← Джавами‘

Джавами‘ · id 7682

دروس للشيخ الألباني

ناصر الدين الألباني

Полный текст (552 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قول المحدث: رواته محتج بهم في الصحيح الحديث الذي بعده صحيح، ولكن قبل أن أشرع فيه لا بد من التذكير بمسألة أصولية حديثية، وذلك لسببين اثنين: السبب الأول: غربة علم الحديث بين خاصة الناس فضلاً عن عامتهم. السبب الآخر: أن هذه العبارة حينما قال: رواه أحمد ورواته محتج بهم في الصحيح، تفهم هذه العبارة خطأً، بسبب إعراض الناس عن دراسة علم الحديث، فيفهمون من هذه العبارة تصحيح الحديث، وهذا لا يعني كذلك، فقول المؤلف أو المحدث في حديث ما: رجاله رجال الصحيح، أو رواته محتج بهم في الصحيح، أو رجاله ثقات، كل ذلك لا يعني أن إسناد هذا الحديث صحيح، بل ولا يعني أن إسناده حسن. إذاً: إذا مرت هذه العبارة في كتاب من الكتب التي تطالعونها، فلا يفهمنّ أحد منها تصحيح الحديث ولا تحسينه. إذاً: ماذا يعني؟ يعني: أن شروطاً من شروط صحة الحديث قد توفرت في إسناد هذا الحديث، ألا وهو ثقة الرواة وعدالتهم وضبطهم، هذا شرط من شروط الحديث الصحيح؛ لأن التعريف المتفق عليه: ما رواه عدل ضابط، هذا هو الثقة، عدل أي: غير فاسق، ضابط أي: ليس بسيئ الحفظ، هذا هو الثقة. وهذا هو الذي يحتج به في الصحيح -أي: في البخاري ومسلم - لكن ليس هذا هو فقط تعريف الحديث الصحيح: ما رواه عدل ضابط عن مثله فقط، إنما عن مثله عن مثله إلى منتهاه، ولم يشذ ولم يعل. ولم يعل: كلمة تدخل فيها عشرات العلل، فواحدنا يقول: رواته رواة الصحيح ولا يقول: وليس له علة، لو قال: وليس له علة؛ لصح الحديث حينذاك، ولو أرادوا وصول ذلك لأغناه عن قوله: ليس له علة، ولقال: إسناده صحيح، إذاً: الحديث صحيح. يأتي السؤال لماذا هؤلاء المؤلفون كـ المنذري والهيثمي وغيرهما، لماذا لا يقولون: إسناده صحيح بدلاً من سوء الفهم الذي يقع فيه جماهير الناس اليوم؟ الجواب إن علم الحديث لم يهمل إلا من صعوبته، فهاهم علماء الحديث كـ المنذري وأمثاله، لا يقولون إلا ما ندر في إسناد حديث ما: إسناده صحيح، أو إسناده حسن، لماذا؟ لأنه عندما يريد أن يقول القائل في حديث ما: إسناده صحيح أو إسناده حسن، يجب أن يدرس ساعة بل ساعات وربما كان، وهذا فقط إسناد حديث واحد، ولو توخى الإنسان لمثل هذا التحقيق لقضى عمره كله وهو لا يستطيع أن يحقق إلا أقل من نصف الحديث المتداول اليوم في الكتب وغيرها؛ لأن هذا يتطلب دراسة السند الأول إلى آخره، من حيث الاتصال، وسلامته من الانقطاع، وسلامته من التدليس، وأخيراً سلامته من العلة الخفية، وهو أدق علوم الحديث، وهو الذي يسمى بالمرسل الخفي، لذلك علماء الحديث إلا ما ندر -ومن هؤلاء النادرين الحافظ ابن حجر - علماء الحديث لا يقولون: إسناده صحيح إلا إذا ظهر لهم بداهة بدون كلفة. وإذا ظهر لهم أن الأمر يتطلب بحثاً وذلك مما لا يتسع له وقتهم، لجئوا إلى هذا التعبير: (رجاله معروفون أنهم من رجال الصحيح) أي: البخاري ومسلم، لكن هل هناك علة أم لا؟ يحتاج إلى دراسة ولا يتسع له الوقت، لذلك يقتصرون على هذه الكلمة فلا تفيد هذا الكلمة تصحيح إسناد الحديث ولا تحسينه، وإنما كل ما تعطيه هذه الجملة أن شرطاً من شروط الصحة وجد في هذا الإسناد (موافقة الرجال) إذا قال: رجاله ثقات، وإذا قال: رجاله رجال الصحيح، معنى ذلك أنهم ثقات، أي: أنهم احتج بهم البخاري أو مسلم أو كلاهما معاً. هذا الذي أردت أن أنبه عليه من الناحية الحديثية، لكن هذا الحديث صحيح، ولذلك تعمدت إخراجه في كتابي سلسلة الأحاديث الصحيحة، ورقمه: (٢٢١٦) .

стр. 72

شرح حديث: (إنما أهلك من قبلكم الدينار ... ) الآن ننتقل إلى الحديث الثاني من أحاديث الباب في هذه الليلة، ألا وهو الحديث السابع والستون، وهو قوله: عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يعطي الناس عطاءهم، فجاءه رجل فأعطاه ألف درهم، ثم قال: خذها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما أهلك من قبلكم الدينار والدرهم وهما مهلكاكم) هذه السلعة التي نحن ندندن حولها في هذه الظروف، حيث قلنا: إن الإسلام لا ينهى عن جمع المال، وعن كسبه من طريق مشروع حلال، لكن المشكلة هذا الجمع، كم أولئك الناس الذين يتيسر لهم الجمع من طريق مشروع؟ ثم إن توفر لهم ذلك فكم هم أولئك الذين يصرفون هذا المال المكتسب من طريق مشروع في طريق مشروع؟! قليل جداً، كما سيأتي في بعض الأحاديث السريعة. الآن هؤلاء الذين أغناهم الله من فضله بالمال قليل من ينجو منهم من تبعاته في جمع المال؛ لذلك كان ابن مسعود ﵁ ينبه من يأتيه ليقبض عطاءه -أي: معاشه- وابن مسعود كان والياً على بعض البلاد، وأظن هذه البلاد الكوفة، فكان حينما يقسم العطاء للناس يقول له: [خذه ولا تغتر به] أي: لا يكن سبب إهلاكك، فإن الرسول ﵇ قال: (إنما أهلك من قبلكم الدينار والدرهم وهما مهلكاكم) . ليس المقصود بهذا الإخبار (وهما مهلكاكم) كل فرد من الأفراد، وإنما كمبدأ عام كما قلنا في آية: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] هذا هو الأصل، ولا ينجو من هذا إلا القليل، وذلك ما سيصرح به رسول الله ﵌ في قصة له مع أبي ذر ﵁.

стр. 73

شرح حديث: (إن مما أخاف عليكم ... ) الحديث الذي بعده وهو صحيح أيضاً، وهو بعده بحديث، فإن الحديث الذي قرأناه عن ابن مسعود هو السابع والستون، والثامن والستون ضعيف أيضاً، والتاسع والستون صحيح، وهو قوله: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم ما يفتح الله عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) . هذا الذي يخشاه الرسول ﵇، ما سيفتحه الله من مغانم ومكاسب تأتي بسبب اتساع الدعوة الإسلامية، وهذا ما وقع، ولذلك -كما مر معنا وسيأتي أيضاً- كان بعض الصحابة يخشون على أنفسهم أن يكونوا قد فتنوا بزهرة الدنيا وزينتها حينما جاءتهم الأموال، فكان الواحد منهم يعمل طيلة النهار ليحصل على قوت يومه. علي بن أبي طالب ﵁ عمل ذات يوم عند يهودي على أن ينضح له من بئر بستانه، ومقابل كل دلو تمرة فقط، عمل علي بن أبي طالب الذي صار خليفة للمؤمنين أجيراً عند يهودي مقابل كل نضحة، أو سطل، أو دلو مقابل تمرة فقط، هؤلاء الصحابة الذين كانوا يعيشون في ضنك من العيش فتحت لهم الدنيا، وصار عندهم العبيد والجواري، منهم من تمتع كما شرع الله له، ومنهم من يبيع ويشتري، وأباح الله البيع والشراء وأباح الله له ذلك أيضاً، وكان بعضهم من الأثرياء يخافون على أنفسهم أن يكونوا فتنوا؛ لأن الرسول ﷺ أخبرهم أنه لا يخشى عليهم الفقر وإنما يخشى عليهم أن تفتح لهم الدنيا، ويخشى عليهم الدنيا وفتنتها.

стр. 74

هدي السلف في الجلوس في حلقات العلم هذه الأحاديث الثلاثة التي بعد الحديث السابق ضعيفة أيضاً، لكني أيضاً ألفت النظر إلى أثر من آثار الصحابة حينما يجلسون مع النبي ﷺ وهو على المنبر، لقد سمعتم أنهم جلسوا حوله. أنتم الآن لا يصح أن يقال: جلستم حولي، بل جلستم أمامي، فكيف الذي يتصور جلوسهم حوله، وفي المسجد وهو على المنبر؟ معنى هذا أن جماهير المصلين اليوم يخالفون هذه الآداب؛ لأنهم يظلون مستقبلين القبلة، بينما السنة أن يستقبلوا الإمام، وهو يخطبهم على المنبر، هكذا يقول أبو سعيد الخدري: (جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله) فهناك شبه نصف دائرة تحوط حول الرسول ﵇، باعتبار أن المسجد طوله أكثر من عرضه، بخلاف وضعنا الآن، فلذلك مع أن وضعنا الآن ليس كما كان مسجد الرسول، الطول صغير جداً والعرض هو الطويل، مع ذلك يلاحظ أن الفكرة تقتضي -كما يُشعر من ذلك أن المثل السائد عند العامة: (العين لغة الكلام) أني ألاحظ الآن أن بعض الناس غير مستقبلين القبلة برغم ضيق المكان، بل مستقبلين النبي ﷺ ، لماذا؟ لأن هذه قضية نفسية، العامة حينما يقولون: (العين لغة الكلام) هذا ليس كلام عوام بل كلام حكماء؛ لأنه متقرر أو مستقر في العلم أن أي أمر تتوفر عليه حاستان، فتأثير ذلك الأمر فيمن توفرت فيه حاستان تجاهه أكثر ممن توفرت فيه حاسة واحدة، وكلما زادت الحواس كلما زاد التأثير، فالإنسان الذي يسمع يتأثر بهذا الكلام، ولكن الذي يسمع ويرى يتأثر أكثر وأكثر، ومن هنا تظهر لنا بعض حكم التشريع وبعض الحركات التي سنها الله، إما على لسان نبيه أو على شأنه وسلوكه. مثلاً: رفع الأيدي في الصلاة تحريك الإصبع في التشهد النظر إلى هذه الإصبع، وتوجيه هذه الإصبع إلى القبلة، هذه كلها لماذا؟ توجه قلب هذا المصلي إلى حقيقة واحدة هي الاستقلال لله رب العالمين، هو الذي أمره أن يتوجه بكل بدنه إلى القبلة، فيتوجه حتى بإصبعه وحتى بأصابع قدميه، وهو في السجود مثلاً، وهو في التشهد، فيوجه أصابع قدمه اليمنى إلى القبلة، كل هذا تأكيد إلى أن الإنسان يتوجه بكل جوارحه إلى طاعة ربه ، هذه الطاعة تغرس في قلبه المعاني المقصودة من هذه العبادة. كذلك حينما يجلس الناس لسماع الخطيب، لا يكفي أن يتوجه هو إلى القبلة فقط؛ لأنه الآن في صلاة في موعظة في ذكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] أنت الآن في ذكر، فيجب أن تتوجه بكليتك إلى هذا الذكر، أمن هذه الكيفية أن تتوجه ببدنك، أن تتوجه ببصرك أن تتوجه بسمعك، ومن تتوفر فيه هذه الصفات يكون تأثره بما يسمع من الذكر أكثر من الذي يتوجه إلى هذا الخطيب أو هذا المذكر ببصره فقط أو بسمعه. هذا أدب نأخذه من هذا الحديث، وإن كان قد سيق في باب الزهد في الدنيا، لكن ههنا أدب من آداب الصحابة مع الرسول ﵇، كانوا يجلسون حوله وهو على المنبر. إذاً: يوم الجمعة ليست السنة أن يقف الناس صفوفاً؛ لأن معنى هذا: إذا قامت الصلاة كانوا متهيئين للصف، وإنما عليهم أن يتحلقوا حول الإمام دوائر، فإذا ما أقيمت الصلاة حينذاك يهتمون بترتيب الصفوف. هذا بمناسبة قول أبي سعيد الخدري: (جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله) .

стр. 75

شرح حديث: (ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً ... ) أما الحديث الثالث والسبعون فهو قوله: وعن أبي ذر ﵁ قال: (كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حرة المدينة، فاستقبلنا أحداً، فقال: يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي عليه ثالثةٌ وعندي منه دينار إلا شيءٌ أرصده لديني، إلا أن أقول في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه ثم سار، ثم انطلق ﵊ فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة) وفي حديث يأتي بعده: (إن الأكثرين -أي: مالاً- هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، وقليلٌ ما هم. ثم قال لي: مكانك لا تبرح حتى آتيك) قال: رواه البخاري واللفظ له، ومسلم، وفي لفظ لـ مسلم قال -أي: أبو ذر -: (انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو جالس بيمين الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة، قال: فجئت حتى جلست فلم أتقار أن قلت: فقلت يا رسول الله! فداك أبي وأمي من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالاً، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقليلٌ ما هم ... ) ورواه ابن ماجة مختصراً: (الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا وكسبه من طيب) هذه هامة جداً. ومكسبه حرام، لا، بل قال: (ومكسبه من طيب) أيضاً. نعود إلى شرح ما هو من الضروري شرحه، يقول أبو ذر وهو صحابي معروف، ومن المشهورين بالزهد والرغبة عن الدنيا، قال: (كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة) الحرة: هي الأرض التي يكثر فيها الحجارة السوداء الصغيرة، والمدينة تقريباً كُل ما حولها هي حرة، وإن كان بعض العلماء يحصرون الحرة بالجهة الشمالية فقط، لكن الأعم هو الأصح؛ لأن هناك بعض الأحاديث تدل على أن الحرة ليست محصورة فقط في المدينة الشمالية، ويؤكد هذا أنه لا فرق بين الأرض الشمالية والشرقية والغربية؛ لأن كلها فيها هذه الحجارة السوداء. قال: (فاستقبلنا أحداً) وقد قال الرسول ﷺ في حديث آخر: (جبل أحد يحبنا ... ) ، فهنا أثبت ل أحد إحساساً وذلك بأنه يحبهم، وقد يقول قائل: كيف ذلك وهو جماد؟ فنقول: هذا مثل إحساس الكلب الذي إذا رأى صاحبه فإنه يبدي حركة خاصة، فهو يفرح بقدوم صاحبه بتحريك خاص، وهذا حيوان لا يفهم، له فهمه، لكنه فهم حيواني في حدوده، وهذا الفهم الحيواني خاص بهذا الحيوان الذي هو الكلب، وهناك حيوانات عديدة كما نعلم، وكل حيوان له فهم خاص به، فما الذي يمنع ورحمة الله واسعة أن يكون الله خلق حتى في الجمادات نوعاً من الإحساس، ليس من النوع الخشن. إذا ذاع الخبر وجب الإيمان والتسليم. الكثير لا يتوقع مثل هذه الحادثة، ولكن أذكر من باب الاستشهاد قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧] أي: الجدار يريد أن ينقض، نسب هنا إلى الجدار إرادة، فيأتي المعطلون يقولون: هذا مجاز وليس حقيقة، ونحن مع القاعدة الشرعية اللغوية: أن الأصل في كل عبارة الحقيقة، وأنه لا يجوز الخروج عنها إلى المجاز إلا بدليل اضطرنا إلى هذا الخروج إذا لم يكن هناك دليل، فالقاعدة تقول: يجب أن نبقى على الحقيقة، الآن في مثل هذا الحديث (جبل أحد يحبنا ... ) . ما هو الدليل لمن يضطر إلى هذا التأويل؟ جهلنا أن يكون هناك في هذا الجبل إحساس خاص بالحب، هل هذا الجهل دليل؟ الجواب لا. لذلك نقول: الإيمان بالإسلام كتاباً وسنةً هو الذي يوفق أفق المؤمن وعقله وتفكيره، والعكس بالعكس تماماً، لهذا نحن ندعو دائماً وأبداً إلى اتباع الكتاب والسنة، ليس على طريقة التأويل -هذه الطريقة التي ابتدعها الخلف- وإنما على طريقة التسليم التي سلكها السلف، ولذلك نكرر دائماً وأبداً: نحن لا ندعو إلى الكتاب والسنة فقط، بل إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح. وإلا لا فرق بين هؤلاء المسلمين الذين بلغوا ثلاثاً وسبعين فرقة، أو كادوا أو زادوا، الله أعلم بذلك، لكن المهم أن التفرق كثير وكثير جداً، كلهم يقولون: كتاب وسنة، حتى القاديانية الذين يقولون بنبوة الغلام بن أحمد القادياني، يقولون: الكتاب والسنة، لكن يفسرون النصوص هكذا بطريق التأويل، وإنكار المعاني الحقيقية من نصوص الكتاب والسنة. يقول: (فاستقبلنا أحداً، فقال -أي: الرسول ﵇ يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله!) هنا ملاحظة، لماذا يناديه وهو معه؟ هذا من باب تهيئة النفس لتلقي ما سيلقى عليه من العلم: (قال: يا أبا ذر! قال: لبيك يا رسول الله!) وهذا جواب معروف لغة، ومعروف استعماله من الصحابة كثيراً وكثيراً جداً مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولعله ألفت من كلمة (نعم) وانظروا خير البشر، المعصوم عن أن يتلاعب به الشيطان ويفتنه بالمال، فقال-: (ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي عليه ثالثة) الرسول لا يحب أن له جبل ذهب مثل جبل أحد - (تمضي عليه) أي: على هذا الذهب الكثير الموجود عند الرسول ﵇ (ثالثة) أي: ليلة ثالثة من بعد ما حصل الرسول ﵇ هذا المال الكثير، ولو كان كـ جبل أحد، لا يسره أن يبقى هذا المال عنده أول ليلة وثاني ليلة وثالث ليلة، تدخل والمال لا يزال عنده، لا يسر النبي ﵇ هذا- (لا يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي عليه ثالثة وعندي منه دينار واحد) أي: أن الرسول لا يُبقي معه مالاً إطلاقاً، ما الذي يفعله؟ يفرقه كما أشار في الحديث، يميناً ويساراً وخلفاً وليس أماماً فقط، أي: ينفقه على من حوله من المسلمين.

стр. 76

الحث على الإنفاق وعدم الادخار إلا للضرورة هنا استثناء، يقول: (إلا شيء أرصده لديني) يعني هو لم يدخر من ماله شيئاً إطلاقاً، إلا مالاً عليه دين يريد أن يقضيه وقد جاءه مال كثير، فيقتطع منه هذا الدين ويدخره عنده حتى إذا جاء صاحبه أعطاه إياه، حتى لا يرده؛ لأنه قد جاءه المال، وادخار هذا الدين هو الذي فقط يريد أن يحبسه ﵇، أما ما سوى ذلك فهو يفرقه وينفقه كما قال: (إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يميني وعن شمالي وعن خلفي) هكذا يحض الرسول ﵇ أمته أنهم إذا جاءهم مال ألا يدخروه، وأن ينفقوه في سُبل الخير، ولكن هذا الإنفاق وترك هذا الادخار الذي أشار إليه الرسول ﵇، أنه لا يدخر المال مهما كان كثيراً إلا ما كان عليه دين، ما حكمه في الإسلام؟ هذا الإنفاق أهو واجب؟ وهذا الادخار أهو حرام؟ هنا يجب أن نفهم الموضوع الذي يثار في العصر الحاضر؛ استغلالاً للإسلام في خدمة بعض المذاهب المخالفة للإسلام، ألا وهو المذهب الاشتراكي أو الشيوعي، وكثير من الكتاب المغرضين- وبعض الكتاب المخلصين، استغلوا مثل هذا الحديث، فجعلوا الإسلام يحرم على الأغنياء أن يدَّخروا مالهم، وزعموا أن الإسلام يوجب ويفترض عليهم أن ينفقوا كل مالهم، كما هو حديث أبي ذر هذا. من أجل ذلك نحن نقول: أي حكم في الإسلام لا يجوز أن يؤخذ من نص واحد، إلا من مجموعة نصوص، هذا الحديث بلا شك فيه حث بالغ جداً على الإنفاق، والتحذير من الادخار، ولكن الحكم الدقيق والحكم الفقهي لا يؤخذ من هذا الحديث وحده، فكل المسلمين أجمعوا أن الله فرض على أنواع معينة من الأموال زكاة أيضاً، محدودة في كل سنة، في كل موسم، ونسبة معلومة، فحينما فرض هذه الزكاة مثلاً (٢. ٥%) على النقد؛ وعشرة أو أقل من ذلك في المحاصيل الزراعية، معنى ذلك أن ما سوى ذلك جائز للمسلم أن يتمتع به، وجائز أن يدخره، ولذلك فكل مال أُخرجت زكاته فليس بكنز يعذب عليه صاحبه يوم القيامة، وكما مرت معنا أحاديث في كتاب الترغيب والترهيب في تحذير الأغنياء الذي يكنزون الذهب والفضة، وأنها تكوى بها جباههم يوم القيامة، فما معنى يكنزونها؟ أي: لا يخرجون ما فرض الله عليهم فيها من حق. إذاً: ليس من الواجب أن يخرج المسلم ماله كله وألا يبيت وعنده أي مال، لكن هذا من فضائل الأعمال، ومن مكارم الأخلاق؛ أن المسلم إذا أغناه الله من فضله أن ينفقه، ومع ذلك فهنا شيء آخر يجب أن يذكر، لا يعني أن يدع عياله وأهله وأطفاله فقراء، جاءه هذا المال فأنفقه بكليته، ولم يعبث به وإنما على المسلمين، ولكن أحق المسلمين بشيء من هذا المال هم الأقربون، ولذلك فلا يتناقض هذا مع حديث مضى معنا في كتاب الزكاة، أن الرسول عليه الصلاة السلام كان يدخر لأهله قوت سنة، فهذا جمع بين الحقوق، فهو من ناحية لا ينسى حقوق أهله، ومن ناحية لا يدخر المال الذي زاد عنده على حقوق أهله وينفقه على المسلمين. خلاصة القول: المال الواجب إخراجه ليس هو كل مال، وإنما هي نسبة معروفة في كتب الفقه وبإجماع المسلمين، أما الخروج عن كل ذلك أو نصف المال فهذه أمور من فضائل ومكارم الأخلاق، والناس يختلفون في ذلك أشد الاختلاف، وقد كنا ذكرنا في بعض الدروس السابقة أن البخل بخلان: بخل يعذب عليه الإنسان وهو إذا بخل بما فرض الله عليه، والبخل الآخر يذم عليه، ولكن لا يعاقب عليه، وهو الذي لا ينفق يميناً ولا يساراً ولا أمامه ولا خلفه. فمن هنا نفرق بين ما هو واجب وبين ما هو مستحب، والناس في هذا متفاوتون، ولعله مر في كتابنا هذا أو في درسنا حديث مسابقة عمر لـ أبي بكر، قال عمر بعد تجربة أخيرة بينه وبين أبي بكر الصديق ﵁: أن أبا بكر سمع -بمناسبة ما- حضاً على الإنفاق في سبيل الله، فجاء بكل ماله إلى رسول الله ﷺ ، فقال له ﵊: (ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله) فجاء عمر وقدم نصف ماله، فلما علم ما فعل صاحبه، قال: [ما سابقته إلا سبقني] ولم يسابقه، ف أبو بكر خرج عن كل ماله، وعمر خرج عن نصف ماله، والناس درجات، ومن النادر جداً أن مسلماً عاقلاً يخرج عن جميع ماله، ولذلك أنا أكاد أعتبر خروج أبي بكر عن كل ماله هذه مزية كمزية الرسول ﵇ ههنا، حيث يقول: إنه لا يسره أن تمضي عليه ثلاث ليالٍ وعنده مثل جبل أحد ذهباً أن يبقى عنده. وذلك لأن العدل في الحقوق صعب جداً، إنسان يخرج عن ماله ويؤدي كل الحقوق بالنسبة لأولاده وإلى أقاربه، فالموازين الدقيقة لا يحسنها إلا أفراد قليلون جداً، ومنهم أبو بكر الصديق، أو هو أولهم وآخرهم. لذلك ينقم على الصوفية الذين جعلوا الخروج عن المال مبدأ لهم، بدون هذا التفصيل الذي يجب أن يراعى فيه الخارج عن ماله ألا ينسى حقوق الآخرين، ولذلك هم يروون القصة المزعومة التي وقعت بين الإمام الشافعي وبين شيبان الراعي، وأهل العلم يقولون: هذه قصة مختلقة؛ لأن الإمام الشافعي ما أدرك شيبان الراعي، فبينهما مسافة، وإنما وضعتها بعض الطوائف الصوفية للدعوة إلى مذهبهم. زعموا بأن شيبان الراعي كان وصفه بأنه رجل أميّ ومع ذلك هو فقيه، أي: عنده العلم اللدني المزعوم، فسأله عن رجل يسهو في الصلاة ماذا عليه؟ -السائل الإمام الشافعي والمسئول شيبان الراعي - فقال شيبان للشافعي: عندنا أم عندكم؟ قال: كيف عندنا أم عندكم هل هناك فرق؟ قال: نعم. قال الشافعي: لا أجيزه. ماذا عندنا وماذا عندكم، قال: أما عندكم فالذي يسهو في الصلاة يسجد سجود السهو وانتهى الأمر، قال: وعندكم. قال: هذا الذي يسهو في الصلاة ينبغي أن تقطع رقبته، فسأله سؤال آخر: ما الذي يجب على المسلم من الزكاة؟ فقال له: عندنا أم عندكم؟ قال له: وأيضاً فيها عندنا وعندكم، قال: نعم. قال: عندنا وعندكم فصِّل، قال: عندكم يخرج (٢. ٥%) وإذا به قد أدى الواجب، قال: وعندكم؟ قال: عندنا يخرج عن جميع ماله، هذه هي القاعدة، وهذا خطأ؛ لأن الخروج عن جميع المال قد يؤدي إلى أمور مخالفة للإسلام. وفعلاً إذا قرأت حكايات الصوفية في هذا المجال ستجد العجب العجاب، وحتى بعض المحدثين ابتلوا بالتصوف، فكان قد ضيَّع قسماً من حياته في علم الحديث، فلما تصوف أخذ كتب الحديث وحرّقها، وآخر أخذها ودفنها في الأرض، وآخر عنده مال رماه في البحر، هذا كله خروجاً عن المال، كأن الخروج عن المال صار هدفاً، بينما الخروج عن المال هدفه تطهير النفس وتزكيتها وليس خراباً لبيوت الآخرين، بل تساعد نفسك وتنفع إخوانك المسلمين. لعلي أطلت الآن، وهذا الحديث في الواقع عليه تعليقات كثيرة، فلعلنا نؤجل ذلك إلى الدرس الآتي؛ لنتوجه إلى الإجابة عن بقية الأسئلة، علماً أننا لا نستطيع الإجابة عنها كلها، ولذلك اعفونا عن أسئلتكم الليلة.

стр. 77

الأسئلة

стр. 78

درء التعارض الموهوم بين قوله تعالى: (وقال الظالمون ... ) وحديث عائشة أن النبي سُحِر السؤال هل هناك تعارض بين حديث الآحاد الذي يبين أن الرسول ﵇ قد سُحر، وبين الآية التي تقول: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الفرقان:٨] ؟ وإذا كان قد سُحر فهل يعني أنه قطع الذهاب إلى المسجد وتبليغ الرسالة، والرسول معصوم عن أذى الناس؟ الجواب المسألة تطرقنا لها كثيراً، ولذلك أحاول الإجابة عنها باختصار بقدر الإمكان. نحن نقول: ليس هناك تعارض بين حديث الرسول ﵇، وبين الآية التي تقول: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الفرقان:٨] ؛ لأن الذي يعنيه الكفار الذين قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الفرقان:٨] غير ذلك الذي يعنيه حديث عائشة بأن الرسول ﵇ سحره رجل يهودي. فالذي يعنيه الكفار القائلون للمؤمنين: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الفرقان:٨] إن تتبعون إلا رجلاً سُحر، وأثَّر فيه السحر حتى لا يشعر بما يخرج من فيه من خلطٍ في الكلام واضطراب، ونحو ذلك مما ليس من طبيعة العقلاء. ولذلك بعض المفسرين فسروا (مسحوراً) أي: (مجنوناً) بمعنى أن السحر الذي زعموه فيه أثَّر فيه حتى جعله مجنوناً غائباً عن وعيه، هذا هو المعنى الذي ألصقه الكفار الظالمون بالرسول ﵇، وليس منه لا قليل ولا كثير في حديث السحر الذي يصفه السائل بأنه حديث آحاد، ولو كان هذا الحديث حسناً فقط، فلا تعارض بينه وبين الآية السابقة، للسبب الذي ذكرناه آنفاً: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الفرقان:٨] مجنوناً: أي: لا يعي ما يقول، والحديث لا يقول هذا الشيء إطلاقاً. وكل شيء في الحديث هو أن الرسول ﵇ أثَّر فيه السحر من الناحية الجنسية، فالرسول صلوات الله وسلامه عليه كان قوياً في كل شيء، حتى في بدنه، وما قصة مصارعته ل ركانة وصرعه إياه بغريب عنكم، ومن أجل ذلك جاء في صحيح البخاري أن الصحابة كانوا يتحدثون بأن الرسول ﵇ أعطي قوة أربعين رجلاً وليتناسب تماماً مع هذه القوة التي خصه الله بها أن استطاع أن يضم وأن يجعل تحت عصمته تسعاً من النساء أو أكثر أحياناً، وكان يطوف على النساء كلهن في ليلة واحدة، ولا حياء في الدين، ولا عيب في رسول الله ﷺ إطلاقاً في هذا، وإن كان الكفار من المستشرقين وأمثالهم من المتوردين من المسلمين، يجعلون ذلك طعناً في الرسول ﵇، ولا مطعن في هذا، والحكمة البالغة من جمع الرسول ﵇ لهذا العدد من النساء معروفة لديكم أو لدى الكثير منكم. فهذه القوة التي كان يتمتع بها الرسول ﵇ كأنها أغارت اليهود، وحق لهم ذلك؛ لأن هذه القوة كانت حجراً في أعينهم، قذى في أعينهم، ولذلك سلطوا لبيداً اليهودي فسحر الرسول ﵇، فوهن وذهبت تلك القوة، فكان يأتي أو يحاول أن يأتي نساءه وإذا به لا يستطيع أن يفعل شيئاً، ليس كعادته، بل كان يخيَّل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيها، هكذا في رواية صحيح البخاري، وهي رواية مفسرة تأتي على الشبه التي يتشبث بها كثير من كتاب العصر الحاضر، من الذين لا يتعمقون في دراسة الآية أولاً، ثم في دراسة الحديث ثانياً، ولذلك يظهر التعارض بين الآية والحديث ولا تعارض إطلاقاً. ومما يؤكد لكم ذلك: قول هذا السائل المتشبع بما يقرأ من كتابات العصر الحاضر، يقول في آخر سؤاله: والرسول معصوم عن أذى الناس. هذا كلام من الناحية الإسلامية خطأ، فإذا كان الرسول معصوماً عن أذى الناس، فهذه السيرة التي نقرؤها أنه جرح في غزوة أحد، وكسرت رباعيته، وو إلخ، ووضعت سلا الجزور وما فيها من قذر على ظهره وهو يصلي في الكعبة، كيف يقول مسلم: إن الرسول ﵇ معصوم من أذى الناس؟ ذلك لأنه شبه عليه الأمر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] . فهو فهم (والله يعصمك من الناس) أي: من أذاهم، وهذا تفسير خاطئ، والتاريخ الإسلامي، وتاريخ الحديث النبوي، كل هذا وهذا يبطل هذا التفسير، وذلك مما أشرنا إليه آنفاً أن الرسول أوذي أشد الأذى، بل جاء في الحديث أن الرسول ﵇ قال: (لم يؤذ أحد مثلما أوذيت أنا) ويقول كرد عام: (نحن معاشر الأنبياء أشد ابتلاءً ثم الأمثل فالأمثل) . إذاً: كيف يقول هذا القائل تبعاً لأولئك الكتاب: أن الله قال للرسول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] أي: من أذاهم، كيف يقولون هذا؟! هذا خطأ. إذاً: ما المقصود بقوله: ﴿يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] ؟ أي: يعصمك منهم أن يتمكنوا من قتلك ومن القضاء عليك، فيحولون بذلك بينك وبين تبليغ الرسالة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] كن مطمئناً، فلن يستطيع أحدٌ مطلقاً أن يصل إليك فيقتلك ويمنعك من أن تبلغ رسالة ربك. هذا هو معنى الآية، فلما أساءوا الفهم لهذه الآية أساءوا فهم حديث السحر، أن هذا فيه إيذاء من ذلك اليهودي الخبيث لهذه النفس الطاهرة، فقالوا: إن هذا الرسول معصوم؛ والرسول معصوم بين أن يحول بينه وبين تبليغ الرسالة أحد، أما عن الأذى فليس معصوماً أبداً، وهذا -كما قلنا- خلاف الآية وخلاف الحديث النبوي. إذاً: حديث السحر في جانب والآية ونحوها أيضاً من آيات أخرى في جانب آخر، ولا تعارض بينها وبين الحديث الصحيح، أما وصف السائل تبعاً -أيضاً- لبعض الكتاب المعاصرين لهذا الحديث بأنه حديث آحاد، فهذه فتنة بثتها المعتزلة منذ عشرة قرون وأكثر، وتمكنوا -مع الأسف- من دسها في أذهان بعض أهل السنة الذين يزعمون أنهم يحاربون المعتزلة في أفكارهم وعقائدهم، ولا يحسون ولا يشعرون أنهم معهم في كثير من عقائدهم، ومن ذلك فلسفة حديث الآحاد وحديث التواتر. وهذه فلسفة دخيلة في الإسلام، ليس هناك إلا حديث ثابت أو غير ثابت، وبعد أن يثبت الحديث يجب الأخذ به سواءً كان في العقيدة، أو في الأحكام، أو في الأخلاق، أو في الأخبار، أو في أي شيء كان، ما دام أنه ثبت أن الرسول قاله وجب التسليم. وهذا الحديث لأي صنف من هذه الأصناف؟ هل هو في العقيدة؟ لا. هذا له علاقة بالواقع والتاريخ. إذاً: مرض الرسول ﵇ أم لا؟ نريد حديث تواتر، ولا يوجد حديث تواترٍ، فكل إنسان يمرض والرسول بشر ويمرض، والرسول سحر أم لم يسحر؟ الحديث أنه سحر، ولا نقول: إنه سحر لأنه لا يجوز أن ننسب للرسول ما لم يثبت. وهاتان المعوذتان مكيتان، وليس عندهم دليل إطلاقاً في ذلك، بينما هناك حديث صحيح أنهما نزلتا بمناسبة سحر الرسول ﵊. إذاً: ادعاء أن هذا حديث آحاد من أجل التقليل والتضعيف منه؛ هذا لا ينبغي أن يذكره المسلم× لأنها فلسفة اعتزالية. وثانياً: هذا الحديث ليس معارضاً للآية، كما ذكرنا أن الآية تعني (مسحوراً) بمعنى (مجنوناً) أي: لا يعي ما يقول، أما الرسول فعلى خلاف ما جاء في كلام السائل في الأخير، من أنه ما استطاع أن يخرج إلى المسجد ولا أن يجلس مع المسلمين، وهذا ليس كذلك، فالرسول ﵊ ظل كما كان من قبل، ونحن نعلم أيضاً من تاريخ الإسلام الصحيح والسيرة النبوية الصحيحة أن الرسول ﵇ لما مَرِض مَرَض موته، وكَّل أبا بكر أن يصلي بالناس، وكَّل فقط في آخر حياته أبا بكر أن يصلي بالناس، وفي غير ذلك استمر هو دائماً وأبداً إلا إذا سافر من المدينة فكان غيره يصلي. أما وهو حادث فما أناب أحداً أن يصلي عنه إلا في مرض موته. إذاً: في هذه الحادثة كان يصلي هو، ولو تأخر يوماً واحداً لنقل ذلك، كيف وهذا المرض استمر في الرسول ﵇ ستة أشهر؟ فلو كان كما قال الظالمون قديماً والكفار، وكما يقول الظالمون حديثاً والمسلمون لكنهم جاهلون، يظنون أن الحديث يعني ما تعني الآية، لو كان الأمر كذلك لكان التاريخ نقل إلينا ذلك، لكن التاريخ ما نقل شيئاً من ذلك. فنقول لهم: إذاً: افهموا الحديث في حدود وقته، وفي حدود تاريخ حياة الرسول ﵇ من أولها إلى آخرها، حيث أنه ما ثبت أن النبي تأخر عن القيام في واجباته خلافاً لقول السائل: وإذا كان قد سُحر فهذا يعني أنه قطع الذهاب إلى المسجد وتبليغ الرسالة. نحن نعرف -كما عند العامة- أن فلاناً إذا تزوج ومرت عليه أول ليلة وثاني ليلة وشهر وأكثر ولم يستطع أن يؤدي واجبه يسمونه (مربوطاً) ، فهل هذا المربوط لا يذهب إلى عمله وينقطع عن شغله؟ لا. هو مثلكم لكنه عاجز عن تلك المواهب لسبب ما، فهل يعني هذا أنه تغير عقله وتغير تفكيره؟ أبداً. كذلك قوته أيضاً، أي: ليس عنده قوة، فهذا إما مرضاً وإما سحراً، فإذا كان مرضاً فالأطباء يكتشفونه، وإذا كان سحراً فلا يستطيع الأطباء أبداً أن يكتشفوه؛ لأن هذا مرض روحي والأطباء يعالجون الأمراض المادية، ومن هنا يجب على المسلمين أن يتعالجوا بالطب النبوي ومنه قراءة المعوذتين، وقراءة بعض الأوراد الخاصة المختصرة: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق صباحاً ومساءً، إلى آخره، فلن يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر) . وهذه الحادثة تأكيد لخلاف ما تقوله المعتزلة وأذنابهم في العصر الحاضر: أن السحر لا تأثير له، كيف يقول هؤلاء هذا الكلام والرسول يأمرنا بأن نتعوذ وأن من فعل ذلك لم يؤثر فيه سم ولا سحر؟ فقرن السحر من حيث التأثير مع السم، فهل يقال: إن السم لا يؤثر؟ لا؛ لأن تأثيره مادي، فهو ملموس، فهؤلاء الماديون يؤمنون بالمادة، أما هذا السحر ا

стр. 79

الفرق بين المتبع والمقلد والمجتهد السؤال قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] هل يعني اتباعه التقليد الأعمى هنا؟ إذا كان كذلك فما الفرق بين المتبع والمقلد والمجتهد؟ وهل المجتهد يلزم الناس باتباعه، أم أنه لنفسه فقط؟ وهل بمقدورنا أن نجتهد حتى نستغني عن المذاهب ونكتفي بهذا؟ الجواب أولاً: الاتباع من حيث اللغة أعم من أن يكون في الخير أو في الشر، فيأتي في الخير ويأتي في الشر، وهنا كما ترون جاء بمعنى الشر: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] لكن كون الاتباع هنا جاء في الشر لا يعني أنه يأتي دائماً في الشر، فهناك آيات كثيرة أتى فيها الاتباع بمعنى الاتباع في الخير، وأشهر آية وأقرب تناولاً لأفكارنا قوله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] . إذاً: الاتباع من حيث اللغة ليس خاصاً لا في الخير ولا في الشر، فالاتباع يفسر بالنظر إلى الموضع الذي جاءت فيه اللفظة، ففي الآية التي تخالف هذا العمل من الواضح أن الاتباع كان في الشر، والآية التي تلوتها عليكم من الواضح أن الاتباع في الخير؛ لأن الله يجعل دليل محبة نبيه ومحبة الله لنا اتباع منهاج النبي ﷺ ، فهذا الاتباع في الخير. إذاً: القضية من حيث اللغة ليست دلالة خاصة في الخير أو في الشر، لذلك لما قال السائل: هل يعني اتباعه التقليد الأعمى هنا؟ إذا كان كذلك فما الفرق بين المتبع والمقلد والمجتهد؟ نقول: الفرق هنا اصطلاحي، بعد أن عرفنا أن الاتباع في اللغة أعم من أن يكون في الخير أو في الشر، فحينما يقال مجتهد، وحينما يقال متبع، وحينما يقال مقلد، هذا اصطلاح، فما معنى كلمة (مقلد) من حيث اللغة؟ المقلد هو الذي قلد غيره القلادة، لكن استعير هذا المعنى إلى المسلم الجاهل الذي يقلد بدينه غيره. كذلك الاتباع أو المتبع، فميز في هذا العلماء المحققون الذين يدعون إلى تنوير الأذهان بإبقاء باب الاجتهاد مفتوحاً لأهله، وليكذب بعد ذلك من شاء، وليفتر عليهم من يقول: إن الاجتهاد مفتوح حتى للعوام، هذا كذب وبهت ومحض افتراء، نقول: أولئك العلماء الذين يرون بأنه من الخير بل من الواجب بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً لأهله، هؤلاء باجتهادهم وفهمهم وجدوا أن الناس ليس بمثابة واحدة من غير المجتهدين، بمعنى أنهم رأوا من الظلم جعل غير المجتهدين مقلدين؛ لأن التقليد معناه في الاصطلاح العلمي هو الذي يدل عليه في الأصل الاشتقاق اللغوي، هو التقليد الأعمى دون أن تعرف وجهة نظر هذا العالم الذي يقول هذا حرام، أو هذا حلال، أو هذا فرض، أو هذا سنة، هو يقول لك كذا وأنت تقول له بلسان الحال: آمين، صدقت. هذا هو التقليد الأعمى، وليس كل الناس هكذا، فأناس عندهم شيء من العلم، وشيء من الفهم والإدراك، بحيث أنه إذا عرض عليه قولان لعالمين جليلين من علماء المسلمين دليل هذا كذا ودليل هذا كذا، يعي العقل ويفهم دون أن يبحث في بطون الكتب والآيات والأحاديث، وصحيح وضعيف، ومؤول وغير مؤول، إنما يسمع ليرى بعد ذلك رأيين أو أكثر بأدلة كل رأي، فيميز هذا على هذا، ويرجح هذا على هذا. لكن إذا عرضت مثل هذا العرض على عامة الناس، فماذا يعرفون عن السنن؟ يكونون حيارى؛ كما سيأتي إن شاء الله في الدرس الآتي أو الذي بعده، لو ناقشنا مسألة ما وكل واحد يرى أن الحق معه، هو معذور تماماً، لكن الذين عاشوا في الدعوة السلفية قدراً من الزمن، وعرفوا كيف ينبغي أن يعيش العامي السلفي لا يقع في هذه الحيرة الخلاصة: هل يستوي عندنا مثلاً بعض إخواننا الأفاضل؟ هل هذا الإنسان نعامله كمعاملة رجل من عامة المسلمين لا يعرف الألف المطوية -كما يقول العامة هنا- بينما هذا قد درس علم اللغة وعلم الحديث، وأخذ شهادة كلية الشريعة، هل هذا كهذا؟ لا يستويان مثلاً؛ لذلك هذا الواقع حمل هؤلاء الأئمة المحققين أن ينصفوا الذي هم فوق مستوى عوام المسلمين وجهلتهم ومقلدتهم، فأطلقوا عليهم متبعين، كي يفرق بين المقلد الذي لا يعرف إلا قال الشيخ فقط، لكن الثاني يقول لك: قال الشيخ وعلته كذا، ورد عليه فلان وعلته كذا، لكنه حديث ضعيف، لكن هذا تأويل، وهذا خلاف الأمر. إلخ، فيميز هذا الإنسان، وننزله بالمنزلة التي وضعه الله فيها، لا نجعله مع عوام المسلمين، فهذا ظلم مبين. لذلك اقترح العلماء فجعلوا مراتب العلم ثلاثة: المرتبة الأولى: الاجتهاد، وهو أرقى المراتب، وهو الذي يتمكن من فهم المسألة مباشرة من الكتاب والسنة. المرتبة الثانية: الاتباع، يتمكن من فهم كلام المصيبين وأدلتهم بعد عرضها والاطلاع عليها واتباع الدليل الأقوى ممن دونه. المرتبة الثالثة: المقلد، مثل العوام تماماً، فهذا تقول له: هذا حرام، يقول: آمين، تقول: حلال، يقول: آمين. ولذلك فمن الجهل بل من الغباوة أن نسوي بين متخرج من كلية الشريعة، فضلاً عن مدرس في كلية الشريعة، وبين الرجل الجاهل الذي لا يعرف من العلم ولا من الفقه ولا من الحديث شيئاً، الذي يقول هذا يظلم نفسه قبل أن يظلم غيره، وذلك هو الظلم المبين. هنا سؤال مهم: هل المجتهد يلزم الناس باتباعه أم أنه يجتهد لنفسه فقط؟ الجواب: مثل هذا السؤال يدفع إليه أمران متناقضان في هذا الزمان: الأمر الأول: أن المقلد اليوم والمتمذهب جميعهم يتوهمون أن الأئمة الأربعة دعوا الناس إلى اتباع مذاهبهم، وهذا خطأ وافتراء عليهم، وما ثبت عن إمام من أئمة المسلمين أبداً، لا هؤلاء الأربعة ولا من قبلهم ولا من بعدهم، أنهم دعوا الناس جميعاً إلى اتباعهم في الحرف الواحد، حاشاهم من ذلك! كيف وابن مسعود كان يقول: [هذا رأيي فمن كان عنده خير منه فليأتنا به] . كيف يقال أن الإمام المجتهد ألزم أتباعه باتباعه، أليسوا يقرءون: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] ؟! ولا يقولنّ منحرف عن السنة: هذه الآية نزلت في الكفار. نعم، الله أنزلها في الكفار، ونحن لا نعمل عمل الكفار، لا نتبع أئمتنا على عمى وإنما على بصيرة، ومن هذا العمى أن ننسب إلى الأئمة شيئاً ما قالوه، هم ما قالوا على أحد من أتباعهم الأولين ما لم يقولوه، وأيضاً إذا زعمنا هذا، إذاً هم -لا سمح الله لا سمح الله لا سمح الله- طواغيت، يدعون الناس إلى اتباعهم من دون اتباع الإسلام، فهل يظن المسلم شيئاً من هذا في أئمة المسلمين؟! لا أعرف! لكن لازم هؤلاء عندما يقولون: دعوا أتباعهم لاتباعهم، لازمهم أن هؤلاء طواغيت، ونحن نبرئهم من ذلك، وهذا الفهم الخاطئ نتج منه فهم خاطئ جديد، وهو أن هؤلاء المتبعون أمثالنا يدعون المسلمين إلى الكتاب والسنة، وعلى منهج سلف الأمة، يقولون عنا بأننا مجتهدون، ونحن لا ننكر ولا نهاب ولا نخاف، نحن نجتهد في كثير من المسائل التي تحدث اليوم حيث لا يستطيع المقلدون أن يجتهدوا فيها، ونحن نقول على عين بصيرة: لا ترد المسائل التي اختلفوا فيها، وكل إمام وكل أتباعه مع الزمن يبين ما عندهم من أدلة صحيحة وغير صحيحة، هذه تعرض أمامنا ونحن ليس لنا إلا الاختيار.

стр. 80

الأجوبة الألبانية على الأسئلة الكويتية [١، ٢] في هذه المادة يستضيف الشيخ ﵀ مجموعة من طلاب العلم من الكويت، جاءوا لزيارته والاستفادة منه، فبدأ بنصيحة حول الاعتماد على الكتاب والسنة وفق فهم سلف الأمة تعلماً وتعليماً وتحكيماً واتباعاً، ثم أجاب عن جمع من أسئلتهم المفيدة حول مسائل عقدية وفقهية ودعوية.

стр. 81

أهمية التمسك بالكتاب والسنة على فهم السلف علماً وعملاً إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فالواجب على كل مسلم أن يعبد الله ﵎ على العلم النافع والعمل الصالح، ولعلكم جميعاً أو أكثركم يعلم أن العلم النافع لا يكون إلا إذا كان مستقىً ومستنبطاً من كتاب الله وسنة رسول الله ﵌، ثم ما جاءنا عن السلف الصالح؛ لأنهم هم القوم لا يشقى جليسهم، وقد جاء الأمر باتباع الكتاب والسنة والسلف الصالح في غير ما حديث واحد، لعلنا نقتصر على التذكير منها بحديث واحد؛ ألا وهو حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! أوصنا، فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبدٌ حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) ، في هذا الحديث -كما سمعتم- الأمر بشيء زائد عن الكتاب والسنة، ألا وهو اتباع سنة الخلفاء الراشدين من بعد النبي الكريم ﵌؛ وما ذاك إلا لأن الخلفاء الراشدين تلقوا العلم والكتاب والسنة من النبي ﵌ مباشرة دون واسطة ما، وفهموا هذه السنة والقرآن الكريم كما علمهم رسول الله ﵌، ولذلك فينبغي على كل طالب للعلم ألا ينسى هذا الأمر النبوي الكريم في اتباع الخلفاء الراشدين، ويلحق بهم من كان من أهل العلم من الصحابة الآخرين. فإذا كان الأمر كذلك؛ فعلينا أن تكون دعوتنا وعلمنا مستنبطاً من الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، من أجل ذلك يقول ابن قيم الجوزية ﵀: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيهِ كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذراً من التعطيل والتشبيه هذا ما يتعلق بالعلم النافع الذي يجب أن يكون هدف كل طالب علم، وليس أن يكون هدفه طلب العلم التقليدي القائم على التعصب المذهبي فهذا حنفي! وذاك مالكي! والثالث شافعي! والرابع حنبلي! هؤلاء الأئمة -لا شك ولا ريب- أننا نجلهم ونقدرهم حق قدرهم، ولذلك فنحن نتبع سبيلهم الذي انطلقوا وساروا عليه، وما هو إلا سبيل السلف الصالح كما ذكرنا آنفاً، ولكننا لا نتعصب لواحد منهم على الآخر، هذا هو العلم النافع، أي: المستقى من الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح. أما العمل فيجب أن يكون المسلم فيه مخلصاً لله ، لا يبتغي من وراء ذلك جزاءً ولا شكوراً، ولا أجراً ولا ظهوراً ولا وظيفة، ولا ما شابه ذلك، وإنما يعمل العمل الصالح لله ﵎، كما قال في القرآن الكريم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] قال علماء التفسير والفقه في هذه الجملة الأخيرة من الآية الكريمة: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] قالوا: لا يكون العمل صالحاً إلا إذا كان موافقاً للسنة، ولا يكون مقبولاً عند الله ولو كان موافقاً للسنة إلا إذا كان خالصاً لوجه الله ﵎. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا، ً فحسبنا بين يدي هذه الأسئلة هذه الكلمة الوجيزة، فهي تتلخص بأنه يجب على كل مسلم أن يحسن طلب العلم على ضوء الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، وألا يبتغي من أعماله الصالحة إلا وجه الله ﵎، هذا ما يسر الله بناءً على هذا الطلب.

стр. 82

الأسئلة

стр. 83

طريقة الانطلاق والترقي في سبيل الدعوة السؤال كيف يرتقي المسلم بنفسه في مجال الدعوة إلى الله ؟ الجواب الحقيقة كان في نفسي آنفاً لما ألقيت تلك الكلمة الوجيزة في العلم النافع والعمل الصالح، أن أتحدث عن شيء يتعلق بالدعوة، فجاء هذا السؤال الآن ليفتح لي الطريق للخوض فيما كنت فكرت فيه ثم لم أفعله. أما كيف يرقي الإنسان نفسه في سبيل الدعوة؟ فذلك بلا شك يحتاج إلى أمرين اثنين فيما يبدو لي: الأمر الأول: أن تظل علاقته مع أهل العلم سواءً من كان منهم حياً في كتابه أو كان حياً في دعوته، أي: أن يكون ذا صلة قصوى بكتب أهل العلم الذين عُرِفوا باستقامتهم في عقيدتهم، فلا ينقطع عن المراجعة والمطالعة والاستزادة من علمهم؛ لأن ذلك يساعده على أن يترقى وعلى أن ينطلق في دعوته إلى الله ﵎. الأمر الثاني: أن يكثر صلته بأهل العلم الأحياء منهم، وبخاصة من كان منهم معروفاً أن عقيدته صالحة، وأخلاقه كريمة طيبة؛ لأننا نعلم أن القدوة الحسنة لها أثر كبير جداً في الناس المقتدين بهم، إذا كان الرجل أو العالم أو الشيخ المقتدى به فيه شيء من الانحراف الفكري أو الخلقي، فلا يبعد أن يؤثر ذلك الشخص أو الشيخ في الذين يتصلون به أو يتلقون العلم عنه، ومعلوم أحاديث كثيرة معروفة عن الرسول ﵇ فيها الحض على مصاحبة الصالحين ومرافقتهم، كمثل قوله ﵊: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي) فوصية الرسول ﷺ في هذا الحديث بأن نصاحب المسلم التقي؛ ما ذلك إلا لأن عدوى الصالح تسري بالخير إلى المصاحب له، ولذلك جاء في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قوله: (مثل الجليس الصالح كمثل بائع المسك؛ إما أن يحذيك -أي: يعطيك-، وإما أن تشتري منه، وإما أن تشم منه رائحة طيبة، ومثل الجليس السوء كمثل نافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تشم منه رائحة كريهة) ولذلك من كان يريد الانطلاق والترقي في سبيل الدعوة فلا بد أن يحافظ على هذين الأمرين: الأمر الأول: أن يكون كثير الصلة بكتب أهل العلم الماضيين المعروفين بالعلم النافع والعقيدة الصحيحة. والأمر الثاني: إذا تيسر له أيضاً في مجتمعه الذي يعيش فيه بعض أهل العلم والصلاح، فعليه أيضاً أن يتصل بهم ما أمكنه ذلك، حتى يتأثر بمسراهم، ويستفيد من أخلاقهم وسلوكهم، هذا الذي يبدو لي أنه جواب عن هذا السؤال.

стр. 84

علاج ظاهرة الفتور والضعف الإيماني لدى الدعاة السؤال ما علاج ظاهرة الفتور أو الضعف الإيماني لدى بعض الدعاة؟ الجواب هذا في الحقيقة يعود إلى شيء سبق أن أشرت إليه، وهو علة العلل في هذا العصر في كثير من الدعاة؛ ألا وهو: عدم الإخلاص في الدعوة. هناك ظاهرة تلفت نظر المفكر الذي يحاول أن يتعرف على ما يصيب المسلمين من أدواء، وأن يقدم -في حدود ما يعلم وما عنده من علم- الدواء، الظاهرة هي أن كلمة الدعوة أصبحت اليوم مهنة، وأصبحت يتبناها كل من يشعر أن لديه شيئاً من العلم، وهو ليس -كما يقال-: في العير ولا النفير، في العلم. وذلك كما ترون من زاوية أخرى أن كلمة (السلفية) الآن أصبحت متبناة من كثير من المسلمين، الذين قد يكون بعضهم على الأقل كان يظهر عِداءه الشديد لهذه الدعوة، فلما انتشرت هذه الدعوة وأخذت مكانها اللائق بها في العالم الإسلامي، أخذ أكثر الناس من الدعاة ولو لم يكن لهم أي صلة بالدعوة السلفية الصحيحة يدعون السلفية، ومن هنا يدخل في هذا المنهج العلمي السلفي من ليس له صلة مطلقاً بهذا المنهج. ولذلك فأنا أعتقد أن السبب هو فقدان الإخلاص للدعوة؛ لأني أعتقد -كما أشرت آنفاً، ولعله في السؤال الأول- أن الداعية حقاً يجب أن يكون وثيق الصلة ومستمر الصلة بالعلماء أمواتاً وأحياءً؛ ذلك لكي ينمي في نفسه الفقه والفهم للعلم وأسلوب الدعوة إلى هذا العلم الصحيح. وهذا بلا شك يحتاج إلى جهود جبارة وصبر على الدعوة، وهذا لا يستطيعه في الواقع إلا من كان مخلصاً لله كل الإخلاص، فانصراف بعض من ينتمون إلى الدعوة عن القيام بحقها وبواجبها، هو دليل على أنهم لم يكونوا مخلصين في الدعوة، وإلا لماذا هذا التأخر في ذلك والانصراف عن مقتضيات الدعوة ولوازمها؟! هذا باعتقادي هو سبب ما جاء في هذا السؤال. وباختصار: هذا هو عدم الإخلاص، وهذا ليس له علاج إلا باللجوء إلى الله ﵎، وتذكيرهم ممن له قدم راسخ في العلم بهذا الواجب الذي يجب عليهم أن يتمسكوا به، وأن يموتوا عليه، وإلا كان عملهم هباءً منثوراً. السائل: يا شيخ! المقصود ليس فقط الفتور عن الدعوة نفسها، وإنما في إيمان الشخص نفسه فيما بينه وبين الله ، بعد أن يكون في بداية تدينه وبداية التوبة متحمساً، وعظيم الإخلاص لله ، ومجتهداً في أداء العبادات، بعد ذلك يجد عزوفاً وانغماساً في الدنيا، أو اللهو أو في تجارة معينة، أو مع النساء. الشيخ: هذا لا نستطيع أن نجيب عليه؛ لأن الأسباب كبيرة، وهي مثبطات عن الاستمرار في السبيل القويم، وأشدها تأثيراً فساد الأجواء التي يعيش فيها هؤلاء الناس، وآنفاً ذكرت قوله ﵊: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء ... ) ومما يتعلق بهذا أن المجتمع الفاسد له تأثير كبير جداً في الأفراد الذين يعيشون فيه، ولذلك جاءت أحاديث كثيرة تحض المسلم بأن يكون مع الصالحين -كما ذكرنا آنفاً- لكن أذكر شيئاً آخر، منها قوله ﵇: (أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين) أو كما قال ﵊، وقوله أيضاً في الحديث الآخر: (من جامع المشرك فهو مثله) . وأوضح من ذلك تبياناً لأثر البيئة الفاسدة للناس المقيمين فيها، الحديث المعروف في صحيح البخاري وصحيح مسلم، وهو قوله ﵊: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم أراد أن يتوب، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فجاء إليه وقال: أنا قتلت تسعة وتسعين نفساً، فهل لي من توبة؟ قال: لا، قتلت تسعة وتسعين نفساً فلا توبة لك، فقتله وأتم به المائة) ولكنه فيما يبدو من تمام القصة كان مخلصاً في قصده للتوبة، ولذلك فقد استمر يسأل عن أعلم أهل الأرض حتى دُلَّ على عالم، هو من قبل سأل نفس السؤال، لكن الدالَّ كان جاهلاً، فبدلاً من أن يدله على عالم دله على راهب، والراهب كناية عن عبادته مع جهله، وظهر جهله هذا في جوابه، حيث قال له: لا توبة لك، فقتله. أما في المرة الثانية فقد كان حظه طيباً (فدُلَّ على عالم، فقال له: أنا قتلت مائة نفس، وأريد أن أتوب إلى الله ، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكنك بأرض سوءٍ -هنا الشاهد- فاخرج منها إلى القرية الفلانية الصالح أهلها) فانطلق يمشي إليها؛ لأنه كان مخلصاً في السؤال، وكان مستسلماً لجواب العالم، فلما أفهمه العالم أنك ما شقيت هذه الشقوة حتى قتلت مائة نفس بغير حق إلا لأنك تعيش في جو موبوء فاسد، فاخرج من هذه البلدة إلى البلدة الصالح أهلها، وعينها له، فانطلق يمشي. (وفي الطريق جاءه الموت، فتنازعته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كل يدعي بأنه من حقه أن يتولى نزع روحه، فأرسل الله إليهم حكماً أن قيسوا ما بينه وبين كل من القريتين؛ القرية التي خرج منها والتي خرج قاصداً إياها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية الصالح أهلها بمقدار ميل الإنسان في مشيته، فتولته ملائكة الرحمة) . الشاهد من هذا الحديث: أن هذا العالم حقاً قد عرف سبب شقاوة هذا الإنسان وإقدامه على قتل مائة نفس، وهو أنه في جو فاسد. فهذا الحديث وما سبق ذكره يدل على أن المسلم يجب أن يحيط نفسه ببيئة صالحة، وبرفقاء صالحين، وأن يبتعد عن رفقاء السوء وعن البيئة السيئة حتى لا يتأثر بها. فهذا هو السبب في انحراف بعض الناس، سواءً كانوا من الدعاة أو من عامتهم.

стр. 85

تأملات عميقة في الدعوة السلفية السؤال ما رأي فضيلتكم في أوضاع الدعوة السلفية عموماً، في الكويت ومصر والسعودية خصوصاً؟ الجواب أنا أقول: إن الدعوة السلفية الآن -مع الأسف- في اضطراب، وأعزو السبب في ذلك إلى تسرع كثير من الشباب المسلم في ادعاء العلم، فهو يتجرأ على الإفتاء والتحريم والتحليل قبل أن يُعرف، بعضهم -كما سمعنا كثيراً- لا يحسن أن يقرأ آية من القرآن، ولو أنها أمامه في المصحف الكريم، فضلاً عن أنه كثيراً ما يلحن في قراءة حديث الرسول ﵊، فيصدق فيه المثل المعروف في بعض البلاد: "تزبب قبل أن يتحصرم" أي: العنب حينما يبدأ يصير حباً أخضر، وهذا هو الحصرم، ويكون حامضاً جداً، فهو قبل أن يتحصرم جعل نفسه كالزبيب، أي: كالعنب الذي نضج وصُيِّرَ زبيباً، ولذلك فركوب كثير من هؤلاء الناس رءوسهم وتسرعهم في ادعاء العلم والكتابة، وهم لَمْ يمشوا بعد إلى منتصف طريق العلم، هو الذي جعل الذين ينتمون للدعوة السلفية الآن -مع الأسف- شيعاً وأحزاباً. ولذلك علاجه الوحيد بأن يتقي هؤلاء المسلمون ربهم ، وأن يعرفوا أنه ليس لكل من بدأ في طلب العلم أن يتصدر في الإفتاء في التحريم والتحليل، وفي تصحيح الحديث وتضعيفه، إلا بعد عمر طويل، يتمرس في هذا العمر على معرفة كيف يكون الإفتاء، وكيف يكون الاستنباط من الكتاب ومن السنة. وفي هذا الصدد لا بد أن يتقيد هؤلاء الدعاة السلفيون بالقيد الثالث، الذي سبق أن ذكرته في أثناء الكلام عن العلم النافع والعمل الصالح، فقد قلنا: إن العلم النافع يجب أن يكون على منهج السلف الصالح، فحينما يحيد كثير من الدعاة الإسلاميين اليوم عن التقيد بهذا القيد الثابت، الذي أشار إليه الإمام ابن القيم ﵀ في شعره السابق حين قال: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه فعدم الالتفات إلى ما كان عليه السلف الصالح يعود بالناس بعد أن اتفقوا إلى الفُرقة التي تُبَاعِدُ بينهم، كما باعدت من قبل بين كثير من المسلمين، فجعلتهم شيعاً وأحزاباً: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣] . هذا رأيي في هذا الواقع، فعليهم إذا كانوا مخلصين -كما نرجو- أن يتمسكوا بالمبادئ العلمية الصحيحة، وألا يتجرأ من لم يكن قد وصل إلى مرتبة العلم وصولاً صحيحاً أن يتورع عن ذلك، وأن يكل العلم إلى عالميه. ويعجبني في هذا الصدد بعض الروايات التي وردت في كتب الحديث -وأنا أظن أنها عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ﵀، وهو من كبار علماء السلف الصالح - قال: [لقد أدركت في هذا المسجد -ولعله يشير إلى مسجد المدينة المنورة - سبعين من الصحابة، كان أحدهم إذا سُئل عن مسألة أو استفتي عن فتوى، يتمنى أن يتولى ذلك غيره من علماء الصحابة الحاضرين] . والسبب في ذلك هو أنهم يخشون أن يقعوا في خطأ، فيوقعون غيرهم في الخطأ، فيتمنى أحدهم ألا يتحمل هذه المسئولية ويتحملها غيره. أما الآن فالظاهرة معاكسة تماماً مع الأسف الشديد، وذلك يعود إلى سبب واضح، وأنا أذكره دائماً وأبداً، وهو أن التفتح الذي نشعر به الآن للكتاب والسنة والدعوة السلفية هو أمر حادث، ولم يمض على هذا التفتح الذي يسمونه بالصحوة، لم يمض زمن طويل حتى يجني هؤلاء الناس ثمرة هذه الدعوة والصحوة والتفتح في أنفسهم، أي: أن يتربوا على أساس الكتاب السنة، ثم هم بالتالي يفيضون بهذه التربية الصحيحة القائمة على الكتاب والسنة على غيرهم ممن حولهم الأدنى فالأدنى، فالسبب أن هذه الدعوة لم يظهر أثرها؛ لأنها حديثة العهد بهذا العصر الذي نحن نعيش فيه؛ ولذلك نجد الظاهرة المعاكسة لما ذكرناه آنفاً، مما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أولئك الصحابة الذين كانوا يتورعون عن أن يسألوا، ويتمنون أن يُسأل غيرهم، وما كانوا يجيبون عن السؤال إلا لعلمهم بأنه لا يجوز لهم أن يكتموا العلم، لكن في قرارة قلوبهم كانوا يتمنون أن يتولى ذلك غيرهم. أما الآن فتجد في كثير من المجتمعات السلفية -فضلاً عن غيرها- يُسأل أحد ممن يظن فيه أنه أكثر من الحاضرين علماً، وإذا بك تجد فلاناً بدأ يتكلم وهو غير مسئول، وفلاناً بدأ يتكلم وهو غير مسئول، ما الذي يدفع هؤلاء؟ إنه حب الظهور، والأنانية، ولسان حاله يقول: أنا هنا، أي: أنا عندي علم، وما شاء الله عليه! هذا على ماذا يدل؟ يدل على أننا لم نترب التربية السلفية، نحن نشأنا على العلم السلفي، وكل بحسب اجتهاده وسعيه إلى هذا العلم، أما التربية فما حصلناها بعدُ كمجتمع إسلامي سلفي، ولذلك هذه الجماعات والتكتلات والأحزاب، في كل حزب نجد مثل هذا التفرق وما سببه إلا عدم التربية الإسلامية الصحيحة. أقول: علاج هذه الأمة ليعود إليها مجدها، ولتتحقق لها دولتها، ليس لذلك سبيلٌ إلا البدء بما ألخصه بكلمتين اثنتين: بالتصفية والتربية، خلافاً لجماعات كثيرة يسعون إلى إقامة الدولة المسلمة -بزعمهم- بوضع أيديهم على الحكم؛ سواءً كان ذلك بطريق سلمي كما يقولون: بالانتخابات، أو كان ذلك بطريق دموي، كانقلابات عسكرية وثورات دموية، ونحو ذلك، نقول: هذا ليس هو السبيل لإقامة دولة الإسلام على أرض الإسلام، وإنما السبيل هو سبيل رسول الله ﷺ ، الذي دعا في مكة -كما تعلمون- ثلاث عشرة سنة، ثم أتم الدعوة في المدينة، وهناك بدأ بعد أن استصفى له ممن اتبعه وآمن به رجالاً لا تأخذهم في الله لومة لائم، فبدأ بوضع أسس الدولة المسلمة. والتاريخ -كما يقولون- يعيد نفسه، فلا سبيل أبداً، وأنا على يقين مما أقول، والتجربة الواقعية منذ نحو قرن من الزمان تدل على أنه لا مجال إطلاقاً، لتحقيق نهضة إسلامية صحيحة، ومن ورائها إقامة الدولة المسلمة إلا بتحقيق هذين الهدفين: التصفية: وهو كناية عن العلم الصحيح، والتربية: وهو أن يكون الإنسان مربىً على هذا العلم الصحيح على الكتاب والسنة. نحن الآن في صحوة علمية ولسنا في صحوة تربوية، ولذلك نجد كثيراً من الأفراد من بعض الدعاة يستفاد منه العلم، لكن لا يستفاد منه الخُلُق، لماذا؟ لأنه هو نشَّأ نفسه على العلم، ولكنه لم يكن في بيئة صالحة رُبِّيَ فيها منذ نعومة أظفاره؛ فلذلك فهو يحيا ويعيش وهو يحمل الأخلاق التي ورثها من ذاك المجتمع الذي عاش فيه وولد فيه، وهو مجتمع بلا شك ليس مجتمعاً إسلامياً، لكنه استطاع بشخصه أو بدلالة بعض أهل العلم أن ينحو منحىً علمياً صحيحاً، لكن هذا العلم ما ظهر أثره في خلقه وسلوكه وأعماله، فهذه الظاهرة التي نحن الآن في صدد الكلام عنها سببها هو: أولاً: أننا لم ننضج علمياً إلا أفراداً قليلين. وثانياً: الأفراد أكثر من ذلك لم يربوا تربية إسلامية صحيحة، ولذلك فتجد كثيراً من المبتدئين في طلب العلم ينصب نفسه رئيساً رئيساً لجماعة أو لحزبٍ، وهنا تأتي حكمة قديمة لتعبر عن أثر هذا الظهور، وهي التي تقول: (حب الظهور يقطع الظهور) . فهذا أسبابه يعود إلى عدم التربية الصحيحة على هذا العلم الصحيح.

стр. 86

سلفية سيد قطب السؤال ظهرت في بعض الدول العربية جماعة يدعون أنهم أتباع سيد قطب، وأنهم هم السلفيون حقاً، فما رأيكم؟ الجواب رأيي أن المشكلة هي هي، وجوابي عليها: والدعاوى ما لم تقيموا عليـ ـها بينات أصحابها أدعياءُ نحن نعتقد أن سيد قطب ﵀ لم يكن سلفي المنهج في عامة حياته، ولكن ظهر له اتجاهٌ قوي إلى المنهج السلفي في آخر حياته وهو يعيش في سجنه، فالسلفية ليست مجرد دعوة، السلفية تتطلب معرفة بالكتاب والسنة الصحيحة والآثار السلفية، نحن نعلم من هؤلاء وأمثالهم الذين يدعون أن دعوتهم قائمة على الكتاب والسنة؛ أنهم لا يعرفون أصول فهم الكتاب أولاً، وهذه الأصول معروفة من كلام ابن تيمية في رسالته في أصول الفقه، وكلمات أئمة التفسير كـ ابن جرير وابن كثير وغيرهم؛ أن القرآن يفسر بالقرآن، وإلا فبالحديث، وإلا فبأقوال الصحابة، ومن دونهم من السلف الصالح، فالذين يدعون السلفية لا يسلكون في سبيل تفسير القرآن هذا السبيل العلمي المتفق عليه بين علماء المسلمين. السائل: هل هذا موجود عند القطبية؟ الشيخ: نعم. هو موجود؛ ولذلك تجد في تفسير سيد قطب بعض التفاسير التي تنحو منحى الخلفيين الذين يخالفون السلف الصالح. ثم أريد أن أقول: إن هؤلاء لا يُعْنَوْنَ بتمييز السنة الصحيحة من الضعيفة؛ فضلاً عن أنهم لا يعنون بتتبع الآثار عن الصحابة والسلف الصالح؛ لأن هذه الآثار هي التي تعين العالم على فهم الكتاب والسنة كما أشرنا إليه آنفاً. من أين تأتيهم السلفية إذا كانوا هم بعيدين عن فهم الأصل الأول للإسلام وهو القرآن على الأصول العلمية الصحيحة، وبعيدين عن تمييز الصحيح من الضعيف من الحديث، وأبعد من ذلك عن أن يتتبعوا آثار السلف الصالح حتى يهتدوا بهديها ويستنيروا بنورها؟ إذاً: القضية ليست مجرد ادعاء، ولماذا هؤلاء يدعون أنهم سلفيون؟ للأمر الذي ذكرته في بعض أجوبتي السابقة؛ أن الدعوة السلفية الآن -والفضل لله غطت الساحة الإسلامية تقريباً، وظهر لأكثر من كان يعاديها -ولو في الجملة- أن هذه الدعوة هي دعوة الحق؛ ولذلك فهم ينتمون إليها ولو كانوا في عملهم بعيدين كل البعد عنها.

стр. 87

وقوع صغائر الذنوب من الأنبياء السؤال هل الرسل يأتون صغائر الذنوب؟ الجواب أنا أعتقد قبل الإجابة مباشرة عن هذا السؤال، بأنه سؤال كما يقال اليوم: (غير ذي موضوع) ؛ لأن الأمر لا يتعلق بمنهج لنا، وبإصلاح عقائدنا وأعمالنا، وإنما هو أمر يتعلق بمن تقدم النبي ﷺ من الأنبياء والرسل، فما أجد أن مثل هذا السؤال ينبغي الاهتمام بتوجيهه، ولكن لا بد من الإجابة عنه؛ حتى نبين ما عندنا من علم في هذه المسألة. نحن نعتقد أن العصمة المقطوع بها للأنبياء أو الرسل؟ إنما هي: أولاً: العصمة في تبليغ الدعوة. وثانياً: العصمة عن الوقوع في الذنوب الكبائر وهم يعلمونها. أما أن يقعوا في صغيرة من الصغائر التي لا يترتب من ورائها إلا انتفاء الكمال المطلق؛ فهذا لا بأس أن يقع شيء من ذلك من الأنبياء والرسل، وذلك ليبقى مستقراً في قلوب المؤمنين أن الكمال المطلق لله رب العالمين وحده لا شريك له. والقرآن فيه كثير من النصوص والأدلة في إثبات هذه الحقيقة في غير ما نبي أو رسول، فقصة آدم ﵇ في نهي رب العالمين إياه عن أكل الشجرة، وقول رب العالمين: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] ، وقول القرآن الكريم أيضاً في نبينا ﵊: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] هذا كله يدل على أن النبي ممكن أن يتعرض لما لا يليق بمقام نبوته من هذه الصغائر، لكن هل هذا يعيبهم؟ الجواب: لا؛ لأن هذا مقتضى البشرية. كما نقول: هل يعيب النبي والرسول أن يتعرض لما يتعرض له الناس عامةً من مثل السهو والنسيان؟ نقول: لا مانع من أن يتعرض أحد الرسل والأنبياء لمثل هذا؛ لأنه لا يمس بمقام الدعوة التي أرسل بها إلى الناس كافة. فقوله ﵊ فيما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، حينما صلى بهم صلاة الظهر خمس ركعات، فلما سلم قالوا له: صليت خمساً، فسجد سجدتي السهو، ثم قال ﵇: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) فلا يضر مقام النبوة والرسالة أن يقع منهم مما الأكمل ألا يقع، لكن الكمال المطلق لله ، الأكمل ألا ينسى الرسول ﵇، لكن حكمة الله اقتضت أن ينسى الرسول، لكن هذا النسيان لا يمس الدعوة؛ لأنه لا ينسى ما يتعلق بالدعوة، ولذلك يشير ربنا إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦-٧] من أن تنسى آية قد بلغتها الناس، أي: أديت الرسالة، وبلغت الأمانة، فممكن أن يعرض للرسول ﵊ بعد هذا التبليغ الواجب عليه أن ينسى شيئاً مما بلغوه، كما جاء في صحيح البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل المسجد يوماً فسمع رجلاً يتلو القرآن، فقال: رحم الله فلاناً، لقد ذكرني آية كنت أُنسيتها) فنسيان الرسول ﵇ لهذه الآية لا يضره فيما يتعلق بدعوته؛ لأنه قد بلغها، ولذلك استطاع ذلك الرجل أن يقرأها، فلما قرأها الرجل تذكرها الرسول ﵇، فمثل هذا النسيان لا يضره. كذلك وقوع بعض الأنبياء والرسل في شيء من الصغائر لا يضرهم؛ لأنه لا ينفر المدعويين عن دعوته، بخلاف الوقوع في الكبائر، ولذلك فهم منزهون عنها دون الصغائر.

стр. 88

صفة الحجز لله تعالى السؤال هل نثبت صفة الحَجُز لله استدلالاً بحديث الرحم؟ الجواب لا نستطيع أن نتكلم في هذا الحديث بأكثر مما جاء فيه، فنقول إنه قد أخبر بذلك على لسان نبيه ﷺ ومجال التأويل واسع، لكننا نسلم تسليماً ولا نتأول.

стр. 89

حكم القول بمماسة الرب للعرش السؤال هل هناك دليلٌ من الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة ينفي أو يثبت مماسة الرب لعرشه؟ الجواب لا يوجد دليل في ذلك إطلاقاً، وإثبات مثل هذه الأمور ونفيها في اعتقادي خروج عن منهج السلف الصالح؛ لأن كلاً من الإثبات والنفي يترتب عليه محذور، أما الإثبات فقد يلزم منه محذورات: أحدهما: نسبة شيء إلى الله لم يثبت في الكتاب ولا في السنة، وهذا لا يجوز. الشيء الآخر: أننا إذا أثبتنا أو ادعينا شيئاً من ذلك؛ فتحنا طريقاً للمعطلين المؤولين لنصوص الكتاب والسنة المتعلقة بصفات الرب ﵎، فتحنا لهم طريقاً ليتهمونا بالتجسيم؛ لأنهم يفسرون هذه بالأمور التي قد يدعيها بعض من سبقنا، يفسرونها على ظاهرها التي تليق بالبشر ولا تليق بالله ؛ ولذلك فلا يجوز إثبات مثل هذه الأمور. كما أنه لا يجوز نفيها؛ لأنه قد يلزم من نفيها نفي ما جاء في الكتاب والسنة، من ذلك مثلاً: أن الله ليس حالاً في المخلوقات، أي: ليس كما يقول المعطلة والقائلون بوحدة الوجود، أن الله في كل مكان، وأن الله موجود في كل الوجود، وغلاة الصوفية في تصريحهم بهذه الضلالة حينما قال قائلهم في شعر لا أذكره الآن: أن مثل رب العالمين ومخلوقاته كمثل الماء والثلج، هل يمكن فصل الماء عن الثلج حال كونه ثلجاً؟ الجواب: لا. كذلك عندهم أن رب العالمين -تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً- حالٌّ في المخلوقات، والعقيدة السلفية: أن الله غنيٌ عن العالمين، وهو ليس بحاجة إلى العرش ولا إلى الجلوس عليه والتمكن منه، وقد صرح بذلك بعض العلماء المعتدلين من الماتريدية، أقول: المعتدلين؛ لأن الماتريدية كـ الأشاعرة في كثير من الأمور المخالفة لعقيدة السلف الصالح، أما هذا البعض الذي أشير إليه فقد قال مثبتاً لصفة علو الله على عرشه، دون إيهام أنه بحاجة إليه، قال: ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال لأن وصف رب العالمين بهذا الوصف معناه أنه بحاجة إلى العرش، (وكان الله ولا شيء معه) كما نعلم من حديث عمران بن حصين، ثم خلق العرش والسماوات كما جاء التصريح بذلك في السنة. فإذاً باختصار: لا يوجد في الكتاب ولا في السنة شيءٌ يثبت هذا الذي جاء في السؤال أو ينفيه، فلا نقر ولا ننفي.

стр. 90

حكم القول بفناء نار العصاة السؤال ابن القيم في الوابل الصيب يقرر فناء نار عصاة الموحدين، وبقاء نار المشركين، فهل له قولان في المسألة؟ الجواب نعم؛ ذلك مما كنت فصلته في مقدمتي لكتاب: رفع الأستار عن بطلان قول من قال بفناء النار: فهو في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح يبحث هذا البحث بصورة مفصلة، وشيخ الإسلام ابن تيمية كذلك -وقد نشرنا بعض المصورات- يقولان بفناء النار مطلقاً، لكن قول ابن القيم في الوابل الصيب هو كأنه ارتداد عن ذلك القول إلى ما هو صوابه، فنار المشركين لا تفنى؛ لأن الله يقول: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠] فنار المشركين وعذابهم فيها إلى أبد الآبدين ولا نهاية لذلك، وهذه كلمة لا ينبغي أن يغتر بها المسلمون الذين يقدرون علم الشيخين ابن تيمية وابن قيم الجوزية وبخاصة حينما وجدنا هذه الكلمة التي تدفع الإشكال والشبهة من أنه يفرق بين نار العصاة وبين نار المشركين، فنار العصاة هي التي تفنى، أما نار المشركين فهي تبقى كما يبقى نعيم المؤمنين. السائل: إذاً: هذا القول صواب بأن نار العصاة الموحدين تفنى؟ الشيخ: نعم، ولابد؛ لأنه لا يخلد في النار موحد أبداً.

стр. 91

حكم سؤال الجن عن أمور الغيب السؤال ما حكم سؤال الجن عن أمور الغيب النسبي؟ الجواب لا نرى التوجه إلى الجن في أسئلة تتعلق بأمور غيبية؛ لأن ذلك من بواعث ضلال البشر، والله ذكر في القرآن الكريم شيئاً من ضلال المشركين السابقين، حيث قال رب العالمين ﵎ حكاية عن الجن الذين جاءوا إلى النبي ﷺ وآمنوا به، فقد كان من قولهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] . الاستعانة بالجن في معرفة الغيب هو كما يقول بعض المتقدمين حينما يستنكرون استغاثة المخلوق بالمخلوق: إنه كاستغاثة السجين بالسجين، فاستعانة البشر بالجن على معرفة الغيب، هذا كاستعانة البشر بالبشر، فإن الجنسين من الإنس والجن يشتركان في عدم معرفة الغيب، أما حينما يكون المقصود بالغيب هو أمر واقع ولكنه غائبٌ عن البشر بسبب أن طاقاتهم وقدراتهم محدودة، وطاقات الجن أوسع، فكذلك نقول: لا ينبغي؛ لأن الأمر مع الاستمرار في الاستعانة بهم سيتوسع، ويتسع الخرق على الراقع، فيقع الناس في الإشراك بالله في شرك الصفات؛ لأنكم تعلمون جميعاً أن الله واحدٌ في ذاته واحدٌ في عبادته واحدٌ في صفاته، فلا يشاركه أحد من المخلوقات مطلقاً في معرفة الغيب، كما قال ﵎: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦-٢٧] فالأنبياء والرسل أنفسهم لا يعلمون الغيب، ولكن الله بطريق الإيحاء إليهم يعلمهم عن بعض المغيبات، ولا نبي بعد نبينا ﵌؛ لذلك فطريق معرفة الغيب طريق مسدود؛ سواء كان من الغيب الذي لم يقع أو من الغيب الذي وقع، وهو غير داخل في طوق البشر، فالاستعانة بالجن في هذا النوع بلا شك مزلة وضلالة، وقد يؤدي -كما قلت آنفاً- إلى الإشراك بالله . ولعلَّ من الشواهد الحديثة ما بلغنا عن بلدكم خاصة الكويت: أن هناك شيخاً يدعي العلم بالغيب، ومن ذلك أنه أمر أتباعه بأن يهاجروا من الكويت إلى الأردن هنا، وأنه سيقع في الأردن ثلج وبرد شديد، ولذلك أمرهم بأن يشتروا البطانيات وأشياء للتدفئة، وبالعكس أنه ستكون هناك في الكويت -لا سمح الله- نار شديدة، أو ما شابه ذلك من الدعاوى الباطلة هل من شيء من ذلك عندكم؟ السائل: جاءتنا أخبار من ذلك -يا شيخ- أنه في سوريا وآخر بـ مصر من الصوفية. الشيخ: لكن أتباعهم هنا يقولون أن شيخهم في الكويت. السائل: صحيح؛ لهم أتباع موزعون رحلوا إلى الكويت، ويوم الأحد الماضي أعلنوا في الجرائد أنهم كانوا البارحة ينتظرون الجميع، وكان الشيخ موجوداً في سوريا وآخر في مصر أعلنوا لأتباعهم أن القيامة ستقوم؛ فخرجوا من المدارس -وهذه حقيقة- فأفراد منهم باعوا أراضيهم ورحلوا. الشيخ: جاء كثير منهم إلى هنا. مداخلة: مقر شيخ الطريقة في الكويت فريد حمدان، وابنه وأخوه هنا. السائل: في كثير من الصحف يوم الأحد والإثنين الماضيين أن شيخهم في سوريا وآخر بـ مصر الشيخ: يجوز على كل حال أن يكون هناك تنقلات أو تفضيلات. الشاهد: أن فتح باب الاتصال بالجن يورث البشر في الوقوع في الضلال المنهي عنه.

стр. 92

حكم التعبيد لغير الله في الأسماء السؤال ما الفهم الصحيح لقول النبي ﷺ : (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) مع نهي النبي ﷺ عن التعبيد لغير الله ؟ الجواب ليس في هذا الكلام الذي صح عن الرسول ﵇ أي تعارض بينه وبين نهيه أو أمره المستفاد منه النهي عن التعبيد لغير الله؛ ذلك لأنه هو ينتسب إلى جده عبد المطلب، حيث أن هذا هو اسمه العلم المعروف عند الناس، فهو لم ينشئ اسماً عَبَّدَ فيه شخصاً لغير الله ، وإنما عَرَّف الناس بأنه ابن عبد المطلب، فهو لا يستطيع أن يعرّف الناس بانتسابه إلى عبد المطلب إذا غيّر اسمه، وأنا أضرب لكم مثلاً: كثير من الشيعة -كما تعلمون- يسمون بعبد الحسين وعبد الحسن، ونحو ذلك، فنحن نقول: قال عبد الحسين في كتاب المراجعات كذا وكذا، ونحن الذين نقرر في كتبنا بأنه لا يجوز التعبيد لغير الله ﵎، فلا يتبادر لذهن من يقرأ قولي: قال عبد الحسين في كتاب كذا، أنني عبدت إنساناً لغير الله ؛ لأنه كما يقول العلماء: ناقل الكفر أو حاكي الكفر ليس بكافر، فإذاً: هذا الحديث: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) لا يتعارض مطلقاً مع المعروف عن النبي ﷺ أنه يحرم التعبيد لغير الله ، فهو ناقل وليس بمؤسس.

стр. 93

علة اختيار رسول البريد الحسن الوجه السؤال ما الفهم الصحيح لقول النبي ﷺ : (إذا أبردتم إليَّ بريداً فابعثوه حسن الوجه) أو كما قال ﷺ ؟ وما الحكمة من اختيار الوجه الحسن؟ وهل لذلك علاقة بالتفاؤل أو التشاؤم؟ الجواب نعم. كون الرسول الذي يرسل بريداً وأحب الرسول ﵇ أن يكون حسن الوجه هو من باب التفاؤل، وليس معنى ذلك تفضيل من كان حسن الوجه عند الله على من كان قبيحه، وإنما هذا من باب التفاؤل، وكما قيل: (تفاءلوا بالخير تجدوه) . والتفاؤل أمر مرغوب فيه، بخلاف التشاؤم فهو من هذا القبيل، ولا يعني تفضيل حسن الوجه على قبيحه؛ لأن التفاضل عند الله ﵎ إنما يكون بالعلم النافع والعمل الصالح، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وما نطيل الآن لنخرج عن السؤال، فباختصار هذا جواب السؤال.

стр. 94

صفة العينين لله ﵎ السؤال هل يجوز وصف الرب بأن له عينين كما نُقل عن بعض السلف؟ الجواب أعتقد ذلك؛ لأن النصوص واضحة في ذلك بعد القرآن الكريم: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] وحكاية الرسول ﵇ قصة الدجال وخروجه في آخر الزمان، وقوله ﵊: (ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال، وإني محذركموه؛ إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور) وأشار ﵇ في بعض الروايات إلى عينه، وكون الرسول يصف الدجال بهذا العيب وهو العور يستلزم أن الله الذي نزهه عن العور أن له عينين، ومن هنا وأمثاله قال من قال من السلف: بأن له عينين، والآية التي ذكرناها آنفاً: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] هي بلا شك، وإن كان ليس المقصود (في أعيننا) كما يظن بعض المعطلة والمؤولة، وإنما أنت تحت مرآنا وتحت بصرنا وتحت عنايتنا، وإن كان هذا المعنى هو المقصود، لكن ذلك يستلزم إثبات هذه الصفة لله عز جل، فأنا أعتقد بما جاء به بعض السلف كما ذكرت. السائل: نقل عنك أنك التقيت في المرة الأخيرة مع بعض المشايخ وسئلت هذا السؤال فأجبت: بأن الله له عين، فهل هذا كذب أم خطأ؟ الشيخ: ما هو الفرق بين ما ذكرت الآن وما قيل لكم؟ السائل نفسه: بلغنا أنك تقول: إن لله سبحانه عيناً واحدة؟ الشيخ: الآن بكلمة (واحدة) ظهرت الكذبة؛ هذا كذب.

стр. 95

حكم التوسل بالنبي ﵌ السؤال ينقل عن الإمام أحمد أنه يجيز التوسل بالنبي ﷺ ، فما صحة ذلك؟ وما رأيكم؟ الجواب أما صحة ذلك على الطريقة الحديثية فلا نستطيع إثباتها، وليس كل قول ينقل عن إمام من أئمة المسلمين بإمكاننا أن نثبته على طريقة علماء الحديث، ولكن لا يسعنا إلا أن نعتمد على العلماء الذين سبقونا زمناً وعلماً، ولا يسعنا إلا أن نعتمد عليهم فيما ينقلونه من أقوال وروايات؛ حتى يتبين لنا خطؤهم في ذاك النقل، كون الإمام أحمد ﵀ أجاز التوسل بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أذكر أنني قرأت ذلك قديماً في رسالة التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فهو ينقل ذلك كقول عن الإمام أحمد، ومستنده في ذلك حديث الأعمى. وكما قلت آنفاً: ما دام أن ابن تيمية ينقل ذلك وهو موضع للثقة، والاعتماد عليه فيما ينقل، فنحن نقول بما نقل حتى يثبت عندنا ضعف ما نقل، هذا بالنسبة لجواب السؤال. لكني أريد أن أذكر شيئاً مهماً -في اعتقادي- بالنسبة لمثل هذا القول: لا ضرر علينا أن يثبت عن الإمام أحمد هذا القول أو لا يثبت، كلاهما بالنسبة إلينا سواء؛ ذلك لأننا لسنا أحمديين، وإنما كما سبق أن قلت آنفاً: نحن نقدر هؤلاء الأئمة ونجلهم ونستفيد من علمهم ومناهجهم، لكننا لا نُسَلِّم قيادة عقيدتنا وأركاننا لهم، إلا من تبين لنا أن الحق معه، فإذاً: إذا كان هذا النقل من ابن تيمية عن الإمام أحمد أنه كان يجيز ذلك، وأن دليله في ذلك هو حديث الأعمى، وحين دراسة حديث الأعمى يتبين أنه لا يفيد التوسل بالنبي ﷺ ، بعد موته؛ لأن الأعمى إنما توسل بدعاء النبي ﷺ كما هو مشهور في نفس كتاب ابن تيمية المذكور آنفاً، وكما زدت بياناً في رسالتي التوسل أنواعه وأحكامه، وحديث الأعمى كله يدور على التوسل بجاه النبي ﷺ ، فإذاً: لا يجوز لنا أن نقول بأنه يجوز التوسل الآن بالرسول؛ لأنه لا يمكن أن نبلغه ما الذي نحن نريد منه أن يدعو لنا ربه، ولا نحن نستطيع إذا هو دعا -مثلاً- في حالة البرزخ أن نعرف أنه دعا، فالقضية في حديث الأعمى لها علاقة بحياته ﵇، ولا علاقة لها بوفاته.

стр. 96

نقل الذهبي الثناء على بعض الصالحين وأنه يتوسل بهم السؤال ما هو توجيهكم لكلام الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء عندما ترجم لبعض الصالحين، ونقل عن حال قبورهم أنه يتوسل بها، وأنها ترياق، ولم يتعقب ذلك؟ الجواب لعل هذا كان قبل أن ينضج في علم العقيدة والتوحيد، ممكن أن يكون الأمر كذلك، وممكن أن يكون من سرعة الكتابة والتأليف ألا يتنبه للمحذور الذي يترتب من حكاية الواقع، والجواب أيضاً كما قلنا مما قيل عن أحمد، أيضاً نقول عن الإمام الذهبي.

стр. 97

تفسير قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ... ) السؤال ما تأويل الآية الكريمة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ [البقرة:١٠٢] ؟ الجواب لا شك أن الآية فيها خلاف عند علماء التفسير، لكن الذي ترجح لدي أنا شخصياً بأن (ما) في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢] ليست نافية، بل هي موصولة، أي: إن الله أنزل الملكين ليعلموا الناس السحر، حيث كان السحر انتشر في ذلك الزمان، واختلط أمره ببعض المعجزات، التي كان يأتي بها بعض الأنبياء كمثل قصة السحرة مع موسى ﵊، حيث أراد فرعون على يدي السحرة أن يضلل الشعب عن دعوة موسى إلى الحق؛ لأن ما جاء به إنما هو السحر، ثم كما نعلم أن الله قضى على عمل السحرة وأسلموا وآمنوا بالله رب العالمين، فكان علمهم بالسحر سبباً لهم ليميزوا بين ما كان خيالاً وسحراً وبين ما كان حقيقة، ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء:٤٥] هذه حقيقة آمن بها السحرة قبل الناس كلهم؛ لأنهم يعرفون من علمهم بالسحر أنه تمويه وتضليل لا حقيقة له؛ لكنهم حينما فوجئوا بمعجزة موسى ﵇ ظهر لهم الفرق بين الحقيقة وبين السحر: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٤٧] . فحكمة الله اقتضت أن ينزل الملكان: هاروت وماروت؛ لكي يعلموا الناس السحر لا للسحر، وإنما ليتمكنوا به من تمييز السحر الذي كان يتخذه كثير من الدجالين يومئذٍ للتمويه على الناس واستعبادهم، كما جاء في قصة الغلام والساحر، ولعلكم تذكرون قصته، وخلاصتها ولابد من هذه الخلاصة: أن ملك ذلك الزمان الذي هو صاحب الأخدود المذكور في القرآن، كان يستغل ساحراً لكي يستعبد الناس، ولما شعر الساحر أنه قد أسنَّ وشاب وكبر قال له: اختر لي غلاماً من الشعب حتى يكون عوناً لك من بعدي، لماذا؟ لكي يظل مستمراً في استعباده للشعب بالسحر، هكذا كان الملوك في الزمن القديم يستغلون الناس بالسحر، فالله أرسل الملكين ليعلما الناس كلهم، وليس كما فعل ساحر الملك ملك الأخدود حيث قال له: اختر لي غلاماً، لا يناسبه أن ينشر علم السحر بين الناس كلهم؛ لأنهم سيعلمون أن الملك يضلل عليهم بالسحر الذي هم عرفوه. فاقتضت حكمة الله أن يرسل الملكين ليعلموا الناس السحر؛ لكي يفرقوا بين السحر وبين المعجزة؛ ولأن السحر بلا شك أداة إفساد، قال في نفس سياق القصة: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] فهم جاءوا بتعليم السحر لغاية، لكن هذا التعليم قد ينقلب إلى فتنة؛ فيتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، وما يفرقون به بين المرء وزوجه. هذا الذي أراه في تفسير هذه الآية، والله أعلم.

стр. 98

السحر بين الحقيقة والتخييل السائل: سؤال آخر يتعلق -أيضاً- بالسحر. الشيخ: تفضل. السؤال ما حد قدرة الساحر؟ أي: هل يستطيع قلب الأشياء، كأن يقلب قطاً إلى كلب أو كذا؟ الجواب الساحر يستطيع التوهيم والتخييل؛ قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] أما في الحقيقة فلا، كما جاء في قصة الدجال في آخر الزمان أنه يقطع الشخص نصفين، ويرى الناس أنه فعلاً قطعه نصفين ثم يعيده، فبعد أن يعيده يسأله: هل آمنت بي؟ فيقول: ما ازددت إلا إيماناً بأنك الدجال الأكبر الذي أخبرنا به الرسول ﷺ . فالسحر في الغالب هو تخييل، لكن له تأثير، وهذا التأثير لا يُنْكِرْ الواقع، ومن ذلك قصة اليهودي لبيد بن الأعصم، حيث سحر الرسول ﵇، وظل الرسول ﷺ متأثراً بسحره في ضعفه في بدنه نحو ستة أشهر، مثل هذا التأثير ممكن، أما قلب الحقائق توهيماً وتخييلاً، وهذا النوع يستعمله الكثير من الذين يسمون بـ (الحُوّات) ، وهم مشعوذون، خاصة في مصر يوجد من هذا النوع الكثير، وكان بعض الناس يأتون منهم إلى دمشق ورأينا منهم العجب! يأخذ المائة ليرة ورقة ويشعلها أمام الناس ثم يعيدها كما كانت، والخاتم يسحبه من يدك وتراه في كف غيرك، وهكذا فإذاً: للسحر تأثيرٌ لكن لا يبلغ الأمر إلى قلب حقائق الحيوانات التي خلقها الله .

стр. 99

تفسير قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها ... ) السؤال قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨] فما هو تأويل هذه الآية؟ الجواب تأويلها كما جاء في الحديث: (مستقرها حين تطلع الشمس من مغربها) لكن الآية ليس لها علاقة بموضوع كروية الأرض، وهل هي ساكنة أم متحركة؟ فالآية خبر عن غيب سيقع فيما يأتي من الزمن. السائل: إذاً: المستقر وقته يوم القيامة، وحديث: (كل يوم تستأذن تحت العرش وتسجد) . الشيخ: هذا حديث صحيح، لكن ذهابها إلى تحت العرش لا يتعارض مع الحقائق الشرعية؛ لأنها هي دائماً تحت العرش، ولكن بالنسبة لبلد معين وهي المدينة، حيث كان الرسول ﵊ قد تكلم فيها عندما قال لـ أبي ذر: (أتدري أين تذهب؟) فأخبره الرسول ﵇ بأنها تذهب وتسجد تحت العرش حينما تغرب بالنسبة للمدينة، هذا هو المعنى الذي يزيل الإشكال، بأنها هي دائماً تغرب في كل لحظة عند بلد، لكن هذا المقصود غروباً خاصاً بـ المدينة المنورة، فسجودها -إذاً- هو في ذلك الوقت الذي يتناسب مع توقيت المدينة، وليس مع كل بلد في الدنيا. تابع للسؤال: هل يفهم من هذا الحديث توقف الشمس حال السجود؟ الجواب: ليس بالضروري؛ لأن الإنسان العاجز قد يسجد وهو ماشي، صح أو لا؟ نستحضر -الآن- صلاة الخوف لها صورتان: صلاة الخوف، وصلاة الخوف الشديد؛ صلاة الخوف الشديد ليس فيها ركوع وسجود كما هو المعهود، وإنما هو الإيماء بالرأس، فالمسلم يقاتل ويسايف الكافر وقد أدركه الوقت، فهو يصلي ويمشي إلى عدوه، هذا بالنسبة للإنسان، فما بالك بالنسبة لكوكب ربنا أعلم بحقيقته؟ فلا منافاة بين الأمرين.

стр. 100

تفسير قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) السؤال يقول الله : ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ما تأويل هذه الآية، فقد قرأت في أكثر من تفسير ولم أفهم تفسيرها؟ الجواب صراحة أنا الآن لا أستحضر جواباً عن هذا السؤال، الذي أذكره -الآن- أن في بعض الروايات أن السجل هو كاتب الرسول ﵇، فكما هو يطوي الكتاب فالله يطوي السماوات، لكن لا يوجد عندي شرح لهذا السؤال.

стр. 101

تفسير الورود في قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) السؤال قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] ما أصح الأقوال في تفسير الورود؟ الجواب أصح الأقوال هو الدخول، كما جاء في بعض النصوص الصحيحة، من ذلك ما جاء في صحيح مسلم من قوله ﵇: (لا يدخل النار أحد من أهل الشجرة. قالت حفصة: كيف ذلك يا رسول الله والله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] ؟ قال ﵇: اقرئي ما بعدها: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ) الشاهد من الحديث واضح جداً: حيث أن النبي ﷺ لما أخبر أنه لا يدخل النار أحد من أهل الحديبية أشكل الأمر على السيدة حفصة ﵂، والإشكال كان قائماً عندها بناءً على فهمها للآية السابقة على ظاهرها: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] أي: داخلها، فلم يلتقِِ فهمها للآية مع تصريح الرسول ﵇ بأن أهل الشجرة -أهل بيعة الرضوان- لا يدخل أحد منهم النار، فاختلف حديث الرسول ﵇ مع فهم السيدة حفصة للآية، وفهمها كان صحيحاً للشطر الأول منها؛ لأنها فهمت أن الآية تعني: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] أي: داخلها، إذاً كيف يمكن التوفيق بين هذا وبين قوله ﵇: (لا يدخل النار أحد من أهل الشجرة) . فنجد هنا أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقر السيدة حفصة على فهمها للورود بمعنى الدخول، لكنه أزال الإشكال عنها بتمام الآية: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] فإذاً: الدخول حقيقة لا بد من أن يقع بالنسبة لجميع الناس صالحيهم وطالحيهم، إلا أن هناك فرقاً جوهرياً بين الصالح والطالح، فالصالح يدخلها مروراً، أما الطالح فيدخلها سقوطاً وعذاباً. ويؤكد هذا المعنى -الذي هو واضح جداً من حديث حفصة ﵂ الحديث المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من مسلمين -أي: زوجين- يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا لن تمسهما النار إلا تحِلَّة القسم) القسم هي الآية السابقة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] فالرسول ﵇ يشهد في هذا الحديث أن من فضائل الزوجين الصابرين على قضاء الله ، الذي اصطفى إليه ثلاثة من أولاد الزوجين لم يبلغوا سن التكليف؛ إذا رضوا بذلك فلن تمسهما النار إلا تحلة القسم، أي: مروراً؛ كما هو في حديث السيدة حفصة ﵂، هذا هو القول الصحيح الذي لا ينبغي التردد في تَبَنِّيْهِ في تفسير الآية الكريمة. وهناك حديث صريح جداً لكن إسناده ضعيف، وإن كان رواه الحاكم في المستدرك -، فهو معروف بالتساهل في روايته في هذا الكتاب، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن رجلاً لقيه في الطريق، فقال له: حضرنا مجلساً فمررنا بهذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] فاختلف أهل المجلس في تفسيرها على ثلاثة أقوال، ولما سمع جابر منه ذلك، وهو يسأله عن معنى الآية باعتباره صحابي الرسول ما كان منه -هذا إن صحت الرواية- إلا أن وضع إصبعيه في أذنيه وقال: (صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: لا يبقى بر ولا فاجر إلا ويدخلها، ثم تكون برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم) هذا الحديث ضعيف المبنى، لكنه صحيح المعنى بشهادة الحديثين السابقين.

стр. 102

حكم تحية العَلَم والنشيد الوطني السؤال ما حكم الوقوف أمام العلم؟ وما حكم الكف عن الحركة والانتصاب للعلم عند النشيد الوطني؟ الجواب هذه -لا شك- من التقاليد الأوروبية الكافرة، وقد نهينا عن تقليدهم بمناهي عامة وخاصة، ولا يجوز لأي دولة مسلمة حقاً أن تتبنى شيئاً من تقاليد الكفار، لكن الأمر يعود إلى من كان له الخيرة في ألا يسمح بذلك، ولا شك أن الحاكم المسلم الذي ليس فوقه حاكم في الدنيا، هو الذي يستطيع أن يغير ويبدل هذه التقاليد والعادات الكافرة بتقاليد وعادات إسلامية، أما من كان موظفاً أو كان جندياً، ولا يستطيع إلا أن يتبع هذا النظام المنحرف عن الإسلام، فهذا يُظْهِرُ مراتبَ الناسِ، على حد قوله ﵇: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) فنحن نعلم أن مثل هذه المشاكل يقع الشيء الكثير منها في بعض البلاد الإسلامية؛ لأنها أمور -كما قلنا- تقاليد أجنبية. مثلاً: في بعض الدول العربية الإسلامية لا يسمح للجندي أن يلتحي، فالناس على هذه المراتب التي جاء ذكرها في الحديث، أكثر الناس اليوم عندما يدخلون الجندية يحلقون لحاهم هكذا النظام، وبعضهم لا يحلقها وإنما هم يحلقونها رغم أنفه، وبعض آخر -وهذا قليل جداً، وله أمثلة هنا في الأردن وفي سوريا - يصمد ويصبر ويلقى العذاب والسجن إلخ، ثم ينصره الله ، فتراه جندياً ملتحياً، بينما الألوف المؤلفة بدون لحى، فإذاً القضية لها علاقة بقوة الإيمان في المكلف، هذا الذي يكلف بأن يحييّ العَلَم هذه التحية غير الإسلامية بلا شك أنه يستطيع ألا يحيي، لكنه يعلم أن أمامه السجن والتعذيب، وربما أشياء أخرى لا نعرفها، فالمؤمن القوي الإيمان يصبر، ثم ما يكون بعد الصبر إلا النصر كما وعد الله المؤمنين، ولا يسع آخرين -لا يصبرون هذا الصبر- إلا أن يحيوا العلم وقلوبهم منكرة لهذه التحية، وهكذا يجب أن نعلم أن هذا منكر، وأن الذي يضطر إلى القيام به على الأقلَّ ينكره بقلبه؛ لأنه (ليس وراء ذلك ذرة من إيمان) كما هو معلوم في بعض روايات الحديث الصحيحة. السائل: وهل مجرد الانتصاب أمام العلم يخل بالتوحيد؟ الجواب: نعم، يخل بالإسلام والشريعة والآداب الإسلامية ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] هذا تعظيم أشبه بتعظيم الأصنام؛ لأن هذا العلم عبارة عن قطعة قماش، لكن هو التقليد الأوروبي الأعمى مع الأسف الشديد!!

стр. 103

العبرة بدخول وقت الصلاة هو العلم لا الأذان السؤال ما حكم صلاة الجماعة عندما لا يُسمع الأذان من المؤذن، ولكن يعلم عن طريق التلفاز، مثلاً نحن موجودون في هذه الجلسة نعلم عن طريق الراديو أو التلفاز أنه قد أذن لكنا لا نسمع أذان المسجد؟ الجواب المهم أن يكون المسلم على علم بحضور وقت الصلاة في المسجد، وبلا شك أن هنا أمرين اثنين ينبغي التنبيه عليهما: الأمر الأول: أنه ليس من الضروري أن يعلم ذلك بطريقة الأذان، فلو هو لم يسمع الأذان وقال له أهل بيته: أُذن للصلاة؛ فقد حصل ذلك. الأمر الثاني: لا يوجب العِلم -حتى ولو بالطريقة الشرعية أي: سمع الأذان بأذنه- الحضور عليه إلى المسجد؛ لأن حضور المسجد لا يجب على كل إنسان مكلف، فهناك قبل كل شيء أن المسجد يجب أن يكون قريباً؛ بحيث أنه يسمع أذانه بطريقة عادية طبيعية ليس بهذه الوسائل العصرية، فإذا كان المسجد بعيداً بحيث لا يمكن سماع أذانه السماع الطبيعي هذا ليس بالواجب عليه حضوره، ولو أنه سمعه بواسطة مكبر الصوت، لكن بلا شك أن الأفضل بالنسبة له أن يحضر، لكننا نقول: إن حضور الصلوات الخمس في المساجد الأصل فيها الوجوب، أي: أن صلاة الجماعة واجبة كالصلاة نفسها، فلا يجوز للمسلم أن يصلي الفريضة في بيته بدون عذر شرعي، فإذا كان المسجد قريباً من المكلف فعليه الحضور، لكن هناك أعذار معروفة أنه لا تجب عليك، كمن كان -مثلاً- مسافراً، أو كان مريضاً، لا يجب على هذا وذاك أن يصلي في المسجد، لكن يستحب في الوقت نفسه أن يصلي في المسجد ولو كان ذلك غير واجب عليه، كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود: [أن الرجل كان يهادى بين الرجل لشدة مرضه ويذهب به إلى المسجد] . هذا في بيان اهتمام السلف في أداء الصلاة في المسجد، لكن في هذه الحالة الصلاة ليست واجبة عليه في المسجد.

стр. 104

حكم صلاة الرجل حاسر الرأس السؤال ما حكم صلاة الرجل مكشوف الرأس؟ الجواب الذي أعتقده الكراهة؛ لأمور منها: أولاً: لأن كشف الرأس هو -أيضاً- من العادات والتقاليد التي تسربت إلى بلاد المسلمين بسبب ممارسة الكافرين لها في بلادنا، وهم أذاعوا عاداتهم وتقاليدهم فيها، وتأثر كثير من المسلمين في تلك البلاد بعد خروج الكافر منها ببعض عاداتهم ومنها حسر الرأس، وإن كانت البلاد تختلف في هذه العادة، فعادة حسر الرأس في سوريا والأردن ومصر أكثر بكثير من البلاد العربية الأخرى، كـ السعودية واليمن والكويت إلخ، فلما كانت هذه العادة ليست عادة إسلامية، فالمفروض أن المسلم يدخل في الصلاة في أحسن زينة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] والزينة هنا وإن كانت من حيث سبب نزول الآية تعني ستر العورة، لكن العبرة بعموم اللفظ ولا بخصوص السبب. وثانياً: قد جاء في السنة الصحيحة ما يؤيد هذا العموم من الآية ألا وهو قوله ﵊: (من كان له إزار ورداء فليتزر وليرتد، فإن الله أحق أن يتزين له) ففي هذا الحديث أن المسلم يؤمر أن يدخل الصلاة في أكمل حالة، في الوقت الذي سئل الرسول ﵊: (أيصلي الرجل في ثوب واحد؟ فقال ﵊: أوكلكم يجد ثوبين؟) هذا الحديث يفيد جواز الصلاة في ثوب واحد، وهو الإزار الذي يستر العورة، لكن أيضاً يلمح ويشير إلى أن من يجد ثوبين لا ينبغي له أن يصلي في ثوب واحد، مقتصراً بهذا الثوب على ستر العورة المعروفة أنها عورة في الصلاة وخارج الصلاة؛ بل عليه أن يستر العورة المتعلقة بالصلاة إذا صح تعبيري، وذلك بقوله ﵊: (لا يصلين أحدكم وليس على عاتقيه من ثوبه شيء) ولذلك صرح الإمام أحمد أن من صلى مكشوف المنكبين فصلاته باطلة، وهذا حق ندين الله به، لهذا الحديث الصحيح: (لا يصلين أحدكم -نهي عن الصلاة- وليس على عاتقيه من ثوبه شيء) . وإذا ثبت عموم الأمر بالتزين للصلاة، وثبت أن من عادات المسلمين ستر الرأس وليس الحسر؛ فحينئذٍ نعتقد أن الصلاة بحسر الرأس مكروهة، لا لأن هناك نهياً خاصاً، وإنما لأن فيه مخالفة للعادات التي جرى عليها المسلمون. ويعجبني بهذه المناسبة وهو نهاية الجواب، ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في حجاب المرأة ولباسها في الصلاة، رسالة صغيرة لعلكم وقفتم عليها، ذكر هناك رواية أن ابن عمر ﵄ رأى مولاه نافعاً يصلي حاسر الرأس، فقال له: [أرأيت لو أنك ذهبت لمقابلة أحد هؤلاء الأمراء أكنت تقابله وأنت حاسر الرأس؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يتزين له]

стр. 105

منهج الشيخ الألباني في التأليف في الفقه السؤال نرى في بعض مؤلفات الشيخ حفظه الله الفقهية عدم التركيز على التقسيم الذي كان يسير عليه الفقهاء من قبل، أي: من جهة تقسيم العبادة إلى شروط وأركان وسنن، فهل للشيخ سياسة خاصة في ذلك؟ الجواب لا، أنا ما نهجت هذا المنهج؛ لأن هذه الأمور فيها خلاف كثير وكثير جداً، ولا يتحمله التأليف الذي أنا جريت عليه إلا في كتاب كنت ولجت فيه ثم صُرِفْتُ عنه، وهو -الذي لا بد أنكم سمعتم باسمه- الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب، هذا الكتاب كان على هذا النهج، أي: من العناية بالتمييز بين ما هو شرط وما هو ركن وما هو فرض. إلخ؛ لأن تمييز هذه الأمور بعضها من بعض يحتاج إلى بحث موسع جداً، ولذلك فأنا لا أسلك هذا؛ لأن مجاله كان في ذلك الكتاب الذي لم يُيَسَّرْ لي متابعة العمل فيه.

стр. 106

التثويب في أذان الفجر السؤال اختلف اثنان من الإخوة في مسألة التثويب في أذان الفجر، هل هو في الأول أم في الثاني، واستدلَّ على أنه في الأذان الأول بحديث: (إن بلالاً يؤذن بليل) واستُدِلّ على أنه في الأذان الثاني بحديث ابن أم مكتوم: (إن ابن مكتوم يؤذن بليل) فما رأيكم؟ وكذلك بالنسبة للأذان الأول هل هو خاص برمضان أم هو عام؟ الجواب التثويب -بلا شك- هو في الأذان الأول، وهو عام بالنسبة لأيام السنة كلها، أما كونه جاء في الحديث ذكر بلال في الأذان الأول، وفي رواية أخرى ذكر ابن أم مكتوم، فذلك باختلاف الأحوال، تارة كانت وظيفة بلال الأذان الأول، وبالعكس الأذان الثاني لـ ابن أم مكتوم، وتارة كان الأمر خلاف ذلك، الأذان الأول لـ ابن أم مكتوم والأذان الثاني لـ بلال هذا هو الذي جمع به علماء الحديث بين الحديثين، لكن هذا الاختلاف في كون الأذان الأول يؤذن فلان والأذان الثاني فلان، هذا لا يغير من حقيقة السنة التي هي: أن جملة (الصلاة خير من النوم) هي خاصة بالأذان الأول؛ لأن هذا صريح في حديث ابن عمر الذي رواه النسائي وغيره (أنه كان في الأذان الأول زيادة: الصلاة خير من النوم) وكذلك في حديث أبي محذورة، هذا هو الثابت في الأذان الأول لا خلاف في ذلك إطلاقاً. أما اختلاف المؤذن في الأذان الأول عن الثاني والعكس بالعكس، فلا يغير من حقيقة هذه السنة شيئاً. السائل: الأذان الأول هل هو خاص برمضان أم هو عام؟ الشيخ: أجبت عنه أنه عام في كل أيام السنة.

стр. 107

السبب في عدم رد الشيخ الألباني على الكتب المؤلفة ضده السؤال ظهرت بعض الكتب ترد وتغالط الشيخ حفظه الله ولم يرد الشيخ عليها، فما السبب؟ مثل الكتاب الأخير الذي خرج وهو قديم، وهو (تنبيه المسلم) وبعض الكتب؟ الجواب أولاً -يا أخي- ليس في الإمكان أنه كلما توجه ناقد ينقدني بحق أو بباطل، بعلم أو بجهل؛ أن أتفرغ له، هذا أمر غير طبيعي إطلاقاً، وبخاصة وأنا أشعر بأنني أشرفت على حافة القبر، (فمهما طال العمر فلا أستطيع أن أتدارك ما أنا في صدده منذ نعومة أظفاري) كما يقال. لكن مع ذلك أحاول أن أقتنص الفرص، وأن أرد على بعض هؤلاء حينما تأتي المناسبة، وأجدها فرصة لا بد من الرد، ومن ذلك هذا الرجل في تنبيه المسلم، اغتنمتها فرصة في كتابي آداب الزفاف، حيث سيطبع الآن طبعة جديدة، وفيها زوائد عديدة، فكتبت مقدمة فيها شيء من الطول؛ لأنني رددت على هذا الإنسان في بعض ما انحرف قلمه عن الصواب في هذا الكتاب، وأشرت إلى منهجه، وأنه قائم على الجهل بهذا العلم، ورددت عليه بعض الأجزاء التي انتقدني فيها، وبخاصة حديث يتعلق بآداب الزفاف، وهو مما كنت أشرت إلى أنه ضعيف مع كونه في صحيح مسلم، وهو كان مما انتقدني في هذا الحديث، فانتهزتها فرصة ورددت عليه، وسترون ذلك -إن شاء الله- قريباً، هذا المقدار هو الذي أستطيع أن أقوم به، أما أن أتوجه إلى رد الكتاب كله فهذا لا يتيسر لي، ولعلَّ بعض إخواننا المقبلين على هذا العلم بنشاط وفراغ -لا أجده أنا- يقومون بهذا الواجب إن شاء الله.

стр. 108

حكم التحايل على القوانين الوضعية السؤال ما حكم التحايل على القوانين الوضعية، وخاصة في المعاملات التجارية للحصول على مصلحة خاصة لا يتأذى بها الغير؟ الجواب هذا سؤال لا يجوز الإجابة عليه بجواب عام؛ لأنه قد يكون الأمر متعلقاً بشيء من الخيانة، لكن إذا لم يكن هناك شيء من الخيانة، وكان فيه تحقيق مصلحة لا تخالف الشريعة، فحينئذٍ نقول: لا يوجد مانع، بشرط: أنه إذا كان ضامناً بألا يُكتشف عمله المخالف للقانون، فإذا اكتُشف مس الدين والشرع الذي يتمسك به فيشار إليه ويقال: هذا الذي فعل تلك الفعلة. ! مثلاً: قضية الجمارك والتهريب، هذه الجمارك هي بلا شك مكوس غير شرعية خاصة بين بلد إسلامي وبلد آخر، فكثيراً ما نُسأل: هل يجوز أن يهرب مسلم بضاعة ولا يدفع عليها مكوساً؟ نقول: إذا كان رجلاً يمثل التمسك بالدين وبالإسلام، ويخشى أن ينكشف فيهان الإسلام، فلا يجوز في هذه الحالة، أما إذا كان رجلاً عادياً وتعاطى وسائل تهريب، بحيث لو ألقي القبض عليه لا ينصرف ذهن القابضين عليه إلى الطعن في المتمسكين بالشريعة، في مثل هذه الحالة ممكن أن يُقال بجواز ذلك.

стр. 109

حكم إكثار المرأة من الخروج للدعوة السؤال تقوم بعض النسوة بالخروج لدعوة النساء، حيث يقمن بزيارتهن في بيوتهن ودعوتهن لدروس خاصة، وقد يكثر ذلك منهن، فهل يخالف ذلك ما أمرهن الله به من القرار في البيوت؛ لأنها تذهب وتتنقل، وخاصة عندنا -يا شيخ- مأذون للمرأة أن تسوق السيارة، فتذهب لهذه وتذهب لهذه فهل هذا مخالف؟ الجواب أعتقد أن هذا العمل أيضاً من مشاكل العصر الحاضر، ومن ذلك أننا أصبحنا اليوم نقول: إن هناك دعاة وداعيات، وهذه -بلا شك- من محدثات الأمور، فما ينبغي أن يكون هناك نساء يتسمين بالداعيات، لا بأس، بل هذا واجب أن يكون هناك نساء متعلمات العلم الشرعي، بحيث أنهن يُقصدن من النساء بسؤال؛ لأن كثيراً من النساء يتحرجن من أن يتوجهن بأسئلتهن الخاصة بهن إلى أفاضل العلماء، وإذا وجدت في النساء عالمات حقاً على الشرط الذي سبق بيانه آنفاً، أي: بالكتاب والسنة، فينبغي على النساء أن يأتينهن وليس هو العكس؛ لأننا نعتقد بحق قول من قال من أهل العلم: وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف. وقد وصل الأمر ببعض النساء هنا وربما في بلاد أخرى أنها تصعد المنبر في المسجد وتلقي الدروس على النساء، وقد يكون هناك في باحة المسجد رجال فاتتهم الصلاة مع الجماعة فيدخلون ويصلون، أنا -بلا شك- لا أتورع أن أقول: إن هذه من البدع، فالأمر -كما ذكرت في سؤالك- أن واجب المرأة أن تقر في بيتها، فإذا كانت مميزة على غيرها بالعلم بشرع الله فذلك لا يؤهلها أن تنطلق هكذا كالرجال، وتساويهم في الخروج، كأنَّ ربنا ما قال في كتابه الكريم: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] . فالأصل في المرأة ألا تخرج إلا لحاجة لا يمكنها أن تحققها إلا بالخروج، وهنا يظهر الأمر بين المرأة العالمة، فلا يجوز لها أن تخرج وتنطلق -كما يقولون- كداعية، وبين المرأة التي تريد أن تتعلم العلم فهي تخرج؛ لأنه يجوز لها أن تخرج إلى المسجد كما هو معلوم، وكما كان الأمر في عهد الرسول ﵊، مع العلم أن الرسول ﵇ قد قال لهن: (وبيوتهن خير لهن) ومع ذلك فقد أقرهن ﵊ في خروجهن إلى المساجد حتى في صلاة العشاء، وجاء النهي الصريح: (لا يمنعنَّ أحدكم زوجته أن تخرج لصلاة العشاء) وكانت المرأة تنصرف من صلاة الفجر كما جاء في صحيح مسلم (وهن متلفعات بمروطهن) . فإقرار الرسول ﵇ لخروج النساء لأداء الصلوات الخمس في المساجد مع بيان أن صلاتهن في بيوتهن خير لهن؛ ما ذلك إلا لأنهن كن يخرجن لطلب العلم، فإذا كان هناك امرأة تجلس في بيتها، ولا مانع من أن تحضر النساء إليها كل على حسب ظرفها وطاقتها إلخ، أما هي فلا تخرج خروج الرجال؛ لأن هذا من التشبه بالرجال.

стр. 110

حكم الأخذ بأقوال العلماء في تصحيح الحديث وتضعيفه السؤال هل يجوز لطالب العلم أن يكتفي بتصحيح أو تضعيف الحفاظ السابقين، مثلاً يقرأ للعراقي في تخريجه، فيقرأ أن العراقي قال في حديث ما: هذا الحديث صحيح، فهل يجوز له أن يكتفي بذلك، وهكذا الإمام أحمد وغيره؟ الجواب هذه المسألة تشبه التقليد في الفقه، فيكفي طالب العلم أن يسمع رأياً لإمام من الأئمة المتبوعين -ولا أعني الأربعة فقط، فهم أكثر بفضل الله ويعمل به، نقول: لا يمكن لكل طلاب العلم أن يكونوا في نسبة واحدة من التمكن في معرفة الحق مما اختلف فيه الناس، فحسب طالب العلم أن يحقق الآية الكريمة: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] ، فإذا كان هناك من أهل الذكر من الأحياء يسألهم ويتبنى جوابهم، أو ليس هناك عالم حي يسأله، فيعلم بأن أحد العلماء المُتَّبَعِيْنَ له رأي كذا فيتبعه، فهو سالم من المؤاخذة، ولو كان الرأي الذي تبناه من ذاك العالم خطأً في واقع الأمر؛ لأنه قام بما يجب عليه في الآية السابقة: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] . لكن هذا مشروط فيه شرط واحد، وهو: ألا يتبين له أن هذا الرأي خطأ. وهذا البيان قد يكون ببحث شخصي منه إذا كان عنده استعداد، أو بدلالة عالم آخر يثق به وبعلمه، المهم يجوز لطالب العلم أن يقلد العالم إذا لم يتبين له خطؤه، ولم يستطع هو أن يتبين أصواب كان أم خطأ. كذلك -تماماً- الجواب عن السؤال بالنسبة لطالب العلم، يجد إماماً من أئمة المسلمين وحافظاً من حفاظهم يصحح حديثاً أو يضعف آخر، فهذا يكفيه أن يتبع هذا المصحح أو المضعف بشرطين كما ذكرنا في المسألة الفقهية، والشرطان هما: الشرط الأول: ألا يعلم خطأه؛ لأن المقصود بهذا الشرط -سواءً في الحديث أو في الفقه- ألا يتبع هواه، فيقول: فلان أفتاني. وانتهى الأمر، وفي نفسه شيء، والرسول يقول: (استفت قلبك وإن أفتاك المفتون) هذا هو الشرط الأول، ألا يكون عالماً بأن هذا الرأي -سواءً في تصحيح حديث أو تضعيفه، أو في إباحة شيء أو تحريمه- خطأ. الشرط الثاني: ألا يستطيع هو التحقيق في صحة هذا الحديث أو ضعفه، فهذا أمر جائز؛ لأننا لا نستطيع أن نكلف الناس كلهم أن يصيروا مجتهدين وعلماء. السائل: متى يعلم المرء من نفسه أنه يستطيع أن يصل إلى القدرة على الحكم على الحديث؟ الشيخ: هذا سؤال مهم؛ يعلم ذلك حينما يعرض بحوثه وأقواله الشخصية على أهل العلم القدامى المسطرة أقوالهم في كتبهم، فيجد أن الغالب عليه أنه يوافقهم، هذا من جهة. من جهة أخرى: يجد أهل العلم يقدرون علمه واجتهاده، ولا يعتبرونه -كما قلنا آنفاً- غير مؤهل بَعْدُ لأن ينصب نفسه منصب المصحح والمضعف، بمعنى آخر: ينبغي أن يكون الإنسان بعيداً عن أن يغتر بعلمه، ومن طبيعة كثير من الناس ألا يروا عيبوهم ويرون عيوب الناس، ولذلك فيجب أن يستعين بغيره ممن هم عنده من أهل العلم، فيرى عيبه بواسطتهم، كما أشار إلى ذلك ﵊ بقوله في الحديث المعروف: (المؤمن مرآة أخيه) المؤمن حقاً هو يرى أخطاءه وعيوبه بواسطة غيره، وينبغي أن يستعين بأهل العلم؛ ليعرف هل صار أهلاً للبحث والاجتهاد أم لا؟! سواءً في التصحيح والتضعيف في العلم، أو في الإفتاء في المسائل الفقهية.
следующие страницы →