← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقفات مع التوحيد في الحج إن شعيرة الحج التي جعلها الله قاعدة من قواعد التوحيد، تدل على كلمة لا إِلَهَ إِلَّا الله من بدايتها إلى نهايتها، ومن مشعر إلى مشعر، ومن منسك إلى منسك، والعبد يدور حول كلمة التوحيد والإخلاص لا إِلَهَ إِلَّا الله.

стр. 737

التوحيد في سعة الرحمة والحلم ومن مشاهد التوحيد التي تدل على عظمة الله وفضله وكرمه؛ سعة الرحمة وسعة الحلم، فالله من صفاته أنه حليم ورحيم، فأنت إذا قرأت الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) علمت علماً جازماً أن الله لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة المطيعين، ومن حلمه ورحمته أنه إذا وقف أقوام أبناء ستين وسبعين عاماً ببابه لحظة من اللحظات، أراقوا فيه الدموع، وأظهروا فيها الحسرات واللوعات على ما سلف وكان من الذنوب والعصيان، فاستقالوا واعتذروا لربهم وتابوا واستغفروا فغفر الله ذنوبهم؛ بل وبدل الذنوب حسنات. أي كرم وأي فضل هذا! والله لو تأمل الإنسان عظمة هذا الرب لأحس بقيمة هذه الحياة، فلا لذة لهذه الحياة إلا بمعرفة الله ، ومن عرف الله ﷻ أقبل على الله صدق الإقبال، فأتم خشيته وهيبته وحبه ﷻ ، هذا الرب الكريم، أمم تعصيه وتذنب وتسرف، ومع ذلك يبدل السيئات حسنات، فلا يغفر فقط بل يبدل الذنوب والسيئات حسنات سبحان الله ما أكرمه! لنا مليك محسن إلينا من نحن لولا فضله علينا تَبَارَكَ الله وجل الله أعظم ما فاهت به الأفواه سبحان من ذلت له الأشراف أكرم من يرجى ومن يخاف فإذا علم العبد عظمة الله في حلمه ورحمته ومنه وفضله، أحس أنه لا يزال بخير ما كان مع الله ﷻ ، كذلك يحس أنه مادامت هذه الأمم كلها تنادي الله ﷻ في لحظة واحدة والله يسمعها ويراها، فإن الله سيرحمه كما رحمهم، وسيلطف به كما لطف بهم، ولكن ما عمل الإنسان إلا أن يوقن بالله ﷻ وأن يسلم لله قلبه، فلا تضيق عليك أي ضائقة ولا تنزل بك أي ملمة إلا أحسنت الظن بالله . من الأمور التي يستفيدها الحاج في حجه: حسن الظن بالله ؛ لأنك إذا رأيت هذه الأمم كلها وتعلم علم اليقين أن فيهم المغفور والمرحوم ولربما -ونحن لا نستكثر على الله ولا نستبعد على الله وليس على الله بعزيز- أن يقول لأهل الموقف كلهم: انصرفوا قد غفرت لكم. بغي من بغايا بني إسرائيل زانية -أعاذنا الله وإياكم- مرت على كلب يلهث الثرى فرحمته فملأت خفها وسقته، فشكر الله لها فغفر لها ذنوبها، فقط بشربة ماء، ورجل مر على غصن شوك، وهو مطروح في طريق المسلمين، أخذته الشفقة فأحب الإحسان، وقال: والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين، فزحزحه عن الطريق فزحزحه الله عن نار جهنم، هذا الرب الكريم الحليم الرحيم، ليس هناك للعبد مثل حسن الظن بالله ﷻ . ولذلك في الحديث الصحيح يقول الله تعالى: (أنا عند حسن ظن عبدي بي، فمن ظن بي خيراً كان له، ومن ظن بي شراً كان له). من ظن بالله شراً -والعياذ بالله- كالذين يعكفون على الأشجار والأحجار والقبور ويضغون بأصحابها، ويضيفون عليهم الألقاب والكلمات التي لا تليق إلا بالله ﷻ ، تعالى الله عما يقول المشركون علواً عظيماً. هؤلاء في خيبتهم وخسارتهم لأنهم أساءوا الظن بالله ، ما عرفوا الله ، فلو عرفوه ما التفتوا إلى شيء سواه -نسأل الله السلامة والعافية- ولذلك إذا أحسن العبد ظنه بالله تلقاه الله برحمته وفاز بعفوه ومغفرته، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشملنا بذلك العفو والمغفرة.

стр. 738

التوحيد في يوم النحر من مشاهد التوحيد: إذا كان يوم النحر الذي وصفه الله بيوم الحج الأكبر، هذا اليوم الذي يستفتح الناس فيه رمي جمرة العقبة، فيتذكرون موقفاً من مواقف التوحيد لإمام من أئمة الحنيفية صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ إبراهيم الخليل، هذا النبي الممتحن الذي امتحن في لا إله إلا الله فصدق مع الله فصدق الله معه، شعائر الحج تذكر به صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ في إيمانه وتسليمه، ومن ذلك يوم الحج الأكبر، هذا اليوم المبارك يستفتحه العبد إذا أشرقت شمسه برمي جمرة العقبة إذا تذكر خليل الله وهو يرى في الرؤيا أنه يقتل ولده ويذبحه، أي امتحان مثل هذا الامتحان، امتحنه الله في بلده ووطنه فخرج من بلده مهاجراً إلى الله، فأبدله الله الأرض المقدسة، ثم امتحنه الله في عشيرته وقومه فتركهم لله، فجعل الله في ذريته النبوة والكتاب. ثم امتحنه الله في ولده وفلذة كبده أن يذبحه ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] وانظروا كيف الذرية الطيبة وأهل التوحيد كيف يجعل الله ذريتهم طيبة، قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:٣٤] ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ﴾ [الصافات:١٠٢] انظروا كيف التوحيد والتسليم إذا جاءك أي أمر من أوامر الله أن تفعل شيئاً أو تترك شيئاً هذا وهو في صغره يسأل أن يضحي بروحه ونفسه ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] هذا التوحيد والإيمان ثم انظر إلى التوحيد ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الصافات:١٠٢] ما قال: ستجدني واتكل على حوله وقوته، لا، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ، الله أكبر! تصور إذا قدمت روحك للموت استجابة لأمر الله كانت رخيصة لأمر الله ﷻ ، تسليم وتوحيد وانظر كيف يأتي الفرج مع كمال التوحيد. يقول الله : ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣] حتى جاء في الأخبار والسير أن إسماعيل يقول لوالده: يا أبتِ! لا تذبحني وأنا مقبل إليك، ولكن اكفني على وجهي حتى لا تنظر إلي فتدركك الشفقة، حتى الابن يعين على الإيمان والتسليم، لذلك تجد الأب إذا كان موحداً صالحاً أنشأ الله له الذرية الصالحة، والعكس أيضاً، ولذلك صلة بن أشيم كان له أربعة من الولد وتقدم للجهاد في سبيل الله فماذا قال هذا الأب الصالح أمام الغزو وأمام العدو- انظروا الشجاعة والإيمان التي ينبغي أن يكون عليها الموحد الموقن الذي لا يمكن أن يفلح في الدنيا إلا بهذا الإيمان الذي يورث الشجاعة- قال لأحد أبنائه وهو الكبير: تقدم يا بني! فإني أريد أن أحتسبك عند الله، أي: أريدك أن تموت أنت قبلي فأحتسبك عند الله ، ما جاء هو يتقدم فراراً من أن يرى ولده يذبح أمامه، هكذا كانت الأمة الموحدة الموقنة المخلصة، فإبراهيم ﵊ يقول له ابنه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] أسلما: أي: استسلما، ومثله أن يأتيك أمر الله في بيتك وأهلك وزوجك، فحينما تستسلم وتنفذ أمر الله يأتيك الفرج، أما أن تذهب فتبحث عن الرخص فتتأول وتجتهد فبهذا يسلم العبد إلى حوله وقوته نسأل الله السَّلامة والعافية. لكن إذا سلَّم وتوكل واعتقد في الله، فالله لا يخيبه، يقول الله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إبراهيم * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات:١٠٣ - ١٠٥] فجاءه الفرج من الله ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧] ففداه الله ﷻ من فوق سبع سماوات بالإسلام والاستسلام والتوحيد، فإذا رمى المسلم جمرة العقبة تذكر هذا الابتلاء، وتذكر أنه سيمتحن في أهله وماله ونفسه وفلذة كبده، فينبغي أن يقدم ما عند الله على ما عند نفسه، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا كمال الإيمان والتسليم. كذلك أيضاً بعد رميه لجمرة العقبة يذبح إذا كان متمتعاً أو قارناً، فإذا ذبح هديه ذبحه لله ﷻ وهذا مشهد من مشاهد التوحيد إراقة الدماء لفاطر الأرض والسماء، حتى إن الإنسان إذا أراق دم البهيمة قال: باِسْمِ اللهِ، الله أكبر، فسمى الله وكبر على بهيمته تأسياً برسول الله ﷺ ، وتقرباً إلى الله في هديه، وقع الدم عند الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، وتأتي يوم القيامة بجلودها وشعرها وأظلافها وجميع ما فيها في ميزان العبد، لكن إذا كانت بالتوحيد كانت لله، ولم تكن لأي شيء سواه، لا تذبح لوثن ولا لشجر ولا لقبر ولا لولي، ولا تذبح خوفاً من الجن أو عند النزلة من أجل إرضاء الجن، لكن لله إخلاصاً وتوحيداً ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢] أي: ذبحي، كما قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] فهذا مشهد من مشاهد التوحيد. كذلك أيضاً يقف الإنسان يتحلل من هذا النسك فيحلق شعر رأسه قربة لله وطاعة لله ﷻ ، كما فعل النبي ﷺ فتدور مناسك الحج وشعائر الحج كلها مع الإيمان والتسليم مع كمال اليقين لله ، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا ذلك التسليم والإيمان. وجماع الخير كله أن يكون عند العبد قلب حي، فإن الذكر والانتفاع بهذه العبادات يفتقر إلى نفس مؤمنة إلى قلب مقبل على الله حتى يتفكر ويتدبر ويتبصر، ويجد هذه المعاني الكريمة والآثار العظيمة التي تزيد من إيمانه ويقينه بالله ﷻ . اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وعلماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وآخر دعوانا أن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 739

التوحيد عند مفارقة الأهل والأولاد أولها: ما يخرج من بيته لا يخرج ولم يخرج إلا وهو يعلم أن الله يسمعه ويراه، ولا يخرج من بيته مفارقاً لأهله وولده وحبه وزوجه إلا والله أحب إلى قلبه من الكل. تتعلق به الصبية ترده عن مسيره يتعلق به الأبناء والبنات وتستمسك به الزوجات، فيعلنها صيحة طاعة لله فاطر الأرض والسماوات، فيفارق فلذات الكبد، ويفارق أرضاً وموطناً ربما كان في مشرق الأرض أو مغربها، كل ذلك عبودية لله . الله أكبر من آثر ما عند الله على ما عند نفسه وعلى ما عند الناس. الله أكبر يوم خرج الحاج المؤمن الموحد مؤثراً ما عند الله على هذه الدنيا وما فيها، حتى إن من الناس من يخرج وهو في قمة الغنى والثراء، قد يكون في حياته كلها ما خرج من بلده ومن مسكنه، ولكن الله أخرجه والإيمان والتوحيد أخرجه، عبودية لله لو أنفقت له الملايين ما خرج، ولكن خرج لأنه يؤمن بالله واليوم الآخر.

стр. 740

التوحيد في الاغتسال والإمساك عن محظورات الإحرام كذلك أيضاً يخرج العبد في مسالكه وشعبه والشعاب التي يطرقها في مسيره وهو مؤمن بالله ، وفي أول لحظة من لحظات الحج يريد أن يدخل في نسك الحج فيغتسل ويتجرد، وإذا به يتذكر الآخرة في ذلك الاغتسال وذلك التجرد. قال بعض العلماء: المؤمن في عبادة الحج يتذكر الآخرة في أكثر مشاعر الحج منذ أن يأتي ويخلع ثيابه عن جسده حيث يتذكر إذا خلعت منه بلا حول ولا قوة، ويتذكر إذا نزعت منه فغسل وكفن، فهو اليوم يغسل نفسه ويلبس رداءه وإزاره، ولكن ستأتي عليه ساعة لا محيص عنها، ولا مفر منها، فيتذكر أنه مقبل على الله . ومن قواعد الإيمان: الإيمان بالآخرة وما فيها من البعث بعد الموت والحساب والجزاء، فالحج يذكر بذلك كله، فإذا خرج بحجه وعمرته أمسك عن محظورات الإحرام، فيمسك عن الطيب والنساء والشهوات والملذات طاعة لله ، سبحان من أحل له تلك الشهوات وتلك الملذات قبل أن يدخل في حجه وعمرته، وأصبحت عليه حرام في نسكه، فالله الذي يحكم ولا معقب لحكمه عبادة توقيفية لا يستطيع الإنسان أن يقدم أو يؤخر بل يسلم تسليماً، ويؤمن ويوحد توحيداً كاملاً في العبودية لله .

стр. 741

التوحيد أثناء الطواف حول البيت ثم إذا أراد أن يطوف بالبيت تذكر عظمة الله وعزه وجبروته في هذا البيت الذي شرفه وكرمه وفضله، فهو إذا وقف أمام البيت تذكر من بناه إمام الحنفاء وقدوتهم صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ إبراهيم الخليل الذي بنى هذه القواعد من أجل التوحيد، وأرسى هذا البناء من أجل كلمة الإخلاص، ومن أجل أن يعبد الله وحده لا إله غيره ولا رب سواه. ولذلك سأل الله وابتهل إلى الله أن يجنبه وذريته عبودية الأصنام، وسأل الله أن يجعل حياته كلها له لا لأي شيء سواه ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) [إبراهيم:٣٥] فسأل الله الإخلاص وسأل الله التوحيد، فإذا وقفت أمام ذلك البيت تذكرت هذه القدوة الكاملة الفاضلة التي اختارها الله لمن بعده إماماً في التوحيد والإسلام والاستسلام. ثم إذا طاف العبد بالبيت تذكر أنه لا يطوف بهذه الحجارة إلا عبودية لله ، فلا يطوف تعظيماً للحجر، ولا تعظيماً لهذا الجماد، ولكن تعظيماً لله ، فالله هو الذي أمره وهو الذي أوجب عليه هذه العبادة فلا يسعه إلا التسليم ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [النساء:٦٥] ولذلك وقف عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أمام الحجر، فقال كلمته المشهورة: [أما إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك] أي: أن الدين كله قائم على هذا التسليم، إن جاءت العبادة سلم بها العبد وأتى بها على وجهها دون غلو أو شطط، ودون زيادة واعتقاد في الأحجار والأشجار والمواضع, وإنما يعتقد في الله وحده لا إله غيره ولا رب سواه.

стр. 742

التوحيد في الدعاء ثم إذا أدى شعائر الحج بين جموع المؤمنين، وعاش تلك الساعات واللحظات التي يقف بين يدي الله متذللاً متبذلاً خاشعاً متخشعاً تذكر عظمة الله . ومن أعظم ما يذكر به العبد في عبادة الحج الدعاء، فمن أعظم المشاهد تأثيراً في النفوس وتأثيراً في القلوب مما يزيد العبد ثقة بالله وإيماناً وإيقاناً فيه ﷻ ، إذا تأمل ونظر وادّكر واستبصر في هذه الأمم التي اجتمعت على اختلاف لغاتها، وتعدد لهجاتها، وتباين أقطارها وأمصارها، وإذا بها في لحظة واحدة ترفع أكفها إلى الله، فلا يخفى عليه مكانها، ولا تخفى عليه أصواتها ولا لهجاتها، ولا تخفى عليه مسائلها ولا تعييه حوائجها. الله أكبر إذا عجت ببابه الأصوات، واختلفت المسائل والحاجات، وتباينت في اللغات واللهجات، ففتح الله أبواب سماواته، وتأذن بنزول رحماته ومغفراته وبركاته، فلم تعييه المسألة، ولم تعجزه حاجة ، يسمع دبيب النملة في الليلة الظلماء، تقول عائشة ﵂: [والله إني لمن وراء الستر وخولة تجادل رسول الله ﷺ في زوجها يخفى عليَّ بعض كلامها فسبحان من وسع سمعه الأصوات] فسمعها من فوق سبع سماوات، امرأة مظلومة جاءت تشتكي إلى رسول الله ﷺ كانت عائشة يخفى عليها بعض كلامها، وليس بينها وبين المرأة إلا الستارة، والله يسمعها من فوق سبع سماوات يسمع جميع هذه الأصوات فتقول: لا إله إلا الله، الله أكبر حينما يحتاج العبد حاجة والله يعلمها قبل أن يحتاج ومطلع عليها قبل أن تكون: علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، سُبْحَانَهُ ﷻ وتقدست أسماؤه. تضطرب كتفك بجوار الأكتاف، ويضطرب جسم الإنسان مع غيره من إخوانه وخلانه في الإسلام، ومع ذلك كله يسمع شكواهم ومسائلهم وحوائجهم، فيوقن بأنه لا إِلَهَ إِلَّا الله، هل طردنا الله عن بابه -حاشاه- حتى نقف على أبواب المشاهد والقبور؟ هل ردنا الله سبحانه عن دعائه حتى ندعو غيره ونتوسل بما سواه؟ هل عظمت حوائجنا على الله حتى تنزلها بغيره؟ لا والله ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون:٨٨] ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس:٨٣] (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته وما بلغته أمنيته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) لا ينقص من ملك الله ﷻ شيئاً ولا يعجزه شيء، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. تأمل رحمة الله ، يخرج المحتاج من أهله وولده وحِبه، والله ما أخرجه إلا لشيء أعظم وأفضل مما خرج منه، ولا يمكن أن يخرج الإنسان من تلك الشهوات وتلك الملاذ، ومن بين الأبناء والبنات إلا عوضه الله خيراً مما ترك؛ لأن الله كريم، فتؤمن بلا إله إلا الله وتوقن أن عند الله فضلاً ورضواناً، وأن الله ما أخرج هذه الجموع إلا لفضله ورحمته. ولذلك أخبر النبي ﷺ أن الله رضي لمن آمن به ووحده، ونزل في تلك المنازل موقناً مؤمناً مخلصاً، وأدى الشعائر على أتم الوجوه وأكملها، أن يرجع إلى أهله بلا ذنب ولا خطيئة. أن يرجع إلى أهله كيوم ولدته أمه أن يرجع إلى أهله وولده نقياً من الذنوب والخطايا، فلربما رجع إلى أهله وولده وقد عتقت رقبته من النار، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل. فإنه قد ثبت عن النبي ﷺ : (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه الرقاب من النار من يوم عرفة) ومعنى العتق من النار: أنه لا يمكن أن يدخل العبد النار أبداً، مهما كان حاله، ولاشك أن هذه بشارة له أنه سيموت على التوحيد، ويموت على الإيمان، ويموت على خصال الخير والبر، ويختم له بخاتمة السعداء جعلنا الله وإياكم منهم. يوقن العبد وهو يرى هذه المشاهد يرى هذه الأمم كلها جاءت لله ، فيزداد ثقة بالله ﷻ ويتفكر ويتدبر هل حاجتي تعجز الله ، كلا والله، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فبمجرد أن ترى ذلك توقن إيقاناً كاملاً أن مسائلك وحوائجك لا ينبغي أن تنزل إلا بباب الله ﷻ ، فالدعاء والسؤال والحاجة لا يجوز أن تنزل إلا بالله وحده لا شريك له، ومن أنزل حاجته بغير الله زاده الله فقراً، ومن أنزل حاجته بالله تأذن الله له بالفرج العاجل : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١].

стр. 743

الأسئلة

стр. 744

حكم حج الرجل عن المرأة والعكس السؤال طلب مني أحد الإخوان الحج عن زوجته المتوفية وهو قادر للحج عن نفسه حجة الإسلام، وللعلم فإني كنت قد نويت الحج هذا العام فما حكم ذلك؟ وماذا يلزمني عند النية عندما أريد النسك إذا حججت عنها؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. الجواب إذا كان الزوج لم يحج عن نفسه وسأل رجلاً أن يحج عن امرأته فلا بأس، يجوز للرجل أن يحج عن امرأة ويجوز للمرأة أن تحج عن الرجل، وفي الحديث: (أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراًَ لا يستقيم على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم حجي عنه) كما في الصحيح في حديث الخثعمية. فقوله: (حجي عنه) فهو رجل وهي امرأة فدل على أنه يجوز أن يكون الوكيل رجلاً عن امرأة، وامرأة عن رجل، فلا بأس أن يحج سواءً كان أجنبياً أو كان قريباً لا بأس بذلك، ولاشك -إن شاء الله- أنك لو حججت عن امرأته ونويتها عن حجتها التي هي فرض عليها إن كانت قصرت وضيعت ووجب عليها الحج وحججت عنها، فهذا لاشك أنه من التعاون على البر والتقوى، ويكون زوجها إذا لم يحج عن نفسه حجته تلك عن نفسه، فتبرأ ذمة الميت المتوفى، والله تعالى أعلم.

стр. 745

من انتقل من ميقاته إلى ميقات آخر أحرم من الثاني السؤال رجل يعمل في مدينة الرياض وأهله في منطقة تهامة، وأراد أن يحج هو وأهله هل يحرم من ميقات أهل نجد أم يحرم من يلملم؟ أفيدونا أفادكم الله. الجواب إذا ذهب الشخص من الرياض إلى جهة الجنوب، ما دام أنه وراء الميقات الذي هو يلملم، فإنه يجوز أن يسافر من الرياض إلى جهة الجنوب، ويقضي جميع حوائجه ثم يحرم من ميقات الجنوب، لأن سفرته من الجنوب إلى مكة هي سفرة النسك، وسفرته الأولى من الرياض إلى الجنوب سفرة حاجة. مثلاً: لو أنه سافر إلى الباحة أو سافر مثلاً إلى أبها فإنه في هذه الحالة ينتقل من ميقات الشرق إلى ميقات الجنوب، لأن المواقيت على الجهات الشمال مع الغرب، والشمال المحض، والغرب المحض، والشرق المحض، فلذلك جعل النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄: (وقت ﷺ لأهل الشام الجحفة ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة) فهذه مواقيت جعلت على حسب الجهات؛ فإذا جاء من جهة المشرق وقصد المغرب أو قصد الجنوب أو قصد الشمال خارجاً عن حدود المواقيت فحينئذٍ يؤخر إحرامه إلى الميقات الثاني، ولا يحرم من الميقات الأول، وعلى هذا لا يلزمه أن يحرم من السيل، وإنما يحرم من يلملم إذا كان يمر بها وحاجته، وهكذا إذا كان من أهل المدينة وكانت عنده حاجة في ينبع، فإن ينبع ساحلية وميقاتها ميقات أهل المغرب والشام فيحرم من رابغ، ولذلك ثبت في الصحيح من حديث أبي قتادة أنه خرج من المدينة مع السرية التي بعثها النبي ﷺ ، وقال: (خذوا ساحل البحر) فأخذوا ساحل البحر فأحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم وأخر إحرامه إلى رابغ وهي الجحفة؛ لأنه عندما ذهب إلى الساحل أصبح ميقاته ميقات أهل الساحل، واختار الصحابة الأفضل فأحرموا من ذي الحليفة، وأخر أبو قتادة إلى محل الإجزاء، فدل على أن من انتقل من ميقات إلى ميقات أو سافر سفراً إلى ميقات آخر أخذ حكم أهله وألغى حكم الميقات الأول، والله تعالى أعلم.

стр. 746

فضيلة إنفاق الحاج على نفسه وجواز إنفاق الغير عليه السؤال داعية طلبت من إحدى الحملات أن تكون مشرفة معهم في هذه الحملة، وتقول: إنها رصدت مبلغاً من المال لحج هذا العام وقد عرضوا عليها أن تحج معهم مجاناً، فما هو الأفضل أن تحج معهم بمالها هذا أم تستخدمه في شيء آخر نافع؟ الجواب أسأل الله العظيم أن يعظم أجر الأخت السائلة وأمثالها من الصالحات نحسبهن ولا نزكيهن على الله، فلا تزال الأمة بخير مادام فيها النساء الصالحات، وفي النساء خير كما في الرجال، ولاشك أن الله وعد بالأجر المؤمنين والمؤمنات، وأثنى في كتابه على الصالحين والصالحات، وزكى من فوق سبع سماوات قلوباً خشعت له سُبْحَانَهُ من المؤمنات ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] فشهد الله من فوق سبع سماوات أنهن صالحات وقانتات وحافظات، فهذا فضل عظيم على الأمة أن يوجد في نسائها من يخاف الله ويتقيه خاصة في هذه الأزمنة، فنسأل الله العظيم أن يكثر من أمثالها. أما الأمر الثاني أختي السائلة: فالخروج إلى الحج مع الرفقة الصالحة من الرجال والنساء معونةٌ على ذكر الله وطاعته، وإذا طُلب منك أن تحجي فلا تحجي إلا بمالك ولا تؤثري غيرك بالنفقة، فإذا كنت في حملة فقولي لتلك الحملة: أدفع كما يدفع غيري، ولا تجعل الداعية ولا يجعل الداعي ولا طالب العلم أجر علمه ونصحه أن يركب معهم فيطعم من طعامهم ويأكل من أكلهم، لا، إنما يجعل أجره لله والدار الآخرة: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:٤٧] وقال الله عن أنبيائه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٠٩] فأجر كل من يدعو إلى الله على الله ، فأوصيكِ أن تقولي لهم: إما أن أدفع كما يدفع غيري، وأنت إذا قلتِ لهم ذلك إن شاء الله سيعينونك على هذا الخير، وأما بالنسبة للمبلغ الذي رصدتيه وأنت تنوين الخير والبر، فكما ذكرنا تبدئين بنفسك وتحرصين على أن يكون هذا الخير لك، لأنه لا إيثار في القربات، وتحجين معهم، إذا كان ذلك يعينك على الخير والبر وفيه معونة للغير على الخير، نسأل الله العظيم أن يتقبل من الجميع، والله تعالى أعلم.

стр. 747

حج المرأة بدون محرم مسافة القصر السؤال ما حكم حج الخادمة في المنزل الذي لا يوجد معها محرم، وهل من استقدم هذه الخادمة يكون في محل المحرم لها، وهل حجها صحيح إذا حجت، أفيدونا حفظكم الله؟ الجواب الأصل الشرعي الذي دل عليه حديث ابن عمر ﵄ في الصحيح أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر لا للحج ولا لغيره إلا بمحرم؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا ومعها ذو محرم) فلا يجوز للمرأة أن تخرج من دون محرم. وفي الحديث الصحيح أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي انطلقت حاجَّة، فقال ﵊: انطلق فحج مع امرأتك) لا بد في حج المرأة من محرم ولا تسافر إلا ومعها ذو محرم، لكن لو كانت الخادمة في مكة، فليس بسفر؛ لأن المشاعر في مكة، لذلك يجوز في هذه الحالة أن تكون مع رفقة مأمونة يأخذها مع زوجته أو مع أخواته محتشمة محافظة، هذا لا بأس به؛ لأنه ليس بسفر إذا كانت في مكة، وإذا كان دون مسافة القصر من الحرم كما هو مقر في الأصل الشرعي، والله تعالى أعلم.

стр. 748

عتق الله رقاب الحجاج يوم عرفة السؤال هل يوم عرفة للحاج فقط من ناحية المغفرة والعتق من النار، أم هو لعموم الناس على وجه المعمورة وخاصة المسلمين إذا تقيدوا بتعاليم الدين الإسلامي؟ الجواب باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن النبي ﷺ قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه من النار من يوم عرفة) وهذا اللفظ من المعهود في سنة النبي ﷺ يعتبر لفظاً مطلقاً، وتارة تأتي السنة باللفظ المطلق وتريد التقييد، ويكون التقييد بالمعروف والمعهود، فكأنه حينما قال: من يوم عرفة مراده بذلك الحجاج الذين هم وقوف بيوم عرفة أي: أن الله يعتق رقابهم من النار، فهذا يدل على أن الفضل مختص بمن وقف بعرفة ولا يمتنع؛ لأن الله يعتق رقبة الإنسان من النار بشيء غير هذا، فالله على كل شيء قدير. الله قد يعتق رقبة الإنسان بصدقة واحدة، وقد يعتق رقبة الإنسان بدمعة واحدة يدمعها من خشية الله ، وقد يعتق رقبة الإنسان بكلمة طيبة بر فيها أمه أو بر فيها أباه، فالله على كل شيء قدير. ولذلك قال النبي ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة) نصف تمرة قد تكون وقاية لك من النار. وفي الصحيح أن امرأة دخلت على عائشة ﵂ تحمل صبيتين، فأعطتها عائشة ثلاث تمرات، فأعطت كل صبية تمرة ثم أخذت التمرة الثالثة تريد أن تأكلها فاستطعمتها إحدى البنتين هذه التمرة، قالت عائشة ﵂: فأخذت هذه المسكينة الأرملة التمرة وأعطتها لبنتها وآثرتها على نفسها، قالت: فعجبت من صنيعها، فلما دخل عليها رسول ﷺ أخبرته خبرها، فقال لها ﷺ : (أتعجبين مما صنعت! إن الله حرمها على النار بتمرتها تلك) تمرة واحدة، هذا فضل عظيم لو جاء الإنسان يتفكر ويتدبر في عظمة هذا الرب الكريم الجواد، يقول ﷺ : (الجنة أدنى للعبد من شراك نعله والنار مثل ذلك). أي: إذا اتقى الله وأحبه وأخلص لله ووحده وأطاعه، فإن الله يحجبه عن النار، فالعتق من النار -قيل: إن هذا اللفظ مطلق وقيد على أتم وجوهه وأكرمه، ولا شك أنه للحجاج على أتم الوجوه وأكملها، لكن لا يبعد أن الله يعتق في يوم عرفة غير الحجاج؛ لأن فضل الله لا ينحصر بيوم عرفة ولا يقتصر على يوم عرفة بل يده سخاء الليل والنهار لا تغيظها نفقة، يفرح بتوبة التائبين، ﷻ ، وتقدست أسماؤه، والله تعالى أعلم.

стр. 749

حكم ترك تقبيل الحجر الأسود السؤال أنا ذاهب إلى الحج والعمرة ولكني لا أُقبّل الحجر الأسود، والذي يمنعني من ذلك شدة الزحام فما رأي فضيلتكم في ذلك؟ الجواب اترك الأمور بالتساهيل، فالإنسان لا يقول من البداية: لا أُقبّل، أي شيء من السنن غير الواجبة إذا ترتبت عليه مفسدة أو ترتبت عليه مضرة، وما أمكن أن تطبق إلا بهذه المفاسد والأضرار فتترك؛ لأنه ليس بواجب، لكن لا تقل هكذا من البداية لا أُقبّل الحجر، قل: إن شاء الله، فإن الله ييسر ويسهل. فإن استطعت أن تقبله ولو كان عليه زحام دون أن تؤذي أحداً ودون أن تضر بأحد، حتى تتمكن من الحجر فهذا فضل عظيم، وإذا لم يتيسر إلا بأذية وإضرار فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا يمكن أن يعصى الله من حيث يطاع، ولذلك لا يقبل الحجر إذا كانت هناك أضرار ومفاسد أو فتن، بل على الإنسان أن يتق الله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ومن ترك التقبيل لعذر فإن الله يكتب له أجر التقبيل، لأنك تركت التقبيل خوف الفتنة، فالله يكتب لك أجر من قبل؛ لأن عندك العذر، والله يكتب الثواب عند وجوده، والله تعالى أعلم.

стр. 750

التلبية شعار التوحيد السؤال كثير من الحجاج لا يستشعر فضل وأثر التلبية والتكبير في المشاعر حتى تكاد لا تسمع صوتاً مرتفعاً بها إلا ما شاء الله، فهل من كلمة توجيهيه لمن أراد الحج حول هذا الشيء؟ الجواب التلبية شعار التوحيد، ولذلك قال جابر بن عبد الله ﵄: (أَهَلّ رسول الله ﷺ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك). لا إله إلا الله اجتمعت في لبيك اللهم لبيك؛ لأن لبيك اللهم لبيك إثبات، ولبيك لا شريك لك لبيك نفي، فلابد أن تثبت لله ما أثبت لنفسه، وأن تنفي عن كل شيء سواه، ذلك الشيء الذي أثبته له ، ولذلك قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] فهذا جماع كلمة الإخلاص النفي والإثبات، فكلمة لبيك اللهم لبيك عهد بين الحاج وربه، قيل لبيك: من ألب في المكان إذا أقام، كأنه يقول: أنا مقيم على طاعتك وتوحيدك إقامة بعد إقامة، وقيل: لَبَ من لُب الشيء وخالصه، أي إخلاصي وتوحيدي لك يا ألله إخلاصاً بعد إخلاص؛ لأن كل عبادة تتبع الأخرى، وقيل: لبى إذا واجه الشيء، فتقول: داري تلب بدارك: أي تواجهها، فكأنه يقول: وجهي وقصدي ووجهتي كلها إليك يا ألله، وجهة بعد وجهة، فهو يتجه إلى الله في الطواف، ثم بعده في الصلاة، ثم بعده في السعي بين الصفا والمروة، ثم بعده في المشاعر كلها، من مشعر إلى مشعر يتجه إلى ربه . فكلمة التلبية تدل على التوحيد والإخلاص، لابد أن يستشعر معناها، والعلماء ﵏ قرروا أن العبادة إذا تلفظ بها الإنسان إذا كانت قولية من الذكر القولي فيتلفظ به الإنسان لا يعي معناه ولا يتدبر ذلك المعنى، ولا يقوله من قلبه، فإن ذلك لا ينفعه تمام النفع، ولذلك لابد أن يتدبر الإنسان معنى التوحيد في التلبية، وإذا قلنا: إن التلبية من لب: بمعنى أجاب، فإنه يقول: أنا مجيب لك يا ألله، إجابة بعد إجابة؛ لأن الله أمر إبراهيم أن ينادي بالحج، فكل معاني التلبية تدور حول الطاعة والعبودية والإخلاص لله ، ليستشعر العبد معنى (لبيك اللهم لبيك) وكذلك قوله: (لبيك لا شريك لك لبيك) أمر مهم جداً، فالذي لا يبرأ من الشرك ويرضى بالشرك -والعياذ بالله- يكون له حكم أهله والعياذ بالله. (إن الحمد) فالحمد كله أوله وآخره، ظاهره وباطنه، سره وعلانيته في الدنيا والآخرة لله ﷻ ، ولذلك استفتح الله الأمور بحمده، فاستفتح أحبها وأشرفها إليه وهو كتابه ورسالته، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] وختم الآخرة كلها، فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥] فلله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد عشياً وإبكاراً، وله الحمد سراً وجهاراً، تَبَارَكَ اسمه، وتقدست أسماؤه، ولا إله غيره. (والنعمة لك) النعمة كلها لله والفضل كله له، فإذا لبى المسلم بهذه التلبية واستشعر فيها هذا المعنى وأنه يعتقد أن الفضل كله لله وليس لأحد سواه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] فالله هو صاحب النعمة وموليها، وكذلك أيضاً بالنسبة لبقية أذكار الحج. وينبغي بالنسبة للتلبية رفع الصوت بها، ولذلك كان ﷺ يأمر أصحابه كما في الصحيح تقول: (لبيك اللهم) ترفع بها صوتك، فإذا سمع صوتك وأنت تلبي الحجر والشجر والمدر شهد لك بين يدي الله ﷻ . قال ﷺ : (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وأنت وحيد فأذن وارفع صوتك، فإنه لا يسمع صوتك جن ولا إنس ولا حجر ولا مدر إلا شهد لك يوم القيامة) كذلك إذا لبيت فإن الأرض تشهد وفي سنن ابن ماجة أن النبي ﷺ قال: (إذا لبى المسلم لبى ما عن يمينه ويساره من حجر وشجر ومدر حتى تنقطع الأرض) كله يلبي، هذا الجماد يحب ذكر الله ﷻ ، ولذلك ينبغي للمسلم أن يكثر من هذه التلبية، وأن يرفع بها الصوت. نسأل الله العظيم أن يحيي بنا هذه السنة، وأن يعيننا على تطبيقها، ولا يستحي الإنسان، فالتاجر يصيح في تجارته بخمسة بعشرة بعشرين، ولا يحس أن في ذلك غضاضة؛ بل يتشرف ويفتخر بذلك، فكيف بمن يتاجر تجارة الآخرة، فكيف بمن ينطق بكلمة لا أصدق منها وهي كلمة التوحيد وما دل عليها، فلذلك لا ينبغي للإنسان أن يستحي أو يخجل من الناس، فإذا كنت بين قوم غافلين فارفع بها صوتك واعتز بدينك وربك، ينبغي للمسلم أن تكون فيه الحمية والقوة، لكن القوة ببصيرة، والقوة بالرحمة التي جاء بها رسول الله ﷺ ، فلا يستحي الإنسان ولا يستنكف عن هذه الأشياء بل هي عزة له ورحمة، نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، والله أعلم.

стр. 751

دور الموحدين في محاربة البدع السؤال يرى في مكة والمدينة بعض الحجاج يقعون في بدع وشركيات، ويلطخون عقيدتهم بالخرافات والخزعبلات، فما هو دور الموحدين، وما هي نصيحتك لهؤلاء؟ الجواب بِاسْمِ اللهِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن الله تعالى أكرم الحرمين وأنعم عليها -بل على الإسلام كله- بهذه الدولة المباركة التي حفظت حمى التوحيد، وحرصت كل الحرص على حماية جناب التوحيد من الشرك والخرافات، فمن يعرف المدينة والحرمين قبل هذه النعمة العظيمة، فإنه يعرف جليل ما أنعم الله على الإسلام والمسلمين، فقد كان الناس في كثير من الجهل والبدع والضلالات والخرافات، وكانت أموال الناس تؤكل بالباطل، وكانت تحيا بدع المضلين، وتمات سنن المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، ولكن الله منّ على العباد بهذا النور وهذا الخير الذي تبددت به دياجير الظلم والظلمات، وأشرقت به أنوار التوحيد والرسالة، وعظم به الخير على هذه الأمة، وصلح حالها والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً. إن وقع شيء من الإخلال من بعض الوافدين فينبغي أن يوجهوا وأن يعلموا، وأن يدلوا على ما هو أحكم، وعلى صراط الله الأسلم الذي هو صراط التوحيد، نوصي كل من يرى أمراً من الأمور التي تخالف عقيدة التوحيد والإخلاص أن يبين الحق وأن يدل عليه؛ لأنه يتكلم بسلطان الحق، والله يؤيده ويفتح عليه، ويجعل له من أمره رشداً ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨] فيحرص طلاب العلم والعلماء والدعاة وكل مؤمن موحد على التوحيد وينبغي أن يغار عليه، الهدهد جاء إلى سليمان وقد غار حينما رأى أهل الشرك يعبدون الشمس، وهو حيوان جاء طائراً يطير بجناحيه، غار على التوحيد والإيمان، والسماوات والأرض والجبال تكاد تنهد وتندك إذا دعي لله الولد لو أذن لها لانهدت واندكت ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٩١ - ٩٤] ، فإذا كانت الجبال تنهد غيرةً على التوحيد والإيمان، فكيف بقلب المؤمن الذي يخاف الله ويرجو رحمته، فإنه أولى وأحرى، وبين له بالتي هي أحسن أولاً أن يكون عندك علم وتقول: هذا لا يجوز وهذا شرك وهذا يخرج العبد من الإسلام، قد يكون بين الرجل والشرك كلمة واحدة يستغيث فيها بغير الله ويستجير فيها بغير الله والعياذ بالله، وقد تكون منه فعلة واحدة تخرجه من ربقة الإسلام فيشرك بالله ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] نسأل الله السَّلامة والعافية، فيحرص الإنسان على توجيه هؤلاء، وكثير من هؤلاء لا يفقهون ولا يعلمون، فهم أتباع كل زاعق وناعق كما أخبر النبي ﷺ يكبهم في نار جهنم، فالواجب نصيحتهم ودلالتهم إلى الخير، لكن ينبغي أن يحرص على الكلمة الطيبة والتوجيه المؤثر وبالتي هي أحسن ما أمكن، فإن الله قد ينقذ بك بكلمة عبداً من النار، فيكون ذلك أعظم لأجرك وأتقى لربك، واللهُ تَعَاَلَى أَعْلَم.

стр. 752

المواعظ الموعظة طريق لهداية الضالين، وسبيل لنجاة العاصين، والموعظة في المحيط الأسري مسئولية يشترك فيها الأب والأم، حتى إذا صلحت النواة الأولى للمجتمع -التي هي الأسرة- صلح المجتمع بأسره. ولكن الموعظة لا تؤتي ثمارها اليانعة الطيبة، إلا إذا كان الواعظ عاملاً بما قال، ملتزماً بما وعظ.

стр. 753

دور الموعظة في حياة القلوب واستقامتها الحمد لله الذي نزل على عبده الفرقان ليكون للعالمين نذيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إنه كان بعباده خبيراً بصيراً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الأحبة في الله! إن للمواعظ أمراً عظيماً في القلوب، كم نبهت من غافلين، وكم أرشدت من حائرين، كم هدت ودلت إلى صراط الله المستبين، المواعظ زاد القلوب وطمأنينتها، وسلوة الصدور وانشراحها، أحبها الله وحببها للصالحين، فجعلها قرة عيون عباده المؤمنين المحسنين، يا لله كم من قلوب خشعت، وكم من عيون من خشية الله بكت، وكم من نفوس اهتدت، وكم من أرواح على طاعة الله ثبتت، يا لله كم من كلمات طيبات مباركات خشعت لها قلوب المؤمنين والمؤمنات، وفُتِّحت لها أبواب السماوات! ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]. الموعظة هي الكلمة الجامعة لخير الدين والدنيا والآخرة، الموعظة وصية الله للأولين ووصيته للآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، شرف الله المواعظ حينما وعظ عباده المؤمنين، فذكرهم بحقوق الدين، أخذ بمجامع قلوبهم إليه فذكرهم بما يجب عليهم، ونهاهم عما حرمه عليهم. المواعظ شرفها الله جل وعلا يوم جعلها رسالة الأنبياء والمرسلين، فصدعوا بالحق وبما أمر به رب العالمين، المواعظ زاد القلوب وسلوة الأرواح، وسبب ثباتها على طاعة الله جل وعلا، فكم من مجلس ذكر حضره عاق فعاد تائباً! وكم من مجلس موعظة حضره شقي طريدٌ بعيدٌ فقام منه سعيداً! وكم من مذنب خطّاء كثير الذنوب عظيم العيوب آوى إلى الله في مجلس يذكِّر بالله فقام وقد بدِّلت سيئاته حسنات! يا لله كم من كلمات طيبات مباركات صلحت بها أحوال المؤمنين والمؤمنات! ما أحوجنا إلى كل كلمة تقربنا إلى الله، ما أحوجنا إلى كل كلمة تذرف بها العيون من خشية الله، ما أحوجنا إلى كل كلمة تُخشع قلوبنا لذكر الله، ما أحوجنا إلى المواعظ إذا خرجت من قلوب صادقة وألسنة موقنة محقة.

стр. 754

موعظة الأبناء مسئولية الوالدين الأسرة المسلمة اليوم أحوج ما تكون إلى الموعظة والنصيحة الجامعة، الأسرة المسلمة اليوم من الآباء والأمهات والأبناء والبنات والإخوان والأخوات وآل كلٌ والقرابات هي أحوج ما تكون إلى الموعظة، تحتاج إلى الموعظة في زمان عظمت غربته، وجلت محنته، حتى أصبح المصلي بين أهله غريباً، والذاكر لله بين أهله كأنه يقول شيئاً عجيباً غريباً في زمان عظمت فتنته، وجلت محنته؛ حتى أصبح فلذات الأكباد ربما يجهلون توحيد رب العباد في زمان عظمت فتنته، وجلت محنته، حتى كثرت فيه الشهوات، وعظم فيه سلطان الملهيات والمغريات، فوقف المؤمن متعطشاً متلهفاً لكل كلمة تدله على ربه، وتأخذ بمجامع قلبه لكي تهديه إلى الصواب؛ فيكون من أهل طاعة رب الأرباب. أيها الأحبة في الله! الواعظ في الأسرة يكون والداً شعر بالأمانة والمسئولية، وتكون أماً حنوناً مشفقة تخاف على فلذات كبدها من النار تخاف أن يفرّق بينها وبين أولادها في يومٌ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. الموعظة كلمات طيبات يقوم بها الأبناء وتقوم بها البنات، كلمات طيبات هي أكبر من كل أحد إلا الله وحده، فكلنا يحتاج إلى الموعظة، فقد تكون من الوالد، وقد تكون من الولد، يوجه الوالد ولده آمراً له بطاعة الله، ناهياً له عن حدود الله ومحارمه، وكأنه يأخذ بحجزه عن نار الله وغضبه، والوالدة تأخذ بحجز أبنائها وبناتها بوصية جامعة لخير الدين والدنيا والآخرة، والابن يرى أباه قد ضل عن السبيل، وجار فيما يكون منه من فعل وخيم، فتأخذه حميّة الدين والخوف من رب العالمين، فيذكِّر أباه وينصحه ويأخذ بحجزه عن نار الله كما فعل أنبياء الله، والبنت الصالحة ترى أمها قد جارت وحادت عن سبيل ربها، فتقف لها ناصحة مشفقة مبينة حتى تقودها إلى الله وتنتهي بها إلى رحمته، والأخ الصادق يرى أخاه قد تهاوى إلى الرذائل، وقد عميت بصيرته عن الفضائل، فيأخذ بحجزه عن نار الله وقد تفطر قلبه شفقة وحناناً عليه، يريد أن يرحمه برحمة الله. فتخرج الكلمات الطيبات المباركات من الآباء والأمهات، والأبناء والبنات، والإخوان والأخوات، بعظات بالغات بينات، تخشع لهن قلوب المؤمنين والمؤمنات.

стр. 755

وعظ الأبناء باتباع أوامر الشرع أعظم الحقوق حق الله جل وعلا، ومن حقوقه سبحانه: أنه أحل الحلال وحرم الحرام، تنشئ ابنك من الصغر على أن يحل حلال الله وأن يحرم حرام الله، وأن يتبع شرع الله، وأن يقول كلما سمع أوامر الله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. تنشئ ابنك على محبة الدين، والاستسلام لرب العالمين، قال ﵌: (إن الله أحل أشياء فلا تحرموها، وحرم أشياء فلا تحلوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها) فتعود أبناءك على محبة هذا الدين، وذلك عن طريق ربطهم بالعلماء وإتيان حِلق الذكر، وتعودهم أن يسألوا عن الصغير والكبير، والجليل والحقير، والخردلة والقطمير من أمر هذا الدين، فإذا عظمت وشيجتهم بالدين من خلال العلماء العاملين والأئمة المهديين؛ ألفوا الطاعات والباقيات الصالحات، وسمت أرواحهم إلى الخيرات، وزكت بفعل ما يرضي الله جل وعلا في الحياة وما يوجب حسن الختام عند الممات.

стр. 756

وعظ الأبناء بالمحافظة على الصلاة من الحقوق التي ينبغي على الآباء والأمهات أن يعظوا أبناءهم بها: حق الله -كما ذكرنا- في الصلاة والزكاة، لأن الله يقول حاكياً عن لقمان أنه قال لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] أمره بالصلاة، وأثنى على نبيه إسماعيل أنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٥ - ٥٦]، من هذا الأب الموفق الذي يريد أن يكون عند ربه مرضياً؟ من أراد ذلك فليعظ أبناءه كلما أذن أذان للصلاة، فاعلم أنك تكون عند الله مرضياً إذا تفقدت أبناءك وبناتك -صغاراً وكباراً- في الصلاة، فأخذت كبيرهم إلى المسجد وتابعته فيما تعظه وتأمره به.

стр. 757

وعظ الأبناء بتعظيم شعائر الله وخشيته من حقوق الله جل وعلا، تعظيم شعائر الله في قلوب الأبناء والبنات، وغرس معاني الدين في نفوسهم، ومن ذلك: أن يحرص الأب على إبعاد أبنائه وبناته عن المحرمات والمفسدات والملهيات والمغريات، التي توجب سخط الله في الحياة والممات، تنشئ ابنك على الخوف من الله، والخشية منه في السر والعلانية، تعوِّده أن يخاف من الله جل وعلا ويخشاه ويتقيه، ففي الحديث الصحيح: (أن النبي ﵌ بعث أنس بن مالك ﵁ إلى حاجة -وكان أنس صغير السن خادماً لرسول الله ﵌ فانطلق أنس، فرأى صبياناً يلعبون، فجلس يلعب معهم، فخرج له رسول الله ﵌ وأمسكه، وقال: يا غلام! لولا أني أخاف الله لضربتك بهذا المسواك). انظر كيف يُعلم الابن، ويعلم الصغير الخوف من الله، وعندها حين قال النبي هذه الكلمات -ماذا تتوقعون من أنس أن يحس في قرارة قلبه من هيبة الله جل وعلا عندما يعلم أن محبة الله وخشيته قد حالت بين رسول الله ﵌ وضربه؟! عوّد رسول الله ﵌ الأمة صغاراً وكباراً، شباباً وشيباً وأطفالاً على تعظيم الله جل وعلا، والحذر من حدوده ومحارمه، ولذلك قال الله بعد ما نهى عن المحرمات: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور:١٧] وعظنا الله، فحرم علينا محرمات ينبغي تعليمها للأبناء والبنات، ليس بعيب أن تجلس مع أولادك مع أبنائك وبناتك وتبين لهم ما الذي حرم الله عليهم، من: قول الزور، وغيبة المسلمين، والنميمة، والسب والشتم، وأذية المسلمين باللسان أياً كانت هذه الأذية، ليس بعيب أن تجلس مع أبنائك وبناتك فتذكرهم بحرمات الله التي نهى عنها في السمع والبصر، فتذكرهم أن الله ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، فتجعلهم على خوف من الله جل وعلا. فلا إله إلا الله! كم من عيون غضت للأبناء والبنات بالنصائح الطيبة من الآباء والأمهات، وكم من ابن وقف على حرمة من حُرَم الله ونظر إلى شهوة مغرية فتذكر وعظ أبيه فخاف من الله، ولربما كان أبوه ميتاً فصارت رحمة عليه بعد موته، كل ذلك بالموعظة الصالحة والكلمة والوصية النافعة.

стр. 758

وعظ الأبناء بحق الله وتوحيده أحب الكلام إلى الله ما ذكّر بالله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣]، تبتدئ الأسرة المسلمة موعظتها بأعظم الحقوق وأجلها على الإطلاق؛ وهو حق الله ﷻ ، حقه في توحيده وإفراده بالعبادة، والإخلاص لوجهه. فالناصح والواعظ من الوالد والولد والوالدة يذكِّر من ينصحه بعظيم حق الله عليه، وجميل منته لديه ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] قالها لقمان لفلذة كبده يذكره بالعقيدة والإيمان ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، أخذ بمجامع قلبه إلى الله، وذكره بأعظم الحقوق وهو حق الله. يا بني! يا فلذة الكبد! يا من هو كلحمي ودمي! لا تشرك بالله، نهاه عن أعظم نهي نهى الله عنه ورسوله صلوات الله وسلامه عليه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) يذكِّره أن الله رضي له التوحيد والإيمان وكره له عبودية الأوثان، يذكره بالسماء ومن بناها، وبالأرض ومن طحاها، وبالجبال ومن أرساها، يذكره بشواهد التوحيد، ودلائل وحدانية العظيم المجيد. كم من أبٍ ذكر ابنه في ظلمة ليل بمن جعل الظلام في ليله، فما أمسى الابن إلا وتذكر الله! وكم من أم صالحة ذكّرت بنتها بربها وأخذت بمجامع قلبها إلى خالقها، فوحدت وأسلمت واستسلمت! وكل ذلك في ميزان حسناتها. يحتاج الابن أن تذكره بالله في كل لحظة وطرفة عين، تذكره بجبار السماوات والأرض تذكره بمن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه؛ حتى يخوض الحياة مؤمناً ويعيش موحداً، حتى تقبض روحه مع السعداء والأولياء الحنفاء. ينتظر ابنك -في كل لحظة وفي كل طرفة عين- أن تذكره بحق الله، حتى ولو بالكلمة العابرة، ومما تذكره بالله أن تذكره بحقوقه العظيمة، فتأمره بتقواه، وتحثه على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتستجيب لأمر نبيك صلوات الله وسلامه عليه حيث يقول: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) الأب الصالح يذكر ابنه بالصلاة، ويعظه حتى يحبب إلى قلبه الوقوف بين يدي الله جل وعلا، والعبد الصالح يأخذ أبناءه إلى بيوت الله بالليل والنهار، والعشي والإبكار. والله إنك ما علّمت ابنك الوضوء فصب الماء على يده أو جسده إلا كتب الله لك أجره، ووالله إنك ما علّمته الصلاة وكيف يقرأ فاتحتها، وكيف يحسن ركوعها وسجودها، وكيف ينتصب بين يدي الله فيها إلا كان لك مثل أجره كلما وقف بين يدي الله مصلياً، ولو علّم غيره كتب الله لك الحسنات، ورفعك إلى عظيم الدرجات، فالصالحات الباقيات، فمن أمر أبناءه بالصلاة وتفقدهم بالعشي والإبكار والصبح والمساء، أعظم الله أجره، وثقل ميزانه، وأورث في قلوب أبنائه حبه، فكم من آباء ربوا أبناءهم في الصغر على هذه الطاعة المرضية، فما كبروا إلا على حبهم وتقديرهم وإجلالهم لآبائهم، قال بعض العلماء: حث النبي ﵌ بأمر الأولاد بالصلاة، ومن عوّد نفسه أن يأمر أولاده بالصلاة، اعتاد أولاده من الصغر على السمع والطاعة، وقل أن تجد أباً كان يتفقد أبناءه في الصغر -حتى شبوا على حب الصلاة- إلا وجدته يحيا الحياة السعيدة يعيش بين أبنائه حميداً وليموتن قريراً سعيداً، وليدركن صلاح أبنائه إذا ضمته اللحود، وهجمت عليه الكروب، فرفع ابنه كفه إلى الله شافعاً، يسأل ربه أن يسبغ عليه شآبيب الرحمات، فمن وفى لله وفى الله له، ليس بيننا وبين الله حسب ولا نسب، لا يعرفنا الله بأحسابنا ولا بأنسابنا ولا بأموالنا، بل يعرفنا بديننا وإخلاصنا وتوحيدنا وقيامنا بحقوق ربنا، هذا الذي بيننا وبين الله. ولما كانت الأمة راكعةً ساجدة، أبناؤها وبناتها كبارها وصغارها لا يضيعون حقوق الله؛ عزّت وسادت وكانت في رحمة من ربها، ولما تناسى الناس حقوق رب الجنة والناس، وأصبح الأمر بالصلاة تعقيداً وتضييقاً ونفر الناس منه؛ ضاعت كرامتهم، وعظمت بليتهم، فأصبح الوالد مجهولاً -والعياذ بالله- حتى عند فلذة كبده.

стр. 759

الموعظة سبب سعادة العبد في الدنيا والآخرة إنها المواعظ التي هي طريق إلى سعادة العبد، لا يستطيع الأب ولا تستطيع الأم أن تقوم بالموعظة إلا إذا كان هناك سلاح يتسلح به كل واحد منهما، ألا وهو العلم والبصيرة، والنور الذي يهدي الله به من اتبعه سبل السلام ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦]. ما أحوج الآباء والأمهات إلى معرفة جملة من الأحكام والأمور التي تتعلق بتعليم الأبناء والبنات، وتوجيههم وتربيتهم، ما أحوجهم إلى أن يسمعوا إلى سيرة رسول الله ﵌ وهديه وإلى سيرته العطرة ومواقفه الجميلة الجليلة النضرة، كيف كان يأمر بالتوحيد؟ وكيف كان يغرس العقيدة في قلوب الصغار؟ (يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) الله أكبر! ما أعظمها من كلمات وقعت في قلب حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁ وأرضاه! حتى أصبح إماماً من أئمة الدين، قال له النبي ﵌ هذه الكلمات التي هي من أسباب السعادة للعبد في الدنيا والآخرة. (يا غلام! احفظ الله يحفظك) وهذا يجمع جميع أوامر الله ونواهيه، احفظ الله بفعل أوامره، واحفظ الله بترك نواهيه. ثم يقول له ﵊: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) فالمخلوق بين أمرين بين رحمة وعذاب، وبين نعمة ونقمة، فإذا كان في نعمة اعتقد الفضل كله لله، وسأل ربه أن يبارك له فيها، وإن كان في نقمة علم علم اليقين أنه لا ينجيه منها إلا الله وحده لا شريك له، الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء ، وعندها تهون عليه مصائب الدنيا كلها. إنها المواعظ التي تذكِّر العباد بالله وتهديهم إلى صراطه جل وعلا، إنها المواعظ التي ابتدأها خير الواعظين سبحانه إله الأولين والآخرين، فوعظنا وذكّرنا في كتابه المبين، وسار على هذا النهج المبارك صفوته من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 760

افتقار المواعظ إلى القدوة الصالحة أيها الأحبة في الله! المواعظ تفتقر إلى أمر عظيم، إذا وجدت في الأب والأم، فإن الله ينفع بها وتقع في القلوب كوقع الغيث على الأرض الطيبة، إنها تحتاج إلى قدوة صالحة، الأب الذي ينصح أبناءه وبناته لابد وأن يكون قد أقام نصيحته لأنه لهم قدوة، ولابد أن يكون إماماً هادياً مهدياً، حتى ينفع الله بنصيحته، وتكون كلماته مؤثرة في النفس عميقة الأثر في القلب؛ لأن الله جبل الأولاد على محبة الوالدين والتأثر بنصيحتهما، وأنهم يشعرون شعوراً عميقاً أن الأب لا يغش أولاده، وأن الأم لا تغش أولادها، فهم يتقبلون النصائح منهما، فيحتاجون إلى القدوة التي تدلهم مع القول بالفعل، فابنك إذا رآك إذا أذن المؤذن تخرج إلى المسجد مبكراً؛ سبقك إلى المسجد، وإذا رآك عند ذكر الله تفيض عيناك من خشية الله فاضت عيناه من خشية الله، وإذا رآك ابنك وقافاً عند حدود الله، لا تغتاب المسلمين، ولا تسب المؤمنين كان ابنك عفيف اللسان عن عباد الله المسلمين. والبنت إذا رأت أمها قوّامة، صوّامة، ذاكرةً لربها، منيبة إلى خالقها، أحبت الله من كل قلبها، الله أعلم كم من ذريات صلحت بالقدوة الصالحة! الأبناء والبنات ينتظرون الفعل قبل القول، ولذلك قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فالإمامة في الدين والموعظة التي تذكّر برب العالمين تحتاج إلى الفعل قبل القول، قال بعض السلف: عظوا الناس وأنتم صامتون، قالوا: كيف نعظ ونحن صامتين؟ قال: عظوا الناس بأفعالكم وأخلاقكم قبل أن تعظوهم بأفواهكم.

стр. 761

الرفق واجتناب الكلمات الجارحة في الموعظة كذلك تحتاج الموعظة إلى كلمة صالحة صادقة مؤثرة، كالقول البليغ الذي يحكم الوالد اختياره؛ المهذب الذي لا يجرح القلوب ولا يؤثر في النفوس ولا ينفر في الدعوة، هذا الذي ينتظره ابنك وتنتظره ابنتك، فإذا رأيت الابن أو البنت مخطئاً، فعليك -رحمك الله- بالقول الكريم والموعظة الحسنة والكلمة المؤثرة استجابة لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء:٦٣]، فالقول البليغ والموعظة البليغة مؤثرة في النفوس؛ ولذلك كان رسول الأمة ﵌ أكمل الخلق بياناً وأحسنهم كلاماً؛ فإذا وعظ الموعظة أثر في القلوب، قال العرباض بن سارية ﵁ وأرضاه: (وعظنا رسول الله ﵌ موعظة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا)، فكانت مواعظه ﵊ منتقاة، فعلى الوالد والوالدة أن يحرصا على عدم جرح المشاعر، فلا ينبغي تنفير الأبناء والبنات من الطاعة والدين، ولا ينبغي إذا أردنا أن ننصح أو نعظ أن ننفر أبناءنا وبناتنا من الخير والبِر، بل علينا -إذا رأيناهم أخطئوا- أن نقول الكلمة التي تقع في النفوس موقعاً بليغاً. والدٌ يقول لولده أخطأ: يا بني! والله إنك أعز في قلبي من أن تقول هذه الكلمة التي لا ينبغي لمثلك أن يقولها، تصور يبكى الابن مباشرة، ويقول: يا أبتي! سامحني. ووالد يقول لولده-أعاذنا الله وإياكم-: أيها السخيف! يا من لا تستحي! فنفر الابن وصد عن موعظته، فالله الله أن تكون حجر عثرة بين أبنائك وبين رحمة الله وتذكر وأنت تعظ، وتذكري -أيتها الأم الصالحة- وأنت تعظي أبناءك، وبناتك قول رسول الله ﵌: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) تذكروا -يا معاشر الآباء والأمهات- أن الدين رحمة وأن الإسلام رحمة، وأنه نور وهدى، تهدى به القلوب في الكلمات، وتهدى به القلوب في العبارات، لا تجرحوا به المشاعر، فقد كان رسول الأمة ﵌ إذا أراد الموعظة؛ لا ينفر من موعظته، ولا ينفر من قوله وهديه وسمته، فما أحوجنا إلى أن نتأسى به صلوات الله وسلامه عليه. كم من أبناء وبنات قرت عيونهم بالصلاح والاستقامة والفلاح بالمواعظ التي اشتملت على الكلمات الرقيقة المهذبة، والعكس بالعكس، فكم من قلوب نفرت، وكم من أبناء وبنات وذريّات صدّت بسبب الكلمات الجارحة، فليتق الله الآباء والأمهات في هذه المواعظ وفيما يختار لها.

стр. 762

وعظ الأبناء بتعظيم حقوق العباد مما ينبغي على الآباء والأمهات من النصيحة والموعظة للأبناء والبنات، التذكير بالحقوق العظيمة وهي حقوق العباد، فبعد أن يذكر الآباء والأمهات الأبناء والبنات بحقوق الله جل وعلا يذكرونهم بحقوق المسلمين والمسلمات. المسلم له حق عظيم على أخيه المسلم، ما كانت تنشأ البنت في بيت من بيوت المسلمين إلا وقد عرفت ما الذي لها وما الذي عليها تجاه أخواتها المسلمات، وما كان الابن ينشأ في بيت من بيوت المسلمين إلا وقد عرف ما الذي له وما الذي عليه تجاه إخوانه المسلمين. كانت الأمة تربي أبناءها وبناتها وفلذات أكبادها على تعظيم حقوق المسلمين، كان أبناء المسلمين وبناتهم ينظرون إلى أخوة الإسلام نظرة التقديس والإكرام، حتى إن المسلم ليقدر أخاه في الإسلام أكثر من تقديره لأخيه في النسب، وذلك حين كان الإسلام أكبر همهم، ومبلغ علمهم، وغاية رغبتهم وسؤلهم، فكانوا يعرفون حقوق المسلمين وعظمها، وكان الآباء والأمهات ينشئون الأبناء والبنات على معرفة ورعاية حقوق العباد، ومن أعظمها: حقوق الوالدين، فكان الوالد يأخذ ولده معه إلى زيارة جده، فيجلس ذلك الوالد بين يدي أبيه -الذي هو الجد- على مرأى ومسمعٍ من ابنه، مجلاً مكرماً لأبيه، لا يتكلم بحضور أبيه، ولا يمكن أن يرد لأبيه طلباً، ولا يعيي أباه في المسألة، خادمٌ له في حاجته، قائم له في سعيه، وإذا بالابن ينظر إلى أبيه وقد صار صغيراً، وقد رآه من قبل كبيراً، وذلك لأنه أمام أبيه، فيتعلم كيف يبره في الغد، فانظروا إلى الشمائل العطرة والأخلاق الجميلة الجليلة النضرة التي كانت تتربى عليها بيوت المسلمين، وهكذا الأم كانت تأخذ بناتها الصغار إلى الجدة فتجلس بين يديها بكل إكرام وإجلال وإعظام، لتعلم بناتها كيف البر. كان الأب يأخذ أبناءه إلى الأعمام والعمات والأخوال والخالات، وآل كل والقرابات، ما كان يوجد بيت من بيوت المسلمين تمر عليه أيام فيها سعة أو إجازة إلا وخرجت جموعهم في السفر للسياحات والنزهات، لا والله. بل يخرجون لصلة الأعمام والعمات وآل كل والقرابات؛ فكتبت الخطوات، ورفعت الدرجات، وتأذن الله برحمة المؤمنين والمؤمنات، يوم كانت الأمة في فقر وشدة وضعف، ولكن بارك الله لها في أرزاقها وأقواتها وأوقاتها، فقل أن تجد رجلاً مبتلى بمرضٍ في نفسيته أو في عقله أو نفسه؛ بسبب الصلة والرحمة التي رحم الله بها الأمة. كانت الأمة كالجسد الواحد تنشئ أبناءها وبناتها على معرفة الحقوق والواجبات، والقيام بالأمانة والمسئوليات، وكذلك ينشئون الأبناء على تعظيم حقوق أخوة الإسلام، ويبتدئ هذا بالمواقف، فأول ما يبدأ الأب والأم بالجار، فينشأ الابن والبنت على تعظيم حقوق الجيران، فمن أبناء المسلمين من عاش مع أبيه عمراً طويلاً ما سمعه يوماً يسب جاره أو آذى جاره، أو اغتابه أو ذكره بسوء، ومن أبناء المسلمين من عاش مع أبيه دهراً طويلاً، لم يحتج جاره يوماً إلى أحد -بعد الله- غير أبيه، فكان الجار ينزل حاجته بأبيه على مسمع ومرأى من الابن؛ فنشأ الابن على إكرام الجيران، وأصبحت شمائل الإسلام وأخلاق الكرام مغروسة في قلوب المسلمين بالأفعال قبل الأقوال، وذلك يوم كانت معتزة بدينها متمسكة بالإسلام، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا حسن التأسي بهم، وما زال الخير -والحمد لله- موجوداً في الأمة، ولا زالت بقية باقية تشفق على أبنائها وبناتها وفلذات أكبادها، فتسعى لتنشئهم على طاعة الله .

стр. 763

الموعظة إذا كانت لله عظم نفعها إن هذه المواعظ صلاح للأسر، وسعادة لها في الدنيا والآخرة، هذه المواعظ لا تكون نافعة ولا مؤثرة إلا بشرط واحد، وأساس واحد، أقام الله عليه هذا الدين كله، أقام عليه السموات والأرض، ومن أجله سيكون السؤال والحساب والعرض، وهو الإخلاص لله ﵎. اعلم رحمك الله تعالى أنك بين موقفين إما أن ترى ابنك أخطأ فتأخذك حمية الدين أو تأخذك حمية الجاهلية، فإياك أن تضيع على نفسك الأجر، لا تقل: فضحتنا وشهّرت بنا، ولكن قل: يا بني! ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] ذكره بالله، ولتخرج الكلمة من قلبك صادقة لوجه الله جل وعلا، فكل موعظة خرجت من قلب صاحبها والله يعلم أنه يريد وجه الله نفع الله بها، وكانت مباركة وبقيت مع من سمعها وعمل بها، فالكلام إذا أُريد به وجه الله طاب، وفُتِّحت له أبواب السموات ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] فالله الله في مواعظك أن تفتح لها أبواب السموات حينما تخلص لوجه الله. إذا رأيت ابنك قد أخطأ، فلتأخذك حمية الدين ولتخف عليه من رب العالمين، وتقول: يا بني! والله لو عصيت ربك فإني لا أغني لك من الله شيئاً، واذكر وأنت تقول هذه الكلمات الطيبات المباركات، اذكر رسول الأمة ﵌ وهو واقفٌ أمام قريش أمام قرابته وبني عمه وبناته، يقول لهم: (يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنكِ من الله شيئاً) كانت الموعظة والنصيحة لله، فالذي يعظ أبناءه لله، وتخرج كلماته خالصة من قلبه، ليس خوفاً أن يعيّبه الناس أو من الفضيحة، ولكن خوفاً من فضيحة الأشهاد، خوفاً من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، يوم يُفرّق فيه بين الوالد وولده، والأب وابنه ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] يرى ابنه على معصية فيقول: إني أخاف من هذه المعصية اليسيرة أن تفرق بيني وبين ابني يوم القيامة، فيا بني! اتق الله، فإذا خرجت الكلمة من قلب صادق بارك الله فيها، فأبناؤك ينتظرون منك الإخلاص، وبناتك -أيتها الأم الصالحة- ينتظرن منك الإخلاص، ولذلك إذا وعظ الواعظ مخلصاً لله بارك الله في موعظته. انظر إلى ذلك المثل الذي ضربه رسول الأمة ﵌ وهو من أصعب المواقف وأعظمها وأشدها، جعله عبرة لعباده المؤمنين: (امرأة فقيرة محتاجة جاءت إلى ابن عمها وهو مغرم بها، يساومها على الحرام وعلى نفسها وعرضها والعياذ بالله، فلما رأى حاجتها قال لها: لا أعطيكِ حتى تمكنيني من نفسكِ -وهي ضعيفة محتاجة وفي فاقة شديدة ولكنها عفيفة مؤمنة- فلما رأت أنها مضطرة وأعيتها الحيلة، فيقول رسول الله ﵌ -في هذا الحديث الصحيح- عن هذا الرجل: اللهم إنك كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها، وكنت أراودها عن نفسها فأبت حتى احتاجت يوماً من الأيام، فقلت لها: لا أعطيك حتى تمكنيني من نفسك، فلما جلست منها، وفي رواية: فلما قعدت منها مقعد الرجل من المرأة، قالت: اتق الله، ولا تفضن الخاتم إلا بحقه)، الله أكبر! موقف تنهزم فيه المرأة مهما أوتيت من قوة، ولكنها خافت ربها واتقته، وطهُرت واستسلمت لخالقها، فقالت النصيحة من كل قلبها، قالت له: (اتق الله ولا تفضن الخاتم إلا بحقه) فرعدت فرائصه من خشية الله، وترك المال لها وقام. الله أكبر! ما أطيب الكلام إذا خرج لوجه الله وحده لا شريك له! ما كان لله عظُم نفعه وجلّت بركته في الدنيا والآخرة. وإذا وقف العبد بين يدي الله جل وعلا -وكان ناصحاً واعظاً- لأهله وولده- فإنه يرى أمام عينيه تلك الكلمات التي خطها ملائكة حافظون، لا يغشون ولا يكذبون، يراها كاملة أمام عينيه في يوم ينفع الصادقين صدقهم، نعم، تجد الصادقين هم المخلصون، فإذا نصحت أبناءك وبناتك، فانصحهم بقلبٍ يريد وجه الله، بقلب ليس فيه إلا الله، ليس فيه أحد سواه، وكم من آباء نصحوا أبناءهم وبناتهم المرات والكرات دون فائدة؛ لأنهم نصحوهم خوفاً من الفضيحة، ونصحوا لعادةٍ أو تقليد، ما نصحوا لله ولا في الله، ولا ابتغاء الأجر عند الله، فالله الله في هذه الأساس.

стр. 764

الصبر وارتباطه بالموعظة عليك أن تعلم أن الموعظة أحب الكلام إلى الله جل وعلا، فالله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] فإذا أردت أن تعظ أسرتك المسلمة، فاعلم -أنك إذا كنت واعظاً- أن الكلام الذي تقوله هو أحب الكلام إلى الله جل وعلا، فإذا علمت أنه أحب الكلام إلى الله عظُم صبرك وتحمُّلك، فإذا سمعت كلمةً نابية أو رأيت صدوداً أو إعراضاً فلا تيأسن. فمهما رأينا من الفتن التي أحاطت بأبنائنا وبناتنا، ومهما سمعنا من الحوادث والملهيات والمغريات، فإنا صابرون وعلى ربنا متوكلون وإنا على الصبر مرابطون، فتوكلوا على الله، وعليك أن تكرر النصيحة والموعظة، فالله يكتب أجرها ويحب سماعها، ولن يضيع عند الله ثوابها ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠] فاصبر رحمك الله ولا تيأس ولا تعجز. واعلم أن قلب ابنك موقوف على رحمة من الله يهدي بها قلبه، فاجتهد في الدعاء في سجودك وتهجدك، وفي ليلك ونهارك، وصبحك ومسائك أن يهدي الله ذريتك، أَكثر من الدعاء لأبنائك وبناتك، فمهما رأينا أو سمعنا من أبنائنا وبناتنا، فلنستعن بالله ربنا، ولنعلم علم اليقين أن الله يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولنعلم علم اليقين أن الكلمة أو الموعظة الصادقة كمثل شجرة: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥]، فاجتهدوا -رحمكم الله- واصبروا وصابروا واعلموا أن الله معين لمن استعان به، ومؤيد لمن استنصر به، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمدنا بعونه وبتوفيقه، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، إنه ولي ذلك، وهو رب العالمين.

стр. 765

آثار المواعظ وثمارها

стр. 766

رضا الله والنجاة من عذابه أول آثار المواعظ: رضوان الله، فقد قال ﵊: (إن العبد يتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يلقي لها بالاً، يكتب الله له بها رضاه إلى يوم يلقاه)، فلربما دخلت على ابنك أو ابنتك فسمعت من أحدهما كلمة نابية، فقلت له: يا بني! اتق الله، وأنت لا تلقي لها بالاً، يكتب الله لك بها رضاه إلى يوم أن تلقاه، فتذكر هذا واعلمه علم اليقين، وما أطيبه من أثر! طابت به أحوال المؤمنين والمؤمنات! ومن آثار المواعظ: أن الله يكتب لك أجرها وثوابها، ويحسن لك ذخرها في الدنيا والآخرة، ولذلك قل أن تجد والداً كثير النصح لأولاده، وقل أن تجد والدة كثيرة النصح لأولادها إلا وجدت بركة النصح في بيتهما وأهلهما وولدهما. البيوت التي تقوم على المواعظ تغشاها السكينة وتتنزل عليها الرحمة، وتجدها أصلح حالاً من كثيرٍ من البيوت. من ثمرات المواعظ: أنك إذا أدمنت النصيحة، ثم نزل -لا قدر الله- عذاب على الأمة، أنقذك الله بفضله ورحمته، ثم بدعوتك وموعظتك، لا ينجو من العذاب إلا من وعظ وأخلص، ولذلك لما قالت أمة: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤] فأنجى الله الذي ينهون عن السوء في الأرض، وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥]. فلو حلّت عقوبة أنقذك الله منها، ولذلك البيوت التي تنتشر فيها المنكرات والمحرمات، إذا نزل العذاب على العاصي، تجده ينتشر على البيت كله والعياذ بالله، فتجد قلوباً مغلفة وآذاناً صماً، وأعيناً عمياً، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 767

صلاح المجتمع واستقامته ومن آثار الموعظة: أن البيوت إذا صلحت صلح المجتمع كله، والأسر إذا صلحت واستقامت؛ صلح المجتمع كله، وبارك الله في أمة تأمر بما أمر وتنهى وتزجر عما نهى عنه وزجر، يبارك الله في الأمة كلها، ولذلك لما كانت بيوت المسلمين تقوم على هذا الخير، كانت بيوت المسلمين لا تعرف الواجبات والمحرمات فقط، بل كانت تعرف المستحبات والفضائل، أما الواجبات والمحرمات فهذه البدهيات. كان الطفل الصغير ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف حتى لربما مر على الرجل وهو يبيع في تجارته بعد الأذان، فيقول له: اتق الله وصلِّ. كانوا يعظون أبناءهم، في الكمالات لصلاح الأسر؛ لأن الواجبات فصلت، والمحرمات تركت، ما هي الكمالات؟ كانت الأسر تعظ بإكرام الضيف، ونصرة المظلوم، وإعانة المحتاج، والتضحية والإيثار، كانوا في مراتب الكمالات، ليس الواجبات أو المنهيات، كانت الأمة في هذا المكان العظيم والمنزلة الشريفة الكاملة، فعلينا أن نُصلح الأمة بصلاح الأسر، ولا تقل: من أنا؟ فلربما صلاح بيتك صلاح للأمة كلها، ولعل الله أن يوجد بيتاً في الحي، يقوم على الموعظة تتأثر به الأسر من حوله، فلربما جاءت امرأة زائرة لهذا البيت المسلم الذي قامت فيه الموعظة كما ينبغي أن تقام، فقالت: يا أم فلان: لِمَ لا تفعلين كذا وكذا؟ إن أبا فلان نهانا، وإن أبا فلان قال لنا كذا وكذا، فذكّرتها بالموعظة، فبكت وانطلقت إلى بيتها، فأخذت بحجزها عن نار الله وغضبه، فكم من خير انتشر، وكم من بر علا وظهر بفضل الله جل وعلا ثم بالموعظة لما نشرت. الموعظة خيرها عظيم وبركتها عظيمة؛ بركتها حتى في اللسان الذي يتكلم بالموعظة، ويذكر بالله ، يطيِّبك الله به حياً وميتاً، فلماذا زكى الله الأنبياء والعلماء والأخيار والأتقياء والصلحاء؟ بفضله سبحانه ثم بما قاموا به من ذكره وشكره والدعوة إليه سبحانه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٣] من هنا بمعنى: لا، أي: ولا أحسن قولاً ممن دعا إلى الله، فثمرات الموعظة عظيمة وآثارها جليلة كريمة.

стр. 768

الموعظة أجر مستمر ومن ثمرات المواعظ: أنك ما ذكرت موعظة فسمعتها أذن وعملت بها جارحة إلا كُتب لك أجر صاحبها، وأن هذه الموعظة إذا تعلمها أحد، فعلّمها غيرك كان لك مثل أجره وأجر من اهتدى بها إلى يوم القيامة، قال ﵌: (من دعا إلى هدى، كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيء) الله أكبر! ما أعظم آثار هذه المواعظ، وما أعظم أجرها وخيرها وبركتها عند الله سبحانه! ولذلك شرف الله المواعظ حتى شرّف مجالسها، فمن خرج من بيته إلى مجلس موعظة وذِكر، وإذا خرج المؤمن من بيته إلى محاضرة ومجلس ذكر أو موعظة أو إلى خطبة يريد وجه الله، كُتبت له خطواته، ووضعت الملائكة أجنحتها له رضاً بما يصنع، يقول ﵊: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) فمن يذهب إلى المواعظ فهو طالب علم، لأنه يريد أن يعلم من هو الله، وكيف يطيع الله، ويريد أن يعلم أين سيبل الله، فكم من مذنب خطّاء كثير الخطأ جاء إلى المواعظ لكي يُدل على الله ويُهدى إليه، فبشّره الله برحمته، فأصبح سعيداً من ذلك المجلس إلى يوم القيامة، وهذا فضلٌ من الله ومن بركات وفضائل مجالس المواعظ. ومن فضائل المواعظ: أن الله زكاها وشرفها، حتى إن العبد إذا حضر مجلس الذكر مرّ وجلس حتى ولو لم يقصد مجلس الذكر، إذا مر وجلس في مجلس الذكر؛ غفر الله له ذنوبه، وهذا فضلٌ عظيم، وخيرٌ كبير، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم خذ بنواصينا لما يُرضيك عنا، واجمعنا مع الأنبياء والشهداء والصالحين، إنك ولي ذلك، وأنت أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

стр. 769

الأسئلة

стр. 770

كيفية استغلال المرأة المسلمة أوقات الفراغ السؤال كيف تقضي المرأة المسلمة وقت فراغها؟ وما هي الوسائل المعينة على قضاء الوقت فيما ينفع؟ الجواب أولاً النساء يختلفن، فالمرأة ذات الزوج ليست كالمرأة التي لا زوج لها، فالمرأة أول ما ينبغي عليها هو أن تصرف وقتها في الواجبات والفرائض والحقوق، فإذا صرفت وقتها في الحقوق والفرائض، بارك الله لها في وقتها، ثم بعد ذلك تتدرج إلى الفضائل والمستحبات، وأفضل ما تنفق فيه الأعمار ويمضي فيه الليل والنهار هو ذكر الله الواحد القهار، أفضل ما قُضيت فيه الساعات ومضت عليه اللحظات ذكر الله ﷻ : ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥] ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢] فاذكري الله قائمة قاعدة بالليل والنهار، والصبح والعشي والإبكار، وتذكرينه بالقلب الحاضر. وأفضل الذكر تلاوة القرآن، ثم بعد ذلك قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ لأن النبي ﵌ قال: (خير ما قلت أنا والنبيين من قبلي، لا إله إلا الله ... ). وكذلك كثرة الصلاة على النبي ﵌، فمن صلى على النبي ﵌ مرة صلى الله عليه بها عشراً، -أيضاً- تقضي المرأة المسلمة وقتها في فضائل الأعمال من الإحسان والبر مما يقرب إلى الله ، وأعظم ما يكون الإحسان: أن تبدأ بالإحسان إلى نفسها بتعلم العلم النافع، فتبدأ بحفظ القرآن، ومذاكرة القرآن ومذاكرته ومراجعته، وتحاول أن تجعل لها ساعات معينة تحفظ فيها شيئاً من كتاب الله أو تقرأ شيئاً من أحكام دينها؛ في صلاتها وزكاتها وحجها وعمرتها وصيامها وغير ذلك من أمور عبادتها. كذلك عليها أن تبدأ بتعلم ما أوجب الله عليها، فإن كانت متزوجة تعلّمت الحقوق الزوجية، وتعلمت كيف تربي أولادها، وسألت عن ذلك؛ لأن هذا ما يسميه العلماء العلم الفرض العيني، وهو العلم الذي يكون فرض عين على الإنسان، وهو أن الإنسان إذا تلبس بشيء وجب عليه أن يتعلم حكمه، فتتعلم المرأة المسلمة كل شيء فرض عليها، وتتعلم الحقوق والواجبات التي فرض الله عليها للأقربين، ثم بعد ذلك تحرص على أن تكون في أوقاتها بين أمرين: الأمر الأول: نفع دين. والأمر الثاني: نفع دنيا، فإذا لم تستنفد الوقت في هذه الفضائل، استنفدته في شيء يعود عليها بالنفع في دنياها، وبما يعود عليها بالرزق الحلال، فتتعلم صنعة طيبة تستفيد منها لها ولأبنائها فتعف به نفسها عن الحرام، قال ﵌: (إن نبي الله موسى آجر نفسه عشر حجج على عفة فرجه وطُعمة بطنه) صلوات الله وسلامه عليه، فالمرأة تعف نفسها بالطعمة الحلال، فتتعلم حتى كل شيء يختص بالنساء من حياكة وغزل، ونحو ذلك؛ لتكون صنعة في يدها، تنفع بها نفسها وأولادها، فالمهم نفع الدين والدنيا، فالوقت إما أن يقضى في نفع ديني أو نفع دنيوي، فهذا هو الذي ينبغي على المرأة المسلمة أن تحرص عليه. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا في أعمارنا وأقوالنا وأفعالنا، إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 771

أخذ الناس بالظاهر والله يتولى السرائر السؤال رجل يشك في زوجته أنها لا تصلي، ولكن عندما يسألها تحلف له أنها تصلي عندما يذهب إلى المسجد، فهل برئت بذلك أم لا؟ الجواب قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس، وأن أكل سرائرهم إلى الله) فإذا رأيت زوجتك تتوضأ وظهرت عليها آثار الصلاة ولم تر شيئاً يناقض هذا الأصل فلا يجوز الشك، وينبغي على المسلم أن يعلم أن هناك عدواً خفياً، وهو الشيطان الرجيم، الذي قعد للبيت المسلم ليفرق شمله، ويشكِّكُك في كل شيء حتى في أقرب الناس إليك، حتى في فلذة كبدك من أبنائك وبناتك: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣] هذا من النزغ في القلوب، فاستعذ بالله إذا جاءك الشيطان وشكَّكَك بأنها فعلت معصية أو تركت واجباً، فأنت تعظها وتقول لها: يا فلانة! هل صليت؟ تقول: نعم، ممكن أن تأخذ ببعض الأمارات والعلامات وتعمل بها، فإذا عملت بذلك فقد برئت ذمتك، أما إذا وضحت الدلائل، فالصلاة لها نور في الوجه، والمصلون لهم نور في وجوههم، قال ﵌: (الصلاة نور) ونورها لا يخفى، ولذلك كل إنسان مع زوجته يعرف حالها وهي في الحيض، وحالها إذا كانت تصلي، فوجهها في الصلاة غير وجهها في الحيض، وهذا معلوم ويدركه كل إنسان عنده فراسة، وعموماً إذا ظهرت واجتمعت القرائن على صلاتها لا يجوز الشك، فالشك لا خير فيه، لأن النبي ﵌ يقول: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) والله تعالى أعلم.

стр. 772

دور الأمة عند فقد علمائها السؤال إن ذهاب العلماء ثُلمة في هذا الدين، فما هو توجيهكم لطلاب العلم تجاه هذا الموقف حتى تسد ثغرات هذا الدين؟ الجواب إلى الله المشتكى، إي ورب الكعبة، ثُلمة في الدين ومصيبة في قلوب المؤمنين، لا يجبُر كسرَها إلا الله رب العالمين، العلماء أئمة الدين، الهداة المهتدون، جعل الله بقاءهم رحمة، وقبضهم إليه نقمة وعذاباً على العباد، فقد أخبر النبي ﵌ أن من علامات الساعة: (قبض العلماء)، يا لله كم من أمة أحبت ربها وأحبها ربها بسببهم، يا لله كم من أمة زكت وصلحت وأصلح الله بها بسببهم! يا لله كم من ضال -بإذن الله هدوه- وكم من تائه أرشدوه! وكم من غاوٍ دلوه! وكم من حائر أخذوا بحجزه إلى صراط الله! فقدت الأمة علماءها، وأصبحت في غربة في كثير من مسائل دينها، وكان من أعظم ما بلينا به ونشتكي إلى الله مصابه، فقد عالم الأمة وإمامها سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يسبغ عليه شآبيب الرحمات، اللهم اغفر له وارحمه، اللهم ارفع درجته في المهديين، واخلف أهله في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، اللهم افسح له في قبره ونور له فيه. يبكيه طالب علم كان علّمه وتائه عن سبيل الرشد أرشده نبكي عليه جميعاً إن مفقده لم يبق من مسلم إلا وأجهده سحت على ذلك العبد الرضا ديم من الرضا وأنار الله مرقده ﵀ برحمته الواسعة، وأنار قبره بأنواره الساطعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين وأمة محمد ﵌ خير الجزاء، وفقدت الأمة كذلك العالم الحجة والإمام الصالح: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ برحمته الواسعة، وأنار قبره ونور مضجعه، وجزاه عن كتاب الله وسنة رسول الله ﵌ خير الجزاء، فكم بين للأمة حديث رسولها ﵌، وكم سهرت عيناه وخطت يداه -جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء- كي يبين للأمة الهدى من الضلال، والحق من الباطل، أسأل الله العظيم أن يُعظم أجره وأن يجزل مثوبته، وأن يلحقنا به غير خزايا ولا مفتونين، ونسأل الله العظيم أن يبارك لنا فيما بقي من علمائنا، وأن يعظم نفعهم، وسلوتنا وجود العلماء الذين نسأل الله أن يبارك في علمهم وأن يبارك في جهودهم وفي طلابهم، وأن يُعظم الأجر لهم في الدنيا والآخرة. أيها الأحبة في الله! فقد العلماء ثلمة في الدين، ولذلك ينتشر الجهل والبلاء ويعم الفساد في الأمة إذا فقدت علماءها، والعالم الصالح الورع هو الذي ورث العلم عن أهله واتصل سنده إلى رسول الأمة ﵌، فنقصد مشكاة من مشكاة النبوة وعلماً من أعلام الدين، فالإنسان تنزل به النازلة في ظلمة الليل في أهله وزوجه لا يدري زوجته حلالٌ أم حرام، وتنزل به النازلة في متجره وسوقه لا يدري أكان المال حلالاً أم حراماً، وتنزل به النازلة وليس لها إلا الله ثم العلماء، ولا يعلم قدر ما يقدمه العلماء للأمة إلا الله وحده لا شريك له، فهو الذي يجزيهم ويتولى ثوابهم سبحانه، وهو الذي يعلم كم سهروا من أجل أن يحلوا المعضلات ويزيلوا اللبس والمشكلات، وهو الذي يعلم كم جاهدوا وجالدوا وصبروا واصطبروا؛ ولذلك قذف في قلوب العباد حبهم، وأورثهم المحبة التي ينفق الناس من أجلها الملايين من أجل أن يكتسبوها ولم يستطيعوا إليها سبيلاً، ولكن مقلب القلوب والأبصار أورث العلماء محبة الناس لعظيم حبه سبحانه لهم، فالله إذا أحب عبداً حببه إلى خلقه، فأهل العلم هم أحباب الله وأولياؤه وصفوته من خلقه. وأما وصيتي: أولاً: أن نحفظ حق العلماء الذين قُبضوا وأن نكثر من الترحم عليهم، ونذكر حسناتهم، ونكف عن سيئاتهم وعوراتهم، لا نذكرهم إلا بالجميل، فمن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. ثانياً: الحرص على نشر علمهم وفتاويهم، وما بلغوه للأمة، فهذا من أعظم الوفاء وخاصة على طلاب العلم. ثالثاً: على طلاب العلم أن يجدّوا ويجتهدوا وأن يتداركوا من بقي من علماء الأمة، وأن يحرصوا على طلب العلم عليهم، وأن يصبروا في ذلك ويصابروا، ويحتسبوا الأجر عند الله ، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجبر كسرنا وكسركم، وأن يعظم الأجر لنا ولكم وللمسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 773

نشوز المرأة وعلاجه السؤال كيف يكون وعظ المرأة الناشز على زوجها؟ الجواب المرأة لا يجوز لها أن تنشز على زوجها، والنشوز هو: الشيء المرتفع، العرب تقول: أرض ناشز، إذا كانت مرتفعة، كالهضبة ونحوها، فالمرأة في الأصل تحت الرجل، هذه حقيقة لا يستطيع أحد أن يكابر فيها؛ لأن الله خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، فشرفه بهذا الشرف ثم خلق منه حواء، وقال: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] هذه حقيقة ينبغي للمرأة المؤمنة أن تُسلم بها تسليماً، وألا يغرها هذه الدعاوى المغرضة لأعداء الإسلام أن المرأة والرجل سواء، هذه حقيقة ينبغي أن تعيها وتكون على بينة؛ لأنها نصوص من كتاب الله وسنة النبي ﵌ واضحة جلية. قال ﵊: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت بعلها؛ قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبوابها شئت) فالمرأة الصالحة تدرك هذا، والحمد لله أن نساء المؤمنين يدركن هذا، ولا ينطلي عليهن ما يروجه أعداء الإسلام من مثل هذا، فالنشوز يأتي بسبب الدعاوى المغرضة من أعداء الإسلام لإغراء المرأة أن تكون متمردة على زوجها، وهذا من أسوأ ما وقع في المجتمع الإسلامي، بل في المجتمعات كلها، ولذلك ما صلحت الأسرة المسلمة إلا بهذه الحقيقة، أن تكون المرأة مع زوجها معينة له على كل خير وبر، فقد قادت الأمة العالم من المحيط إلى المحيط لما كانت المرأة مع زوجها كأكمل ما تكون المرأة مع بعلها، تحسن له التبعل، وتحسن له السمع والطاعة، وتحسن له القيام على ولده، وتحفظه في غيبته، فكانت الأمة بخير حال. فلذلك النشوز شر وبلاء، ولخطر النشوز ذكره الله في كتابه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، المرأة تنشز عن زوجها بصور؛ إما أن تنشز في القول أو في الفعل، النشوز بالقول: ترفع صوتها عليه أو تخاصمه، وبدل أن يأمرها تأمره، بدل أن ينهاها هي التي تنهاه، يقول لها مثلاً: اخرجي من هنا، فتقول: اخرج من هنا أنت، تنشز بالفعل، يقول لها: هذا ضعيه هنا فتضعه في مكان آخر، هذا كله من النشوز، وقد تحدث حركات تدل على التهكم والاستخفاف، فإن فعلت ذلك واسترجلت على بعلها وعصت ربها؛ لُعنت كما قال رسول الله ﵌: (لعن الله المترجلات من النساء). فالمرأة الصالحة المؤمنة التقية النقية تراقب الله في حق بعلها، وأمور الأمة سائرة على هذا الأصل، ولا تظن المرأة أن هذا عيب أو نقص لا والله، بل كمال؛ لأن الله فضّل من فضّل، وجعل في المرأة ضعفاً وهو كمالٌ فيها، فهذا الضعف يحتاج إلى قوة، وهذه القوة هي التي تكون عليك، وهذه فطرة الله، لا تبديل لخلق الله، فإن نشزت المرأة خرجت على الفطرة وخالفتها وأصبحت هي التي تأمر وتنهى، والله يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]. ونشوز المرأة قد يكون داخل البيت وقد يكون خارجه، فيكون داخل البيت بتغيير أمور ما أذن الزوج بتغييرها، أمرها زوجها في داخل بيتها بأمور -كما ذكرنا- فتخالفه وتعصيه، ويكون خارج البيت بالخروج من دون إذنه، وأيما امرأة خرجت من بيتها من غير إذن زوجها فقد نشزت وعصت، فإذا كان رسول الأمة ﵌ يبين حق الرجل في الإذن للمرأة بالخروج من بيته، فقد ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد، فلا يمنعها)، فإذا أرادت أن تخرج إلى الصلاة فلا تخرج إلا بإذن زوجها، فكيف بما سوى الصلاة؟ هذا يدل دلالة واضحة على أن المرأة تقر في البيت: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] فالأصل أن المرأة لا تنشز عن زوجها ولا تعصي بعلها. فإذا نشزت جعل الله علاجاً لذلك: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] ثلاثة حلول: أولاً: الموعظة، تقول لها: يا فلانة! اتقي الله، واعلمي أنك قد عصيت ربك، يا أم فلان! إن الله عظم حقي عليك، يا أم فلان ما هكذا تكون الزوجة، فيعظها ويذكرها بالله ويخوفها من عقوبة الله العاجلة والآجلة، فإذا ذكّرها ووعظها المرة والمرتين والثلاث، فإنه يعظها بالقول المؤثر؛ لأن الإسلام فيه ترغيب وترهيب، الموعظة بالترغيب يقول لها: أنت أكمل من أن تكوني بهذه الحالة، كنت جميلة بعيني وأنت مطيعة، فكيف تغير حالك اليوم، ولا يقول لها: لست جميلة أو يذمها، يقول: والله إني أرى فيك اختلافاً، فأنت قد أحسنت بالأمس وكنت على كمال وإكرام! ما أجملك -بالأمس- وأنت مطيعة! فالمرأة تغار، فيحرك فيها المحبة بأكثر من أسلوب، فيبدأ بالأسلوب الأخف فالأخف، لأن أئمة الإسلام قرروا قاعدة أنه لا يجوز استخدام العقوبة الأعلى مع وجود ما هو أخف منها، والله دل على هذا: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤]. بعض النساء يؤثر فيهن المدح، يقول لها: ما شاء الله كنتِ بالأمس من أحسن وأكمل النساء في نظري! -والمرأة من أحسن النساء في نظر زوجها؛ لأنه ما عنده غيرها- فتقول له: واليوم؟ فيقول: أنت أدرى. هذا جواب واضح، وعتاب وتوبيخ مضمّن، وهذا أسلوب من أكمل الأساليب، فالإنسان الحكيم العاقل، يحاول ألا يصل إلى الوعظ بالذبح، بل يكون وعظه مهذباً كاملاً، كما ذكرنا في صفات الواعظ، فبدأ الله بالموعظة، ثم ذكر بعد ذلك الهجر في المضجع، ثم إذا أعيت الحيلة يضربها ضرباً غير مبرح، ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يعنف تعنيفاً يؤذيها، وإنما يضربها الضرب الذي يؤثر في مثلها، ويردعها عن غيها وخطئها، والله تعالى أعلم.

стр. 774

خطوات في دعوة الأسرة السؤال فضيلة الشيخ! ما هو دور الابن تجاه إعراض الأسرة أو أحد أفرادها عن دعوته إلى الله ؟ الجواب إن الموعظة قد تكون من الابن لوالديه، وتكون منه لإخوانه وأخواته، والواجب عليه أن يترسّم النهج الذي ذكرناه، يبتدئ أولاً: بالإخلاص لله . ثانياً: يتعلم العلم النافع، ويسأل العلماء ما الذي يأمرهم به، وما الذي يبدأ به، ويبين لهم بعض الأخطاء الموجودة، ولا يقول: أبي يفعل وأمي تفعل، حتى لا يغتاب أباه أو أمه، بل يقول: هناك شاب له أب يفعل كذا وكذا، وهناك والد يفعل كذا وكذا، فيكون ذكياً حتى في سؤاله، حافظاً لحرمة والديه، لا يكشف ستر الله على أهله وأسرته. ثالثاً: بعد تعلمه عن طريق العلماء وجلوسه في حلق الذكر وبعد علمه ما الذي ينبغي أن يبتدئ به؟ ينبغي أن يعلم أن الحق أكبر من كل أحد، وأن الله أمره إذا علم أن يُعلم غيره، فلا تأخذه هيبة الوالد والوالدة، فالحق أكبر وأعظم، وينبغي عليه أن يكون جريئاً على طاعة الله، ولكن مع الأدب، فإن إبراهيم يقول لأبيه: يا أبت ناداه بالأبوة، ما قال: يا فلان، وإنما ناداه بالأبوة اعترافاً بالفضل وبالجميل، والله يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] (إن جاهداك) أي: كانوا في جهاد من أجل إغوائك، ومع ذلك يقول: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] فينبغي على الابن أن يبدأ بنصيحته ولا يتهيب. رابعاً: ينظر أقرب الأسرة إلى الخير، فبعض الأحيان تكون الأسرة عاصية ولكن قد يكون الأب والأم أقربها قلباً، وقد تكون الأخت أو الأخ، فيبدأ بأقربهم إلى الخير، ولا ينصحه أمام الغير، وإنما ينصحه على خلوة وانفراد ويعظه ويذكره بالله ، سواءً كان تذكيراً مباشراً، أو تذكيراً بواسطة شريط مؤثر أو موعظة بليغة ونحو ذلك مما يعين الله ويبارك فيه. وعليه -أيضاً- أن يحرص كل الحرص على عدم تنفير أهله وإخوانه؛ لأن الأقربين لهم حق عظيم، وأفضل ما تكون الموعظة موعظة الأقربين، وأعظم أجر وثواب للداعية إلى الله هو الداعي لأهله، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] فالنصيحة والموعظة والدعوة إلى الله في الأقربين أعظم أجراً عند الله من غيرهم، وواجب عليه أن يحتسب عند الله الأجر، وجماع الخير كله في تقوى الله . خامساً: مسألة القدوة، الابن الذي يأتي ويجلس بين يدي أبيه فيشعره بأنه أب وهو أولى بالتقدير، ويكون أحسن الأبناء في البيت براً وإحساناً، ربما يغير البيت بفعله قبل أن يغيره بقوله، كم من أب رأى ابنه تغير في تصرفاته واحترامه وإجلاله وتقديره، فقال له في يوم من الأيام: يا بني! ما الذي غيرك بهذا الشكل؟ فيجيب: يا أبت! جلست في مجلس الشيخ فلان فأثّر فيَّ، فقال له: اذهب بي إلى فلان، فهدى الابن أباه بدون أن يتكلم وأخذ بحجزه عن النار دون أن يعظ، وهذا كله من توفيق الله للابن الصالح الموفّق الذي يؤدي حق والديه كاملاً، وحقوق إخوانه وأخواته أيضاً، ويظهر لهم التزامه وطاعته وهدايته، فيبدأ بالبشاشة والمودة والمحبة والهدية وتأليف قلوبهم للخير، فهذا هو الذي ينفع الله بدعوته، وتأتي الموعظة في آخر شيء فتكسر الأقفال وتلك القيود المغلقة والآذان الصماء حتى يفتح الله ويتأذن برحمته وهو أرحم الراحمين، والله تعالى أعلم.

стр. 775

درجات إنكار المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فرضه الله؛ لكن لابد لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يتحلى بصفات، منها: الإخلاص لله تعالى دون ما سواه، واستشعار الأجر من الله، وأن يكون قدوة في القول والعمل، ولابد للداعية من شيءٍ مهم، ألا وهو التحمل والصبر على ما يجده من الناس في سبيل الدعوة إلى الله. ولإنكار المنكر شروط ومراتب يجب مراعاتها، والإتيان بها وفق ما بينها الشارع، والأخذ بمراتبها حسب ما تقتضيه الحاجة والمصلحة؛ حتى تتحقق المصلحة المرجوة من هذا الإنكار، وتقام الحجة.
следующие страницы →