة والجماعة أن من حكَّم غير الشريعة، وهو يعلم أنه مخطئ، وأنه ظالم لنفسه، وأنه عاصٍ؛ فإنه لا يكفر بذلك، بل يقولون: هذا كفر دون كفر، كما قال ابن عباس، ومجاهد بن جبر التابعي الجليل، وطاوس بن كيسان وغيرهم، قالوا: إنما يكون كافراً وظالماً ظلماً أكبر.
قال شيخ الإسلام: إذا استحل ذلك، إذا رأى أنه يجوز له تحكيم غير الشريعة، أما إذا حكّم غير الشريعة حكم بالقانون، أو بالرشوة، أو بكذا وكذا، وهو يعلم أنه عاصٍ، وأنه مخطئ، وأنه خاطئ ضال، ولكن حمله الهوى أو طاعة الرؤساء على أن حكم بغير الشريعة؛ فهذا يكون عاصياً وظالماً وكافراً كفراً دون كفر، وظلماً دون ظلم، وفسقاً دون فسق، ولا يخرج بهذا من الشريعة ويكون مرتداً.
فهؤلاء الذين تولوا على أمور الناس الآن في غالب أمصار المسلمين، هل يقال فيهم: إنهم لم يستطيعوا حكم الشريعة؟ أو أنهم يعلمون أن الشريعة هي الحكم، وأنهم أخطئوا وعصوا بتحكيم القوانين، وأنهم يعلمون أنهم مخطئون وأنهم عاصون، ولكن تعمدوا ذلك لأسباب ولأهواء، فنقول في حقهم حينئذ: إنهم كفروا كفراً دون كفر، وظلموا ظلماً دون ظلم، وفسقوا فسقاً دون فسق؟ هذا محل نظر، والذي يظهر من تصرفاتهم وأحوالهم وميولهم إلى القوانين ورضاهم بها، الذي يظهر من أحوالهم عند الدراسة والتأمل يتبين أنهم راضون بها، وأنهم مطمئنون إليها، وأنهم يرونها أولى من تحكيم الشريعة، وأنسب للناس وأصلح لهم، أو أرفق بهم، هذا هو ظاهر حالهم، وهذا هو المتبادر من أحوالهم؛ لأنهم يحكمون بغير الشريعة، وهم مطمئنون ليس عندهم في ذلك تألم ولا تبرم لهذا الشيء، ولا تصريحاتهم بأنهم خاطئون وأنهم ظالمون، وسيعودون إلى حكم الشريعة، فالذي يظهر من حالهم هو أنهم راضون بحكم القوانين الوضعية، وأنهم غير راضين بحكم الشريعة، هذا ظاهر أحوالهم، والله أعلم بما في قلوبهم .
والخلاصة: أن نعلم أن من زعم أن القوانين الوضعية، سواء كانت فرنسية، أو إنجليزية، أو إيطالية، أو هولندية، أو أمريكية، أو سوفيتية، أو غير ذلك، من زعم أنه يجوز الحكم بها، ولا بأس بالحكم بها بين الناس، وإن زعم أن الشريعة أفضل؛ فهو كافر ضال بإجماع المسلمين، فإن قال: إنها مساوية للشريعة فهو أكفر وأكفر، وإن قال: إنها أفضل من الشريعة وأولى من الشريعة؛ فهو أكفر وأشد ضلالاً.
هذا ينبغي أن يعلم بإجماع المسلمين، حكم القوانين الوضعية كفر بالله وضلال إذا اعتقد صاحبها أنها جائزة، أو أنها مساوية للشريعة، أو أنها أفضل من الشريعة، فهو في هذه الأحوال الثلاث كافر ضال مطلقاً، أما إذا حكم بأي قانون أو لأي إنسان بحكم يخالف شرع الله، وهو يعلم أنه مخالف لشرع الله، ولكن فعل ذلك لهوىً، أو لرشوة، أو لأشياء أخرى من المقاصد الخبيثة؛ فهذا يكون ضالاً ويكون ظالماً ظلماً دون ظلم، وكافراً كفراً دون كفر، كما قال ابن عباس، ومجاهد، وطاوس، وغيرهم من الجمهور؛ لأنه لم يعتقد حل تحكيم غير الشريعة، وإن حكم بغير الشريعة لهوىً، كما قد يقع لبعض القضاة في المحاكم الإسلامية؛ فقد يضل عن السبيل، وقد يحكم بغير الشريعة لهوىً، إما لرشوة، وإما لقرابة، وإما لعداوة للمحكوم عليه؛ فيحكم عليه بغير الشريعة لهوىً أو لأسباب أخرى خاصة حكم بأسبابها، وهو يعلم أن حكمه يخالف شرع الله، ولكن حمله عليه هوىً وغرض فاسد، فهذا يكون عند أهل العلم ظالماً وعاصياً وفاسقاً، ولكن لا يكون كافراً كفراً أكبر؛ لأنه يعلم أنه عاصٍ، وأن حكم الله بخلاف قوله، وأنه خاطئ في ذلك ظالم فيه، فهو عند الجمهور ليس بكافر كفراً أكبر.
وهذه مسألة عظيمة يجب أن نحكمها جيداً.
стр. 389
حكم طواف الوداع للحاج والمعتمر
السؤال
هل على المعتمر طواف وداع ولو كان آخر عهده بالبيت؟ وهل الحج مثل ذلك؟
الجواب
أما الحج فالصحيح من أقوال العلماء أنه يجب فيه طواف الوداع، وهناك خلاف فيه، حيث ذهب جمع من أهل العلم إلى أن طواف الوداع سنة، ولهذا سقط عن الحائض والنفساء، وقال آخرون: بل يجب؛ ولولا أنه واجب لما سقط عن الحائض والنفساء فقط، ولكان ساقطاً عن الجميع، فالمقصود أن الصحيح أنه واجب في الحج؛ لقول النبي ﷺ : (لا ينفرن أحدٌ منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت) رواه مسلم في الصحيح.
стр. 390
حكم إقامة النوادي للنساء
السؤال
وردت كثير من الأسئلة تسأل عن فتواكم في بعض الصحف عن إقامة نوادٍ للنساء إذا لم يطلع عليها الرجال، فما حقيقة هذه الفتوى؟ وهل هي صحيحة؟ مع علمنا بما يترتب عليها من أضرار
الجواب
سئلنا عن هذه المسألة، سألني مندوب الجزيرة في أيامٍ مضت عن مسائل، منها: النوادي التي للنساء، فقلت له: لا أرى مانعاً من نوادي النساء إذا كانت مصونة لا يغشاها إلا النساء، فلا بأس بذلك بهذه الشريطة، وهي أن تكون بين النساء وألا يغشاها إلا النساء، ثم بلغني أنها حملت على النوادي التي اعتادها الشباب، النوادي الخارجية التي يذهبون إليها للكرة وشبهها، فعقبت المقال بمقال آخر نشر في الجزيرة أيضاً، بينتُ مرادي بالنوادي، وأنه ليس مرادي بالنوادي نوادي الرجال أو ما يجانسها، لا، إنما أردت بالنوادي نوادي الخطب والمذاكرة بين النساء مع المدرسات والطالبات، زن المدرسة تقيم نوادي للمحاضرة أو المناقشة بين الطالبات أو بين المدرسات، هذا هو المقصود، أما نوادي مستقلة يذهب إليها النساء من بيوتهن ليجتمعن هناك للعب الكرة وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز عندي؛ لأنه قد يفضي إلى شر كثير قد يفضي إلى الاختلاط، وقد يفضي إلى خروج النساء باسم النوادي، وهن يخرجن إلى شيء آخر، فالذي أرى منع ذلك، وبينته في مقال بعد المقال الأول بيومين أو ثلاثة مع مسائل أخرى.
следующие страницы →