Полный текст (1 035 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الحرص على أداء السنن
ثالثاً: إذا دخل المسلم المسجد فليحرص على أداء السنن والتأسي برسول الله ﷺ في الأذكار والهيئات ويبادر إلى الصف الأول، وينبغي التنبيه على عدم تخطي الرقاب وعدم أذية الناس في المسجد بمضايقتهم أو الجلوس بين اثنين على وجه يزعجهم أو يقلقهم أو يشوش عليهم في صلاتهم، فهناك كبير السن وهناك من هو محتاج إلى سعة قليلة في المكان لضعف في بدنه أو آفة في قدمه أو جسده فينبغي الرفق بمثل هؤلاء خاصة إذا بكروا وأتوا إلى المسجد مبكرين فهم أحق بذلك لمكان السبق، فينبغي للمسلم أن يبتعد عن أذية الناس.
стр. 667
الحرص على عدم أذية الناس
رابعاً وهي من علامات القبول والتوفيق: أن العبد يؤدي العبادة فيسلم الناس من شره ويسلم الناس من أذيته، وما الفائدة إذا كان يطيع الله ﷻ ويؤذي عباده؟! فتكون حسنات طاعته لمن آذاه والعياذ بالله، فلذلك يحرص المسلم على ألا يؤذي المصلين خاصة أهل الصفوف الأول والمبكرين إلى المسجد ونحوهم، هؤلاء يحرص على عدم مضايقتهم وعدم التضييق عليهم ما أمكن.
стр. 668
التبكير إلى المساجد
أما الأمر الثاني: فالتبكير إلى المساجد؛ فإن المسلم إذا عظم طاعة الله وحرص عليها وأظهر لله من نفسه الشوق إليها والحرص عليها فضله الله وأعلى درجته؛ فإنك إن بكرت إلى الصلاة كنت أعظم الناس فيها أجراً؛ ولذلك قال ﷺ : (وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط) فالرباط على الخير أن يبادر الإنسان ويبكر إلى قيام الليل، وهذا من أفضل ما يكون، على أن يكون أول داخل للمسجد وآخر من يخرج من المسجد، وهذه نعمة من الله إن اختار الله العبد لذكره وفرغ قلبه لذكره وجعله من أسبق الناس للخير، فهذه نعمة والله لا يعطي الدين إلا لمن أحب.
قالوا: ومن دلائل حب الله للعبد أنك تجده بخير المنازل في الطاعة، قال ﷺ : (ولا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله) أي: يتأخرون عن الخير وهذا ورد في الصلاة، ولكن العلماء يقولون: وهي قاعدة عامة، فالمستبق إلى الخير والمسارع إلى الخير ليس كغيره، ولكل درجات مما عملوا؛ ولذلك ينبغي المبادرة والتبكير ما أمكن وذلك لما فيه من عظيم الثواب والأجر عند الله .
стр. 669
الإخلاص لله
أولها وأعظمها وأجلها وأفضلها: الإخلاص لله ﷻ ، فمن خرج من بيته إلى بيت من بيوت الله فيخرج وليس في قلبه إلا الله، لا يخرج رياءً ولا سمعة ولا من أجل ثناء الناس: (فمن راءى راءى الله به ومن سمّع سمّع الله به) ولقد عتب الله على أقوام إذا قاموا إلى الصلاة قاموا وهم كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً، عتب الله على هؤلاء وذكر أن مصيرهم إلى الدرك الأسفل من النار وساءت مصيراً، نسأل الله بعزته وجلاله أن يعافينا من الرياء وأن يحفظنا منه.
فليحرص المسلم على أن يخرج إلى بيت الله مخلصاً لوجه الله ﷻ ، ولا ينتظر من أحد أن يمدحه أو يثني عليه؛ ولذلك كان بعض العلماء يقول: لا يبلغ العبد درجة الإخلاص حتى يتمنى أن صلاته وعبادته بينه وبين الله لا تراها عين ولا تسمع بها أذن، وهذا من أبلغ ما يكون من الإخلاص لله ﷻ ، فيبتعد عن البروز أمام الناس واختيار أماكن خاصة حتى يراه الناس ويثنون عليه بأنه قائم أو أنه العابد لا.
وكان إبراهيم النخعي ﵀ لا يجلس تحت سارية معينة خوفاً من الشهرة ﵀ برحمته الواسعة، كانوا يخافون الرياء وثناء الناس ومدحهم، فمن مدحه الناس وأثنوا عليه في وجهه فبالغوا في ثنائه قطعوا عنقه -نسأل الله السلامة والعافية- لأن الإنسان لا يأمن أن تزل قدمه بعد ثبوتها، والمعصوم من عصمه الله.
стр. 670
مسألة: حكم حجز المكان في المسجد
وهنا مسألة حجز المكان فإن من الأمور التي لا يجوز فعلها في المسجد حجز المكان في المسجد إلا في حالة واحدة وردت السنة بالإذن بها وهي أن يخرج الإنسان إلى قضاء حاجته، قال ﷺ : (إذا قام أحدكم من مقعده لحاجته ثم عاد إليه فهو أحق به) أما أن يحجز الرجل مكانه فيصلي المغرب ويضع سجادته ويذهب إلى بيته فيأكل ويترفق حتى إذا بقي على الإقامة اليسير يأتي يتخطى رقاب الناس ويؤذي الناس إلى ذلك المكان الذي هو في الصفوف الأول ولا يصل إليه إلا بعد أذية كثير من المصلين فهذا لا يجوز ولا شك أنه ظلم وأذية، إذ لو فتح هذا الباب لكل واحد لما وسع كل رجل إلا أن يضع سجادة ويذهب، فلا يجوز الحجز إلا إذا كان في المسجد وخرج لقضاء الحاجة، أما غير ذلك فبيوت الله لله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن:١٨] يستوي فيه الفقير والغني والجليل والحقير والرفيع والوضيع كلهم سواء في بيت الله ﷻ ، لا يجوز للمسلم أن يحجز مكاناً ويدعي أن هذا المكان له وأن هذه السارية له بعينها له مكانها وأنه أحق بالجلوس فيها، كل ذلك مما يفوت على الإنسان الأجر وقد يوقعه في الإثم والوزر، نسأل الله السلامة والعافية.
كذلك أوصي أخواتي المسلمات أن يتقين الله في قيام الليل فأوصي المرأة المسلمة بما أوصي به الرجال لأنهن شقائق الرجل كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ .
وعلى المرأة المسلمة إذا خرجت لقيام رمضان أن تبتعد عما حرم الله من إبداء الزينة وإبداء المفاتن، وأن لا تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وأن تقول قولاً معروفاً، وأن تخرج إلى بيوت الله خائفة من الله ترجو ثواب الله مخلصة لوجه الله تعصم نفسها وغيرها عن الفتن ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وتبتعد عن مزاحمة الرجال وكذلك عن فتنتهم بالطيب والروائح ونحو ذلك، كل ذلك ينبغي على المرأة أن تتحفظ فيه وأن تتقي الله جل وعلا في إخوانها المسلمين، وأن تعلم أنها خرجت ترجو رحمة الله، وأنه لا يجوز أن تفتح على نفسها أو على إخوانها المسلمين أبواب الفتنة سواء كان ذلك بقول منها أو عمل.
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا في شهر شعبان، وأن يبلغنا شهر رمضان، وأن يجعلنا ممن صامه وقامه إيماناً واحتساباً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 671
الأسئلة
стр. 672
حكم الوتر بركعة واحدة من غير شفع
السؤال
هل يكفي أن يوتر الشخص بركعة واحدة من غير شفع؟
الجواب
من صلى بالليل وصلى ركعة واحدة فعلى حالتين: الحالة الأولى: أن يطول ويكثر من القراءة وينحصر قيامه في ركعة واحدة، وهذا أثر عن بعض السلف وعن بعض الصحابة، فقد أثر عن عثمان ﵁ أنه فعل ذلك وقام بركعة واحدة من طول قيامه، ولكن الأفضل والأكمل هدي رسول الله ﷺ أن يصلي إحدى عشرة ركعة ويجزئ القيام على هذه الصورة.
أما إذا كان وقته ضيقاً ولا يستطيع أن يصلي إلا ركعة واحدة فله أن يوتر بركعة واحدة، ولذلك أوتر معاوية ﵁ كما ثبت في الأثر الصحيح عنه بركعة واحدة، وأثر عن الصحابة رضوان الله عليهم، ولا حرج أن يكون وتره بركعة واحدة؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وجعلها لكم بين صلاة العشاء والفجر) فقالوا: يجوز أن يصلي هذه الصلاة بركعة واحدة مستقلة، ولكن لا ينبغي للمسلم أن يفوت على نفسه الخير والأجر فيحصر قيامه في ركعة واحدة، والمحروم من حرمه الله، نسأل الله العظيم من واسع فضله، والله تعالى أعلم.
стр. 673
حكم صلاة النافلة جماعة في غير رمضان
السؤال
ما حكم صلاة النافلة جماعة باستمرار في غير شهر رمضان وذلك لتأكيد حفظ القرآن؟
الجواب
لا تشرع الجماعة في النافلة إلا في صلاة التراويح؛ وذلك لأن النبي ﷺ لم يجمع إلا فيها.
أما بالنسبة للسؤال عن مسألة الجماعة في النافلة، فالجماعة في النافلة تشرع في صلاة التراويح؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، وأجمع العلماء ﵏ على مشروعية التراويح جماعة، وأما بالنسبة لإحياء الليل في غير رمضان جماعة فله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون بالقصد، والمراد بالقصد عند العلماء أن يتفق جماعة على أن يخرجوا وأن يصلوا كل ليلة جماعة، أو يتفق أهل المسجد على أن يجتمعوا في ساعة من الليل يصلون في بيت أحدهم أو في المسجد جماعة، فهذا لا يشرع؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل الجماعة قط إلا في التراويح، لكن لو أنك كنت في سفر أو كنت في بر أو كنت في بيتك وعندك ضيف أو نزلت ضيفاً على رجل رأيته يقوم الليل فجئت عن يمينه وقمت معه أو رآك تصلي في الليل وجاء يصلي معك فلا حرج، فهذه تسمى الجماعة اتفاقاً؛ لأن ابن مسعود ﵁ وكذلك ابن عباس ﵁ إنما صلى مع النبي ﷺ اتفاقاً لا قصداً.
ولذلك لما أراد أن ينام ابن عباس مع النبي ﷺ لم يقل له النبي ﷺ يا غلام! قم معي الليل، أو إذا كان آخر الليل: فصلي معي جماعة، قالوا: فعل ذلك اتفاقاً لا قصداً، ويجوز ذلك أيضاً في النهار فلو جئت في بيتك وصليت الضحى فرآك صديقك أو من معك فأحب أن يصلي معك أو الزوجة أرادت أن تصلي معك فلا حرج؛ لأن النبي ﷺ ثبت عنه في الصحيحين أنه دخل على أم حرام بنت ملحان ﵂ وأرضاها، قال أنس: (فقال لنا: قوموا فلأصلي لكم) فهذا شيء حصل اتفاقاً، أي: أنه لم يكن مرتباً قبل مجيئه ﵊ وقبل وقته وحينه، قال: (فصففت أنا واليتيم معه والعجوز من ورائنا) فدل على جواز النافلة اتفاقاً لا قصداً، والله تعالى أعلم.
стр. 674
حكم الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة
السؤال
هل يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة؟
الجواب
قوله في الحديث الماضي: (كتب له قيام ليلة) قالوا: يكتب له أجر قيام الليلة كاملاً، وفرق بين قوله: (كتب له قيام ليلة) وبين الحكم في كونه قد قام الليلة كاملة، هناك فرق بين المسألتين وتوضيح ذلك في العشر الأواخر، ففي العشر الأواخر يندب إلى إحياء الليل، فبعض الناس يصلي مع التراويح ثم يقول: إذا صليت التراويح وخرجت مع الإمام كتب لي إنني أحييت الليل فيذهب وينام، ويقول: إنني قد أخذت الفجر والفضيلة، والواقع أن هناك فرق بين الفضيلة وبين الحكم، (كتب له قيام ليلة) أي: كتب له أجر قيام الليلة، ولكنه لا يحكم بكونه قد قام الليلة فيما ندب إلى إحياء الليل فيه كاملاً؛ لأن الإحياء لا يكون إلا حقيقة، فقوله كما جاء (وأحيا ليله) لحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وعلى هذا فإنه يكتب له أجر القيام.
وأما بالنسبة للاعتكاف فالأصل في قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] هذا أصل عام أخذ منه جماهير العلماء رحمة الله عليهم منهم الأئمة الأربعة وهو قول داود الظاهري والحديث أن الاعتكاف جائز في المساجد كلها من حيث الجملة، إلا أن من نوى أن يعتكف العشر الأواخر أو نذر أن يعتكف العشر الأواخر فإنه لا يعتكف إلا في مسجد فيه الجمعة؛ لأنه إذا نذر اعتكاف العشر كاملة حرم عليه أن يخرج، فإذا جاء يوم الجمعة وهو في مسجد لا يجمع فيه فمعنى ذلك إما أن يبطل نذره بالخروج؛ لأن المعتكف لا يجوز له الخروج إلا من ضرورة وحاجة تتعلق ببدنه، وإما أن يضطر إلى ترك الجمعة ولا يجوز لمثله أن يترك الجمعة.
فلذلك إذا نذر وفرض على نفسه اعتكاف العشر كاملة فإنه لا يعتكف إلا في مسجد فيه جمعة، وهذا هو الأصل الذي دعا بعض العلماء أن يقول: اعتكاف العشر لا يكون إلا في مسجد يجمع فيه حتى لا يضطر إلى الخروج، أما لو نذر أن يعتكف ليلة وجاء في أي مسجد واعتكف فيه لا بأس ولا حرج، وقد جاء عنه ﵊ قوله: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) وهذا الحديث حسن بعض العلماء رحمة الله عليهم من المتقدمين والمتأخرين إسناده وقال مجاهد بظاهره، ومجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس قال: [إنه لا يجوز الاعتكاف إلا في واحد من المساجد الثلاثة] ولكن خالفه جمهور العلماء على ظاهر الآية الكريمة.
ولذلك أيضاً قالوا: إن قوله: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) هذا معروف في أسلوب الشرع النفي المسلط على الحقيقة الشرعية كقوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له) (ولا صلاة بعد صلاة الصبح) (ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) تارة يرد ويراد به الكمال، وتارة يرد ويراد به نفي الصحة، فتردد الحديث هنا بين أن يحمل قوله: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) بين أن يحمل على الفضيلة، أي: لا أفضل من الاعتكاف في المساجد الثلاثة فلا اعتكاف كامل إلا في المساجد الثلاثة؛ لأن المسجد الحرام فيه فضيلة الطواف التي لا توجد في غيره، ومسجد النبي ﷺ دونه ففيه فضيلة الألف الصلاة التي لا توجد فيمن دونه، والمسجد الأقصى فيه فضيلة مضاعفة الصلاة خمسمائة صلاة، فأصبح من يصلي ويعتكف في هذه المساجد قد حصل على كمال الاعتكاف ما لم يحصله في غيره، فصار كقوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له) أي: لا إيمان كامل لمن لا أمانة له، وكقوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) أي: لا وضوء كامل لمن لم يذكر اسم الله عليه لوجود الصارف من الأدلة الأخرى وهذا هو قول جمهور العلماء، والله تعالى أعلم.
стр. 675
حكم ابتلاع الصائم للنخامة
السؤال
ما حكم ابتلاع النخامة؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فهذه المسألة مما تعم به البلوى وهي مسألة النخامة، والنخامة إذا كان الإنسان صائماً لا يخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يزدرد النخامة دون أن تبلغ فمه، كأن تكون في خياشيمه أو أنفه فيزدردها، أي: إلى جوفه دون أن يخرجها إلى فمه فهذا لا تفطر بإجماع العلماء رحمة الله عليهم، وهي من الجسم ومن داخله كتحرك الطعام في الجوف.
الحالة الثانية: أن يخرج النخامة حتى تخرج من فمه ثم يعيدها فهو مفطر كالقيء إذا أخرجه ثم أعاده.
الحالة الثالثة: أن يخرج النخامة في فمه ولا يخرجه عن شفتيه كالصورة الثانية فتكون في فمه فهل يفطر أو لا يفطر وجهان للعلماء: من أهل العلم من قال: النخامة كالقيء وهي البلغم الثقيل ويكون غليظ له قطع، أما إذا كان رقيقاً ومن الريق فهذا لا يضر، نحن نتكلم عن النخامة التي هي كالقطع، قالوا: إذا أخرجها إلى فمه فحكمها حكم القيء، والذي يظهر أنه من المشتبه الذي ينبغي اتقائه فاحتياط المسلم بقذفه وإلقائه أبلغ وأسلم، قال ﷺ : (دع ما يريبك إلى مالا يريبك) والله تعالى أعلم.
стр. 676
حكم القلس الذي يخرج من الصائم
السؤال
ما حكم القلس الذي يخرج من الصائم وهل يعتبر مفطراً؟
الجواب
ما خرج من الجوف وبلغ اللهاة، واللهاة هي: الفاصل بين الفم وبين الحلق، فاللهاة هي اللحمة المتدلية وهي الفاصل عند العلماء إذا قاء الإنسان أو خرج منه القلس فإنه إذا جاوز هذا المكان وأعاده فقد أفطر، فمن خرج منه طعام أو فضلة طعام وجاوز اللهاة إلى الفم ثم أعاده فإنه يعتبر مفطراً، وهذا بناءً على أن الفم من خارج لا من داخل فيستوي أن يكون قيءً أو يكون قلساً، والله تعالى أعلم.
стр. 677
الإمساك عن الطعام عند سماع الأذان
السؤال
إني أحبك في الله، انتشر في قريتنا أنهم يأكلون ويشربون حتى يقول المؤذن: الصلاة خير من النوم، فهل فعلاً هذا صحيح وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الأصل من المؤذن أن يؤذن عند تبين الفجر الصادق من الفجر الكاذب وهذا هو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: (كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) فإذا أذن المؤذن وجب الإمساك، لكن من كان في صحراء وأمكنه أن ينظر إلى السماء وعنده خبرة ومعرفة يعرف فيها الفجر الصادق من الفجر الكاذب ونظر أن الفجر باقٍ عليه، وأكل في هذا الوقت فإنه لا يفطر، أما أن يقال للناس: كلوا إلى قوله (الصلاة خير من النوم) أو كلوا واشربوا إلى أن ينتهي المؤذن فهذا خلاف الأصل، لأن الأصل في المؤذن أنه يؤذن عند تبين الفجر الصادق من الكاذب، وهذا هو الذي نص عليه حديث رسول الله ﷺ الثابت في الصحيحين، فلا يجوز الأكل إذا كان المؤذن حافظاً للوقت وضابطاً له وكان معروفاً أنه يؤذن عند تبين الفجر، فمن أكل أو شرب عندئذٍ فإنه يحكم بفطره، والله تعالى أعلم.
стр. 678
فضل متابعة الإمام
السؤال
ما معنى قوله ﵊: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)؟
الجواب
القيام مع الأئمة فيه خير كثير؛ فإن لزوم جماعة المسلمين وإصابة دعوة الناس فيها خير كثير كما ثبت في الحديث الصحيح عنه ﵊ قال: (ودعوتهم من ورائهم) فيشهد الخير ويشهد جماعة المسلمين ويصلي معهم، فندب إلى تكثير سواد الأئمة والحرص على الصلاة معهم لما في ذلك من نشاط النفوس على الخير وتشفعه أيضاً في إخوانه وجيرانه وأقاربه أن يشهدوا هذا الخير حينما يروه محافظاً عليه.
قال العلماء: المقصود من هذا الحديث أنه إذا قام مع إمامه حتى ينصرف فيه ترغيب الناس في البقاء مع الأئمة وترغيب الناس في ألا ينصرفوا إلا مع الأئمة، لما فيه من حصول المعونة على الخير، وتشجيعهم أيضاً على القيام بالناس، هذا الحديث المراد به أن يبقى المصلي والمأموم مع الإمام حتى يقضي وتره وينصرف، سواء كان إماماً واحداً أو كان أكثر من إمام؛ لأن قوله ﵊: (من قام مع إمامه) هذا لفظ أريد به الجنس، يعني: جنس من يؤمه، سواء كان الإمام الراتب أو كان هناك أئمة يتناوبون؛ فلذلك قصد منه جنس الإمام: (من قام مع إمامه) قالوا: لأنه لما قعد وصبر واصطبر واحتسب الأجر كان أبلغ في عنائه ونصبه فورد له الفضل بالخصوص، فيندب إلى البقاء حتى يختم الأئمة صلاتهم وينتهون منها ويكون في ذلك إصابة دعوة الوتر وما في ذلك من رجاء الإجابة مع جماعة المسلمين، والله تعالى أعلم.
стр. 679
الحقوق الزوجية
الحقوق الزوجية من أهم الأمور التي تطرح فيما يخص أحوال الأسرة وقضاياها، إذ إن على كل من الزوجين واجبات تجاه الآخر، وله حقوق، وهذه الحقوق والواجبات قد بينها الشارع الحكيم، وجعل المحافظة عليها من شروط استمرار الحياة الزوجية.
ويترتب على الإتيان بهذه الحقوق صلاح الأسرة في الدنيا، مع ما أعده الله لكل من الزوجين من الأجر في الآخرة.
стр. 680
أمانة الحقوق الزوجية ثقلها وفضل أدائها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف بإذن الله عن العباد الغمة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إخواني في الله: إن الفرائض والواجبات وحقوق الأزواج والزوجات أمانة وأي أمانة؛ برئت من حملها الأرض والسماوات، وفزعت من عبئها الجبال الشم الشامخات الراسيات برئت من حملها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا.
حملتها على ظهرك، ووضعتها أمانة في عنقك، لكي ترهن بها بين يدي ربك.
الحقوق والواجبات والأمانات والمسئوليات حقوق أودعها الله ﵎ في قلوب عباده، وأخذ عليهم العهد والميثاق أن يفوا بها، وأن يقوموا بها تقرباً إليه جل شأنه.
إنها الحقوق التي وفى بها عباد لوجه الله، فعدلوا بين أزواجهم وأهليهم، وبناتهم وبنيهم، فأنزلهم الله منابر من نور في الجنة، يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن المقسطين على منابر من نور يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء) وفي حديث أحمد في مسنده: (على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن).
إنهم أهل الوفاء الذين قاموا بأداء الحقوق بكل حب وصفاء.
إنهم أهل الوفاء الذين تفطرت قلوبهم من خشية الله أن يحاسبهم على تلك الحقوق فتغل أعناقهم عند لقاء الله.
إنها الحقوق التي قربت عباداً إلى الله، وأبعدت من أضاعها عن جوار الله.
إنها الحقوق التي أضاعها رجال فخرجوا من القبور حفاة عراة قد شلّت أجسادهم.
إنها الحقوق التي أضاعها نساء فخرجت الواحدة منهن من الدنيا والجنة عليها حرام.
إنها الحقوق التي أمر الله ﵎ بها عباده، فكم نزل بها جبريل، وكم سطر بها في القرآن لله من قيل.
إنها الحقوق التي طالما وقف النبي ﷺ بين أصحابه، فأدمع لها العيون، وسكب لها الجفون، وأخشع لها القلوب، حتى وقف النبي ﷺ موقفاً ما وقف قبله ولا بعده، وكان آخر عهده بأمته في ذلك الموقف.
وقف يوم حجة الوداع أمام مائة ألف نفس من أمته صلوات الله وسلامه عليه، ففتح الله له القلوب والأسماع، فأحل الحلال وحرم الحرام، وأبان الشريعة وفصل الأحكام.
وقف صلوات الله وسلامه عليه فخشعت القلوب من كلامه، وأذعنت لربها من جلال ذلك الموقف العظيم، وكان من خطبته المشهورة وكلماته المأثورة: (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله).
اتقوا الله في النساء؛ وصية من النبي ﷺ لكل مؤمن يؤمن بلقاء الله تعالى، وأبان حقوق الزوج على زوجته، وأبان حقوق الزوجة على زوجها، وأشهد الله على البلاغ، فشهد العباد وشهدت الأرض أنه بلغ لله حجته، وأدى لله أمانته ورسالته.
إنها الحقوق التي رغب فيها ورهب: رغب في أدائها تقرباً إلى الله وتحببا، ورهب من إضاعتها حتى لا يغل العبد بها بين يدي الله في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
стр. 681
نماذج من سير الصحابة في الوفاء مع زوجاتهم وأزواجهم
ولقد سمع أصحاب النبي ﷺ خطبته، ورقت قلوبهم إذ سمعوا موعظته، فكانوا رضوان الله عليهم أبلغ ما يكونون وفاء، وأصدق ما يكونون حباً للأهل وصفاء، كان الواحد منهم يخاف من زوجتيه أن تغل عنقه إذا لم يعدل بينهما.
هذا معاذ بن جبل صاحب الفقه والعمل، القارئ الثابت، العابد القانت، كانت له زوجتان، أثر عنه ﵁ وأرضاه: [أنه إذا كانت الليلة لواحدة منهما وأصبح، لم يشرب في بيت الأخرى] كل ذلك يخاف أن يكون ظالماً، يخاف من كأس من الماء أن يقوده إلى النار، ويوجب عليه سخط الجبار ونقمة القهار.
إنها القلوب التي عرفت الله حتى شاء الله ﵎ أن تموت كلتا زوجتيه في يوم واحد، فغسلتا وكفنتا، وصلى الناس عليهما، وكان الناس في ذلك اليوم في شغل، فما حضر الجنازة إلا القليل، فلما دنا من قبره وأراد أن يقبر الزوجتين احتار ﵁ أيتهما يقدم! خاف -من الله- أن يقدم إحداهما فيحاسبه الله بعد وفاتهما على ظلمهما، حتى إنه ﵁ أقرع بين المرأتين، فلما أقرع بينهما خرجت القرعة على واحدة منهما، فقدمها في القبر.
فرضي الله عنك وأرضاك، وجعل أعالي الفردوس مثواك، إذ وفيت وصية رسول الله في أهلك وزوجك، رضي الله عنك وأرضاك إذ خفت من ربك، وخشيت من لقاء إلهك.
إنها القلوب التي تعرف الله، وتخشى لقاء الله.
إنها الحقوق التي ما أنزلها الله في القرآن عبثا، ولا وقف النبي ﷺ يرهب منها ويدعو إليها عبثا، إنها الحقوق التي تسطر من أجلها الأقوال والأفعال، فتقاد إلى الله حسيراً كسيراً أسيراً بما قاله اللسان، وبما انطوى عليه الجنان، وبما اقترفته اليدان.
أين هذه النماذج الكريمة؟ أين هذه الأمة العظيمة الرحيمة من نماذج اليوم؟
стр. 682
ضرورة التذكير بالحقوق الزوجية
لذلك أحبتي في الله يحتاج المؤمن إلى من يذكره بهذه الحقوق، وإلى من يحرك في قلبه الخوف من الله، ومراقبة الله في حقوق الأهل والزوجات والزوجة بحاجة إن كانت مؤمنة بلقاء الله إلى من يذكر قلبها، ويرقق فؤادها، ويدلها على عظيم حق بعلها، إنها الحقوق العظيمة التي أنزل الله من أجلها الآيات، وحبرت على المنابر العظات البالغات.
أحبتي في الله هي الحقوق التي وصَّى بها النبي ﷺ ، حتى قال: (فاستوصوا بالنساء خيرا) فبيض الله وجه امرئ حفظ وصية النبي ﷺ في أهله، ونضر وجه زوجة حفظت وصية الله في بعلها، أحبتي في الله: في هذا الزمان الذي عظمت غربته، واستخف الرجال بحقوق النساء، واستخف النساء بحقوق الرجال كم نحن بحاجة إلى من يذكر بهذه الحقوق.
إن البلاء كل البلاء، والمصيبة كل المصيبة؛ أن تجد الرجل ظالماً، ولكن لم يسمع يوماً قط من أخيه كلمة تذكره بالله في حقوق زوجته، والمصيبة كل المصيبة أن تكون المرأة ظالمة لزوجها، فلم تسمع يوماً من الأيام كلمة من صديقاتها تدلها على عظيم حق بعلها.
إلى الله المشتكى من غربة الدين بين المؤمنين! ومن تقاعس الناس في طاعة رب الناس، وخوف ما له من شدة وبأس، ومن ضعف القلوب عن التذكير بالله؛ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!! فهذه كلمات تضمنت بعض الحقوق والواجبات.
стр. 683
الوعيد الشديد لمن فرط في حق أهله
رجل تزوج امرأة فمكث معها ثلاثين عاماً، فكانت أماً لأبنائه وبناته، كم طعم من طعامها، وكم اكتسى من لباسٍ غسلته يداها وكم وكم لها عليه من فضل، فلما تولى شيء من جمالها، وغدت بعد مشيبها وكبرها تزوج عليها الثانية، فأنسته الأولى، ومكث أكثر من عشر سنوات لم يدخل بيتها، ولم يطعم طعامها، ولم يطأ فراشها تحلف بالله العظيم أن له أكثر من عشر سنوات ما وطئ فراشها، ولا طعم طعامها، ولا دخل بيتها ويلٌ له من الله ما أشقاه وما أرداه! ويل له من الله إذ ظلم وفجر! ولم يخف الله في زوجتيه.
لقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من كانت له زوجتان فلم يعدل بينهما إلا جاء يوم القيامة وشقه مائل) مشلول والعياذ بالله! يقوم أمام العباد حافياً عارياً مشلول الجسد -والعياذ بالله- ويلٌ له ثم ويلٌ له إذا تعلقت به تلك المظلومة، واستمسكت به تلك المحرومة في يوم يفر فيه المرء من أخيه، وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه! فالله الله! ما أعظمها من حقوق تقرب إلى الله! الله الله! ما أعظمها من حقوق توجب رضا الله أو سخط الله!
стр. 684
حق الله على الزوجين
أعظم الحقوق الزوجية وأجلها على الإطلاق، وأعظم الواجبات الشرعية: حق الله على الزوجين، الله الذي أحل لك حلالها، وأباح لك طيبها ومسها، الله الذي أذن لك بنكاحها، وسهل لك السبيل للوصول إليها.
فيا أيها الزوجان: إن لله عليكما حقاً عظيماً أن تقيما بيت الزوجية على حبه ورضاه، وخشيته وتقواه، وعلى العبودية، والتمسك بالحنيفية، والأمر بالصلاة والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبيض الله وجه رجل أقام أوامر الله في بيته، وبيض الله وجه امرأة أقامت أوامر الله في بيت بعلها.
كم من نساء صالحات ثبت الله بهن القلوب على الطاعات، وكم من نساء بخل الأزواج عليهن لأنهم كانوا بعيدين عن الله، وغريبين عن الله، ومعتدين على حدود الله، فما مضت الأيام إلا والقلوب قد خشعت لربها، وأذعنت لخالقها، فدلّت وبصّرت وهدت، فنعم والله المرأة، وقد دعا النبي ﷺ بالرحمة لامرأة نضحت في وجه زوجها الماء لتقيمه للعبادة، ورغَّبته في الطاعة والزهادة (رحم الله امرأة قامت من الليل فأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء، ورحم الله رجلاً قام من الليل فأيقظ أهله، فإن أبت نضح في وجهها الماء).
ولقد أخبر الله ﵎ عن هذا الواجب والحق العظيم في كتابه، فأمر نبيه ﷺ أن يأمر بطاعته، وأن يحبب في مرضاته، فقال جل شأنه وتقدست أسماؤه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] قال بعض العلماء: إني لأرجو من الله ألا يأمر أحدٌ أهله بطاعة الله إلا كفاه الله رزقه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] فاستنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن من حفظ حق الله في أهله أن الله لا يعييه في رزقٍ لهم.
وقال بعضهم: إنه كان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر في بيته وزوجه، وكان قد بلغه قول هذا العالم، يقول: وقد جربت ذلك فوجدته حقا، حتى إنه تمر علي الليلة لا أجد فيها الطعام، فآوي إلى الزوجة لا تخاصمني ولا تعاتبني، فما هو إلا شيء يشغلها عن الرزق، فأنام وتنام في رحمة من الله.
وقال بعضهم: كان بيتي مليئاً بالمشاكل، وكانت أبغض ساعة عندي تلك الساعة التي أدخل فيها بيت الزوجية، فشاء الله أن يهدي قلبي إليه، فعرفت سبيل المساجد، وقمت مع كل راكع وساجد، فأصبحت أسعد ساعة عندي تلك الساعة التي أدخل فيها إلى بيتي.
ما حفظ مؤمن حق الله في أهله إلا وفقه الله، ولن يسيئه الله في أهله وزوجه؛ لأنه من وفّى لله وفّى الله له، ولذلك أثنى الله على نبي من أنبيائه في كتابه، فقال جل شأنه وتقدست أسماؤه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥] فما أمر أحد أهله إلا أرضاه الله في أهله وكان عند ربه مرضيا، حتى قال بعض العلماء: من دلائل رضوان الله عن العبد توفيقه له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بيت أهله.
فالله الله! في هذا البيت الذي أقمته بتوفيق الله ورحمته! ليكن أول ما يجعله الزوج والزوجة نصب أعنيها إذا دخلا إلى بيت الزوجية إرضاء الله ؛ فأول ما يفكر فيه الإنسان الصالح الموفق الذي يريد الحياة السعيدة الهنيئة هو طاعة الله ورسوله.
والله ما دخلت إلى بيت زوجية وفي نيتك وقلبك أنك تقيم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ بين أهلك وزوجك وأولادك إلا متعك الله، وجعل بيتك نعم البيت إذ تأوي إليه، وإذ تضفي إليه فالله الله في هذا الحق العظيم! والله ما تنكد العيش، ولا تنغصت الحياة، ولا تنكدت العشرة الزوجية بشيء مثل عصيان الله ، والتمرد على الله وعلى أوامر الله! الله الله أن تدخل على زوجتك فتراها على منكر لا يرضاه الله، فلا تأخذك حمية الدين أن تذكرها، ويرق لها شعورك، وتخاف منها أكثر من خشيتك من ربها! الله الله إذ رأيتها فلم تأمرها بطاعة ربها، فجئت يوم القيامة فتعلقت بك بين يدي الله، وقالت: رباه! سل زوجي؛ رآني نائمة وما أيقظني للصلاة! يا رب! سل زوجي؛ سمع مني ما لا يرضيك فما نهاني! يا رب! سل زوجي؛ رآني على معصيتك: انظر إلى الحرام أو أسمع الآثام وما نهاني عن حدودك، وما رهبني من معاصيك! الله الله أن توقفك ذلك الموقف! ولذلك قال بعض العلماء في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] يفر من أهله وزوجه خوفاً من معصية ومنكر رآهم عليه، فيسأله بين يدي الله عن ذلك.
стр. 685
المعاشرة بالمعروف
أما الحق الثاني فقد أمر الله ﵎ به في أكثر من آية من كتابه، وهو ثمرة الخوف والخشية من الله : العشرة بالمعروف خلق الأوفياء، وشأن الكرماء العشرة بالمعروف التي أمر الله بها في كتابه، فقال : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩].
قال ابن عباس: [الخير الكثير أن تكره المرأةَ فتصبر عليها، فيرزقك الله منها ولداً صالحاً فيه خير كثير] وقال الله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:٢٣١] أي: إنه قد ظلم نفسه وسيلقى من الله ما يكون جزاءً وفاقاً لعمله.
فلا يحسبن الظالم إذا أمسك الزوجة للإضرار أن الله غافل عن إضراره، لا والله، فكم لله من نقم وسطوات تنزلت بسبب تلك الدعوات من النساء المظلومات، وكم من رجل تنغصت عليه عيشته، وتنكدت عليه حياته بظلمه لمؤمنة آمنت بالله، فرفعت كفها مظلومة فاشتكت إلى الله! فإن الله قد سمع شكوى المرأة من فوق سبع سماوات، تقول عائشة: [إنه ليخفى علي بعض كلامها، فسبحان من وسع سمعه الأصوات.
سمعها من فوق سبع سماوات تجادل رسول الله ﷺ في بعلها، وتشتكي إلى الله من زوجها]، فأنزل الله فيه قرآناً، وأبقى للعباد من شأنها فرقاناً.
أحبتي في الله: أمر الله بالمعاشرة بالمعروف وهي خصلة الكرماء، وشيمة البررة الأوفياء، شيمة الصالحين، وخلق عباد الله المتقين.
ولذلك لما سأل رجلٌ الحسن البصري ﵀، فقال له: [يا إمام! إن لي ابنة، لمن أزوجها؟ قال: زوجها التقي، فإنه إن أمسكها برها، وإن طلقها لم يظلمها] فمن يتقي الله هو الذي يمسك بالمعروف، وهو الذي يفارق بإحسان.
يقول الله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، أي: إن أمسكتم النساء في عصمتكم فأمسكوهن على الشيمة والوفاء وحسن العهد والذمة والمحبة والصفاء أمسكوهن إمساك الخير لا إمساك الإضرار، فهذه وصية الله لعباده.
ولذلك كان السلف الصالح ﵏، إذا أرادوا تزويج الرجل وسأل عن شرط الولي، قالوا: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وقال عبد الله بن عباس في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء:٢١] قال: [الغليظ: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان] غليظ لكنه على المؤمن يسير، ميثاق غليظ: أي: إن الله أمر كل مؤمن يؤمن بلقائه وبكتابه أن يمسك بالمعروف، فهذا ميثاق غليظ من الله.
فالله الله أن ينظر الله إليك يوماً من الأيام وأنت تمسك المرأة بقصد الأذية! فإن الله تعالى جعل القلوب محل النظر.
والغريب أن الله تعالى يقول للكفار: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً﴾ [الأنفال:٧٠] فهم كفار، لكن لو علم الله في قلوبهم خيراً لأعطاهم على قدر نياتهم، فكيف بالمؤمن؟! فالقلب محل النظر من الله .
والله! ما أخفى إنسان في سريرته وقلبه نية سوء إلا فضحه الله ، ولا تحسبن الله غافلاً عن عباده!
стр. 686
حقيقة الإمساك بالمعروف
وما معنى الإمساك بالمعروف الذي وصى الله به في كتابه، ووصى به نبيه ﷺ أصحابَه والأمةَ جمعاء؟ الإمساك بالمعروف أن تنظر إلى شمائل النبي ﷺ حتى ترى العشرة الوفية في أبهى صورها وأجمل حللها أن تنظر إلى ذلك النبي الكريم في أخذه وعطائه، وحبه ووفائه ذلك النبي الكريم الذي ما آذى امرأة من نسائه ما سب يوماً من الأيام امرأة من نسائه، ولا آذى يوماً من الأيام زوجة من زوجاته، ولا تذمر في وجه واحدة قط صلوات الله وسلامه عليه، ولا وضعت إحداهن طعاماً بين يديه فسبها أو شتمها أو عاب طعامها.
стр. 687
نماذج للمعاشرة بالمعروف
يقول أنس ﵁ وأرضاه: [صحبت النبي ﷺ عشر سنين، ما لمست ديباجاً ولا حريراً ألين من كفه، ولا قال لي يوماً من الأيام قط: أف] طفل صغير ما قال له يوماً من الأيام: أف، فكيف بامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر؟! يأتي ﷺ إلى عائشة فيقول: (يا عائشة! هل عندكم شيء، قالت: لا، قال: إني إذاً صائم) ما قال: فعل الله بك وفعل ما قال: أين طعامنا؟ تقول عائشة: (وإني لأضع يدي على بطنه أرى أثر الجوع) صلوات الله وسلامه عليه.
شيمة ووفاء أبلغ ما يكون من الحب والصفاء والرحمة والشفقة والخيرية للأهل في سيرة النبي ﷺ ؛ ما سمع منه يوماً من الأيام إساءة إلى زوجة من زوجاته، وكان يتحبب إلى المرأة حتى ينادي بالترخيم، فيقول لـ عائشة: (يا عائش!) يدللها ويعطف عليها صلوات الله وسلامه عليه، ولما أمره الله أن يخير نساءه، وأخبر عائشة ﵂ وأرضاها بحكم الله فيه وفي نسائه، فقال لها: (لا تعجلي، استأذني والديك، فقالت ﵂: أفيك أختار يا رسول الله؟!).
لو لم يكن وفياً صلوات الله وسلامه عليه ورحيماً بأهله ما اختارته ﵂ وأرضاه.
تلك السيرة العطرة، والمواقف الجميلة النضرة من المحبة والصفاء والشيمة والوفاء، فصلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين مع هذا كله يلاطف ويعاشر مع القول بالفعل! خرج ﷺ معها إلى قباء فسابقها فسبقها صلوات الله وسلامه عليه، فطلبته الثانية فسبقها، حتى إذا بدن وكبر ﵊ سبقته ﵂ وأرضاها، فيقول لها يطيب خاطرها: (هذه بتلك)، قلوب تعلقت بالله، وأذعنت لجلال الله، فتقربت إلى الله بالإحسان إلى الأهل.
أحبتي في الله: إنها العشرة التي يحب الله أهلها وأصحابها، حتى قال النبي ﷺ دالاً لك ومعرفاً إذا أردت أن تعرف خيرية الإنسان أن تنظر إليه مع أهله (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) إذا أردت أن تعرف خير الرجل، فانظر إلى ذلك الرجل الذي تؤذيه امرأته فيحسن إليها، وتهينه فيكرمها، وتحرمه فيعطيها إلى ذلك الرجل القادر على الانتقام ولا ينتقم لوجه الله، والقادر على الطلاق ولا يطلق لوجه الله، والذي ما ذهبت زوجته يوماً من الأيام تشتكي إلى أبيها.
وإن في الرجال من هو على الصبر والتذمم ما لا يعلمه إلا الله ، ولقد بلغ ببعضهم أنه آذته امرأته، وأصبحت تسبه وتشتمه، حتى سمع بعض طلابه ذلك السب والشتم، فقيل له: لا تسرحها؟ فسكت، ثم قيل له: هلا أجبتها؟ أي: أين الرجولة؟! أجبها، فقال: أستحي من الله أن يسمع مني كلمة لأهلي لا ترضيه.
يريدون لقاء الله خفيفين من الأحمال والأوزار، وقد يسلط الله على العبد أهله فيؤذى ويصبر لوجه الله ، فمن الناس من يؤذى في أهله فيصبر ويحتسب فيجمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة.
ولذلك قال الله عن نبيه زكريا: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٩٠] قال بعض العلماء: كانت زوجته قاسية فظة عليه، فصبر لوجه الله ، حتى قلبها الله في آخر حياتها فأصبحت ذات الخلق الحسن، وكم من أناس صبروا على أذية الزوجات فبلغهم الله بذلك الصبر أعالي الدرجات، وأوجد لهم الحب وجزيل الحسنات، وكفر عنهم بتلك البلايا عظيم السيئات، فوافوا الله بحسنات عظيمة، وأجور كريمة، ومنهم من جمع الله له بين الحسنيين، وآتاه حسن العاقبتين، فأصلح له أهله في الدنيا قبل أن يلقاه، ثم أصلحها له من بعده.
وقد حدثني بعض الإخوان أن أمه كانت شديدة على أبيه، وكان صابراً لوجه الله، وكانت تؤذيه وتضطهده حتى تهينه بين يدي أولاده، وهو يصبر ويحتسب، ومن العجيب أنها ما كانت تسبه وتشتمه إلا أجاب بذكر لله ، إما أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أو حسبنا الله ونعم الوكيل، أو يقول لها: يا أمة اللهّ! اتقي الله في نفسك، ويذكرها بالله.
يقول: ما سمعت منه يوماً من الأيام إساءة إلى والدتي، مع شديد قبح الألفاظ وشناعتها التي تؤذيه بها، يقول: فصبر واحتسب، فشاء الله في آخر حياة الأب أن مرض، فقلب الله قلبها حناناً وعطفاً وشفقة عليه، يقول: كنا مسافرين، فكانت الأم هي التي ترعاه، وتقوم على شأنه، إلى درجة أن أعمامي -إخوة أبي- لا يأتونه خوفاً من الإصابة بالعدوى، فما صبرت إلا تلك المرأة، ومع هذا اختاره الله إلى جواره، وبعد وفاته أصبحت تكثر له من الدعوات والاستغفار وتذكره بصالح الدعوات، وإذا ذُكِر خشعت من ذكراه مما تتذكر من صبره عليها.
وكم من أناس صبروا لوجه الله تعالى، أولئك الرجال الذين يخرجون من الدنيا، وقد أسروا قلوب زوجاتهم في محبة الله ومرضاة الله! ومع الخير الموجود في الرجال فإنه موجود كذلك في النساء، فكم من أمة لله صابرة على أذية بعلها، وكم من أمة لله صابرة على أذية زوجها.
من النساء من تؤذى وتهان وتضرب وتذل، ولا أحد يعرف بذلك الأمر، ومن النساء من تؤذى وتهان في بيت زوجها بأمور لا يعلمها إلا الله، وما اطلع أحد على ذلك السر، ولا علم به أحد فهي صابرة ومحتسبة لوجه الله.
وحدثني بعض الأخيار أن أختاً له أوذيت وضربت حتى كان من أثر الأذية جرحاً في جسدها، يقول: فجاءت إلى بيتها، فقيل لها: ما هذا؟ فادعت شيئاً غير الضرب، يقول: وما علمنا بذلك.
من النساء من هن صابرات لوجه الله، ويحتسبن الأجر عند الله، فطوبى لهن وحسن مآب.
فالله الله في المعاشرة بالمعروف! إياكَ أن تكون المرأة أوفى لله منك! وإياكِ أن يكون الزوج أوفى لله منكِ! حاولي قدر الاستطاعة أن تكوني أبر لله، وليحاول الرجل أن يكون أبر لله ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] فإن بيوت المؤمنين لا تعرف هذه المشاكل، ولا تعرف تنغيص العيش؛ لأنها إذا اختلفت في أمر فعندها كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ دواءً شافياً، وعلاجاً كافيا، نسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم المعاشرة التي ترضيه لوجهه، ونعوذ بالله العظيم أن يطلع على عورة منّا تغضبه في عشرة الأهل والأبناء.
стр. 688
حق المبيت
أما الحق الثالث فهو حق المبيت: هذا الحق الذي يعتبر -كما يسميه العلماء- من الحقوق الزوجية المشتركة، ومعنى ذلك أنه يجب على الرجل للمرأة، ويجب على المرأة للرجل.
يجب على الرجل أن يبات عند امرأته، ويجب على المرأة أن تبات وتعين زوجها على العفة والإحصان، وقد بين النبي ﷺ وجوب هذا الحق على الطرفين، وأشار الله في كتابه إلى ذلك بقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] وانظر إلى أسلوب جمال القرآن! انظر إلى ذلك الأسلوب الرباني الذي يعطيك الحياة الزوجية الحقيقية ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] فهذا الحق وإن كان من الحياء الإعراض عنه، ولكن الله لا يستحي من الحق!
стр. 689
خطر التقصير في حق المبيت
فالله الله في هذه الحقوق! لقد وقعت كثير من المشاكل والحوادث المحزنة المؤسفة، حتى إن البعض قد يسافر في بعض الأمور التي هي من النوافل، ويتغرب عن بيته الشهر والشهرين والثلاثة والأربعة، حتى تقع زوجه في الحرام، تقول إحداهن: حتى اضطررت إلى حاجة، فأصبحت أطلب من جاري أن يأتي بالحاجة يوماً فيوماً حتى أغواني الشيطان فأصبت الحرام معه!! من الذي يلقى الله بإثمها، ومن الذي يحمل بين يدي الله وزرها؟ إنه الزوج الظالم الغاشم الذي رمى بهذه الحقوق وراء ظهره.
والعجب أن يكون إنساناً يفقه عن الله ورسوله يعرف الحلال والحرام، ويعرف الشريعة والأحكام ويقول: أما أنت فلستِ بفراش، ويغض عنها الطرف ويحتقرها، ويشتغل بكتب العلم زاعماً أن ذلك أفضل وأجل له.
والنبي ﷺ يقول عن الله تعالى: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) وهذا مما افترضه وأوجبه الله عليك، فإن كنت صادقاً في طلب حب الله فابدأ بأهلك وزوجك؛ أعفهم عن الحرام، وصنهم عن الفواحش والآثام.
لقد كان النبي ﷺ يقف على منبره فتتفجر ينابيع الحكمة من لسانه وبيانه، لكنه إذا دخل إلى أهله أعطاهم حقوقهم، فعفهم وصانهم عن الحرام، حتى كان إذا خرج إلى الصلاة قبَّل امرأة من نسائه، حتى يشعرها بالحنان وبالرحمة، ويكون آخر عهده بها الوفاء لها في حقها.
الله أكبر! ما أجله من دين! وما أعظمها من رسالة تنزلت من رب العالمين! فالله الله في هذه الحقوق! والله لو نعلم كثيراً من المشاكل التي تقع بسبب إضاعة حق المبيت لأشفقنا على أنفسنا.
كثرة السهرة مع الأصحاب والأحباب، وكثرة الضيوف التي تكون لأمور من الفضل ليست من الواجب واللازم، حتى تضيع حقوق النساء في البيوت كل ذلك مما لم يأذن الله به، كلٌ له حقه، والنبي ﷺ يقول: (إن لزوجك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه)؛ للأهل حقهم، وللصديق حقه، وللزوجة حقها، فأعطِ كل ذي حق حقه.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبصرنا بهذه الحقوق، وأن يعيننا على أدائها لوجهه الكريم.
стр. 690
الأدلة على وجوب حق المبيت
هذا الحق الذي أوجبه الله على لسان رسوله ﷺ ، حيث أوجبه على المرأة فأخبر كما في الصحيحين (أن المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت باتت الملائكة تلعنها في السماء)، وفي الصحيح عنه ﵊ أنه قال: (أيما امرأة دعاها زوجها فامتنعت سخط عليها الذي في السماء حتى يرضى عنها)؛ لأن هذه الرواية أشد من الرواية الأولى، الرواية الأولى: (باتت الملائكة تلعنها حتى تصبح) وأما الرواية الثانية: (كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها) أي: لو بقي الزوج في نفسه على المرأة متألماً من ذلك الامتناع في تلك الليلة حافظاً له، لا يزال الله ساخطاً على تلك المرأة حتى يرضى ذلك الزوج.
ومن النساء من آذت زوجها وامتنعت عليه في الفراش في إحدى الليالي، وشاء الله أن يتوفى زوجها في حادثة في تلك الليلة، فباتت قد سخط عليها ولعنت من السماء، فالله الله في حقوق الفراش! وكذلك على الزوج حق لزوجه، ولذلك قرر العلماء ﵏: أن على الرجل أن يصيب المرأة في كل أربعة ليال، وهذا أشار إليه العلماء ﵏، واستنبطوه من دليل الكتاب، فإن الله أباح للرجل أربعة نساء، وهذا يدل على أن للمرأة ليلة من بين تلك الليالي، فإن كان الرجل عابداً قانتاً فليؤد حق الله وحق أهله، فلا يترك الفرائض التي أوجبها الله لنوافل لم يوجبها الله عليه.
ولذلك ورد عن عمر ﵁ [أنه جاءته امرأة، فقالت: يا أمير المؤمنين! زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، فقال لها ﵂: هنيئاً لكِ! نعم الرجل، فمضت المرأة ثم رجعت، فقالت: يا أمير المؤمنين! زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فقال لها: هنيئاً لكِ! نعم الرجل، فمضت المرأة ثم رجعت، فقالت: يا أمير المؤمنين! زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، فقال أبي -وفي رواية علي -: يا أمير المؤمنين! إن المرأة تشتكي زوجها، فقال عمر ﵂: أما وقد علمت فلا يقضي بينهما غيرك، فطُلب الزوج فجاء، فقالت المرأة: ألهى خليلي عن فراشي مسجد وليله نهاره ما يرقد ولست في أمر النساء أحمده انظر إلى البلاغة والأدب حتى في تعاطي الألفاظ، فقال ذلك الرجل المدعى عليه: زهدني في فرشها ما قد نزل في سورة النحل وفي السبع الطول إني امرؤ قد رابني وجل زهدتني تلك السبع الطوال من كتاب الله ، حتى عفت فراشها، وخفت من لقاء الله، فهان عليَّ أن أصيبها، فلما قال ذلك، قال أبي أو علي: إن لها عليك حقاً يا رجل تصيبها في أربع لمن عقل فالزم بذا ودع عنك العلل] والمقصود أنه من حق المرأة على الرجل أن يعفها عن الحرام خاصة في هذا الزمان الذي عظمت فيه الفتن والمحن، إذ تحتاج المرأة إلى شيء هو من جبلتها وخلقتها، ويحتاج الرجل إلى شيء هو من جبلته وخلقته، والمقصود من الزواج الإعفاف، وأن يحصن الإنسان فرجه، ولذلك لا يجوز لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يهجر فراشه بغير حق، وما من إنسان يقصر في حق زوجه في الفراش فيكون ذلك التقصير سبباً في وقوعها في الحرام إلا لقي الله بإثمها ووزرها، وما من امرأة تؤذي زوجها في فراشه، وتمنعه من مبيته، وتؤذيه حتى يقع في الحرام، إلا لقت الله بوزره! فالله الله! إنها الحقوق التي لا يجامل فيها! فإن الله ذكر الفراش للنساء في آية من كتابه، فذكر الثلاث العورات، ﴿قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور:٥٨] أنزلها آيات تتلى في كتابه .
فالإسلام دين العبادة والزهادة والخشوع والخضوع، وكذلك دين العفة والحصانة، ودين أعطى لكل شيء حقه وقدره، فليس من حق الرجل أن يحبس المرأة ثم يأتي في آخر الليل تعباناً سهراناً كسلاً خاملاً فيرتمي على الفراش مضيعاً حق زوجه، خاصة إذا كانت في عز شبابها
стр. 691
حق الزوج في الطاعة بالمعروف
أما الحق الرابع: فحق الزوج على زوجته الطاعة بالمعروف: وهذا الحق بينه الله تعالى في كتابه فقال تقدست أسماؤه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] فللرجل حق القوامة على المرأة، والمرأة تحت الرجل تشد من أزره وتعينه وتسدده وتقربه من طاعة ربه ومرضاته، فالرجل له حق القوامة على النساء، ولذلك من حكمة الله وفطرته التي فطر الناس عليها -لا تبديل لخلق الله- أن الرجال أقدر على تدبير وتصريف الأمور من النساء، وفي النساء الدعة والرحمة والحنان واللطف؛ لكي يكمل هذا نقص هذا، ويجبر هذا كسر هذا فسبحان العليم الخبير! وسبحان اللطيف البصير! إذ جعل المرأة على الضعف حتى تسد عجز من الرجل الخشونة، وجعل الرجل في الخشونة حتى يسد ضعف المرأة من اللين.
فإذا استرجلت المرأة وأصبحت كالرجال، فإنها قد لعنت بلعنة الله : (لعن الله النساء المسترجلات)؛ التي تحاول الواحدة منهن أن تظهر أن لها فضلاً على الرجل، وأنها أصبحت تساويه وتنافسه، وأن دراستها وعلمها وشهادتها قد أهّلوها أن تعصي أمره، وتبتعد عن نهيه، تباً لها من امرأة! عصت ربها، واعتدت حدودها، وخالفت فطرتها ولذلك لن تجد امرأة تسترجل وتخرج عن أنوثتها ورقتها إلا مقتها وازدراها الناس، وسقطت من الأعين مهما كانت تلك المرأة على فطنة وذكاء وعلم.
ولذلك ينبغي للمرأة أن تعي رسالتها تجاه زوجها، قال ﷺ لامرأة من النساء يعرفها بحق بعلها: (إنه جنتك ونارك) أي: هذا الزوج الذي أمامك هو الجنة إن أطعتِ الله فيه، وهو النار إن عصيتِ الله فيه، إن أمرك بأمر فقولي بلسان الحال والمقال: سمعت وأطعت لله، لكن بشرط أن يكون هذا الأمر في حدود طاعة الله ومرضاة الله، فإن أمرك بالمنكر فدليه وأرشديه، وخذي بحجزه واهديه لعل الله من عذابه أن يقيه، دليه على سبيل الرضا، واهديه إلى محبة الله والتقوى لعل الله أن ينقذه بدلالتك، فإن أمركِ بأمر لم يأذن الله به، فقولي له: إن في هذا معصية لله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
عجب والله! أن تجد المرأة على الصلاح والعفة، وتجد الرجل يأمرها -بناء على أن الطاعة له- بما لم يأذن الله به؛ من الرجال من يأمر امرأته أن تصب القهوة للرجال الأجانب من الرجال -والعياذ بالله- من يأمر أهله بالدخول على الغريب الأجنبي حاسرة لكي تبدي زينتها وجمالها وفتنتها -أعوذ بالله- تباً له من زوج! عصى الله وآذى الله، وفتن المرأة في طاعته ومعصية الله.
فالله الله أن يستغل الرجل هذه القوامة فيأمر بما لم يأمر الله به، وإياك أيتها المسلمة المؤمنة أن تؤمري بأمر لم يأذن الله به فتذلي لذلك الأمر، فالذلة لله وحده، والعزة لله وحده، والذلة من العباد لله، فيذلون له وحده، فالأمر أمره، والشرع شرعه، والدين دينه، والأجساد أجساده، والأرواح أرواحه، لا ينبغي أن تستغل إلا في طاعته ومحبته.
فإذا اعتدى الزوج هذه الحدود، وأراد أن ينتهك محارم الله فعندها تقف المرأة ناهية له عن المنكر، مبتعدة عن اقتراف ما أمرها به من حدود الله وزواجره.
وأيما امرأة وفت لله فأطاعت زوجها أعانها الله على حصول مرضاته عنها؛ فإن المرأة إذا أرضت زوجها كما يقول النبي ﷺ زفت إلى الجنان وخيرت من أي أبواب الجنة أن تدخل، قال ﷺ في الحديث الحسن عنه: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت) طوبى لامرأة ماتت وتوفاها الله وزوجها راضٍ عنها.
وطاعة الزوج أمر عظيم، ولذلك إذا كفرت عشيرها، وآذت الله في زوجها، فإنها مأذونة بالنار وبئس القرار.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه وعظ النساء، فذكرهن بالله ، ثم قال ﵊: (استغفرن الله واتقين النار فإني أُريت أنكن أكثر حطب جهنم، قلنا: ولم يا رسول الله؟ قال: بكفركن! قلنا: أيكفرن بالله؟ قال: لا، وإنما يكفرن العشير)؛ أي: تكون المرأة عند زوجها يحسن إليها ويكرمها، وتأتي لحظة من اللحظات تحصل منه هنة من الهنات أو زلة من الزلات، فتمد يدها والذهب في ذلك اليد الذي امتن به زوجها عليها، لتقول له: ما رأيت منك خيراً قط، وبهذه الكلمة تتبوأ مقعدها من النار والعياذ بالله.
حق الزوج على الزوجة عظيم، فلا تخرج إلا بإذنه، ولا تدخل أحداً إلى بيت الزوجية إلا بإذنه، كما في الصحيح عنه ﵊ أنه قال في حقوق الرجال على النساء: (ولا يوطئن فرشكم إلا من تأذنون) أي: لا يوطئن تلك الفُرش إلا من أذنتم أن يطأها، بمعنى أنها لا تأذن لأحد أن يدخل بيت زوجها ولو كان قريباً حتى يأذن الزوج.
стр. 692
حق الزوجة في النفقة
الحق الخامس من حقوق الزوجية: حق النفقات: وهو حق للزوجة على الزوج، فعليه أن يطعمها ويكسوها بالمعروف، وقد بيَّن النبي ﷺ في الحديث الصحيح هذا الحق، حين سأله معاوية ﵁ وأرضاه: (ما حق الزوج علينا؟ فقال ﵊: أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت).
حق النساء في النفقة من الحقوق الواجبة واللازمة، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه اشتكت له هند فقالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح مسيك، أفآخذ من ماله لولدي، فقال: خذي من ماله ما يكفيكِ وولدك بالمعروف).
ولها حق السكنى حتى تؤوي عرضك عن الحرام، فتسكنها حيث سكنت ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق:٦] وتطعمها من حيث طعمت، وتكسوها من حيث اكتسيت، وتكون تلك الكسوة والنفقة بالمعروف ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] لا تضار امرأة زوجها بتلك النفقة، ولا يضار الزوج زوجته بتلك النفقة، ليست النفقة سبيلاً للإجحاف، فبعض الأزواج إذا أعطى المرأة نفقتها امتن عليها بتلك النفقة، وقال: فعلت لك وفعلت لك حتى يذهب معروفه عليها، وبئس والله ما فعل، فذلك -كما يقول العلماء- من سوء العشرة، وقد يكون ذنباً على الإنسان إذا قصد به أذية المرأة والزوجة.
وهنا أمر ينبغي أن يتنبه له: ليس معنى إيجاد النفقة أن تبغي المرأة على زوجها، أو يبغي الرجل على زوجته، فمن الناس من ينفق لا كالنفقة، ومن النساء من تطالب زوجها بنفقة تجحف به، وقد تبلغ به إلى حد الدين! وذلك تكليف للنفس بما لا يطاق.
فعلى المرأة المؤمنة إذا كانت ترجو لقاء الله والدار الآخرة ألا تحمّل زوجها ما لا يطيق، ومن النساء من إذا ذهبت إلى البيوت ونظرت إلى ما فيها من الجمال والمال أقامت الدنيا وأقعدتها حتى يفرش مثل ذلك الفراش، ويبسط مثل ذلك البساط، فالله الله أيتها المؤمنة أن تكوني سبباً في الإجحاف بالزوج.
إنه حق ولكنه بالمعروف، لا بالإسراف، ولا بالإجحاف، فليس من حق الزوج أن يكون ثرياً غنياً بخيلاً على زوجه وأبنائه؛ حتى إن الابن ينكسر قلبه إذا دخل الغريب بيت أبيه، وحتى إن الزوجة ينكسر قلبها إذا دخلت الغريبة بيتها، بل ينبغي للزوج أن يكون وفياً، فإذا بسط الله لك الدنيا فابسط ولكن بقدر ووجه يوجب رضوان الله .
دخل رجل على الحسن بن علي ﵁ -وكان في أول أمره في فاقة وشدة- فوجد بيته قد فرش بأحسن الفراش، ووضع فيه أحسن البساط، فقال: [ما هذا رحمك الله؟ قال: إنا أقوام إذا وسع الله علينا وسعنا، وإذا ضيق الله علينا ضيقنا] أي: مادام أن الله أنعم علينا، فلماذا لا نوسع ولكن بالمعروف.
ودخل بعض الصحابة على عبد الله بن عمر ﵁، فوجد الستور والبساط والفراش، فقال: [ما هذا يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: غلبتنا النساء].
أي: إذا كان عبد الله بن عمر الصحابي الجليل، يقول: غلبتنا النساء، أي: أنه من شيمته ووفائه لما سألت زوجُه أن يحسن إليها في بيتها أكرمها، ولكن بشرط ألا يكون ذلك بإجحاف وإسراف، فطاعة الله فوق طاعة المخلوق.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم الحق والصواب، وأن يهدينا وإياكم لمنهج السنة والكتاب.
стр. 693
وصية في حفظ الحقوق
أحبتي في الله: وصية أخيرة وهي: أن نحفظ حقوق الأهل والزوجات، وأن نعاهد الله على الوفاء بها لوجهه، طوبى لزوج ما أمسى ولا أصبح إلا ويومه خير له من أمسه، وطوبى لزوجة ما أمست ولا أصبحت إلا ورضا زوجها خير لها من أمسها، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن ينجينا من الأمانات والواجبات، ومن حقوق الأزواج والزوجات! إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله.
стр. 694
الأسئلة
стр. 695
توجيه إلى دعم المشروع الخيري لمساعدة الشباب على الزواج
السؤال
هذا خطاب من المشروع الخيري لمساعدة الشباب على الزواج نتلوه على فضيلتكم: فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي وفقكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فبحمد الله تعالى وتوفيقه أهداف هذا المشروع تتحقق في حل مشاكل الشباب والشابات بالزواج وبناء الأسر الصالحة المستقرة والسعيدة، ومع استمرار تعاون الجميع معنا في حث الإخوة المسلمين على مواصلة الدعم لهذا المشروع الذي نراه من خير المشاريع التي تنفع المسلمين، والمستفيدون حتى الآن بلغوا ألفين وسبعمائة وأربعة وثلاثين شاباً وشابة، صرف لهم مبلغ ثمانية عشر مليون ريال، وبلغ عدد المواليد الأوائل للذين تزوجوا عن طريق هذا المشروع مائة وستة وأربعين مولوداً، صرف لهم مبلغ مائة وثمانية وأربعين ألف ريال، بارك الله فيكم وجزاكم عن الجميع كل خير.
الأمين العام للمشروع الخيري لمساعدة الشباب على الزواج الشيخ فريح بن علي العقلا
الجواب
ما شاء الله! أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي من تسبب في هذا المشروع وقام عليه كل خير، وبيض الله وجوههم وجزاهم عن المسلمين والمسلمات كل خير، فنعم والله العمل! إعفاف أبناء وبنات المسلمين، ولا شلت يمين أنفقت لإعفاف أبناء المسلمين وبناتهم، وإني والله إذ أسمع هذا الكلام لأقول في نفسي: يا ليت لي مثلهم من العمل! ويا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيما! وإن كنت أوصيكم وأوصيهم وأوصي كل مؤمن بالإخلاص لوجه الله تعالى، فإن الأعمال لا يبارك فيها بشيء أعظم من الإخلاص لوجه الله! وهنيئاً ثم هنيئاً لهذه القلوب الطيبة التي تذكرت حاجة المسلمين في هذا الزمان المليء بالفتن والمحن، فأخذتها الحمية والغيرة أن تعف أبناء المسلمين وبناتهم، جزاهم الله كل خير، وأعظم لهم المثوبة والأجر، ونسأل الله العظيم أن يثبت أقدامهم على هذا الخير العظيم.
وأعينوهم أعانكم الله، أعينوهم بالدعم المادي الذي يراد به وجه الله، فلربما أنك تنفق المائة والمائتين والثلاث ترجو بها وجه الله لتعف بها فرجاً إلى لقاء الله، وقد يكون من هذا المال الذي تنفقه فرجاً محصناً إلى لقاء الله، وقد تكون منه الذرية -كما سمعنا- فهذه الذرية إذا نويت أنها ذرية مؤمنة، وتريد أن تعينها على طاعة الله فلك مثل أجرها، نعم والله العمل! هذا والله الذي يبقى ويدوم من العمل الصالح.
إن المجتمع بحاجة إلى هذه الجمعيات الخيرية الطيبة التي تساهم في إصلاح المجتمع، فتحل مشاكله، وتعيش مع هذه المشاكل، وتضع لها الحلول المناسبة، نسأل الله العظيم أن يبقي هذا الخير ويبارك فيه، وأن يجزي المشايخ والإخوة الأفاضل الذين قاموا عليه كل خير، جزاهم الله كل خير بما صنعوا، وأسأل الله أن يبارك عمل الجميع في طاعته ومرضاته، وأن يرزق الجميع الإخلاص لوجهه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 696
كيفية التعامل مع المرأة التي لا تطيق الجلوس مع زوجها
السؤال
زوجتي حامل من شهرين، وهي تحس بما يسمى بـ (الوحم)، حيث أنها تكرهني وتكره مجالستي عند الجماع، وتحس بضيق شديد ينتهي بالبكاء، وأنا في حيرة أدعو الله أن يخلصني منها، فما هو توجيهكم لمثل هذه، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
أخي في الله: هذا بلاء ابتلاك به الله فاصبر واحتسب، فما صبر عبد في بلاء إلا آجره الله وأحسن له العاقبة في بلائه، فاصبر لوجه الله، واحتسب إمساكها لوجه الله، لو كان الناس لا يمسكون الزوجات إلا إذا رضوا فأين الشيمة والوفاء؟ وأين الصبر والحب والصفاء؟ وأين الحب لمرضاة رب الأرض والسماء؟ وأين احتساب الأجر في طاعة رب الأرض والسماء.
أخي في الله: اصبر عليها واحتسب في صبرك عليها.
وأما البلاء الذي ذكرته فإن كان عارضاً أصيبت به، فإن علاجه أن يعالجه الإنسان، وأما إذا كان شيئاً آخر كأن يكون بلاء ابتليت به من نفس أو عين أو سحر أو غير ذلك، فاستعن بذكر الله واطرح بين يدي الله، وناده وناجه، فإنه نعم المولى ونعم النصير! إن أغلقت الأبواب فتح بابه، وإن خاب الرجاء لم يخب العبد في رجائه، فأحسن الظن بالله، وتعلق بالله، فإنه إليه المشتكى وهو المستعان وعليه التكلان، والله تعالى أعلم.
стр. 697
الترغيب في الزواج من الصالحات
السؤال
هل من كلمة للذين لا يرون الزواج من الطبيبات الصالحات الملتزمات؟ وهل هناك مانع في الزواج من الطبيبات؟ وما ذنب الطب والطبيبات حتى يرفض الزواج منهن؟
الجواب
لا أستطيع أن أرغب في الطبيبات ولا في المهندسات ولا في البيطريات، أنا أرغب في المرأة الصالحة، فإذا كان الرجل يريد امرأة صالحة ووجد امرأة صالحة فلينكحها، ويطلبها على كتاب الله وسنة رسول الله، أما إني أرغبك في الطبيبات أو غير الطبيبات وألقى الله بإثمك لو خاب ظنك، فأنا لا أستطيع أن أتحمل وزرك أمام الله.
لا أرغب إلا فيمن رغب الله (فاظفر بذات الدين تربت يداك) هذا الذي أُرغب فيه، وأما غير ذلك فما أستطيع أن أتحمل وزره.
لا أستطيع أن أتحمل مسئولية أحد أمام الله، أنا أرغب في ذات الدين كما رغب النبي ﷺ ، ولا أرغب لا في هذه ولا في هذه، وأنت أدرى بنفسك إن كانت المرأة تعمل طبيبة أو معلمة أو أي عمل من الأعمال، وتعرف أنك تستطيع أن تحفظها وأنها حافظة لدينها وعرضها، وبعيدة عن المنكرات والمحارم والسيئات فنعم والله المرأة، عفها وعف نفسك! أما أن أتحمل مسئوليتك أو مسئوليتها أمام الله، والله لحمل الجبل أهون عندي من أن أتحمل مسئولية أحد، فهذه أمور صعبة، ونسأل الله العظيم أن يرزق الصالحات الصالحين، وأن يمتعهم بالطيبات والطيبين، والله تعالى أعلم.
стр. 698
توجيه للنساء في مسألة تعدد الزوجات
السؤال
هل من كلمة إلى نساء ملتزمات يضايقن أزواجهن كثيراً عندما يعلمن أن أزواجهن يريدون الزواج عليهن؟ وهل من كلمة للمطلقات اللاتي يرفضن الزواج من متزوج بواحدة أو اثنتين أو ثلاث؟ وهل من كلمة للاتي بلغن في السن عتيا ويرفضن الزواج من متزوج؟
الجواب
أما الرجال إذا أعيتهم الحيلة فعندهم سلاح التعدد، إذا كنَّ ملتزمات يعلمن أمر الله فالقضية مفروغ منها، ينبغي على المرأة المؤمنة التي تؤمن بالله، وترضى بحكم الله وشرع الله، وترضى بما أذن الله به، وذلك في كتابه المبين وعلى لسان رسوله ﷺ الأمين، أن ترضى بحكم الله، وألا تضيق ذرعاً بشرع الله، فإن الله ﵎ وعظ العباد بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦].
من عصى الله ورسوله، وانتهك حدوده، فلم يرضَ بشرعه ودينه، أو استخف بذلك الشرع وبذلك الدين، فإنه قد ضل ضلالاً مبينا بشهادة الله في كتابه.
فإياك أختي المسلمة أن تضايقي زوجك في طلب الثانية إذا كان ذلك الطلب بالمعروف، ائذني له ما دام أن الله قد أذن بالتعدد وأباحه، فقد كان لمن هو خير منا ومنكِ -وهن أمهات المؤمنين ﵅ أجمعين- عدد من الزوجات، فما ضقن بذلك ذرعا، وفيهن القدوة الحسنة، والأسوة الكاملة لكل امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر.
ما بال المرأة تمنع زوجها من أن يطلب التعدد فيكثر سواد الأمة، ويوجب خروج الأبناء والبنات الصالحات؟! إن التعدد سبيل لوصل الأرحام، وائتلاف القلوب، ولذلك تجتمع الأنساب، وتجتمع القبائل على تباعدها واختلافها وتنافرها، تجتمع بالأرحام فيتزوج الرجل من هذا، ويتزوج الرجل من هذا فتصبح أرحامه في كل مكان، وتصبح بيوت المسلمين كالبيت الواحد؛ لو مرض الرجل تأوه لمرضه بيوت كثيرة، وذلك من فضائل التعدد.
ولكن نقول كلمة للرجال كما نقولها للنساء: إن التعدد الذي أذن الله به هو التعدد الذي فيه العدل والإنصاف، وليس الذي فيه الظلم والإجحاف والإسراف، فإن العبد المؤمن الذي يخاف الله ويراقب الله في حقوق أهله ويعدل بين قرابته وزوجه يقيم بيوت الزوجية على العدل والإنصاف، لا إجحاف ولا إسراف، هذا هو التعدد الذي أذن الله به، أما إذا كان الذي يعدد أو يرغب في التعدد يريده قضاء للشهوة، وتمتيعاً بالنزوة، ولا يريد أن يكون ذلك على الوجه المعروف، فهو الذي لم يأذن الله به، وهو التعدد الموجب لغضب الله وسخطه، وكما قلنا عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: إنه يوجب الشلل للعبد بين يدي الله فضيحةً على رءوس الأشهاد.
فمن كان من الرجال يخاف الله في حقوق النساء، ويعدل ويساوي بينهن، ويؤدي حقوقهن كاملة، فله أن يعدد، أما امتناع النساء عن الزواج ممن عدد، فإياكِ أختي المسلمة أن تنطلي عليك تلك الشعارات الزائفة، وتلك الكلمات المسعورة ممن لا يخاف الله ولا يراقبه، فكم من رجل عنده الزوجة والزوجتان والثلاث وهو وفيّ كريم، لو أنك دخلت بيته وعشت في كنفه لذقت الحياة السعيدة التي هي أسعد ما تكون للمرأة.
وكم من رجل لا فراش له ولا زوجة وهو ظالم غاشم، لو تزوجتِه كان سبباً عليك في العذاب في الدنيا والآخرة، فالعبرة كل العبرة بصلاح الزوج؛ إذا أرادت المرأة الخير كله فلتبحث عن دين الرجل واستقامته وخلقه، فإن وجدت ذلك فلترضاه ولو ثانية أو ثالثة أو رابعة، فهي مؤمنة تحب الله وتحب دين الله.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبصرنا بالحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 699
ضرورة الاهتمام بالكلمة الطيبة من الزوج للزوجة
السؤال
إن الله لا يستحي من الحق، إنني متزوجة من عشر سنوات تقريباً، ولم أسمع كلمة طيبة حنونة من زوجي إلا في أيام زواجنا الأولى فقط، فهل هذا يرضي الله؟ وما هو توجيه فضيلتكم في هذا، لعلمي أن زوجي بإذن الله يخاف الله، وأخاف عليه من عذاب الله؟
الجواب
والله إنه مما يؤلم ويشجي كثيراً أن الواحد منا تجده من ألطف ما يكون مع الناس، ومن أرق ما يكون مع الناس، حتى تجده رقيقاً مع أعدائه، يسبه العدو فيتبسم، ويدعي أنه حليم رحيم، ولكن ما إن يدخل إلى بيت أهله حتى -نسأل الله السلامة والعافية- يكشر عن أنيابه، ويعتريه العبوس، ويؤذي أهله وزوجه أين قول النبي ﷺ : (خيركم خيركم لأهله)؟! أين وصية النبي ﷺ التي ذكرناها وآيات الكتاب التي تلوناها التي تأمرنا بالعشرة بالمعروف؟! لو كنا نؤمن بالله أو نخاف الله لاتقينا الله في الحقوق، وإذا كان النبي ﷺ لما قيل له: (هي تصوم وتصلي وتؤذي جارتها قال: هي في النار)، الله أكبر! فإذا كان الإنسان يشح ويبخل بابتسامة يدخلها على زوجه فأعوذ بالله، ونسأل الله السلامة والعافية، اللهم إنا نسألك العافية من سوء الخلق.
ولذلك أرى أحق الناس بحسن الخلق هم أهل الالتزام والهداية، إن الرجل يكون عنده أكثر من زوج لبناته، ولكن ينظر إلى الشاب المهتدي نظرة خاصة، فالله الله أن تعاب الهداية بأسبابنا! أو ينظر إلى الهداية بأسبابنا، لن تكون مهتدياً حقاً حتى تكون المرأة التي عندك أحظى وأوفى امرأة في أرحامك كلهم؛ ويكون أحب أصهار ذلك الرجل إلى قلبه، فإذا بلغ بالواحد منا أن يكون ديناً صالحاً يخاف الله، ولا يبتسم في وجه امرأته فنعوذ بالله، ونسأل الله السلامة والعافية! فأوصيكم ونفسي بتقوى الله ، والكلمة الطيبة للمرأة تذهب بها وتأتي، والله إن المرأة قد تؤذيها وتسبها وتشتمها وتهينها، وبمجرد أن تعطيها كلمة رقيقة -سبحان الله- تنقلب رأساً على عقب، فالمرأة ضعيفة تحتاج إلى كلمة رقيقة، وإلى من يجبر كسرها؛ إذا كان النبي ﷺ يرقى على المنبر ويقول كما في صحيح البخاري: (والله لا آذن، والله لا آذن، والله لا آذن، إنما فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها) المرأة ضعيفة تحتاج إلى من يواسي ذلك الضعف، فليكن من شيمتك ووفائك إدخال السرور عليها، فابتسامة تبتسم بها لزوجتك تشتري بها رحمة الله .
فلذلك نعوذ بالله من هذا الخلق، وأظن أنه من السداد والتوفيق أن نعيد النظر في معاملاتنا لأهلنا، ووالله إن كثيراً من المشاكل التي تقع في بيوت الزوجية أسبابها تضييع مثل هذه الحقوق، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يسلمنا وإياكم من سوء الخلق إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 700
وصية في الحذر من الخيانة الزوجية
السؤال
هذه رسالة من سائل يطلب توجيه كلمة فيها تذكرة للغافلين والغافلات تخوفهم بالله رب العالمين من الخيانة الزوجية، حتى لا تنهدم بيوت المسلمين، وجزاكم الله خيرا؟
الجواب
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فجزاك الله خير الجزاء بما سألته وطلبته.
إخواني في الله: إن الله ﵎ أوجب على عباده المؤمنين وفرض على عباده المتقين أن يحصنوا فروجهم بتحصين الله، وأن يعفوا أنفسهم عن الحرام الذي لم يأذن به الله، فالرجل إذا أكرمه الله بفراش الزوجية فقد أحصن، فحرام عليه أن يطأ امرأة لا تحل له، وقد ورد في الحديث عنه ﵊ أنه قال: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد من نار أهون عليه من أن يمس امرأة لا تحل له) فكيف بمن جامع؟! وكيف بمن استحل محل أخيه؟! وكيف بمن أفسد فراش مؤمن؟! وكيف بمن أفسد دين مؤمنة؟! أحبتي في الله: إن الزنا والخيانة في الزوجية جريمة عظيمة توجب غضب الله وسخطه خاصة من المرأة، فإن المرأة إذا مكنت من فراشها، وسهلت للزاني البغيِّ الاعتداء عليها، فإنها قد خلطت الأنساب، وآذت الله رب الأرباب، ولذلك أخبر النبي ﷺ (إن الله أغير من أن تزني أمته أو يزني عبده) والله ما من امرأة زنت فخلطت فراش زوجها، وخانت في فراش بعلها، فولد لها من ذلك الزنا ولداً أدخلته عليهم وغريباً أوجدته بينهم، إلا حملت أوزاره، وباءت بإثمه والعياذ بالله.
وويل ثم ويل لذلك الباغي الذي لم يخف الله في فراش أخيه، فتسلط على عورة مؤمن من المؤمنين، فأفسد عليه فراشه، وأراق في ذلك الفراش الماء! لقد قال النبي ﷺ في الرجل حينما وطأ المسبية، وهي حل له أن يطأها، ولكن بعد استبرائها، فاستعجل فوطأها قبل استبرائها، فقال ﷺ : (أيغذوه في سمعه وبصره، لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه إلى قبره).
الزنا جريمة من الجرائم، ومصيبة من المصائب، ولذلك أخبر الله ﵎ أنه فاحشة ومقت وساء سبيلا، فما زنا رجلٌ ولا زنت امرأة إلا مقتا من الله ، وأظلم نور الطاعة في وجهه ووجهها! حرام على كل مؤمنة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تدخل على فراش زوجها غريباً يستمتع بالحرام الذي لم يأذن الله أن يستمتع به! حرام على كل امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تطلع إلى عورات توجب وقوعها في السيئات والفواحش والمنكرات! إن المؤمنة لها من خوف الله وخشيته ما يردعها عن حدود الله ﵎.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يسلمنا ويسلمكم، وأن يطهر الفرش لنا ولكم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 701
حكم بقاء الزوجة مع الزوج صاحب المعاصي
السؤال
أنا امرأة لا أريد زوجي لسببين: الأول: أنه يتعاطى المخدرات وقد نصح مرات، والثاني: أنه عقيم، وهو يرفض أن يطلقني، وأنا الآن في بيت أهلي أكثر من سنتين، فما الحل؟ هل هناك في الشرع ما يفصل بيننا، ويضع حداً لهذا الأمر من غير أن يطلق هو، أفيدونا بارك الله فيكم؟
الجواب
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فتسألين عن زوج لك ابتلي بالمسكرات والمخدرات والعياذ بالله، وأنه نصح مرات وكرات، وأنه لم يمتثل أمر الله إذ نصح، وأنك قد بقيت في بيت أهلك عامين، وهل هناك سبيل للفراق بينك وبينه.
أولاً: أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيت بعلها إلا إذا أذن الله لها بذلك الخروج، هلا سألت قبل أن تخرجي من بيت زوجك، أيحل لك الخروج أم لا يحل؟ فإن إساءته لا تدعوك إلى الإساءة، ولا توجب لك حل الخروج من بيته، والبعد عن عصمته، فأنت ما زلت زوجة في عصمته وملكه، لذلك فإنه لا يجوز لك الخروج من بيته إلا على الوجه المعروف.
ثانياً: عليك أن تبذلي كل ما تستطيعين في تذكيره بالله ونصيحته ودلالته على طاعة الله ومرضاته، وإن من النساء من كانت مبتلى بما بليت به، فما زالت تنصح وتنصح حتى هداه الله.
وأعرف امرأة سألت والدي مرات وكرات، حتى بلغ بها في آخر المرات إلى درجة اليأس، وما زال الوالد ﵀ يأمرها بالصبر، ويأمرها أن تدعوه وتذكره بالله، حتى جاء الفرج في آخر لحظة فتاب فتاب الله عليه.
فلو صبرتِ لجعل الله لك فرجاً ومخرجا، ولو اتقيت الله فبقيت في بيت بعلك لجعل الله لك فرجاً ومخرجا، وكان بعضهم مبتلى بالمسكرات والمخدرات، حتى يقول: كنت بعيداً عن الله عربيداً سكيراً والعياذ بالله، فما زالت تنصحني وتذكرني بالله حتى عرفت سبيل بيت الله، وأصبحت من أهل المساجد، ومن أهل طاعة الله.
فلذلك أختي في الله أوصيكِ بأمور: أولها: أنه لا يحل لك الخروج إلا بعد نصحه، فإن أبى فإنه يحل لك إذا خفتِ منه الضرر، بمعنى أنه يسكر في بيتك أو يشرب المخدرات في بيتك، فتخافين على نفسك أن يقتلك أو تخافين أذيته، فحينئذ يحل لكِ الخروج، أما ما عدا ذلك إذا كنت في مأمن منه، وكان سكره خارجاً عن بيته، فاستعيني بالله، وأكثري من نصحه وإرشاده، واصبري فإن العاقبة للتقوى، وأما إن أردت أن تبيني منه، وأن تحل العصمة بينكِ وبينه، فذلك يكون على الوجه المعروف، ترفعين الأمر إلى القضاء، وتبيّني ما أنت عليه عند القاضي فينظر في أمرك، وحينئذ يقرر الخلع أو الفسخ بما يراه أصوب وأرشد، ومثلي لا يستطيع أن يحدد لك؛ لأنني سمعت من طرف ولم أسمع من الآخر، فهذا هو جماع ما سألتِ عنه، والله تعالى أعلم.
стр. 702
ففيهما فجاهد
ذكر الله بر الوالدين والإحسان إليهما في أكثر من آية من كتابه الكريم، حتى قرن برهما بتوحيده سبحانه، وقد تكلم الشيخ -حفظه الله- عن كيفية بر الوالدين في الحياة وكيفية الإحسان إليهما، وكذلك تكلم عن كيفية برهما بعد مماتهما، ذاكراً آثار بر الوالدين وعلاج ما قد يكون عائقاً للمرء عن برهما.
стр. 703
بر الوالدين في حياتهما
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب:٧٠] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١].
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إخواني في الله: إن للوالدين حقاً عظيماً وفضلاً -بعد فضل الله- جليلاً كريماً، وصى الله به الملأ وتنزل به الروح الأمين من فوق أطباق السماوات السبع العلى.
اثنان إذا ذكرتهما ذكرت البر والمعروف والإحسان، اثنان إذا ذكرتهما تحركت في القلوب الأشجان والأحزان اثنان إذا ذكرتهما أسعفتك بالدموع العينان، مضت أيامهما وانقضى شبابهما وبدا مشيبهما، وقفا على عتبة الدنيا وهما ينتظران منك قلباً رقيقاً، ينتظران منك براً رفيقاً، وقفا ينتظران والجنة وراءهما والجنة تحت أقدامها، فطوبى لمن أحسن إليهما ولم يسء إليهما، طوبى لمن برهما ولم يعقهما، طوبى لمن أضحكهما ولم يبكهما، طوبى لمن سرهما ولم يحزنهما، طوبى لمن أسعدهما ولم يشقهما، طوبى لمن أكرمهما ولم يهنهما، طوبى لمن أعزهما ولم يذلهما، طوبى لمن نظر إليهما نظرة الحنان، وتذكر ما كان منهما من البر والعطف والإحسان، طوبى لمن شمر عن ساعد الجد في رضاهما فما خرجا من الدنيا إلا وقد كتب الله له رضاهما، طوبى لمن سهر ليله وأتعب نهاره وأضنى جسده في حبهما وابتغاء رضاهما.
أيها الأحبة في الله: في هذا الزمان الذي عظمت غربته، وفي هذا الزمان الذي اشتدت كربته، فلم يرحم الأبناء دموع الآباء، ولم ترحم البنات رقة الأمهات، في هذا الزمان الذي تولى فيه البرور، وانقطعت فيه المودة إلى أعقاب الهوى والشرور، في هذا الزمان الذي عظمت غربته واشتدت كربته يحتاج المؤمن إلى من يذكره بحقيهما، يحتاج المؤمن إلى من يدله على عظيم فضلهما، لذلك تنزلت من الله الآيات، تحث المؤمن على البر بالآباء والأمهات، وصى النبي ﷺ أصحابه ووصى أمته من بعدهم أن يبروا ولا يعقوا، وأن يحسنوا ولا يسيئوا، وأن يكرموا ولا يهينوا.
ثلاث كلمات مشتملات على وقفات: الوقفة الأولى: مع البر في الحياة.
والوقفة الثانية: مع البر بعد الوفاة.
والوقفة الثالثة: مع الثمرات وما يجنيه أهل البر من الخيرات.
فاللهم إنا نسألك قولاً سديداً وعملاً صالحاً رشيداً.
أيها الأحبة في الله: الوقفة الأولى: مع من متع الله عينيه وسر خاطره وناظريه برؤية أبويه، مع من أكرمه الله بحياتهما فكم من قلوب تمنت بقاء الوالدين والله تفضل عليك بوجودهما.
فيا من متع الله ناظريك! ويا من أسعد الله عينيك! وصية بالوالدين وصاك الله في كتابه المبين وعلى لسان رسوله الأمين بالوالدين إحساناً، قال الله في كتابه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣]، وقال جل ذكره: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ [العنكبوت:٨]، وقال تقدست أسماؤه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ [الأحقاف:١٥] وصية من الله جل وعلا إليك أن تحسن إلى الوالدين.
стр. 704
كيفية الإحسان إلى الوالدين
وكيف يحسن الإنسان إلى أبويه؟ يحسن الإنسان إلى أبويه بخصلتين كريمتين يقول العلماء: من حفظ الله له هاتين الخصلتين فبر بهما فقد أحسن إلى والديه، الخصلة الأولى: في اللسان.
والخصلة الثانية: في الجوارح والأركان.
أما اللسان: فمن حق الوالدين على الإنسان أن يصونه، فلا يؤذيهما بالكلام الذي يكسر خاطرهما، يحافظ على لين الكلام، ويحافظ على كريم المنطق مع الوالدين، وقد جمع الله في اللسان لمن أراد بر والديه صفتين: الصفة الأولى: القول الكريم.
الصفة الثانية: العفة عن القول الذي لا يليق.
فمن وفقه الله للقول الكريم وصان لسانه عن أن يؤذي والديه؛ فقد بلغ الإحسان إلى والديه بلسانه، فما عليه إلا أن يتقي الله فيما بقي من جوارحه وأركانه.
أما القول الكريم: قال بعض العلماء: إن الله أمر به ومنه أن يشعر أباه بالأبوة وأمه بالأمومة، فلا ينادي أباه باسمه بل يناديه فيقول: يا أبتاه! أو ينادي أمه فيقول: يا أماه! ولقد أخبر الله عن هذا الأدب الكريم حينما قال عن نبيه إبراهيم وهو يخاطب أباه على الشرك والكفر: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم:٤٢] لم يناده باسمه وإنما قال: يا أبت، قال بعض العلماء: إن الابن إذا دعا أباه بالأبوة أشعره بعلو المرتبة عليه.
ومن دلائل الإكرام والإجلال باللسان: ألا يتكلم الابن في مجلس فيه أبوه إلا في حالتين: الحالة الأولى: أن يتكلم عن علم.
الحالة الثانية: أن يتكلم عن حاجة.
ولذلك كانوا يعدون من سوء الأدب مع الوالدين كلام الابن بحضرة أبيه وأمه دون حاجة، وكان الإمام محمد بن سيرين إمام من أئمة التابعين إذا حضرت أمه خشع وأصابه السكون، فيسأل الغريب: ما باله؟ فيقولون: هكذا يكون إذا حضرت أمه، من سوء الأدب إذا حضر الوالد أن يهذي الابن فيما لا حاجة فيه.
أما الخصلة الثانية في اللسان: أن يقول القول الكريم كما قال الله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤] القول الكريم وكف الأذى باللسان فلا يقل لهما أف.
قال بعض السلف: لو كانت هناك كلمة أقل من أف لنهى الله عنها، فيكف الإنسان لسانه في هاتين الحالتين، فيقول الكلام الطيب الذي يدخل السرور على والديه ويغض عن الكلام الذي يجرح الوالدين، فكم من كلمة تكلم بها الابن جرحت أباه إلى الممات في قلبه، وكم من كلمة تكلمت بها البنت جرحت أمها إلى الممات في قلبها.
الكلمة إذا خرجت لا تعود وإذا رمى الإنسان بالكلمة المؤلمة لأبيه وأمه فإن أذاها وشدة بلاها لا يقتصر على ما فيها، بل يضاعف على ذلك وجود الحنان والشفقة في قلب الوالد والوالدة، لذلك وصى الله من أراد البر أن يقول القول الكريم.
أما الخصلة الثانية التي ينبغي للإنسان أن يحفظها في جوارحه وأركانه: طول الصحبة للوالدين، فقد فرض الله على الإنسان أن يصحب والديه، ولذلك لا يجوز للمسلم أن يخرج عن والديه في سفر أو في غربة ما لم تكن واجبة إلا بعد استئذانهما، قال الله في كتابه: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥].
وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أقبلت أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، قال ﵊: (أحي والداك أو أحدهما؟ قال: نعم.
بل كلاهما، فقال ﵊: أفتبتغي الأجر والمثوبة من الله؟ قال: نعم.
قال: ارجع إليهما فالزمهما وأحسن صحبتهما) الله أكبر! قدم إلى النبي ﷺ يبايعه على الهجرة ويبايعه على الجهاد، يريد أن يصحب النبي ﷺ مهاجراً مجاهداً فيقول له: أحي والداك؟ ثم يقول له: أفتبتغي الأجر، ثم يقول له: الزمهما وفي رواية: (صاحبهما).
ولذلك قال بعض العلماء: لا يجوز للإنسان أن يخرج عن والديه إلا بعد استئذانهما، ولا ينبغي للإنسان أن يعيش في بلد غير بلد والديه إلا عند الاضطرار والحاجة، إذا فارقت الوالدين فقد أسكنت قلوبهما ألم الفرقة، وأوجدت في قلبيهما ألم الغربة، ولذلك قال النبي ﷺ حينما قدم عليه الرجل قال: يا رسول الله! أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد قال: (أحية أمك؟ قال: نعم.
قال: الزم رجلها فإن الجنة ثم) أي: الجنة التي تطلبها والتي تريدها وتنشدها عند رجل أمك، ولذلك كان من أول ما ينبغي على المسلم الذي يريد بر الوالدين أن يصحبهما، أحق من يصاحبك هم الوالدان، وأحق من تكون معهما وتطيل الجلوس معهما فتدخل السرور عليهما برؤيتك هما الوالدان.
ولذلك يقول بعض العلماء: من تغرب عن الوالدين في طلب عيش أو في ضرورة فليدمع، وليسأل الله جل وعلا أن يغفر ذنباً حرمه القرب من الوالدين، البعد عن الوالدين فوات لخير كثير لو لم يكن إلا دخولك على الوالدين في زيارة أو قضاء حاجة حتى سلام الإنسان على والديه من البر الذي يرحمه الله تعالى به.
ومما يوصى به من أراد بر الوالدين ورد جميل الوالدين، أن يحفظ الجوارح وأن يكون في خدمة والديه، ولذلك قالوا: ينبغي عليه أن يطعمهما إذا جاعا، وأن يكسوهما إذا عريا، وأن يحسن صحبتهما بالمعروف إذا احتاجا، فكم من ساعات قضى بها الإنسان للوالدين الحاجات غفر الله بها الذنوب والخطيئات، وأوجب بها الستر وفرج بها الهموم والغموم والكربات! كم من ابن بار بر والديه أدخل السرور عليهما فقام من عندهما وقد قضى لهما حاجتهما، فرفعت له الكف من والديه فلم تخب أكفهما فيما دعت وسألت، فخير ما يقضيه الإنسان حوائج الوالدين.
ومن كان في حاجة والديه كان في بر ورحمة ولطف من الله جل وعلا، قضاء حوائج الوالدين مقدمة على حوائج الأبناء، ومقدمة على حوائج البنات، ومقدمة على حوائج الزوجات، وعلى حوائج الإخوان والأخوات، إذا وفق الله الإنسان فصان لسانه وصان جوارحه عن أذية الوالدين ولزمهما فأحسن صحبتهما وأدخل السرور عليهما فإن الله ﵎ قد وفقه لخير كبير وفضل جليل غير حقير.
стр. 705
بر الوالدين بعد مماتهما
أما الخصلة الثانية والوصية الثانية التي يحتاجها من أراد بر الوالدين فهو: بر الوالدين بعد الممات، فأحوج ما يكون الوالدان إلى بر ابنهما إذا خرجا من الدنيا فصارا إلى دار البلاء، فما أحوجهما إلى دعوة صالحة أو استغفارة أو رحمة صادقة يرفع بها الابن كفه إلى الله ﵎، قال: (يا رسول الله! هل بقي من بري لوالدي شيء أبرهما به بعد موتهما قال: نعم.
الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما).
جاء إلى النبي ﷺ بعد أن ابتلاه الله بفقد والديه يريد أن يسأل هل بقي من حقهما شيء؟ فقال: يا رسول الله! هل بقي من بري لوالدي شيء أبرهما به بعد موتهما قال: نعم.
فلا يزال بر الوالدين ديناً على الإنسان مادامت روحه في جسده، ومن ظن أن البر ينتهي بوفاة الوالدين فقد أخطأ، فلا يزال بر الوالدين ديناً في عنق الإنسان إلى أن يلقى الله ﷻ ، يحتاجان إلى دعوة صادقة ويحتاجان إلى استغفارة تسبغ بها شآبيب الرحمات وتضفى بها من الله المغفرات، فأحوج ما يكونان إليه برهما بعد موتهما، فيكثر الإنسان من الاستغفار لهما وكلما كان الإنسان ذاكراً والديه بعد وفاتهما فإن الله يفي له كما وفى لوالديه.
والله ما ذكرت والديك بعد وفاتهما إلا سخر الله لك من يذكرك كما ذكرتهما، والله ما ذكرت الوالدين بدعوة صالحة فنفس الله بها في القبور كرباتهما أو رفع بها درجاتهما؛ إلا سخر الله لك من يذكرك إذا صرت إلى ما صاروا إليه، فإن الجزاء من جنس العمل.
أما الوصية الثانية في بر الوالدين بعد الوفاة: صلة قرابة الوالدين، وأحق من تصل أبناء الوالدين، فإن الإنسان قد يتوفى أبوه ويترك له إخوته وإخوانه وهما أحوج ما يكونون إلى عطفه وبره، فلذلك كان من أصدق البر للأب العطف على يتيمه والعطف على صغيره، فمن ابتلاه الله فكان أكبر إخوانه فقد صار ديناً عليه أن يفي لأبيه بعد وفاته؛ فيحسن إلى إخوانه وأخواته، فمن أجل القربات وأفضل الطاعات أن تحسن إلى يتيم الوالدين، ولذلك قال العلماء: إن الإحسان إلى اليتيم على مراتب: أعلاه: اليتيم القريب، وأقرب قريب إذا كانوا إخوة لك، فإن الإخوة إذا فقدوا الأب احتاجوا إلى من يسد ذلك الفراغ الذي كان فيه الأب، احتاجوا إلى أخيهم الكبير في كلمة حنونة أو عطف أو بر أو إحسان، أو دفع شدة أو كربة بعد الله جل وعلا، فإذا قابل الأخ إخوانه بهذا العطف وهذا البر كان أصدق ما يكون من ذكره لحق والديه عليه، ولذلك كان من أشد ما يكون على اليتيم أن يبلى بأخ يسيء إليه ولا يحسن إليه، فخير ما يوصى به من فقد والديه وخلف له الوالدان أبناءً وبناتاً يحتاجون إلى عطفه أن يبر الوالدين بالعطف على أولئك الصبية الضعفة، وأن يحتسب عند الله جل وعلا إدخال السرور عليهم.
الخصلة الثالثة في بر الوالدين بعد الوفاة: صلة أهل ود الوالدين من الأرحام -العم والعمة والخال والخالة- بزيارتهم وتفقد أحوالهم والإحسان إليهم، قال ﵊: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه).
مشى عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه في سفره من المدينة إلى مكة وكان عنده دابة يركبها ويتروح عليها إذا تعب، فرأى أعرابياً يسير فنزل عن دابته وألبسه العمامة وحياه وأكرمه، ثم لما مضى قال له أصحابه، لم أعطيته الدابة رحمك الله؟ قال: إن هذا كان أبوه صديقاً للخطاب في الجاهلية، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه).
قال بعض العلماء: إنما كان براً؛ لأن صديق الوالد إذا رأى ابن صديقه ذكر الوالد فترحم عليه، وذكر جميل أفعاله وأثنى عليه، فكان ذلك من بر الوالدين، ولذلك تعتبر هذه وصية لمن فقد والديه أن يحسن إلى أصحابهما -إن من أبر البر أن يصل أهل ود أبيه- يتفقدهم بالزيارة، وإن وجد منهم خلة أو حاجة سدها يحتسب عند الله برها، فهذه من القربات التي تكون للوالدين بعد الممات.
следующие страницы →