← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أخذ الكتاب باليمين ومن عواقبها الحميدة وآثارها الجليلة المجيدة: يوم يبعث الناس على رءوس الأشهاد بين يدي الله رب العباد، فينادي منادي الله بالصحائف، فتطير الصحائف فلا يدري الإنسان أينال صحيفته باليمين فيكون من الناجين أم ينالها بالشمال فيكون من الهالكين، إذ بذلك العبد الصالح ينال كتابه باليمين، ذلك الكتاب الذي مليء من صالح الأقوال والأعمال فينادى على رءوس الأشهاد ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠].

стр. 632

دخول الجنان ومن ثمرات الأعمال الصالحة واغتنام الحياة في مرضاة الله جل وعلا: دخول الجنان، والفوز بما فيها من الروح والريحان، فإذا دخلها المؤمن خلف كل هم وغم وراء ظهره، قيل لبعض السلف: أمرتاح أنت؟ قال: (إنما الراحة حين أضع قدمي على أعتاب الجنة) فإذا وضع المؤمنون الصالحون أقدامهم على أعتاب الجنان خلفوا وراءهم الهموم والغموم، ودخلوا إلى دار السلام والسلوان، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. ولذلك يناديهم الملائكة ووجوهم كالأقمار المضيئة، وهم داخلون ينادونهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] طبتم بماذا؟ طبتم بالأعمال الصالحة، طبتم بقيام الليل، بالإنفاق، بالبذل، بالتضحية، بالاغتنام لهذه الحياة في مرضاة الله ومحبة الله. أحبتي في الله! ألا وإن سلعة الله غالية، ألا وإن سلعة الله الجنة، ألا وإن من يريد أن يفوز بهذه الكرامات والباقيات الصالحات فليجتهد غاية وسعه في محبة الله جل وعلا، إن الطاعة تحتاج إلى جهاد تحتاج إلى صبر تحتاج إلى كفاح وجلاد الطاعة تحتاج إلى تعب ونصب، ولكن تعب ساعة وراحة عمر ودهر. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم ممن اغتنم الحياة في طاعته، ووفقه الله لسلوك سبيل محبته ومرضاته إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 633

قبول العمل الصالح إن الله جل وعلا يقبل منك العمل الصالح -خاصة في شبابك، خاصة في اقتبال العمر- إنك إن أقبلت على الله في عز الشباب عظمت عند الله نشوتك وصحتك وعافيتك وقدرتك على معصية الله وأنت تنصرف إلى طاعة الله ومرضاته. ولذلك ذكروا عن رجل أنه بلغ أكثر من مائة سنة وكانت قوته قوة الشاب، قالوا له: كيف وقد بلغت أكثر من مائة وقوتك قوة الشاب؟ فقال ﵀: أعضاء حفظناها في الصغر فحفظها الله لنا في الكبر. من اغتنم الحياة في طاعة الله أنعم الله عينه بالحياة الطيبة، فمن ثمرات اغتنام الحياة في طاعة الله أن الله يطيبها بالعمل الصالح، ولذلك قال الله في كتابه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] أي: والله لنحيينه حياة طيبة. فمن بشائر اغتنام الحياة في طاعة الله أن الله يطيبها؛ ولذلك تجد العبد الصالح كثير الذكر والشكر، في طمأنينة وراحة نفس وهناءة بال، لو بذلت أموال الدنيا لكي يصيب الإنسان تلك الراحة ما ذاقها. إذا صلى الإنسان فرضه وخرج من بيت الله ومسجده كم يجد من الراحة والسلوان، وكم يجد من الطمأنينة التي والله لو بذل لها الأموال ما بلغها ولا حصلها، فهذه من ثمرات اغتنام الحياة في الطاعة.

стр. 634

جعلك قدوة للناس في الخير ومن ثمرات اغتنام الحياة في الطاعة: أن الناس يتخذونك قدوة في الخير، قال الله عن عباده الأخيار: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] قال بعض العلماء: معنى الآية: اجعلنا كثيري الخير حتى يقتدي الناس بنا في الخير، ولذلك إذا وجد في الناس عبد صالح كثير الذكر كثير الشكر كثير الطاعة اتخذه الناس قدوة في الخير وإماماً، فإذا رأيت أخاك كثير الصيام أحببت الصيام برؤيته، وإذا رأيت أخاك كثير القيام في الليل أحببت قيام الليل برؤيته، فيأخذ أجرك حينما كان قدوة لك في الخير.

стр. 635

تأمين الله أهل الطاعة إذا خافوا ومن ثمرات اغتنام الحياة في الطاعة: أن الله جل وعلا يؤمن أهلها إذا خافوا، وأن الله جل وعلا يقضي حوائجهم إذا سألوا، فلذلك تجد أهل الطاعات أغنى الناس بالله جل وعلا، فقلوبهم غنية بالله لا تمتد أكفهم إلى أحد سواه، ولا تتعلق قلوبهم بشيء عداه، إن أصابتهم الضراء صبروا فأنعم الله عليهم بالصبر، وإن أصابتهم السراء شكروا فأنعم الله عليهم بذلك الشكر. ألا وإن اغتنام الحياة بالطاعة خير كثير وثواب جزيل يسعى إليه الصالحون، ويشمر فيه الأخيار والمتقون، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم منهم.

стр. 636

الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة أما الثمرات الأخيرة التي يراها الإنسان على أتم ما تكون عليه ثمرة الصلاح والفلاح، وعلى أكمل ما يكون عليه الربح والنجاح إذا ضم العبد قبره وأوسد لحده فإنه يجد أثر هذه الطاعات على أتم الوجوه وأكملها، فإن الله جل وعلا أخبر أن أهل الاستقامة ينعم عليهم إذا صاروا في آخر لحظاتهم من الدنيا ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] جمعوا بين الأمرين: القول والعمل ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] استقاموا بالعمل الصالح استقاموا باغتنام الحياة في طاعة الله ومرضاة الله ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] عزت عند الله مكانتهم فأنزل إليهم الملائكة في سكرات الموت، تنزل عليهم الملائكة إذا صاروا في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، في تلك اللحظة التي يؤمن فيها الكافر ويوقن فيها الفاجر، في تلك اللحظة العصيبة ينظر الإنسان نظرتين لا ينظر غيرهما: أما النظرة الأولى: فهي أمامه، وأما النظرة الثانية: فهي وراءه، فإذا نظر أمامه أصابه الخوف، وإذا نظر وراءه أصابه الحزن، أما النظرة التي إلى ورائه فإلى أبنائه وبناته إلى الذرية الضعيفة التي يتركها من ورائه، إلى أزواجه، إلى عشيرته، إلى قرابته، ينظر إليهم بقلب متقطع مليء بالحزن. أما النظرة التي أمامه فهي نظرة لهذه الدار غير الدار التي يعرفها، وإلى هذا المنزل الذي ما نزله من قبل، وإلى هذه الرحلة التي لا رجعة بعدها، وإلى هذا السفر الذي لا إياب بعده، فيصيبه الخوف لا يدري هل هو قادم على رحمة أو قادم على عذاب! أقادم على جنان وروح وريحان، أم قادم على جحيم ونيران وسخط من الديان! لا يدري، فينزل الله جل وعلا عليه الملائكة لكي تقول هذه الجملة: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ [فصلت:٣٠] أي: لا تخافوا من هذه الدار التي أنتم قادمون عليها ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠] أي: على فراق الذرية. ولذلك ورد في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاًً﴾ [الكهف:٨٢] كان أبوهما عبداً اغتنم الحياة في طاعة الله ومرضاة الله، يقول بعض العلماء: كان أبوهما صالحاً: الجد السابع لهذين اليتيمين، ذكر الله العبد الصالح في الذرية في الطبقة السابعة من الأبناء، ذكر الله هذه الذرية بفضل الله أولاً، ثم بما كان من صلاح الجد، ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ [فصلت:٣٠] أي: على هذه الدار التي أنتم قادمون عليها ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠] على فراق الأهل والذرية؛ ولذلك إذا رأى المؤمن ما عند الله من الحبوة والكرامة والرضا في أول لحظة من لحظات الآخرة، وفي أول ضجعة له في القبر، إذا رأى نعيم الآخرة وبشائر الرحمة لو خير بين أن يبقى ويرجع إلى أهله لاختار البقاء على الرجوع إلى الأهل. كثير من الناس يخافون الموت، كثير من الناس يجزعون من الموت، ولكن إذا كشف للعبد المؤمن ما عند الله من الرحمات وثواب اغتنام الحياة في الطاعات كان شوقه إلى ذلك أعظم من شوقه إلى أهله وأولاده؛ ولذلك ما أعظم الغنيمة! وما أعظم الربح! وما أعظم الفوز حينما يُضجع الإنسان في قبره قرير العين بطاعة الله! وقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ : أن الملكين إذا سألا العبد الأسئلة الثلاثة عن ربه ودينه ونبيه صلوات الله وسلامه عليه قالا له: نم صالحاً -لأن الله أصلحه في الدنيا وهذه عواقب الصلاح في قبره- يقول النبي ﷺ : (فيفتح له باب إلى الجنة يأتيه من روحها وريحانها، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة) مما يحس من عظيم كرامة الله التي تنتظره. وجاء في الحديث الآخر عند أحمد ﵀ في المسند (أنه إذا قالا له: نم صالحاً. جاءه رجل على أحسن ما يكون وأجمل ما يكون من صورة فيقول ذلك الميت الصالح: من أنت؟ فوجهك وجه خير ولا يأت إلا بخير؟ فيقول له: أنا عملك) أنا قيام الليل، وصيام النهار، ولذلك المؤمن الصالح إذا قام في ركعة نافلة واستثقلها وأحس بطولها وجاءته السآمة والملالة في طاعة الله فليتذكر يوم تكون هذه الطاعة أنساً له في القبر، ليتذكر يوم تكون له هذه الركعة والسجدة نوراً له في القبر، ليتذكر يوم تكون هذه الركعة والسجدة نوراً له على الصراط، هذه غنائم وهذه عواقب اغتنام الحياة في طاعة الله ومرضاة الله.

стр. 637

الأسئلة

стр. 638

العدول عن فتوى جواز ركوب المرأة مع السائق الأجنبي السؤال سمعنا لك في أحد الأشرطة فتوى بجواز ركوب المرأة لوحدها مع الرجل إذا كان الرجل موثوقاً يجوز أن تذهب معه داخل البلد، فهل هذا صحيح؟ وهل سبقكم إلى هذا أحد من أهل العلم؟ الجواب باسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد: نعم. هذا كان في شريط صلاح المرأة، والسبب أني كنت أعتمد على حديث أسماء ﵂ حينما أناخ النبي ﷺ بعيره لكي تركب، وله أصل كما ثبت في الصحيح من قصة عائشة ﵂ مع صفوان بن المعطل في قصة الإفك؛ لأنه كان قائد بعيرهم، ولكني عندما نظرت إلى فساد الناس وتذرع الكثير بهذه الفتوى إلى مسألة ركوب النساء مع السائق الأجنبي، ووجود الفرق بين الصورتين؛ لأن البعير الخلوة فيه ليست كالخلوة في السيارة الموجودة الآن، رأيت أن الأقرب إلى الصواب هو المنع من هذا الأمر، ولذلك أعدل عن القول بهذه الفتوى، وقد عدلت عنها منذ عام، ورأيت أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو المنع من هذا إلا في حالات الضرورة وهو محل اتفاق بين أهل العلم رحمة الله عليهم، لحديث أم سلمة الثابت في قصة هجرتها لما هاجرت ﵂ دون محرم. فالمقصود: أن هذا القول أفتى به غير واحد من أهل العلم رحمة الله عليهم أنهم يجيزون قضية ركوب المرأة على بعيرها، وقيادة الأجنبي لها، هذا محفوظ وموجود، والسنّة دالة عليه كما في الأحاديث التي ذكرناها، مثل حديث صفوان بن المعطل، وحديث أسماء ﵂، ولكن هناك فرق بين السيارات الموجودة الآن وبين الركوب على البعير، والفرق واضح؛ ولذلك أرى أن فقه الفتوى هو المنع من هذا ما أمكن، وعدم جوازه إلا في حال الاضطرار، وجزاك الله خيراً على هذا، ولذلك أحب التنبيه على هذه الفتوى في شريط صلاح المرأة، ولا يتذرع بها، ونسأل الله العظيم أن يلهمنا السداد والرشاد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 639

الطريقة المثلى لإنكار المنكر السؤال هذا سائل يتحدث عن غربة هذا الزمان، وعن الأمور التي فشت عند كثير من الناس من الفساد والأمور المحرمة ويقول: ما هو واجبي أمام إقبال هؤلاء الناس على الحياة والانغماس في الملذات؟ الجواب نجمل هذا الواجب في أمور: أولها: أن تكون قدوة في مجتمعك، أول ما يفكر فيه الشاب الصالح الموفق الذي يريد هداية الناس ويريد الخير للناس: أن يكون قدوة، أول ما تفكر فيه صلاح نفسك، وتحمل نفسك على طاعة الله ومحبة الله حتى تكون إمام خير، ولذلك قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] أول ما يفكر فيه الشاب الصالح الموفق أن يكون قدوة للغير، ولذلك ما أوحى الله إلى نبيه الكتاب ولا أنزل إليه إلا بعد أن أصبح إماماً وقدوة لمجتمعه، كانوا يسمونه الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه. تكون قدوة في صلاحك وطاعتك لله جل وعلا، وقدوة في أخلاقك ومعاملاتك للناس، تحاول قدر استطاعتك داخل مجتمعك، وأقرباؤك وجيرانك وأهلك لا بد أن يلمسوا أن هذه الهداية غيرت من حياتك، فالكبير يراك تجله، والصغير يراك توقره، ويرى فيك رحمة الهداية، فتكون كأنك طبيب تأخذ الناس إلى محبة الله ومرضاة الله، تداوي القلوب بكلام الله علام الغيوب، أول ما تفكر فيه أن تكون قدوة في نفسك، وكم من قدوة صالح دعا الناس بأخلاقه وأعماله قبل أن يدعوهم بقوله، قال بعضهم: كونوا دعاة وأنتم صامتون، قالوا: كيف ندعو ونحن صامتون؟ قال: ادعوا الناس بأخلاقكم وسمتكم قبل أن تدعوهم بقولكم، فالدعوة بالقدوة الصالحة. النقطة الثانية أخي في الله: النصيحة والموعظة الحسنة، وتختار لها الوقت المناسب والأسلوب المناسب، فإذا رأيت جاراً على زلة تختار أفضل الأوقات لزيارته أو تدعوه إلى زيارتك، ثم تكلمه كلمة المشفق من كلام الله وكلام رسول الله ﷺ ، ولكن أوصيك ألا تخرج كلمة منك وأنت تنصح أو تعظ إلا وأنت ترجو الله والدار الآخرة، الكلمة الصادقة والنصيحة الخالصة لوجه الله لا يمكن أن تذهب سدى، لا بد أن تقع في القلوب ولا بد أن تؤثر في القلوب إن عاجلاً أو آجلاً، كن صادقاً ليس هدفك إلا نجاة العبد، لا تنطلق حمية ولا غيرة، بعض الأحيان يرى الرجل أخاه على منكر فيقول: فضحتنا، فعلت بنا، فعلت بنا. إذاً ما هو الدافع لإنكار المنكر؟ الحمية، العصبية، لكن حينما ينطلق مشفقاً عليه من عذاب الله، يقول: يا أخي! اتق الله، يا أخي! إني أخاف عليك عذاب يوم عظيم! يذكره بالله جل وعلا؛ يجد لهذه الموعظة والنصيحة أثراً، فكن صادقاً مع الله في نصح الناس وتوجيه الناس. ومما يعين على الصدق أن تعلم أنه إذا ترك هذا الحرام أجرت على تركه، وأنه إذا فعل هذه الطاعة والله ما فعلها يوماً من الأيام في سواد ليل أو ضياء نهار إلا كان لك مثل أجره، فهذه غنيمة وتجارة رابحة، نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم منها. واعلم -أخي في الله- أن مهمتنا البلاغ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] أقم حجة الله على عباد الله، فإن خرج الأمر إلى الاستهزاء والسخرية فاصبر، أوصيك بأمرين: أولاً: ألا تتألم لسخرية الساخرين، واستهزاء المستهزئين. ثانياً: إياك أن تجاري أهل الجاهلية في جاهليتهم، إذا جئت تنصح أي شخص فوجدته يستهزئ أو يتلاعب فكف عنه وأعرض عن الجاهلين، فإنه إذا رآك لا تجاريه في جاهليته علم أن هدفك هو النصح والتوجيه. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم الإخلاص، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، والله تعالى أعلم.

стр. 640

الوسائل المعينة على قيام الليل السؤال كثير من الإخوة يسألون عن الوسائل المعينة على قيام الليل؟ الجواب من أعظم الوسائل: سؤال الله والدعاء، سل الله جل وعلا أن يجعلك من أهل قيام الليل؛ فإن أهل قيام الليل هم الصالحون وعباد الله المتقون، وأولياؤه الذين يذكرونه بالأسحار إذا نامت الأنظار، وتوارى الإنسان عنها، وأصبح في الدعة والسرور قام بين يدي الله يناجيه ويناديه، سل الله أن يجعلك من أهل قيام الليل. الوسيلة الثانية التي تعين على قيام الليل: كثرة ذكر الآخرة ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر:٩] هذا أول شيء، إذا أردت أن تكون من أهل قيام الليل أكثر من ذكر الآخرة والخوف من الآخرة؛ فإن الله يحيي بهذا الخوف ليلك، فتصبح في خوف مما أنت قادم عليه فتقوم تركع أو تسجد أو تستغفر أو تتلو كتاب الله جل وعلا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر:٩] القنوت: قيل: ملازمة الشيء، وقيل: الذكر ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر:٩] إذاً أول شيء هو الخوف من الآخرة، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:١٦] ماذا؟ ﴿خَوْفاً﴾ أول شيء الخوف ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] فإن أردت أن يجعلك الله من أهل قيام الليل فهيئ في نفسك الخوف من الله؛ حتى يجعل الله فيك شوقاً للنجاة، والذي يخاف الله جل وعلا يوفقه الله لقيام الليل، ويكون قيام الليل سهلاً ميسراً عليه، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم منهم. الأمر الرابع الذي يعين: الأخذ بالأسباب، ومنها قراءة سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم، والصحابة رضوان الله عنهم، فهذه من الأمور التي تحيي في القلوب حب قيام الليل، وإذا أحببت قيام الليل حرصت عليه. كذلك أيضاً من الأسباب التي تعين على قيام الليل الآتي: إياك والسهر بعد العشاء، يكفي الدنيا من بعد الفجر إلى صلاة العشاء، ما يكفي الإنسان الدنيا هذا كله وهو في دنياه يسرح ويمرح؟ بعد العشاء -يا أخي- اقفل باب بيتك، وتوضأ وقم بين يدي ربك، والله يمكن الجزء ما يأخذ منك ثلث ساعة، جزء من كتاب الله جل وعلا، الحرف بعشر حسنات، تقرأ الصفحة آلاف الحسنات تكون لك، وهي لا تأخذ منك خمس دقائق تجارة وغنيمة وفوز وربح، بمجرد أن تصلي العشاء، الآن كثير منا يجلس مع ضيفه أحياناً ثلاث ساعات بعد صلاة العشاء ولا يستكثرها ولا يشعر بها من حلاوة الضيف! فكيف بحلاوة مناجاة الله جل وعلا؟! إذا لم تستطع قيام آخر الليل بعد صلاة العشاء توضأ يا أخي! وخذ كتاب الله، إن كنت تحفظ اقرأ من حفظك، وإن كنت لا تحفظ فخذ كتاب الله ولو تقرأ بالنظر، وهي ساعة تفرغ فيها لذكر الله جل وعلا، واذكر ما فرطت فيه في يومك، تستغفر، تذكر، تسأل الله خير الدين والدنيا والآخرة، وتسأل الله لك ولوالديك. فهذه من أهم الأمور، الأخذ بالأسباب، قيام الليل يحتاج إلى جهاد، يحتاج إلى رجل كامل الرجولة في إيمانه، فإذا أخذت بهذه الطريقة نظر الله إليك كل ليلة، وهذا أمر لا تفرط فيه مهما كان، قيامك لليل إذا ابتدأت القيام بعد صلاة العشاء تحافظ عليه يصبح أعز عليك من طعامك وشرابك، اليوم الأول تراه كالجبل، واليوم الثاني كنصف جبل، واليوم الثالث أحب إليك -والله- من أهلك وولدك، حتى أنك تضيق لو أن أحداً قال لك: تعال افعل كذا أو احصل على كذا بعد هذا؛ من لذة وحلاوة طاعة الله جل وعلا، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل. فإن استطعت أن تفعل هذا فإن الله قد يحب ويجل منك هذا العمل، فيوفقك إلى قيام نصف الليل، ثم يجل منك هذا حتى تصبح من أهل قيام الثلث الآخر، فينعم الله عليك فتكون ممن قام الليل وكتب من الذاكرين. أكثر من قيام الليل فإن الله يشرح به الصدور، وينير به القلوب، حتى قال بعض أهل العلم: إن من أعظم أسباب النجاة من عذاب الآخرة قيام الليل؛ لأن النبي ﷺ لما ذكر حديثاً طويلاً في الصحيح عن ابن عمر ﵁ في قصته مع الملك أنه ﵁ عندما قص الرؤيا - قصتها حفصة، أخته، أم المؤمنين عن النبي ﷺ قال ﵊: (إن أخاكِ رجل صالح فليعني على نفسه بكثرة السجود في الليل) قالوا: إن هذا يدل على أن قيام الليل من أعظم الأسباب التي تذهب روع الآخرة وخوف الآخرة. نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من أهل قيام الليل، والله تعالى أعلم.

стр. 641

وصايا لمن تاب وقلبه معلق بالمعصية السؤال فضيلة الشيخ! أنا شاب تائب -أسأل الله أن يرزقني التوبة النصوح- وكنت من قبل التوبة أشاهد عدداً كبيراً من الأفلام الجنسية، ولا يخفى عليك ذلك الخيال المشبع بتلك الصور، فما الوسيلة للنسيان ومقاومة تلك الشهوة الجامحة التي لم أستطع ردها حتى بالصوم، وأستغفر الله لي ولك وللمسلمين؟ الجواب أولاً: الحمد لله الذي منّ عليك بالتوبة والهداية، وشرح صدرك لسلوك سبيل محبته ومرضاته. أوصيك أخي بحب الله، فإذا أحببت الله جل وعلا أنعم عليك، ألا وإن من حب الله الذي يزيدك الله به ثباتاً على الهداية أن تشكره على هذه النعمة، فتقول: الحمد لله والشكر لله أنه لم يدركني الموت وأنا على هذه الملهيات والمغريات والشهوات المهلكات، فاحمد الله على نعمته. الوصية الثانية التي أوصيك بها: إن كثرت عليك هذه المشاهد فأوصيك بكثرة ذكر القبر والموت، فما هذب سلوك الإنسان شيء أعظم -بعد توفيق الله جل وعلا وهدايته- من ذكر القبر والموت والحشر والنشر، والسؤال والصراط، أكثر من ذكر الآخرة فإن الموت نغص على أهل اللذات لذاتهم، والموت قطع أهل الشهوات عن شهواتهم، أكثر من ذكر تلك اللحظة الأخيرة من هذه الحياة، والله مهما بلغ من معصية الإنسان إذا تذكر أنها ستمر عليه هذه اللحظة التي لا يدري متى زمانها ولا يدري أين مكانها هانت عليه الدنيا وما فيها، وتذكر أنه سيمر عليه مثل هذه اللحظة وأنت ضجيع القبر والبلى لا مال ولا بنون، ولا عشيرة ولا أقربون، وأنت مرهون بما كان ويكون من أمر الله جل وعلا، فأكثر من ذكر الآخرة فإن الله يقوم بها سلوك المؤمن ويحفظه من الزلل. والأمر الثالث: أوصيك بوصية هي من أفضل الوصايا في مثل هذه الأمور: كثرة الدعاء، أكثر من الدعاء فإن الدعاء سلاح المؤمن، القلوب بين أصبعين من أصابعه ، ولذلك أكثر من دعائه وسؤاله أن يصرف قلبك عن هذه الشهوات وهذه المناظر والملهيات فإن الله يفعل، فإن أمر الله كن فيكون، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] فالله يحول بين المرء وقلبه، ولذلك ينبغي للإنسان أن يكثر من دعاء الله جل وعلا، ويسأل الله جل وعلا أن يصرفها عنه، وبإذن الله ستجد من الله فرجاً ومخرجاً. أخي في الله! إن هذا الذي تجده الآن من تعلق قلبك بما مضى، وتحس في بعض الفترات يمر عليك طيف من خيالها امتحان وابتلاء واختبار من الله جل وعلا، الله يريد أن يختبرك الآن، فإن حن الإنسان إلى الماضي كان ناقصاً في هدايته، وناقصاً في إيمانه على قدر حنينه، ففر إلى الله وأنت إذا جاءتك تبكي وتشتكي وتتألم وتضيق عليك الدنيا كان هذا الضيق وهذا الهم الذي يصيبك في ميزان حسناتك؛ لأنه كما أن للأيدي والألسنة أعمال فللقلوب أيضاً أعمال، فلذلك مقتك لهذه الصور عندما تتذكرها وتتألم منها وتكثر من الاستغفار عند ذكرها فإن الله جل وعلا يثيبك عليه. والوصية الأخيرة: إذا مر بك طيفها اذكر الله، وأرجو من الله جل وعلا إذا فعلت ذلك أنه لا يعود لماذا؟ لأن طيفها جاءك من الشيطان، فالشيطان يريد أن يذكرك هذا الماضي حتى تحن إليه، فإذا وجدك صادقاً بمجرد ما يذكرك بها تذكر الله ما يأتيك؛ لأنه لا يريد ذكر الله جل وعلا، فأكثر من ذكر الله، وكن مع الله جل وعلا، بمجرد ما تذكرها قل: أستغفر الله. وإذا ذكرتها يتفطر قلبك على التفريط في جنب الله، ويكون عندك حزن على ما أنت قادم عليه من الآخرة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصرف قلبك عنها، وأن يجعل لك الفرج منها، والله تعالى أعلم.

стр. 642

نصيحة لمن يذهبون إلى العرافين والمشعوذين السؤال فضيلة الشيخ: نلاحظ انتشار المشعوذين وكثرة الذين يذهبون إليهم، فهل من كلمة توجيهية لهؤلاء؟ الجواب تعلق الناس بغير الله مصيبة عظيمة، وثلمة في الدين، ولذلك الواجب هو التناصح، وعدم إهمال هذا الأمر، وينبغي على كل إنسان أن ينصح من يعلم أنه يذهب إلى العرافين أو المشعوذين من أجل أن يدفعوا أو يتسببوا فيما يزعم أنهم يفعلونه لقاء بلائه وعنائه. فأوصيكم إخواني بأداء النصيحة والتوجيه لمن يذهب، ولذلك ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه من أتى أمثال هؤلاء فقد كفر بما أنزل على محمد والعياذ بالله، فالأمر عظيم، مزلة قدم، وموجبة لسخط الله جل وعلا على الإنسان. أما القضية الأخيرة التي أحب أن أنبه عليها: من أصابه هم وغم، فليكثر أولاً من الاستغفار، وثانياً: يحاول أن يكون قريباً من رياض الصالحين ومن حلق الذكر؛ لأن الذي فيه مس أو عناء الغالب أن سلطان الشيطان يضعف في بيوت الله جل وعلا، يكثر من غشيان حلق الذكر ومجالس الصالحين، ولذلك ورد في الحديث الصحيح أنها تتنزل عليه الملائكة، والشيطان يفر من الملائكة، قال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ [الأنفال:٤٨] قال ابن عباس: [رأى جبريل ومعه الملائكة يوم بدر، وكان يحرض المشركين على القتال حتى وصلوا إلى بدر، فلما بلغ قبل العدوة نكص على عقبيه] كان يحرضهم طيلة الطريق أكثر من ثلاثمائة كيلو وهو معهم، يقول لهم: أنتم المنصورون، وأنتم القاهرون، وأنتم وأنتم. حتى بلغوا مشارف الموت، لكي يروا مصارعهم، ويأتي أمر الله وقدر الله فتضرب تلك الرقاب مهينة لمعصية الله جل وعلا، فلما بلغ ذلك ورأى تنزل الملائكة نكص على عقبيه، هنا عرف قدره، أولاً: يكذب ويقول: إني معكم، إني جار لكم. حتى إذا بلغ هذا المبلغ نكص على عقبيه وقال: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله من شدة ما رأى من هول: تنزل الملائكة وجبريل لكي تقاتل مع أولياء الله جل وعلا، ولذلك من به مس إذا تليت عليه آيات الكتاب ماذا يفعل؟ يصرع مباشرة؛ لا يستطيع، سلطان القرآن على الشياطين قوي، ولذلك ينبغي للإنسان أن يكثر من تلاوة القرآن، فقد ذكروا عن رجل أنه هدده ساحر والعياذ بالله أن يعمل له عملاً، وكان قوي العقيدة في الله جل وعلا، وهو من طلبة العلم. يقول: فحبست عن أهلي فألهمني الله ، ما أصبحت عندي إلا كثرة الصلاة والدعاء وتلاوة القرآن، ما اشتكيت إلى أحد، ولا ذهبت إلى عراف ولا إلى ساحر، ولكن إلى الله ﷻ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] من الذي يجير ولا يجار عليه سبحانه عز جاهه وتقدست أسماؤه! يقول: ما مضت قرابة نصف سنة حتى ذهب عني جميع ما أجده، ذهب عن هذا الموفق، فبعد فترة يخبرني يقول: إن هذا الساحر يقول له: كيف حالك مع فلان؟ وكان هذا الساحر يربط الناس -والعياذ بالله- عن أزواجهم، قال: عذبني هذا من كثرة تلاوة القرآن، لأنه لا يستطيع أحد أن يقف أمام كتاب الله جل وعلا كالشهب على الشياطين ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]. وجعل الله فيه رحمة الدين والدنيا والآخرة، ولذلك أي هم أو غم يصيبك عليك أن تتلو آية من كتاب الله حتى ترى العجب، فيه الرحمة، وفيه اليسر، نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من أهله، وأن يحشرنا وإياكم في زمرتهم والله تعالى أعلم.

стр. 643

أسباب الإصابة بالمس والعلاج منه السؤال فضيلة الشيخ! نلاحظ في السنوات الأخيرة كثرة المرضى المصابين بالمس فما أسباب ذلك؟ وكذلك نلاحظ انتشار المشعوذين أو كثرة الذين يذهبون إلى المشعوذين، هل من كلمة توجيهية لهؤلاء؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فما ذكرته -أخي في الله- من المس وكثرته في هذه الأيام المس موجود من القدم، ولكن الناس قد تعتني بالشيء فيظهر بينهم بسبب اعتنائهم به، وكثرة المس لا تأتي إلا بسبب معصية الله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١] فكثرة الذنوب هي التي سلطت الشياطين على الناس، ولذلك خير علاج لهذا البلاء وكشف هذا العناء هو الرجوع إلى الله جل وعلا ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام:٤٣]. اعلم -أخي في الله- أن الشياطين والجن والإنس لا يملكون في هذا الكون مثقال ذرة، اعلم علم اليقين أن الله إذا ضر لا نافع سواه، وأن الله إذا نفع لا ضار سواه، فهو الذي يجير ولا يجار عليه، وهو الذي يشفي ويكفي، وإن أصابت علله لن يستطيع أحد أن يداويها غيره ﷻ وتقدست أسماؤه. سلطان الشياطين إنما يكون على أوليائهم، على الذين يتعلقون بهم، أما ولي الله المؤمن الذي فرغ الله قلبه له ﷻ ، وأسلمه بالتوحيد له سبحانه فإنه في حرز وحفظ وحصانة ورعاية من الله جل وعلا، لكن لو أصيب المؤمن بشيء من هذا فإن الله يجعله له رحمة في الدنيا والآخرة، قال الله عن نبيه أيوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] مسه الضر، وقال في آية أخرى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤١ - ٤٢] سلط الله عليه الشيطان وأصبح في همه وغمه، والبلاء في جسده سنين عديدة وهو صابر، يقول الله عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص:٤٤] الله أكبر! إذا قال الله: (نعم العبد) بماذا؟ بالصبر بالتوحيد، بالتسليم لله جل وعلا. ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ﴾ [ص:٤٤] كلمة (وجد) لها معنى ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] ما معنى أواب؟ كثير الرجوع إلى الله جل وعلا، كان إذا أصابه ضيق أو هم أو غم قال: يا الله! يا رباه! لا يستجير بشيء عداه ﷻ . فلذلك من أجل نعم الله على المؤمنين أن الضراء رحمة بهم وإن كانت ألماً في الظاهر لهم، يريد أن يرفع درجاتهم، يريد أن يكفر خطيئاتهم، يريد أن يعظم لهم أجورهم في دنياهم وأخراهم؛ فيسلط عليهم هذا البلاء، لكن هذا البلاء إذا صحب بالإيمان والتسليم والتوحيد، وقوة العقيدة في الله جل وعلا أنعم الله على عبده، وجعل له العاقبة، والله يقول في كتابه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] العاقبة المهم العاقبة والنتيجة، وليس المهم أن الآن يبتلى الإنسان، المهم ما هي الثمرة وما هي النتيجة، ولذلك ورد في الحديث أن أهل البلاء إذا نظروا ما لهم عند الله يوم القيامة من الحسنات والأجور تمنوا أن حياتهم كلها في بلاء، العبد الآن يصيبه هم وضيق نفسي وغم، فيقول: الحمد لله، اللهم إن هذا منك، اللهم اغفر لي ذنباً أوجب لي هذا البلاء، اللهم لك الحمد؛ الله يسمعك ويراك، كلماتك تسطر في صحيفة الملك لكي يصعد إلى الله، فيقول: (عبدي ابتليته فماذا قال؟ يقولون: حمدك وأثنى عليك. فيقول: ابنوا له بيت الحمد في الجنة) هذه الكلمات تقول: الحمد لله. المريض يأتيه البلاء فيقول: الحمد لله. تقول له: كيف حالك؟ يقول: الحمد لله. بقلب مليء بالحب والرضا عن الله جل وعلا لعلمه أن الذي أصابه هو الله، لعلمه أن هذا الكون ليس فيه مثقال ذرة إلا وهي تحت قهر الله وملك الله جل وعلا. فيعلم أن هذا البلاء ليس من الشياطين ولا من الجن ولا من السحرة ولكن من الله ﷻ بسبب الذنوب، وذنوبنا كثيرة، فقد يبتلي الله الإنسان بسبب ذنب يريد أن يكفره، فيقول العبد الموفق الصالح: الحمد لله، اللهم اغفر لي، اللهم تب عليّ، ولذلك كان قول النبي ﷺ من دعائه: (نعوذ بالله من شرور أنفسنا) لأنه عندنا زلات في اللسان، وفي السمع، وفي البصر، وفي القدم، وفي اليد، زلاتنا كثيرة فالله يبتلينا بمثل هذا البلاء. فأنا أقول: هذا الابتلاء ينبغي للإنسان بمجرد أن يجده أن يجعل أمام عينيه أن لا مفر من الله إلا إلى الله، ومن اعتمد على غير الله جل وعلا أو تعلق بشيء سوى الله معتقداً أنه ينفعه أو يضره فقد أشرك مع الله ﷻ ، ينبغي على الإنسان أن يعلم أنها مزلة الأقدام، وأنه إذا أشرك بالله جل وعلا فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، لا ينفع ولا يضر إلا الله ﷻ (من أتى عرّافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ كما ثبت في الحديث الصحيح. لا تذهب إلى ساحر ولا إلى كاهن فلن يغني أحد غير الله لك من الله شيئاًَ، انطلق من الأساس وهو كثرة الاستغفار. الوصية الثانية في علاج البلايا: كثرة الصدقات؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (إن الصدقة تطفئ غضب الرب) كثرة الصدقات سبب، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح أن الشمس عندما أكسفت أمر النبي ﷺ بالصدقة والاستغفار، وقرن بين الصدقة والاستغفار، قال بعض العلماء: في هذا دليل على أن هدي النبي ﷺ أن الإكثار من الصدقات عند البلاء سبب في رحمة الله جل وعلا للعبد.

стр. 644

لقاء الخير إن سبب النجاة والفلاح في الدارين هو الاعتصام بالكتاب والسنة؛ لذلك نبه النبي ﷺ أمته على ذلك كثيراً، وبالإضافة إلى ذلك تقوى الله وطاعته والإحسان إلى خلقه، والاهتمام بالأعمال القلبية، وعلى رأسها الخوف والمحبة والرجاء؛ فإن هذا كله مما تنال به رحمة الله التي وسعت كل شيء.

стр. 645

ضرورة الاعتصام بالكتاب والسنة إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. أيها الإخوة الكرام: أيها الأحبة في الله! أحييكم جميعاً بتحية الإسلام مرة أخرى: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونرحب بالمشايخ الفضلاء ونرحب نيابةً عن الداعية الشيخ خالد بن عبد الله القحطاني بالإخوة جميعاً، ونسأل الله أن يجعل هذا اللقاء لقاء خير، ويسعدنا ويشرفنا أن يكون في معيتنا هذه الليلة إضافةً إلى المشايخ الفضلاء من أهل هذه المنطقة الشيخ محمد الشنقيطي وهو معروف لدى الكثير بل الجميع، وكذلك الشيخ محمد الدويش وفقهما الله إلى كل خير، وهما وأشرطتهما وما كتبا يبينان من هما، نحسبهما على خير ولا نزكي على الله أحدا. ونسأل الله جل وعلا أن يحشرنا جميعاً في فردوسه الأعلى مع نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها الإخوة الكرام: أعلم أن الجميع في أحر الشوق لسماع كلمةٍ من الشيخين الكريمين، فأترك المجال لهما بعد أن رحبت بهما وبالجميع، وأسأل الله أن يبارك لهما في خطواتهما، ولكن قبل ذلك وخير ما تشغل وتعمر به المجالس كلام الله جل وعلا، فنستمع إلى بعض الآيات والتي نود من الشيخين الكريمين أن يعلقا عليها طلباً واقتراحاً لا إلزاماً وأمراً، فأقول كما قال حبيبنا وسيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ كما كان يبتدئ بها في كثير من خطب حاجته في عدد من الأحيان، وإن كان ليس من اللازم أن يُبتدأ بها، فإنه قد ثبت كما في البخاري وغيره أن النبي ﷺ بدأ كلمته بقوله: (ما من نفس منفوسة) وفي أحاديث أخرى لم يبتدئ بخطبة الحاجة فدل على أنها سنة وليست بالواجب. وفي كل وقت أقول: كثيراً ما كان ﵊ ينبه أمته على الاعتصام بكتاب الله وبسنته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، التي فيها النجاة وفيها الفلاح بإذن الله ﵎، فلا فلاح ولا نصر ولا سعادة ولا هداية لا في مجال العلم والتعليم، ولا في مجال الوعظ والإرشاد، ولا في مجال الجهاد في سبيل الله، ولا في أي مجال من المجالات الخيرية إلا بالرجوع إلى هذين الأصلين، وإلى الوحيين من كلام الله وكلام الرسول ﵊، وعلى فهم السلف الصالح، ويكفينا في ذلك ما جاء في كتاب الله من الآيات، وسوف نكتفي بواحدة منها، ومما جاء في سنة رسول الله ﷺ ونكتفي بواحد منها، ومما جاء من كلام السلف أيضاً ونكتفي بواحد من كلامهم. أما ما جاء في كلام الله جل وعلا فهو في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة:١٣٧] أي: لا هداية ولا سعادة في الاعتقاد، ولا في العمل ولا في العلم، ولا في العبادة ولا في الأخلاق ولا في السلوك ولا في المعاملة، ولا في شأن من شئون الحياة إلا بأن نهتدي بمثل ما اهتدى به نبينا ﷺ . أما الأحاديث فهو ما ثبت عن النبي ﵊ في غير ما حديث بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، أن النبي ﵊ أخبر في أحاديث الفرقة الناجية أنها: (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي)، فيجب أن نكون على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه في العلم والعقيدة والعمل. وأما قول السلف فهو قول إمام دار الهجرة الإمام مالك فيما نقل عنه: [لن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها]. نسأل الله جل وعلا أن يعيدنا جميعاً إلى كتابه وإلى سنة نبيه؛ لننهل من معينهما، ونتعلم منهما ولنعمل بذلك وندعو إلى الله على بصيرة وحكمة. وقد أتتني هذه القصاصة أو هذه الورقة من أخي الحبيب، فيها أبيات من الشعر يهديها إلى الضيفين الكريمين وإلى الجميع، فيقول فيها: سلام من صحيح القلب يهدى إلى أغلى الأحبة والصحاب يؤرقني له شوق وذكرى وطول مدى التفرق والغياب وأبعث ما يكن له فؤادي إلى الشنقيطي بين يدي خطابي نقول إلى الشنقيطي وفقه الله وإلى الدويش وإلى الجميع، نسأل الله أن يوفقنا لذلك. ونستمع الآن إلى آيات من الذكر الحكيم يرتلها علينا الشيخ خالد بن عبد الله القحطاني، ثم نقترح على الشيخين أن يعلقا عليها لننتفع من كلام الله، وكلام رسوله ﷺ ، وجزاكم الله خيراً، ومع التلاوة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٥٣ - ٦١]. نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، ونترك الآن المجال لفضيلة الشيخ: محمد الشنقيطي ليعلق على هذه الآيات، ثم بعد ذلك نثني بالشيخ محمد الدويش.

стр. 646

سعة رحمة الله ومغفرته كلمة الشيخ محمد الشنقيطي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بسط يده للتائبين، وعمَّ برحمته ذنوب المسيئين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمةً للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وجميع من سار على نهجهم إلى يوم الدين، كلما رقت قلوب المنيبين وكلما دمعت عيون المسرفين. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي أخي الفاضل الشيخ: خالد كل خير على هذا المجمع المبارك، وأن يجزيكم جميعاً خير الجزاء وأجزله على هذا المجلس، وأن يكتب لنا ولكم الخُطى، وأن يوجب لنا ولكم بها الحب والرضا. ثم إنه لمن توفيق الله جل وعلا أن تُختار هذه الآيات الكريمة، وهذه المقاطع الجليلة العظيمة التي كان بعض أصحاب النبي ﷺ يقول: (إن أرجى آية في كتاب الله هي هذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]) أرجى آية في كتاب الله تجبر كسر المكسورين، وتحدث السلوان للمصابين: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]. هذه الآية الكريمة التي نظر الله فيها إلى أمم غرقت في ذنوبها وقلوب أسرفت في غيها وفجورها وإلى أمم تعيش في الظلمات وقلوب حائرة في السقاطات والجهالات إلى تلك الجموع التي هوت وضلت عن سبيل الله وغوت إلى قلوب طالما فرت عن ربها وأفئدة طالت غربتها عن خالقها، نظر الله إليها نظر الرحمة؛ لكي يناديها بهذا النداء، فنسبها إليه جل وعلا: (قُلْ يَا عِبَادِي) ومن لهم غيره؟! ومن لهم سواه؟! ومن يرجون عداه؟! حينما عظم من النفس إساءتها، وجل منها خطيئتها ووزرها، نظرت إلى اليمين والشمال ومن فوقها ومن تحتها ومن أمامها وخلفها، فعلمت عندها أن لا مفر من الله إلا إليه. عندها أقبلت على الله جل وعلا، والقلوب محترقة بالحزن والألم، والنفوس متوهجة من شديد العتب والندم، تحس أنه ما كان ينبغي ما فات وسودت به الصحائف، تحس أنه لا غنى لها عن ربها، وأنها قد أسرفت في فجورها وغيها، وأنه إذا لم تصب برحمة من فاطرها فالويل ثم الويل لها، فعندها أحست من صميم القلب والفؤاد أن النجاة هناك، وأن المفر إلى هناك، إلى الله وجلَّ الله. إلى من إذا دمعت بين يديه دمعة غسلت الذنوب إلى من لا يذكرك بما مضى إذا أنبت بصدق إليه جل وعلا إلى الله الذي إن أقبلت إليه إقبال الصادقين لم يلتفت إلى ما مضى من ذنوب المسيئين، عندها أحسست أن النجاة عند الله، وأنه لا مفر من الله إلا إليه، وأن لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه. فمن يربيهم بالنعم غيره؟ ومن يغذيهم بالفضائل والمنن غيره؟ يا من لا مفر لكم إلا إليَّ! يا من لا عدة لكم سواي! يا من طالت غيبتكم! يا من طالت غربتكم! ((لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)) [الزمر:٥٣] أي: لا تقنطوا مما أعددت من رحمات تُغسل بها الذنوب، وتقال بها العثرات، لا تقنطوا وإن عظمت من النفس إساءتها ولا تيئسوا وإن ذلت النفوس من خطيئتها، فللذنوب غفرانها، وللعيوب سترها، وللكروب تفريجها، كم نادى منادٍ والقلب يحترق من الألم، وقد تلطخ بالذنوب ولكن جاء يطلب الإقالة مع الندم فرجع كيوم ولدته أمه. بغي من بغايا بني إسرائيل ما عملت خيراً قط، حياتها في الزنا والفجور، مرت على كلبٍ يلهث يأكل الثرى من الظمأ، فنزلت فملأت موقها فسقته فشكر الله لها فغفر ذنوبها. ومر عبد على غصن شوك فزحزحه عن الطريق، فزحزحه الله به عن نار جهنم، فما أحلمه! وما أرحمه! ما ضاقت رحابه بالمنيبين، ولا طرد عن بابه المسيئين، فما وقف أحد ببابه فرده خائباً عن جنابه، وما وقف أحد ببابه فخيبه في سؤاله ورجائه. هل وقف أحد بباب الله فطرده الله وأبعده؟ هل رجا أحد ربه فخيبه فيما رجاه؟ فما عنده إلا الحلم والرحمة والفضل والإحسان، تبارك الله الواحد المنان. وثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) نظر إليهم في جوف الليل وقد تلطخوا بالذنوب والمعاصي، فستر وتفضل بالستر وهو قادر على الفضيحة، حتى إذا انبلج ضياء الفجر وشع ضياء الصبح وانتشر، رُفِعت الأكف إليه تدعوه وتسأله وترجوه فبسط يده بالعفو بالنهار عن ذنوب الليل: (يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار) حتى إذا أشرقت الشمس بضيائها تلطخت أمم بذنوبها وسيئاتها فغفر وستر، حتى إذا جن عليها ضياء الليل تحركت في النفوس أشجانها، ونادت النفس اللوامة: أيا نفس ماذا فعلت؟! أيا نفس أي ذنب اقترفت؟! أيا نفس أي رب عصيت؟! فدمعت بين يدي ربها، وأنابت إلى الله خالقها، فتولى ذنوبها بالعفو والصفح، فكأن لم يكن ذنب وكأن لم تكن إساءة. فما أحلمه بعباده! وما أرحمه بخلقه! وكلما عظمت الذنوب، وكلما اشتدت الخطايا من النفوس فسلوانها أن الله لها، ومهما أساء المسيء في جنب الله فإنه بسعة عفو الله، وهو الذي يجرئه على حدود الله، وإن كان ينبغي له أن يحس بعظيم نعمة الله وأن يستحي من الله، لكن ما أحلمه! وما أرحمه! وما أكرمه! ومع هذه الرحمات وواسع العفو والمغفرات ما قدرناه حق قدره، ولا أجللناه حق إجلاله، تمحى الذنوب من الصحائف وإذا بالعبد يعود إلى تسويدها، فكأن لم يكن وكأن لم تكن له رحمة من الله، فما أوسع رحمة الله بعباد الله! وما أجرأ الخلق على حدود الله! وقفت مع هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] لا تقنطوا؛ لأن الله يغفر الذنوب جميعا، فليس هناك ذنب أكبر على الله من أن يغفره إلا أن يموت العبد على الشرك أو على الكفر والعياذ بالله، فخاب وخسر الدنيا والآخرة ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] فيكتب خالداً مخلداً في النار يوم أن يكتب عليه حرمت عليه الجنة فلا ترى عينه فردوسها ولا جنانها. يغفر الذنوب جميعاً إذا لم تبلغ النفس إلى سكراتها، ولم تفارق أو تصل إلى حدها من حياتها: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] لا يجوز لمسلم بعد هذه الآية الكريمة إذا وقع منه أي ذنب كان أن يستعظمه على الله جل وعلا، ولو قتل ولو زنا ولو سرق ولو فعل الموبقات، ولو ارتكب كبائر الفواحش والمنكرات فليضع نصب عينيه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. حمل عمر بن الخطاب السيف لكي يقتل النبي ﷺ ، فقلب الله قلبه في لحظة واحدة لكي يكون إماماً ورحمةً للمسلمين، فما أوسع رحمة الله بعباده! وما أوسع حلم الله على خلقه! نعصيه على أرض هي بساطه، وخيرات هي طعامه وهي نعمه جل شأنه وتقدست أسماؤه. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم: أن يمن علينا وعليكم بالتوبة النصوح، وأن يمن علينا وعليكم بغفران الذنوب وتكفير الخطايا وستر العيوب، اللهم إنا نسألك في هذه الحياة قبل لقائك بأننا نشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً ولم يكن له كفواً أحد، اللهم لا تبقِ لنا ذنباً إلا غفرته، اللهم اغفر لنا ما كان وما سلف، اللهم بارك فيما بقي من أعمارنا، اللهم ارزقنا فيها قولاً يرضيك عنا، وعملاً يرضيك عنا، وثبت أقدامنا على طاعتك إلى لقائك، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

стр. 647

ضرورة اجتماع المحبة والخوف والرجاء المقدم: أحسن الله إليك، ونفع الحاضرين والمستمعين بما سمعنا، وجعلنا ممن تنفعه هذه الكلمات في دنياه وفي أخراه، فننطلق عاملين بها لا متأثرين تأثراً لحظياً، ولكن تأثراً إلى أن نلقى الله جل وعلا، وهو راضٍ عنا، كما قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. نسأل الله أن يصلح ظواهرنا وبواطننا، وأن يجعلنا دائماً وأبداً ممن يخاف ربه، وممن يخشاه، وممن يرجو ثواب الله جل وعلا، فالمؤمن لابد أن يكون بين جناحين: جناح الخوف والرجاء. الخوف: هو أن يخاف من ربه جل وعلا، ويخاف من عقابه ويخاف من تحول نعمته إلى نقمة. والرجاء: هو أن يرجو ما عند الله، ويرجو ثواب الله، ويرجو لقاء الله وهو عنه راض، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارجه: والقلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر: رأسه المحبة وجناحاه الخوف والرجاء، فإذا قطع الرأس مات الطائر وإذا كسر أحد الجناحين فهو عرضة لكل صائد وكاسر. فلا بد -أحبتي- أن نسير بقلوبنا إلى الله جل وعلا، محبة في الله جل وعلا وخوفاً من الله ﵎، ورجاءً فيما عنده، حتى نكون من المؤمنين الموحدين، كما نقل عن مكحول الدمشقي ونقل هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في فتاويه: أنه من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري -من الخوارج - ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله حباً فيه ورجاءً لما عنده وخوفاً من عقابه فهو مؤمن موحد. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك. أيها الإخوة الكرام: الخوف المحمود هو: ما حجز عن محارم الله جل وعلا، كما قال شيخ الإسلام ﵀، فقد تنزل منا دمعة وقد نتأثر لحظة أو لحظات، وقد نتأثر في رمضان خلف الإمام وخاصةً لما يدعو، وقد نتأثر من بعض الآيات، وقد نتأثر من بعض الكلمات من الدعاة الصادقين الذين نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحداً، ولكن لابد أن يستمر العبد مع إخوانه ليزيد إيمانه، ولابد أن يستمر العمل حتى لا يصدق فينا حديث رسول ﷺ -الذي رواه ابن ماجة وهو حديث حسن من حديث ثوبان: (لأعلمن أناساً من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال كأمثال جبال تهامة بيضاء من الأعمال الصالحة يجعلها الله هباءً منثورا، أما إنهم منكم، يقرءون القرآن كما تقرءون، ولهم حظ من الليل ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها). نسأل الله أن يصلح ظواهرنا وبواطننا، وأن ينفعنا بما سمعنا، ونترك الآن المجال لفضيلة الشيخ محمد الدويش ليعلق على الآيات التي تليت، أو على ما تبقى منها وفقنا الله وإياكم للاستفادة، ووفق الله الشيخ للحق والسداد. كلمة الشيخ محمد الدويش:

стр. 648

الحث على التزود من الأعمال الصالحة كلمة الشيخ: محمد الدويش: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فكما أن للكلمة الصادقة التي تصدر من قلب يخاف الله ويخشاه ويرجو ما عنده أثراً بالغاً في نفس مستمعها, وكأنه وهو يسمع يقرأ ما في قلب صاحبها، فإن الكلمة المتكلفة التي تصدر من اللسان والتي تصدر من قلب قاسٍ بعيدٍ عن الله هي الأخرى لن يكون لها نصيب من التأثير والسماع، وليست النائحة الثكلى كالمستأجرة، والكلام الذي خرج من اللسان لن يتجاوز الآذان. ولهذا أرى أنني أفسد عليكم كثيراً عندما أعلق على ما قاله شيخنا حفظه الله ونفعنا بعلمه، ولا أزيد إلا على أن أؤكد على أن هذه المشاعر التي تمر بنا، عندما نسمع كلام الله تعالى، أو نسمع موعظةً لا يجوز أن تبقى مجرد مشاعر في القلب يتأثر بها المرء، فالله قد قال في كتابه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤]. فلابد أن يكون لهذا الخوف عمل، ولا بد أن يكون لهذا الرجاء عمل، وأن نوظف هذا التأثر -الذي نجده في نفوسنا عندما نقرأ كتاب الله ، أو نقف بين يدي الله أو نسمع موعظة- لكي يتحول إلى رصيد من العمل، والامتناع عما حرم الله ، والتوبة الصادقة النصوح إليه. فقد أثنى الله على عباده بثناء قال فيه : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان:٨ - ١٠] فأخبر الله أن هذا الخوف إنما قادهم إلى هذا العمل والإنفاق والبذل. ولا أريد أيها الإخوة أن أطيل عليكم أو أثقل عليكم، ولا أزيد على أن أؤكد ما قاله شيخنا: أن نسعى دائماً إلى أن نزيد من رصيد العمل. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العمل النافع، والعمل الصالح، وأن يجزي شيخنا خير الجزاء على ما ذكرنا به ورقق قلوبنا، ونسأل الله تعالى رقة القلوب وخشيتها، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 649

أهمية خوف المؤمن من حبوط عمله وهو لا يشعر شكر الله لفضيلة الشيخ محمد الدويش على هذه الكلمة، وقد ذكرني عندما تكلم عن حاله بفعل كثير من سلفنا الصالح، وعلى رأسهم صحابة رسول الله ﷺ بعد رسول الله ﵊، كانوا يبذلون ويعملون ويجدون ويجتهدون ويجاهدون ويضحون، ومع ذلك يقولون عن أنفسهم ولسان حالهم: يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعفُ عني أيها الإخوة: هذا شأنهم، يعمل ويجد ويجتهد في دين الله جل وعلا، أعمال قاصرة من قيام الليل وصيام وغير ذلك، وأعمال متعدية من دعوة وتأليف وكتابة ونشر للخير وهداية للخلق، هداية دلالة وإرشاد وإلى غير ذلك، ومع ذلك يستشعر أنه مقصر في جنب الله وفي ذات الله جل وعلا. وفي صحيح البخاري في كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، أورد أثراً عن ابن أبي مليكة يقول: [أدركت ثلاثين من صحابة رسول الله كلهم يخاف النفاق على نفسه] الصحابة وهم من هم في العلم والعمل والجد والاجتهاد والبذل في كثير من مجالات الحياة، ومع ذلك يخافون النفاق على أنفسهم، يقول ابن حجر: ومن أدرك ابن أبي مليكة؟ أدرك أناساً من كبار الصحابة، أدرك أبا هريرة وأدرك عائشة وأدرك العبادلة وغيرهم، ومع ذلك كان أحدهم يخاف النفاق على نفسه. فاروق هذه الأمة عمر كان يبذل ويعمل وسيرته معروفة، ومع ذلك كان يقول لابنه عبد الله عند موته: [ضع خدي على التراب، فإني لا أدري أيغفر الله لي] وهذا من استشعارهم للتقصير، قال الحسن البصري ﵁: [أولئك جمعوا إحساناً وخشية، ومَن بعدهم جمعوا إساءةً وأمنا] يكون عنده معاصٍ وذنوب ثم يقول: أنا أحسن من غيري، فعلت وبذلت وغيري لم يفعل ما فعلت. نسأل الله السلامة والعافية. فاروق هذه الأمة عمر الذي لا تخفى عليكم الأحاديث الواردة في فضله، يشهد له النبي ﵊ بأنه من العشرة المبشرين بالجنة، ويوم وقف النبي على جبل أحد قال: (أثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) ويقول ﷺ عن عمر: (ما سلكت فجاً إلا سلك الشيطان فجاً آخر) وكذلك شهد له الصحابة بذلك، يقول ابن عباس: [كثيراً ما كان يقول ﵊: جئت أنا وأبو بكر وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر] ومع ذلك كان يتبع حذيفة أمين سر رسول الله ﵊، فينظر من يصلي عليهم حذيفة ومن لا يصلي عليهم؛ لأنه يعلم أنه يحفظ أسماء المنافقين، ثم يأتي لـ حذيفة فيقول: [يا حذيفة! أسألك بالله أعدني رسول الله في المنافقين؟] عمر يخاف على نفسه؛ إذاً ماذا نقول عن أنفسنا؟ ولا يعني هذا أن نقنط، وإنما هذا شعور لابد أن نستشعره، وأن نعمل ونبذل ونستشعر الخوف من الله جل وعلا، ونخاف من عدم القبول. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم إخلاص النية، وأن يبعد عنا جميع أمراض القلوب، والعُجْبَ الذي قال عنه النبي ﷺ : (لولا أنكم تذنبون لخفت عليكم ما هو أعظم!! العجب العجب) كما ثبت في الحديث الحسن، ونسأل الله أن يطهر قلوبنا من الرياء الذي هو الشرك الخفي، ونسأل الله أن يطهر قلوبنا من الكبر: الذي لا يدخل صاحبه الجنة، ونسأل الله جل وعلا أن يطهر قلوبنا من جميع أمراضها، وأن يطهر ظواهرنا وبواطننا، كما نسأله أن يرزقنا الاستقامة على دينه والثبات على شرعه، وأن يجعلنا وإياكم ممن يلتزم السنة وهدي نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لنكون من عباده المهتدين. أما الآن فمع كلمة للشيخ محمد الشيخ حفظه الله ليتحفنا بما عنده، نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا وإياكم بما نسمع وما نقول.

стр. 650

حاجتنا إلى التوبة النصوح كلمة الشيخ: محمد الشيخ. الحمد لله الكريم التواب، الرحيم الوهاب، الذي خضعت لعظمته الرقاب، وذلت لجبروته الصعاب، ولانت لقدرته الشدائد والأطناب، رب الأرباب، مسبب الأسباب، ومنزل الكتاب، وخالق خلقه من تراب، ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر:٣] عليه توكلت وإليه متاب، وصلى الله وسلم وبارك على خير الخلق محمد ﷺ هو أفضلهم بلا ارتياب، وعلى سائر الأصحاب. ثم أما بعد: أيها الأحبة في الله: فإنه لا زيادة على ما تقدم به المشايخ، ولكن أود أن أذكر نفسي وإخواني أن الكلام الذي قيل، والآية التي تليت وفسرت ووضحت، هي تعنينا قبل غيرنا، فقد يظن الكثير أن آيات التوبة وخطاب التوبة إنما يوجه إلى من زنى أو إلى من سرق أو إلى من تراكمت عليه المعاصي لا، فنحن أحوج ما يكون إلى توبة نصوح. إن الله ﵎ أنزل على محمد ﷺ آيات يأمره بها وأصحابه من أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، والسابقين من المهاجرين والأنصار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فقدموا وبذلوا وضحوا وجاهدوا، أمرهم الله جل وعلا وهو يخاطبهم بخطاب الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم:٨]. الشاهد أيها الأحباب! لا يستغني أحد منا عن أن يستغفر الله، فإذا كان نبيك وحبيبك ﷺ يقول: (توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإني أتوب في اليوم أكثر من سبعين مرة) وهو الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لعلمه ﷺ أن حق الله أعظم من أن يؤديه بشر، فلا يزال كل عبد مسلم مقصراً في حق الله، ذلك أنه جل وعلا ربه ومولاه وخالقه ورازقه الذي أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فأنَّى للعبد أن يوفيه حقه، وأن يعبده حق عبادته. فلا شك أن العبد محتاج إلى أن يتوب من التقصير، ومن الجفاء، ومن البعد عن الله ﵎ ولو للحظة، ولذلك علَّمنا ﷺ حديثاً وذكراً ما أطيبه وما أسعد من أخذ به، قال ﷺ : (سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) فهل وفيت نعمته عليك بالهداية والإسلام واتباع خير الأنام؟ أبدا، فلا بد أن تقول ذلك (وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). ولا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك، وأفسد -كما ذكر ذلك الشيخ محمد - موعظة الشيخ وكلامه والذكرى التي ذكَّرنا بها. ولعلي أختم أيها الأحبة كلمتي بالوصية بأن نشمر للجنة بالتوبة (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) فسارعوا إليها بالتوبة، فسارعوا إليها بالتوبة وعمروا دنياكم بالتوبة. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها: فاعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها أسأل الله أن يتولانا برحمته، وأن يجعلنا وإياكم من أهل طاعته، وأن يسعدنا وإياكم بعبادته، وأن يجعلنا وإياكم من أهل الفوز يوم أن نلقاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 651

أثر حفظ الجوارح المقدم: أما الآن فمع مسك الختام ومع شيخنا الذي رغم كثرة مشاغله، ورغم كبر السن، إلا أنه أبى إلا أن يكون قلبه قلب شاب، ومن نشأ في طاعة الله أمده الله بعونه وأمده الله بتوفيقه، والله إذا رأيته خاصة عندما تراه في أراضي الجهاد يتنقل مع الشباب وكأنه لم يتجاوز العشرين، وإذا جئت إلى محاضرة وجدته، وإذا جئت إلى درس وجدته، ويذكرني ذلك بما نقل عن المحب الطبري: أنه كان ذات مرة قريباً من الشاطئ، فقبل أن يصل القارب إلى الشاطئ قفز قفزةً لا يقفزها كثير من الشباب، فلما قالوا له: يا شيخ! قد بلغت من السن قرابة الثمانين فما الذي قواك لمثل هذا؟! فقال: تلك جوارح حفظناها لله في الصغر فحفظها الله لنا في الكبر. أيها الشباب خذوا درساً من هذه الكلمات، ويذكرني كذلك بالصحابي ابن الجموح الذي أقسم أن يطأ بعرجته الجنة، وبغيره ﵃ وأرضاهم، ومع الشيخ: محمد بن سليمان الشيحة ليتكلم دقائق عدة، نختم بها هذا المجلس فليتفضل جزاه الله خيرا.

стр. 652

تقوى الله والاستقامة على دينه كلمة الشيخ: محمد بن سليمان الشيحة. أحمده سبحانه وأثني عليه وأشكره على مزيد الفضل والإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعزنا بالإسلام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، سيد الخلق ورسول الحق وخير الأنام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٨]. أما بعد: أحييكم أيها الأحبة بتحية الإسلام المباركة: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. سمعنا -أيها الإخوة! - من أصحاب الفضيلة مشايخنا ما حذروا منه، وأوصوا به، كيف يكون المؤمن وجلاً خائفاً، وإذا غمر قلب المؤمن الخوف من عذاب الله والرجاء في ثواب الله، سارع إلى العمل الصالح، والله يقول ويأمر ويحذر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣] أي: اتقوه في طاعته واجتنبوا معصيته. والتقوى: أن تطيع الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وتجتنب معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله، أي: لا يفتقدك ربك حيث أمرك ولا يجدك حيث نهاك. والتقوى هي: الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل. هذه الدنيا -أيها الأحبة- دار الأعمال، ودار الآخرة دار الجزاء والثواب والعقاب، واغتنموا فرصة الحياة لتسارعوا إلى الأعمال الصالحة، والاستقامة على أمر الله ، وأمر رسوله ﷺ ، فإن المستقيمين لهم جزاء عظيم، إذ يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٣ - ١٤] توحيد واستكانة على كلمة التوحيد، فإذا كانت حياتنا نابعة من الإيمان بالله جل وعلا وهدي رسوله ﷺ ، صلحت أحوالنا وصلحت أعمالنا وصلحت حياتنا.

стр. 653

المبادرة بالإيمان الصادق والعمل الصالح إذاً أيها الأخ الكريم! بادر في الحياة الدنيا إلى الإيمان الصادق، والعمل الصالح، والعلم النافع الذي يكون في ميزان أعمالك، فإن كان كل مسلم مؤمن همه كيف تصلح حياته الدنيوية، وحياته البرزخية، وحياته الأخروية، فلا يكون ذلك إلا باستقامة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . أيها الأحبة: هنا عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل، فلنتقِ الله في أعمالنا وأحوالنا وأقوالنا؛ لكي نفوز برضا ربنا، ونحشر في زمرة نبينا ﷺ ، فهذا يحتاج إلى مجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 654

مرتبة الإحسان وأهميتها أيها الأخ الكريم: إن الإحسان أعظم ركن في الدين: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) هذا الركن العظيم إذا عملنا به، وإذا أحسنا العمل به، وإذا أحسنا العبودية لله رب العالمين، صلحت أحوالنا وصلحت أعمالنا. ونرجو الله أن يوفقنا وإياكم لما ما يحبه ويرضاه من الاستقامة على نهجه وسنة نبيه ﷺ ، والله أسأل أن يعز دينه، ويعلي كلمته، ويصلح عباده إلى السير في طريقه المستقيم، وعلى منهجه القويم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. جزى الله الشيخ محمد الشيحة خير الجزاء. وأشكركم أيها الأحبة شكراً جزيلاً على الحضور، فمنكم من تجشم الصعاب، وعلى رأسكم فضيلة الشيخ الدكتور محمد الشنقيطي حفظه الله، وأمد في عمره ونفع به، ولا يفوتني أن أشكر والدي حفظه الله والذي حضر هذا المجلس، والذي قد رباني فأحسن تربيتي، أسأل الله أن يغفر لي وله وللجميع، وأن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، وأن يجمعنا وإياكم في الدنيا على محبته وطاعته، وفي الجنة بإذنه تعالى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 655

مجاهدة النفس على الطاعة أيها الحبيب: لابد في هذه الحياة من مجاهدة النفس، فالنفس أمارة بالسوء، وقد تغر الإنسان هذه الحياة الدنيا ومتاعها وزخارفها، فالله يحذرنا من هذه الدنيا: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان:٣٣]. الله يحاسبك ويستنطقك عما قدمت من أعمال في هذه الدنيا، فحذار -أيها الحبيب- هذا اليوم الذي قال الله جل وعلا فيه: ﴿فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس:٣٣ - ٣٨]. اللهم اجعل وجهنا من هذه الوجوه ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٣٨ - ٤٢]. أيها الأخ الكريم: ﴿فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس:٣٣] هذا اليوم الذي يفر فيه القريب من قريبه، والابن من أبيه، والأم من ابنها، كلٌ منهم همه نفسه وهمه حاله؛ لأنهم في يوم رهيب عصيب. إذاً أيها الأخ الكريم: احذر ذلك اليوم، واعرف ما ينبغي عليك أن تؤديه في هذه الحياة الدنيا من عمل صالح يرضاه ربك وعلى سنة رسوله ﷺ ، فإن فعلنا ذلك أنجحنا وأفلحنا وفزنا في حياتنا الدنيوية، وفي حياتنا البرزخية وفي حياتنا الأخروية، ذلك اليوم الذي يفر الابن من أبيه، يقول الأب في ذلك اليوم لابنه: حسنة يا بني، فيقول الابن: يا أبتِ إني بحاجة إلى هذه الحسنة، كلٌ همه نفسه في ذلك اليوم، وتقول الأم لابنها: حسنة يا بني طالما كان حضني لك وقاء، وصدري لك سقاء، وحجري لك وطاء فحسنة يا بني، فيقول الابن: إنني يا أماه أشكو مما تشكين منه.

стр. 656

قيام رمضان من أجل نعم الله على عباده أن امتن عليهم بهدايتهم إلى الخير، وتحديد مواسم للتركيز فيها على أنواع من العبادات، ومن هذه المواسم شهر رمضان الذي يعد من أهم مواسم الطاعات. ومن أهم الطاعات التي يعتبر رمضان موسماً لها قيام الليل، ففيه مناجاة للحي القيوم، واتباع لسنة رسولنا ﷺ ، ولو لم يكن في رمضان إلا ليلة القدر وما فيها من الفضل، لكفى بها مزية لهذا الشهر.

стр. 657

فضل قيام الليل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن من أجل الطاعات وأفضل القربات التي يحبها الله قيام الليل، فقيام الليل دأب الصالحين وشأن عباد الله المتقين كما أثنى الله عليه في كتابه المبين، وهذا الشهر -أعني: شهر الصيام- فرض الله على عباده المؤمنين صيامه، وندب رسول الهدى ﷺ إلى قيامه، فحري بالمسلم أن يشحذ همته لقيام هذا الشهر المبارك، اقتداءً وامتثالاً لرسول الله ﷺ حيث يقول: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). وقيام الليل فضيلة من الفضائل ونعمة من أجل نعم الله على عباده، فالله إذا أحب عبداً من عباده فتح له أبواب رحمته ويسر له سبيل طاعته، فينشرح صدره للخير، وقد امتن الله بهذه النعمة على نبيه فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] فإذا أراد الله بعبده خيراً شرح صدره لهذه الطاعة وسهلها عليه، ولا يزال المؤمن يحفظ قيامه من الليل حتى يكون أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه، بل وتجده يضجر ويسأم ويتألم إذا حُرِم ذلك القيام، إذا حُرِم مناجات الله ﷻ والوقوف بين يديه في ساعة هدأت فيها العيون وسكنت فيها الجفون وهو ينادي الحي القيوم. وقد أثنى الله على أقوام أحبوا الآخرة فجدوا في ليلهم في القيام، فقال عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] وقال شاهداً بفضل هؤلاء وأنهم أهل خوف ورجاء: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]. فمن يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه يحيي ليله بذكر الله ﷻ ؛ لعلمه بفضيلة هذه المنزلة، وبعلو درجة هذه القربة عند الله ، ولذلك لما ذكر النبي ﷺ فضائل الأعمال قال: (وركعتان يركعهما المؤمن في جوف الليل الآخر) أي: ومن أحب الطاعات إلى الله ركعتان يركعهما المؤمن في جوف الليل الآخر في ساعة يكون فيها الدعاء أسمع، والإجابة أرجى من الله ﷻ .

стр. 658

هدي المصطفى ﷺ في قيام الليل قيام رمضان السنة فيه أن يهتدي المسلم بهدي رسول الله ﷺ فيما صح عنه، فكان صلوات الله وسلامه عليه قوام لليل في رمضان وغير رمضان، وكانت سنة ماضية في سائر العام لكنه إذا دخل عليه رمضان ودخلت عليه العشر الأواخر من رمضان شد مئزره وأحيا ليله ﷺ وأيقظ أهله؛ كل ذلك لكي تنتبه الأمة لفضل هذا الشهر عموماً ولفضيلة العشر الأواخر فيه خصوصاً، ففيها ليلة هي أفضل من ألف شهر يقومه العبد لله ﷻ ، وهي الليلة التي يقول العلماء: إن الله اختارها من العام كله، فأفضل ليلة في العام كله بل في الدهر كله هي ليلة القدر، ولذلك اختارها الله لنزول القرآن كما أخبر في سورة أنزلها للدلالة على شرفها وفضلها. وكان هدي رسول الله ﷺ في قيام الليل أكمل الهدي وأجمله وأحسنه وأفضله، ما كان ﷺ يقوم الليل فيبالغ في قيامه، ولا كان على منهج الرهبانية والغلو في العبادة، برئت سنته صلوات الله وسلامه عليه من الغلو والتشدد، ولذلك كان ينام ويقوم عليه أفضل الصلاة والسلام. قال عليه أفضل الصلاة والسلام: (أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ولما سأله عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه أن يواصل قيام الليل منعه، فكذلك ثبت عنه ﵊ أنه أحيا الليل على أجزائه الثلاثة، فقام أول الليل وقام أوسط الليل وقام آخر الليل وانتهى وتره وقيامه ﵊ إلى آخر الليل. ولذلك قال العلماء: السنة ألا يكون القيام لليل كاملاً، واستثنى بعض العلماء ليالي العشر الأواخر فقالوا: الأفضل أن يجتهد في قيامها ولو استغرق الليل كاملاً بالقيام فلا بأس؛ لأن عائشة ﵂ قالت: (وأحيا ليله) فدل على أنه لم يكن ينام عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام. كان من هديه ﵊ أن يقوم آخر الليل ولذلك قال العلماء: الأفضل أن ينام المسلم أول الليل ويكون قيامه آخر الليل لعدة أمور: أولها: أن هذا الوقت هو أفضل الأوقات وأشرفها بالليل؛ لأن الله أختاره بنزوله فينزل إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته وكماله، كما أخبر النبي ﷺ من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، نزولاً حقيقياً يليق بجلاله سبحانه وكماله، فينادي: هل من تائب فأتوب عليه، هل من داعٍ فأستجيب دعاءه، هل من مستغفرٍ فأغفر له، فهذا يدل على فضل آخر الليل. وقال بعض العلماء: إن الأفضل للإنسان أن يقوم الثلث الأخير إذا كان واثقاً من القيام، أما إذا غلب على ظنه أنه سينام وأنه لا يتمكن من القيام في آخر الليل فالأفضل أن يؤخر إلى نصف الليل؛ وذلك لأن نصف الليل أقرب إلى الثلث الآخر، وكلما كان القيام قريباً من وقت الفضيلة كلما كان له حظ من الأجر، قالوا: فيؤخر قيامه إلى الثلث الأوسط من الليل؛ لأنه سيتعب في الانتظار ويجد المشقة والجهد وقد قال ﵊: (ثوابك على قدر نصبك) فدل على أن النصب والتعب يزيد في أجر العبادة وأجر القربة، فقالوا: يفضل ألا يقوم من أول الليل وإنما يتأخر إلى قدر نصف الليل ويحيي هذا القدر. وقال بعض العلماء: إذا كان يتأخر إلى نصف الليل ويؤدي ذلك إلى ضياع صلاة الفجر عليه أو أنه يصلي وهو مجهد منهك لا يفقه القرآن ولا يتفهمه فالأفضل أن يصلي عقب العشاء؛ لأنه أقدر على فهم وتدبر القرآن وأكمل في خشوعه وهو يناجي ربه. وكان من هديه ﵊ أنه ينام أول الليل، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ أنه بات مع النبي ﷺ عند خالته ميمونة، وهذا يدل على فضل أصحاب النبي ﷺ وحبهم للخير، هذا الغلام صغير السن ولكنه كبير بعلمه وفضله ونبله وحبه لهدي رسول الله ﷺ ، بحث عن هديه حتى نام معه ﵊ لكي يرقب وينظر ماذا يكون من هديه وسنته إذا قام من الليل، فبات في عرض الوسادة كما في الصحيحين، قال: نام ﵊ حتى نفخ وابن عباس ﵁ يراقب رسول الله ﷺ مراقبة دقيقة لكي يحفظ للأمة هذا الهدي وهذه السنة؛ فنسأل الله العظيم أن يعظم أجره وثوابه بما حفظ من هدي رسول الله ﷺ . قال: (فقام أي: قام رسول ﷺ -هذا بعد شطر الليل- فأول ما كان من قيامه ﵊ أن مسح النوم من على عينيه ثم تلا الآيات من آخر سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] ثم لما ختمها قال صلوات الله وسلامه عليه: ويل لمن قرأهن ولم يتعظ بهن، ويل لمن قرأهن ولم يتعظ بهن) لأنهن آيات عظيمة تدل على عظمة الله ﷻ فقلب لا يخشع لها ولا يتأثر بها فويل له، ويل له إن لم يتداركه الله برحمته. كان بعض العلماء يقول: من أحب أن يعرف مقدار خشوعه وتأثره فليقرأ هذه الآية، ولينظر هل هو متعظ بما فيها ومتأثر بها أم لا حتى يعرف مقدار منزلته من الخشوع وتأثره بكلام الله ﷻ ؛ لأن النبي ﷺ اختارها ورتب الوعيد على عدم التأثر بها؛ فدل على أنها آيات عظيمة، قال: (فلما فرغ منها قام ﵊ فأفرغ من شنٍ -يعني: من قربة- فتوضأ فأسبغ الوضوء) وللوضوء في ظلمة الليل خاصة في ليالي الشتاء لذة يعرفها من يعرفها وحلاوة لو ذاقها المؤمن قل أن يتركها، ففيها غفران الذنوب ورفعة الدرجات: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره). قال بعض العلماء: إسباغ الوضوء في جوف الليل الأظلم في شدة الليلة الباردة الشاتية. تقوم من مضجعك ومن مكان سكونك وراحتك لكي تناجي الله ﷻ فتصب الماء على أعضائك، فإذا وجدت شدة البرد وأذى البرد على جوارحك وجدت لذة العبودية والطاعة والقربة لله سبحانه. ففي الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن العبد إذا نام مع حبه وزوجه وقام من الليل لكي يتهجد قال الله تعالى: يا ملائكتي! عبدي ما الذي أقامه من حبه وأهله؟ قالوا: إلهنا يرجو رحمتك ويخشى عذابك، فيقول الله تعالى: أشهدكم أني أمنته من عذابي وأصبته برحمتي) (فقام ﷺ فأفرغ الماء فتوضأ فأسبغ الوضوء) قال ابن عباس: فأسبغ الوضوء ولها معنى؛ لأن هذا الوقت وهو الوضوء في الليل كما ذكرنا غالباً يكون فيه الماء بارداً فمن فقه ابن عباس قال: فأسبغ الوضوء، أي: في وضوئه ﵊ كان على الكمال وذلك بأن يكون ثلاثاً، قال: (ثم قام فقمت فصنعت مثلما صنع).

стр. 659

الهدي النبوي في صلاة الوتر كان من هديه ﵊ أنه يصل وتره فيكون بالخمس ويكون بالسبع ويكون بالتسع متصلة ويكون بالإحدى عشرة متصلة، ولا حرج أن يوتر بالواحدة منفصلة، وأن يوتر بالثلاث متصلة وأن يوتر بالخمس متصلة وبالسبع وبالتسع كل ذلك جائز ومشروع، ولذلك ثبت عنه ﵊ الإذن بالفصل وكذلك فعله بالوصل، ومن إذنه بالفصل قوله ﵊: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الفجر فليوتر بواحدة) قال بعض العلماء: أنه قال (فليوتر بواحدة) فاستوى أن يكون فصلاً أو يكون وصلاً. والسنة في قيام الليل أن يكون وتراً بهذه الركعة التي ذكرنا وهذه الركعة هي الوتر وهي فضيلة وليست بفريضة على أصح قولي العلماء، وهو قول جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث أن الوتر سنة وليست بفريضة، والأصل في سنيته قوله ﵊ في الصحيحين لما سئل عما فرض الله من الصلوات؟ قال: (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) فلو كانت الوتر واجباً لكانت الصلوات ستاً. وكذلك ثبت عنه في الحديث الصحيح من حديث طلحة بن عبيد الله: (أنه لما سأله الرجل: ما الذي فرض الله من الصلوات؟ قال: خمس، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا. إلا أن تطوع) فدل على أن الوتر فضيلة وليس بفريضة، وقال بعض العلماء بفرضيته كما هو مذهب الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر وجعلها لكم ما بين صلاة العشاء والفجر) والذي يظهر أن هذا الحديث المراد به في الفضيلة وليس الفريضة، ولذلك جاء بمثل سياقه في ركعتي الفجر فدل على أنها فضيلة وليس بفريضة، فيحمل على الندب والاستحباب لا على الحتم والإيجاب. والسنة في الوتر أن يكون مرة واحدة، أي: يوتر في ليله كله مرة واحدة ولا يكرر الوتر لقوله ﵊: (لا وتران في ليلة) كما رواه الترمذي في سننه. قال العلماء: نهي عن الوترين في ليلة؛ لأنه إذا صلى الوتر مرتين أصبح العدد شفعياً، والمقصود في قيام الإنسان بالنافلة في الليل أن يكون العدد وترياً لا شفعياً، وأخذ بعض العلماء من هذا دليلاً على أن من أوتر في أول الليل وقام في آخر الليل أنه يصلي ركعة ينقض بها الوتر الأول، لأن قوله: (لا وتران في ليلة) يدل أن الوتر ينقض الوتر وإذا ثبت هذا فإنه ينقض الوتر الأول بالوتر الثاني، ثم يصلي شفعاً ما شاء ثم يوتر لكي يحصل الفضيلة في قوله: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) إذا صلى في أول الليل وأوتر ثم أراد الله أن يقوم في آخر الليل فأحب أن يصلي فهو بالخيار بين ثلاثة أشياء: الحالة الأولى: إما أن ينقض الوتر الأول بركعة ثم يصلي ما شاء ثم يوتر، وهذا هو المأثور عن عبد الله بن عمر ﵄ ويدل عليه حديث الترمذي: (لا وتران في ليلة) حيث دل على أن الوتر ناقض للوتر. الحالة الثانية: أن يصلي ركعتين ركعتين ولا يوتر؛ لأن الوتر الأول أجزأه، ويدل على هذه الحالة ما ثبت في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة وغيرها: (أن النبي ﷺ صلى ركعتين بعد الوتر). قال العلماء: صلاهما لبيان الجواز وأنه لا حرج على المسلم أن يصلي الشفع بعد الوتر، ولكن هذه الصورة الثانية يشكل عليها أنه يفوت على نفسه الأفضل والأكمل، وذلك أن النبي ﷺ قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) وهذا يدل على أن المستحب والمرغب فيه أن يكون دعاء الوتر في آخر الليل، فإذا كان سيصلي ركعتين ركعتين يكون وتره لأول الليل لا لآخر الليل. الحالة الثالثة: وهو ضعيف ومرجوح يعارض حديث الترمذي الذي ذكرناه فهو أن يصلي ركعتين ركعتين ثم يوتر ثانية، وهذا قول مرجوح والصحيح أنه يقتصر إما على نقض الوتر أو يصلي شفعاً بعد وتره على ظاهر حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها.

стр. 660

الهدي النبوي في مقاربة الركوع والسجود في القيام كان من هديه ﵊ مقاربة ركوعه وسجوده لقيامه، كما في حديث أنس ﵁ وأرضاه، وما ألذ القيام إذا كان بهذه المثابة، أن يكون ركوع الإنسان قريب من قيامه وسجوده فهذا من أفضل ما يكون فإنه يجمع بين الفضائل كلها، فيجمع بين فضيلة تلاوة القرآن وفضيلة التسبيح وذكر الله ﷻ وفضيلة الدعاء في السجود، فيصيب الفضائل على أتم الوجوه وأكملها، ولذلك استحب العلماء أن يكون في الصلاة اتزان من حيث طول الركوع وطول السجود وهذا كله إذا صلى الإنسان لوحده. أما إذا صلى بالناس ووراءه الضعيف والسقيم والكبير وذا الحاجة وحطمة الناس فإنه يرفق بهم ويحاول إصابة السنة قدر استطاعته، ولكن لا يشق على الناس؛ لأن النبي ﷺ فعل أشياء شرعها للأمة وكذلك نص على أشياء بقوله تشريعاً للأمة فقال: (إذا صلى أحدكم بالناس -وفي رواية- إذا أم أحدكم بالناس فليخفف) فنص على أنه ينبغي له أن يراعي أحوال الناس، فقال: (فإن وراءه السقيم والشيخ الكبير وذا الحاجة) وإذا صلى لوحده فليطول ما شاء. فلما ثبت قيامه بالليل لوحده ﷺ وطول قالوا: إذا كان الإنسان إماماً في صلاة التراويح يراعي أحوال الناس، فلا يخفف تخفيفاً يفوت به الفضل على الناس ولا يطول بهم إطالة يملون بها كتاب الله أو الوقوف بين يديه، وهذا أمر يرجع إلى نظر الإمام وتوفيق الله له، فالله تعالى إذا أراد للإمام الخير وضع له القبول بين الناس، فإن الإمام إذا راعى أحوال الناس ورفق بهم ووسع عليهم في الحدود الشرعية وجعلهم يحبون الصلاة وراءه ويرتاحون لذكر الله وراءه فإن هذه غنيمة عظيمة وخير كثير، ولا شك أن الناس يحبون الخير ويقبلون عليه ويزدادون رغبة فيه وهذا أفضل مما لو طول وفوت على الناس حب الخير وفوت عليهم الحرص على شهوده، فلا شك أن الأفضل والأكمل إذا كان هناك رفق أن يراعي من يحتاج إلى الرفق من المأمومين.

стр. 661

من الهدي النبوي: تعظيم الله في الركوع كان من هديه ﵊: تعظيم الله في الركوع، يركع فيطيل في ركوعه ويعظم الله ويكثر من الثناء عليه، ففي الحديث الصحيح أنه كان من تعظيمه وتمجيده لربه قوله: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) وثبت عنه ﵊ أنه كان يدعو في سجوده في قيام الليل ويختار الأدعية العظيمة التي فيها سلامة العبد في دينه، ومن ذلك قوله ﵊ كما في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين ﵂ قالت: (افتقدت النبي ﷺ فجالت يدي فوقعت على قدمه ساجداً يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) فنسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه. فانظر إلى حكمته وعلمه بربه وبصيرته صلوات الله وسلامه عليه كيف اختار هذا الدعاء الذي فيه سعادة الدين والدنيا والآخرة وفلاحهما فقال: (ثبت قلبي على دينك) قال العلماء: يستحب أن يختار الداعي في قيام الليل أفضل الدعاء وأجمعه، وليس هناك أفضل ولا أجمع من أدعية النبي ﷺ كهذا الدعاء العظيم ونحوه من الأدعية المأثورة.

стр. 662

الهدي النبوي في استفتاح قيام الليل وكان من هديه ﵊ إذا استفتح قيام الليل يستفتحه بركعتين خفيفتين لا يطول فيهما القراءة، وقال العلماء: إن هذا من أكمل الهدي؛ لأن المسلم إذا قام من الليل أو الإنسان إذا قام من الليل فإنه يقوم وقد تعلقت نفسه بالراحة والدعة والسكون فإذا هجم على العبادة وأطال القيام فإنه قد يمل وقد يسأم؛ ولذلك ابتدأ ﵊ بالشيء الخفيف حتى تألفه النفس ويستطيع بعدها أن يطول ما شاء. قالوا: ومن الفوائد والحكم التي شرع الله بها السنن الرواتب قبل الصلاة أنها تعين على الخشوع أكثر؛ فإنه إذا دخل بركعتين نافلة قبل الفريضة فإن هذا يعين على الخشوع أكثر، وهذا مجرب، فأنت إذا تأملت إلى الناس ونظرت إلى المبكرين إلى المساجد والذين يحرصون على حضور الصلاة إما قبل الأذان أو لا يؤذن إلا وهم في المسجد تجدهم أخشع الناس قلباً في الصلاة، ومن تجده يتأخر ويتقاعس ولا يأتي إلا على الإقامة تجد خشوعه أقل وتأثره بالقرآن أقل، بل تجد ذلك في نفسك جلياً ظاهراً فإنك ما حرصت على التبكير وابتدأت العبادة بالنافلة قبل الفريضة إلا قويت على الفريضة أكثر. ولذلك قالوا: استفتح قيام الليل بالركعتين الخفيفتين فإنه أدعى لتدبر القرآن وأدعى أيضاً للأعضاء أن تقبل على حركات العبادة وقد استجمت وهيئت بهاتين الركعتين الخفيفتين. كان ﷺ يستفتح قيام الليل بالركعتين الخفيفتين واستحب العلماء أن يكون دعاء الاستفتاح في قيام الليل من طوال الأدعية؛ لأن أدعية الاستفتاح تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: دعاء محض. الثاني: تمجيد محض. الثالث: ما اشتمل على الدعاء والتمجيد معاً. فقالوا: يفضل أن يكون استفتاحه بالدعاء الطويل كما في حديث علي الصحيح عنه ﵊ أنه استفتح الصلاة بقوله: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنوبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ... ) إلى آخر الدعاء الطويل. قالوا: إن الأفضل أن يبدأ به؛ لأنه أدعى لتهيئ النفس لصلاة الليل أكثر. فلما فرغ ﵊ وكان إذا فرغ من الركعتين صلى ثمان ركعات، يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، وكان يصليها ﵊ فلا يجلس للتشهد إلا في آخر الأربع الركعات، أي: يصليها أربع متصلة وهذا جائز في النوافل، فأنت إذا أردت أن تصلي أربع ركعات إن شئت وصلت وإن شئت فصلت، إلا أن السنة في الوصل ألا تجلس للتشهد بينهما بين كل اثنتين من الركعات. ثم قال: (فإذا انتهى ﵊ من الأربع الأولى صلى بعدها أربعاً ثم أوتر ﵊. وكان قيامه ﷺ إحدى عشرة ركعة وهي الثابتة في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (كان رسول الله ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة -ثم فصلت ذلك وقالت:- يصلي أربعاً لا تسألوا عن حسنهن وطولهن) وهذا يدل على طول القيام، واختلف العلماء رحمة الله عليهم في مسألة طول القيام وعدد الركعات. فقال جمع من أهل العلم: الأفضل في صلاة الليل طول القيام مع قلة العدد بحيث لا يزيد على إحدى عشرة ركعة من ناحية الفضيلة لا سبيل الوجوب واللزوم، وهذا مذهب الجمهور: أن الأفضل في قيام الليل طول التلاوة؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، فكان يصلي أربعاً لا تسألوا عن حسنهن وطولهن. ومما يدل على رجحان هذا القول: ما ثبت في الصحيح من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن أفضل صلاة الليل. فقال: (طول القنوت) أي: الأفضل فيها طول القنوت، يعني: القيام، ولذلك استدل به جمهور العلماء على أن الأفضل لك أن تطيل القراءة ويكون العدد بهذا الحساب الذي أثر عن النبي ﷺ ، فضلاً لا فرضاً؛ أي: أنه على سبيل الفضيلة لا على سبيل الفريضة، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: إنه على سبيل الفضيلة -كما نص عليه في المجموع- وأنه لا يقصد منه أن من زاد عليه أو انتقص منه أنه لا يجوز؛ فنص على أنه ليس على سبيل اللزوم وإنما هو على سبيل الفضيلة. وقال بعض العلماء: الأفضل أن يكثر من عدد الركعات ولو قل قيامه؛ لأن النبي ﷺ لما سأله عمرو بن عبسة مرافقته في الجنة قال: (أسألك مرافقتك في الجنة؟ فقال: أعني على نفسك بكثرة السجود) قالوا: فهذا يدل على أن الأفضل في صلاة الليل أن يكثر من السجود، وإذا أكثر السجود لا شك أنه سيخفف من قيامه حتى يكون العدد أكثر. والذي يترجح هو القول الأول: أن الأفضل طول القنوت، ولذلك ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه (أنه قام مع النبي ﷺ فأطال ﵊ القراءة حتى هم عبد الله بأمر سوء قيل له: وما هممت؟ قال: هممت أن أتركه وأذهب) وهذا من طول قراءته ﵊.

стр. 663

جواز صلاة الليل بالسر والجهر يجوز في صلاة الليل في قراءتها الجهر والسر ولا حرج عليه أن يجهر ولا حرج عليه أن يسر، ولكن الأفضل أن يجهر بقدر ما يسمع نفسه؛ وذلك لأن النبي ﷺ ندب عمر إلى أن يخفض من صوته وأبا بكر أن يرفع من صوته وهذا هو العدل والوسط الذي أمر الله به. قال العلماء: إنه لو رفع صوته بتلاوة القرآن ذهب خشوعه وضعفت نفسه عن فضائل هي آكد وأبلغ، ولذلك قالوا: يرفع قليلاً بقدر ما يسمع نفسه فهذا هو الأفضل له والأكمل؛ لأنه يكون على نشاط؛ ولأنه إذا رفع من صوته وسمع بإذنه حصل له فضيلة التلاوة وفضيلة التأثر بصورة أبلغ مما لو قرأ في سره.

стр. 664

مسألة: أيهما أفضل: القراءة غيباً أم النظر ؟ كما يستحب في قراءة الليل أن يقرأ من القرآن بالنظر وأن يقرأ غيباً، وهل الأفضل أن يقوم في الليل بالقرآن أو غيباً؟ مسألتان: المسألة الأول: أنه يجوز له أن يقرأ بالقرآن نظراً، والأصل فيه أن عائشة ﵂ كانت تأمر مولاها ذكوان أن يقوم بالليل بالمصحف، ونص جماهير العلماء على أنه لا حرج أن يصلي في صلاة الليل وهو ينظر إلى المصحف لكن: هل الأفضل أن يقرأ بالمصحف أو يقرأ غيباً؟ قال بعض العلماء: الأفضل أن يقرأ غيباً؛ لأن النبي ﷺ قرأ غيباً؛ ولأنه إذا قرأ غيباً انشغلت أحاسيسه وانشغل ذهنه بتذكر الآيات وضبطها وأدائها من دون نقص أو خلل، وهذا جهد وتعب يكون أبلغ في الأجر والمثوبة. ولأنه إذا حمل المصحف انشغل بحمله وكلف نفسه حمله، والأفضل له أن يكون نظره إلى السجود وذلك أقوى وأدعى للخشوع فيه، فلذلك قالوا: الأفضل أن يكون غيباً ولا يكون نظراً. وقال بعض العلماء: الأفضل أن يقرأ بالمصحف سواء في الصلاة أو في غير الصلاة؛ لأنه يأمن الخطأ ولأنه أدعى لضبط القرآن فهي فضيلة متصلة؛ ولأن القراءة من المصحف تفرغه في التفكر في الآيات أكثر والتدبر فيها أكثر. والذي يترجح هو القول الأول؛ لأنه هدي رسول الله ﷺ وسنته، فالأفضل له أن يقرأ غيباً إلا إذا خشي الخطأ فإنه يحتاط بكتاب الله ويكون قريباً منه، فإذا كان القرآن في جيبه جاز له أن يخرجه وينظر فيه؛ لأنها حركة يسيرة ومن أجل مصلحة الصلاة، وتجوز الحركة إذا كانت يسيرة لمصلحة الصلاة، إلا أن هنا خطأ ينبغي التنبيه عليه وينبغي على طلاب العلم أن ينبهوا الناس عليه خاصة في المساجد الكبيرة أثناء صلاة التراويح، فإنك ترى الرجل حاملاً للقرآن وينظر في كتاب الله ، فإذا سمع الإمام أخطأ رفع صوته ليرد عليه، وقد يكون بعيداً عن الإمام ويكون الإمام في موضع لا يسمع فيه رده ولا يبلغه صوته، وهذا لا شك أن فيه تشويشاً على المصلين وفيه كلاماً من دون حاجة، ولا يجوز له أن يتكلم إلا من ضرورة وحاجة، فلذلك قال ﷺ : (إذا قرأ فأنصتوا) والمسألة عامة حتى من يقف وراء الإمام أو يكون في المسجد والإمام يخطئ لا ينبغي لهم أن يتعجلوا في الفتح على الإمام مادام هناك من يتولى هذا الأمر، وما دام أن هناك حفاظ وراء الإمام يردون عليه إذا أخطأ، فالسنة أن يسكت الناس وأن ينصتوا لكتاب الله ، وأن يتفرغوا بما ينبغي أن يتفرغ له المأموم من الخشوع والتأثر بكتاب الله. أما حملهم للقرآن أنه سيتكلف هذا الحمل، ثم إذا نظر إليه تكلف النظر للقرآن وهذا قد يفوت عليه فضيلة الخشوع والتأثر بكتاب الله وبسماع الآيات، فينبغي للناس أن ينصحوا ويوجهوا ذلك، أنه لا حاجة إلى حمل المصاحف خاصة في المساجد العامة والتي لا يحتاج فيها إلى حمل المصحف من المأمومين. والسنة في القراءة أن تكون مرتلة فإذا قام المسلم من الليل فالأفضل له أن تكون قراءته مرتلة. قال بعض العلماء: الأفضل أن تكون القراءة فوق التجويد ودون الحدر أي: بين بين، والسبب في ذلك أن النبي ﷺ قرأ الطوال في قيامه من الليل ولا يتأتى ذلك إلا بطريقة الحدر ولذلك قالوا: الأفضل له أن يقرأ قراءة فوق القراءة المتأنية ودون القراءة السريعة، أما إذا كان وراءه المأموم فإنه يراعي تأثر الناس، والقراء يختلفون على حسب حدرهم وتجويدهم، فبعض القراء تتأثر بقراءته إذا حدر ورتل، وبعض القراء تتأثر بقراءته أكثر إذا جود، ولذلك يراعي تأثر الناس بقراءته، ولا حرج عليه إن قرأ بهذه الصفة أو هذه الصفة فالأمر واسع في قيام الليل؛ لأن المقصود التأثر بكتاب الله وبكلامه.

стр. 665

أمور ينبغي مراعاتها في قيام الليل وفي قيام الليل أمور خاصة في رمضان ينبغي التنبيه عليها:

стр. 666

الحرص على أداء السنن ثالثاً: إذا دخل المسلم المسجد فليحرص على أداء السنن والتأسي برسول الله ﷺ في الأذكار والهيئات ويبادر إلى الصف الأول، وينبغي التنبيه على عدم تخطي الرقاب وعدم أذية الناس في المسجد بمضايقتهم أو الجلوس بين اثنين على وجه يزعجهم أو يقلقهم أو يشوش عليهم في صلاتهم، فهناك كبير السن وهناك من هو محتاج إلى سعة قليلة في المكان لضعف في بدنه أو آفة في قدمه أو جسده فينبغي الرفق بمثل هؤلاء خاصة إذا بكروا وأتوا إلى المسجد مبكرين فهم أحق بذلك لمكان السبق، فينبغي للمسلم أن يبتعد عن أذية الناس.

стр. 667

الحرص على عدم أذية الناس رابعاً وهي من علامات القبول والتوفيق: أن العبد يؤدي العبادة فيسلم الناس من شره ويسلم الناس من أذيته، وما الفائدة إذا كان يطيع الله ﷻ ويؤذي عباده؟! فتكون حسنات طاعته لمن آذاه والعياذ بالله، فلذلك يحرص المسلم على ألا يؤذي المصلين خاصة أهل الصفوف الأول والمبكرين إلى المسجد ونحوهم، هؤلاء يحرص على عدم مضايقتهم وعدم التضييق عليهم ما أمكن.

стр. 668

التبكير إلى المساجد أما الأمر الثاني: فالتبكير إلى المساجد؛ فإن المسلم إذا عظم طاعة الله وحرص عليها وأظهر لله من نفسه الشوق إليها والحرص عليها فضله الله وأعلى درجته؛ فإنك إن بكرت إلى الصلاة كنت أعظم الناس فيها أجراً؛ ولذلك قال ﷺ : (وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط) فالرباط على الخير أن يبادر الإنسان ويبكر إلى قيام الليل، وهذا من أفضل ما يكون، على أن يكون أول داخل للمسجد وآخر من يخرج من المسجد، وهذه نعمة من الله إن اختار الله العبد لذكره وفرغ قلبه لذكره وجعله من أسبق الناس للخير، فهذه نعمة والله لا يعطي الدين إلا لمن أحب. قالوا: ومن دلائل حب الله للعبد أنك تجده بخير المنازل في الطاعة، قال ﷺ : (ولا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله) أي: يتأخرون عن الخير وهذا ورد في الصلاة، ولكن العلماء يقولون: وهي قاعدة عامة، فالمستبق إلى الخير والمسارع إلى الخير ليس كغيره، ولكل درجات مما عملوا؛ ولذلك ينبغي المبادرة والتبكير ما أمكن وذلك لما فيه من عظيم الثواب والأجر عند الله .

стр. 669

الإخلاص لله أولها وأعظمها وأجلها وأفضلها: الإخلاص لله ﷻ ، فمن خرج من بيته إلى بيت من بيوت الله فيخرج وليس في قلبه إلا الله، لا يخرج رياءً ولا سمعة ولا من أجل ثناء الناس: (فمن راءى راءى الله به ومن سمّع سمّع الله به) ولقد عتب الله على أقوام إذا قاموا إلى الصلاة قاموا وهم كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً، عتب الله على هؤلاء وذكر أن مصيرهم إلى الدرك الأسفل من النار وساءت مصيراً، نسأل الله بعزته وجلاله أن يعافينا من الرياء وأن يحفظنا منه. فليحرص المسلم على أن يخرج إلى بيت الله مخلصاً لوجه الله ﷻ ، ولا ينتظر من أحد أن يمدحه أو يثني عليه؛ ولذلك كان بعض العلماء يقول: لا يبلغ العبد درجة الإخلاص حتى يتمنى أن صلاته وعبادته بينه وبين الله لا تراها عين ولا تسمع بها أذن، وهذا من أبلغ ما يكون من الإخلاص لله ﷻ ، فيبتعد عن البروز أمام الناس واختيار أماكن خاصة حتى يراه الناس ويثنون عليه بأنه قائم أو أنه العابد لا. وكان إبراهيم النخعي ﵀ لا يجلس تحت سارية معينة خوفاً من الشهرة ﵀ برحمته الواسعة، كانوا يخافون الرياء وثناء الناس ومدحهم، فمن مدحه الناس وأثنوا عليه في وجهه فبالغوا في ثنائه قطعوا عنقه -نسأل الله السلامة والعافية- لأن الإنسان لا يأمن أن تزل قدمه بعد ثبوتها، والمعصوم من عصمه الله.

стр. 670

مسألة: حكم حجز المكان في المسجد وهنا مسألة حجز المكان فإن من الأمور التي لا يجوز فعلها في المسجد حجز المكان في المسجد إلا في حالة واحدة وردت السنة بالإذن بها وهي أن يخرج الإنسان إلى قضاء حاجته، قال ﷺ : (إذا قام أحدكم من مقعده لحاجته ثم عاد إليه فهو أحق به) أما أن يحجز الرجل مكانه فيصلي المغرب ويضع سجادته ويذهب إلى بيته فيأكل ويترفق حتى إذا بقي على الإقامة اليسير يأتي يتخطى رقاب الناس ويؤذي الناس إلى ذلك المكان الذي هو في الصفوف الأول ولا يصل إليه إلا بعد أذية كثير من المصلين فهذا لا يجوز ولا شك أنه ظلم وأذية، إذ لو فتح هذا الباب لكل واحد لما وسع كل رجل إلا أن يضع سجادة ويذهب، فلا يجوز الحجز إلا إذا كان في المسجد وخرج لقضاء الحاجة، أما غير ذلك فبيوت الله لله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن:١٨] يستوي فيه الفقير والغني والجليل والحقير والرفيع والوضيع كلهم سواء في بيت الله ﷻ ، لا يجوز للمسلم أن يحجز مكاناً ويدعي أن هذا المكان له وأن هذه السارية له بعينها له مكانها وأنه أحق بالجلوس فيها، كل ذلك مما يفوت على الإنسان الأجر وقد يوقعه في الإثم والوزر، نسأل الله السلامة والعافية. كذلك أوصي أخواتي المسلمات أن يتقين الله في قيام الليل فأوصي المرأة المسلمة بما أوصي به الرجال لأنهن شقائق الرجل كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ . وعلى المرأة المسلمة إذا خرجت لقيام رمضان أن تبتعد عما حرم الله من إبداء الزينة وإبداء المفاتن، وأن لا تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وأن تقول قولاً معروفاً، وأن تخرج إلى بيوت الله خائفة من الله ترجو ثواب الله مخلصة لوجه الله تعصم نفسها وغيرها عن الفتن ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وتبتعد عن مزاحمة الرجال وكذلك عن فتنتهم بالطيب والروائح ونحو ذلك، كل ذلك ينبغي على المرأة أن تتحفظ فيه وأن تتقي الله جل وعلا في إخوانها المسلمين، وأن تعلم أنها خرجت ترجو رحمة الله، وأنه لا يجوز أن تفتح على نفسها أو على إخوانها المسلمين أبواب الفتنة سواء كان ذلك بقول منها أو عمل. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا في شهر شعبان، وأن يبلغنا شهر رمضان، وأن يجعلنا ممن صامه وقامه إيماناً واحتساباً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
следующие страницы →