Полный текст (552 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أحاديث الآحاد في العقيدة
نزل القرآن باللغة العربية، واشتمل على نصوص واضحة الدلالة، ثم تأثرت عقول بعض المسلمين بعلم الكلام والفلسفة؛ فصعب على تلك العقول فهم الشرع على ظاهره، فجعلوا قواعد ومصطلحات تهدم الدين.
وفي هذه المادة يتحدث الشيخ ﵀ عن بعض هذه الانحرافات، ذاكراً منها در أحاديث الآحاد في العقيدة واشتراط التواتر في أخبارها، وتصدى لمناقشة هذه الفكرة والرد عليها وتزييفها وبيان بطلانها.
стр. 37
حكم بيع التقسيط وارتباطه ببيع العينة
السؤال
.
الجواب
لا يجوز في الإسلام، ولو أنكم تنبهتم لتعريفي لبيع العينة لعرفتم أن جواب هذا في نفس هذا التعريف؛ لأنه (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ، و (ما لا تكون المعصية إلا به فهو معصية) .
بيع العينة الذي ذكره الرسول ﵊ مصيبة من مصائب الأمة، إذا أصابتهم ذلوا، وهو قائم على بيع التقسيط، ويحتاج إلى مزيد شرح وبيان.
بيع التقسيط هو المقدمة الأولى والأخيرة لبيع العينة؛ لأن هذا الذي يريد ذاك القرض بالربا، لا أحد يقرضه قرضاً حسناً مع الأسف الشديد، وهذا من تفكك عرى الأمة الإسلامية؛ وذلك بسبب ابتعادها عن الشريعة المحمدية، ولأنه يحتاج المال ولا أحد يقرضه، وهو لا يريده عن طريق الحرام في حد زعمه، فالشيطان يسول له أن هذه طريقة تحصل فيها على القرض ولو بطريق الربا، ويزعمون أنهم يخلصونه من الربا بصورة بيع وشراء، فهذا المستقرض عندما يأتي إلى التاجر ويقول له: هذه السيارة بكم؟ فيقول له التاجر: تريدها نقداً أو بالتقسيط؟ والمشتري جاء وجيبه أفرغ من فؤاد أم موسى! ليس معه ريال، ولهذا يجيبه قائلاً: بل بالتقسيط، فيقول له: بالتقسيط بمائة دينار، بألف دينار، بألفي دينار، فيقول له: سأشتري إذاً! البائع لما سأله: بالنقد أو بالتقسيط؟ وضع سعر التقسيط زائداً (٢%) أو (٥%) طمعهم وجشعهم، فهذا لما وافق على التقسيط أعطاه السعر زيادة على النقد، ومن هنا جاء بيع العينة؛ لأنه سوف يرجع المشتري ويقول للبائع: هذا الذي اشتريته أنا منك بألف دينار، من الممكن أن تشتريه مني بأقل من السعر، ولأنه يعرف مدى حاجته للمال، فيقول صاحب السلعة الأولى: نعم، فكانت هذه صورة لبيع العينة.
مثلما ذكرنا آنفاً، فبيع العينة المحذر عنه في هذا الحديث قائم على بيع التقسيط.
فإذاً: لا يمكن إقامة هذا الربا المحرم الذي هو بيع العينة إلا في مقدمة بيع التقسيط، ومع ذلك فهناك أحاديث عن الرسول ﵊، تنهى نهياً صريحاً عن بيع التقسيط الذي ابتلي به المسلمون لسببين، وهما نفس السببين المذكورين في الحديث: أحدهما: التكالب على الدنيا، فتراه حريصاً على جمع المال، ولا يسأل أمن حلال أو حرام؟ وإنما يريد مصاريف يريد أن يشتري يريد أن يربح يريد يريد إلخ.
السبب الثاني: يحتالون على الشرع، يقول لك أحدهم: هذا بيع يا أخي! بيع التقسيط.
لكن الرسول يقول: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) ، وفي حديث آخر: (نهى عن بيعتين في بيعة) ، وفي لفظ: (عن صفقتين في صفقة) ، قيل لراوي الحديث وهو سماك بن حرب من التابعين: [ما معنى نهى عن بيعتين في بيعة؟ قال: أن أبيعك هذا نقداً بكذا ونسيئةً بكذا وكذا] ، هذا هو بيع التقسيط اليوم تماماً.
والرسول ﵊ في الحديث الأول، بين أن الزيادة التي يأخذها التاجر مقابل الشرط على أخيه المسلم في الوفاء، بسبب بيع التقسيط بيع ربا؛ لأنه قال: (من باع بيعتين في بيعة) أي: من عرض بيعتين، وفي النهاية لو قلب البيعتين إلى بيعة إما تقسيطاً وإما نقداً (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما -أي: أنقصهما سعراً وثمناً- أو الربا) إن أخذ الزيادة، أي أنه قال: هذا نقداً بمائة وتقسيطاً بمائة وعشرة، فإذا أخذ مائة وعشرة مقابل التقسيط فالعشرة ربا، هذا في نص حديث الرسول ﵊.
فيا أخي! إن مصيبتنا اليوم نحن المسلمين مصيبة لا يحلها أو لا يقدر عليها إلا الله !! لكن: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] .
стр. 38
توجيه حديث الجارية (.
أين الله؟)
السؤال
حديث الجارية: (.
أين الله؟ قالت: في السماء) .
هل هو جواب عن فرضية مكان أو فرضية مكانة؟
الجواب
ليس هذا ولا هذا، أي: إن الجواب ليس عن سؤال مكانة ولا عن مكان.
أما أنه ليس سؤالاً عن المكانة؛ فلأن مكانة الله المعنوية معروفة لدى كل المسلمين بل حتى الكافرين.
وأما أنه ليس سؤالاً عن المكان فذلك؛ لأن الله ليس له مكان.
وفي الواقع أنا أشعر أن هذا السؤال من أخ مسلم يعتبر محاضرة، والسبب أنكم لا تسمعون هذه المحاضرات، وإنما تسمعون محاضرات في السياسة والاقتصاد، لدرجة أن كثيراً منكم ملَّ من تكرارها، أما محاضرات في صميم التوحيد، كالمحاضرة التي ستسمعونها الآن، مع أني مضطر إلى أن أختصر في الكلام؛ لأنه حان وقت الانصراف، لكن لابد مما لابد منه، فهذا السؤال يحتاج إلى محاضرة، لكن نقول: إن الله منزه عن المكان باتفاق جميع علماء الإسلام، لماذا؟ لأن الله كان ولا شيء معه، وهذا معروف في الحديث الذي في صحيح البخاري عن عمران بن حصين: (كان الله ولا شيء معه) ، ولا شك أن المكان هو شيء، أي: هو شيء وجد بعد أن لم يكن، وإذا قال الرسول: (كان الله ولا شيء معه) معناه: كان ولا مكان له؛ لأنه هو الغني عن العالمين، هذه الحقيقة متفق عليها.
стр. 39
إثبات علو الباري
لكن مع الأسف الشديد، من جملة الانحرافات التي أصابت المسلمين، بسبب بُعدهم عن هدي الكتاب والسنة في العقيدة في ذات الله ، لو سألت اليوم جماهير المسلمين في كل بلاد الإسلام، علماءً وطلاب علم وعامة، إذا سألتهم هذا السؤال النبوي: أين الله؟ ستجد أن المسلمين مختلفون أشد الاختلاف في الجواب عن هذا السؤال، منهم من يكاد يتفتق غيظاً وغضباً بمجرد أن طرق سمعه هذا السؤال، ويقول: أعوذ بالله ما هذا السؤال؟! نقول له: رويداً يا أخي! هذا السؤال هل تعلم أول من قاله؟ يقول: لا ما سمعنا به إلا الآن، فنفتح له صحيح مسلم ونقول له: هذا صحيح مسلم، الكتاب الثاني بعد صحيح البخاري، والثالث بعد القرآن؛ لأن أصح كتاب هو القرآن، ثم صحيح البخاري، ثم صحيح مسلم، وهو الذي روى هذا الحديث أن الرسول ﵊ قال للجارية يمتحنها: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة) ، يسمع الحديث وكأنه ليس عايشاً في بلاد الإسلام، بل ليس عايشاً في بلاد العلم، أو يمكن لم يمسك صحيح مسلم في زمانه مطلقاً، هذا قسم من الناس، بل من أهل العلم من لم يسمع هذا السؤال قط! أي: ما طرق سمعه هذا الحديث، ولسان حاله يقول: أيعقل أن هناك أناساً يقولون: أين الله؟! ما هذا السؤال؟! هل يجوز لأحد أن يسأل أين الله؟! لا أعرف!! ما رأيك؟! ويأخذ البحث مجراه فتقول له: أنت تؤمن بوجود الله؟ سوف يقول: نعم، نقول له: أكيد أن الله موجود؟! فيجيب: نعم, إذاً أين هو؟ فيفكر ولا يستطيع الجواب!!! إن أقدس المقدسات هو الله، فإذا سألته: أين هو؟ فلا يعرف، وهو مسلم، ما معنى مسلم إذاً؟ نعم هو مسلم، وهذا أمر جميل، لكن هل هو حقيقة أم لا؟ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧] صدق الله العظيم، لا يعلم هذا أن الله يقول: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦-١٧] كأنه ما قرأ هذه الآية أبداً، ويمكن أنه قرأها أكثر مني، لماذا؟ لأن هناك أناساً متعبدين، ربما يختم أحدهم القرآن في كل ليلة، أو في كل ليلتين على خلاف السنة، أما نحن فالواحد منا قد يختم ختمة واحدة في السنة؛ لأن الله فتح له باباً في العلم، أما ذاك المخالف للسنة فهو يقرأ كثيراً، لكن هل فهم ما قرأ؟ لا، إذاً: ربنا عندما يقول له في القرآن: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] معنى ذلك أنه من القسم الثاني (أم على قلوبٍ أقفالها) .
ثم إنَّا نذكره بحديث فنقول له: يا أخي! هذا الحديث تعرفونه جميعاً لا ننفرد وحدنا بمعرفته، هذا الحديث يقول: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) هذا حديث بالتعبير العصري: حديث شعبي، أي: كل الناس يعرفون هذا الحديث.
إذاً (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) من هو الذي في السماء؟ هل المقصود به غير الله؟ لا، إذاً لماذا تستنكر
السؤال
أين الله؟ وأنت تقر بهذا الحديث، أنا سألتك: هل الله موجود؟ فقلت: نعم، إذاً أين هو؟ أجبت أنك لا تعرف، لماذا لا تعرف؟ لا تقرأ القرآن ولا تسمع الحديث؟ إلخ.
стр. 40
سبب الانحراف في العقيدة
إن المشكلة هي دخول علم الكلام في الموضوع فأفسد العقول، كل من قرأ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ليس عنده شك أن الله في السماء، كلنا سمع ذاك الحديث: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ، ليس هناك شك أن الله في السماء، لكن دخل علم الكلام فصرفهم عن هذا الإيمان، ماذا قال لهم؟ قال لهم: لا يجوز أن نقول: الله في السماء، لماذا؟ لأن الله ليس له مكان، صحيح نحن نقول: ليس له مكان، ولعلكم ما نسيتم بأننا بدأنا الكلام عن هذا السؤال ببيان أن الله غني عن المكان، وأن الله كان ولا مكان، فادعى الجهلة من الناس أن معنى الآية والحديث هو إثبات المكان لله ، وأن معنى حديث الجارية: (الله في السماء) أن الله له مكان في السماء، هذا الجهل أدى بهم إلى جهل مطبق، ولا يعني أن المسلم حينما يعتقد أن الله في السماء أن الله مثل إنسان في الغرفة، لماذا؟ لأن هذا تشبيه، وقد سمعتم من جملة خصال ومزايا الدعوة السلفية أنها وسط في كل شيء بين الإفراط والتفريط، بين المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، وبين المعطلة الذين ينكرون أشياء من صفات ربهم، فـ السلف وسط يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة، وينزهون الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
فحينما يعتقد المسلم أن الله في السماء كما هو في النص القرآني والأحاديث كثيرة، لا يعني أنه في السماء أنه كالإنسان في الغرفة، وكدودة القز في (الشرنقة) محصورة بهذا البيت الطويل، حاشاه أن يكون كذلك!
стр. 41
معنى (في السماء)
إذاً: ما المعنى الصحيح للفظة (في السماء) ؟ السماء لها معانٍ في اللغة لا نتفلسف كثيراً بذكرها، لكن من هذه المعاني: السماء الدنيا الأولى، والثانية، و.
إلخ، ومن هذه المعاني: العلو المطلق، كل ما علاك فهو سماء، فالسماء الأولى والثانية هذه أجرام مخلوقة، فإذا قلنا: الله في السماء، معناه حصرناه في مكان، وقد قلنا: إنه منزه عن المكان، إذاً: كيف نفهم؟ الجواب من الناحية العلمية: (في) في اللغة ظرفية، فإذا أبقيناها على بابها وقلنا: الله في السماء، وجب تفسير السماء بالعلو المطلق، أي: الله فوق المخلوقات كلها حيث لا مكان، بهذه الطريقة آمنا بما وصف الله به نفسه بدون تشبيه وبدون تعطيل.
فإن التشبيه أن أقول: كما أنا في هذا المكان، وحاشاه! والتعطيل أن نقول كما تقول المعطلة: الله ليس في السماء، وإذا كان ربك يقول: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وأنت تقول: ليس في السماء، هذا هو الكفر.
هذا معنى الآية فيما إذا تركنا (في) على بابها.
أحياناً في اللغة العربية تقوم أحرف الجر بعضها مكان بعض، فـ (في) هنا ممكن أن تكون بمعنى (على) ، فحينئذً: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: من على السماء، فتكون السماء في الآية بمعنى الأجرام التي خلقها ربنا تعالى، فهو عليها وفوقها، وليس في شيء منها؛ لأنه منزه عن المكان، هذه هي عقيدة السلف، ومن أجل ذلك نحن ندعو المسلمين إلى أن يرجعوا إلى عقيدة السلف وإلى منهج السلف حتى يستقيموا على الجادة، وحتى يصدق فيهم أنهم رجعوا إلى الوصفة الطبية النبوية، التي جعلها المصطفى ﵌ وصفة لخلاص المسلمين من الذل الذي ران ونزل عليهم (.
حتى ترجعوا إلى دينكم) ، فالرجوع الرجوع معشر المسلمين جميعاً إلى الله وإلى كتابه وإلى حديث نبيه وعلى منهج السلف الصالح! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 42
مفهوم العقيدة ودلالة أحاديث الآحاد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
المقصود من العقيدة في اصطلاح العلماء هو: (كل خبر جاء عن الله أو رسوله، يتضمن خبراً غيبياً لا يتعلق به حكمٌ عمليٌ شرعاً) .
هو كل خبر جاء عن الله أو رسوله، يتضمن خبراً غائباً عنا وعن عقولنا باعتبارنا بشراً لا نعلم الغيب، وليس معه حكمٌ شرعي عملي، أما إذا كان الخبر المشار إليه كتاباً أو سنة فيه حكم عملي، فهذا لا يَصُفّونَه في صَفّ العقائد، وإنما يحشرونه في صف الأحكام الشرعية، هذا هو الاصطلاح.
стр. 43
حكم الاصطلاح في العلوم الشرعية
والذي أريد أن أدير إليه الكلام الآن، هو أن نذكر بأن الاصطلاح في العلوم الشرعية لا بأس منه؛ لأن الغرض تيسير والفهم على الناس، ولكن ينبغي أن يراعى فيه ألا يؤدي إلى مخالفة شرعية أُوْرِدُ مثالاً من الأمثلة العصرية: لا بأس أن نسمي معاني بأسماء جديدة، لكن بشرط ألا تغير حقائق شرعية، فإذا لم يتوفر هذا الشرط فلا يصح ذاك الاصطلاح أو تلك التسمية.
مثلاً: لا يصح أن نسمي ما حرم الله من الملاهي وآلات الطرب بفنون جميلة؛ وذلك لما في هذه التسمية من تلطيف لمثل هذه المعاصي، وإيهام الناس بأنه لا شيء فيها لأنها من الفنون الجميلة، لكن لو أطلقنا هذا الاسم على رسوم ونقوش زاهية براقة جميلة، ليس فيها صور حيوانات محرمة في الإسلام، فلا بأس من هذه التسمية، هذا مثال من واقعنا في العصر الحاضر، والأمثلة في ذلك كثيرة؛ كتسمية الربا المحرم بالفائدة أي فائدة يجنيها الإنسان من وراء التعامل بالربا؟ فنحن لا يجوز أن نتجاوب مع هذه التسمية ومع هذا الاصطلاح، لا لكونه حادثاً، فلكل قوم أن يصطلحوا على ما يشاءون، وإنما لأن الاصطلاح يؤدي إلى مخالفة الشرع، فإن الشرع يطلق على من يتعاطى الربا بأنه يحارب الله ورسوله، ونحن نسمي هذا فائدة! هذا كله من وساوس الشيطان على بني الإنسان، لصرفه عن أوامر الله وإيقاعه فيما حرم الله.
стр. 44
مفهوم العقيدة اصطلاحاً وحكم هذا الاصطلاح
أعود فأقول: لا بأس من ذلك التفريق الاصطلاحي، أن نسمي الخبر إذا كان فيه خبر غيبي وليس فيه حكم شرعي بأنه عقيدة، وأن نسمي خبراً آخر الذي يتضمن حكماً شرعياً عملياً بأنه حكم شرعي وليس بعقيدة، هذا الاصطلاح لا بأس به، ولكن بشرط ألا يؤدي إلى مخالفة الشرع، وقد تحققت المخالفة، وإليكم البيان: كل حكم شرعي لا يقترن معه عقيدة فلا قيمة له؛ لأن أي حكم سواء كان يتضمن -مثلاً- الفرض أو الوجوب والمعنى واحد، إذا لم تقم بهذا الواجب بنية واعتقاد أنه فرض لم يفدك هذا الحكم شيئاً، وهكذا قُرِّر في كل الأحكام أو بقية الأحكام الخمسة، فأنت إذا أتيت بعبادة غير الفريضة كسنة مؤكدة أو مستحبة، إذا جئت بها باعتقاد أنها فرض أثمت ولم تؤجر؛ ذلك لأنك خالفت العقيدة الإسلامية في هذا الحكم الشرعي، يكفي الآن على سبيل التمثيل والتوضيح هذان المثالان اللذان يبينان لك بوضوح أن كل حكم شرعي مقرون معه عقيدة، لكن نعكس؛ فليس كل عقيدة مقرون معها حكم وعمل شرعي، مثلاً: نعتقد بخروج الدجال الأكبر في آخر الزمان نعتقد بنزول النبي عيسى ﵊ وقتله للدجال الأكبر نعتقد بخروج المهدي محمد بن عبد الله في آخر الزمان نعتقد بعذاب القبر.
إلى آخر ما هنالك من عقائد ثابتة في الكتاب والسنة، هذه كلها مجرد عقيدة لا يقترن معها عمل، فاقترح العلماء للتفريق بين هذا النوع من العقيدة وذاك النوع من العقيدة، بأن هذه عقيدة وهذه أحكام.
ولكن إذا ألزمني هذا التفريق فلسفة عارضة طارئة دخيلة على الإسلام؛ حينذاك لا يجوز أن نصطلح هذا الاصطلاح، وإنما نقول: كل ذلك أحكام شرعية، وإنما الواقع أن هذا حكم ليس معه عمل، وذاك حكم معه عمل، مهما كانت نيته أنه عمل هذا حكم من الله تعتقد بكذا وكذا، وهذا حكم من الله تعتقد بكذا وكذا، لكن هذا النوع الثاني اقترن به القيام بعمل من نوع معين.
التفريق هذا هو كما قلت: اصطلاح، ولا بأس باستعمال هذا الاصطلاح باشتراط الشرط السابق، أقول: اصطلاح؛ لأن السلف الصالح لا يعرفون هذا إطلاقاً، لا يعرفون التفريق بين خبر غيبي مجرد وخبر فيه حكم عملي ولابد من اعتقاد حكمه، فإذا ما وقفنا عند هذا الاصطلاح ولم نتعدَ إلى مخالفة أحكام شرعية أخرى، فلا بأس به.
стр. 45
حكم اشتراط التواتر في أحاديث العقيدة
لكن الواقع أننا قد تورطنا من هذا الاصطلاح فجئنا بعقيدة باطلة مخالفة للشريعة الإسلامية، وهذه العقيدة بالتالي لا يعرفها السلف الصالح، ولا يعرفها الأئمة الأربعة الذين نحن ننتمي إليهم في اتباعهم في مذاهبهم، سواء ما كان منها مذهباً اعتقادياً بهذا الاصطلاح، أو كان مذهباً حكمياً شرعياً.
أريد من هذا التذكير بما ابتلي به المسلمون اليوم من رأي اعتزاليّ قديم، قام بعض الناس بتبنيه وإشاعته بين الناس، فكان مثار فتنة ومثار بلاء أصيب به كثير من الناس؛ بسبب جهلهم بالسنة أولاً، وبالأولى بسبب جهلهم بما كان عليه سلفنا الصالح من تقبلهم الأخبار الصحيحة عن النبي ﷺ على إطلاقها دون فلسفة عقيدة، وحكم، هكذا كان موقف السلف الصالح بالنسبة لأحاديث الرسول ﷺ أن يتقبلوها على إطلاقها، سواءً كانت بالاصطلاح السابق الذكر (عقيدة) ، أو كان (حكماً شرعياً) ، لا يفرقون بين هذا وبين هذا، وإنما يكون موقفهم تجاه كل حديث يبلغهم عمن يثقون بخبره أن يسلموا تسليماً؛ لأن الله ﵎ حينما قال في مطلع هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] هذه الآية نص عام، اختلفنا -مثلاً- في قبول خبر الآحاد في الأحكام الشرعية، ماذا نفعل؟ نُحكم الرسول ﵊ في ذلك هل أُمرنا باتباع الرسول ﵊ فيما يأتينا به من أخبار فيها أحكام شرعية؟
الجواب
نعم، وهذا موضع اتفاق، ولكن اختلفنا اختلافاً من نوعية أخرى، ألا وهو: هل نأخذ بحديث الآحاد في الأخبار التي ليس فيها أحكام شرعية وإنما فيها محض عقيدة؟ قيل وقيل، إذاً لمن نرجع؟ إلى الحَكَم الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ.
﴾ [النساء:٦٥] إلى آخر الآية، فنحن حينذاك مادام أننا اختلفنا يجب أن نتحاكم إلى الله وإلى الرسول، وأن نسلم بعد ذلك إلى ما جاءنا عن الله والرسول ونسلم تسليماً، فهل تجدون في كتاب الله أو في حديث رسول الله ﵌ هذا التفريق الذي ابتلي به قديماً بعض الفرق الإسلامية وحديثاً بعض الشباب المسلم؟ هل تجدون هذا التفريق في كتاب الله أو في حديث رسول الله، أم تجدون هناك النصوص عامة مطلقة مثل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] فهذا من حيث أن الرسول ﵌ مصدر الخبر المصدر الأول؟ ثم هل تجدون هناك في الكتاب أو في السنة تفريقاً من حيث وصول الخبر من بعد الرسول ﷺ أنه يجب أن يؤخذ بالأحكام ولو كان الناقل للخبر عن الرسول ﵊ فرداً، أما في العقائد -بالاصطلاح السابق- فلا يؤخذ إلا أن يكونوا جماعةً هم جماعة التواتر؟ هل تجدون شيئاً من هذا في الكتاب والسنة؟ أما نحن فلم نجد ولن نجد، ويستحيل أن نجد مثل هذا التفريق بين حديث الآحاد في العقيدة والأحكام، بحيث أنه في العقيدة لا يؤخذ به والراوي نفسه ثقة، هذا الراوي الذي إذا روى خبراً في الأحكام احتج به، وإذا روى خبراً في العقيدة ليس فيه حكم لا يحتج به، هذا التفريق قلت: لا نجده ولن نجده، ولكننا نجد العكس، وهذا أقوى لنا، نجد النصوص من الكتاب والسنة -أيضاً- أنها تأتي نصوصاً عامةً، كما جاءت فيما يتعلق بالرسول ﵊، وأنه كالمصدر الأول لا فرق؛ سواءً جاءنا عن الله بخبر فيه غيب فيجب أن نسلم له تسليماً، أو جاء بخبر فيه حكم فيجب أن نسلم تسليماً، النصوص العامة تدل على هذا وأنه لا فرق، كذلك جاءت النصوص عامة فيما يتعلق بالواسطة الذي ينقل لنا الخبر عن الرسول ﵊، لا فرق أيضاً بين أن تكون هذه الواسطة هي الصحابي أو من بعد الصحابي.
стр. 46
أمثلة على حجية خبر الآحاد
مثلاً: شيء من هذه الأخبار العامة، الآية المشهورة: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢] لماذا هذا النفر؟ ليتفقهوا في الدين.
فما هو التفقه في الدين؟ أيضاً يأتي هنا اصطلاح آخر نقول: لا بأس به إذا لم يتعارض أيضاً مع نصوص الشريعة، ما هو الاصطلاح؟ الاصطلاح: أن الفقه هو فهم الأحكام الشرعية حرام، حلال، فرض، واجب، مستحب، مندوب، مباح إلخ، لكن هذا بالمعنى الشرعي أوسع: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢] أي: ليتعلموا الدين ويفهموه جيداً، الدين بمفهومه العام عقيدةً وأحكاماً، فهو يقول بهذه الآية: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢] فرقة: جماعة أو قبيلة، طائفة: واحد فأكثر لغةً.
والله يحض المسلمين في زمن الرسول ﵊ مباشرةً، ثم الأمة الإسلامية جميعاً تبعاً لهم؛ يحض طائفة منهم على أن ينفروا، وأن يخرجوا، وأن ينطلقوا، ويسافروا إلى المركز أو إلى الشط الذي فيه من يعلم الناس دينهم ويفقههم فيه.
الشاهد هنا من الاستدلال بالآية بلفظة (طائفة) فهذه الطائفة تشمل الفرد وما هو أكثر من ذلك، قال في تمام الآية: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢] أي: ليبلغوهم ما تلقوه من الفقه في الدين.
إذا عرفنا أن الفقه بمعناه الشرعي أوسع منه في معناه الاصطلاحي أولاً، وعرفنا أن الطائفة تعني الواحد فأكثر؛ حينئذٍ يظهر لكم أن الآية دليل على عدم ذلك التفريق الحادث المحدث؛ ذلك لأن هذه الطائفة؛ الواحد، أو الاثنان، أو الثلاثة، أو أكثر؛ واجبهم بنص هذه الآية أن يتلقى الفقه من صاحب الفقه، وهو مباشرة في هذا الحديث الرسول ﵊، فهذا واجبه الأول، ثم واجبه الآخر أن يرجع إلى قومه فينذرهم ويبشرهم ويعلمهم ويفقههم.
إذاً: هل تقوم الحجة بخبر الواحد في الفقه في الدين كله بدون ذلك التفريق الحادث؟
الجواب
الآية صريحة في ذلك؛ لأنها لا تفرق، بل تطلق حكم التفقه في الدين، وذلك يشمل العقيدة والأحكام، بل نقول: يشمل العقيدة قبل الأحكام؛ لأن العقيدة أصل الأحكام كما شرحنا لكم آنفاً، سواءً على فهمنا أو على فهم غيرنا في اصطلاحهم، فإن العقيدة عندهم أهم الأحكام؛ لأن الأحكام إذا تجردت من العقيدة لم يبق لها قيمة مطلقاً.
إذاً: على اصطلاحهم تبليغ العقيدة على هذه الطائفة أوجب عليهم من أن يبلغوا الأحكام الشرعية فقط، أما نحن فلا تفريق عندنا، فعليهم أن يبلغوا كل ما تفقهوا به من الدين؛ سواء كان عقيدةً أو كان حكماً شرعياً، وهو في الوقت نفسه كما شرحنا يتضمن عقيدة.
أما في السنة فكذلك نجد الأحاديث تأتي مطلقة، مثلاً: قوله ﵊: (بلغوا عني ولو آية) وهنا لا بد من لفت النظر؛ ففيها حضٌّ على نقل جملة عن الرسول ﵊ سواءً قال لهم: هذه آية من القرآن أو لم يقل لهم ذلك، فتكون هذه الجملة من كلام الرسول ﵊، وهي من الناحية العملية في الشريعة الإسلامية كالقرآن لا نفرق بين الله ورسوله؛ فإذاً: هنا نص عام لا نفرق بين جملة تتعلق بالعقيدة، أو جملة تتعلق بالأحكام الشرعية.
ومن ذلك أيضاً حديث مشهور: (نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها كما سمعها، فرب حامل فقهٍ إلى غير فقيه، ورب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه) .
أيضاً هنا دعا الرسول ﵊ بالمباركة والسلامة لمن يسمع من الرسول عليه الصلاة السلام مقالةً له ثم ينقلها إلى غيره، سواء كان في مرتبته في الطبقة والمعاصرة والعلم، أو كان دون ذلك في الطبقة والعلم.
فالشاهد: نصوص الكتاب والسنة كلها على هذا النمط، لا تأتي بالتفريق في الحَضَّ والفرض في طلب العلم بين أحاديث تتعلق بالعقيدة أو أحاديث تتعلق بالأحكام الشرعية.
стр. 47
منشأ القول برد الآحاد في العقيدة
فمن أين جاء هذا التفريق؟ جاء من الفلسفة جاء من علم الكلام الذي نتج منه ذلك الاصطلاح، أنه أحاديث تؤخذ منها الأحكام ولو كانت آحاداً، لكن لا تؤخذ منها العقيدة، جاءت من فلسفة أن العقيدة يجب أن تكون يقيناً، ويقابل هذا فلسفة أخرى: أن أحاديث الآحاد لا تفيد يقيناً، هذا ليس كلام علماء المسلمين الأولين، هذا كلام بعض فلاسفة المسلمين، حتى قال بعضهم شراً من ذلك، فقالوا: إن نصوص الشريعة كتاباً وسنة ظنية لا تعطي يقيناً مطلقاً، هذا قول الفخر الرازي وغيره، وإنما الذي يعطي اليقين إنما هو علم الكلام، أي: العلم الذي جاء به الناس من اجتهاداتهم وآرائهم منه نخرج بيقين، أما القرآن الذي هو ﴿شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧] بنص القرآن الكريم، وفيه ﴿بَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] ففي دعواهم ليس هناك في القرآن حجة، وليس هناك في القرآن بينة يقينية، وإنما هي أمور ظنية هذا يقوله بعض الفلاسفة الإسلاميين أو علماء الكلام، يمزجون بهذا الكلام القرآن والسنة معاً، لا يفرقون بين القرآن والسنة، ولا بين السنة المتواترة أو غير المتواترة، كل ذلك لا يُعطي يقيناً عندهم، وأهون من هؤلاء شراً هم الذين خصوا هذا الكلام في حديث الآحاد، فقالوا: حديث الآحاد لا يعطي يقيناً، والعقيدة يجب أن تبنى على اليقين.
ونحن نناقش هذه الدعوى من ناحيتين أو أكثر:
стр. 48
الرد على من رد حديث الآحاد في العقيدة
نقول لهم: أولاً: قولكم: إن حديث الآحاد لا يعطي يقيناً؛ هذا لا دليل عليه إلا ظنهم، ليس عندهم دليل من الكتاب والسنة إطلاقاً بأن حديث الآحاد لا يعطي اليقين، وإنما يفيد الظن، فإن من أحاديث الآحاد في اصطلاح علماء الحديث الذي يرويه الرجلان والثلاثة، تتسلسل الرواية هكذا، بمعنى: إذا فرضنا حديثاً رواه ثلاثة من أصحاب الرسول ﵊ أبو بكر وعمر وعثمان، أو غيرهم من الصحابة، ثم روى هذا الحديث عن هؤلاء الثلاثة ثلاثة من ثقات التابعين، كـ سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود بن يزيد وغيرهم، ثم عن هؤلاء الثلاثة ثلاثة من ثقات أتباع التابعين، من الذي يقول: إن هذا الحديث لا يفيد اليقين، وما الدليل على ذلك؟ وهو حديث آحاد، ثلاثة من الصحابة حفاظ لاشك عندنا في صدقهم أولاً، ولاشك عندنا في ضبطهم وحفظهم ثانياً، ثم ننتقل إلى الطبقة التي تلي هؤلاء من التابعين، ثم إلى الذين يلونهم، كلهم موصوفون بأنهم ثقات وحفاظ، من الذي يقول: إن هؤلاء إذا اتفقوا على رواية حديث بدون تمالؤٍ بينهم -أي: بدون تواطؤ- إنما مجرد تلاق، أي: أن فلاناً من الصحابة يقول: سمعت الرسول، وصحابي آخر يقول: وأنا سمعت الرسول، وصحابي آخر يقول: سمعت الرسول، ثم تابعي عن هذا وتابعي عن هذا وهكذا، فهذا الحديث عند علماء الاختصاص في الحديث يقولون: هذا الحديث يفيد اليقين؛ لأنه يستحيل عادةً مثل هؤلاء الثلاثة -وليس عددهم عدد التواتر- تواطؤهم عن الكذب، بل هناك حديث آحاد بالمعنى اللغوي، أي: ما رواه إلا فرد واحد، أما المثال السابق فهو حديث آحاد في الاصطلاح، وأما لغةً فقد رواه ثلاثة.
الآن نأتي إلى حديث رواه فرد واحد من الصحابة وإسناده صحيح، لكنه اقترن به قرينة، وهي أن الأمة كلها تلقت هذا الحديث بالقبول، فلم يوجد فيهم -أولاً- من طعن فيه، ولم يوجد فيهم -ثانياً- من أعرض عنه ولو برد العمل به بعلة قادحة فيه، وإنما كلهم سلموا به، والذين لم يأخذوا به قالوا: عندنا ما هو أقوى منه، ولم يقولوا: حديث ضعيف، وإنما قالوا: عندنا ما هو أقوى منه دلالة من الناحية الأصولية، فمع أن هذا الحديث لم تجمع الأمة على الأخذ به، لكن الأمة مع ذلك تلقته بالقبول، حتى الذين لم يأخذوا به قدموا عذرهم في عدم الأخذ به.
مثلاً: الأحناف لا يأخذون بحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، لكن لا يرفضونه بل يقولون: هذا حديث آحاد، وحديث الآحاد إذا عارض ظاهر القرآن لا يؤخذ به عندهم، ما قالوا: هذا حديث غير صحيح، فإذاً: هذا حديث يقال: تلقته الأمة بالقبول، وأنكر السلف بالعمل به، هذا النوع من الحديث وهو فرد غريب يقول علماء الحديث بأنه يفيد اليقين.
إذاً: ليس هناك أدلة في الكتاب والسنة على أن الإنسان في حل من ألا يأخذ بالحديث الصحيح؛ لا لشيء إلا لأنه آحاد، وهذا بالإضافة إلى ما سبق من الأدلة العامة، فإنه يخالف أيضاً هدي الرسول ﵊ وسلف الأمة، أما هديه ﵊ فنعرف يقيناً أنه كان يرسل أفراداً إلى أشخاص من الملوك والرؤساء، أو إلى قبائل، كما فعل بالنسبة إلى علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل حينما أرسلهم إلى اليمن، وأرسل أفراداً آخرين كـ دحية -مثلاً- بكتابه إلى ملك الروم، ونحو ذلك، فكل هذه أدلة عملية من الرسول ﵊ يصدق هذا المفهوم الصحيح، أنه لا فرق أبداً بين حديث عقيدة أو حديث أحكام؛ لأن الراوي فرد، فإن الرسول ﷺ لما أرسل أولئك الرسل، نعلم بالضرورة أنه أرسلهم إلى أقوام ليفقهوهم في الدين، ويبلغوهم أيضاً ما تعلموه من الرسول ﵊، فنحن نعلم يقيناً أن معاذ بن جبل بلغهم العقائد، بلغهم بمعنى: أوضح الأحاديث التي سمعها من الرسول ﵊، وهي على القسمين السابقين: قسم منها فيها عقائد محضة، وقسم منها فيها أحكام مع عقائد.
فهل قامت الحجة بإرسال الرسول ﵊ لهؤلاء الأفراد ليعلموا أولئك الأقوام دينهم؟ نحن نقول جازمين: إن الحجة قد قامت عليهم، وأنه لا يمكن أن يرسل الرسول ﷺ فرداً لا يصلح لإقامة الحجة على أولئك الأقوام، الذين هم بحاجة إلى أن يقتنعوا بكلام الوسيط بينهم وبين الرسول ﵌، فـ معاذ وأبو موسى وغيرهم من الصحابة قد بلغوا أولئك الناس الإسلام الذي فهموه من الرسول ﵊ وتلقوه عنه، وقامت الحجة بذلك؛ لأنه يستحيل أن يرسل الرسول ﵊ من لا تقوم الحجة به، كما لو قيل: إن دحية لما ذهب إلى هرقل لا تقوم الحجة به؛ لأنه فرد، وخبر الفرد لا تقوم به الحجة إلا في الأحكام الشرعية، مع العلم بأن معاذاً وأمثاله إنما بلّغوا الشريعة بكاملها؛ عقيدة وأحكاماً شرعية.
لذلك بالإضافة لتلك النصوص العامة لا يجوز للمسلم أن يفرق يبن حديث وحديث، وأن يجيز لنفسه رد حديث بمجرد أن فيه أمراً غريباً غيبياً.
مثلاً: حديث عذاب القبر الوارد عن ابن عباس ﵁، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: (أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول ... ) إلى آخر الحديث، الشاهد فيه: قال: (أما إنهما ليعذبان) وهم من هذه الأمة المكلفين وليسوا من الكفار، لكن ذنبهم أن أحدهما كان يسعى بالنميمة، والآخر كان لا يتحفظ من مساس البول، فكان يصيب بدنه وثوبه هذه النجاسة، فعذب على ذلك كل منهما في القبر هذا أمر غيبي هل يصدق بعذاب القبر أم لا؟ فلسفة سابقة تقول: لا؛ لأن هذا حديث آحاد، لكن الرسول ﵊ لما حدث بهذا الحديث سمعه ابن عباس، ماذا كان موقفه؟ آمن به بلا شك ولا ريب، فـ ابن عباس حينما حدث التابعي به ماذا كان موقف التابعي تجاهه؟ هو نفس موقف ابن عباس تجاه نبيه، وهكذا تسلسل العمل بالحديث بين الرواة بدون فلسفة التفريق بين العقيدة وبين الأحكام، ولذلك نحن ندعو دائماً وأبداً إلى أن نتفهم شريعتنا على طريقة السلف الصالح، فـ السلف الصالح من جملة طريقتهم وهديهم أن يتلقوا أحاديث الرسول ﵊، وأن يؤمنوا بها وأن يصدقوا بها؛ سواءً كانت في الأحكام أو في العقائد.
ومن شاء أن يوجه سؤالاً حول هذا البحث، سواء كان سؤالاً توضيحياً أو سؤالاً استشكالياً؛ لأنه عندي لا فرق بين عقيدة وأخرى، سواءً كانت مفهومة عند البعض أو مجهولة عند الآخرين، فالآخرون يجب أن يتعلموا، والذين قد علموا يجب عليهم أن يبلغوا، ونحن نعتقد أن أصحاب النبي ﵌ الذين كانوا يحضرون مجالسه العلمية، لم يكونوا كلهم في نسبة واحدة في الثقافة الشرعية، ونعلم أن أبا بكر وأمثاله من كبار الصحابة كانوا يسمعون أحاديث الرسول ﵊ مراراً وتكراراً؛ لأنهم كانوا يحدثون أقواماً بما لم يسمعوا من قبل، فيكون حديث الرسول ﵊ بالنسبة لبعض الناس تكراراً، وبالنسبة للآخرين ابتداءً، فيجب على الأولين أن يتحملوا هذا التكرار ثم لا يذهب ذلك عليهم سدى؛ لأن التكرار يركز بالمفاهيم في الأذهان، وأنا على يقين بأن الذين سمعوا هذا البحث مرة أو مرتين، لا يستطيعون أن يعلنوه إذا ابتلوا بأناس من علماء الكلام، من الذين تأثروا بهذه الفلسفة التي ليست من الإسلام في شيء، فإذاً: عليهم أن يصبروا إذا ما سمعوا التكرار في مثل هذا الموضوع، وأن هذا له علاقة بالعقيدة، والعقيدة يجب التثبت فيها ومعرفة أدلتها وطريقة مجادلة المخالفين فيها أكثر من الأحكام عند أولئك الناس الذين يفرقون بينها، أما نحن فالشريعة عندنا كلها عقيدة، وإذا لم تحمل ولم تقبل على العقيدة فلا فائدة من هذه الأحكام التي خلت من العقيدة، وهذا ما لا يقوله مسلم، لهذا أقول: من كان له سؤال فليتفضل.
стр. 49
حكم النية في تمييز العمل
السؤال
إذا أراد الإنسان أن يعمل عملاً فهل يستحضر حكم هذا العمل، كالسلام من صلاة الصبح أو من سنة الصبح، أم أنه يعتبر سنة لأنه من شعائر الإسلام؟
الجواب
يجب أن تعرف أنه كما لا يجوز أن تحط من الحكم، مثلاً: هو فرض فتنزل به إلى مرتبة السنة، وتعمل به على أنه سنة، كذلك لا يجوز أن ترفع من شأن الحكم، فإذا كان سنة وأنت ترفعه وتجعله في مقام الفريضة، فلا يجوز لا هذا ولا هذا أبداً، فالسلام عندما تسلم كالصلاة التي تصليها، عندما تصليها فأنت تستحضر في نفسك أن هذه الصلاة ليست فريضة، وإنما هي سنة الفجر كما قلت.
وهذا يكفي.
كذلك لما تقول لأخيك المسلم: السلام عليكم، أنت تؤسس في نفسك أن هذا السلام واجب، أو -لا سمح الله- إذا كنت تعتقد أنه سنة كما يظن البعض فتكون مخطئاً، فيكفي أن تقول: السلام عليكم، وأنت على علم بأن هذا من الواجب، وأن الرسول ﵊ أمر به.
السؤال: ألا يعد فعله هذا من شعائر الإسلام؟ الجواب: لا، لا يجوز، أليست الصلوات الخمس من شعائر الإسلام؟ أليس الأذان من شعائر الإسلام؟
стр. 50
مقتطفات من السيرة [٣]
أمر الله تعالى المؤمنين بالاقتداء بالنبي ﵊، وجعله أسوة حسنة.
ولذلك يجب على المسلم أن يتعرف على سيرة النبي ﷺ وشمائله حتى يتسنى له اتباعه في كليات وجزئيات الشريعة.
وهذه المادة تعد الفصل الثالث والأخير من (مقتطفات من السيرة النبوية العطرة) وقد تعرض الشيخ ﵀ فيها لبعض المسائل المتعلقة بالسيرة والشمائل.
стр. 51
حال حديث: (أنا أول الأنبياء في الخلق)
السؤال
يقول الرسول ﷺ : (أنا أول الأنبياء في الخلق، وآخرهم في البعث، وقد بعثت آخر الزمان لئلا تطلع الأمم على فضائح أمتي) أو كما قال، فنريد منكم شيخنا الحكم على هذا الحديث؟
الجواب
الشطر الأول من الحديث: (أنا أول الأنبياء في الخلق، وآخرهم في البعث) حديث معروف، وهو من أحاديث الجامع الصغير، ومن معروفه أنه حديث ضعيف الإسناد لا تقوم الحجة به، ولا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ لعدم ثبوته، هذا من حيث إسناده.
وأما من حيث متنه، فلا يتصور أن يقول الرسول ﵇: إنه أول الأنبياء في الخلق، فأول الأنبياء كما نعلم آدم ﵊، وهو أبو البشر مطلقاً، فكيف يتصور أن يكون حفيده بعد مئات الأجيال محمد بن عبد الله قد خلق قبل جده الأول آدم ﵊؟! وقد يتأول بعض الناس مثل هذا الحديث بأن المقصود بالخلق الخلق المعنوي.
فنقول: بهذا المعنى يخرج الحديث عن النكارة الظاهرة، ولكن هذا أيضاً يحتاج إلى إثبات، كون الرسول ﵇ خلق من حيث المعنى قبل الأنبياء جميعاً، فهذا أمر غيبي يحتاج إلى إثبات، وليس هناك ما يدل عليه، اللهم إلا قوله ﵊ الثابت عنه: (كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد) وفي رواية: (كتبت نبياً) فهذا معنىً صحيح، أي: إن الله كتب نبوة الرسول ﵊ قبل تمام خلق آدم ﵊، (كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد) هذا هو لفظ الحديث الصحيح المروي في مسند الإمام أحمد وغيره من كتب السنة المعروفة.
وقد اشتهر الحديث عند الصوفية بمعنى: (كنت نبياً لا آدم ولا ماء ولا طين) الحديث بهذا اللفظ من الأحاديث الموضوعة المعروف وضعها عند العلماء.
فإذاً حديث: (كنت نبياً -وفي اللفظ الآخر:- كتبت نبياً وآدم بين الروح والجسد) هذا صحيح، أما أنه كان أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث، فهذا حديث ضعيف.
أما تمام الحديث وهو: (وقد بعثت آخر الزمان لئلا تطلع الأمم على فضائح أمتي) فهذا لا أعرفه حديثاً، وأظنه تعليلاً من بعض الشراح أو المعلقين على الحديث الضعيف.
стр. 52
حكم القول: بأن أول من خلق الله من البشر هو النبي ﷺ
السؤال
هل صحيح أن الرسول ﷺ هو أول ما خلق الله من البشر؟
الجواب
ليس صحيحاً أن الرسول ﵊ هو أول ما خلق الله من البشر؛ لأن هذا من الأمور الغيبية التي لا يجوز للمسلم أن يتحدث فيها بالظن؛ لأن الله يقول في كتابه: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [يونس:٣٦] .
ورسول الله ﷺ يقول: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) فإذا قال إنسان ما: إن الله أول ما خلق -لا نقول: شخص محمد، وإنما كما يزعمون خلق- نور محمد ﷺ ، فنحن نقول: قال الله ﵎: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١] .
فمن أين علم هذا الزاعم الراجم بالغيب أن أول ما خلق الله خلق نور محمد ﵊، فسيقول في الحديث المعروف: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر!) فنقول: هذا حديث ليس له أصل في كتب الأمهات الست المشهورة، ولا السنن المعروفة عند أهل الحديث، ولا غيرها مما يبلغ المئات من الكتب، فهذا الحديث ليس له أصل إلا في أذهان الجهال، من الذين اتخذوا مديح النبي ﷺ بالحق وبالباطل مهنة يعيشون من ورائها، فلا يجوز عند كثير من العلماء إثبات عقيدة بحديث صحيح، وإنما يشترطون في إثبات العقيدة بأن يكون الحديث متواتراً، ولا يكفي أن يكون صحيحاً فقط، ولو كان له طريقان أو ثلاثة، لا بد أن يكون جاء من عشرين طريقاً، أي: عن عشرين صحابياً؛ حتى تثبت العقيدة بذلك الحديث، ونحن وإن كنا لا نتبنى هذا الرأي؛ لأننا لا نفرق بين ما جاءنا عن الرسول ﷺ من عقيدة وما جاءنا عنه من حكم، فكل ذلك يجب اتباعه والاستسلام له، ولكننا نذكر بأن كثيراً من العلماء لما اشترطوا التواتر في الحديث الذي يراد إثبات العقيدة به، ما اشترطوا ذلك إلا حرصاً على ألا يعتقد المسلم ما قد يكون وَهِم فيه بعض الرواة، فمع الأسف نجد جماهير الناس اليوم يعتقدون عقائد قامت على أحاديث ضعيفة، بل وأحاديث موضوعة، كهذا الحديث: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر!) لذلك فلا يجوز للمسلم أن يعتقد مثل هذه العقيدة، لعدم ورودها في شيء من الأحاديث الصحيحة.
стр. 53
حكم إنشاد المديح في الرسول ﷺ
السؤال
هل صحيح ما يقال في الرسول ﷺ :
لو أبصر الشيطان طلعة نوره في وجه آدم كان أول من سجد
هذا سمعته من بعض المنشدين، فما حكم الإنشاد والمديح هذا؟
الجواب
البيت المذكور لا شك أنه ضلال، لا يجوز إنشاده، فضلاً عن مدح الرسول به؛ لأن مدحك للرجل بالباطل هو طعن في الواقع فيه، سواء شاء هذا المنشد أو أبى؛ لأنك إذا مدحت إنساناً بما ليس فيه، فكأنك تعني أن هذا ليس فيه من الممادح الحقيقية القائمة فيه حتى نمدحه بها؛ لذلك نحن نختلق من عند أنفسنا أشياء نمدحه بها، ورسول الله ﷺ ليس كذلك، فقد اصطفاه الله لنبوته ورسالته، وخلَّقه بالأخلاق الكاملة، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] .
فليس هو ﵊ بحاجة إلى أن يمدح بمثل هذه الأباطيل، لا سيما وفي السنة الصحيحة -قسم منها متواتر، وقسم دون ذلك، وكله صحيح- ما يمكن للمسلم أن يمدح الرسول ﵊ به، أما أن يأتي إلى مثل هذا المديح الباطل، فهذا غلو في الدين، والله قد حذرنا بتحذيره أهل الكتاب من الغلو في الذين فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١] .
وقال ﵊ موجهاً نفس هذا المعنى إلينا نحن معشر المسلمين مباشرة، وذلك حينما كان قريباً من منى، وأمر عبد الله بن عباس أن يلتقط له حصيات، وأشار إلى أن تكون الحصيات صغيرة بقدر حصى الخذف، وقال: (مثل هذه، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من قبلكم غلوهم في دينهم) .
فالغلو في الدين لا يجوز مطلقاً، وبخاصة ما كان منه متعلقاً بالعقيدة مثل الأمور الغيبية، فمثل هذا الزعم الذي زعمه هذا المنشد:
لو أبصر الشيطان طلعة نوره في وجه آدم كان أول من سجد
هذا من كلام الشعراء الذين يتبعهم الغاوون.
إذاً: مثل هذا الإنشاد لا يجوز قطعاً؛ والكلام والنطق والتلفظ به لا يجوز؛ لأنه باطل، ولذلك حذر الرسول ﵊ المسلمين من أن ينصاعوا في مدحه ولو في حدود الواقع، خشية أن يجرهم ذلك إلى مثل هذا الكلام الباطل، فقال ﵊: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) (لا تطروني) أي: لا تمدحوني، وبهذه المناسبة يجب التذكير بأنه ليس معنى هذا الحديث كما يذكر بعض الشراح: (لا تطروني) أي: لا تبالغوا في مدحي، لا.
وإنما لا تمدحوني مطلقاً؛ لأنه ليس بحاجة إلى أن يمدح، وذلك لأن اليهود النصارى إنما ضلوا ووصلوا إلى جعل عيسى ابن الله بسبب أنهم فتحوا لأنفسهم باب مدح عيسى ﵊.
وكلنا يعلم أن معظم النار من مستصغر الشرر، فالشيطان من كيده لبني الإنسان، لا يفزعه بالموبقات وبالعظائم من الأمور المحرمة؛ لأن ذلك مما ينبه عدوه الإنسان فلا يتورط معه، وإنما يأتيه خطوة خطوة، فسداً للذريعة قال ﵊: (لا تطروني) أي: لا تمدحوني مطلقاً (إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) ومن الدليل على هذا الذي قلته: أن هذا الحديث أورده علماء الحديث ومنهم الإمام الترمذي في كتابه الشمائل النبوية، أورده تحت باب: تواضع النبي ﷺ ، فلو كان الإمام الترمذي يفهم هذا الحديث: (لا تطروني) أي: لا تبالغوا في مدحي، لم يتصل هذا المعنى بالباب، أو لم يكن الحديث مترجماً للباب؛ لأن هذا لا يدل على التواضع، وهو واجب على أي إنسان أن يقول للناس: لا تمدحوني بالباطل، هذا ليس تواضعاً، لكن التواضع هو إذا فهم الحديث على ظاهره، لا تمدحوني مطلقاً، هذا هو التواضع لماذا يا رسول الله وأنت أهل لأن تمدح؟ لأن فتح هذا الباب قد يؤدي بكم إلى الوقوع في مثل ما وقع فيه النصارى من الإسراف، وهذا في الواقع مشاهد اليوم بين المسلمين، وهذا بيت شعر أمامكم من أبيات كثيرة وكثيرة من قصيدة البوصيري وغيره:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
هذا مدح؛ لكنه كفر؛ لأن الرسول ﵊ سمع الجارية في زمنه وهي تقول:
وفينا نبي الله يعلم ما في غد
فقال: (لا يعلم الغيب إلا الله، دعي هذا) ، فكيف لو سمع الرسول ﵊ قول البوصيري:
ومن علومك علم اللوح والقلم
؟! لاشك أن هذا ضلال لا يرضاه الرسول ﵊؛ لأنه يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
إذاً: فقطع دابر هذه المبالغات هو ألا يفتح المسلم باب المديح خاصة بالأناشيد هذه، ويكتفي بقراءة ما ثبت في السيرة من أخلاق الرسول ﵊ ومن معجزاته وآدابه التي فتح بها هذه القلوب التي كانت عمياً.
وإليك بعض الأمثلة الموضحة لهذا المعنى: عن عبد الله بن الشخير قال: (انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال ﵊: السيد الله ﵎، قلنا: وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً، فقال: قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان) رواه أبو داود بسند جيد.
ماذا يقصد الرسول ﷺ بقوله: (قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان) ؟ أي: لما قالوا للرسول ﵇: أنت سيدنا، قال لهم ﵊: (السيد الله) أي: السيد الحقيقي هو الله، ولما قالوا له: (وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً) قال لهم ﵊: (قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان) أي: لا تفتحوا على أنفسكم باب الانحراف عن الصراط المستقيم، بالغلو في مدح الرسول ﷺ وتعظيمه، فيجركم الشيطان إلى الطرق المنحرفة عن الصراط المستقيم، كما قال ﵊: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) .
كذلك يشير الرسول ﵊ بقوله: (ولا يستجرينكم الشيطان) إلى الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود قال: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ ، فخط على الأرض خطاً مستقيماً، ثم خط من حوله خطوطاً قصيرة، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يمد أصبعه على الخط المستقيم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] ) .
فالمبالغة في مدح الأنبياء والصالحين هي من الطرق التي يجر الشيطان المبالغين في المدح إلى طرق قصيرة، ويخرجهم بها عن الصراط المستقيم الذي هو طريق واحد لا ثانيَ له، هذا هو المقصود بقوله ﵇: (ولا يستجرينكم الشيطان) وبعبارة أصولية: إن الرسول ﵊ بقوله: (لا يستجرينكم الشيطان) وضع باب سد الذريعة، فهو ينهى عن المبالغة في المدح؛ خشية أن يؤدي إلى ما لا يجوز من الكلام كما فعل النصارى.
стр. 54
حكم إطلاق كلمة (سيد) على رسول الله
السؤال
نرجو البيان بالتفصيل في حكم استعمال كلمة (سيد) مثلاً: (سيدنا محمد ﷺ ، مع أنه ورد حديث: (السيد الله) .
الجواب
(السيد الله) هو حديث صحيح بلا شك، وكذلك هناك أحاديث صحيحة أطلق فيها الرسول ﵊ السيادة لنفسه بحق، وهو قوله في صحيح مسلم: (أنا سيد الناس يوم القيامة، أتدرون مما ذاك ... ) ثم ذكر حديث الشفاعة، وهو حديث طويل جداً، كذلك قال ﵊: (أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر، آدم فما دونه تحت لوائي يوم القيامة) .
فالسيادة سيادتان: سيادة لا تليق إلا لله ، فهي التي عناها الرسول ﵊ في الحديث الأول حينما قال: (السيد الله) وهي السيادة المطلقة، والمناسبة التي ذكر هذا الحديث فيها تؤيد ذلك، فقد جاء ناس إلى النبي ﷺ فقالوا له: (أنت سيدنا وابن سيدنا وأنت كذا وكذا ... ) -وذكروا ألفاظاً أخرى، فقال في الحديث هذا: (السيد الله) وفي حديث آخر قال لهم: (قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان) ، أيضاً نفهم من مجموع الروايتين أن قوله ﵊: (السيد الله) هو تنبيه إلى أن السيادة الحقيقة إنما هي لله ، فخشي ﵊ من مبالغتهم في وصفه، أن يؤدي بهم ذلك الوصف إلى الإشراك بالرسول ﷺ مع الله ولو في اللفظ؛ لأنه من الفقه في التوحيد الذي يخفى على كثير من أهل العلم فضلاً عن غيرهم، أن الشرك له أقسام كثيرة، والذي يهمنا الآن هو التفصيل الآتي: شرك اعتقادي، وشرك لفظي، فحينما نهى الرسول ﵊ أولئك وقال لهم: (السيد الله) خشي عليهم أن يقعوا في الشرك اللفظي، أي: أن يقولوا لفظاً يمكن أن يطلق على الرسول ﷺ ، لكن المعنى الحقيقي له إنما هو لله ﵎، فبياناً لهذه الحقيقة قال: (السيد الله) وبياناً للسيادة اللائقة به ﵊، التي هي دون ودون ودون -أكرر ملايين (دون) - سيادة الله الحقيقية، هي هذه السيادة التي قال: (أنا سيد الناس يوم القيامة، أنا سيد ولد آدم) فبناء على هذا التفصيل: إذا قال المسلم في بعض الأحيان: سيدنا رسول الله، وهو إنما يعني السيادة اللائقة به، وهو نبي مصطفىً مخلوق، فهذا جائز بلا شك؛ لأنه سيد حقاً، لكن إذا قال: سيدنا، وضمن هذه اللفظة معنىً فوق مستوى البشر، فحين ذلك يقال له: السيد الله، السيادة الحقيقية هي لله .
ونجد أن الصحابة ﵃ نادراً ما كانوا يستعملون لفظة السيادة هذه؛ لأن الغالب عليهم أنهم يقولون: قال رسول الله، وإنما جاء في حديث موقوف في سنن ابن ماجة على ابن مسعود، أنه ذكر الرسول ﵊ لفظ: سيد المرسلين، ومع ذلك ففي السند ضعف، فإذا قال المسلم أحياناً: قال سيدنا رسول الله، من باب بيان أن للرسول ﵊ هذه السيادة على جميع البشر، كما سمعتم آنفاً؛ فهذا حق، لكن الغالب أن يقول: قال رسول الله، قال ﵊ كما جرى عليه السلف الصالح، إلا في العبادات في الأوراد والأذكار التي جاءتنا عن الرسول ﷺ تعليماً منه لنا، فلا يجوز أن ندخل لفظة سيد في ورد من تلك الأوراد؛ وذلك لأن التعليم النبوي للمسلمين ليس فيه نقص حتى يأتي أحدنا فيستدرك هذا النقص عليه، فالله حينما أنزل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] قالوا: (يا رسول الله! هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال ﵊: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم.
إلخ) لم يقل لهم: قولوا: اللهم صلِّ على سيدنا.
وهنا أذكر وهماً شائعاً للتنبيه على خطئه، يقول بعضهم، ومع الأسف أنه من أهل العلم: كيف يأمر الرسول الناس أن يقولوا: سيدنا، وهو رسول الله وهو متواضع، ولا يليق بتواضعه أن يأمر الناس أن يسودوه، وأن يقولوا: اللهم صلِّ على سيدنا؟ هذه غفلة تشبه غفلة المستبيحين للتصوير الفوتوغرافي، بحجة أن الرسول لا يعرف ما يصير فيما بعد، ونسوا أن هذا الكلام: (كل مصور في النار) ليس من عنده، وإنما هو من الله، ونسوا أيضاً أن قول الرسول: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد) ليس من عنده، إنما هو من وحي السماء، فالله هو الذي أمر سيد الناس أن يأمر الصحابة أصالة وسائر الناس تبعاً بأن يقولوا: اللهم صلِّ على محمد، فلو أن الله أراد أن يشرع للناس تسويد الرسول بالصلاة الإبراهيمية، لكان الرسول ﷺ يقول للناس: قولوا: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، ويُقَرِّب هذا المعنى ما يأتي: تُرَى لما علمنا الرسول ﵊ التحيات، وقال: (إذا جلس أحدكم في التشهد فليقل: التحيات لله) هل هذا تعظيم لنفسه أم تعظيم لربه؟ لا شك أنه تعظيم لربه، فهل يجوز لنا أن نقول: التحيات لله تعالى، التحيات لله ؟ هذا كله تعظيم لله ؟ ومع ذلك لا يجوز بهذه الصيغة؟ لأن هذا التعليم كامل أولاً، ثم هو من الله الذي أمرنا أن نعظمه ونبجله في صلاتنا بهذه الألفاظ: التحيات لله والصلوات والطيبات، فلو أراد الله زيادة التبجيل له لزاد هذه الألفاظ وعلمنا الرسول ﵇، وهذا كهذا، كما أنه لا يجوز للمصلي أن يقول: التحيات لله ﵎، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وتحياته وسلامه.
إلخ، كذلك لا يجوز أن يقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد إلخ.
والسر في هذا أن الأذكار توقيفية، أي: التعليم من الله للرسول والرسول بدوره للأمة، لذلك لا يجوز أن نقول: إن الرسول تواضعاً منه لم يقل: قولوا: اللهم صلِّ على سيدنا، وإنما نقول: إن كان الله أوحى إليه بلفظة (سيدنا) فما كان لرسول الله أن يكتم وحي السماء بحجة التواضع، وإن كان الله لم يوحِ إليه بذلك؛ فأحرى وأحرى ألا يجوز لنا أن نزيد شيئاً لم يوحَ به إلى النبي ﷺ من السماء.
فهذا جواب زيادة سيادة الرسول ﵊ له سيادته اللائقة التي فضل بها على الناس جميعاً، ولكن نقول أحياناً: سيدنا رسول الله، تخصيصاً لهذه السيادة، ولكن لا نزيد هذه اللفظة في الأوراد التي علمناها الرسول ﵊.
стр. 55
رؤية النبي ﷺ في المنام
السؤال
رؤية الرسول ﵊ في المنام هل تحدث حقيقة؟ وما الدليل على ذلك؟
الجواب
إن كان الرائي رأى الرسول ﵇ حقيقة فهي رؤية حقيقة، أي: إن رأى الرسول ﵇ بأوصافه الثابتة في كتب السنة فقد رآه حقاً؛ لأن الرسول ﵊ يقول: (من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي) .
أما إن رأى صورة وقيل له: إن هذا رسول الله، كأن رآه مثلاً شيخاً فانياً، لحيته بيضاء كالقطن، فهذه ليست صفة الرسول ﵇، ونحو ذلك من الصفات، فمن رأى الرسول بأوصافه المطابقة للشمائل النبوية؛ فقد رآه حقاً وإلا فلا.
стр. 56
كيفية التحقق من رؤية النبي في المنام
السؤال
من رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المنام هل يكون رآه على حقيقته؟ وما يدريه أنه رسول الله ﷺ وما يدريه أنه هو حيث لم يره في حياته؟
الجواب
إنه بعد أن يثبت أنه رأى الرسول ﵊ في المنام لا يكون هو في منامه متوهماً، وإنما هو على بصيرة بما يقول، فلا شك أنه رأى الرسول ﵊.
وسؤال السائل: ما يدريه وهو ما رأى الرسول في حياته؟ الجواب: إنه ليس كل من ادعى أنه رأى الرسول ﵊ يقال: إنه رأى الرسول في المنام حقاً، وإنما إذا كانت الأوصاف التي رآها في المنام على الشخص الذي يدعي أنه رأى الرسول مطابقة لما ورد في كتب الحديث من شمائل الرسول؛ حينئذٍ نقول: رؤياه حق، أما إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأوصاف وشمائل تخالف الشمائل النبوية، فحينئذ يكون لم يرَ الرسول ﵊، فأظن أن السائل مستشكل أنه يسمع كل من رأى الرسول ﵊ في المنام فقد رآه حقاً.
لا، إنما فيها تفصيل، من رآه مطابقاً لأوصافه وشمائله فقد رآه، وإلا فلا، وعلى هذا التفصيل يجب أن نفهم قول الرسول ﵊: (من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي) بعد ذلك تسأل الرائي وتقول له: من فضلك، صف لنا الرسول ﵊؟ مثلاً كيف كانت لحيته؟ سيقول لك: بيضاء مثل القطن، فهذا ما رأى الرسول ﵇؛ لأن الرسول ما شاب.
وجاء في صحيح البخاري وغيره: (أنه كان في لحيته عشر شعرات أو إحدى عشرة شعرة بيضاء فقط) فإذا قال الرائي: أنا رأيت لحيته بيضاء بالمرة، نعرف يقيناً أنه ما رأى الرسول ﵊؛ وإلا فما فائدة قوله ﵊ في الحديث: (فإن الشيطان لا يتمثل بي) هل هذا الشيطان الذي أوهم الرائي في المنام أنه الرسول وأنه شايب؟ والرسول غير شايب، إذاً: ما تشبه بالرسول ﵇.
كذلك نسأله مثلاً: كيف رأيته، قاعداً أم ماشياً أم جالساً؟ فيجيب: رأيته ماشياً.
ونسأله: كيف مشيته؟ يقول: مشي رافعاً عنقه.
فهذا ليس هو رسول الله ﷺ ، لماذا؟ لأن من شمائله وأوصافه أنه كان إذا مشى فكأنما ينصب من صبب ﵊، كان قوياً، وكان يسبق أقوى الرجال.
إلخ، فإذا كان الرائي يصف أوصاف الرسول ﵇ التي رآها في شخصه في المنام، فطابقت أوصاف الرسول ﵊ التي رواها أصحابه الكرام، فتكون الرؤيا حق، وإلا فلا.
ونستحضر بعض حالات للرائي: كل من ادعى بأنه رأى الرسول ﵊؛ فإما أن يستطيع أن يصفه وأن يكون في ذهنه أوصاف الرسول ﵊، أو في ذهنه أنه هو فعلاً رأى الرسول ﵊، ويستطيع أن يصف أوصافه، أو ليس في ذهنه، كثير من الناس -وأنا منهم- يرى رؤيا، أي رؤيا، وفي الصباح تتبخر من ذهنه وكأنه ما رأى شيئاً، فأنا رأيت، لكن كيف؟ لا أدري، القضية ضائعة عليّ تماماً.
فإذاً: الرائي للرسول ﵇ هو بين حالة من حالتين: الحالة الأولى: وفيها حالتان: إما أن يستطيع أن يصف، أو لا يستطيع أن يصف، إما بنسيان، أو ما رأى في الحقيقة الصورة واضحة، مثلاً: قيل له في المنام: هذا الشخص الماشي أمامك هو الرسول ﵇، أو الواقف أمامك، ولم يرَ وجهه -مثلاً- فإذا كان لا يستطيع أن يصف فلا نقدر أن نقول له: أصبت أو أخطأت، الله أعلم، هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: يستطيع أن يصف؛ لأنه رآه فعلاً كما تقدم في التفصيل السابق، فإذا وصفه أوصافاً مطابقة لأوصافه ﵇، وما هو معروف في كتب الحديث والسنة؛ فهي رؤيا حق (فإنه رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي) وإذا جاءت الأوصاف مخالفة فهي -كما علمتم- ليست الرؤيا التي عناها الرسول ﵇.
стр. 57
كيفية رؤية النبي ﵊ لأهل الجنة والنار ولمَّا يدخلها أحد
السؤال
كيف رأى النبي أهل الجنة وأهل النار قبل أن تقوم الساعة، حيث إن الجنة والنار لما يدخلها أحد؟
الجواب
هذا كما يقول الصوفية -تماماً-: كشف، لكن هذا كشف صحيح وخاص بالأنبياء والرسل، أما مثل هذا الكشف فلا يناله غير الرسول ﵊ من بعده، هذا تمثيل يُمثَّل للرسول ﵇ ما سيكون عليه أهل الجنة وأهل النار، وقد رأى ذلك في مناسبات شتى، منها في قصة كسوف الشمس، حين صلى الرسول ﷺ صلاة الكسوف رأوه يتقدم كأنه يريد أن يقبض شيئاً، ثم رؤي يتقهقر، حتى تقهقرت الصفوف من خلفه فتداخلت الصفوف بعضها في بعض، ثم بعد الصلاة سألوه، فقال ﵊: (عرضت عليّ الجنة في جدار مسجدكم هذا، فرأيت نعيمها، ورأيت عنبها، فهممت أن أقتطف منها) ، ثم تذكر -فيما يبدو، وهذا ليس في الحديث- أنها محرمة إلا لمن دخلها، ثم عرضت النار فرأى لهيبها وأحس بحرارتها، فتقهقر ﵊ فهذا تمثيل من رب العالمين القدير القادر على كل شيء للرسول ﵇ ما سيكون عليه أهل الجنة في نعيمهم وأهل النار في جحيمهم.
стр. 58
الحكمة من زواجه ﵊ بمارية القبطية
السؤال
لماذا تزوج ﷺ مارية القبطية مع توفر زوجات عنده في ذلك الوقت؟ وهل هناك سبب شرعي أو تفسير لعدم إعتاق الرسول ﷺ لها وتزوجها؟
الجواب
هذا السؤال يتضمن سؤالين: السؤال الأول: لماذا تزوج الرسول ﵇ مارية القبطية مع توفر زوجات عنده في ذلك الوقت؟ أقول بكل صراحة: لا أدري لماذا تزوجها، وإنما أدري يقيناً أنه فعل ما أباح الله له، فقد أباح الله له أن يتزوج ما شاء من النساء، أما لماذا تزوج المرأة الفلانية بالذات؟ فلا أدري ما هو السر، لكن أدري يقيناً أنه تزوجها لصالحها لا للإضرار بها، ولإحصانها لا لإفسادها إلى غير ذلك من المسائل التي لا نقدر الإحاطة بها، ولبعض الكتاب الإسلاميين كتابات لا بأس بها في تعليل أو فلسفة تزوج الرسول ﵊ بنسائه الكثيرات، ويبينون ويعللون كل واحدة لماذا تزوجها فأم سلمة تزوجها لأن زوجها مات عنها، وخلف لها صبية، فتزوجها ليكون ولياً على هؤلاء الأولاد، وأن يقوم بتربيتهم والإنفاق عليهم، ونحو ذلك، وهذه السيدة عائشة تزوجها لأنها بنت صاحبه في الغار، وهذه حفصة.
إلخ.
فلكل زوجة أسباب وجيهة تزوجها الرسول ﵊ من أجلها، لكن الأمر أوسع من ذلك، بحيث لا يستطيع الإنسان أن يحيط بهذه الأسرار وبالحكم التي من أجلها تزوج الرسول ﵇ بمن تزوج به منهن من النساء.
أما الشطر الثاني من السؤال وهو قوله: هل هناك سبب شرعي لعدم إعتاق الرسول ﷺ لها وتزوجها؟ كأن السائل يقول: لماذا رسول الله ﷺ لم يفعل بزوجته مارية القبطية كما فعل بزوجته صفية؟ فـ صفية من الثابت أنه ﵇ أعتقها، وجعل عتقها صداقها، وهي في صحيح البخاري ومسلم، والسائل يقول: هل هناك سبب يوضح ويبين لماذا لم يعاملها معاملته ﵇ لـ صفية؟ لماذا لم يعتقها ويجعل عتقها صداقها؟ أقول أيضاً: لا أدري، ولكن من الأسباب الواضحة أن في ذلك بياناً لجواز التزوج بالأمة التي ليست بحرة، وأنه لا يجب على الحر أن يعتق الأمة إذا أراد أن يتزوجها، وإنما ذلك من فضائل الأعمال، فقد جمع الرسول ﵊ حينما تزوج صفية وجعل عتقها صداقها، وحينما تزوج مارية القبطية على بقائها في رقها، قد جمع الرسول ﵊ بهذين النقيضين بين بيان ما هو الأفضل، وبين بيان ما هو أمر جائز، هذا الذي يبدو لي من الإجابة على هذا السؤال.
стр. 59
حكم التوسل بالنبي ﷺ
السؤال
خلاصته أن خطيباً ذكر قصة رجل أصيب بالشلل، وذهب إلى ألمانيا للعلاج ولم يشف، فذهب إلى المدينة إلى قبر النبي ﵊ وطلب منه الشفاعة، فرأى في المنام أن الرسول ﷺ يقول له: اذهب إلى العالم الفلاني يقرأ عليك بعض الآيات ليزول عنك المرض! فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
ممكن أن يقع للإنسان كما في الرؤيا السابقة؛ لأنه من الممكن أن يرى الإنسان الرسول ﵊ في المنام حقيقة، وممكن أن يكون ذلك توهماً، ودعاء الرجل الصالح كثيراً ما يظهر كالشمس في رابعة النهار، نحن لا ننكر هذا.
ولكن زماننا هذا فيه كذب كثير، وفيه خرافات، وفيه بدع ومبالغات، ثم يقولون: هذه الرواية صحيحة وصادقة وليس فيها أي شيء، إلا أنه جاء إلى قبر النبي ﷺ واستشفع به!! فإنه فعل شيئاً لا يجوز في الشرع.
стр. 60
مقتطفات من السيرة النبوية [٢،١]
بدأ الشيخ هذه المادة بمواصلة القراءة في كتاب "الترغيب والترهيب" للمنذري، حيث وصل إلى كتاب "الترغيب في عيش السلف"، فأورد الأحاديث الدالة على صبره ﷺ على الأذى في سبيل إتمام رسالته، وزهده في عرض الدنيا.
ثم أجاب عن سؤال متعلق بحكم الاعتقاد بالأحاديث التي تتعلق بأمور الدين والعبادات دون الأحاديث المتعلقة بأمور الدنيا، ذاكراً بعض الأمثلة على ذلك.
بعد ذلك تكلم عن حكم إدراج بعض الألفاظ في النصوص التوقيفية، مع إيراد بعض الأمثلة في هذا السياق.
стр. 61
صبر الرسول ﷺ على الأذى في سبيل الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
نعود بعد توقفنا السابق إلى كتابنا الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، ونحن على شرطنا الذي طالما ذكرناه وذكرناكم به مراراً وتكراراً، وهو ألا نسمعكم من أحاديث هذا الكتاب إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على طريقة علماء الحديث، من حيث ثبوت السند، وثقة الرواة والرجال، وكان درسنا الأخير وصل إلى الحديث التاسع والعشرين من كتاب: الترغيب في عيش السلف التاسع والعشرين بالنسبة للطبعة المنيرية، فقال المصنف ﵀: وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لقد أُخفت في الله وما يُخاف أحد، ولقد أُوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولـ بلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال) .
الشاهد من هذا الحديث المناسب لهذا الباب الذي نحن فيه إنما هو طرفه الثاني، ألا وهو قوله ﵊: (ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولـ بلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال) يعني: إلا شيء من خبز يابس من الشعير كما علمتم من الأحاديث السابقة، وهذا الحديث سواءً بطرفه الثاني أو الأول إنما هو كناية، بل دليل واضح على شدة ما ابتلي به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سبيل دعوته دعوة الحق، دعوة التوحيد التي جاهد المشركين في سبيلها أكثر من عشرين سنة، ولاقى في سبيل ذلك المتاعب والمصاعب والجوع، وهذا ما يصف به نفسه ﵊ بقوله أنه أوذي أذى لم يؤذ أحد بمثله، وأخيف أيضاً إخافة لم يخف مثله سواه ﵊، وكذلك لقي من الجوع ما لا يكاد يتصور؛ وذلك أنه مضى عليه صلوات الله وسلامه عليه ثلاثون يوماً بليلها ونهارها، ولا يجد من الطعام إلا ما يحمله بلال خادمه ومؤذنه تحت إبطه، وهذا كناية عن أن هذا الشيء الذي يحمله من الطعام هو شيء قليل؛ لأنه ما الذي يستطيع أن يحمله الإنسان في هذه المدة الطويلة تحت الإبط إلا أن يكون كسرات من خبز، أو تمرات من تمر تلك البلاد.
فإذاً: يجب علينا أن نأخذ من هذا الحديث ومن أمثاله من أحاديث سبقت، وأخرى تأتي: أسوة لنا برسولنا ﷺ ، فنصبر في سبيل الدعوة، ولا نتكلف التعب، والنصب، والمشقة؛ لأن ذلك ليس أمراً مرغوباً في الشرع، ولكن علينا إذا أصبنا في سبيل دعوتنا بشيء من ذلك التعب والنصب أن نصبر على الجوع، والعطش، والأذى، والأمر كما قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فليست الأسوة برسول الله ﷺ محصورة بالاقتداء بصلاته وصيامه وسائر عباداته فحسب، وإنما الأسوة به صلوات الله وسلامه عليه تشمل كل نواحي الحياة فهي تشمل الأسوة به في عبادته، وكذلك في خلقه، وأيضاً في صبره وفي تحمله المشاق في سبيل دعوته، كل ذلك مما يجب علينا أن نتخذ فيه نبينا صلوات الله وسلامه عليه أسوة حسنة لنا.
هذا الحديث صحيح، ويقول الحافظ المؤلف: رواه الترمذي، وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال المؤلف: ومعنى هذا الحديث حين خرج رسول الله ﷺ هارباً من مكة ومعه بلال، إنما كان ما مع بلال من الطعام ما يحمله تحت إبطه.
стр. 62
زهد الرسول ﷺ في الدنيا
الحديث الذي بعده وهو صحيح أيضاً قال: وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (نام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله! لو اتخذنا لك وطاءً -يعني: شيئاً من الفراش من تحتك تدفع به أثر الحصير في جسدك، يكون لك شيء طري من تحتك- فقال ﵊: ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) .
وفي هذا الحديث كناية عن أن الذي يكون في سفر، وعلى عجل، فينزل تحت شجرة ولا يؤسس ولا يبني تحتها؛ لأنه عما قريب راحل، فالرسول صلوات الله وسلامه عليه حينما شبه نفسه في هذه الحياة الدنيا، في هذه العاجلة الفانية، كالرجل المسافر ينزل تحت الشجرة يستظل بها، فهو سرعان ما يرحل عنها ويدعها، ففيه حض على ألا يتكلب وألا يتمسك المسلم بهذه الدنيا وبحطامها وزخرفها وزينتها، اللهم إلا بمقدار ما يساعده على القيام بحق العبادة لله ، هذه العبادة التي من أجلها خلقنا كما قال ربنا : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
هذا الحديث أيضاً صحيح، وقال المصنف في تخريجه: رواه ابن ماجة، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والطبراني ولفظه: هذا اللفظ طويل وفي سنده ضعف، ولذلك على الشرط السابق اجتنبته.
الحديث الذي بعده وهو صحيح أيضاً، وهو قوله: وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: (يا رسول الله! لو اتخذت فراشاً أوفر من هذا، فقال: ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب سافر في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة، ثم راح وتركها) رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي.
ومثلما تقدم قوله: وعنه -يعني: ابن عباس - قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: (دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير، قال: فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره ... ) والإزار هو: الثوب الذي يغطي أسفل البدن، والرداء هو الذي يغطي أعلى البدن، وهذا أيضاً مما يصف فيه الراوي الرسول ﵊، أنه لما دخل عليه لم يكن عليه من الثياب إلا الإزار الذي يغطي به عورته ﵊، ثم بعد ذلك يصف البيت والغرفة التي كان فيها، والفراش الذي كان جالساً عليه قال: [فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وقرض في ناحية في الغرفة] هذا كل الزاد الذي يوجد في بيت رسول الله ﷺ ، ليس هو إلا الحصير، والقبضة من الشعير، وقليل من القرض الذي كانوا يدبغون به الإهاب، أي: الجلود قبل دبغها قال: [وقرض في ناحية في الغرفة، وإذا إهاب معلق -كأن هذا القرض هيئ لدبغ هذا الإهاب- وإذا إهاب معلق فابتدرت عيناي] بكى عمر بن الخطاب ﵁، فقال رسول الله ﷺ : (ما يبكيك يا ابن الخطاب؟! فقال: يا نبي الله! وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى من الشعير والقرض، وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك -لماذا لا أبكي وأنت سيد البشر، وأنت في هذا الفقر، وأولئك الكفار ملوك كسرى وقيصر يعيشون في النعيم، في الحرير وفي الأنهار- قال: يا ابن الخطاب! أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟) .
هكذا الحديث ينتهي هنا في هذا الكتاب، ولكن يجب أن يستدرك عليه زيادة ابن ماجة، (قلت: بلى) هذه الزيادة لم ترد في الكتاب هنا في هذه النسخة، فتستدرك عند من كانت عنده نسخة كنسختي، قال: (يا ابن الخطاب! أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى) رواه ابن ماجة بإسناد صحيح، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
عندي هنا استدراك على هذا التخريج، قلت: وفي استدراكه على مسلم وهم، وفي عزو المصنف لـ ابن ماجة تقصير، فقد أخرجه مسلم في الجزء الرابع في الصفحة الثامنة والثمانين بعد المائة، إلى التاسعة والثمانين بعد المائة في قصة اعتزاله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نساءه بلفظ ابن ماجة وإسناده.
إلى آخر التعليق.
فالمصنف عزاه فقط لـ ابن ماجة ثم للحاكم، وذكر أن الحاكم صححه على شرط مسلم.
وهنا وهم من جهة الحاكم، وتقصير من جهة المؤلف، فالوهم من جهة الحاكم لأنه خرّج هذا الحديث في كتابه المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم، وإنما يخرج في كتابه المذكور ما لم يأت في صحيح البخاري أو صحيح مسلم، ويكون الحديث على شرطهما أو شرط أحدهما، ففي هذه الحالة يورد الحديث ويقول: صحيحٌ على شرط البخاري، أو صحيح على شرط مسلم، فهذا الحديث استدركه الحاكم وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم، وفاته أن الإمام مسلم رواه في صحيحه، كما رواه الحاكم في مستدركه، ومن هنا يتبين تقصير المصنف؛ حيث اقتصر في تخريج الحديث على عزوه لـ ابن ماجة والحاكم، وكان الأحق أن يعزى لـ صحيح مسلم، ولكن بُعد المخرج عن مظنة الإنسان أبعد المصنف عن أن يستحضر عزوه لـ صحيح مسلم؛ لأن مسلماً إنما روى هذه القطعة بمناسبة اعتزاله ﵊ لنسائه، في قصة معروفة أخرجها مسلم بكاملها.
وفي تضاعيفها لما بلغ عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ اعتزل نساءه، جاء إليه ليواسيه ﵊، أو يساعده على ما هو فيه، فلما دخل عليه رأى ما جاء في هذه الرواية، وفي هذه القصة بتمامها جاء هذا المقدار منها في صحيح مسلم، فلم يتنبه لذلك الحاكم، ثم المؤلف، وهذا يقع لكل مؤلف؛ لأن العصمة لله وحده .
стр. 63
حكم التفريق بين الأحاديث المتعلقة بأمور الدين والمتعلقة بأمور الدنيا
السؤال
هناك من يرى في الأيام الحاضرة، أن أحاديث رسول الله ﷺ المتعلقة بالعبادات ملزمة للمسلم أن يعتقد بها، في حين أنهم لا يرون ذلك بالنسبة للأحاديث المتعلقة بأمور الدنيا، ويرون أن العقل البشري يمكن له أن يحكم عليها بالصحة والبطلان، تبعاً لتطور الفكر ومكتشفات العلم، ويؤيدون ما يذهبون إليه بحادثة تأبير النخل، وحادثة تمركز جيش المسلمين في غزوة بدر عند الماء، كما أنهم يقولون في الصحابة: إنهم رجال، ونحن رجال، وإنهم خاضعون للنقد في سلوكهم وأقوالهم شأن أي من الرجال، فالرجاء بيان الرأي في ذلك مع الشكر.
الجواب
هذا السؤال كما لاحظتم يتضمن سؤالين: أولهما يتعلق بالرسول ﵊ وأقواله، والتفريق المزعوم بين ما له علاقة بالدين والعبادة، وما له علاقة بغير ذلك.
والسؤال الثاني الذي يتعلق بالصحابة، ولست أدري ماذا أراد السائل من الربط بين السؤال الأول والآخر، إلا أن يكون يعني حكاية عن أولئك الناس: أن هذه الأحاديث التي ترد عن الرسول ﵊ مرفوعة إليه، وفيها إشكال أو فيها مخالفة للعلم -زعموا-، كحديث الذباب مثلاً: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ... ) إلخ، فلعل السائل يعني بالسؤال الثاني: أن مثل هذه الأحاديث التي أشار إليها في سؤاله الأول، والتي ليست من أمور الدين في شيء -بزعمهم- إنما رواها هؤلاء الصحابة، وهؤلاء الصحابة إنما هم بشر مثلنا، فيجوز عليهم الخطأ، فكأن قصد السائل فيما يشرحه عن أولئك الناس في هذا الزمان أنهم يقولون: إن ما جاءنا عن النبي ﷺ مما له علاقة بالدين والعبادة المحضة، فنحن له خاضعون ومستسلمون، أما ما جاءنا عنه من غير ذلك مما له علاقة بالكون، والفلك، والبحار، والجبال، وغير ذلك من أمور الطبيعة، فنحن لسنا مكلفين ولا متعبدين بالخضوع لها والاستسلام لها؛ لأمرين اثنين: الأمر الأول: أننا إذا سلمنا بصحة هذه الأحاديث ونسبتها إلى الرسول ﵊، فالرسول بشر ويجري عليه ما يجري على البشر؛ إلا فيما يتعلق بالدين، وهذه الأمور في زعمهم ليس لها علاقة بالدين، فإذا جاءت مخالفة لما ثبت في العلم التجريبي؛ فحينئذٍ نحكم بأن ذلك من أخطاء الرسول ﵊ في الأمور الدنيوية، ومثال ذلك ما جاء في السؤال: حديث تأبير النخل، أو يقولون: إن الذي روى الحديث ونسبه إلى الرسول ﵊ هو صحابي أو من دونه، فهو ليس بمعصوم فيكون قد أخطأ، فدلنا على كون هذا الحديث خطأً العلم التجريبي زعموا.
وهو يقول: لا شك ولا نحابي نحن في دين الله أحداً، ولا نمشي فيما يتعلق بالرسول ﵊ بعواطفنا، وإنما بعقولنا وعلمنا المستقى من كتاب الله ومن أحاديث رسول الله، ونحن نقول: إن رسول الله ﷺ ليس معصوماً في كل شيء، لكنه معصوم في كل شيء أن يقرَّ على شيء من هذه الأشياء وهو مخطئ في ذلك، فهنا شيئان يجب التمييز بينهما: الشيء الأول: أن الرسول ﵊ قد يخطئ، ولا حاجة بنا إلى الإكثار من الأدلة على ذلك؛ لأن القرآن يقول: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] من الذي لا يفهم من هذا أنه كان الأولى ألا يأذن لهم؟ فيكون هذا خطأ، كذلك قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:١-٢] إلى آخر الآيات، فهذه الآيات فيها أشياء كثيرة جداً.
أخيراً: يأتي حديث تأبير النخل، حيث قال لهم: (لو تركتم النخل بدون تأبير -أي: بدون التطعيم الذي كانوا يعرفونه بالتجربة- لكان خرج خيراً مما تفعلونه) وشاء الله أن يطبق في هذه الحادثة بعينها سنته في النخل، فجاء النخل شيصاً، أي: عبارة عن بذرة وقشرة ليس فيها لب، ناشف، فجاءوا إليه يقولون: الأمر كذا وكذا، فقال: (إنما أنا بشر، فإذا أمرتكم بشيء من أمر الله فأتوا منه ما استطعتم، وإذا أمرتكم بشيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمور دنياكم) انتهى الحديث.
فنحن نلاحظ أن قضية تأبير النخل قضية مهنية دنيوية محضة، لا ضير على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا عيب، ولا نقص ألا يكون مؤبراً، ولا مزارعاً، ولا حداداً، ولا نجاراً.
إلخ، لماذا؟ لأن هذه أمور دنيوية، لكن فيما يتعلق بالدين، والدين ليس فقط عبادات كما يزعم هؤلاء الذين يحكي عنهم السائل، فالدين فيه أمور تتعلق بالعبادات، وفيه أمور تتعلق بالمغيبات، وفيه أمور تتعلق بنظم يسمونها اليوم في الاصطلاح الجديد بالاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والتربوية إلى غير ذلك مما هو معلوم، فالإسلام جاء كاملاً وشاملاً لكل ما يحتاجه البشر من نظم ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] .
ولذلك إذا جاء حديث ما عن رسول الله ﷺ يقولون: إنه من أمور الدنيا، وليس من أمور الدين، ومثاله حديث الذباب الذي ذكرناه آنفاً، ومثال ذلك: (الحبة السوداء شفاءٌ من كل داء إلا السام) أي: الموت، وهذا منه شيء كثير وكثير جداً، بعد أن يصح الخبر عن رسول الله ﷺ بذلك، فلا يجوز أن نجعل هذا النوع من أمور الدنيا التي لنا الخيرة فيها، ولنا أن نأخذ بها أو لا نأخذ، أو نصوبها أو نخطئها، والسبب في ذلك من ناحيتين: الناحية الأولى: ما ذكرته آنفاً أن الرسول ﵊ إن أخطأ -وقليلاً ما يخطئ- فلا يقر على خطئه، فإذا جاء الحديث وقد تلقاه الصحابة، وتلقاه من بعدهم، وهكذا جيل عن جيل، حتى وصلتنا هذه الأحاديث على أنها حق وصدق من حيث الرواية، ومن حيث أن الرسول ﵊ تكلم بها، وأقره الله ﵎ عليها، فلا يمكن والحالة هذه أن نقول: إن هذه من أمور الدينا، هذا من ناحية.
أنا أقول: عجباً من هؤلاء الناس! لو أن إنساناً عادياً ليس له من خلقه ومن كماله ما هو جزء من مليون جزء من كمال الرسول ﵊، لو قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، ثم ليخرجه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء) ماذا نقول عن هذا الإنسان؟ نقول كما قيل في بعض القضايا، أو في بعض العلماء، لما قيل لبعض الظرفاء والأدباء: فلان كذا وكذا في العلم، وفي حفظه للحديث، فذهب ليزوره، فلما خرج من عنده سألوه: كيف رأيته؟ قال: إما أنه أحفظ الناس، أو أكذب الناس، لماذا؟ لأنه سمع منه أشياء، وعلى الرغم من أنه يكاد يكون مقراً له من حيث الحفظ والرواية، ولكنه أسمعه أشياء ما سمعها في حياته كلها.
إذاً إما أنه من أحفظ الناس أو أكذب الناس.
كذلك يمكن أن نقول: إذا تحدث إنسان عادي في هذا الأمر الغريب، فقال: إن هذه الحشرة الصغيرة في أحد جناحيها داء، وفي الآخر دواء، ماذا نقول عنه؟ إما أنه دجال، وإما أنه أوتي من العلم ما لم يؤت الناس، لا مناص من أحد شيئين: إما أن يقال: يمكن أن يكون هذا باجتهاد من عنده، وهو لم يتعلم أي علم؛ لا طب، ولا جراحة، ولا تشريح، ولا أي شيء، مع هذا هل يقال: قال هذا برأيه؟ لا.
هذا صنيع الدجالين.
لذلك أنا أقول: هؤلاء الناس بسطاء العقول، فهم ينسبون إلى الرسول ﵊ أنه يتحدث عن أمور غيبية دقيقة ودقيقة جداً، حتى هذا العلم الذي يفخرون به اليوم لم يدندن حول هذه الحقيقة بعد ولا استطاع، على الرغم من أن بعض المتحمسين يقولون: ثبت حديث الذباب علمياً، ونحن نقول: ثبت شيء منه، لكن التفصيل الذي تضمنه الحديث لم يتحدث عنه هذا العلم التجريبي التشريحي حتى الآن، ولعله يمكن أن يصل إليه يوماً ما؛ ذلك لأن العلم اليوم يقول: إن الذبابة تحمل في جناحيها وفي بدنها نوعاً من الجراثيم، وأظن أنهم يسمونها بالبكتيريا، وهذه الجراثيم تفتك وتقتل الجراثيم الضارة، هذا كل ما قاله الطب، وهذا فعلاً لم يكن معلوماً من قبل، لكن الحديث يأتي بتفصيل دقيق، يقول: الجرثوم القاتل في أحد جناحيه، والجرثوم القاتل للجرثوم القاتل في الجناح الآخر، هذا الطب لا يعرفه أبداً، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] .
إذاً: كيف نقول: إن قول الرسول ﵊ هذا هو برأي من عنده؟! هذا لو قاله إنسان عني أنا، فسأقول: إنه يطعن فيّ؛ لأنه ينسب إلي أنني أقول رجماً بالغيب، وحاشا لرسول الله ﷺ أن يتكلم بمثل هذا الكلام! إذاً: ما دام أن الحديث صح فوجب الإيمان به، ووجب إدخاله في الدين، والدين ليس فقط عبادةً، وصلاةً، وحجاً، وإنما كل شيء جاء عن الله ورسوله، ورسوله قد أُقِّر على ما قاله ولو باجتهاد من عند نفسه فهو دين.
كذلك من خلال حديث آخر، والأحاديث في هذا كثيرة جداً: (الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا الموت) هل يقول هذا إنسان اجتهاداً من عند نفسه؟ الجواب: لا يقول هذا إلا الدجالون، الذين يريدون أن يسيطروا على عقول الناس، وأن يبتزوا منهم أموالهم بالباطل، لكن رسول الله ﷺ أبعد الناس عن ذلك، فهو إذاً يقول ما سمع من الله ﵎.
لذلك فالأحاديث التي تصح عن الرسول ﵊، وقد جاءت مقررة ولم تنسخ، ولا بخبر أن يقول: هذا رأي من عندي.
كما سمعتم في تأبير النخل؛ فحكمها حكم الصلاة والزكاة، وكل الأحاديث التي لها علاقة بشريعة الله ﵎.
وهذه الأحاديث رواها أولئك الصحابة، والتابعون، والآخرون الذين جاءوا من بعدهم، الذين رووا لنا القسم الأول من الدين، والذي يريد هؤلاء الناس أن يجعلوه هو الدين كله، فنحن نقول لهؤلاء المحدثين المبتدعين في الدين كما قال سلفنا الأول للمبتدعين السابقين، حينما جاءوا ببدعة التفريق بين الحديث الذي له علاقة بالأحكام، وكان الراوي ثقة يحتج بهذا الحديث، وبين هذا الحديث أو مثل هذا الحديث الذي يأتي وليس له علاقة بالأحكام، وإنما له علاقة بالعقيدة، وله علاقة بالغيب، قال هؤلاء المبتدعة القدامى: لا نأخذ هذا الحديث حتى يبلغ مبلغ التواتر فرد
стр. 64
حكم إطلاق لفظة (السيد) على رسول الله ﷺ
السؤال
يسأل السائل عن حديث يبدو منه أنه يخالف تقريرنا السابق في جواز إطلاق لفظة: (سيد) كما أطلقها الرسول ﵊ على سعد بن معاذ، وهناك حديث آخر يبدو أنه ينافي هذا؟
الجواب
هو ليس كذلك عند إمعان النظر فيه، وذلك الحديث يقول: إن جماعة أتوا الرسول ﵊، فقالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا، فأجابهم بقوله ﵊: (السيد الله) فواضح أنه لم يرض منهم هذا الإطلاق للفظة السيادة على من هو سيد البشر جميعاً ﵊، مع ذلك فالظاهر من الحديث أنه لم يرتض منهم قولهم له: أنت سيدنا، بينما في حديث آخر فيما يشبه هذه القصة، قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا، قال لهم: (قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم هذا، ولا يستجرينكم الشيطان) ، الحديث الذي قبل هذا يُفَسَّر على ضوء هذا، لما قال لهم: (السيد الله) كأنه ﵊ أحس أن هؤلاء يقدسونه بهذه اللفظة تقديساً، ويرفعونه فوق المنزلة التي وضعه الله فيها، وهذا غير جائز شرعاً، كما جاء في الحديث صراحةً: (لا ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله فيها) ، فكأنه ﵊ سمع من الطائفة الأولى هذه اللفظة مكسية بشيء من القداسة، التي يُخشى منها أن توصلهم إلى الشرك، أو على الأقل إلى شيء من الشرك، ولذلك سد عليهم الباب، وقال لهم مبيناً أن السيادة الحقيقة إنما هي لله ﵎، فقال لهم: (السيد الله) لكن هذا لا يعني: أنه لا يجوز للمسلم أن يقول للرسول ﵊: إنه سيدنا، كيف وهو الذي أخبرنا في غير ما حديث أنه سيد الناس يوم القيامة! وآدم فمن دونه تحت لوائه ﵊ يوم القيامة، لكن يريد منا أننا إذا أطلقنا هذه اللفظة عليه وهو أهل لها، ألا نطعمها ولا نمزجها بشيء من الغلو فيه، مما حذرنا منه الرسول ﵊ في أحاديث كثيرة، من ذلك الحديث المتفق عليه عند الشيخين: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) ، فهذا ما يخشاه ﵊ حين يسمع من بعض الناس مثل تلك اللفظة، والناس ليسوا كلهم سواء في هذا المحذور، فإذا أحس الرسول ﵊ من بعضهم شيئاً من هذا المحذور؛ قطع بينهم وبين هذا اللفظ، وألفتهم إلى ربهم الذي هو له السيادة المطلقة، لهذا قال لهم: (السيد الله) .
بينما الجماعة الأخرى عاملهم معاملة أخرى، فقد لفت نظرهم إلى ما قد يخشى من هذا الاستعمال، ولذلك قال لهم: (قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان) ، بين هنا الرسول ﵊ المحذور الذي قد يقع من مدحه ﵊ ولو بشيء هو متلبس فيه، وهو صفة تامة له، فكأنه يقول لهم: قولوا: يا سيدنا، ولكن احذروا أن تجركم هذه الكلمة إلى أن تقولوا فيه ﵊ ما لا يجوز فسبحان الله! إن النبي ﵊ كما قال الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] فالذي خشيه الرسول على أمته وقعت فيه الأمة إلا القليل منهم، وهم الذين يحرصون دائماً على التمسك بالسنة، وترك العواطف التي تجمح بصاحبها ولا تعرف حدوداً لها، فالعواطف هنا تفسد على الإنسان عقيدته وفكره، لذلك تجد بعض الناس اليوم يُسأل مثل هذا السؤال: هل الأفضل أن نقول في التشهد: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، أو أن نقول: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد إلى آخر الصلوات؟ والذي يدفع الناس إلى مثل هذا السؤال وهو سؤال مبتدع، ولم يخطر في بال السلف الصالح إطلاقاً، والسبب أنه لم يوجد موجبه، فلم يكن في الصحابة من يرى أن هناك هدياً أحسن وأهدى من هدي الرسول ﵊.
وقد يقول قائل: ولا أحد يقول ذلك اليوم، نقول: بل هناك أناس في واقع حياتهم يقولون: إن هناك أهدى من هدي الرسول ﵊، لكن لا يتجرءون على أن يتلفظوا بذلك؛ لأنه ضلال مبين ومكشوف، لماذا؟ لأنك تقول لأحدهم: يا أخي! لا تفعل كذا، فيقول: لماذا؟ فتقول له: لأن الرسول ﵊ لم يفعل ذلك، فإن قال: فكيف أثبت ما فعله الرسول؟ نقول: إما أن تثبت أن الرسول فعل، أو تثبت أن الرسول أمر أو حض، وإلا فارجع عن كلمتك، وإلا فمعنى كلامك: أن هداك خير من هدى الرسول، وهديك خير من هدي الرسول، وهذا هو الكفر بعينه.
فلم يكن في السلف من يقول في الصلاة: اللهم صلِّ على سيدنا؛ لأنهم تلقوا الأمر من الرسول ﵊ هكذا، وهم لا يخالفون الأمر بفلسفتهم وآرائهم الخاصة، بخلافنا نحن اليوم.
أنا أقول دائماً وأبداً: لو فتح باب إلحاق مثل هذه الألفاظ بآراء الناس لتغيرت الشريعة، ولأصابها ما أصاب شريعة التوراة والإنجيل، لكن وقف الناس -وهذا من فضل الله علينا وعليهم جميعاً- عند بعض الألفاظ، وإلا لو اعتقدوا برأيهم وقدموه لخرجوا بالكلية عن الشريعة، فلما نزل قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] قالوا: (يا رسول الله! هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد) إلى آخر الصلاة المعروفة فهل يتصور عالم -الجاهل ما لنا وله- يسمع هذا الأمر من الرسول مباشرة يقول لهم: (قولوا اللهم صلِّ على محمد) وإذا به بينه وبين ربه في التشهد يقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم إلخ، أما الصحابة، أما التابعون، أما أتباعهم، فهذا نعتبره مستحيلاً عليهم، أما المتأخرون فحدث ولا حرج.
وكنت أقول: مثل هذا يجر بعض الناس إلى زيادات أخرى، ولكنهم لا يفعلونها، فمثلاً: التحيات لله، لماذا لا يقولون: لله ؟ والله أحق بالتبجيل والتعظيم، لماذا لا يقولون: التحيات لله ؟ لماذا لا يقولون: التحيات لله مولانا وسيدنا وهو السيد الأصل؟ فكنت أطرح هذا الإشكال لأردهم عن تلك الزيادة للفظة (سيدنا) ، وإذا بي أنتبه من بعض المصلين عندنا في المسجد إلى أن أحدهم يأتي بزيادات في التشهد ما سمعتها طيلة حياتي؛ لأنه لا توجد عنده ضوابط، ولا يوجد عنده قيد أن خير الهدى هدى محمد، وأن تعليمه كامل وليس بقاصر، فليس عنده هذه الفكرة.
وقد يكون -كما أشعر- عنده شيء من الدراسة الفقهية المتوارثة اليوم، لكنه ما سمع في حياته بأن خير الهدى هدى محمد معناه: ألا تزيد على ما جاء في السنة ولو حرفاً واحداً.
стр. 65
حكم الزيادة على التشهد ودعاء الأذان
لقد أعجبني -ورويت هذا من قبل- ما وقفت عليه حديثاً، حيث وجدت لأول مرة في حياتي وفي حجتي الأخيرة إلى البيت الحرام نسخة من كتاب: معجم الطبراني الأوسط، فانكببت على دراسته، فوجدت فيه فوائد بعضها ما وجدتها في ألوف المخطوطات التي قرأتها من كبير وصغير طبعاً، فقلت لصاحبي: اسمع هذا النص، فقد أنساه ولا تنساه.
فما هو النص؟ يقول الطبراني بإسناده الصحيح: عن عبد الله بن مسعود أنه كان في مجلس يعلم أحد الناس صفة التشهد الذي نعرفه اليوم جميعاً، فلما جاء عند قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ماذا قال المتعلم؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فماذا أجابه ابن مسعود؟ أجابه بأسلوب لطيف جداً -ونحن -كما قلت لكم في غير ما مناسبة- بحاجة إلى أن نتعلم هذه الأساليب فقال: [إنه لكذلك] ، الرجل ماذا زاد؟ زاد جملة: (وحده لا شريك له) فقال ابن مسعود: [إنه لكذلك، ولكننا ننتهي إلى ما علمنا] .
ووجدت عبارة أخرى -سبحان الله كلهم من مدرسة واحدة- وهي أن أحد تلامذة ابن مسعود سمع رجلاً يزيد زيادة أخرى في التشهد، فأكد له هذا المعنى على طريقة ابن مسعود، وقال له أيضاً-: [ننتهي إلى ما علِّمنا] ، فنحن المسلمين اليوم بحاجة إلى هذا الأدب؛ حتى نكون خاضعين فعلاً، ومستسلمين حقاً لله رب العالمين، فالتعليم في الصلاة كان: اللهم صلِّ على محمد، ثم الذين يزيدون هذه اللفظة لا يشعرون أن هذه الصلاة بما فيها من دعاء إلى الله ليصلي على الرسول كما صلى على إبراهيم، ويبارك عليه كما بارك على إبراهيم، فهذا يساوي هذه الفضيلة التي يريدها -إذا صح التعبير- المدخل لهذه اللفظة في الصلاة الإبراهيمية، أي: أن هذا الدعاء كله شرف وسيادة للرسول ﵊، والدعاء بالسيادة له في ذلك، فلماذا هذه اللفظة؟ وهذه الزيادة على الصلاة الإبراهيمية تشبه زيادة أخرى يقولها الناس اليوم إجابة للمؤذن، حيث يقولون: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة.
فلفظة: (الدرجة الرفيعة) ليس لها أصل، وذكرها هنا مع كونها ليس لها أصل في الحديث هو من تحصيل الحاصل؛ لأنه جاء في الحديث الآخر: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة) إذاً: حين تقول: آت محمداً الوسيلة والفضيلة، ما هي؟ هي الدرجة الرفيعة في الجنة، فإذاً هذا حشوٌ في الكلام مع مخالفة النص، ولا تفهموا مني بطبيعة الحال أنه لو كان هناك زيادة فيها معنى حسن جميل أننا نستحسن الزيادة على تعليم الرسول ﵊؛ لأنه ليس بعد تعليم الرسول ﵊ تعليم لأي إنسان.
وبهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين.
стр. 66
قراءة من الترغيب والترهيب
في هذه المادة يواصل الشيخ قراءته في كتاب الترغيب والترهيب، شارحاً للأحاديث المقروءة، ومبيناً لمعانيها وألفاظها وبعض المسائل المتعلقة بها.
стр. 67
ما الفقر أخشى عليكم
درسنا في هذه الليلة في الحديث الثاني والستين، وهو قوله: وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ ولكن أخشى عليكم التعمد) رواه أحمد ورواته محتج بهم في الصحيح، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
هذا الحديث في الطرف الأول منه جزء من الحديث السابق في الدرس الأخير، من حديث عمرو بن عوف الأنصاري، وفيه يقول الرسول ﵇ بعدما جاءه مال الجزية من البحرين، وتعرَّض له أصحابه ﵊، يريدون أن ينالوا ما لهم من حق في ذلك المال الذي أتي به من البحرين، فقال لهم ﵊: (أبشروا وأملوا ما وصلكم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) طرف من هذا الحديث حديث أبي هريرة: (ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم التكاثر) .
وكأن هذا الحديث بفقرتيه مأخوذ من القرآن الكريم.
أما الفقرة الأولى: (ما الفقر أخشى عليكم، إنما أخشى عليكم التكاثر) فذلك قوله ﵎: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] فهذا خطاب لعامة البشر، كأن الله يشير إلى أن طبيعة البشر الذين لم يربَّوا على الإسلام، وعلى أخلاق الإسلام، ولم يتأثروا بأوامر الإسلام ووعي الإسلام؛ أنهم يحبون التكاثر في الأموال والأولاد، وأن ذلك ديدنهم وشغلهم، حتى يزوروا المقابر، أي: الموت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] هذا خطاب لعامة البشر، فلا ينجو من هذا الخطاب إلا المسلم الذي تربى بتربية الإسلام، وتأدب بآداب الإسلام.
فيخشى الرسول صلوات الله وسلامه عليه على أصحابه أصلاً، وعلى من يأتون من بعدهم تبعاً، يخشى عليهم التكاثر في الأموال، ولا يخشى عليهم الفقر؛ لأن الله ﵎ قد أخبر نبيه ﵊ بكثير من المغيبات، ومنها: أن الله سيفتح له كسرى وقيصر، وقد تحقق ذلك كما هو معروف في الأحاديث الصحيحة وأخبار السيرة.
ولذلك قال لهم: (ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم التكاثر) كأنه يقول لهم: لا تكونوا من عامة الناس، الذين يلهيهم التكاثر حتى يزوروا المقابر -حتى يموتوا- فلا ينفعهم إن ماتوا مالهم، كما مر معنا في أحاديث كثيرة: إن المسلم أو المرء إذا مات يتبعه ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى معه عمله.
ولذلك فالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث والحديث السابق وأمثالهما كثير، يخشى على أمته المال، أي: الغنى والثروة، ولا يخشى عليهم الفقر، وهذا هو واقع الأمة الأولى والجيل الأول من المسلمين.
وأما واقعنا اليوم، فنحن لا نكاد نرى فقيراً يشكو من الجوع أو من العري، هذا لا يمكن! فهذا الذي هو أفقر الناس تراه متظاهراً بأحسن اللباس، وقد يأكل أنواعاً من الطعام وألذه، ولذلك فلا ينبغي للمسلم أن يخشى الفقر.
وقد سبق أن ذكرنا أن المال فتنة، كما قال ﵊: (إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال) فهذا الشطر الأول من الحديث، وهو كما قلنا مشتق من هذه الآية الكريمة: ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] .
стр. 68
ما أخشى عليكم الخطأ .
الشطر الثاني وهو قوله ﵇: (وما أخشى عليكم الخطأ، ولكن أخشى عليكم التعمد) هذا أيضاً مقتبس من القرآن الكريم، في غير ما آية في القرآن، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] فهذا نص القرآن اقتبس منه هذا الحديث، فالرسول ﷺ يقول: (ما أخشى عليكم الخطأ، ولكن أخشى عليكم التعمد) وهذا من لطف الله ويسره بعباده، كما قال : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ؛ ذلك لأن الخطأ لا يكاد ينجو منه إنسان، فلذلك ربنا لا يؤاخذ عباده على ما يقع منهم من الخطأ، مهما كان هذا الخطأ كبيراً وعظيماً، وعلى العكس من ذلك يؤاخذ المرء إذا تعمَّد الإثم ولو كان صغيراً، فمجال المؤاخذة إنما هو على التعمد، ولا مؤاخذة إذا وقع من الإنسان الخطأ بغير قصد منه.
لذلك هذه النصوص من قرآن وحديث وغير ذلك مما لا مجال لذكره الآن، يلفت نظرنا بقوة إلى أنه لا يمكن بوجه من الوجوه أن يكون الإنسان مجبوراً على أعماله التي تصدر منه باختياره، أي: ما يقوله عامة الناس اليوم وقد يتكلم فيه بعض خاصتهم من قولهم: إن الإنسان مسيَّر لا مخيَّر، ويزعمون أن الإنسان مسيَّر وليس مخيَّراً.
هذا الكلام على إطلاقه باطل، وإنما هو كما شرحنا لكم من قبل ولا أريد الإطالة، وإنما إشارة سريعة.
стр. 69
أفعال العباد بين التخيير والتيسير
أعمال الإنسان على قسمين: القسم الأول: قسم يصدر منه بدون قصد منه، فهنا يصح أن يقال: إن الإنسان مسير.
والقسم الثاني: قسم يصدر منه قصداً وعمداً وتوجهاً واختياراً، فهذا لا يصح أن يقال: إنه مسير، أي رغماً عنه، بل هو في ذلك مختار، والواقع الذي يلمسه كل إنسان عاقل يشهد بأن أعماله لا تتعدى هذين القسمين: إما مسير فيها لا قصد له فيها ولا اختيار، وإما مخيَّر، له فيها محض الاختيار.
ومثال الأول: الطول والقصر واللون والحياة.
إلخ، فهذا لا يملكه الإنسان، بل أقول: العمل الصالح والعمل الطالح، كأن تكتب جملة فيها خير، وجملة فيها شر، أو تنطق بكلمة خير أو شر، هذا كله يعود إلى القسم الثاني مما هو فيه مختار.
وهذا التقسيم هو رأي أكثر عقلاء الناس، ولا أخص المسلمين، بل رأي عقلاء الناس، إلا من شذوا في عقلية فهمهم، من أولئك الذين يقولون: إن الإنسان مجبور، وعبَّر عن هذا الرأي الخاطئ شاعرهم حين قال واصفاً علاقة الإنسان مع الله، بحيث أنه كبَّله وغلله، فقال:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
هكذا يصفون الإنسان من حيث أنه لا إرادة له ولا اختيار مع الله -حاشا لله- فالله يقول في كثير من الآيات التي يذكر فيها العمل، ويبني عليه دخول الجنة: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٨] .
أقول: إن أعمال الإنسان تنقسم إلى قسمين، وهذا الذي يحكم به العقل فضلاً عن الشرع، ولكن ههنا دقيقة يجب أن يتنبه لها هؤلاء الناس؛ لا سيما الذين ليس عندهم علم بالعقيدة الإسلامية، فليس معنى كون الإنسان في بعض أعماله مختاراً، وفي البعض الآخر ليس مختاراً، أنه في القسم الأول الذي هو فيه مختار، أن ذلك ليس مقدراً عليه وليس نصيباً عليه، وليس وارثاً إرادة الله ومشيئته لا، كل ذلك مقدر عليه، ومكتوب عليه، وهو بمشيئة الله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١٣٧] .
فكل شيء مسجل، وكل أمر مسطر: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] هذا الجمع بين الإيمان بالقدر الإلهي، والإيمان باختيار الإنسان، في القسم الذي له فيه الاختيار، هذا الجمع هو من الإيمان، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
فأناس يضلون يميناً أو يساراً، من الذين يحكِّمون عقولهم فقط، كما قلنا: معلوم عند الناس أن الإنسان مختار، لكن لا بد من التقسيم السابق- ثم يقولون: إن الأمر جلي، فلا علاقة لإرادة الله ولا لمشيئته ولا لقضائه ولا لقدره في شيء من ذلك.
هؤلاء يقولون قولاً منكراً يخالف الكتاب والسنة، ويخالف إجماع الصحابة، الذين كان أحدهم إذا بلغه عن رجل يحكم عقله أنكر عليه، هكذا يقولون: الإنسان مختار، والأمر طرح جديد يستأنفه الآن، ولم يصبح في ذلك قضاء وقدر، هؤلاء هم المعتزلة قديماً وأشباههم حديثاً، الذين باعتمادهم على عقولهم ينكرون القدر.
يقابل هؤلاء أناسٌ آخرون، إيماناً منهم بالقدر نفوا الاختيار للإنسان، وحينذاك نعود إلى أصل الحديث، ولا فرق عندهم بين العمد وبين الخطأ، ما دام الإنسان في كل شيء يصدر منه فهو مرغم ومجبور.
إذاً: هذا تعطيل لعشرات إن لم نقل: لمئات النصوص من الكتاب والسنة، التي تفرق بين العمد وبين الخطأ: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .
هل نقول: ربنا لا تؤاخذنا إن تعمدنا؟! فهناك نصوص تفرق بين التعمد -كما سمعتم- وبين الخطأ، وإذا كان الإنسان لا يملك وليس له إرادة، إذاً: هذا تفريط في الكلام، وحاشا! فهذا كلام الله ، بل وكلام رسوله ﵊؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، حاشا لكليهما أن يكون فيه شيء من اللغو أو الخطأ، إذاً: اللغو ممن؟ من هؤلاء الذين يقولون قولاً يسوي بين فعل الإنسان العمد وفعله الخطأ.
فهؤلاء هم الجبرية، وأولئك هم المعتزلة، أولئك دعواهم أن الإنسان مختار، لكنهم جحدوا نصوص الكتاب والسنة التي فيها التصديق بأن كل شيء بقدر، وهؤلاء الجبريون إيماناً بما سطر، جحدوا ما هو واقع من اختيار الإنسان، وما هو أصل التكليف للإنسان، هو هذا الاختيار الذي يعبر عنه بعضهم تعبيراً لا للتحقير، يقولون عنه بالجبر الاختياري، هو مختار، إما اختياراً وإما اضطراراً، إما عمداً وإما خطأً، لذلك هذا التفريق هو من تمام الإيمان والإسلام، أما التسوية بين العمد والخطأ فهو إنكار لهذا الاختيار الذي به أمر الله بتكليف عباده.
والاعتقاد بأن الإنسان يفعل دون أن تسبق بذلك مشيئة الله وإرادته، هذا اعتزال، وهو انفراد -كما قلنا- عن الإيمان بالقدر، الذي هو ركن من أركان الإيمان.
стр. 70
عدم المؤاخذة بالخطأ تيسير إلهي
إذا عرفنا هذا التفريق الذي هو شرعيٌ وطبيعي بين الخطأ وبين التعمد؛ فمن الممكن أن نفهم هذا التيسير الإلهي الذي عبَّر عنه الرسول ﵇ في هذا الشطر الثاني من الحديث، حين قال: (ما أخشى عليكم الخطأ، إنما أخشى عليكم التعمد) .
فإذاً: علينا نحن أن نأخذ من هذا الحديث: ألاَّ نتعمد مخالفة الإسلام، أو مخالفة كتاب الله، أو مخالفة حديث رسول الله عمداً، أما إنسان تقع منه مخالفة بغير قصدٍ، فالله لا يؤاخذه، وأرى أن من الضروري التنبيه على هذا، أولاً: بياناً للناس.
وثانياً: رداً على كثير ممن يتكلم بالبهت والكذب على الأبرياء، فيقولون: بأننا نحن نضلل ونكفر المسلمين عامة، وهذا كلام نتبرأ منه ومن قائله، ومن الذي ينسبه أيضاً إلينا زوراً وبهتانا، بل (نحن نفرق؛ فالمستحقون للمؤاخذة هم المتعمدون لمخالفة الكتاب والسنة، وهؤلاء طائفة أشربوا حب الدنيا في قلوبهم، حب المظاهر والمناصب والكراسي وما إلى ذلك، فيظهر لهم الحق ثم يعادون أهل الحق، ويعادون نفس الحق متجاهلينه، أما جماهير الناس فلا علم عندهم بهذا الحق، لذلك هؤلاء الذين يحاربون الحق -الدين- وهم يعلمون، هم الذين يؤاخذون، أما الجمهور فغير مؤاخذ؛ لأنه لم يتعمد الخطأ.
خذ مثلاً بسيطاً: إنسان حنفي المذهب لا يرفع يديه عند الركوع -مسألة بسيطة جداً- هذا غير مؤاخذ؛ لأنه يظن أن هذا المذهب في هذه المسألة خاص، لكن ما بال ذلك الشيخ الذي يقرأ البخاري ومسلم وبعض كتب السنة، فلا بد أنه قرأ من مختصرات كتب السنة، مثلاً: بلوغ المرام من أحاديث الأحكام، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ولا بد أنه قرأ مثلاً: مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي، ولا بد أنه قرأ المنتقى من أخبار المصطفى لـ ابن تيمية الجد، لا بد أنه قرأ شيئاً من هذه الكتب، فوجد أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم، أن الرسول كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه، ويجد في حديث واحد في صحيح البخاري أن أحد الصحابة في مجلس فيه نحو عشرة منهم، يصف لهم صلاة الرسول ﵇، فبعد أن يبدأ بتكبيرة الإحرام ثم يركع ويرفع يديه.
حتى يتم الصلاة فيقولون له جميعاً: صدقت.
هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ .
هذا الحديث لا بد أن هؤلاء قرءوه فأعرضوا عنه، لماذا؟ لأنه خلاف المذهب، والجمهور لا يعلمون هذه الحقيقة، فالجمهور خاصة عامة المسلمين لا يعرفون هذا الحديث، لكن خاصتهم -على الأقل بعضهم- عرفوا هذا الحديث، فلماذا تركوه؟ تعصباً للمذهب، بينما الواجب عليهم أن يتبعوا الرسول ﵇ بصورة عامة، وفي الصلاة بصورة خاصة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] (صلوا كما رأيتموني أصلي) ما قال: صلوا كما صلى أبو حنيفة، ولا كما صلى مالك، ولا ولا إلخ، وتجدون هؤلاء قد عكسوا الأمر الآن تماماً: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١] تجد أحدهم قد أخلص في اتباع المذهب.
تجد -مثلاً- بعض الحنفية إذا قام يصلي اعتمد على إحدى رجليه، ما قام هكذا كما خلقه الله وإنما يعتمد على رجله، لماذا تفعل هكذا؟ يقول: هكذا كان أبو حنيفة يصلي، فإذا قلت له: كيف كان رسول الله يصلي؟ لا يدري، إذاً: هذا الاتباع نُقل من اتباع الرسول ﵇ إلى اتباع إمام، نحن إذا قلنا هذا الكلام فسروه وتأولوه بغير تأويل الحق، وقالوا: هذا طعن في الإمام، سبحان الله! إذا وجه الناس لاتباع سيد الأئمة وسيد الأنبياء والمرسلين وأن يخلصوا في الاتباع، يكون هذا طعناً في أولئك الأئمة الذين كان أحدهم أشد حرصاً على أن يكون مخلصاً في اتباعه للرسول ﵇! ولكن بعض الأشياء ربما أخطئوا فيها، وبعض الأشياء ربما نسبت إليهم، مثل هذه المراوحة بين رجل وأخرى، هذه لم تنقل عن أبي حنيفة في كتاب معتمد.
والشاهد أن هذا الفعل يفعلونه؛ لأن أبا حنيفة -زعموا- هكذا فعل، والرسول رفع يديه فلماذا لا تفعل مثلما فعل؟ لأنه لم يفعل أبو حنيفة، فجعلنا الأصل فرعاً والفرع أصلاً، الأصل اتباع الرسول ﵇ جعلناه فرعاً، والفرع أصلاً، عكس للحقائق.
إذاً: المؤاخذة تأتي منهم بمعرفة الحق ثم يحيدون عنه.
وجماهير المسلمين لا يعرفون الحق فيما اختلف فيه الناس، لكن بعض الخاصة منهم يعرفون، وهؤلاء قسمان: منهم من يعرف الحق ويصدع به، وهؤلاء عليهم أن يتحملوا نتيجة الصدع بالحق أن يقال فيهم ويتكلم فيهم، هذا إذا ما ضربوا وسجنوا وما هو مكتوب عليهم، وهذه سنة الله في خلقه، والبعض الآخر يعلم ثم يجادل بالباطل، فندعو الله أن يجعلنا من الذين لا يتعمدون مخالفة الكتاب والسنة، وإنما إذا أخطأنا فالله قد وعدنا بأنه لا يؤاخذنا فيما أخطأنا، ولكن فيما تعمدته قلوبنا.
هذا الحديث الفقرة الأولى منه: (ما الفقر أخشى عليكم وإنما أخشى عليكم الدنيا) .
وهنا أحاديث ضعيفة متسلسلة رقم: (٦٣-٦٤-٦٥-٦٦) هذه كلها ضعيفة.
стр. 71
قول المحدث: رواته محتج بهم في الصحيح
الحديث الذي بعده صحيح، ولكن قبل أن أشرع فيه لا بد من التذكير بمسألة أصولية حديثية، وذلك لسببين اثنين: السبب الأول: غربة علم الحديث بين خاصة الناس فضلاً عن عامتهم.
السبب الآخر: أن هذه العبارة حينما قال: رواه أحمد ورواته محتج بهم في الصحيح، تفهم هذه العبارة خطأً، بسبب إعراض الناس عن دراسة علم الحديث، فيفهمون من هذه العبارة تصحيح الحديث، وهذا لا يعني كذلك، فقول المؤلف أو المحدث في حديث ما: رجاله رجال الصحيح، أو رواته محتج بهم في الصحيح، أو رجاله ثقات، كل ذلك لا يعني أن إسناد هذا الحديث صحيح، بل ولا يعني أن إسناده حسن.
إذاً: إذا مرت هذه العبارة في كتاب من الكتب التي تطالعونها، فلا يفهمنّ أحد منها تصحيح الحديث ولا تحسينه.
إذاً: ماذا يعني؟ يعني: أن شروطاً من شروط صحة الحديث قد توفرت في إسناد هذا الحديث، ألا وهو ثقة الرواة وعدالتهم وضبطهم، هذا شرط من شروط الحديث الصحيح؛ لأن التعريف المتفق عليه: ما رواه عدل ضابط، هذا هو الثقة، عدل أي: غير فاسق، ضابط أي: ليس بسيئ الحفظ، هذا هو الثقة.
وهذا هو الذي يحتج به في الصحيح -أي: في البخاري ومسلم - لكن ليس هذا هو فقط تعريف الحديث الصحيح: ما رواه عدل ضابط عن مثله فقط، إنما عن مثله عن مثله إلى منتهاه، ولم يشذ ولم يعل.
ولم يعل: كلمة تدخل فيها عشرات العلل، فواحدنا يقول: رواته رواة الصحيح ولا يقول: وليس له علة، لو قال: وليس له علة؛ لصح الحديث حينذاك، ولو أرادوا وصول ذلك لأغناه عن قوله: ليس له علة، ولقال: إسناده صحيح، إذاً: الحديث صحيح.
يأتي
السؤال
لماذا هؤلاء المؤلفون كـ المنذري والهيثمي وغيرهما، لماذا لا يقولون: إسناده صحيح بدلاً من سوء الفهم الذي يقع فيه جماهير الناس اليوم؟
الجواب
إن علم الحديث لم يهمل إلا من صعوبته، فهاهم علماء الحديث كـ المنذري وأمثاله، لا يقولون إلا ما ندر في إسناد حديث ما: إسناده صحيح، أو إسناده حسن، لماذا؟ لأنه عندما يريد أن يقول القائل في حديث ما: إسناده صحيح أو إسناده حسن، يجب أن يدرس ساعة بل ساعات وربما كان، وهذا فقط إسناد حديث واحد، ولو توخى الإنسان لمثل هذا التحقيق لقضى عمره كله وهو لا يستطيع أن يحقق إلا أقل من نصف الحديث المتداول اليوم في الكتب وغيرها؛ لأن هذا يتطلب دراسة السند الأول إلى آخره، من حيث الاتصال، وسلامته من الانقطاع، وسلامته من التدليس، وأخيراً سلامته من العلة الخفية، وهو أدق علوم الحديث، وهو الذي يسمى بالمرسل الخفي، لذلك علماء الحديث إلا ما ندر -ومن هؤلاء النادرين الحافظ ابن حجر - علماء الحديث لا يقولون: إسناده صحيح إلا إذا ظهر لهم بداهة بدون كلفة.
وإذا ظهر لهم أن الأمر يتطلب بحثاً وذلك مما لا يتسع له وقتهم، لجئوا إلى هذا التعبير: (رجاله معروفون أنهم من رجال الصحيح) أي: البخاري ومسلم، لكن هل هناك علة أم لا؟ يحتاج إلى دراسة ولا يتسع له الوقت، لذلك يقتصرون على هذه الكلمة فلا تفيد هذا الكلمة تصحيح إسناد الحديث ولا تحسينه، وإنما كل ما تعطيه هذه الجملة أن شرطاً من شروط الصحة وجد في هذا الإسناد (موافقة الرجال) إذا قال: رجاله ثقات، وإذا قال: رجاله رجال الصحيح، معنى ذلك أنهم ثقات، أي: أنهم احتج بهم البخاري أو مسلم أو كلاهما معاً.
هذا الذي أردت أن أنبه عليه من الناحية الحديثية، لكن هذا الحديث صحيح، ولذلك تعمدت إخراجه في كتابي سلسلة الأحاديث الصحيحة، ورقمه: (٢٢١٦) .
стр. 72
شرح حديث: (إنما أهلك من قبلكم الدينار ... )
الآن ننتقل إلى الحديث الثاني من أحاديث الباب في هذه الليلة، ألا وهو الحديث السابع والستون، وهو قوله: عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يعطي الناس عطاءهم، فجاءه رجل فأعطاه ألف درهم، ثم قال: خذها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما أهلك من قبلكم الدينار والدرهم وهما مهلكاكم) هذه السلعة التي نحن ندندن حولها في هذه الظروف، حيث قلنا: إن الإسلام لا ينهى عن جمع المال، وعن كسبه من طريق مشروع حلال، لكن المشكلة هذا الجمع، كم أولئك الناس الذين يتيسر لهم الجمع من طريق مشروع؟ ثم إن توفر لهم ذلك فكم هم أولئك الذين يصرفون هذا المال المكتسب من طريق مشروع في طريق مشروع؟! قليل جداً، كما سيأتي في بعض الأحاديث السريعة.
الآن هؤلاء الذين أغناهم الله من فضله بالمال قليل من ينجو منهم من تبعاته في جمع المال؛ لذلك كان ابن مسعود ﵁ ينبه من يأتيه ليقبض عطاءه -أي: معاشه- وابن مسعود كان والياً على بعض البلاد، وأظن هذه البلاد الكوفة، فكان حينما يقسم العطاء للناس يقول له: [خذه ولا تغتر به] أي: لا يكن سبب إهلاكك، فإن الرسول ﵇ قال: (إنما أهلك من قبلكم الدينار والدرهم وهما مهلكاكم) .
ليس المقصود بهذا الإخبار (وهما مهلكاكم) كل فرد من الأفراد، وإنما كمبدأ عام كما قلنا في آية: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] هذا هو الأصل، ولا ينجو من هذا إلا القليل، وذلك ما سيصرح به رسول الله ﵌ في قصة له مع أبي ذر ﵁.
стр. 73
شرح حديث: (إن مما أخاف عليكم ... )
الحديث الذي بعده وهو صحيح أيضاً، وهو بعده بحديث، فإن الحديث الذي قرأناه عن ابن مسعود هو السابع والستون، والثامن والستون ضعيف أيضاً، والتاسع والستون صحيح، وهو قوله: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم ما يفتح الله عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) .
هذا الذي يخشاه الرسول ﵇، ما سيفتحه الله من مغانم ومكاسب تأتي بسبب اتساع الدعوة الإسلامية، وهذا ما وقع، ولذلك -كما مر معنا وسيأتي أيضاً- كان بعض الصحابة يخشون على أنفسهم أن يكونوا قد فتنوا بزهرة الدنيا وزينتها حينما جاءتهم الأموال، فكان الواحد منهم يعمل طيلة النهار ليحصل على قوت يومه.
علي بن أبي طالب ﵁ عمل ذات يوم عند يهودي على أن ينضح له من بئر بستانه، ومقابل كل دلو تمرة فقط، عمل علي بن أبي طالب الذي صار خليفة للمؤمنين أجيراً عند يهودي مقابل كل نضحة، أو سطل، أو دلو مقابل تمرة فقط، هؤلاء الصحابة الذين كانوا يعيشون في ضنك من العيش فتحت لهم الدنيا، وصار عندهم العبيد والجواري، منهم من تمتع كما شرع الله له، ومنهم من يبيع ويشتري، وأباح الله البيع والشراء وأباح الله له ذلك أيضاً، وكان بعضهم من الأثرياء يخافون على أنفسهم أن يكونوا فتنوا؛ لأن الرسول ﷺ أخبرهم أنه لا يخشى عليهم الفقر وإنما يخشى عليهم أن تفتح لهم الدنيا، ويخشى عليهم الدنيا وفتنتها.
стр. 74
هدي السلف في الجلوس في حلقات العلم
هذه الأحاديث الثلاثة التي بعد الحديث السابق ضعيفة أيضاً، لكني أيضاً ألفت النظر إلى أثر من آثار الصحابة حينما يجلسون مع النبي ﷺ وهو على المنبر، لقد سمعتم أنهم جلسوا حوله.
أنتم الآن لا يصح أن يقال: جلستم حولي، بل جلستم أمامي، فكيف الذي يتصور جلوسهم حوله، وفي المسجد وهو على المنبر؟ معنى هذا أن جماهير المصلين اليوم يخالفون هذه الآداب؛ لأنهم يظلون مستقبلين القبلة، بينما السنة أن يستقبلوا الإمام، وهو يخطبهم على المنبر، هكذا يقول أبو سعيد الخدري: (جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله) فهناك شبه نصف دائرة تحوط حول الرسول ﵇، باعتبار أن المسجد طوله أكثر من عرضه، بخلاف وضعنا الآن، فلذلك مع أن وضعنا الآن ليس كما كان مسجد الرسول، الطول صغير جداً والعرض هو الطويل، مع ذلك يلاحظ أن الفكرة تقتضي -كما يُشعر من ذلك أن المثل السائد عند العامة: (العين لغة الكلام) أني ألاحظ الآن أن بعض الناس غير مستقبلين القبلة برغم ضيق المكان، بل مستقبلين النبي ﷺ ، لماذا؟ لأن هذه قضية نفسية، العامة حينما يقولون: (العين لغة الكلام) هذا ليس كلام عوام بل كلام حكماء؛ لأنه متقرر أو مستقر في العلم أن أي أمر تتوفر عليه حاستان، فتأثير ذلك الأمر فيمن توفرت فيه حاستان تجاهه أكثر ممن توفرت فيه حاسة واحدة، وكلما زادت الحواس كلما زاد التأثير، فالإنسان الذي يسمع يتأثر بهذا الكلام، ولكن الذي يسمع ويرى يتأثر أكثر وأكثر، ومن هنا تظهر لنا بعض حكم التشريع وبعض الحركات التي سنها الله، إما على لسان نبيه أو على شأنه وسلوكه.
مثلاً: رفع الأيدي في الصلاة تحريك الإصبع في التشهد النظر إلى هذه الإصبع، وتوجيه هذه الإصبع إلى القبلة، هذه كلها لماذا؟ توجه قلب هذا المصلي إلى حقيقة واحدة هي الاستقلال لله رب العالمين، هو الذي أمره أن يتوجه بكل بدنه إلى القبلة، فيتوجه حتى بإصبعه وحتى بأصابع قدميه، وهو في السجود مثلاً، وهو في التشهد، فيوجه أصابع قدمه اليمنى إلى القبلة، كل هذا تأكيد إلى أن الإنسان يتوجه بكل جوارحه إلى طاعة ربه ، هذه الطاعة تغرس في قلبه المعاني المقصودة من هذه العبادة.
كذلك حينما يجلس الناس لسماع الخطيب، لا يكفي أن يتوجه هو إلى القبلة فقط؛ لأنه الآن في صلاة في موعظة في ذكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] أنت الآن في ذكر، فيجب أن تتوجه بكليتك إلى هذا الذكر، أمن هذه الكيفية أن تتوجه ببدنك، أن تتوجه ببصرك أن تتوجه بسمعك، ومن تتوفر فيه هذه الصفات يكون تأثره بما يسمع من الذكر أكثر من الذي يتوجه إلى هذا الخطيب أو هذا المذكر ببصره فقط أو بسمعه.
هذا أدب نأخذه من هذا الحديث، وإن كان قد سيق في باب الزهد في الدنيا، لكن ههنا أدب من آداب الصحابة مع الرسول ﵇، كانوا يجلسون حوله وهو على المنبر.
إذاً: يوم الجمعة ليست السنة أن يقف الناس صفوفاً؛ لأن معنى هذا: إذا قامت الصلاة كانوا متهيئين للصف، وإنما عليهم أن يتحلقوا حول الإمام دوائر، فإذا ما أقيمت الصلاة حينذاك يهتمون بترتيب الصفوف.
هذا بمناسبة قول أبي سعيد الخدري: (جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله) .
стр. 75
شرح حديث: (ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً ... )
أما الحديث الثالث والسبعون فهو قوله: وعن أبي ذر ﵁ قال: (كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حرة المدينة، فاستقبلنا أحداً، فقال: يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي عليه ثالثةٌ وعندي منه دينار إلا شيءٌ أرصده لديني، إلا أن أقول في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه ثم سار، ثم انطلق ﵊ فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة) وفي حديث يأتي بعده: (إن الأكثرين -أي: مالاً- هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، وقليلٌ ما هم.
ثم قال لي: مكانك لا تبرح حتى آتيك) قال: رواه البخاري واللفظ له، ومسلم، وفي لفظ لـ مسلم قال -أي: أبو ذر -: (انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو جالس بيمين الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة، قال: فجئت حتى جلست فلم أتقار أن قلت: فقلت يا رسول الله! فداك أبي وأمي من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالاً، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقليلٌ ما هم ... ) ورواه ابن ماجة مختصراً: (الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا وكسبه من طيب) هذه هامة جداً.
ومكسبه حرام، لا، بل قال: (ومكسبه من طيب) أيضاً.
نعود إلى شرح ما هو من الضروري شرحه، يقول أبو ذر وهو صحابي معروف، ومن المشهورين بالزهد والرغبة عن الدنيا، قال: (كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة) الحرة: هي الأرض التي يكثر فيها الحجارة السوداء الصغيرة، والمدينة تقريباً كُل ما حولها هي حرة، وإن كان بعض العلماء يحصرون الحرة بالجهة الشمالية فقط، لكن الأعم هو الأصح؛ لأن هناك بعض الأحاديث تدل على أن الحرة ليست محصورة فقط في المدينة الشمالية، ويؤكد هذا أنه لا فرق بين الأرض الشمالية والشرقية والغربية؛ لأن كلها فيها هذه الحجارة السوداء.
قال: (فاستقبلنا أحداً) وقد قال الرسول ﷺ في حديث آخر: (جبل أحد يحبنا ... ) ، فهنا أثبت ل أحد إحساساً وذلك بأنه يحبهم، وقد يقول قائل: كيف ذلك وهو جماد؟ فنقول: هذا مثل إحساس الكلب الذي إذا رأى صاحبه فإنه يبدي حركة خاصة، فهو يفرح بقدوم صاحبه بتحريك خاص، وهذا حيوان لا يفهم، له فهمه، لكنه فهم حيواني في حدوده، وهذا الفهم الحيواني خاص بهذا الحيوان الذي هو الكلب، وهناك حيوانات عديدة كما نعلم، وكل حيوان له فهم خاص به، فما الذي يمنع ورحمة الله واسعة أن يكون الله خلق حتى في الجمادات نوعاً من الإحساس، ليس من النوع الخشن.
إذا ذاع الخبر وجب الإيمان والتسليم.
الكثير لا يتوقع مثل هذه الحادثة، ولكن أذكر من باب الاستشهاد قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧] أي: الجدار يريد أن ينقض، نسب هنا إلى الجدار إرادة، فيأتي المعطلون يقولون: هذا مجاز وليس حقيقة، ونحن مع القاعدة الشرعية اللغوية: أن الأصل في كل عبارة الحقيقة، وأنه لا يجوز الخروج عنها إلى المجاز إلا بدليل اضطرنا إلى هذا الخروج إذا لم يكن هناك دليل، فالقاعدة تقول: يجب أن نبقى على الحقيقة، الآن في مثل هذا الحديث (جبل أحد يحبنا ... ) .
ما هو الدليل لمن يضطر إلى هذا التأويل؟ جهلنا أن يكون هناك في هذا الجبل إحساس خاص بالحب، هل هذا الجهل دليل؟
الجواب
لا.
لذلك نقول: الإيمان بالإسلام كتاباً وسنةً هو الذي يوفق أفق المؤمن وعقله وتفكيره، والعكس بالعكس تماماً، لهذا نحن ندعو دائماً وأبداً إلى اتباع الكتاب والسنة، ليس على طريقة التأويل -هذه الطريقة التي ابتدعها الخلف- وإنما على طريقة التسليم التي سلكها السلف، ولذلك نكرر دائماً وأبداً: نحن لا ندعو إلى الكتاب والسنة فقط، بل إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.
وإلا لا فرق بين هؤلاء المسلمين الذين بلغوا ثلاثاً وسبعين فرقة، أو كادوا أو زادوا، الله أعلم بذلك، لكن المهم أن التفرق كثير وكثير جداً، كلهم يقولون: كتاب وسنة، حتى القاديانية الذين يقولون بنبوة الغلام بن أحمد القادياني، يقولون: الكتاب والسنة، لكن يفسرون النصوص هكذا بطريق التأويل، وإنكار المعاني الحقيقية من نصوص الكتاب والسنة.
يقول: (فاستقبلنا أحداً، فقال -أي: الرسول ﵇ يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله!) هنا ملاحظة، لماذا يناديه وهو معه؟ هذا من باب تهيئة النفس لتلقي ما سيلقى عليه من العلم: (قال: يا أبا ذر! قال: لبيك يا رسول الله!) وهذا جواب معروف لغة، ومعروف استعماله من الصحابة كثيراً وكثيراً جداً مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولعله ألفت من كلمة (نعم) وانظروا خير البشر، المعصوم عن أن يتلاعب به الشيطان ويفتنه بالمال، فقال-: (ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي عليه ثالثة) الرسول لا يحب أن له جبل ذهب مثل جبل أحد - (تمضي عليه) أي: على هذا الذهب الكثير الموجود عند الرسول ﵇ (ثالثة) أي: ليلة ثالثة من بعد ما حصل الرسول ﵇ هذا المال الكثير، ولو كان كـ جبل أحد، لا يسره أن يبقى هذا المال عنده أول ليلة وثاني ليلة وثالث ليلة، تدخل والمال لا يزال عنده، لا يسر النبي ﵇ هذا- (لا يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي عليه ثالثة وعندي منه دينار واحد) أي: أن الرسول لا يُبقي معه مالاً إطلاقاً، ما الذي يفعله؟ يفرقه كما أشار في الحديث، يميناً ويساراً وخلفاً وليس أماماً فقط، أي: ينفقه على من حوله من المسلمين.
следующие страницы →