← Джавами‘

Джавами‘ · id 7682

دروس للشيخ الألباني

ناصر الدين الألباني

Полный текст (552 стр.). Показаны 526–552 · переход к 531.

стр. 526

حكم المسح على الخفين أكثر من المدة المحددة السؤال الرسول ﷺ أجاز للمسافر المسح ثلاثة أيام بلياليها وللمقيم يوماً وليلة، فإذا تعدى المقيم هذا اليوم ومسح فهل يجوز ذلك؟ الجواب لا يجوز، وإذا قلنا بالجواز فما هي فائدة التحديد؟ السائل: التحديد هذا هل هو للوجوب أم للسنية؟ الشيخ: نفس الجواب، ماذا كان الجواب السابق؟ لا يجوز، الآن عندما تقول أنت: هل هو للوجوب أم للسنية؟ ماذا يكون الجواب: يجوز أم لا يجوز؟ السائل: لا يجوز. الشيخ: هذا هو، الجواب تقدم، ولو أنك طورت السؤال، أما الجواب فهو هو، يعني: للوجوب وليس للسنية؛ لأنه لو قيل للسنية، معناها أنك مخير أن تمسح ما شئت، كما هو القول في مذهب الإمام مالك.

стр. 527

مدة المسح للمقيم السؤال ما معنى قول الصحابة عن الرسول ﵌: (وقت لنا المسح) هل إذا توضأت الصبح ومسحت الظهر أمسح يوماً وليلة وانتقض وضوئي -مثلاً- في المغرب، هل تعتبر هذه مسحة أم مسحتان؟ وكيف أعمل؟ الجواب متى يبدأ المسح؟ دعنا نضرب مثالاً: مع أذان الفجر مسح فله أن يمسح إلى قبيل أذان الفجر بلحظة، مسح المسحة قبيل أذان الفجر، فيصلي بهذا الوضوء ما شاء من الصلوات حتى ينتقض.

стр. 528

حكم العمليات الاستشهادية السؤال العمليات الاستشهادية التي تقوم بها بعض الحركات الإسلامية هل تجوز أم لا تجوز؟ الجواب لا تجوز.

стр. 529

حكم إخراج المبتلى بالحشرات من المسجد السؤال قياساً على إخراج آكل الثوم والبصل هل يخرج المبتلى بالحشرات في جسمه؟ الجواب كل مؤذٍ يُخرج، لكن من المخرج؟

стр. 530

حكم التلقيح الصناعي السؤال ما حكم التلقيح الصناعي بين الزوجين؟ الجواب لا يجوز، إلا إذا كان الزوجان طبيبين أو أحدهما على الأقل ويتعاطى أحدهما التلقيح بيده، أما التلقيح بين الزوجين على أيدي رجال أو نساء غرباء عنهما فهذا لا يجوز، فالقضية من حيث أنها تلقيح صناعي ليس فيها شيء إطلاقاً، كالتفقيس بالنسبة للدجاجة تماماً، لكن باعتبار ما قد يطرأ على هذا التلقيح من غش، ومن ضياع النسب، فمن هنا لا يجوز. ولذلك قلنا: إذا افترضنا أن الزوجين طبيبان أو أحدهما على الأقل، فأحدهما يسحب ماء الثاني ويعملون عملية التلقيح الصناعي إن كان فيها أمل، وإلا فلا تجوز. السائل: حتى لو عرف من صلاح الرجل القائم على هذا العمل؟ الشيخ: حتى لو عرف.

стр. 531

حكم الجوائز التي تضعها الشركات لتسويق منتجاتها السؤال شخص اشترى علبة دهان فربح سيارة، فما حكم هذه الجوائز؟ الجواب هذه فيها تفصيل بارك الله فيكم، وهي مشكلة قائمة في هذا الزمان، ولها صور كثيرة وكثيرة جداً، فيجب النظر في هذه الأمور التي تباع للجماهير، ثم يوضع في بعضها أوراق اليانصيب، حتى مرة فعلوا ذلك في قارورات البيبسي، فالجواب في هذه الصورة أو في تلك، أو في نوع آخر من الأمور التجارية، ينبني على معرفة ما إذا كانت هذه الجوائز صادرة من جيب التاجر، أو من جيوب المشتركين في شراء هذه المواد. مثال مصغر لتوضيح المسألة: لو فرضنا أن شركة البيبسي التي كانت تصدر هذا الشراب، كانت تبيع القارورة بسبعة قروش ونصف، فلما قررت أن تضع جائزة رفعت السعر من سبعة ونصف إلى ثمانية فضلاً عن عشرة ووضعت جائزة، هذه الصورة لو جمعناها، خاصة في زمن الكمبيوتر الحسيب الدقيق، مثلاً: مليون قارورة، زادوا بهذه المليون نصف، قرش أو اثنين ونصف فيشترون بهذا المجموع -مثلاً- دراجة نارية أو ما شابه ذلك، فوضعوا بمقدار الفرق الذي أضافوه وضعوا جوائز، إذاً هذا الفرق ليس من كيس الشركة أو من المعمل، إنما هو من كيس هؤلاء الذين اشتروا، فهذه القوارير هذا قمار وهو لا يجوز. أما إذا كانت الشركة دفعت قيمة الجوائز من جيبها والسعر هو هو سبعة ونصف، لكن ترويجاً وتشجيعاً للزبائن على شرائها وضعت هذه الجائزة، فهذه اسمها في الشرع جُعالة، فمثلاً إذا قلت لشخص: إذا أنت قطعت المسافة في ظرف كذا لك كذا، هذه جُعالة، فإذاً وضح الجواب. فعلبة الدهان التي ربح منها الرجل سيارة، هل تباع بسعر معين دائماً، أم رفعوا سعرها لأجل الجائزة؟ فإذا رفعوا سعرها فلا يجوز، وقس على المثال السابق. أنا ضربت مثالاً لكي يفهم الموضوع، فإذا كانت هناك بضاعة جديدة -مثلاً- ونظامهم أن يربحوا في المائة عشرة، فلما قرروا أن يجعلوا جائزة رفعوا سعر الربح وقالوا: بالمائة اثنا عشر ونصف، أو خمسة عشر، من أجل ماذا؟ من أجل أن يشتروا بالزيادة قيمة الجوائز، فهذا قمار لا يجوز، أنا لا أحكي عن حقائق وعلم، وإنما أصور لك متى يكون حلالاً ومتى يكون حراماً. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 532

الشدة عند السلفية كان الرفق سمة بارزة وخلقاً غالباً على النبي ﷺ ، لكنه أحياناً كان يستعمل الشدة لما تقتضيه الحكمة في الدعوة. وفي هذه الأيام نجد من كثير من المتساهلين في دينهم وصْفَهم للسلفيين جميعاً بالشدة، ولا يخفى ما في ذلك من مجازفة وعدم إنصاف. وقد أبان الشيخ ﵀ في هذه المادة أبعاد هذا الاتهام، موضحاً أن الحكمة تستلزم الرفق في الدعوة إلا لما تقتضيه المصلحة الشرعية، ومركزاً على العدل والإنصاف كأساس للتربية المثالية. وفي ختامها أثنى على ناصر العمر، مع بيان انحراف السقاف في عقيدته.

стр. 533

دعوى الشدة عند السلفيين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: السؤال فضيلة الشيخ! هناك سؤال في مجال الدعوة، يقول: الرفق والسماحة ولين الجانب من السنن الثابتة عن النبي ﷺ ، فهل توفر الرفق واستعماله واجب في الدعوة أم مستحب؟ الجواب واجب. السائل: السؤال له مغزى وله هدف. الشيخ: طبعاً؛ وراء الأكمة ما وراءها. السائل: السلفيون بشتى أصنافهم مشهورٌ عنهم -وقد يكون صحيحاً- الشدة في نشر الدعوة وقلة الرفق، فهل ترى أن هذا صحيحٌ -وهذا ما أراه أنا- وما هو تعليقك على ذلك؟ الشيخ: أولاً في كلامك ملاحظة، وهي قولك: وقد يكون صحيحاً. السائل: قلت: فهل تراه صحيحاً. الشيخ: أولاً: قلتَ: وقد يكون صحيحاً، أي: ما يقال عنهم من الشدة؟ السائل: معذرة. الشيخ: قلت هذا؟ السائل: نعم، وأرجو المعذرة. الشيخ: فهنا الملاحظة، نحن نلفت نظر إخواننا حينما يتكلمون بمثل هذا الكلام، نقول: هذا الكلام للسياسيين، وقد لا يعنونه، لكنه: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً فحينما يقول المتكلم في أمر ما: قد يكون كذا، فيقابله: قد لا يكون كذا، فهنا يَرِدُ على سؤالك أمران اثنان، وبعد ذلك نتابع الجواب: هل أنت متأكد من هذا الذي يقال: إن السلفيين لا لين عندهم وإنما الشدة هي نبراسهم أو هي منهجهم؟ وأنت فتحت لي باب هذا السؤال؛ لأنك قلت: وقد يكون صحيحاً! السائل: يا شيخ! أنا قلت: معذرة من قولي: قد يكون. الشيخ: هكذا؟ السائل: نعم. الشيخ: إذاً نسمع الكلام الصحيح، ما هو؟ السائل: هل أعيده؟ الشيخ: لا تُعده لأنه خطأ، وإلا من ماذا تعتذر، تعيد على الوجه الصحيح بدون (قدقدة) ، هل كلامي واضح؟ السائل: نعم. الشيخ: تفضل. السائل: السؤال من أوله. الشيخ: لا بأس، وهذا لك الخيار فيه. السائل: نحن قلنا -وأنت أجبت وهذا حاصل- أن الرفق، والسماحة، ولين الجانب، واجب في الدعوة، وأنا سؤالي عن الدعوة ليس عن الأمور الشخصية أو الحياتية، كما ذكرت أنه يجب توفر اللين والرفق في الدعوة والرفق بالناس المدعوين، فالسلفيون مشهور عنهم -فيما أراه أنا- الشدة وقلة الرفق في الدعوة، فهذا رأيي أنا، فما هو رأيك؟ الشيخ: أنت منهم؟ السائل: أرجو ذلك. الشيخ: أنت منهم، هل أنت سلفي؟ السائل: نعم. الشيخ: إذاً: هل أنت من هؤلاء السلفيين المتشددين؟ السائل: لا أزكي نفسي، أنا أقصد سمة بارزة لهم. الشيخ: القضية الآن ليست قضية تزكية، بل قضية بيان واقع، وقلنا: إنك الآن تثير هذا السؤال من أجل التناصح، فأنا عندما أسألك: هل أنت من هؤلاء المتشددين؟ ما يرد هنا موضوع (أنا لا أزكي نفسي) ، لأنك تريد أن تبين الواقع، بمعنى أنك لو سألتني هذا السؤال لقلت لك: أنا فيما أظن لست متشدداً، وأنا لا أعني أنني أزكي نفسي؛ لأني أخبر عن واقعي، ففكر في السؤال. السائل: نعم -يا شيخ- وجوابي مثل جوابك. الشيخ: إذاً: لا يصح أن نطلق أن السلفيين متشددون، والصواب أن نقول: بعضهم متشددون، فإذاً نقول: إن بعض السلفيين عنده أسلوب في الشدة، لكن تُرى هل هذه الصفة اختص بها السلفيون؟ السائل: لا. الشيخ: إذاً: ما الفائدة وما المغزى من مثل هذا السؤال؟ ثانياً: هل اللين الذي قلنا أنه واجب، هل هو واجب دائماً وأبداً؟ السائل: لا.

стр. 534

وجود بعض صور الشدة في حياة النبي ﷺ الشيخ: فإذاً أولاً: لا يجوز لك ولا لغيرك أن تصف طائفة من الناس بصفة تعممها على جميعهم. ثانياً: لا يجوز لك أن تطلق هذه الصفة على فرد من أفراد المسلمين، سواءً كان سلفياً أو خلفياً في حدود تعبيرنا، إلا في جزئية معينة، ما دمنا اتفقنا أن اللين ليس هو المشروع دائماً وأبداً، فنحن نجد الرسول ﷺ قد استعمل الشدة التي لو فعلها سلفي اليوم لكان الناس ينكرون عليه أشد الإنكار. مثلاً: لعلك تعرف قصة أبي السنابل بن بعكك. السائل: لا. الشيخ: امرأة مات عنها زوجها وهي حامل فوضعت، وكان قد بلغها عن رسول الله ﷺ أن الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها بوضعها للحمل، يقول في الحديث -وهو في صحيح البخاري - أنها بعد أن وضعت تشوفت للخطاب وتجملت وتكحلت، فرآها أبو السنابل -وكان قد خطبها لنفسه فأبت عليه- فقال لها: لا يحل لك إلا بعد أن تنقضي عدة الوفاة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام -وهي فيما يبدو أنها امرأة تهتم بدينها- فما كان منها إلا أن سارعت إلى النبي ﷺ فذكرت له ما قال لها أبو السنابل، فقال ﵇: (كذب أبو السنابل) هذه شدة أم لين؟ السائل: شدة. الشيخ: شدة ممن؟ من أبي اللين: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ، إذاً ليس مبدأ اللين بقاعدة مطردة كما ذكرنا آنفاً، وإنما ينبغي على المسلم أن يضع اللين في محله والشدة في محلها. وكذلك -مثلاً- ما جاء في مسند الإمام أحمد: (لما خطب ﵊ خطبة قام رجل من الصحابة وقال له: ما شاء الله وشئت يا رسول الله! قال: أجعلتني لله نداً؟! قل: ما شاء الله وحده) هذه شدة أم لين؟ السائل: أسلوب النبي ﷺ . الشيخ: هذه أنا أسميها حيدة؛ لأنك لم تجبني كما أجبتني من قبل، عندما قلت لك: إن أبا السنابل قال ﵊ في حقه: (كذب أبو السنابل) ، شدة أم لين؟ السائل: هذه شدة. الشيخ: وهذه الثانية؟ السائل: بيّن له فقط وقال: (أجعلتني لله نداً؟!) . الشيخ: هذه حيدة بارك الله فيك، أنا ما أسألك: بيّن أم لم يُبيّن؟ أنا أسألك: شدة أم لين؟ لماذا الآن اختلف منهجك في الجواب؟ من قبل ما قلتَ: بيّن له، لما قال له: كذب أبو السنابل، هو بين، ولكن هذا البيان كان بأسلوب هين لين -كما اتفقنا أنه القاعدة- أم كان فيه شدة؟ قلتها بكل صراحة: كان فيه شدة. فماذا تجيب به عن السؤال الثاني؟ السائل: السؤال الثاني لم يقل له: (كذب) ، وإنما قال له: (أجعلتني لله نداً) . الشيخ: الله أكبر! هذا أبلغ في الإنكار، بارك الله فيك، وهناك حديث آخر: (قام خطيب فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : بئس الخطيب أنت) شدة أم لين؟ السائل: شدة. الشيخ: المهم بارك الله فيك، هناك أسلوب لين، وأسلوب شدة، فالآن بعد أن اتفقنا أنه ليس هناك قاعدة مطردة باستمرار: لين دائماً أو شدة دائماً، إذاً تارة هكذا وهكذا.

стр. 535

أسباب وصف السلفيين بالشدة الآن: حينما يتهم السلفيون بعامة أنهم متشددون، ألا ترى أن السلفيين بالنسبة لبقية الطوائف والجماعات والأحزاب هم يهتمون بمعرفة الأحكام الشرعية وبدعوة الناس إليها أكثر من الآخرين؟ السائل: لا شك في ذلك. الشيخ: بارك الله فيك! إذاً بسبب هذا الاهتمام الذي فاق اهتمام الآخرين من هذه الحيثية، فإن الآخرين يعتبرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -ولو كان مقروناً باللين- شدة، بل بعضهم يقول: هذا ليس زمانه اليوم، بل بعضهم غلا وطغى وقال: البحث في التوحيد يفرق الصفوف اليوم. فإذاً: بارك الله فيك! الذي أريد أن أصل معك إليه هو: أن القضية نسبية، فهناك إنسان ليس متحمساً للدعوة -وخاصة للدخول في الفروع التي يسمونها القشور أو أموراً ثانوية- فهو يعتبر البحث ولو كان مقروناً بالأسلوب الحسن؛ يعتبره شدة في غير محلها. ولا ينبغي وأنت سلفي -مثلنا- أن تشيع بين الناس -ولو بين هؤلاء الناس القليلين الآن- وتذكر أن السلفيين متشددون؛ لأننا اتفقنا أن بعضهم متشدد، وهذا لا يخلو حتى من الصحابة، ففيهم اللين وفيهم المتشدد، ولعلك تعرف قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فهمَّ الصحابة بضربه، هذا لين أم شدة؟ السائل: شدة. الشيخ: لكن قال لهم الرسول: دعوه، فإذاً قد لا يستطيع أن ينجو من الشدة إلا القليل من الناس، لكن الحق هو أن الأصل في الدعوة أن تكون على الحكمة والموعظة الحسنة، ومن الحكمة أن تضع اللين في محله والشدة في محلها. أما أن نصف خير الطوائف الإسلامية، التي امتازت على كل الطوائف بحرصها على اتباع الكتاب والسنة، وعلى ما كان عليه السلف الصالح بالشدة، هكذا على الإطلاق؟ ما أظن هذا من الإنصاف في شيء، بل هو من السرف. أما أن يقال: فيهم من هو متشدد؛ فمن الذي يستطيع أن ينكر؟ ما دام أن من الصحابة من كان متشدداً في غير محل شدة، فأولى وأولى في الخلف من أمثالنا -خلف بالمعنى اللغوي- بأن يوجد فينا متشدد، ثم الآن نتكلم عن شخص بعينه، هب أنه هين لين، هل ينجو من استعمال الشدة في غير محلها؟ السائل: لا، أبداً. الشيخ: فإذاً: بارك الله فيك! القضية مفروغ منها، فإذا كان الأمر كذلك فما علينا إلا أن نتناصح، فإذا رأينا إنساناً وعظ ونصح وذكّر بالشدة في غير محلها ذكرناه، فقد يكون له وجهة نظر، فإن تذكر فجزاه الله خيراً، وإن كان له وجهة نظر سمعناها منه وينتهي الأمر.

стр. 536

الحكمة في الدعوة بين اللين والشدة السؤال كثير من السلفيين يستخدمون الشدة ولا يستخدمون اللين، فيستخدمون الشدة في غير موضعها، ولا يستخدمون الرفق في موضعه، وليسوا قليلاً، أنا أقول: كل الطوائف تفعل هذا، وأنا لا أقيس السلفيين على غيرهم من الطوائف الأخرى، فأنا لا يهمني أمر الطوائف الأخرى، بل يهمني أمر السلفيين، فكثير من السلفيين يصدون عن المنهج السلفي بأسلوب دعوتهم للناس، فأنا قصدت من السؤال أن توجه نصيحة لمن ابتلوا بالشدة وبضيق الصدر. الجواب بارك الله فيك، ويحتاج إلى واحد مثلي لكي يوجه النصيحة، والسلفيون وغير السلفيين يعلمون الآية التي ذكرناها آنفاً: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ، ويقرأ السلفيون أكثر من غيرهم حديث السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها: (حينما جاء ذلك اليهودي مسلِّماً على النبي ﷺ لاوياً لسانه قائلاً: السام عليكم، فسمعت السيدة عائشة هذا السلام الملوي فانتفضت وراء الحجاب حتى تكاد تنفلق فلقتين -كما جاء في الحديث غضباً- فكان جوابها: وعليك السام واللعنة والغضب, يا إخوة القردة والخنازير! أما الرسول فما زاد على قوله له: وعليك، ولما خرج اليهودي من عند الرسول ﵊ أنكر ﷺ عليها وقال لها: يا عائشة! ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه، قالت: يا رسول الله ألم تسمع ما قال؟ قال لها: ألم تسمعي ما قلته) . فإذاً السيدة عائشة التي ربيت منذ نعومة أظفارها في بيت النبوة والرسالة، ما وسعها إلا أن تستعمل الشدة مكان اللين، فماذا نقول في غيرها؟ السلفيون لم يربوا في بيت النبوة والرسالة، بل أنا أقول الآن كلمة ربما طرقت سمعك يوماً ما من بعض الأشرطة المسجلة من لساني: إن آفة العالم الإسلامي اليوم مقابل ما يقال في الصحوة الإسلامية، هو أن هذه الصحوة لم تقترن بالتربية الإسلامية، لا يوجد تربية إسلامية اليوم، ولذلك فأنا أعتقد أن أثر هذه الصحوة العلمية سيمضي زمناً طويلاً حتى تظهر آثارها التربوية في الجيل الناشئ الآن في حدود الصحوة الإسلامية، ففيها تصرفات وعثرات، لكن هؤلاء الأفراد يعيشون تحت رحمة الله ، ومنهم القريب ومنهم البعيد، ولذلك فمن الناحية الفكرية والعلمية، سوف لا تجد من يخاصمك ويخالفك في أن الأصل في الدعوة أن تكون باللين والموعظة الحسنة، لكن المهم التطبيق، والتطبيق هذا يحتاج إلى مرشد وإلى مربي يربي تحته عشرات من طلاب العلم، وهؤلاء يتخرجون على يد هذا المربي مربين لغيرهم، وهكذا تنتشر التربية الإسلامية رويداً رويداً، بتربية هؤلاء المرشدين لمن حولهم من التلامذة، وبلا شك أن الأمر كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] . ونسأل الله أن يجعلنا من الأمة الوسط لا إفراط ولا تفريط. السائل: جزاك الله خيراً يا شيخ. السؤال: أحياناً يلاقي السني ممن يقابله من أهل البدع عتواً واستكباراً، والأمر كما أمر الله موسى باللين مع فرعون قال له: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢] يوجد دكاترة في الكلية يستهزئون بنا عندما نقول لهم: قال الرسول، ويمثلون صلاة السلفيين وبعض التصرفات، فيخرج الإنسان عن طوره ويستعمل معهم الشدة، وأعجبني المثل الذي سمعته منك يا شيخ الذي يقول: (قال الحائط للوتد: لِمَ تشقني؟ قال: سل من يدقني) . وكذلك في إحدى المرات كنا نناقش بعض أفراد حزب التحرير -وكما لا يخفى عليكم هدفهم هو مسألة الخلافة، ونحن -بحمد لله- هدفنا أولاً العقيدة والتوحيد- فلما بدأنا معهم في البحث العلمي من الأساس -كما تعلمنا منكم- فجاءت مسألة الأسماء والصفات، فكان أحدهم ومن كبارهم يقول: نحن ننتظر طول الليل بإصبعه ورجله! يستهزئ بصفات الله . فماذا نقول لهذا؟ الشيخ: على كل حال، نسأل الله أن يؤتينا الحكمة وهي أن نضع كل شيء في محله. السائل: عمر لما قال له رجل: [استغفر لأخيك، قال: لا غفر الله له] . الشيخ: عندي أمثلة كثيرة جداً، يذكرنا الأخ أبو عبد الله بأثر عن عمر أن رجلاً قال له: [استغفر لأخيك، فقال: لا غفر الله له] ما رأيك في هذا؟ لا شك أنك لو رأيتني أقول هذه الكلمة لقلت: الشيخ متشدد، لكن هنا يكون في نفس المُنكِر الغيرة على الشريعة فتحمله أن يقسو في العبارة، بينما ذلك المتفرج لا توجد لديه هذه الغيرة التي ثارت في نفس هذا الإنسان فيخرج منه هذا الكلام. وهنا عندنا في سوريا يقولون: (شوها الشدة يا رسول الله؟) هذه لهجة سورية خاطئة، يخاطبون الرسول ﷺ ، وكأن الشدة صادرة منه ﷺ ، وهم يعنون هذا الإنسان.

стр. 537

وجوب العدل والإنصاف في تقييم الآخرين سبحان الله! المسألة ينبغي أن تراعى جوانبها من كل النواحي، حتى الإنسان يكون حكمه عدلاً، ثم أيضاً مما يبدو لي الآن أن من أسباب إشاعة هذه التهمة -إذا صح أنها تهمة- عن السلفيين، تعرف أنت أن من كثر كلامه كثر خطؤه. فالذين يتكلمون في المسائل الشرعية هم السلفيون، فلذلك لا بد أن يخطئوا لكثرة ما يتكلمون، فيتجلى خطؤهم، ومن هذا الخطأ الشدة عند الآخرين الذين هم لا يجولون ولا يخوضون في هذه القضايا، بينما لو نظرت هذه الشدة في عموم ما يصدر منهم من نصح على العدل وعلى الإنصاف واللين؛ لوجدنا من مثل بعض الأمثلة التي ذكرناها عن بعض السلف وأمام الرسول ﵇ فيها شدة، ولكن هذه الشدة لا تسوغ لنا أن ننسب هؤلاء الصحابة الذين وقعوا في الشدة في جزئية معينة أنهم كانوا متشددين، وإنما قد نقع -كما قلنا- أنا وأنت وغيرك في شيء من الشدة. السائل: كانت السمة البارزة عليه اللين والرفق، حتى وإن قال: كذب فلان، أو أجعلتني لله نداً وما شابهه. الشيخ: نعم.

стр. 538

رأي الشيخ الألباني في ناصر العمر السائل: علمت أن الشيخ ناصر العمر زاركم قريباً. الشيخ: نعم. السائل: فكيف كانت زيارة الشيخ؟ وما هو انطباعكم عن الشيخ ناصر العمر؟ الشيخ: ما شاء الله، نعم الرجل طالب علم قوي فيما يبدو لنا، ولا نزكي على الله أحداً، متجرد عن الهوى. السائل: الحمد لله. الشيخ: الحمد لله، وفيه خير كبير، ونسأل الله أن يكون كل طلاب العلم بهذا الخلق الإسلامي العالي.

стр. 539

السقاف وانحرافاته في العقيدة السائل: ما رأيكم في شريط ناصر العمر الذي رد فيه على المدعو السقاف؟ الشيخ: قام بواجب طيب، ونحن الآن نحاول أن ننشر هذا الشريط في هذا البلد. لأن هذا السقاف رجل مجرم كبير، وهو في اعتقادي أن وراءه أناساً، ليس هو وحده في الميدان، وهو جهمي جلد مُرٌّ، ويتلاعب بالسنة، يصحح منها ما يشاء وهو ضعيف، ويضعف منها ما يشاء وهو صحيح عند العلماء، وحسبك دليلاً على ذلك حديث الجارية: (أين الله؟) يقول: أنا أقطع بأن النبي ﷺ ، لم يقل هذا الحديث، وهو يعلم بل ويعزوه إلى صحيح مسلم، ومع ذلك فهو يقطع بأن هذا الحديث كذب على رسول الله ﷺ مع أنه يصححه كثير من العلماء الذين هو يركن إليهم فيما يتعلق بتأويل الصفات أو في تأويل بعض الصفات، كالإمام البيهقي مثلاً. فالإمام البيهقي -والحمد لله- هو من كبار علماء الحديث وإن كان فيه أشعرية، فهو من هؤلاء الذين صححوا هذا الحديث، فهو لا يبالي به أي مبالاة، فضلاً عن الحافظ ابن حجر أيضاً الذي صحح الحديث لا يبالي به، فهو يقول أنه يقطع بأن النبي ﷺ ما قال هذا الحديث. ويأتي بأحاديث بعضها صحيح، ليس فيها جملة (أين الله) ، فيضرب هذه الجملة بتلك الروايات التي ليس فيها هذه الجملة، مع أنه لا تَعَارُض، وأكثر الروايات التي يعتمد عليها لا تخلو من علة حديثية، ومع ذلك هو لا يبالي، وهو ينطلق فيما يرد على أهل السنة من القاعدة اليهودية الصهيونية التي تقول: (الغاية تبرر الوسيلة) ، هكذا.

стр. 540

اعتداءات السقاف في تعليقاته على كتاب دفع شبه التشبيه وما أدري وصلكم كتاب دفع شبهة التشبيه لـ ابن الجوزي بتعليق هذا الرجل الدجال؟ السائل: ما رأيته. الشيخ: هذه مصيبة المصائب، هذا وضع فيه مقدمة طويلة كلها رد على أهل السنة، ويسمي المثبتين للصفات وأنا في مقدمتهم بـ المجسمة، لمجرد أننا نثبت الصفات، وأظنك وقفت على كتابي: مختصر العلو للذهبي، وقفت عليه؟ السائل: نعم. الشيخ: والمقدمة التي تبلغ سبعين صفحة تقريباً كلها جمع بين الإثبات مع التنزيه، ومع ذلك كلما ذكرني جعل بين هلالين (المجسم) ، وهو يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك:١٦] أن اعتقاد أن الله في السماء عقيدة المشركين في الجاهلية، ومن هنا ينطلق ويضرب حديث الجارية بأنه موضوع، لأنه يحمل عقيدة المشركين، الجارية تقول: الله في السماء، هذا قول المشركين. السائل: ممن زار السقاف قبل مدة الشيخ نسيب الرفاعي، وبعد أن صلينا الجمعة في مسجدنا صلى الشيخ أحمد السالك، لأن الشيخ نسيب كان مريضاً، وإذا بـ السقاف أتى، وكنا قد سبقناه. الشيخ: جاء إلى من؟ السائل: إلى الشيخ نسيب. الشيخ: يأتيه باستمرار؟ السائل: لا. هذه ثاني مرة جاء، فقال له الشيخ نسيب: أنت تؤول الصفات وتنفيها، فما دليلك على هذا التأويل؟ فقال: دليلي أن البخاري أوَّل. الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله! السائل: فقال له الشيخ أحمد السالك: يا حسن! أتثبت لله ذاتاً، قال: نعم، قال: والصفات فرع عن الذات، فكما أن له ذاتاً ليست كالذوات، أي أن يده ليست كالأيدي، فقال: أنا ما جئت هنا للمناقشة. الشيخ: هذا دأبهم. السائل: ثم قال للشيخ نسيب: إن الشيخ ناصر يقول: إنك مشرك، فقال: له الشيخ نسيب: ومع ذلك فأنا معه ضدك، فجلس قليلاً ثم انصرف وما عاد بعدها. الشيخ: كذاب لا شك، أعوذ بالله! السائل: أنا تتبعت جميع رسائل السقاف ما عدا هذه، لا لمناقشة أقواله فقط، بل أرجع إلى المصادر التي ينقل منها وأقواله، فوجدت العجب العجاب في جميع رسائله التي طبعها! الشيخ: أحسنت. السائل: وهي مجموعة، وأعطيتها للشيخ علي حتى ينظر فيها. الشيخ: جزاك الله خيراً. السائل: فوجدت ضعفه في اللغة. الشيخ: حدث ولا حرج. السائل: فعجبت جداً! حتى في بعض رسائله وجدته ينقل إجماع أهل الحديث على أنه لا يجوز التصحيح ولا التضعيف إلا من قبل حافظ، ويقول: ومنهم الحافظ ابن حجر، والسيوطي. الشيخ: الله أكبر! الله أكبر! السائل: وهذه دعوى ما ادعاها أحد قبله. الشيخ: نعم هو دجال، الله أكبر عليه! الله أكبر عليه!

стр. 541

طعن السقاف في شيخ الإسلام ابن تيمية السائل: وفي بعض رسائله رأيته يدعي ويقول: إن سير أعلام النبلاء تطبع إلا المجلد الأخير الذي فيه ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: والله أعلم لماذا أخفوا هذا الكتاب. مع أن ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية نقلها ابن الوزير في العواصم، وعندي صورة من مخطوطتها لما حققه شعيب الأرنؤوط وفيها المدح لـ شيخ الإسلام. الشيخ: نقلها من السير؟ السائل: ابن الوزير يقول: ولقد أكثرت في هذا الجزء من النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية فهاك ترجمته من سير أعلام النبلاء، وساقها، وعندي صورة المخطوطة، وفيها الثناء القوي على ابن تيمية. الشيخ: هل تنوي أن تنشر هذه الحقائق عن الرجل هذا؟ السائل: ما نصحنا من باب عدم شهرة هذا الرجل، وعدم الرد عليهم أولى، وعدم متابعتهم، والقلب يميل إلى أنه لابد من إخراج شيء منه. سائل آخر: الفرق بين كتاب السقاف وغيره من الكتب التي تهاجم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: أنه يتأثر به حتى العامي الذي يقرأ الكتب، وحتى المثقف، والمهندس، حتى الكيميائي بخلاف الردود الأخرى، مثل ردود محمود ممدوح سعيد أو غيره فلا يستطيع أن يعرفها أو يتفاعل معها حتى كثير من طلبة العلم، فمن ههنا تكمن خطورة هذا الكتاب، وفي نفس الوقت أهمية الرد على هذا الكتاب برد موجز في رسالة قابله للانتشار من الرسائل الصغيرة التي بقدر الكف، فقط لإعطاء نماذج من تحريفاته ومن خزعبلاته، ويضاف ما لديه من شذوذ من تكفيره للألباني مثلاً وتكفيره لـ شيخ الإسلام وغيره. الشيخ: أنا أعتقد أن هذا المشروع الذي أشرت إليه مهم جداً. السائل: هلا ناقشته يا شيخ! فهو جاهل. الشيخ: مناقشته تحتاج إلى مجلدات، كم تريد أن تناقش لو كنت مناقشاً له؟ الله أكبر عليه! العجيب أنه نقل من تفسير البحر المحيط لـ أبي حيان في تفسير الآية السابقة: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك:١٦] تفسيراً عجيباً جداً، قال: إن ربنا يقول للمشركين: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء، أعوذ بالله! الله أكبر! شيء فظيع لا مثيل له في قلب الحقائق!! فتجد هنا في كتاب ابن الجوزي، وابن الجوزي مع الأسف انحرف عن المنهج السلفي في الصفات، فينقل عن بعض الحنابلة -والحقيقة أن عندهم شيئاً من الغلو في الإثبات- فـ السقاف هذا عندما يذكر ابن الجوزي رجلاً من هؤلاء الحنابلة يضع بين هلالين (المجسم فلان) كيف استجاز لنفسه أن يدسَّ في كتاب غيره، وليته ذكر في المقدمة أنه اصطلح هذا الاصطلاح، بل جعلها معمية كي يضل الناس.

стр. 542

طعنه في الشيخ الألباني السائل: يا شيخ! رأيت له كتاب: الشهاب الحارق في الرد على الألباني المارق، يذكر في أول الكتاب مقدمة زعفرانية كما يسميها -ما شاء الله! بلغ به العلم إلى كتابة مقدمة- فيورد عليك بعض الأسئلة وهي لغتها قوية، فوقع في نفسي أنها ليست من قوله، وبعد أن أكملها وبدأ ينشئ قال: (ونحن على ثقة) فخطر على بالي أن أراجع كتب المقامات، فراجعت مقامات الحريري وإذا بالمقامة نفسها التي كتبها الحريري وذكر بأنه ذهب إلى الحرم، وكان هناك شيخ متصدر للفتوى، وجاءه رجل يكني عنه الحريري أبا يزيد فقام له فتىً فتيق اللسان، وسأله أسئلة فقهية فيها ألغاز، فـ السقاف أوردها وجعلك أنت ذلك الشيخ، وهو الفتى السائل فصيح اللسان، وغيَّر المقامة. الشيخ: الله أكبر! السائل: حتى يوهم الناس أنها من مقاماته. الشيخ: الله المستعان. السائل: يا شيخ! وأنا عندما جلست عند الشيخ نسيب قلت له أنك تقول في كتابك: رفاعة أو شداد بن رفاعة القِتباني، فقال: إن الصواب الفتباني وهذا دليل على جهل الألباني أنه قال: القِتباني، فقلت له: أولاً: الشيخ ناصر العمر نقل من سنن ابن ماجة وفيها القِتباني. ثانياً: الحافظ ابن حجر يقول في التقريب: شداد بن رفاعة أو رفاعة بن شداد القِتباني، بكسر القاف، فهل الشيخ ناصر ملزم أن يتتبع كل الكتب حتى يتأكد أنها الفتباني أو القِتباني، وخاصة أن هناك نسبتين عند أهل الحديث، هناك الفتباني والقِتباني، فهو غير ملزم بعد قول الحافظ ابن حجر. قال: أعرف أن الحافظ ابن حجر قال هكذا. قلت: فكيف تدلس على الناس؟ قال: حتى أري الناس أن الألباني غير معصوم. الشيخ: ما شاء الله، مسكين يتتبع العثرات. السائل: وجاءه الشيخ أحمد السالك وقال له الشيخ نسيب: هذه مؤلفاتي انظر فيها، فالشيخ أحمد السالك مسك الكتاب وقال: تنشر هذه على الناس؟ قال: نعم، قال: هذا غلط إملائي وهذا غلط نحوي وهذا غلط؛ فاحمر وجهه واستحيا. الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 543

الرد على الأحباش الأحباش هم تلاميذ عبد الله الحبشي، وهم من الفرق التي تأخذ عقيدتها من علم الكلام القائم على العقل، فهم لا يعتمدون على فهم السلف الصالح للكتاب والسنة وإنما يعتمدون على عقولهم. وقد قام الشيخ الألباني ﵀ بالرد عليهم ودحض عقائدهم الباطلة في الله بأدلة الكتاب والسنة.

стр. 544

نعمة العقل واختلاف الناس فيه بعض الأحباش -تلاميذ عبد الله الحبشي - قاموا بمخاطبة بعض نساء هذا البلد عن طريق الفطرة، كأن يقولوا لهن: من خلق المكان؟ فيقلن: الله. فيقول هذا الحبشي: وهل يجوز أن الله هو خالق المكان أن يكون داخل هذا المكان؟ فتجيب المرأة: لا. فيقول لها: إذاً الله لا يحده شيء، لا هو في الأعلى ولا في الأسفل، ولا في الأمام ولا في الخلف، ولا في اليمين ولا في اليسار، وكذلك سائر الصفات، يقولون: إن اليد المتعارف عليها هي الجارحة المتعارف عليها بين البشر، وهذا محال أن يكون لخالق البشر وهو رب العباد، أفيدونا جزاكم الله خيراً. الجواب ليتها كانت طريقة فطرية! إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قبل أن أشرع في الإجابة عن هذا السؤال، أطمئن المسلمين جميعاً الحاضرين منهم والغائبين، الرجال منهم والنساء: بأن الله ﵎ منزه عن كل مكان؛ ذلك لأن المكان حينما يطلق فإنما يقصد به ما كان عدماً ثم خلقه الله ، فجعله مكاناً لمثل هذه المخلوقات المختلفة من إنس وجن وملائكة، ولكن هذه الكلمة التي تلقى من أولئك الناس، وهم معلومون عند أهل العلم بأنهم يحيون سنة سيئة من علم الكلام القائم على العقل، وليت هذا العقل كان عقلاً موحداً بين جميع الناس، بين المسلمين منهم والكافرين، وبين الصالحين من المسلمين والطالحين، ليت هذا العقل كان عقلاً موحداً؛ حتى يصح لكل عاقل أن يرجع في الحكم إليه! ولذلك كان من الحماقة بمكان عظيم أن يحكم هؤلاء المنتمون إلى الإسلام بإخلاص أو بغير إخلاص، فحسابهم على الله!! لكن لو كان العقل موحداً لكان لهم نوع من العذر أن يحكموا عقولهم، أما والعقول -أولاً- مختلفة -كما قلنا ولا أعيد التفصيل- بين صالح وطالح؛ فليس لهم عذر أن يحكموا عقولهم. والآن أقول فرقاً آخر: عقل العالم يختلف كل الاختلاف عن عقل الجاهل، ولا أقول: عقل عالم بالشرع، وإنما أقول: عقل عالم بأي علم، يختلف كل الاختلاف عن عقل آخر ليس بعالم ذاك العلم الذي عقله الرجل الأول -فمثلاً الطبيب العاقل لا يمكن أن يشاركه في عقله وفي علمه من لم يكن مشاركاً له في طبه، والعكس بالعكس تماماً، من كان عالماً -مثلاً- بالفيزياء أو الكيمياء لا يمكن أن يشاركه من كان عالماً بالطب.

стр. 545

الفرق بين العاقل العالم وبين العاقل الجاهل في فهم الكتاب والسنة وهكذا نقول في نهاية المطاف: لا يمكن أن يكون العاقل العالم بالكتاب والسنة كذاك العاقل الجاهل بالكتاب والسنة. والأمر أهم من هذا التقسيم وهذا التفصيل، العاقل العالم بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، لا يمكن أن يكون عقله كعقل ذلك الرجل الذي يتكئ على عقله في فهم الكتاب والسنة، ولا يرجع في فهمه إلى ما كان عليه السلف الصالح، فهنا إذاً في نهاية هذا التقسيم عالمان بالكتاب والسنة، لكن أحدهما يعتمد في فهمه للكتاب والسنة على الآثار السلفية، التي تعود -أولاً- إلى أصحاب الرسول ﷺ الأولين، ثم من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. هذا الذي يعتمد على الكتاب والسنة، وعلى المنهج السلفي، يختلف عقله كل الاختلاف عن ذاك الرجل الآخر الذي يعتمد على الكتاب والسنة ولكن يعتمد على فهمه إياهما وليس على فهم السلف لهما، هؤلاء الناس من علماء الكلام المحدثين، أو أولئك العلماء -علماء الكلام القدامى- الذين يحكمون عقولهم، وليت عقلهم كان معتمداً فقط على الكتاب والسنة! وليس كالفريق الأول الذي يعتمد على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح. لا أدري إذا كان هذا المكان يتطلب مني وقفة أرجو أن تكون قصيرة للتفريق بين الرجلين: الأول: الذي يعتمد على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح. والثاني: الذي يعتمد على الكتاب والسنة دون أن يلوي رأسه وعقله وفهمه إلى ما كان عليه سلفنا الصالح. لعل هذا لا يحتاج إلى التوضيح.

стр. 546

مسألة المكان وضلال الأحباش والمتكلمين فيها فإذا كان هذا التفريق واضحاً في أذهان إخواننا الحاضرين وأخواتنا الحاضرات، فأقول: هذه فلسفة نعرفها من أخزم -شنشنة نعرفها من أخزم- حينما يعتمدون على الكلام، ولا أقول على العقل بعد ذاك التفصيل، وإنما على عقلهم فقط يريدون أن ينزهوا الله عن المكان وهو منزه عن المكان بحكم قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فالله -كما نعلم جميعاً على اختلاف الفرق الإسلامية- كان الله ولا شيء معه، لم يكن ثمة زمان ولا مكان، ثم خلق الله المكان والزمان؛ فلذلك لا شك ولا ريب أن الله ليس في مكان، ولكن الذي يجب الانتباه له: أن تلك الكلمة الحبشية -إذا صحت هذه النسبة- كلمة حق أريد بها باطل، أي: قولهم: إن المكان مخلوق، ولا يُعقل أن يكون الله حالاً في مخلوق!! هذا كلام صحيح، لكنها كلمة حق أريد بها باطل، ما هو الباطل الذي يراد بهذه الكلمة؟ يريدون أن يعطلوا الله عن صفاته وعن أسمائه ﵎ المصرح بها في القرآن وفي السنة الصحيحة. فنحن نقول معهم بأن الله ليس في مكان، ولكن هل يقولون معنا كما قال الله في القرآن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ؟ هل يقولون معنا كما في الآية الكريمة: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ؟ هل يقولون معنا كما قال ربنا: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] ؟ الجواب -مع الأسف-: لا. إذاً تلك كلمة حق أريد بها باطل، والآن سيتضح لكم، ولكل من قد يكون تسربت إليهم أو إليهن شيء من شبه أولئك الأحباش، فنقول: إن الله قد وصف في هذه الآيات وفي غيرها، وفي أحاديث كثيرة وكثيرة جداً، أن له ﵎ صفة العلو، فلا جرم أن المصلي حينما يسجد يقول: سبحان ربي الأعلى، وأن من أدب التلاوة في صلاة الليل إذا قرأ الإمام: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] أن يقول المقتدون من ورائه: سبحان ربي الأعلى، ونحو ذلك من نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، قاطعة الدلالة على أن لله صفة العلو على المخلوقات كلها، هل هم يقولون مع قولهم: إن الله ليس في مكان، أن الله على العرش استوى؟ لا يقولون بذلك؛ والسبب يعود إلى أحد أمرين اثنين، والأمران كما يقال: أحلاهما مر؛ فإما أن يكون هذا الأمر يعود إلى انحراف في الفكر والعقل، وإلى نقص في العقل والفهم، وإما أن يكون القصد الهدم للإسلام من أقوى جوانبه، ألا وهو العقيدة المتعلقة بالله ﵎، وكما علمتم أحلاهما مر، سواءً كان قولهم هذا بأن ينكروا ما صرح الله في تلك الآيات والنصوص ما ذكرنا منها وما لم نذكر، بأن له صفة العلو. نحن سنقول الآن: الله ليس في مكانٍ خلقه بعد أن كان عدماً، هذه حقيقة لا شك ولا ريب فيها، لكن هل الله فوق المخلوقات كلها وهو ليس في مكان؟ لا تلازم -وهنا يظهر جهل هؤلاء أو كيدهم- لا تلازم إطلاقاً بين إثبات صفة العلو لله على المخلوقات كلها، وبين أن يكون هو في مكان؛ لأن المكان حينما يطلق إنما يراد به شيء كان مسبوقاً بالعدم ثم خلقه الله . إذاً: هؤلاء الذين يبدءون الكلام بالفلسفة الكلامية: المكان مخلوق أم ليس بمخلوق؟ نعم. هو مخلوق هل يليق بالله أن يكون في مكان خلقه؟ الجواب لا يليق، إذاً كيف يقال: إن الله في مكان؟ نقول: لا أحد من المسلمين يقول: إن الله في مكان، إلا المنحرفين عن الكتاب والسنة.

стр. 547

الفرق المنحرفة في إثبات المكان لله تعالى هناك طائفتان اثنتان: طائفة تثبت المكان لله ولعلكم تسمعون هذا الإثبات من ألسنة من ينتمون إلى أهل السنة والجماعة من بين أظهرنا، ولا نذهب بكم بعيداً عنا، فأحدنا في بعض المجالس طالما سمع بأذنيه قائلاً من المسلمين وليسوا من الأحباش يقول: الله في كل مكان، الله موجود في كل الوجود، هذه عقيدة ليست من عقائد المسلمين إطلاقاً، وإنما هي عقيدة طائفتين انحرفتا عن العقيدة الصحيحة التي ذكرنا آنفاً أنها من المقطوع بها في القرآن وفي السنة، وهي أن الله على العرش استوى. الطائفة الأولى: هم المعتزلة قديماً وحديثاً، المعتزلة القدامى يصرحون بأن الله في كل مكان، ومن هؤلاء الطوائف التي لا تعرف اليوم باسم المعتزلة، لكنهم يعرفون باسم آخر، وهم طائفة من الخوارج، الذين نعرف جميعاً شيئاً من تاريخهم ومن إسرافهم في كثير من العقائد الصحيحة، تلك الطائفة الموجودة اليوم هم المعروفون بـ الإباضية، وهم يتبنون عقيدة المعتزلة أن الله في كل مكان، ولا كلام لنا الآن مع هؤلاء؛ لأنكم قد عرفتم بأنهم مبطلون حينما يحشرون الله في كل مكان، لكن يجب أن تتنبهوا وأن تتذكروا أن هؤلاء الأحباش وأمثالهم حينما يلتقون مع بعض المسلمين أو المسلمات، ويشككونهم في عقيدتهم الصحيحة، وهي أن الله على العرش استوى، كيف؟ لا كيف -كما تعلمون- وهذا له بحث آخر، فبدل أن يعالجوا ما نسمع في مجالس أهل السنة والجماعة -كما يقولون اليوم أن الله موجود في كل مكان- بدل أن يعالجوا هذا الخطأ يعالجون عقيدة صحيحة باسم إنكار هذا الخطأ. المعتزلة قديماً ومن على شاكلتهم من الإباضية حديثاً، يصرحون بأن الله في كل مكان، وهذا ضلال ما بعده ضلال، ولعلنا نعرج لتفصيل شيء من هذا الضلال. أما الطائفة الأخرى فهم الذين يقولون: إن الله ليس في مكان مطلقاً، سواء كان المكان مكاناً وجودياً -أي: الذي كان عدماً ثم خلقه الله- أو كان مكاناً ذهنياً. كلنا يعلم -كما ذكرت لكم آنفاً- بأن الله كان ولا زمان ولا مكان، هل كان في مكان؟ إن كان المقصود بالمكان المكان المخلوق فحاشاه! فقد كان ولا شيء معه مطلقاً، لكنه كان، فكان في مكان، أما إن كان في هذا العدم الذي كونه فيما بعد، فجعل قسماً منه خلقاً بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧] فالله كان وهو من هذه الحيثية لا يزال كما كان، أي: ليس في مكان مخلوق، هذا واضح جداً. فالطائفة الأخرى ينكرون أن يكون الله كما كان في الأزل ليس في مكان، ولذلك فهم لا يثبتون له صفة العلو على المخلوقات كلها. هؤلاء لهم مقولة من أبطل ما يقوله كافر -لا أقول: مسلم- وهم الفرقة الثانية الذين يخالفون المعتزلة في ضلالهم، وقد عرفتم أن المعتزلة يقولون: إن الله في كل مكان، وهذا ضلال واضح ولا يحتاج إلى بيان إن شاء الله، على الأقل الآن أولئك الذين يقولون: الله ليس في مكان -كما تقول المعتزلة وكما تقول الأحباش- هؤلاء لا يقولون: إن الله له صفة العلو على المخلوقات كلها، لا يعلم كيفية ذلك إلا الله ، ماذا يقولون؟ يقولون وهذه عقيدة الأحباش، فأرجو ممن تمكنوا من الوسوسة إليهم أن يعرفوا حصيلة وسوستهم، ألا وهي جحد الخالق، والمصير إلى الإلحاد المطلق، كما هو مذهب الشيوعيين والدهريين والزنادقة والملاحدة، الذين يقولون: لا شيء إلا المادة، هؤلاء يصفون ربهم ويقولون: الله ﵎ لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه. نحن اتفقنا معهم أن المكان مخلوق وهو العالم، فالله ليس داخل العالم، ولكن ما بالهم يقولون أيضاً: ليس خارج العالم؟ هذا هو الإلحاد، وهذا هو الجحد المطلق. زاد بعضهم إغراقاً في التعطيل وفي النفي فقالوا -بعد أن قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه- قالوا: لا متصلاً به ولا منفصلاً عنه هذا هو الجحد، هذا هو الذي يقوله الدهريون جميعاً، ويعجبني -بهذه المناسبة- مناظرة وقعت بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً، وبين بعض علماء الكلام من أمثال الأحباش هؤلاء، الذين شكوا شيخ الإسلام ابن تيمية إلى حاكم البلد يومئذ في دمشق بأنه يقول كذا وكذا، ويجسم، ويتهمونه بما ليس فيه، وطلبوا عقد مجلس مناظرة معه؛ فاستجاب الأمير لذلك، ودعا شيخ الإسلام ابن تيمية والمخالفين له، فجلسوا أمام الأمير، فسمع الأمير دعوى هؤلاء المشايخ، وسمع من شيخ الإسلام الآيات والأحاديث التي تثبت لله صفة العلو على خلقه، مع التنزيه التام، كما صرح به القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فلما سمع كلام الشيخ من جهة وكلام أولئك العلماء من جهة أخرى؛ قال -وهذا يدل على عقل وذكاء ممتاز- قال: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم. هذه كلمة حق تقال لأناس يقولون عن ربهم باختصار: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، صدق ذلك الأمير حينما قال عن هؤلاء الأقوام: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم؛ لأننا إذا قلنا لأفصح رجل في اللغة العربية: صف لنا المعدوم الذي لا وجود له لما استطاع أن يصف بأكثر مما يصف هؤلاء معبودهم وربهم، فالمعدوم: الذي ليس داخل العالم ولا خارجه، فهل الله كذلك؟ حاشا لله! بل كان الله ولا شيء معه. لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يصف المجسمة الذين يشبهون الله ببعض مخلوقاته، وهؤلاء هم الذين يتستر من ورائهم الأحباش، فينكرون أن يكون لله -مثلاً- صفة اليد التي ذكرها في القرآن، والصفات الأخرى التي قد نتعرض لذكر شيء منها قريباً إن شاء الله. وصف ابن تيمية هؤلاء المجسمة بوصف دقيق جداً، كما أنه وصف المعطلة، وقرن الطائفتين وجمعهم في وصف يجمعهم الضلال قال: المجسم يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً. هذا هو الحق، المجسم يعبد صنماً، الله ليس جسماً، حاشا لله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] أما المعطل فيعبد عدماً، كيف؟ لا داخل العالم ولا خارجه، لا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، هذه هي عقيدة المعتزلة وعلماء الكلام ومنهم الأشاعرة اليوم، ومنهم بعض الماتريدية قديماً، وقد يكونون اليوم عامةً ماتريدية حيث لا يقولون بقولة الحق التي قالها بعض الماتريدية القدامى، الذين تمسكوا بهدي السلف الصالح، فقال قائلهم بحق: ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال أي: إن الله -كما قال- هو الغني عن العالمين، فالله استوى على العرش، أي: استوى على المخلوقات كلها، ليس لأنه بحاجة إليها، وإنما ليكون مهيمناً وقاهراً لكل مخلوقاته.

стр. 548

إثبات صفة العلو لله والرد على من أنكرها يأتي هنا أن نقول لهؤلاء الأحباش وأمثالهم من المنحرفين عن عقيدة السلف الصالح: إن الله فوق العرش، استعلى بنص القرآن الكريم وتفسير السلف الصالح، هأنتم تقولون: إن الله ليس في مكان، فهل يجوز للمسلم أن يقول: أين الله؟! هنا ينكشف البرقع عن هؤلاء المتسترين بتنزيه الله عن المكان المخلوق، لكننا نسألهم: هل الله في السماء؟ علماً بأن النبي ﷺ هو الذي سن لنا -نحن معشر المسلمين، المتبعين للكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح- هو الذي سن لنا أن نسأل من نشك في إيمانه بالله : أين الله؟ وبالتالي سن لنا الجواب أن نقول: الله في السماء، لكن هذا لا بد أنه بحاجة إلى شيء من البيان -أي: حينما نقول: الله في السماء- وهذا سأقوم به -إن شاء الله- بعد أن أذكر إخواننا وأخواتنا الحاضرات بحديث أخرجه الأئمة في كتبهم، واتفق علماء الحديث، وعلماء التفسير، وفقهاء الأئمة الأربعة وغيرهم على صحة الحديث التالي، وقد أخرجه من أهل الحديث الإمام مسلم في صحيحه، ومن قبله الإمام مالك في موطئه، ومن بعده الإمام أحمد في مسنده، وغيرهم كثير وكثير جداً ممن تبعوهم بإحسان، ذلك الحديث هو ما جاء بالسند الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه: (أنه صلى يوماً وراء النبي ﷺ ، فعطس رجل بجانبه فقال له وهو يصلي: يرحمك الله، فنظروا إليه بأطراف أعينهم مسكتين له) لكن يبدو أنه كان حديث عهد بالإسلام ومعرفة الأحكام المتعلقة بالصلاة؛ ولذلك فقد ضاق بهم ذرعاً حينما رآهم ينظرون إليه نظرة تسكيت له- (فقال رافعاً صوته: واثكل أمي! ما بالكم تنظرون إلي؟! فأخذوا ضرباً على أفخاذهم) أيضاً يتابعونه بالإسكات، فحينئذٍ كأنه تبين أنه على خطأ، فذكر من هديه ﵇ ولطفه معه قال: (فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة أقبل إلي، فوالله ما قهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، وإنما قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تسبيح وتكبير وتحميد) . ولما وجد الرجل هذا اللطف -وكل شيء من معدنه جميل، فهو الذي وصفه رب العالمين في القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] حينما وجد منه هذا اللطف في التعليم؛ طمع أن يزداد علماً بعد أن عرف أنه أخطأ في الصلاة وتكلم ولا يجوز له الكلام، فقال: (يا رسول الله! إن منا أقواماً يتطيرون. قال: فلا يصدنكم، قال: إن منا أقواماً يأتون الكهان. قال: فلا تأتوهم، قال: إن منا أقواماً يخطون بالرمل ... ) وضرب الرمل معروف، وهو إلى اليوم مع الأسف، فقال ﵊: (قد كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه خطه فذاك) والشاهد الآن يأتي، وما مضى يحتاج إلى محاضرة بل وأكثر من محاضرة، ولكن الشاهد هو ما سيأتي الآن (قال: يا رسول الله! لي جارية ترعى غنماً لي في أحد، فسطا الذئب يوماً على غنمي، وأنا رجل أغضب كما يغضب البشر، فصككتها صكة وعليَّ عتق رقبة. فقال ﵊: هاتها، فلما جاءت قال لها ﵊: أين الله؟ قالت: في السماء. قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال لسيدها: اعتقها فإنها مؤمنة) هذا الحديث اتفق علماء المسلمين على اختلاف تخصصاتهم؛ من علماء الحديث -وهذا تخصصهم- وعلماء التفسير، والفقه، والتوحيد، كلهم اتفقوا على تصحيح هذا الحديث، إلا علماء الكلام الذين يركبون رءوسهم ويتبعون أهواءهم، فهم الذين يردون هذا الحديث بعقولهم التي عرفتم أنها لا قيمة لها.

стр. 549

جواب الأحباش وغيرهم عن سؤال: أين الله ؟ هذا الحديث أجاز لنا أن نسأل الأحباش وأمثالهم من أذناب المعتزلة أو الإباضية: أين الله؟ فستراهم حيارى، والجيد منهم يقول: هذا سؤال لا يجوز. وهم يجهلون أن النبي ﷺ هو الذي سن هذا السؤال لأمته، فهم إذاً يردون على نبيهم الذي يزعمون أنهم يؤمنون به. قد لا تصدقون، لكن الكتاب موجود، وبعض العلماء في العصر الحاضر يقولون: إن القول بأن الله في السماء هي عقيدة الجاهلية وليست عقيدة المسلمين، وأن هذه الكلمة "إن الله في السماء" حكاها عنهم رب العالمين في القرآن الكريم من سورة تبارك: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٧] . وهناك قسم آخر أقرب إلى الهدى وأبعد عن ضلال القسم الأول الذين قالوا: إن القول بأن الله في السماء هو قول جاهلية، يتأولون هذه الآية بتأويل، فيقولون: (من في السماء) أي: الملائكة. وهذا من شؤم ما يسمونه بالمجاز، إنهم يسلكون طرق المجاز لتعطيل الصفات الإلهية، وتأتي هنا أحاديث كثيرة لإبطال مثل هذا التأويل، من ذلك: الحديث المتداول بين الناس اليوم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، بل لا يفقهون ما به يتكلمون، ذلك الحديث هو: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ، من في السماء؟ الله، ومن في الأرض؟ خلق الله؛ من إنسان، وحيوان، ودواب إلخ. هذا الحديث لأنه يوضح المعنى المقصود من قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وهذا الذي قلت آنفاً: ربما نعرج لبيان معنى (من في السماء) لأن (في) من حيث الاستعمال العربي تأتي في بعض الأحيان بمعنى الظرفية، وأحياناً تأتي بمعنى آخر من حروف الجر، فتأتي بمعنى على، فيا ترى (في) هنا في هذه الآية هل هي بالمعنى المعهود أي أنها ظرف؟ الجواب لا. ومن هنا يظن علماء الكلام أنهم إذا نفوا أن يكون الله في السماء أنهم نزهوه، وهم في الحقيقة نزهوه عن فهمهم الخطأ للآية، لكن قد أنكروا أن يقولوا كما قال الله "الله في السماء" فجهلوا معنى أن الله في السماء أنه على السماء، وفي هذه الحالة تلتقي معنا هذه الآية مفسرة بالحديث السابق: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) (من في الأرض) ليس المقصود من كان في جوف الأرض من ديدان وحشرات إلخ، وإنما المعنى واضح جداً: من على الأرض، من تتعاملون معهم من بني جنسكم من الإنس، أو مما ذلل الله لكم من الحيوانات، ارحموا من على الأرض يرحمكم من في السماء، أي: من على السماء. وحينئذ هذا التفسير الذي يوضحه هذا الحديث، يلتقي تماماً مع كل الآيات التي ذكرنا بعضها، وأحاديث أخرى أن الله له صفة العلو، فحينما نوجه السؤال إلى هؤلاء الأحباش، أو إلى غيرهم ممن هم على شاكلتهم في ضلالهم: أين الله؟ يجب أن يكون جوابهم كما قالت الجارية: الله في السماء. لكن ليس بمفهومهم "في" ظرفية، لا. وإنما بالمفهوم الذي وضحه الحديث أولاً، وكان عليه سلفنا الصالح ثانياً، ومعنى: (إن الله في السماء) أي: على السماء، فوق العرش؛ لأن كل ما علاك فهو سماء. فحينئذٍ تسد الطرق كلها أمام هؤلاء الأحباش الذين يظنون أولاً: أنه لا يجوز أن يسأل المسلم: أين الله؟ وثانياً: يظنون أنه لا يجوز أن يقول: الله في السماء، بعد أن تبين لهم أن النبي ﷺ هو الذي سن هذا السؤال أين الله؟ وهو الذي شهد لتلك الجارية بالإيمان؛ حينما نطقت بلفظ القرآن: الله في السماء.

стр. 550

الفرق بين الصحابة وبين عامة الناس اليوم في فهم العقيدة وهنا عبرة لا بد أن أذكرها، وهي: يتبين لنا الفرق بين الحياة التي كان يعيشها عامة المسلمين في عهد النبي ﷺ ، حتى الجارية راعية الغنم، وبين ما يعيشه اليوم عامة المسلمين وكثير من خاصتهم؛ لأن هذا السؤال لو وجه إلى كثير من الخاصة، وفيهم بعض كبار علماء الأزهر الذي يوصف فيقال: الأزهر الشريف، لو وجه إليهم هذا السؤال أين الله؟ لم يجيبوا بجواب الجارية ما هذه الفارقة بين كبار العلماء في العصر الحاضر لا يجيبون عن سؤال الرسول ﵇، بينما راعية الغنم تعرف الجواب الصحيح لهذا السؤال الوجيه؟ أقول: هذا دليل على أن المسلمين في العهد الأول ربوا جميعاً -لا فرق بين خاصتهم وعامتهم- ربوا جميعاً بتربية النبي ﷺ ، فيما يتعلق -على الأقل- بالعقيدة التي لا بد لكل مسلم أن يكون فاهماً لها أولاً، ثم مؤمناً بها. هذه الجارية كيف عرفت العقيدة الصحيحة؟ الجواب الجارية لا نتصور أنها كانت تتمكن أن تحضر حلقات العلم، التي كان يحضرها كبار أصحاب النبي ﷺ وخاصتهم، بينما الآخرون ما كانوا يحضرون جلسات الرسول ﵇، إذا كان عمر بن الخطاب ﵁ حينما سمع حديثاً من أبي هريرة ﵁ ندم فقال: [شغلنا الصفق في الأسواق] إذا كان هذا عمر فماذا نقول عن الصحابة الآخرين؟ وماذا نقول عن النساء؟ بل ماذا نقول أخيراً عن الجواري وعن راعية الغنم؟ أريد من هذه التوطئة: كيف فهمت هذه الجارية هذه العقيدة الصحيحة، التي إلى الآن لم يفهمها بعض الخاصة من أهل العلم؟ إنها كانت تعيش في جو موحد بالتوحيد الصحيح الذي لا مثيل له في الدنيا إطلاقاً؛ بسبب وجود النور بين ظهراني أولئك الصحابة من الرجال والنساء، من الخاصة والعامة، وهو الرسول ﵇، هذه الجارية تلقت هذه العقيدة من سيدها، فسيدها يسمع العقيدة الصحيحة؛ بل والأحكام الشرعية من النبي ﷺ ، ثم لا يقتصر على الاحتفاظ بها بل ينقلها إلى من يعوله، إلى من ينفق عليه مادة وينفق عليه -أيضاً- علماً ومعنى. من هنا نعرف لماذا عرفت الجارية هذه العقيدة الصحيحة؛ لأنها عاشت في ذلك الجو الوحيد في فهمه بالتوحيد الصحيح، أما اليوم فالمسلمون يعيشون في أجواء متباينة في عقائد متفرقة متضاربة أشد التضارب؛ ولذلك فلا نجاة للمسلمين في هذا الزمان إلا أن يعودوا إلى ما كان عليه السلف الصالح، وأن يحققوا في أنفسهم خبر نبيهم ﷺ ، حينما قال واصفاً للفرقة الناجية: (هي التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي) .

стр. 551

الرد على الأحباش في تحريفهم لصفة اليد لله أردت أن أختم الكلمة بهذا الحديث، لكني تذكرت أنه كان في جملة السؤال المطروح: أن هؤلاء الأحباش ينكرون في جملة ما ينكرون اليد التي وصف الله نفسه بها، ويقولون: اليد جارحة سبحان الله! وهم يتكلمون عن أنفسهم، فكيف يقولون في اليد التي ذكرها الله: إنها جارحة؟ هؤلاء من أجهل الناس إن لم يكونوا من أضل الناس؛ ذلك لأنهم يقيسون الغائب على الشاهد، بل يقيسون غيب الغيوب وهو الله ﵎ على أنفسهم، هذا في منتهى الحماقة إن لم يكن في منتهى الضلال! نحن نجاريهم جدلاً لا عقيدة، وحاشا أن نشاركهم في عقيدتهم، نقول لهم: الله ذات متصف بصفات الكمال، هل تقولون معنا؟ لا بد أن يقولوا: نعم. أو يقولوا: لا. فإن قالوا: لا. فذاك هو الذي يدل على ضلالهم، ويؤكد ما هم فيه، فلا كلام لنا معهم؛ لأن الكلام حينئذٍ يكون مع الزنادقة، والمفروض أننا نتكلم مع مسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلون وإلخ، فإذا قالوا: نحن معكم بأن الله ذات له كل صفات الكمال، فإذا قالوا هذه الكلمة فقد تناقضوا حينما قالوا: الله ذات وله صفات، وأنت أيها المتكلم بكلام علماء الكلام حينما تقول: اليد جارحة، هذه الجارحة بالنسبة لذاتك؛ فهل ذاتك كذات الله أو ذات الله كذاتك؟ ستقول: حاشا له! ذاته ليست كالذوات، وبالتالي صفاته ليست كسائر صفات المخلوقات. إذاً: انتهت المشكلة، يقال في الذات ما يقال في الصفات، ويقال في الصفات ما يقال في الذات، إيجاباً وسلباً، الله ذات، له كل صفات الكمال، ومنزه عن كل صفات النقص، ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فهو سميع وبصير؛ لكن سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، ولا بد لهؤلاء المجادلين بالباطل، والمتسترين بكلام ظاهره حق وباطنه باطل، لا بد لهم أن ينكروا كل صفات الله لماذا؟ لأن وصف الله بهذه الصفات في الغالب فيها اشتراك لغوي ليس حقيقياً معنوياً، الله قال عن آدم: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] ووصف نفسه بأنه سميع بصير فقال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فعلى طريقة هؤلاء الأحباش وأمثالهم من المعطلة لا بد من أحد شيئين: إما أن نقول: إن الله ليس كما قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لأنه قال في آدم: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] أو أن نقول: لا. هو كما وصف به نفسه، لكن قوله في آدم: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] ليس كذلك، فلا بد من تعطيل أحد الوصفين: إما ما كان منهما متعلقاً بالله ، وهذا كفر، وإما ما كان متعلقاً بوصف الله لآدم ﵇ بأنه جعله سمعياً بصيراً، فهذا إنكار، وهو أيضاً كفر، وهم دائرون ما بين كفر وكفر، وذلك عاقبة من لا يتبع السلف الصالح، ولذلك قيل: وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف فنوصي الحاضرين جميعاً ألا يصغوا لعلماء الكلام ولا لأذنابهم، وعليهم أن يعرفوا عقيدة السلف؛ ليكونوا -إن شاء الله- مهتدين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 552

أهمية العلم بالسنة والبدعة للرد على أهل البدع السؤال لا يخفى عليكم أن أهل البدع بين كل فينة يظهرون أمراً يحاولون في ظنهم أن يخفوا منار السنة، فهل نواكب أهل البدع في الرد عليهم؟ وما هي النصيحة منكم في مثل هذا لنا ولإخواننا في الداخل والخارج؟ وبارك الله فيكم. الجواب الرد على أهل البدع لا يجوز إلا من كان عالماً بالسنة من جهة، والبدعة من جهة أخرى، لعلكم تذكرون معي حديث حذيفة بن اليمان في الصحيحين حين قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه) وهذا كما قال الشاعر: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه فمن كان عالماً بالخير والشر كـ حذيفة بن اليمان، وكان بالتالي في هذا الزمان عارفاً بالسنة، فيتبعها ويحض الناس عليها، وعالماً بالبدعة فيجتنبها ويحذر الناس منها، هذا الشخص هو الذي يجوز له أن يجادل أهل البدعة أو المبتدعة. أما أن يفعل كما يفعل بعض إخواننا الذين لم يؤتوا من العلم إلا حظاً قليلاً، ثم يدخلون في مجادلة من هم أقوى منهم علماً، ولو كان هذا العلم مشوباً بكثير من البدعة أو علم الكلام -كما قلنا آنفاً- فهؤلاء ننصحهم أن ينطووا على أنفسهم، وأن يعتزلوا المبتدعة، وألا يجادلوهم؛ لأنهم سيتأثرون بشبهاتهم، كمثل ذاك السؤال الذي سمعتم في أول الجلسة، وسمعتم الرد عليه، أنهم يصغون لكل ناعق ولكل صائح، فتتعلق الشبهة في ذهن السامع؛ حتى يتيسر له عالم يتمكن من إزالة هذه الشبهة من نفسه. لذلك تكاثرت النصوص عن سلفنا الصالح من العلماء، كـ مالك وأحمد وغيرهم، أنهم كانوا يحذرون الناس كل التحذير من الجلوس مع أهل البدع؛ بل وكانوا يأمرونهم بمقاطعتهم؛ خشية أن يتسرب شيء من شبهاتهم إلى نفوسهم. فهذا -أظن- جواب ما سألت، والأجر للجميع -إن شاء الله- ما دمنا مخلصين وقاصدين -أولاً- العلم النافع المستقى من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، وعلى منهج السلف الصالح، ثم قاصدين -أيضاً- أن نعمل بما تعلمنا، ثم بعد ذلك نسأل الله أن يزيدنا وإياكم علماً. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.