Полный текст (552 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
من آداب مجالس العلم: التجمع وعدم التفرق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يبدو أنه لا بد من التفكير ما بين آونة وأخرى في بعض السنن والآداب الإسلامية التي أصبحت مجهولة علماً، ومتروكةً عملاً، فقد كنا ذكرنا في أكثر من مرة في مثل هذه الجلسة أن لمجالس العلم آداباً.
ومن ذلك: أنه لا يصح التفرق في مجالس العلم، أن نجلس هكذا كيف ما اتفق، أو كيف ما راق لأحدنا، فهذا ليس من الأدب العلمي في شيء مطلقاً، هذه جلسات (المقاهي والنوادي) ، يأتي الآتي، ولا يأتي إلى تلك المجالس إلا للترويح عن النفس -زعموا- أو للتسلية، أو نحو ذلك، فهو حرٌ يجلس أينما شاء وكيفما شاء، أما مجلس العلم فله آدابه، وقد ذكرت لكم أكثر من مرة حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ الذي يقول فيه: (أنهم كانوا إذا سافروا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه ونزلوا منزلاً تفرقوا في الوديان والشعاب، فسافروا يوماً ونزلوا وادياً وتفرقوا كما كانوا يفعلون سابقاً) وهذا التفرق يوحي بالمصلحة الذاتية والشخصية، حيث كل شخص منهم يختار المكان المناسب له الذي له ظل وارف مثلاً فتفرقوا كما كانت عادتهم، فلما رآهم رسول الله ﵌ قال لهم: (إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان) أي: إنما تفرقكم هذا في الوديان والشعاب من عمل الشيطان.
قال أبو ثعلبة ﵁: (فكنا بعد ذلك إذا نزلنا منزلاً اجتمعنا فيه، حتى لو جلسنا على بساطٍ لوسعنا) .
فأحق المجالس بالمحافظة على مثل هذا الأدب -أدب التجمع- هي مجالس العلم، ولا أريد أن أطيل؛ لأن الحصة التي خصصتها في هذا الدرس الذي بدأت باستئنافه بعد تركٍ له دام مدة طويلة، الوقت المحدد نصف ساعة فقط في درس الترغيب، لذلك لا أريد أن أطيل في توظيف السر والحكمة من هذا الاجتماع الذي يوحيه لنا هذا الحديث الصحيح، ولكني أجمل القول فأقول: إن الظاهر عنوان الباطن، ففي كل شيء يتفرق فيه المسلمون في ظواهرهم؛ كان لهذا التفرق تأثير سيء في باطنهم، فالظاهر مرتبط بالباطن أشد الارتباط، وعندنا أدلة كثيرة وكثيرة جداً، ولذلك سأقتصر الآن على هذه الإشارة السريعة هذا التفرق بدنياً يؤدي إلى التفرق قلبياً، هذه حقيقة شرعية، ولدينا أدلة على ذلك، وحسبنا الآن هذه الإشارة العابرة.
стр. 492
المحافظة على ذكر الله لفظاً وعملاً
وهذا تذكير ببعض المسائل، ومنها ما يتعلق بكل فردٍ، ومنها ما يتعلق بجماعتهم، حينما يجلسون في بيتٍ من بيوت الله يتلقون العلم عن رسول الله ﵌.
أما المسألة الأولى: ينبغي أن يكون المسلم دائماً على ذكرٍ من ذكر الله ، وعلى ذكر من تعاليم الله ، فإن قوله ﵎: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١] مما يدخل فيه الذكر العملي وليس فقط الذكر اللفظي، الذكر العملي مثلاً: إنسان وهو يمشي في الطريق بادره البصاق، فأراد أن يلفظ هذه الفضلة من فمه، فهل يلفظها أمامه؟ فهنا ذكرٌ لله قل من يذكره وهو قبل أن تلفظ ما في فمك يجب أن تستعبر هل أنت مستقبل للقبلة أم لا؟ فإن كنت مستقبلاً للقبلة فيجب ألا تبصق أمامك؛ احتراماً لجهة القبلة، لقوله ﵊: (من بصق تجاه القبلة جاء يوم القيامة وبصقه بين عينيه) ، وهذا من آداب المسلمين الأولين التي أصبحت نسياً منسياً في الآخرين، فلا تكاد ترى مسلماً يذكر هذا الأدب الإسلامي حتى ولو كان في المسجد، فكثيراً ما شاهدنا بعض الناس في المسجد الذي له نوافذ مطلة إلى جهة القبلة، يأتي فيبصق إلى الجهة التي قد صلى إليها، أو سرعان ما سيصلي إليها، فهذه غفلة عن ذكر الله، لكن هذا من الذكر الذي لا يعرفه -مع الأسف- أهل الذكر المبتدع الذين يرقصون في أذكارهم، ولم يعرفوا من ذكر الله إلا هذا النوع الذي لا أصل له في كتاب الله ولا في حديث رسول الله ﵌.
وليس المقصود التذكير بهذه المسألة، وإنما أختها وهي ألصق بالمصلي من هذه، فإنه إذا كان لا يجوز للمسلم أن يبصق تجاه القبلة وهو يمشي، أو هو جالس ليس في صلاة، فمن باب أولى إذا كان في صلاة؛ لأنه يكون قائماً متوجهاً إلى الله في صلاته بكل جوارحه، وهذه المسألة فيها أحاديث كثيرة لست الآن بصددها.
стр. 493
الأسئلة
стр. 494
حكم سب علماء الدين
السؤال
ما حكم الإسلام في سب الأئمة والعلماء أحياءً وأمواتاً؟
الجواب
قال ﵊: (لا تسبوا الأموات فقد أفضوا إلى ما قدموا) ، أي: لا يجوز سب المسلم حتى لو كان مطعوناً في إسلامه؛ لأنه ليس هناك فائدة من هذا الطعن بعد أن انتقل إلى حكم الله ، فالأولى ألا يجوز سب المسلمين الصالحين، ثم أولى وأولى ألا يجوز سب الأئمة؛ لأنهم يجمعون إلى صلاحهم العلم وخدمة الدين، ونقل الأحاديث، والتوضيح، وتفصيل أحكام الشريعة، وغير ذلك مما هو معروف، وأنا أستغرب مثل هذا السؤال؛ لأننا لا نعتقد أن في المسلمين ولو في الدرجة السفلى من الإسلام من يسب علماء الإسلام! السائل: أحياناً يبين الإنسان خطأ العالم، لكن بعض العلماء قد يفهمونه سباً، وهذا ليس من السب في شيء.
الشيخ: إن كان هذا هو المقصود فبئس ما قصد؛ لأن تخطئة الإنسان لآخر هذا أمر واجب في الإسلام، والتخطئة لا تعني نقداً ولا طعناً، فضلاً عن أن تعني شتماً وسباً، وإنما بيان الحق؛ ولذلك قال ﵇ في الحديث الصحيح في صحيح البخاري: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد) ، من الذي يخطر في باله أن الرسول قد يقول عن قاضٍ أو حاكمٍ ما: أنه أخطأ أنه ينال منه ويسبه ويجعل له أجراً واحداً؟ كذلك في قصة رواها البخاري -أيضاً- في تأويل رؤيا فسرها أبو بكر بين يدي الرسول ﵇، فقال له ﵇: (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً) فهل يخطر في بال الإنسان أن يقول: بأن الرسول سب صاحبه في الغار أبا بكر الصديق، حينما قال له: أخطأت بعضاً؟ لكن هذا من تأخر المسلمين في ثقافتهم الإسلامية، وابتعادهم عن اللغة الشرعية، والحقيقة أن المتأخرين حتى من الفقهاء، أو لعل الأصح أن نقول: المتفقهين يتحاشون مثل هذه العبارة؛ لأنهم هم أنفسهم قد انقلبت عليهم هذه الحقيقة، فهم قد يتصورون والعامة تبعاً لهم في ذلك، أنه إذا قيل: أخطأ فلان، فهذا طعن ولمز في هذا المخطئ، والأمر -كما سمعتم- ليس كذلك، وهذا أمر لا يحتاج إلى كبير بيان، فحسبنا هذا القدر.
стр. 495
من منهج الخوارج
العلماء دائماً هم حرز الأمة، وإليهم يلجأ المسلمون فيما يحدث ويستجد من أحداث؛ لمعرفة الحكم الشرعي، والاسترشاد بقولهم في النوازل العظيمة.
وعلماء الحديث لهم الصدارة في ذلك؛ لصفاء منهلهم ورسوخهم في العلم.
وفي هذه المادة يجيب الشيخ ﵀ عن أسئلة وردت عن الأحداث الدامية في الجزائر إذ قد أصبحت تغلي بالحرب والمجازر، وركزت الأسئلة على جانب مهم وهو التكفير، والخروج على الحكام، وخصائص جماعة التكفير.
стр. 496
حديث حول الأحداث في الجزائر
السؤال
شيخنا! فيما يخص الوضع في الجزائر، في هذا الفترة الأخيرة! خاصة ما يحدث من كوارث وفتن، وحيث صار الأمر إلى استخدام المتفجرات التي تودي بحياة العشرات من الناس؛ أكثرهم من الأبرياء، وفيهم نساء، وأطفال، ومن تعلمون، وقد سمعنا من بعض الناس الكبار أنهم ينددون بسكوت أهل العلم والمفتين من المشايخ الكبار، وعدم إنكارهم مثل هذه التصرفات الغير إسلامية قطعاً، ونحن أخبرناهم برأي أهل العلم ورأيكم في المسألة، ولكنهم ردوا بالجهل بما تقولونه، وعدم وجود الأشرطة المنتشرة لبيان الحق في المسألة، ولهذا نحن طرحنا السؤال بهذا الأسلوب الصريح حتى نكون على بينة من رأيكم ورأي من تنقلون عنهم، فبينوا الحق في القضية، وكيف يعرف الحق فيها عند كل مسلم؟ وهل الشيخ يسمع ما يدور من أحداث، أو يسمح لنا أن نبين له؟ الشيخ: لا يوجد داعٍ لذلك.
الجواب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أنت جزاك الله خيراً أشرت بأننا كنا تكلمنا في هذه المسألة، وذكرت بأنهم يردون بجهل وبغير علم، فإذا كان الكلام يصدر ممن يُظَنُّ فيه العلم، ثم يقابل ممن لا علم عندهم بالرفض والرد فما فائدة الكلام حينئذٍ؟؟ لكن نحن نجيب لمن قد يكون عنده شبهة بأن هذا الذي يفعلونه أمر جائزٌ شرعاً، وليس لإقناع ذوي الأهواء وأهل الجهل، وإنما لإقناع الذين قد يترددون في قبول أن هذا الذي يفعله هؤلاء المعتدون هو أمر غير مشروع.
стр. 497
أهمية تصحيح القاعدة على الكتاب والسنة
لا بد لي قبل الدخول بشيء من التفصيل من أن أذكِّر -والذكرى تنفع المؤمنين- بقول أهل العلم: ما بني على فاسد فهو فاسد، فالصلاة التي تبني على غير طهارة -مثلاً- ليست بصلاة، لماذا؟ لأنها لم تقم على أساس الشرط الذي نص عليه الشارع الحكيم في نص قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا صلاة لمن لا وضوء له) فمهما صلى المصلي بدون وضوء فلا تصح؛ لأن ما بني على فاسد فهو فاسد، والأمثلة في الشريعة من هذا القبيل شيء كثير وكثير جداً.
فنحن نذكر دائماً وأبداً أن الخروج على الحكام -ولو كانوا من المقطوع بكفرهم- ليس مشروعاً إطلاقاً؛ ذلك لأن هذا الخروج -إن كان ولا بد- ينبغي أن يكون خروجاً قائماً على الشرع، كالصلاة التي قلنا آنفاً أنها ينبغي أن تكون قائمة على الطهارة وهو الوضوء.
ونحن نحتج في مثل هذه المسألة بمثل قوله ﵎: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] إن الدور الذي يمر به المسلمون اليوم من تحكم بعض الحكام، وعلى افتراض أن كفرهم كفر جليٌ واضح ككفر المشركين تماماً، إذا افترضنا هذه الفرضية فنقول: إن الوضع الذي يعيشه المسلمون بأن يكونوا محكومين من هؤلاء الحكام، ولنقل: الكفار؛ مجاراة لـ جماعة التكفير لفظاً لا معنى؛ لأن لنا في ذلك التفصيل المعروف فنقول: إن الحياة التي يحياها المسلمون اليوم تحت حكم هؤلاء الحكام، لا تخرج عن الحياة التي كان يحياها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه الكرام فيما يسمى في عرف أهل العلم بالعصر المكي لقد عاش ﵊ تحت حكم الطواغيت الكافرة المشركة، والتي كانت تأبى صراحة أن تستجيب لدعوة الرسول ﵊، وأن يقولوا كلمة الحق: لا إله إلا الله، حتى إن عمه أبا طالب وهو في آخر رمق من حياته قال له: (لولا أن تعيرني بها قومي لأقررت بها عينك) .
أولئك الكفار الصريحون في كفرهم، المعاندون لدعوة نبيهم، كان الرسول ﵊ يعيش تحت حكمهم ونظامهم، ولم يتكلم معهم إلا أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، وجاء العهد المدني، وتتابعت الأحكام الشرعية، وبدأ القتال بين المسلمين وبين المشركين، كما هو معروف في السيرة النبوية أما في العهد الأول العهد المكي فلم يكن هناك خروج، كما يفعل اليوم كثير من المسلمين في غير ما بلد إسلامي، فهذا الخروج ليس على هدي الرسول ﵊ الذي أمرنا بالاقتداء به، وبخاصة في الآية السابقة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] .
الآن -كما نسمع- في الجزائر طائفتان، وأنا أَهْتَبِلُها فرصة إذا كنت أنت أو أحد الحاضرين على بينة من الإجابة عن السؤال التالي، أقول: أنا أسمع وأقرأ بأن هناك طائفتين أو أكثر من المسلمين الذين يعادون الحكام هنالك؛ مثلاً جماعة جبهة الإنقاذ، وأظن أن هناك جماعة تكفير.
مداخلة: جيش الإنقاذ قوات مسلحة غير الجبهة.
الشيخ: أليس له علاقة بالجبهة؟ الرجل: انفصل عنها، وهو متشدد.
الشيخ: إذاً: هذه مصيبة أكبر! وأنا أردت أن أستوثق من وجود أكثر من جماعة مسلمة، ولكلٍ منها سبيلها ومنهجها في الخروج على الحاكم.
ترى لو قضي على هذا الحاكم وانتصرت طائفة من هذه الطوائف التي تعلن إسلامها ومحاربتها للحاكم الكافر بزعمهم، ترى هل ستتفق هاتان الطائفتان فضلاً عما إذا كانت هناك طائفة أخرى، ويقيمون حكم الإسلام الذي يقاتلون من أجله؟ سيقع الخلاف بينهم! الشاهد الآن موجود مع الأسف الشديد في أفغانستان، يوم قامت أن الحرب في أفغانستان كانت فعلاً في سبيل الإسلام والقضاء على الشيوعية، فما كادوا يقضون على الشيوعية -والأحزاب كانت قائمة وموجودة أثناء القتال- إلا وينقلب بعضهم عدواً لبعض.
فإذاً: كل من خالف هدي الرسول ﵊ فلن يكون عاقبة أمره إلا خسراً.
стр. 498
(التصفية والتربية) هي القاعدة الصحيحة للتغيير
هدي الرسول ﷺ في إقامة الحكم الإسلامي، وتأسيس الأرض الإسلامية الصالحة لإقامة حكم الإسلام عليها إنما يكون بالدعوة أولاً دعوة التوحيد، ثم تربية المسلمين على أساس الكتاب والسنة.
وحينما نقول -إشارة إلى هذا الأصل الهام بكلمتين مختصرتين-: لا بد من التصفية والتربية.
بطبيعة الحال لا نعني بهما أن تصير هذه الملايين المملينة من هؤلاء المسلمين أمة واحدة، وإنما نريد أن نقول: إن من يريد أن يعمل للإسلام حقاً، وأن يتخذ الوسائل التي تمهد له إقامة حكم الله في الأرض؛ لابد أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حكماً وأسلوباً.
بهذا نحن نقول: إنه ما يقع؛ سواءً في الجزائر أو في مصر، هذا خلاف الإسلام؛ لأن الإسلام يأمر بالتصفية والتربية.
أقول: (التصفية والتربية) لسبب يعرفه أهل العلم نحن اليوم في القرن الخامس عشر ورثنا هذا الإسلام كما جاءنا طيلة هذه القرون الطويلة، لم نرث الإسلام كما أنزله الله على قلب محمد ﵊، لذلك فالإسلام الذي آتى أكله وثماره في أول أمره، هو الذي سيؤتي أيضاً أكله وثماره في آخر أمره، كما قال ﵊: (أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أوله أم في آخره) فإذا أرادت الأمة المسلمة أن تكون حياتها على هذا الخير الذي أشار إليه الرسول ﵊ في الحديث المذكور آنفاً، وفي الحديث الآخر، والذي هو منه أشهر: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) .
أقول: لا نريد بهاتين الكلمتين أن تصبح الملايين المملينة من المسلمين قد تبنوا الإسلام مصفىً، وربوا أنفسهم على هذا الإسلام المصفى، لكننا نريد لهؤلاء الذين يهتمون بشئون المسلمين حقاً: أولاً: تربية نفوسهم، ثم تربية ذويهم، ثم ثم فيصل الأمر إلى هذا الحاكم الذي لا يمكن تعديله أو إصلاحه أو القضاء عليه إلا بهذا التسلسل الشرعي المنطقي.
بهذا نحن كنا نجيب بأن هذه الثورات، وهذه الانقلابات التي تقام، حتى الجهاد الأفغاني كنا غير مؤيدين له، أو غير مستبشرين بعواقب أمره حينما وجدناهم خمسة أحزاب، والآن الذي يحكم والذي قاموا ضده معروف بأنه من رجال الصوفية -مثلاً-، فالقصد أن من أدلة القرآن الكريم أن الاختلاف ضعف، حيث أن الله ذكر من أسباب الفشل هو التنازع والاختلاف: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١-٣٢] إذاً: إذا كان المسلمون أنفسهم شيعاً لا يمكن أن ينتصروا؛ لأن هذا التشيع وهذا التفرق إنما هو دليل الضعف.
إذاً: على الطائفة المنصورة التي تريد أن تقيم دولة الإسلام بحق، أن تتمثل بكلمة أعتبرها من حِكَمِ العصر الحاضر، قالها أحد الدعاة -ولكن أتباعه لا يتابعونه- ألا وهي قوله: (أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم؛ تقم لكم على أرضكم) .
فنحن نشاهد، لا أقول: الجماعات التي تقوم بهذه الثورات؛ بل أستطيع أن أقول: نشاهد كثيراً من رءوس هذه الجماعات لم يطبقوا هذه الحكمة التي تعني ما نقوله نحن بتلك اللفظتين: (التصفية والتربية) ، إذ لم يقوموا بعدُ بتصفية الإسلام مما دخل فيه، مما لا يجوز أن ينسب إلى الإسلام في العقيدة، أو في العبادة، أو في السلوك، لم يحققوا هذا، أي: تصفية نفوسهم؛ فضلاً عن أن يحققوا التربية في ذويهم، فمن أين لهم أن يحققوا التصفية والتربية في الجماعة التي هم يقودونها ويثورون معها على هؤلاء الحكام؟! أقول: إذا عرفنا -بشيء من التفصيل- تلك الكلمة وهي (ما بني على فاسد فهو فاسد) فجوابنا واضح جداً أن ما يقع في الجزائر وفي مصر وغيرها هو: أولاً: سابق لأوانه.
ثانياً: مخالف لأحكام الشريعة غايةً وأسلوباً.
لكن لابد من شيء من التفصيل فيما جاء في السؤال.
стр. 499
حكم الاعتداء على الأبرياء بالقتل
نحن نعلم أن الشارع الحكيم بما فيه من عدالة وحكمة، نهى الغزاة المسلمين الأولين أن يتعرضوا في غزوهم للنساء، فنهى عن قتل النساء، وعن قتل الصبيان -الأطفال-، بل ونهى عن قتل الرهبان المنطوين على أنفسهم بعبادة ربهم -زعموا- وهم على شرك وعلى ضلال؛ نهى الشارع الحكيم قواد المسلمين أن يتعرضوا لهؤلاء، تطبيقاً لأصلٍ من أصول الإسلام، ألا وهو قوله ﵎ في القرآن: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٦-٣٩] فهؤلاء الأطفال وهؤلاء النسوة، والرجال الذين ليسوا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، قتلهم لا يجوز شرعاً.
وقد جاء في بعض الأحاديث: (أن النبي ﷺ : رأى ناساً مجتمعين على شيء، فسأل، فقالوا: هذه امرأة قتيلة، قال ﵊: ما كانت هذه لتقاتل) وهنا نأخذ حكمين متقابلين: أحدهما: سبقت الإشارة إليه، ألا وهو أنه لا يجوز قتل النساء لأنها لا تقاتل.
الحكم الآخر: إذا وجدنا بعض النسوة يقاتلن المسلمين في جيش المحاربين أو الخارجين، حينئذٍ يجوز للمسلمين أن يقتلوا هذه المرأة التي شاركت في القتال.
فإذا كان السؤال بأن هؤلاء إنما يفخخون -كما يقولون- بعض السيارات، ويفجرونها، فتصيب بشظاياها من ليس عليه المسئولية إطلاقاً في أحكام الشرع، فما يكون هذا من الإسلام في شيء إطلاقاً.
لكني أقول: إن هذه جزئية من كلية أخطر وهي الخروج الذي مضى عليه بضع سنين، ولا يزداد الأمر إلا سوءاً، بهذا نحن نقول: إنما الأعمال بالخواتيم، والخاتمة لا تكون حسنة إلا إذا كانت قائمة على الإسلام، فما بني على خلاف الإسلام فسوف لا يثمر إلا الخراب والدمار.
стр. 500
حول لقاء الشيخ الألباني بعلي بلحاج
السؤال
بالنسبة للشريط الذي سجل فيه لقاؤكم مع الشيخ علي بلحاج، فإنه لا يعلم عنه شيء في الوقت الحاضر، فيما علمتموه من العهد الذي أخذه الشيخ علي بلحاج في عدم إخراجه للناس، وقد تردد على ألسنة الكثير من الجزائريين التساؤل عما في هذا الشريط، وضرورة إخراجه للناس والأمة حتى يُعرف الحق الذي فيه، وخاصة أنه أمر متعلق بحق وباطل، ومصير شعب وأمة بأكملها، ولقد كلَّمنا الشيخ أبا ليلى عن إخراج الشريط فعلق الأمر بكم، أي: بشيخنا محمد ناصر الدين الألباني، وبالشيخ أبي مالك محمد إبراهيم شقرة، أما الشيخ أبو مالك فقد أخبرناه بذلك فأبدى القبول والرضا، وقال عن العهد المذكور: إنه باطل، وفيه كتم للحق، وبقي قولكم، فهل أنت موافق على إخراج الشريط للناس؟
الجواب
أنا قد أوافق وقد لا أوافق، لأني لست مستحضراً ما فيه من المسائل، فهل هو موجود عندك؟ السائل: هل تذكر أن الرجل رفض التسجيل، وجلست أكثر من ربع ساعة في إلحاح بيني وبينه أمامكم؟ أخيراً: أنتَ قلتَ له: لماذا لا تريد أن تسجل؟ قال: أنا لا أحب الشهرة وكذا، وفي النهاية قال له الشيخ أبو مالك: لا يخرج الشريط إلا بإذنك، وهذا الكلام مُسَجَّل، فسألتكم مرة أنا، وقلت: نجلس أنا والشيخ أبو مالك وإياكم حتى نتباحث في هذا الموضوع.
الشيخ: هل يذكر أبو مالك هذا الكلام؟ وعلى كل حال إن العهد كان مسئولاً.
السائل: كثير من الشعب من هؤلاء الخارجين متبعون لـ علي بلحاج، ويجعلونه كأنه الشيخ المتبع وقوله هو النافذ.
الشيخ: لكن لو لم يكن مثل هذا العهد كنا نقول فوراً بوجوب الإخراج.
السائل: مع أن الأمر يا شيخ! متعلق بالأمة، والشيخ أبو مالك سألناه فقال: هذا عهد باطل، وقال: فيه كتمٌ للحق.
الشيخ: سألتك آنفاً: هل يتذكر أبو مالك هذه الكلمة التي قالها؟ السائل: أبو مالك حضر الجلسة، لأنني ما سمعت الشريط أنا ولا أحد.
الشيخ: على كل حال ينبغي أن نتدارس الموضوع إن شاء الله.
السائل: لا تنسوا يا شيخ! الشيخ: أيوجد أحد لا يتذكر مثل هذا؟!
стр. 501
حوار حول منهج الخوارج
السؤال
كما قد سئلت من قبل وما زلت تسأل عن خوارج يسمون بخوارج السيف، أو من يدعون إلى مثل هذه الكلمة، وقد جلت وصلت في أناس كتبوا في منهج الخوارج؛ منهجا، فوجدت من بعد استقراء هذا المنهج أنه على منوال خوارج أهل القرون الأولى كما بدا لي، ورتبت كلاماً لعلي أن أقتصر على الفائدة منه إن شاء الله كالآتي: خوارج العصر ينقلون عن السلف أقوالاً مبتورة مقطوعة ليس لها معنى ذا وحدة موضوعية، فإن أخذ الناقل منهم عن أحدهم أخذ الأول من كلامه دون التالي أو التالي دون الأول.
التقول عليهم بما لم يقولوا، وتحميلهم معاني لكلامهم لم يعنوها، وتقصيدهم ما لم يقصدوه في أقوالهم، أمينهم ينقل معتمداً أقوال السلف اعتضاداً بها ليس اعتماداً عليها! بحيث أن الإجمال سِمَتُهَا، وعدم الإيضاح في فكرتها واضح، وهذه الطريقة الوحيدة المعتضدة عندهم في منهجهم وإعلانه وإشهاره.
الموضوع الذي أحببت أن أظهره أمامك: أن الخروج عن منهج السلف كان بما كتبته هنا، أن من مات مقراً بالتوحيد ولم يعمل بمقتضاه، وأول مقتضى التوحيد هو الصلاة؛ فإنه منافق لم ينفعه هذا الإقرار.
الشيخ: هذا كلام من؟ السائل: هذا كلام خوارج العصر.
النقطة الثانية: أن أصل الإيمان ابتداءً هو الإقرار والتصديق، فمن لم يأت بمقتضاه نُقض هذا الأصل الذي زعمه صاحبه، وأن من شابه الكافر بفعلته أو بفعله أو بقوله وإن كان ملياً مهما كان متأولاً، ولو كان تأوله غير سائغ، فإنه بمشابهته يكفر بهذا القول أو الفعل.
كذلك النقل عن النبي ﷺ نصوصاً أو من كتاب الله مبتورة لا يفهم لها منهج، يتخذه أو اتخذه صاحبه دليلاً يُفْهِم القارئ أو السامع له أنه صاحب حجة.
وكذلك في مسألة العذر بالجهل، أن من كان معذوراً بالجهل هو الذي لم تصله الحجة، سواءً كانت عقلية، أو نقلية، أنا سأورد واحدة.
مداخلة: هذا كله يعرفه شيخنا.
الشيخ: أنت قلت عندك سؤال! وهذه محاضرة! والجلسة لا تتحمل محاضرة، فما سؤالك؟
стр. 502
منزلة العمل من الإيمان
السؤال
هل صحيح أن من مات على التوحيد وإن لم يعمل بمقتضاه -وأول مقتضى التوحيد إقامة الصلاة- يكفر ويخلد مع الخالد الكافر في نار جهنم أم لا؟
الجواب
السلف فرقوا بين الإيمان وبين العمل، فجعلوا العمل شرط كمال في الإيمان، ولم يجعلوه شرط صحة؛ خلافاً للخوراج، واضح هذا الجواب؟ السؤال: ما قولكم في تأويلهم لقوله ﷺ أن كلمة (لم يعمل خيراً قط) ليست على ظاهرها؟ الشيخ: ولماذا؟ السائل: لأنها جاءت من باب إفهام القارئ أنها من جملة نفي كمال العمل لا جنسه.
الشيخ: نطيل السؤال فنقول: ما الدليل؟ السائل: الدليل من قوله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) .
الشيخ: هل الكفر حينما يطلق يراد به الكفر المقارن للردة؟ السائل: لا.
وهم يقولون: لا، لكن الصلاة الشيخ: إذا قالوا: لا، فما هو الحد الفاصل بين كفرٍ في نص ما فيقال: إنه كفر ردة، وفي نص آخر: ليس بكفر ردة، وكل من الأمرين المذكورين في النصين عمل، ما الفرق بين هذا وهذا؟ السائل: التفريق كثير جداً يطول تفصيله عندهم بتأويلات منها: أن من ترك جزء العمل ليس كمن ترك كل العمل، أو أن من شابه ببعض أعمال الكافرين، ليس كمن يشابه بعض أفعالهم التي نص عليها الشرع أنها كفر تخرج عن الملة.
الشيخ: هل أجبت عن السؤال؟ السائل: هذا جوابهم.
الشيخ: لا.
ما أريد جوابهم.
هل أنت شعرت بأن هذا الذي تقول أنه جوابهم هو جواب سؤالي؟ السائل: لا.
الشيخ: إذاً: ما الفائدة يا أخي؟! أنا أريد أن ينتبه إخواننا الطلاب أنه ليس بمجرد الدعوى تثبت القضية، أنا أقول: ما الفرق بين كفر يُذكر في مثل هذا الحديث وبين كفر يُذكر في حديث آخر، وكل من الأمرين الذي أنيط به الكفر في كل من النصين هو عملي؟ أي: الجامع هو العمل، فلماذا هذا العمل كفر ردة وذاك العمل ليس كفر ردة؟ مثلاً قال ﵊: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) هل هذا كفر ردة أم دون ذلك؟ كذلك -مثلاً- قوله ﵊، والأحاديث في هذا الصدد كثيرة جداً: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) ما هو الفارق بين الكفر في حديث الصلاة والكفر في حديث القتال؟ لا بد أن يكون هناك دليل يعتمد عليه الذي يفرق.
قول أهل السنة والجماعة الذين نقلنا عنهم آنفاً: أن العمل ليس شرط صحةٍ وإنما هو شرط كمال، ولا يفرقون بين عمل وعمل آخر، بشرط أن يكون المؤمن قد آمن بذلك الحكم الذي تساهل في القيام به والعمل به، وما نقلتَه عنهم آنفاً في معنى (لم يعمل خيراً قط) تأويل، وإذا صح التأويل في نص كهذا يمكن أن يصح التأويل في نصهم أيضاً، وأنا أريد الآن أن ألفت النظر بأن هؤلاء الذين يأتون بمفاهيم جديدة تدندن حول تكفير المسلمين؛ بسبب إهمالهم في القيام بعملٍ أَمَرَ الشارع الحكيم به، هؤلاء ينبغي ألا يأتوا بشيء نابع من أهوائهم، أو لِنَقُلْ: من جهلهم، بل لِنَقُلْ: من علمهم؛ لأن علمهم مهما كان صحيحاً ودقيقاً فهو لا يساوي علم السلف.
стр. 503
وجوب التزام فهم السلف
هنا لا بد من أن نذكر بما أذكره دائماً وأبداً حول قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] هؤلاء يتبعون غير سبيل المؤمنين، هؤلاء لا يقيمون وزناً لهذا المقطع من هذه الآية الكريمة، وسواءً آمنوا بهذا المقطع ومعناه أو لم يؤمنوا به، لا فرق عندهم بين أن تكون الآية: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى) -لو كانت الآية هكذا- وبين ما هي عليه: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
فنحن نسألهم: هذه التآويل وهذه التفاسير التي تأتون بها من حيث اللغة العربية الأمر واسع جداً، ولا يستطيع أحد أبداً أن يوقف باب التأويل أمام الناس، وبخاصة إذا كانوا من أهل الأهواء، إذاً: ما هو الأمر الفاصل القاطع في الموضوع؟ هو الرجوع إلى ما كان عليه السلف، هؤلاء كما أنهم لا يؤمنون بمعنى هذا الجزء من الآية: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هم -أيضاً، وأنا على مثل اليقين- لا يؤمنون بمثل قوله ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) لا يؤمنون بمثل قوله ﵊ حينما سئل عن الفرقة الناجية فقال: (هي الجماعة) ؛ لأنهم خرجوا عن الجماعة، وفي الرواية الأخرى: (هي ما أنا عليه وأصحابي) لا يقيمون وزناً إطلاقاً لما كان عليه السلف الصالح،هذا يكفينا في بيان خروجهم عن مفاهيم السلف الصالح، وبالتالي خروجهم عن الفهم الصحيح لنصوص الكتاب والسنة.
كأن عندك شيئاً؟ السائل: عندي جواب على سؤال الشيخ من وجهة نظرهم هم، أذكره؟ الشيخ: تفضل.
السائل: ينقلون ويتكئون على كلمة لـ شيخ الإسلام ﵀ في الاقتضاء يقول فيها: إن لفظة (كفر) إذا جاءت منكَّرة تدل على أنها كفر عملي، أما إذا جاءت معرفة بـ (ال) ومصدراً فإنها تدل على الكفر الاعتقادي، كما في الحديث (بينه وبين الكفر ترك الصلاة) فلم يقل: كفراً أو كفر، وإنما قال: الكفر، فهذا هو الكفر الاعتقادي.
الشيخ: المسألة هنا تكون فرعية، والموضوع ليس فرعياً وإنما هو أصل، فنحن نعلم أن بعض الحنابلة لا يزالون إلى اليوم يفتون بأن ترك الصلاة كفر وردة، لكنهم ليسوا خوارج، ولا يتبنون الخط الذي يمشي عليه الخوارج، فلو سلمنا لهم جدلاً بمثل هذا الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، وغضضنا النظر عن النصوص الأخرى التي نذكرها خاصة في رسالة الصلاة التي تعرضها، فإذا صرفنا النظر عن هذه المسألة بالذات لأن الأدلة فيها متقابلة متشابهة، لكن المهم أنهم إذا وفقوا للصواب في تكفير تارك الصلاة، فذلك لا يعني تكفير المؤمن في أي عمل فرض عليه لا يقوم به، ههنا المعنى أن القاعدة سليمة، لكن لكل قاعدة شواذ، كما هو مذهب الحنابلة مثلاً، هم لا يقولون بصحة مذهب الخوارج، بل هم ضد هذا المذهب، لكنهم التقوا مع هؤلاء، أو بعبارة أصح: هؤلاء التقوا مع الحنابلة في القول بتكفير تارك الصلاة، لكنهم خرجوا عن الحنابلة وعن الشافعية والمالكية والحنفية، وعن جماهير المسلمين في قولهم بتكفير التارك للعمل، كما قلتَ أنت: إن الإيمان لا يكفي -نقلاً عنهم- إنما لا يصح إلا بمقتضاه وهو العمل، بينما الأحاديث التي تعرفونها جيداً والتي هي من بعض أجزاء أحاديث الشفاعة، أن الله يأمر أن يخراج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، هذا الإيمان هو الذي ينجي من الخلود في النار، وهذا هو من معاني قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] .
السائل: بعد إذنك؛ أعطيك مثالاً على بتر هذا النص، أعني: حديث الشفاعة الطويل سئل أحدهم سؤالاً فقال: والدليل على أن العمل لازم للإيمان أن آخر فوج يخرج من النار يعرفون بآثار السجود، فعجبت منه أين بقية النص: (ثم يقول الجبار: قد شَفَّعْتُ الملائكة والنبيين.
إلى قوله: فيخرج من النار -برواية مسلم - أقوامٌ لم يعملوا خيراً قط قد امتحشوا فيدخلهم الجنة فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجبار بغير عمل عملوه ولا خير قدموه) فأجاب بهذا الجواب، ولاحظ أنه وقف عند آثار السجود ولم يكمل.
الشيخ: كيف؟ بعدما سمع الجواب؟ معناه كفر بهذا النص.
السائل: هذا مثال والأمثلة كثيرة.
стр. 504
الضابط في كفر المتأوِّل
السؤال الثاني: ما ضابط كفر المتأول الذي يقول أو يفعل فعل الكافر أو قوله؟
الجواب
الضابط بين البشر مأخوذ، لكن الله يعلم ما في القلوب، علماء السلف -كما تعلمون- يضلِّلون المرجئة، ويضللون المعتزلة لكنهم لا يكفرونهم، أما عن صحة هذه الرواية من حيث السند، فلم يتح لي الوقوف على السند لكن المعنى صحيح، بمعنى: أنه ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه؛ لأننا نعلم أن المؤاخذة هي كالإيمان، فمن آمن هكذا دون قصد لا يحكم بإيمانه، ومن كفر دون قصد للكفر فلا يحكم بكفره (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) وهناك أحاديث كثيرة وكثيرة جداً، ومنها ما له صلة بما نقلتَ -آنفاً- عنهم من الغلو من قولهم أن من فَعَل فِعْل الكفار فهو كافر سبحان الله! ما هو الدليل؟ سيعودون إلى الدعوى التي لا أصل لها، وهي أن الإيمان يستلزم العمل، نحن نقول: الإيمان الكامل يستلزم العمل، لكن ليس شرطاً في كل إيمان، حتى ولو كان ذرة تنجيه من الخلود يوم القيامة في النار.
ومن تلك الأقوال والأحاديث التي تبطل دعواهم: الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما: (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه في مسيرٍ لهم مروا بشجرة ذات أنواط، فقال بعض أصحابه: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﵊: الله أكبر! هذه السنن؛ لقد قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) .
إذاً: مجرد القول بكلمة الكفر لا يستلزم أن يكون قائله كافراً فعلاً.
وتعلمون قصة عمار بن ياسر ونزول قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] .
كذلك الرجل الذي أشرتَ إلى حديثه آنفاً، حيث جاء في حديثه: (كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيراً قط، فلما حضرته الوفاة جمع بنيه حوله فقال لهم: أي أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أبٍ، قال: لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباًَ شديداً، فإذا أنا مت فحرقوني بالنار، ثم ذروا نصفي في البر ونصفي في البحر في يوم عاصف، فلما مات فعلوا ونفذوا وصيته، فقال الله لذراته: كوني فلاناً فكان، فقال الله : أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، قال: اذهب فقد غفرت لك) فلو كان قول الكفر كفراً فالكفر لا يغتفر بنص الآية، لكنه ليس كفراً لأنه لم يقصد الكفر، إذاً: هذا من أدلة ضلال هؤلاء، وأنهم: ﴿يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ [آل عمران:٧] .
стр. 505
القول في كفر الاستحلال
السؤال
هل يلزم من أمر النبي ﷺ بقتل فلان لارتكابه محرماً ما، بأنه قد استحله فأمر بقتله، أي: هل يلزم إذا أمر النبي ﷺ بقتل فلان لأنه اقترف ذنباً، أن يكون بمجرد اقترافه له مستحلاً، فيكون بهذا الاستحلال كافراً؟
الجواب
هذه من كذباتهم أيضاً، وحديث التي زنت وقال ﵊ في حقها: (لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم) ، مع أنه أقام الحد عليها، فهذا من أكاذيبهم أيضاً، ومن إعراضهم عن كثير من النصوص التي تخالف أهواءهم، ولذلك ما أرى -يا أخي- فائدة من ذكر شبهات هؤلاء الضلال؛ لأن هذا باب لا ينتهي.
السائل: أَذكرُ الحديث -يا شيخ- عن البراء بن عازب قال: (لقيت عمي أبا بردة بن نيار معه لواء، فقلت: أي عم! أين تريد؟ قال: أمرني النبي ﷺ أن أذهب إلى رجل تزوج بامرأة أبيه فأقتله) .
الشيخ: حسناً؛ ماذا في هذا؟ السائل: إن هذا النص دليل على أن من أمر النبي ﷺ بقتله لارتكابه هذا المحظور، لزم من هذا أنه استحل ذلك الشيخ: يا أخي! فهمت قصدك، لكن ما الدليل على هذا؟ السائل: أنه تزوج زوجة أبيه؛ وهذا استحلال.
الشيخ: يا أخي! ما اختلفنا، الذي يقتل النفس المؤمنة أليس استحلالاً؟ السائل: نعم.
الشيخ: فهل هو كافر؟ السائل: ليس بكافر.
الشيخ: ما هو الفرق بين هذا وذاك؟ كما قلت لك آنفاً: ما هو الفرق بين كفر في عمل وكفر في عمل؟ السائل: لا فارق.
الشيخ: وهذا من هذا -يا أخي- فيمكن أن يضع الإنسان احتمالات في نصوص الكتاب والسنة، فإن النصارى -ولعلكم تعرفون ذلك- يحتجون ببعض نصوص القرآن على تثليثهم وعلى كفرهم، الأهواء لا يمكن وضع حدود لها، إلا أن نتبع السلف الصالح تماماً، وهذا هو الحكم الفصل بيننا وبينهم، وإلا سيأتونك بكل دليل ويضعون له تأويلاً حتى يتطابق مع أهوائهم، ولذلك قلت لك: هذا باب لا ينتهي.
مداخلة: يبدو أن شيخنا يقصد أن أفراد الشبهات لا تنتهي، فينبغي أن تكون الأسئلة عن أصول كاملة، بمعنى أن كل الكلام الذي تفضلت بالحديث عنه يدل على قضية تحريفهم واستدلالهم وترك أصل الإيمان وما شابهه، فإذا كان هناك أصل آخر دون الإكثار من أمثلتهم فهو أجدر بالبحث.
الشيخ: بلا شك.
стр. 506
ضابط الجهل الذي يمنع وقوع الكفر على فاعله
السؤال
هل مَن تأول عن تقصير ولم يقصد قلنا بأنه لا يكفر؟ الشيخ: نعم؛ لكنه يؤاخذ.
السائل: الجاهل الذي يقصد بجهله الكفر، هذا أظن أنه لا يعذر بجهله، أليس كذلك؟ الشيخ: نعم، لكن ظنك سابقٌ لأوانه إلا بعد أن تتأمل في الكفر الذي قصده هذا الجاهل، هل هو يعلم أنه كفر شرعاً؟ السائل: يعلم نعم.
الشيخ: بهذا القيد ممكن، أما بدون القيد فلا يكفر، وحينئذٍ لا فرق بينه وبين من يكفر بعلم.
إذاً: يكون سؤالك -ولا مؤاخذة- شكلي محض؛ لأنه إن كان يعلم أن هذا العمل كفرٌ شرعاً فهو والعالم سواء، ولذلك أنا خشيت أن تطلق عليه الكفر وهو يجهل، مع أنه قصد هذا الكفر لكنه يجهل أنه كفرٌ شرعاً، فحينئذٍ نقول: هذا لا يكفر، لكن إذا كان عالماً فلا فرق إذاً بينه وقد وصفته بأنه جاهل، وبين غيره وقد وصفته بأنه عالم؛ لأنهما اشتركا كلاهما في معرفة أن هذا العمل كفرٌ شرعاً، فإذاً لا عذر لهذا.
стр. 507
الرد على من لا يعتمد فهم السلف
السؤال
ما الرد على من يتأول قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] فسيقول: سبيل المؤمنين هو الكتاب والسنة؟!
الجواب
هذا ما أشرت إليه آنفاً رجع الأمر إلى أنه لا فرق بين واقع الآية وبين ما لو كانت: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى) .
هذا لغو يترفع الكلام الإلهي عن أن ينسب إليه، ليس في القرآن كلمة فضلاً عن جملة -كهذه الآية (ويتبع غير سبيل المؤمنين) - إلا وضعت لقصدٍ وغاية عظيمةٍ جداً.
وهذا من جملة التآويل التي لا تنتهي، ولنسمها بالاسم الصحيح: من جملة التعطيل الذي يوصف به المعطلة في الصفات، ثم ماذا يقولون فيما إذا فعل بعض الصحابة فعلاً؟ انظر الآن كيف ينكشف ضلال هؤلاء من جوانب عديدة وكثيرة جداً جداً، ماذا يقولون فيما إذا جاء عن بعض الصحابة قولٌ أو فعل أو فتوى لا تخالف الكتاب والسنة؟ أيأخذون بها، أم يقولون: نحن رجال وهم رجال؟ ماذا تظن فيهم؟ السائل: لا يقولون: نحن رجال وهم رجال، لكنهم يقولون تأدباً: إن الفهم الذي فهمناه هو الفهم المطلوب، والفهم الذي تلزمنا إياه هو فهمك الذي تلزم به نفسك فقط.
الشيخ: حِدتَ عن الجواب! ما موقفهم بالنسبة لما فعله الصحابة من فعل أو ما أصدروه من فتوى، هل يتبنون هذا الفعل أو هذه الفتوى، أم يقولون: نحن رجال وهم رجال؟ السائل: يقولون: واقعنا أو حال المعصية التي بين أيدينا، والظاهر الذي نراه بين أيدينا ليس كما تصوره سلف الأمة الأوائل.
الشيخ: الله أكبر! يعني يؤثرون فهمهم على فهم أولئك؟ السائل: نعم.
الشيخ: وما معنى: (ما أنا عليه وأصحابي) أيضاً لا بد من تحريفه؟ السائل: قال الشيخ سفر: المجتمع الذي كان في زمن النبي ﷺ صحابة مؤمنون كثيرو الإيمان كالبحر، لو أخطأ أحدهم -وإن لم يقصد- فإن هذه القطرة لا تؤثر في البحر، بينما من دونهم قد يتكلم أو يفعل وعنده ماء قليل -يمثل الإيمان بالماء- لو قطرت فيه قطرة نجاسة لوثته ونجسته وأصبح غير قابل للطهارة أو للتصفية.
الجواب: كلام شعري جميل، لكنه حَيْد عن الجواب، وأعيد عليك السؤال، أنا لا أسأل عن الفرق بين خطأ الأولين والآخرين حتى يأتي هذا الجواب بهذا الكلام الشعري الجميل، إنما أنا أسأل: إذا فعل بعض الصحابة فعلاً أو أفتوا بفتوى وليس هناك في الكتاب والسنة ما يخالفهم هل نؤثر فهمنا نحن على فهمهم، أم نتنازل عن فهمنا لفهمهم؛ لأنهم أطهر قلوباً، وأغزر علماً، وو إلى آخره، ما هناك من صفات معروفة جداً؟ لعل السؤال واضح، ولعلي أحظى بالجواب هذه المرة.
السائل: الجواب هو نفس القول في المسألة الثانية: أنهم هم أولى منهجاً وفهماً من غيرهم، لكن التأويل أبى إلا أن يكون الأول، والحق أن هؤلاء أولى منهجاً وفهماً.
الشيخ: أنا لا أسألك عن رأيك وإنما أسألك عن رأيهم هم.
السائل: جوابهم التالي: لكن التأويل يأبى إلا بالتقصيد أو أو أو.
إلخ، يتنزهون ويتأدبون أن يجيبوا عن هذا السؤال بالجملة الأولى.
الشيخ: أسأل عن عملهم؟ السائل: التأويل.
الشيخ: أسألك عن عملهم في المسألة التي يعملها الصحابة، لأنك تقول أنت: إنهم يتأدبون لفظاً، لكن هناك فتوى صدرت منهم، لنضرب مثلاً: أنا قلت آنفاً من باب التدرج وما وصلنا بعد إلى الدرجة الثانية لا نزال في الدرجة الأولى، قلت: بعضهم، بمعنى: يشمل واحداً فأكثر، الآن أضرب مثلاً من الناحية العملية، بحيث لا يمكن أن يقال عنهم وحكاية عنهم: إنهم يتأدبون لفظاً، أنا أسأل الآن: ماذا يفعلون عملاً، مثلاً: هناك حديث في صحيح مسلم: (نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الشرب قائماً) وفي لفظٍ: (زجر رسول الله ﷺ عن الشرب قائماً) قيل لراوي الحديث أنس بن مالك خادم الرسول ﵊ كما هو معلوم: [والأكل؟ قال: شر] .
نحن الآن الذين نؤثر فهم الصحابي على فهمنا، وبخاصة أننا لا نجد في السنة -وقبل ذلك في القرآن- ما يخالف هذا الجواب من هذا الصحابي الجليل أنس بن مالك، نحن الآن عملاً لا نفرق بين الشرب قائماً والأكل قائماً، كما أننا لا نشرب قياماً وإنما جلوساً، كذلك لا نأكل قياماً وإنما جلوساً هم ماذا يفعلون؟ السائل: أظن أنهم في هذه الأحكام متبعون مقتفون لطريقة السلف.
الشيخ: ما أظن ذلك؛ لأنهم يحاجّون في ذلك، وأنا أرجو أن تكون حكايتك هذه حكاية صحيحة، وليست من باب إحسان الظن، أنا أرجو أن تكون هذه الحكاية عنهم حكاية مطابقة لواقعهم؛ لأننا حينئذٍ نؤاخذهم من هنا من هذه الجزئية، ونقيم عليهم الحجة لماذا أنتم الآن اتبعتم السلف في هذه الجزئية، بل اتبعتم شخصاً واحداً، بينما أنا كان كلامي في السابق قلت: (بعضهم) يشمل الواحد والاثنين والأكثر من ذلك؟ أنت أجبت بجواب يخالف هذا الجواب الآن، لماذا؟ لأني طورت السؤال بناءً على تطور إجابتك عنهم، قلت: إنهم يتأدبون باللفظ، فماذا يفعلون في العمل الذي عملوه؟ هذا ما عملوه جميعاً وإنما عمله صحابي واحد، إذا قال: [الأكل شر] إذاً: نحن أتباع السلف إن شاء الله -أيضاً- لا نأكل من قيام، وهم ماذا يفعلون؟ قلت عنهم -وأرجو أن يكون هذا عنهم صواباً-: إنهم يتبعون السلف، نقول: بأي حجة أنتم اتبعتم السلف في هذه الجزئية؟ أنتم مدينون ومكلفون بأن تتبعوا السلف فيما هو أهم من هذه الجزئية بكثير، خاصة فيما يتعلق بالعقيدة وبصورة أخص فيما يتعلق بالتكفير.
مداخلة: كلمة في تأييد كلام شيخنا في قضية فهم السلف، كلمة في سطرين للإمام الشاطبي رائعة جداً، يقول في كتاب الموافقات (ج٣ ص ٧٧) : يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به؛ فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل.
الشيخ: إي والله! آمنت بالله والذي جاء به رسول الله، وبما اتبعه سلفنا الصالح.
مداخلة: ابن عبد البر في الاستذكار ينقل عبارة وينسبها إلى أبي حنيفة وحماد بن سليم وربيعة الرأي، فيقول: كانوا يقولون: رأينا لمن بعدنا خير لهم من رأيهم لأنفسهم.
الشيخ: فما بال رأي الصحابي بالنسبة لمن بعده؟ من باب أولى.
стр. 508
حكم الحاكم بغير ما أنزل الله
السائل: يتأولون تفسير قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] تأدباً، أن ابن عباس لم يقصد بقوله هذا فيمن ضاهى بتشريعه أحكام وتشريع الله تعالى، وأتى بتشريعات مضاهية لتشريع الله، بل قصد هذا فيمن غيَّر وبدل في نظام الحكم من شورى أو خلافة إلى ملكي.
إلخ فقط، فأرجو الجواب عن هذا.
الشيخ: لا يفيدهم هذا التأويل الهزيل شيئاً إطلاقاً، ذلك لأنه: أولاً: كأي تأويل من تأويلاتهم سنقول لهم: ما دليلكم على هذا التأويل؟ وسوف لا يحررون جواباً.
ثانياً: الآية التي قال فيها عبد الله بن عباس هذه الكلمة معروفة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] بماذا فسرها علماء التفسير؟ فيعود للمناقشة من أولها.
علماء التفسير اتفقوا على أن الكفر قسمان: كفر اعتقادي، وكفر عملي، وقالوا في هذه الآية بالذات: من لم يعمل بحكمٍ أنزله الله فهو في حالة من حالتين: إما أنه لم يعمل بهذا الحكم كفراً به؛ فهذا من أهل النار خالداً فيها أبداً، وإما اتباعاً لهواه لا عقيدة وإنما عملاً كهؤلاء الكفار الذين لا يؤمنون بالإسلام؛ فلا كلام فيه، هذا بالنسبة للكفر الاعتقادي.
وكهؤلاء المسلمين الذين فيهم المرابي، وفيهم الزاني، وفيهم السارق وو.
إلخ، هؤلاء لا يطلق عليهم كلمة الكفر بمعنى الردة إذا كانوا يؤمنون بشرعية تحريم هذه المسائل، حينئذٍ علماء التفسير في هذه الآية صرحوا بخلاف ما تأولوا، فقالوا: الحكم الذي أنزله الله إن لم يعمل به اعتقاداً فهو كافر، وإن لم يعمل به إيماناً بالحكم لكنه تساهل في تطبيقه فهذا كفره كفر عملي.
إذاً: هم خالفوا ليس السلف الأولين بل وأتباعهم من المفسرين والفقهاء والمحدثين، إذاً: هم خالفوا الفرقة الناجية.
مداخلة: ذكر أخونا في معرض كلامه تلك الفقرة، ونسألكم ما هو القصد منها؟ الشيخ: هم يفكرون ويظنون أن كلام سفر له علاقة بموضوعنا، وقد قلت: هذا الكلام شعري وجميل، لكن ليس جواباً لسؤالنا!! وأنا لا أدري ما رمى إليه! مداخلة: لدي فائدة لك في أثر علي رضي الله تعالى عنه لما سألوه [أمشركون أو كفار هم؟ قال: لا.
بل من الكفر فروا] وجدتها في سنن البيهقي بسندها، ووجدتها كذلك في مصنف ابن أبي شيبة، لكنها ليست عندي، وممكن إذا اتصلت بك أو أعطيتها للأخ الشيخ علي يفيدك بها.
الشيخ: ما تمت الفائدة إذاً: مداخلة: شيخنا يتكلم عن الصحة، أما المصادر فأمرها سهل! الشيخ: على كل حالٍ جزاك الله خيراً.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 509
الرد على المفوضة
وردت الكثير من الشبه حول مسألة التفويض في آيات الصفات، ونسبتها إلى أهل السنة، وعقيدة السلف في هذه ذلك هو الإيمان بالمعنى وتفويض الكيف، أما المعطلة فيظهر فساد مذهبهم في ذلك وتأثرهم بعلم المنطق.
وعلى هذا فقد بين الشيخ هذه القضية في معرض الرد على بعض الأسئلة، مفنداً بعض هذه الشبه.
стр. 510
فهم الصحابة للنصوص على الحقيقة لا على المجاز
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
نفتتح الليلة مباشرة بتلقي الأسئلة المتوفرة عند بعض إخواننا، ونجيب عليها -إن شاء الله- بما يسر الله لنا، ثم نختصر الجلسة بقدر الإمكان لظروف عارضة، وهي وإن كانت عارضة فليس فيها ما يزعج، وإنما نحن معكم إلى الساعة العاشرة والنصف، وبالكثير إلى الحادية عشرة، فتوكلوا على الله، وهاتوا ما عندكم.
السؤال
هل العقيدة التي يحملها السلفيون هي عقيدة الصحابة؟ فإن من الناس من يزعم ويقول: إن كانت هي عقيدة الصحابة؛ فأتونا ولو بصحابي واحد يقول في الصفات: نؤمن بالمعنى ونفوض الكيف، فما هو قولكم؟
الجواب
نحن نعكس السؤال، ثم نجيب عن هذا السؤال فنقول: هل هناك صحابيٌ تأول تأويل الخلف؟ ونريد على ذلك مثالاً أو مثالين؟ السائل: يذكرون أحياناً عن ابن عباس ﵁ أنه تأول آية من كتاب الله ﵎.
الشيخ: إذا كان قد تأول، فما الذي حمله على التأويل؟ وهل كان ذلك هو منهج الصحابة الأولين؟ فجواباً على السؤال الأول نقول: إن السلف الصالح لم يكونوا بحاجة إلى أن يشرحوا ما هو واضح لديهم وضوح الشمس في رابعة النهار، والمثال السابق يشبه تماماً ما لو قال قائل: أعطونا مثالاً واحداً على أن أحد الصحابة قال: هذا فاعل، وهذا مفعول به، وهذا مفعول للتمييز، وهذا للحال إلى آخر ما هنالك من مصطلحات وضعت بعد الصحابة، وبعد السلف؛ لضبط فهم النصوص على الأسلوب القرآني والعربي الأصيل؛ فلن نستطيع أن نأتيهم بنص من مثل هذه النصوص التي اصطلح عليها العلماء الذين وضعوا قواعد النحو، ووضعوا قواعد الصرف، وكذلك سائر العلوم التي منها أصول الفقه، ومنها أصول الحديث إلى آخره؛ ذلك لأن الصحابة الأولين كانوا عرباً أقحاحاً، فلم يكونوا بحاجة إلى أن يفسروا ما يفسره اليوم السلفيون الذين ينتمون إلى السلف الصالح؛ ذلك لأنهم يفهمون النصوص المتعلقة بآيات الصفات، وأحاديث الصفات كما فهمها السلف.
المهم أن الأصل ليس هو التأويل، بل الأصل هو عدم التأويل، وهذا الأصل أمر متفق عليه عند جميع العلماء، حتى الذين يؤولون أي كلام عربي سواءً أكان متعلقاً بآيات الصفات، أو أحاديث الصفات، أو متعلقاً بأي خبرٍ عربي، فكلهم يتفقون فيقولون مثلاً: الأصل في كل جملة عربية أن تحمل على الحقيقة، وليس على المجاز، فإذا تعذرت الحقيقة حينئذٍ يقولون: نصير إلى المجاز.
ففي هذه القاعدة المتفق عليها بين السلف والخلف، نحن نقول: إن العرب الأولين -الصحابة الذين قصد السائل فهمهم لتلك النصوص- سائرون على هذه القاعدة التي عليها الخلف فضلاً عن السلف.
فإذاً حينما قال الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] ما الذي يفهمه العربي فيما يتعلق بالملائكة -مثلاً- من كلمة (جاء الملائكة) ؟ هل يفهم المعنى المؤول، أم يفهم المعنى الحقيقي؟ لاشك أن الجواب سيكون: إنه يفهم المعنى الحقيقي، سنقول له: أعطنا نصاً على أن الصحابة فسروا مجيء الملائكة بالمعنى الحقيقي، فلن يستطيع أن يصل إلى ذلك أبداً! لماذا؟ لأن الأمر واضح لديهم، فهم يسيرون على قاعدة علمية مجمع عليها ليس فقط بين السلف بل والخلف أيضاً، فما كان جوابهم عن هذا المثال السهل البسيط، فهو نفس جوابنا على السؤال الذي وجهته آنفاً.
الحق أن نقول: إن هؤلاء المعطلة متأثرون بعلم المنطق الذي يخرج كثيراً أصحابه من دائرة الاتباع إلى دائرة الابتداع، فحينما يوردون هذا السؤال، معنى ذلك: أنه ليس هناك ضابطٌ لفهم نصوص الشريعة إطلاقاً؛ لأنه لا يمكننا أن نتصور إلا أن كل من يدعي العلم، سواءً كان سلفياً أو كان خلفياً لا بد له من أن يفسر نصاً في القرآن أو في السنة على القاعدة المذكورة آنفاً، وهي: الأصل الحقيقة، وليس المجاز، فحينما يأتينا أي خلفي من هؤلاء، ويفسر لنا تفسيراً ما لنصٍ ما، نسأله قائلين: ما هو مستندك في هذا التفسير؟ هل عندك نص عن الصحابة عن التابعين عن أتباع التابعين؟ فسيضطر إلى أن يعود إلى أصل اللغة، وحينئذ نقول: هذه حجتنا عليكم، لماذا تتأولون النصوص التي لا تعجبكم ظواهرها ولا إشكال فيها؟ إنما جاء الإشكال -كما هو الأصل- من التكييف والتشبيه.
لهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أصل المعطلة أنهم وقعوا في التشبيه، فلما أرادوا الخلاص من التشبيه لجئوا إلى التأويل، فلو أنهم أخذوا بمثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وكذلك سورة الصمد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] لو أنهم وقفوا عند هذا النص لما احتاجوا إلى التأويل؛ لأن الذي دفعهم إلى التأويل هو أنهم فهموا هذه الآيات على مقتضى التشبيه.
فإذا قلنا: (جاء ربك) أي: كما يليق بجلاله، كذلك الملائكة خلقٌ من خلق الله، لكن لا شك ولا ريب أن مجيئهم لا يشبه مجيء البشر، بل الجن الذين خلقوا من نار، مجيئهم، وذهابهم، وإيابهم، لا يشبه بأي وجه من الوجوه مجيء البشر، فهل نؤول المجيء المتعلق بالجن، أو المجيء المتعلق بالملائكة، أم نقول: إن مجيء كل ذات تتناسب مع تلك الذات؟ هكذا ينبغي أن تفهم نصوص الكتاب والسنة، أي: على القاعدة العربية: الأصل في كل جملة الحقيقة وليس المجاز، فإذا تعذرت الحقيقة صير إلى المجاز، فهذا جواب ذلك السؤال.
ثم يخطر في بالي شيءٌ آخر وهو: أن هذا السؤال يعني عدم الاعتداد بفهم الأئمة والذين يتظاهر هؤلاء بالتمسك بعلمهم وبفهمهم، بينما هنا لا يقيمون لفهمهم وزناً إطلاقاً، مع أن الأئمة هم الذين اقتدينا بمنهجهم وبأسلوبهم في تفسير الآيات، وتفسير الأحاديث.
لذلك كان كثير من علماء السلف يحذرون عامة الناس من أن يجالسوا أهل الأهواء؛ لأنهم أهل شبهات، وطرح إشكالات، ومع الأسف لا يستطيع كثيرٌ من أهل العلم أن يجيبوا جواباً مقنعاً موافقاً للكتاب والسنة من جهة، ومتابعاً للعقل الصحيح من جهة أخرى، وكثير من الناس لا يستطيعون أن يقدموا الحجة والبيان لأولئك الذين تأثروا بالشبهات والإشكالات التي يطرحها أهل الأهواء والبدع؛ لذلك حسموا الأمر، ونهوا عن مخالطة أهل البدع والأهواء.
стр. 511
عقيدة السلف في رؤية الله تعالى في الآخرة
السؤال
بالنسبة لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] والنظر الذي فسره بعض الأئمة بأنه النظر إلى الله تعالى، ثم هناك حديث: (إن أعلى أهل الجنة منزلة هو من ينظر إلى الله كل يومٍ مرتين) مع أن هذا الحديث قد أوردتموه في ضعيف الجامع، فهل هناك وصفٌ لرؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وقد جاء في حديث أن يوم الجمعة في الجنة ينظر فيه المؤمنون لربهم؟ وكيف يكون التفسير هنا بالنسبة للآية: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] فهم متكئون على الأرائك ينظرون، ومع ذلك هناك يوم يخصص للنظر، والحديث الذي ورد في هذا أيضاً ضعيف، فكيف يوجه هذا؟
الجواب
سامحك الله! هل تسأل عن أصل رؤية المؤمنين لربهم؟ أم تسأل عن عدد المرات التي ينظرون فيها إلى ربهم؟ سؤالك ذو شعب كثيرة، فلو أنك حددت سؤالاً أولاً، وثانياً، وثالثاً، إن كان الأمر كما نتصور، ليكون هذا أوضح للحاضرين سؤالاً وجواباً، فإن كان في سؤالك ثلاثة أسئلة؛ فابدأ إذاً بالأهم فالأهم.
السائل: بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ) [المطففين:٢٣] هل هذا دائم في الجنة؟ الشيخ: نعم.
السائل: أقصد هل هذا دائم من حيث الوقت؟ الشيخ: (رجعت حليمة إلى عادتها القديمة) ، يا أخي! حدد سؤالك بارك الله فيك، هل أنت مؤمن بأصل الرؤية؟ السائل: نعم.
الشيخ: إذاً ما هو سؤالك؟ السائل: هل هذا النظر دائم في كل وقت في الجنة؟ الشيخ: لا نعلم! لماذا مثل هذا السؤال؟ هلا سألت -مثلاً- عن حديث الجمعة، المسمى بـ (حديث يوم المزيد) ، هل هو صحيح أم لا؟! نقول: نعم.
فالحمد لله هو صحيح، إذاً المؤمنون يرون ربهم كل يوم جمعة، أما كل ساعة وكل لحظة، فما عندنا علم! ولماذا السؤال في الأمور الغيبية؟! وأنت بلا شك تعلم -في حدود ما علمت- أنك لم تقف على أن المؤمنين يرون ربهم في كل لحظة وفي كل ساعة، ولا غيرك يعلم ذلك إطلاقاً! إذاً الذي يجب على كل مؤمن هو أن يؤمن بأصل الرؤية التي ثبتت في الكتاب والسنة، ولذلك أنا استغربت أول الأمر حينما سألت عن قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] فهل معنى هذا: أنهم ينظرون إلى ربهم؟ الجواب: نعم.
لكن هناك نصوص أوضح في إثبات أصل الرؤية من هذه الآية، ولسنا بحاجة إلى أن نذكر شيئاً من هذا الآن؛ لأني لا أعتقد أن أحداً من الحاضرين -على الأقل- عنده شكٌ في أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، حتى الذين ينكرون الصفات بطريق تأويلها كـ الأشاعرة والماتريدية -مثلاً- مما يحجون به وتقام عليهم الحجة به: أنهم يؤمنون برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، خلافاً للمعتزلة، وخلافاً للخوارج، فهؤلاء المعتزلة والخوارج ينكرون أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة.
أما الماتريدية والأشعرية فهم يشاركون أهل السنة -أهل الحديث- في إيمانهم بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة.
هنا تأتي الحجة القاصمة لظهر المنكرين لاستواء الله على عرشه، واستعلائه على مخلوقاته؛ ذلك لأن هذه الرؤية التي اشترك الماتريدية والأشاعرة مع أهل الحديث في الإيمان بها، تستلزم إثبات العلو لله ، وهم ينكرون العلو، فيقال لهم: كيف تنكرون علو الله على خلقه، ومع ذلك تثبتون رؤية المؤمنين لربهم؟! فكيف تعتقدون رؤية المؤمنين لربهم وأنتم تنكرون علو الله على خلقه؟! فهذا تنافر وتضاد؛ ولذلك الآن تجد ذاك الرجل الذي ملأت رائحته الكريهة أنوف المؤمنين جميعاً، لا يتعرض إطلاقاً لإثبات هذه العقيدة، وهي عقيدة رؤية المؤمنين لرب العالمين؛ مع أنها عقيدة الأشاعرة، وعقيدة الماتريدية، لماذا؟ لأن هذه العقيدة وحدها تكفي لإبطال قولهم: إن الله ليس فوق العرش، وليس فوق المخلوقات كلها.
إذاً يجب أن نؤمن بأصل هذه الرؤية، وبثبوتها في الكتاب والسنة وإجماع السلف والخلف، وإقرار الماتريدية والأشاعرة بها، أما الدخول في التفاصيل فيقف المؤمن عند ما علم منها، علمنا حديث يوم المزيد، وهو يوم الجمعة، وأن المؤمنين يرون ربهم في كل جمعة؛ فآمنا بذلك، ولسنا مكلفين، بل لا يجوز لنا أن نتعمق أكثر من ذلك.
ويعجبني بهذه المناسبة قول أحد علماء الحنفية الماتريدية الذين -كما ذكرت آنفاً- يشتركون مع أهل الحديث في الإيمان بهذه النعمة العظمى، وهي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، قال هذا الرجل العالم الفاضل الحنفي الماتريدي:
يراه المؤمنون بغير كيفٍ وتشبيه وضربٍ بالمثال
هذا ما يمكنني أن أتحدث به في هذه اللحظة جواباً عن تلك المسألة.
стр. 512
رد شبهة حول منهج السلف في إثبات الصفات
السؤال
كثيراً ما يُزعم أن مذهب السلف هو التفويض في الصفات، ويستندون في ذلك على بعض الأقوال لأهل العلم، كالإمام أحمد في قوله: أمروها كما جاءت بلا تفسير.
شيخنا! لو توضحون هذه الأقوال، خاصة وأنها ثابتة عن الإمام أحمد وغيره، نرجو منكم بيان هذه المسألة، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
سبق أن تكلمنا عن هذه المسألة، وجواباً عنها نقول: إن السلف كما جاء في كتب أئمة الحديث، وكما جاء في بعض كتب الأشاعرة كالحافظ ابن حجر العسقلاني، وهو من حيث الأصول والعقيدة أشعري -على علمه وفضله- وهو قد ذكر في أكثر من موضعٍ واحد في كتابه العظيم المسمى بـ فتح الباري، أن عقيدة السلف تحمل آيات على ظاهرها دون تأويل ودون تشبيه، فقول الإمام أحمد: أمروها كما جاءت، أي: افهموها كما جاءت، دون أن تتعمقوا في محاولة معرفة الكيفية.
والذين يقولون: إن مذهب السلف هو التفويض، يلزمهم أولاً أمران اثنان، وكما يقال: أحلاهما مر، فيلزمهم أن الآيات التي وصف الله نفسه فيها، فضلاً عن الأحاديث الكثيرة التي وصف النبي ﵌ ربه فيها؛ كل هذه النصوص معناها على مذهب التفويض: أننا لا نفهم هذه النصوص، بل ولا ندري لماذا أنزلها ربنا في كتابه! ولا ندري لماذا وصف النبي ربه بهذه الصفات! والواجب علينا ألا نفهم هذه الصفات المذكورة في القرآن والسنة؛ علماً بأن الله نعى على قومٍ أنهم لا يهتمون بفهم القرآن الكريم، حينما قال رب العالمين: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فلا شك أن أعظم شيء يتعلق بهذا الإسلام هو: معرفة الرب الذي شرع هذا الدين على لسان نبيه ﵊، فحينما يقال في آيات الصفات، وفي أحاديث الصفات: لا نفهم منها شيئاً، إذاً هم لم يعتبروا بمثل قوله في الآية السابقة: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ويشملهم أيضاً قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] ، وقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] ، والآيات كلها إنما أنزلت لتعقل وتفهم عن الله ، فإن كانت متعلقة بالعقيدة تبناها عقيدة، وإن كانت متعلقة بالأحكام تبناها وعمل بها.
إذاً: إذا كانت الآيات المتعلقة بصفة الله لا تفهم؛ فإذاً نحن لا ندري عن ربنا شيئاً إلا أن له وجوداً، وعلى هذا فهناك صفات مجمع عليها بين العلماء حتى علماء الخلف: مثلاً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فهل نفهم من صفة السميع أن نفوض فنقول: لا ندري ما هي صفة السمع؟ كذلك البصير، لا ندري ما هي صفة البصر! والقدير والحكيم والعليم إلخ، معنى ذلك التفويض المزعوم: أننا لا نفهم شيئاً من هذه الصفات!! إذاً: على هذا نكون قد آمنا بربٍ موجود، لكن لا نعرف له صفة من الصفات، وحينئذٍ كفرنا برب العباد حينما أنكرنا الصفات بزعم التفويض، وهذا هو الذي يرد -أولاً- على أولئك المفوضة زعموا.
اللازم الثاني: إذا قال الإمام أحمد أو غيره: أمروها كما جاءت، فقبل الإمام أحمد كان هناك إمام دار الهجرة وهو الإمام مالك رحمه الله تعالى، فهل كان على هذا المذهب؟ حينما جاءه ذلك السائل فقال له: يا مالك! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، فلا يعني أن الاستواء مفوض معناه، بل إن الاستواء معلوم وهو العلو، ولكن الكيف مجهول، وهذا هو مذهب السلف؛ ولذلك كان تمام كلام الإمام مالك ﵀ أن قال: أخرجوا الرجل فإنه مبتدع.
فهذا الرجل السائل لم يكن مبتدعاً لأنه سأل عن معنى خفي عليه من قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وإنما أخرج وبُدِّع لأنه سأل عن كيفية الاستواء، فكان قول الإمام مالك هذا هو الذي يمثل منهج السلف الصالح، والمتبعين لهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وهو أن معاني آيات، وأحاديث الصفات مفهومة لغة، لكن كيفياتها مجهولة تماماً، فلا يعرف كيفية الذات إلا صاحب الذات! ولا يعرف كيفية الصفات إلا الذات نفسها! لكن الاستواء معلوم، والسمع معلوم، والبصر معلوم، والعلم معلوم وو إلخ.
ولذلك فأنا أعتقد أن تفسير كلمة الإمام أحمد: أمروها كما جاءت، بأنها تعني عدم فهم الآيات، وأن نقول: الله أعلم بمراده -كما يزعم الخلف- فهذا هو أصل التعطيل المؤدي إلى جحد الخالق .
لذلك فأنا يعجبني كلمة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وأكررها على مسامعكم لتحفظوها؛ لأن فيها جماع هذه المسألة في كلمتين اثنتين، يقول ﵀: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً.
فإذا قال الإنسان: إن الله ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا داخل العالم ولا خارجه؛ كما يقول بعض المبتدعة الضالين في هذا البلد خاصة؛ حيث يزعمون بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فهذا وصف للمعدوم الذي لا وجود له، ولو قيل لإنسان: هل العدم شيءٌ؟ ماذا تتصورون أن يكون الجواب؟! سيكون الجواب: العدم لا شيء.
وإذا قيل: هذا العدم الذي هو لا شيء، هل هو داخل العالم أو خارجه؟ هل يصح هذا الوصف؟ لا يصح، فإذا كان هناك شيء له وجوده، وله كيانه، فهل يقال: إنه ليس داخل العالم ولا خارجه؟ كذلك هذا لا يقال.
إذاً: من هنا قال ابن تيمية ﵀: والمعطل يعبد عدماً، أي: شيئاً لا وجود له، وقد قلنا في بعض المناسبات الكثيرة: إن حديث عمران بن حصين ﵁ المروي في صحيح البخاري: (أن رجلاً سأل النبي ﵌ عن العرش، وعما خلق الله بعد العرش، وعما كان قبل العرش، فقال ﵊: كان الله ولا شيء معه) أي: لا مخلوقات.
فإذاً هو كان ولا مخلوق معه، ثم خلق العرش، ثم خلق السماوات والأرض.
فإذاً: حينما خلق الله السماوات والأرض صارت هي الموجود بإيجاد الله إياها، فلا شك ولا ريب أن الله -والحالة هذه- ليس في المخلوقات، أما أن يقال: إنه ليس خارج المخلوقات، فهذا جحد لوجود الله ؛ لأنه كان ولا مخلوقات، ولا عرش، ولا كرسي، ولا سماء، ولا أرض، ولا إلخ.
لذلك نحن نقول: إن عاقبة التأويل هي التعطيل، لهذا يقول ابن تيمية: المجسم يعبد صنماً، وهذا حرام بلا شك؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] والمعطل يعبد عدماً، أي: يعبد شيئاً لا وجود له، فآمنوا بالله ورسوله على أساسٍ من الفهم للآيات، على الأسلوب العربي الذي كان عليه سلفنا الصالح أولاً، مع الاحتفاظ بأن حقائق هذه الصفات وهذه الأسماء لا يعرفها إلا الله ﵎.
السائل: كذلك مما يثبت أن الإمام أحمد ﵁ ورحمه الله تعالى يعرف ويفهم معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، عندما أثبت أن الله فوق السماوات بذاته، حيث سئل وقيل له: يا إمام! ماذا تقول في قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] ؟ قال: بعلمه.
فهذا أيضاً يدل على أن الإمام أحمد يفهم ويعرف معنى قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] .
الشيخ: أن يقال: إن السلف ما فسروا، فهذا جحد لحقيقةٍ تشبه جحد المنهجيات من الأمور، والله المستعان!
стр. 513
الرد على السقاف
السؤال
هناك بدعة جديدة يا شيخ! ابتدعها السقاف في هذه الأيام بالنسبة لهذه المسألة، حيث تكلمت مع أحد تلامذته أو رواده، فعندما ناقشته في هذه المسألة قال: حين سئل شيخنا عن حديث الجارية، وهو في صحيح مسلم قال: الصحابة قالوا: إن الرحمن على العرش استوى، ولكنهم يريدون التأويل، فعندما ناقشت هذا الرجل، كنت كلما يأتي بشيء آتي له بشيء ينقضه، حتى قال في النهاية: أنا أثبت أن الله فوق السماء كما أثبتته الجارية، وبقي مصراً على كلام شيخه، وأن الجارية أثبتته؛ ولكنها تريد التأويل.
الشيخ: وما يدريه؟ السائل: أنا قلت له: ما هي الحجة والبرهان؟ فهذا لا بد له من برهان ودليل؟
الجواب
على كل حال أنا أعتقد أنها كلمة يقولونها بألسنتهم، ويقولونها هرباً من الحجة التي تقام عليهم؛ لأن الرجل يصرح في كتبه بأن القول بأن الله في السماء كفر، في مثل قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] قال في بعض كتبه، ونقلاً عن بعض المفسرين المؤولين -مع الأسف-: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] كما يقوله أهل الشرك، هكذا هو مطبوع في الكتاب، ولذلك إذا وصل معك إلى أن يقول: أنا أقول كما قالت الجارية؛ لكن مع التأويل، فهذا في اعتقادي أنه سيكون أحد شيئين، وذلك حتى ننصف هذا الرجل الذي تشير إليه: فإما أنه كفر بشيخه، أو تأول كلام الشيخ بتأويل لا يرضاه الشيخ، أو أن الشيخ علمهم: أن إذا قيل لكم كذا فقولوا كذا، لكن قولهم هذا يخالف المسطور في كتبهم؛ لأن الرجل يصرح بأنه لا يجوز للمسلم أن يقول: إن الله في السماء؛ لأن هذه قولة الكفار المشركين في العهد الجاهلي، وهو تلقاه عن الشيخ عبد الله الغماري المغربي، فهو يصرح -أيضاً- في بعض تعليقاته على كتاب التمهيد، هذا الكتاب العظيم الذي ابتلي ببعض المعلقين من أهل الأهواء وأهل التعطيل، ولا أقول: التأويل-.
ولذلك إذا قال هذا القول حقيقة فهذه خطوة إلى الأمام، لكن الحقيقة أن السقاف لا يؤمن إلا أن كلمة: (الله في السماء) كفر؛ لأنه يفسر (في السماء) أي: (في جوف السماء) ، وهذا كفر، لهذا يقول بأننا نحن نقول: إن الله ليس في مكان، ومن قال: إن الله في مكان؛ فقد كفر، لذلك يتأولون (في) بمعنى (على) كما هو صريح الآيات الأخرى، ثم يقول: إن الله ليس في مكان، وليس خارج المكان، أو إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، تلك هي شنشنة المعطلة، ومن عجائب أقوالهم أنهم يكفرون من يقول بقول الله ورسوله ويؤمنون بمن يقول بقولةٍ ما قالها رسول الله، ولا صحابي، ولا تابعي، ولا إمام من أئمة المسلمين! فنقول لذلك السائل: من من العلماء الذين يعرفون بعلمهم وصلاحهم قال: إن الله ليس داخل العالم ولا خارجه؟ وهؤلاء المعطلة من أين جاءوا بهذه العقيدة؟ نقول: فهم مهما حاولوا أن يتأولوا مثل هذا الكلام؛ فإن هذا التأويل لا يقبل في شطره الثاني إلا إنكار وجود الله ﵎، ونحن نعتقد أن كثيراً من المؤولة ليسوا زنادقة، لكن في الحقيقة إنهم يقولون قولة الزنادقة، فالزنديق المنكر لوجود الله هو الذي سيقول: لا شيء مما تزعمون يصح، فإن الله لا داخل العالم ولا خارجه، لكن هم بسبب تأثرهم بعلم الكلام وصلوا إلى أن يقولوا كلمة هي الزندقة بعينها، لكن مع ذلك فهم لا يعلمون، ويصدق فيهم قول رب العالمين: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ [الكهف:١٠٣] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٤] .
стр. 514
بيان قول البخاري في تفسير: (كل شيء هالك إلا وجهه)
السؤال
لي عدة أسئلة، ولكن قبل أن أبدأ أقول: أنا غفلت بالأمس عن ذكر هذه المسألة، وهي عندما قلت: إن الإمام البخاري ترجم في صحيحه في معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] قال: إلا ملكه.
صراحة أنا نقلت هذا الكلام عن كتاب اسمه: دراسة تحليلية لعقيدة ابن حجر، كتبه أحمد عصام الكاتب، وكنت معتقداً أن نقل هذا الرجل إن شاء الله صحيح، ولازلت أقول: يمكن أن يكون نقله صحيحاً، ولكن أقرأ عليك كلامه في هذا الكتاب.
إذ يقول: قد تقدم ترجمة البخاري لسورة القصص في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، أي: إلا ملكه، ويقال: (إلا) ما أريد به وجه الله، وقوله: إلا ملكه، قال الحافظ في رواية النسفي وقال معمر فذكره، ومعمر هذا هو أبو عبيدة بن المثنى، وهذا كلامه في كتابه مجاز القرآن، لكن بلفظ (إلا هو) ، فأنا رجعت اليوم إلى الفتح نفسه فلم أجد ترجمة للبخاري بهذا الشيء، ورجعت لـ صحيح البخاري دون الفتح، فلم أجد هذا الكلام للإمام البخاري، ولكنه هنا كأنه يشير إلى أن هذا الشيء موجود برواية النسفي عن الإمام البخاري، فما جوابكم؟
الجواب
جوابي تقدم سلفاً.
السائل: أنا أردت أن أبين هذا مخافة أن أقع في كلام على الإمام البخاري.
الشيخ: أنت سمعت مني التشكيك في أن يقول البخاري هذه الكلمة؛ لأن تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] أي: ملكه، يا أخي! هذا لا يقوله مسلم مؤمن، وقلت أيضاً: إن كان هذا موجوداً فقد يكون في بعض النسخ، فإذاً الجواب تقدم سلفاً، وأنت جزاك الله خيراً الآن بهذا الكلام الذي ذكرته تؤكد أنه ليس في البخاري مثل هذا التأويل الذي هو عين التعطيل.
السائل: يا شيخنا! على هذا كأن مثل هذا القول موجود في الفتح، وأنا أذكر أني مرة راجعت هذه العبارة باستدلال أحدهم، فكأني وجدت مثل نوع هذا الاستدلال، أي: أنه موجود وهو في بعض النسخ، لكن أنا قلت له: إنه لا يوجد إلا الله ، وإلا مخلوقات الله ، ولا شيء غيرها، فإذا كان كل شيء هالك إلا وجهه، أي: إلا ملكه، إذاً ما هو الشيء الهالك؟!! الشيخ: هذا يا أخي! لا يحتاج إلى تدليل على بطلانه، لكن المهم أن ننزه الإمام البخاري عن أن يؤول هذه الآية وهو إمام في الحديث وفي الصفات، وهو سلفي العقيدة والحمد لله.
وسبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 515
التعامل مع الجن
هذا اللقاء عبارة عن مجموعة من الأسئلة ألقاها الحاضرون على الشيخ ﵀، وهذه الأسئلة تختلف في مواضيعها، فمنها ما يتعلق بالسفر والمدة التي يقصر فيها المسافر، ومنها ما يتعلق بحكم التعامل مع الجن وإمكانية التعامل معهم وغيرها من المسائل المختلفة.
стр. 516
مدة القصر والجمع في السفر
السؤال
مدة القصر والجمع بالنسبة للمسافر، كأن يأتي المسافر زائراً إلى عمّان وينوي الإقامة شهراً إلى شهر ونصف، فهل له الجمع والقصر؟
الجواب
أولاً -يا أخي- الجمع إنما هو رخصة بالنسبة للمسافر؛ سواء كان بحاجة إليها أو لم يكن بحاجة إليها، والعمل بها هو أمر يحبه الله ، كما جاء في الحديث الصحيح: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) فإذا كان الرجل مسافراً فعلاً فله أن يجمع؛ سواءً كان في حاجة إلى الجمع أو لم يكن في حاجة إليه، لكن الجمع ليس خاصاً بالمسافر فقط وإنما يجوز أيضاً للمقيم، لكن ليس من باب الترخص وإنما من باب الحاجة الملحة؛ لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه كما في صحيح مسلم: (جمع رسول الله ﵌ في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، بدون سفر ولا مطر، قالوا: ماذا أراد بذلك يا ابن العباس؟ قال: أراد ألا يحرج أمته) .
فأقف هنا قليلاً؛ لأن هذه المسألة مهمة جداً، ألا وهي الجمع بالنسبة للمقيم، ثم نعود إلى الجمع بالنسبة للمسافر؛ لأن أكثر الناس كما قال رب العالمين: (لا يعلمون) ومن جملة ما لا يعلمون الجمع بالنسبة للمقيم، بعضهم يعلم أن الجمع للمقيم يجوز لكنه لا يشترط له أي شرط، فيجعل الجمع للمقيم كالجمع للمسافر، لا يستويان مثلاً؛ لأن الجمع للمقيم يختلف عن الجمع للمسافر.
الجمع للمسافر -كما قلت آنفاً- رخصة، ولو لم يكن مضطراً، ولا في حاجة ملحة إلى هذه الرخصة، وله أن يفعل ذلك ولا يستطيع أحد أن ينكر؛ لأنه ثبت الجمع بين الصلاتين في الأحاديث الصحيحة، خلافاً لمن يصور هذا الجمع في السفر ويسميه بالجمع الصوْري، وأنتم تقولون: الجمع الصُوري، وهذا لا حاجة إليه لغة، إنما هو جمع صوري، والجمع الحقيقي هو: إما تأخير الصلاة الأولى كالظهر مثلاً إلى الصلاة الأخرى العصر، فتصليهما معاً في وقت العصر، ويسمى جمع تأخير، وإما أن تقدم الصلاة الأخرى فتضمها إلى الصلاة الأولى وتصليهما في وقت الأولى الظهر، فيسمى جمع تقديم، فهذا جمع حقيقي وليس جمعاً صورياً.
كذلك الجمع في حالة الإقامة جمع حقيقي، ولكن يشترط هناك شرط لا يشترط في الجمع للمسافر، ألا وهو: الحاجة التي تعترض سبيل المصلي، فيجد حرجاً يوماً ما في وقت ما أن يصلي الظهر في وقتها والعصر في وقتها، فيجمع بينهما جمع تقديم أو جمع تأخير تمسكاً بالرخصة.
إذا عرفنا هذه الحقيقة في الجمع في السفر والجمع في الحضر، وأنهما من حيث صورة الجمع جمعاً حقيقياً، أما من حيث جواز الجمع ففي السفر للرخصة وفي الحضر لدفع الحرج.
نعود إلى الإجابة على السؤال فنقول: هذا الذي نوى الإقامة في بلد سفره شهراً أو شهرين، أو أقل من ذلك أو أكثر من ذلك هذه الإقامة ليس لها في الشرع أيام معدودات، وإنما هي تتعلق بحالة المقيم، فإن كان أقام تلك الأيام أو أقل منها أو أكثر وهو نوى الإقامة فعلاً، واطمأن في نزوله في ذلك المكان، فهذا أصبح مقيماً ولو أنه ليس في بلده، فلا يجوز له القصر حيث يجب القصر على المسافر فضلاً عن أنه لا يجوز له الجمع، إلا كما ذكرت آنفاً لدفع الحرج، أي: هذا الذي نوى الإقامة شهراً أو أقل أو أكثر أصبح مقيماً، فتجري عليه أحكام المقيم.
أما من نزل في بلد غير بلده ولم ينوِ الإقامة، إنما له في هذا البلد مصالح يريد أن يقضيها، لكنه لا يدري متى ستنقضي، بحيث أنها إذا انقضت عاد أدراجه إلى بلده، فما دام أنه لم ينوِ الإقامة وإنما قال في نفسه: متى أنتهي من قضاء حاجتي رجعت إلى بلدي؛ فهذا غير مقيم، وصورته أن يقول: أول ما أكمل عملي أسافر، فلو مضت أيام كثيرة بل وشهور ولم يكمل عمله فهو مسافر.
فإذاً: القضية لها علاقة بوضع الإنسان في حالة الإقامة المؤقتة ونيته، إذا نوى الإقامة والاستقرار أياماً معدودات فهو مقيم، وإذا لم ينو الإقامة وإنما هو مقيم إقامة مؤقتة لقضاء تلك المصالح ومتابعة تلك الأعمال فإذا انتهى منها يعود إلى بلده، فهذا مسافر مهما طالت الأيام.
стр. 517
حكم الصيام على المسافر الذي نوى الإقامة
السؤال
بالنسبة للمسافر أيضاً من حيث الصيام، كأن يصل وينوي الإقامة، فهل له أن يفطر أم أن عليه أن يواصل صومه؟
الجواب
أنا في اعتقادي أن جوابي السابق يعطيك جواب هذا السؤال اللاحق، قلت: أنه إذا نوى الإقامة فهو مقيم، وارتبطت به أحكام المقيم، وإما أنه لم ينوِ هذه الإقامة وله أعمال يريد أن يقضيها فإذا انتهت رجع، فهو مسافر.
стр. 518
الجمع بين السنن بنية واحدة
السؤال
هناك من يقول: يجمع المصلي سنة تحية المسجد وسنة الظهر ركعتين ويأخذ أجر الأربعة، ما رأيكم في هذا القول؟
الجواب
وهذا القول يمكن تصحيحه ويمكن تضعيفه؛ لأن فيه إجمالاً يحتاج إلى تفصيل، عندما يقول هذا السائل: بأنه يأخذ الأجر، فنحن نقول: يقول الله لملائكته في الحديث القدسي: (يا ملائكتي! إذا همَّ عبدي بحسنة فعملها فاكتبوها له عشر حسنات، إلى مائة حسنة، إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء) وللحديث تتمة ما أظن أني بحاجة إليها الآن، فهذا الذي يقول: يصلي سنة الوضوء والتحية ويأخذ أجر اثنتين، هذا الإطلاق خطأ، لماذا؟ لأننا نفترض أنه لو صلى تحية المسجد لوحدها وصلى سنة الظهر -مثلاً- لوحدهما صلى أربع ركعات، فهذا كتب له تلقاء صلاة التحية على الأقل عشر حسنات، وقد يكون مائة وقد يكون سبعمائة إلخ، فنحن نأخذ الآن أقل عدد وهو عشر حسنات، ولما صلى سنة الظهر كتب له على الأقل عشر حسنات، إذاً مجموع الصلاتين عشرون حسنة، فنقول للذي تنقل عنه هذا الكلام: إذا صلى شخص ركعتين بنية العبادتين هل تكتب له عشرون حسنة؟ إن قال: نعم.
نقول له: أخطأت، لماذا؟ (إذا همَّ عبدي بحسنة فعملها فاكتبوها له عشر حسنات) هذا ما عمل العبادة الثانية -أي: سنة الوضوء- وإنما صلى ركعتين فقط، إذاً هذا لا يكتب له إلا عشر حسنات، لكن هناك زيادة حسنة واحدة فقط، وهي تمام الحديث السابق: (وإذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة واحدة) إذاً هذا عمل عبادة واحدة فكتبت له عشر حسنات على الأقل، والعبادة الثانية ما عملها ولكن نواها، فيكتب له حسنة واحدة.
إذاً الجواب: يكتب له العشر حسنات مقابل العمل، وحسنة واحدة مقابل النية وإذا فرضنا أن الله تفضل عليه وكتب له مقابل الركعتين مائة حسنة، يكتب له مع النية حسنة فتصبح مائة وواحدة، وهكذا دواليك، لذلك نحن نقول: عندنا الآن ثلاث صور وهي في التفاضل كما يأتي: الصورة الأولى: وهي أعلاها: يصلي ركعتين تحية، وركعتين سنة وضوء، وركعتين سنة الوقت، صارت ست ركعات.
الصورة الثانية: أن يصلي ركعتين بثلاث نيات: التحية، ونية الوضوء، ونية سنة الوقت.
الصورة الثالثة والأخيرة: يصلي ركعتين بنية واحدة، فهذا يكتب له عشر حسنات، والذي قبله يكتب له عشر حسنات زائداً أجر النية أو النيتين، والذي قبله كذلك يكتب له أجر العبادة الواحدة زائداً مائتين، المهم كل عمل له عشر حسنات، إذا تكرر العمل تتكرر العشر حسنات وإذا لم يتكرر العمل إنما النية تكررت فالنية لها أجر واحد.
стр. 519
حكم التبرع بأعضاء الميت
السؤال
أوصى رجل إذا توفى أن يتبرع بأحد أعضاء جسمه، كأمثال الذين يتبرعون بالقرنية حالياً، فما هو الحكم بارك الله فيكم؟
الجواب
نحن لا نعتقد جواز هذا التبرع؛ لأن فيه اعتداء على الميت، وحرمة الميت المسلم لا تزال قائمة كما لو كان حياً، ولذلك جاءت أحاديث تنهى المسلم أن يطأ قبر المسلم وأن يجلس عليه، بل جاء وعيد شديد، فقال ﵊: (كسر عظم الميت ككسره حياً) ، أي: من حيث العقوبة، وإلا الميت بعد أن يموت لا يحس بأي شيء يقع في جسده، لكن من حيث الحكم الشرعي، فكسر عظم الميت ككسره حياً.
كثيراً ما يرد سؤال في ذكر مثل هذه المناسبة: أنهم يجرون عمليات جراحية تشريحية ليتعلموا على حساب جثث الموتى، فنقول: لا يجوز؛ لأن الرسول قال: (كسر عظم الميت ككسره حياً) ، بالإضافة إلى أحاديث كثيرة تنهى عن المثلة بالميت، حتى الكافر لا يجوز التمثيل به إذا ما قتله المسلم، أما أن يمثل به ويشوهه فيقطع آذانه وأنفه وأعضاءه.
إلخ.
هذا لا يجوز حرمة لهذا الميت الكافر فضلاً عن المسلم.
فنقول: إذا كان لابد للطبيب المسلم أن يتمرن على حساب جثث الموتى فليبتعد عن جثث المسلمين؛ لأنه جاء في رواية صحيحة: (كسر عظم المؤمن الميت ككسره حياً) حتى هنا نحن نقول: إذا كان هناك مجال للتمرن في التشريح أن يجري هذا التمرن على جثث الحيوانات -أيضاً- ينبغي الابتعاد عن جثث أموات الكفار فضلاً عن المسلمين؛ لما ذكرت آنفاً من أن النبي ﵇ نهى عن التمثيل.
стр. 520
حكم التعامل مع الجن
السؤال
ما حكم التعامل مع الجن؟
الجواب
أقول: التعامل مع الجن ضلالة عصرية، لم نكن نسمع من قبل -قبل هذا الزمان- تعامل الإنس مع الجن، ذلك أمرٌ طبيعي جداً، ألا يمكن تعامل الإنس مع الجن لاختلاف الطبيعتين؛ قال ﵊ تأكيداً لما جاء في القرآن: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥] وزيادة على ما في القرآن قال ﵇: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) فإذاً البشر خلقوا من طين والجان خلقوا من نار، فأنا أعتقد أن من يقول بإمكان التعامل مع الجن مع هذا التفاوت في أصل الخلقة، مثله عندي كمثل من قد يقول -وما سمعنا بعد من يقول - تعامل الإنس مع الملائكة.
هل يمكن أن نقول بأن الإنس بإمكانهم أن يتعاملوا مع الملائكة؟ الجواب: لا.
لماذا؟ نفس الجواب، خلقت الملائكة من نور وخلق آدم مما وصف لكم، أي: من تراب، فهذا الذي خلق من تراب لا يمكنه أن يتعامل مع الذي خُلق من نور.
كذلك أنا أقول: لا يمكن للإنسي أن يتعامل مع الجني بمعنى التعامل المعروف بيننا نحن البشر، نعم.
يمكن أن يكون هناك نوع من التعامل بين الإنس والجن، كما أنه يمكن أن يكون هناك نوع من التعامل بين الإنس والملائكة أيضاً، لكن هذا نادر نادر جداً، ولا يمكن ذلك مع الندرة إلا إذا شاء الملك وشاء الجان.
أما أن يشاء الإنسي أن يتعامل معاملة ما مع ملك ما فهذا مستحيل، وأما أن يشاء الإنسي أن يتعامل مع الجني رغم أنف الجني فهذا مستحيل؛ لأن هذا كان معجزة لسليمان ﵊، ولذلك جاء في الحديث الصحيح في البخاري أو مسلم أو في كليهما: أن النبي ﵌ (قام يصلي يوماً بالناس إماماً، وإذا بهم يرونه كأنه يهجم على شيء ويقبض عليه، ولما سلّم قالوا له: يا رسول الله! رأيناك فعلت كذا وكذا، قال: نعم.
إن الشيطان هجم -أو قال ﵇ هذا المعنى- علي وفي يده شعلة من نار يريد أن يقطع علي صلاتي، فأخذت بعنقه حتى وجدت برد لعابه في يدي، ولولا دعوة أخي سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] لربطته بسارية من سواري المسجد حتى يصبح أطفال المسلمين يلعبون به) لكنه ﵊ تذكر دعاء أخيه سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] ، لولا هذه الدعوة لربطه الرسول، لكنه لم يفعل؛ فأطلق سبيله برغم أنه أراد أن يقطع عليه صلاته.
فالآن ما يشاع في هذا الزمان من تخاطب الإنس مع الجن، أو الإنسي المتخصص في هذه المهنة يزعم أنه يتخاطب مع الجني، وأنه يتفاهم معه، وأنه يسأله عن داء هذا المصاب أو هذا المريض وعن علاجه، هذا إلى حدود معينة يمكن، لكن يمكن واقعياً ولا يمكن شرعاً؛ لأن ليس ما هو ممكن واقعاً يمكن أو يجوز شرعاً فإنه يمكن للمسلم أن ينال رزقه بالحرام، كما ابتلي المسلمون اليوم بالتعامل بالربا معاملات كثيرة وكثيرة جداً، لكن هذا لا يجوز ولا يمكن شرعاً، فما كل ما يجوز واقعاً يجوز شرعاً.
لذلك نحن ننصح الذين ابتلوا بإرقاء المصروعين من الإنس بالجن، ألا يحيدوا أو ألا يزيدوا على تلاوة القرآن على هذا المصروع أو ذاك في سبيل تخليص هذا الإنسي الصريع من ذاك الجني الصريع -صريع اسم مفعول، اسم فاعل- ففي هذه الحدود فقط يجوز، وما سوى ذلك فيه تنبيه لنا في القرآن الكريم على أنه لا يجوز بشهادة الجن الذين آمنوا بالله ورسوله، وقالوا كما حكى ربنا في قرآنه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] وكانت الاستعاذة على أنواع، ولا توجد حاجة للتعرض لها.
المهم أن الاستعانة بالجن سبب من الأسباب لإضلال الإنس؛ لأن الجني لا يخدم الإنسي لوجه الله، وإنما ليتمكن منه لقضاء وطره منه بطريقة أو بأخرى.
لقد كنا في زمن مضى ابتلينا بضلالة لم تكن معروفة من قبل، وهي التنويم المغناطيسي، فكانوا يضللون الناس بشيء سموه بالتنويم المغناطيسي، يسلطون بصر شخص معين على شخص عنده استعداد لينام ثم يتكلم -زعم- في أمور غيبية، ومضى على هذه الضلالة ما شاء الله من السنين تقديراً، ثم حل محلها ضلالة جديدة وهي استحضار الأرواح، ولا نزال إلى الآن نسمع شيئاً عنها، ولكن ليس كما كنا نسمع من قبل ذلك؛ لأنه حل محلها الآن الاتصال بالجن مباشرة لكن من طائفة معينين، وهم الذين دخلوا في باب الاتصال بالجن باسم الدين، وهذا أخطر من ذي قبل، فالتنويم المغناطيسي لم يكن باسم الدين وإنما كان باسم العلم، واستحضار الأرواح كذلك لم يكن باسم الدين إنما كان باسم العلم أيضاً.
أما الآن فبعض المسلمين وقعوا في ضلالة الاستعانة بالجن باسم الدين، ذلك أن الرسول ﵇ ثبت عنه أنه قرأ بعض الآيات على بعض الناس الذين كانوا يصرعون من الجن فشفاهم الله، هذا صحيح؛ لكن هؤلاء بدءوا من هذه النقطة ثم وسعوا الدائرة إلى الكلام: هل أنت مسلم؟ ما دينك؟ نصراني يهودي بوذي؟ وبعد ذلك يقولون له: أسلم تسلم، وبعد ذلك يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، آمن الإنس بكلام الجني وهم لا يرونه ولا يحسون به إطلاقاً، نحن نعيش اليوم سنين طويلة نتعامل مع بني جنسنا -إنس مع إنس-.
وبعد كل هذه السنين يتبين لك أن الذي كنت تعامله كان غاشاً لك، فكيف تريد أن تتعامل مع رجل من الجن لا تعرف حقيقته؟ ويقول لك: أسلمت، ويقول لك: أنا مؤمن، وأنا في خدمتك، ماذا تريد مني؟ أنا حاضر.
هذا نسمعه كثيراً، سبحان الله! من هنا يدخل الضلال على المسلمين كما يقال: (ومعظم النار من مستصغر الشرر) .
بدأنا مهنة نتعاطها في استخراج الجن من الإنس وتوسعنا فيها حتى صارت واسعة.
وقد يسأل سائل فيقول: هل يمكن التعامل مع الجن؟ فنقول: لا يمكن إلا بما ذكرته آنفاً من التفصيل والنصيحة، كما قلت آنفاً: أنه لا يجوز لمسلم أن يزيد على الرقية في معاجلة الإنسي الذي صرعه الجني، يقرأ عليه ما يشاء من كتاب الله ومن أدعية رسول الله ﷺ الصحيحة.
وهناك أشياء عجيبة جداً، كلها توهيم على الناس ومحاولة للانفراد بهذه المهنة عن كل الناس؛ لأنه لو بقيت القضية على تلاوة الآيات فكل أحد يستطيع أن يقرأ بعض الآيات وإذا بالجني يخرج، يقولون: لا.
نريد أن نحيطه بشيء من التمويه والسرية -زعموا- حتى تكون مخصصة في طائفة دون طائفة.
أذكر بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] .
نسأل الله أن يحفظنا عن الانصراف إلى الاستعانة بالجن.
стр. 521
الجمع بين حديث ابن عباس والقول بإتمام الصلاة للمسافر إذا نوى الإقامة
السؤال
بارك الله فيك، قرأت في صحيح مسلم عن ابن عباس: (أن النبي ﵌ جمع تسعة عشر يوماً جمعاً وقصراً) ، وفي رواية عن عائشة: (أحد عشر يوماً) والسؤال: كيف نوفق بين أن الإنسان إذا نوى أن يقيم يصلي صلاة المقيم، وأن النبي ﷺ جمع وهو مسافر؟ الشيخ: أنت تتسرع يا أبا فارس.
السائل: أنا كنت حذراً قلت: شبهة.
الشيخ: أنت تتسرع في سرد الحديث، وهل الحديث له علاقة بالجمع؟ السائل: نعم.
له علاقة بالجمع والقصر، والأخ سأل عن مدة القصر.
الشيخ: أنت تروي الحديث في الجمع، والحديث ليس له علاقة بالجمع، وإنما يتعلق بالقصر.
السائل: القصر ليس مرتبطاً بالجمع؟
الجواب
ليس ضرورياً يا أخي، القصر هو عزيمة والجمع رخصة، والحديث الذي أنت تذكره عن ابن عباس ليس له علاقة بالجمع، وإنما هو أداة ذكرناها وهو يتعلق بالقصر.
السائل: يمكن شيخنا تفيدنا في هذه النقطة؟ الجواب: أنا ذكرتها بروايتين، أنت ذكرت رواية الجمع، وحديث ابن عباس في الجمع وحديث عائشة في الجمع وهو شيء إنما هو في القصر.
السائل: إذاً أنا ملتبس علي جمع وقصر أم قصر؟ انتفت الشبهة.
стр. 522
حكم التركة إذا لم توزع بالعدل
السؤال
يقول السائل: بأن أباه وزع التركة على الذكور بالتساوي، أما الإناث فأعطاهم مبالغ بالتراضي دون أن يأخذن الحصة الصحيحة لهن، يقول: حصل هذا وأنا صغير والآن أنا كبرت وعلمت بما صنعه والدي، فماذا عليَّ؟
الجواب
هؤلاء الذكور أحياء كلهم وكذلك البنات؟ السائل: نعم.
الشيخ: بما أن أباهم مات إذاً يتصافون جميعاً، ما في سبيل إلا هذا.
السائل: يجب على الجميع أن يجلسوا ويعطوا الإناث حقهن من جديد؟ الشيخ: وكل واحد يأخذ حصته بعد ما مات أبوهم.
стр. 523
حكم جلوس المرأة المسلمة مع الأجنبي بقصد الدعوة مع وجود المحرم
السؤال
أخونا في الله ذهب إلى البيت بعد صلاة المغرب ووجد سائحاً سويدياً، وكان جالساً هو وأخوه، وهما لا يستطيعا أن يتكلما اللغة الإنجليزية؛ فأحضروا أختهم وجلست معهم في الغرفة من باب الدعوة إلى الله، ومن باب أن الضرورات تبيح المحظورات، فأجلس أخته في هذه الجلسة حتى تترجم ما يقوله، فهل يجوز هذا؟ وهل يجوز لنا أن نتحدث معهم؟ الشيخ: أنا ما فهمت سؤالك، مهد لي قليلاً قليلاً، من في المجلس؟ السائل: الشاب وأخوه.
الشيخ: ومن هو الثالث؟ السائل: الشاب السويدي.
الشيخ: هو كافر أجنبي، صاروا ثلاثة شباب، ثم ماذا بعد ذلك؟ السائل: الشاب وأخوه لا يستطيعان أن يتكلما باللغة الإنجليزية المتقنة حتى يدعواه إلى الله؛ فأخونا في الله جاء بأخته وأجلسها في الغرفة حتى تترجم الكلام، فهل يجوز هذا؟ الشيخ: إذا كانت متحجبة فيجوز لها أن تترجم كلام أخيها العالم إن كان الأمر كذلك، وتبين هذه المترجمة الدين لذلك السويدي.
стр. 524
حكم التحدث مع المرأة الأجنبية بقصد الدعوة
السؤال
هل يجوز للأخ المسلم حينما يدعو الناس الأوروبيين الذين يأتون عن طريق السياحة إلى هنا هل يجوز له أن يتحدث معهم، وهم غالباً يكونون رجالاً ونساءً؟
الجواب
إذا كان متزوجاً ومحصناً خلقياً فيجوز وإلا فلا.
السؤال: وإذا كان أخونا أعزب؟ الجواب: لا يجوز على كل حال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] .
стр. 525
حكم التدخين
السؤال
هل الدخان محرم وما الدليل من الكتاب والسنة؟
الجواب
لا شك في تحريم الدخان، وهو حرام لأسباب كثيرة: أولاً: أن المدخن يضر بنفسه، وهذا الضرر في النفس له صورتان: ضرر في بدنه، وضرر في ماله، ثم الضرر الذي في بدنه يتعدى إلى غيره؛ فيصير التحريم يعلو ويتضاعف.
والمعصية إما أن يأتي بها العاصي سراً، وإما أن يأتي بها جهراً أمام الناس، فإذا أتى بها سراً فهو عاصٍ لله مرة، وإذا أتى بها جهراً فهو عاصٍ لله مرتين، والسبب في ذلك أن عدوى معصيته تنتقل إلى غيره فيتضرر الغير بمعصيته في نفسه.
ثانياً: كذلك الدخان الذي يشربه الإنسان لا يكتفي بأنه يضر نفسه وماله بل يتعدى في ضرره إلى غيره، وهذا الذي يسمى في لغة العرب: الإضرار ما يتعلق بنفسه الضرر وما يتعلق بغيره الإضرار، ولذلك قال ﵊: (لا ضرر ولا ضرار) فلا يجوز للمسلم أن يضر بنفسه فضلاً عن أن يضر بغيره.
فشارب الدخان جمع الخبيثتين: خبيثة الإضرار بنفسه على التفصيل السابق مادياً وبدنياً، وخبيثة الإضرار بالغير، لا أعني هنا بالإضرار بالغير كالذي يعلن شرب الدخان أمام الناس، هذا واضح، لكنه بهذا الدخان الذي يبثه في الجو الصافي النقي يضر الآخرين، ومعلوم الآن من الأخبار والمجلات الطبية، أن سبب إضرار الدخان في بدن متعاطيه إنما يعود إلى المادة الكمينة فيه وهي التي يسمونها بالنيكوتين، يقولون: هذا الدخان الذي ينفثه شارب الدخان وفيه مادة النيكوتين، فهؤلاء الأبرياء الذين طهرهم الله من شرب الدخان، مكرهون من هذا الشارب أن يشموا وأن يبلعوا رغم أنوفهم شيئاً من مادة النيكوتين هذه.
إذاً: هو جمع المصيبتين في الحديث: الضرر بنفسه والإضرار بغيره، والنبي ﵌ من رأفته ورحمته بأمته أنه جاءهم بكل شيء، وحذرهم من كل شر، حتى وصل به الأمر إلى أن ينهى المسلم أن يتعاطى الطعام الحلال الذي فيه رائحة كريهة، إذا ما كان من الواجب عليه أن يحضر مجلساً فيشم الجالسون منه تلك الرائحة الكريهة، فنهاه عن هذا الطعام الحلال؛ لكي لا يؤذي غيره برائحة الطعام الحلال، وقد عرفتم أن الطعام هو الثوم والبصل، فقال ﵊ في الحديث الصحيح: (من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مصلانا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) ، إذاً كأن الرسول ﵇ يقول: أيها المسلم المصلي! لا تأكلن طعاماً فيه ثوم أو بصل وتحضر المسجد، كل الطعام الذي فيه الثوم والبصل قبل أن تحضر المسجد؛ أما إذا أكلت هذا الطعام قبيل حضورك المسجد فنحن في غنى عن حضورك المسجد، مع أن حضور المسجد فرض عليه كالصلاة نفسها، ولم يقتصر ﵊ على هذا التوجيه: (من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مصلانا) بل طبق ذلك عملياً، حيث دخل ذات يوم المسجد النبوي فشم من أحدهم رائحة الثوم فأمر بإخراجه من المسجد، وإلى أين؟ إلى البقيع -إلى المقابر- لأنه يشير بهذا التنفيذ العملي، أن المسلم الذي يحضر مساجد المسلمين وهو يحمل في فمه رائحة كريهة يؤذي المصلين، هذا لا يليق بأن يعيش مع المصلين، بل ولا مع الأحياء الذين خارج المسجد، بل عليه أن يعيش مع الأموات في المقابر.
تُرى لو كان رسول الله ﵌ في عصرنا هذا، ودخل المسجد، وشم رائحة الدخان من إنسان يصلي بجانبه أو من خلفه، كان سيخرجه إلى المريخ وليس إلى المقابر، لماذا؟ لأنه يضر المسلمين، لكن الطعام ماذا فيه؟ فيه منفعة، الأطباء اليوم يذكرون منافع البصل والثوم أشياء عجيبة غريبة جداً، وعلى العكس من ذلك؛ فهم يذكرون الآن من أضرار الدخان المرض الخبيث السرطان.
فإذا كانت رائحة الطعام النافع بسبب رائحة كريهة في المسجد أخرجه إلى البقيع، فإذا شم رائحة شارب الدخان الذي يضر نفسه ويضر زوجه وأولاده، ومن عجبه أن ترى بعض الآباء يدمنون شرب الدخان، فإذا رأى ابنه يشرب الدخان ينهره، حُق له أن ينهره وما حق له أن ينهره، لماذا؟ لأنه هو قدوة سيئة له.
﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١] لماذا هو لا ينتهي؟ لأنه نشأ على هذا الداء الوبيل.
ولذلك فلا شك ولا ريب شرعاً بأن الدخان حرام، ربما يكون تحريمه من حيث آثاره السيئة أشد من الخمر التي جاء تحريمها بنص القرآن الكريم، والمحرمات في الشرع ليس من الضروري أن تكون كلها بنصوص يشترك في فهمها كل مسلم، الآن لو ضربنا مثلاً هذه المخدرات التي انتشرت في بلاد الكفر والضلال، كـ أوروبا وأمريكا إلخ، وهم يجهزون جيوشاً من أنواع مختلفة لمقاومة انتشار هذا الفساد، ولا يكادون يقضون عليه، لا يوجد عندنا نص في القرآن يتحدث عن الحشيش المخدر، لكن هل هو حلال أم حرام؟ حرام من حيث: (لا ضرر ولا ضرار) .
إذاًَ أخذت الجواب إن شاء الله.
стр. 526
حكم المسح على الخفين أكثر من المدة المحددة
السؤال
الرسول ﷺ أجاز للمسافر المسح ثلاثة أيام بلياليها وللمقيم يوماً وليلة، فإذا تعدى المقيم هذا اليوم ومسح فهل يجوز ذلك؟
الجواب
لا يجوز، وإذا قلنا بالجواز فما هي فائدة التحديد؟ السائل: التحديد هذا هل هو للوجوب أم للسنية؟ الشيخ: نفس الجواب، ماذا كان الجواب السابق؟ لا يجوز، الآن عندما تقول أنت: هل هو للوجوب أم للسنية؟ ماذا يكون الجواب: يجوز أم لا يجوز؟ السائل: لا يجوز.
الشيخ: هذا هو، الجواب تقدم، ولو أنك طورت السؤال، أما الجواب فهو هو، يعني: للوجوب وليس للسنية؛ لأنه لو قيل للسنية، معناها أنك مخير أن تمسح ما شئت، كما هو القول في مذهب الإمام مالك.
стр. 527
مدة المسح للمقيم
السؤال
ما معنى قول الصحابة عن الرسول ﵌: (وقت لنا المسح) هل إذا توضأت الصبح ومسحت الظهر أمسح يوماً وليلة وانتقض وضوئي -مثلاً- في المغرب، هل تعتبر هذه مسحة أم مسحتان؟ وكيف أعمل؟
الجواب
متى يبدأ المسح؟ دعنا نضرب مثالاً: مع أذان الفجر مسح فله أن يمسح إلى قبيل أذان الفجر بلحظة، مسح المسحة قبيل أذان الفجر، فيصلي بهذا الوضوء ما شاء من الصلوات حتى ينتقض.
стр. 528
حكم العمليات الاستشهادية
السؤال
العمليات الاستشهادية التي تقوم بها بعض الحركات الإسلامية هل تجوز أم لا تجوز؟
الجواب
لا تجوز.
стр. 529
حكم إخراج المبتلى بالحشرات من المسجد
السؤال
قياساً على إخراج آكل الثوم والبصل هل يخرج المبتلى بالحشرات في جسمه؟
الجواب
كل مؤذٍ يُخرج، لكن من المخرج؟
стр. 530
حكم التلقيح الصناعي
السؤال
ما حكم التلقيح الصناعي بين الزوجين؟
الجواب
لا يجوز، إلا إذا كان الزوجان طبيبين أو أحدهما على الأقل ويتعاطى أحدهما التلقيح بيده، أما التلقيح بين الزوجين على أيدي رجال أو نساء غرباء عنهما فهذا لا يجوز، فالقضية من حيث أنها تلقيح صناعي ليس فيها شيء إطلاقاً، كالتفقيس بالنسبة للدجاجة تماماً، لكن باعتبار ما قد يطرأ على هذا التلقيح من غش، ومن ضياع النسب، فمن هنا لا يجوز.
ولذلك قلنا: إذا افترضنا أن الزوجين طبيبان أو أحدهما على الأقل، فأحدهما يسحب ماء الثاني ويعملون عملية التلقيح الصناعي إن كان فيها أمل، وإلا فلا تجوز.
السائل: حتى لو عرف من صلاح الرجل القائم على هذا العمل؟ الشيخ: حتى لو عرف.
следующие страницы →