← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أخذ الناس بالظاهر والله يتولى السرائر السؤال رجل يشك في زوجته أنها لا تصلي، ولكن عندما يسألها تحلف له أنها تصلي عندما يذهب إلى المسجد، فهل برئت بذلك أم لا؟ الجواب قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس، وأن أكل سرائرهم إلى الله) فإذا رأيت زوجتك تتوضأ وظهرت عليها آثار الصلاة ولم تر شيئاً يناقض هذا الأصل فلا يجوز الشك، وينبغي على المسلم أن يعلم أن هناك عدواً خفياً، وهو الشيطان الرجيم، الذي قعد للبيت المسلم ليفرق شمله، ويشكِّكُك في كل شيء حتى في أقرب الناس إليك، حتى في فلذة كبدك من أبنائك وبناتك: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣] هذا من النزغ في القلوب، فاستعذ بالله إذا جاءك الشيطان وشكَّكَك بأنها فعلت معصية أو تركت واجباً، فأنت تعظها وتقول لها: يا فلانة! هل صليت؟ تقول: نعم، ممكن أن تأخذ ببعض الأمارات والعلامات وتعمل بها، فإذا عملت بذلك فقد برئت ذمتك، أما إذا وضحت الدلائل، فالصلاة لها نور في الوجه، والمصلون لهم نور في وجوههم، قال ﵌: (الصلاة نور) ونورها لا يخفى، ولذلك كل إنسان مع زوجته يعرف حالها وهي في الحيض، وحالها إذا كانت تصلي، فوجهها في الصلاة غير وجهها في الحيض، وهذا معلوم ويدركه كل إنسان عنده فراسة، وعموماً إذا ظهرت واجتمعت القرائن على صلاتها لا يجوز الشك، فالشك لا خير فيه، لأن النبي ﵌ يقول: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) والله تعالى أعلم.

стр. 772

دور الأمة عند فقد علمائها السؤال إن ذهاب العلماء ثُلمة في هذا الدين، فما هو توجيهكم لطلاب العلم تجاه هذا الموقف حتى تسد ثغرات هذا الدين؟ الجواب إلى الله المشتكى، إي ورب الكعبة، ثُلمة في الدين ومصيبة في قلوب المؤمنين، لا يجبُر كسرَها إلا الله رب العالمين، العلماء أئمة الدين، الهداة المهتدون، جعل الله بقاءهم رحمة، وقبضهم إليه نقمة وعذاباً على العباد، فقد أخبر النبي ﵌ أن من علامات الساعة: (قبض العلماء)، يا لله كم من أمة أحبت ربها وأحبها ربها بسببهم، يا لله كم من أمة زكت وصلحت وأصلح الله بها بسببهم! يا لله كم من ضال -بإذن الله هدوه- وكم من تائه أرشدوه! وكم من غاوٍ دلوه! وكم من حائر أخذوا بحجزه إلى صراط الله! فقدت الأمة علماءها، وأصبحت في غربة في كثير من مسائل دينها، وكان من أعظم ما بلينا به ونشتكي إلى الله مصابه، فقد عالم الأمة وإمامها سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يسبغ عليه شآبيب الرحمات، اللهم اغفر له وارحمه، اللهم ارفع درجته في المهديين، واخلف أهله في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، اللهم افسح له في قبره ونور له فيه. يبكيه طالب علم كان علّمه وتائه عن سبيل الرشد أرشده نبكي عليه جميعاً إن مفقده لم يبق من مسلم إلا وأجهده سحت على ذلك العبد الرضا ديم من الرضا وأنار الله مرقده ﵀ برحمته الواسعة، وأنار قبره بأنواره الساطعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين وأمة محمد ﵌ خير الجزاء، وفقدت الأمة كذلك العالم الحجة والإمام الصالح: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ برحمته الواسعة، وأنار قبره ونور مضجعه، وجزاه عن كتاب الله وسنة رسول الله ﵌ خير الجزاء، فكم بين للأمة حديث رسولها ﵌، وكم سهرت عيناه وخطت يداه -جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء- كي يبين للأمة الهدى من الضلال، والحق من الباطل، أسأل الله العظيم أن يُعظم أجره وأن يجزل مثوبته، وأن يلحقنا به غير خزايا ولا مفتونين، ونسأل الله العظيم أن يبارك لنا فيما بقي من علمائنا، وأن يعظم نفعهم، وسلوتنا وجود العلماء الذين نسأل الله أن يبارك في علمهم وأن يبارك في جهودهم وفي طلابهم، وأن يُعظم الأجر لهم في الدنيا والآخرة. أيها الأحبة في الله! فقد العلماء ثلمة في الدين، ولذلك ينتشر الجهل والبلاء ويعم الفساد في الأمة إذا فقدت علماءها، والعالم الصالح الورع هو الذي ورث العلم عن أهله واتصل سنده إلى رسول الأمة ﵌، فنقصد مشكاة من مشكاة النبوة وعلماً من أعلام الدين، فالإنسان تنزل به النازلة في ظلمة الليل في أهله وزوجه لا يدري زوجته حلالٌ أم حرام، وتنزل به النازلة في متجره وسوقه لا يدري أكان المال حلالاً أم حراماً، وتنزل به النازلة وليس لها إلا الله ثم العلماء، ولا يعلم قدر ما يقدمه العلماء للأمة إلا الله وحده لا شريك له، فهو الذي يجزيهم ويتولى ثوابهم سبحانه، وهو الذي يعلم كم سهروا من أجل أن يحلوا المعضلات ويزيلوا اللبس والمشكلات، وهو الذي يعلم كم جاهدوا وجالدوا وصبروا واصطبروا؛ ولذلك قذف في قلوب العباد حبهم، وأورثهم المحبة التي ينفق الناس من أجلها الملايين من أجل أن يكتسبوها ولم يستطيعوا إليها سبيلاً، ولكن مقلب القلوب والأبصار أورث العلماء محبة الناس لعظيم حبه سبحانه لهم، فالله إذا أحب عبداً حببه إلى خلقه، فأهل العلم هم أحباب الله وأولياؤه وصفوته من خلقه. وأما وصيتي: أولاً: أن نحفظ حق العلماء الذين قُبضوا وأن نكثر من الترحم عليهم، ونذكر حسناتهم، ونكف عن سيئاتهم وعوراتهم، لا نذكرهم إلا بالجميل، فمن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. ثانياً: الحرص على نشر علمهم وفتاويهم، وما بلغوه للأمة، فهذا من أعظم الوفاء وخاصة على طلاب العلم. ثالثاً: على طلاب العلم أن يجدّوا ويجتهدوا وأن يتداركوا من بقي من علماء الأمة، وأن يحرصوا على طلب العلم عليهم، وأن يصبروا في ذلك ويصابروا، ويحتسبوا الأجر عند الله ، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجبر كسرنا وكسركم، وأن يعظم الأجر لنا ولكم وللمسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 773

نشوز المرأة وعلاجه السؤال كيف يكون وعظ المرأة الناشز على زوجها؟ الجواب المرأة لا يجوز لها أن تنشز على زوجها، والنشوز هو: الشيء المرتفع، العرب تقول: أرض ناشز، إذا كانت مرتفعة، كالهضبة ونحوها، فالمرأة في الأصل تحت الرجل، هذه حقيقة لا يستطيع أحد أن يكابر فيها؛ لأن الله خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، فشرفه بهذا الشرف ثم خلق منه حواء، وقال: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] هذه حقيقة ينبغي للمرأة المؤمنة أن تُسلم بها تسليماً، وألا يغرها هذه الدعاوى المغرضة لأعداء الإسلام أن المرأة والرجل سواء، هذه حقيقة ينبغي أن تعيها وتكون على بينة؛ لأنها نصوص من كتاب الله وسنة النبي ﵌ واضحة جلية. قال ﵊: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت بعلها؛ قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبوابها شئت) فالمرأة الصالحة تدرك هذا، والحمد لله أن نساء المؤمنين يدركن هذا، ولا ينطلي عليهن ما يروجه أعداء الإسلام من مثل هذا، فالنشوز يأتي بسبب الدعاوى المغرضة من أعداء الإسلام لإغراء المرأة أن تكون متمردة على زوجها، وهذا من أسوأ ما وقع في المجتمع الإسلامي، بل في المجتمعات كلها، ولذلك ما صلحت الأسرة المسلمة إلا بهذه الحقيقة، أن تكون المرأة مع زوجها معينة له على كل خير وبر، فقد قادت الأمة العالم من المحيط إلى المحيط لما كانت المرأة مع زوجها كأكمل ما تكون المرأة مع بعلها، تحسن له التبعل، وتحسن له السمع والطاعة، وتحسن له القيام على ولده، وتحفظه في غيبته، فكانت الأمة بخير حال. فلذلك النشوز شر وبلاء، ولخطر النشوز ذكره الله في كتابه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، المرأة تنشز عن زوجها بصور؛ إما أن تنشز في القول أو في الفعل، النشوز بالقول: ترفع صوتها عليه أو تخاصمه، وبدل أن يأمرها تأمره، بدل أن ينهاها هي التي تنهاه، يقول لها مثلاً: اخرجي من هنا، فتقول: اخرج من هنا أنت، تنشز بالفعل، يقول لها: هذا ضعيه هنا فتضعه في مكان آخر، هذا كله من النشوز، وقد تحدث حركات تدل على التهكم والاستخفاف، فإن فعلت ذلك واسترجلت على بعلها وعصت ربها؛ لُعنت كما قال رسول الله ﵌: (لعن الله المترجلات من النساء). فالمرأة الصالحة المؤمنة التقية النقية تراقب الله في حق بعلها، وأمور الأمة سائرة على هذا الأصل، ولا تظن المرأة أن هذا عيب أو نقص لا والله، بل كمال؛ لأن الله فضّل من فضّل، وجعل في المرأة ضعفاً وهو كمالٌ فيها، فهذا الضعف يحتاج إلى قوة، وهذه القوة هي التي تكون عليك، وهذه فطرة الله، لا تبديل لخلق الله، فإن نشزت المرأة خرجت على الفطرة وخالفتها وأصبحت هي التي تأمر وتنهى، والله يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]. ونشوز المرأة قد يكون داخل البيت وقد يكون خارجه، فيكون داخل البيت بتغيير أمور ما أذن الزوج بتغييرها، أمرها زوجها في داخل بيتها بأمور -كما ذكرنا- فتخالفه وتعصيه، ويكون خارج البيت بالخروج من دون إذنه، وأيما امرأة خرجت من بيتها من غير إذن زوجها فقد نشزت وعصت، فإذا كان رسول الأمة ﵌ يبين حق الرجل في الإذن للمرأة بالخروج من بيته، فقد ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد، فلا يمنعها)، فإذا أرادت أن تخرج إلى الصلاة فلا تخرج إلا بإذن زوجها، فكيف بما سوى الصلاة؟ هذا يدل دلالة واضحة على أن المرأة تقر في البيت: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] فالأصل أن المرأة لا تنشز عن زوجها ولا تعصي بعلها. فإذا نشزت جعل الله علاجاً لذلك: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] ثلاثة حلول: أولاً: الموعظة، تقول لها: يا فلانة! اتقي الله، واعلمي أنك قد عصيت ربك، يا أم فلان! إن الله عظم حقي عليك، يا أم فلان ما هكذا تكون الزوجة، فيعظها ويذكرها بالله ويخوفها من عقوبة الله العاجلة والآجلة، فإذا ذكّرها ووعظها المرة والمرتين والثلاث، فإنه يعظها بالقول المؤثر؛ لأن الإسلام فيه ترغيب وترهيب، الموعظة بالترغيب يقول لها: أنت أكمل من أن تكوني بهذه الحالة، كنت جميلة بعيني وأنت مطيعة، فكيف تغير حالك اليوم، ولا يقول لها: لست جميلة أو يذمها، يقول: والله إني أرى فيك اختلافاً، فأنت قد أحسنت بالأمس وكنت على كمال وإكرام! ما أجملك -بالأمس- وأنت مطيعة! فالمرأة تغار، فيحرك فيها المحبة بأكثر من أسلوب، فيبدأ بالأسلوب الأخف فالأخف، لأن أئمة الإسلام قرروا قاعدة أنه لا يجوز استخدام العقوبة الأعلى مع وجود ما هو أخف منها، والله دل على هذا: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤]. بعض النساء يؤثر فيهن المدح، يقول لها: ما شاء الله كنتِ بالأمس من أحسن وأكمل النساء في نظري! -والمرأة من أحسن النساء في نظر زوجها؛ لأنه ما عنده غيرها- فتقول له: واليوم؟ فيقول: أنت أدرى. هذا جواب واضح، وعتاب وتوبيخ مضمّن، وهذا أسلوب من أكمل الأساليب، فالإنسان الحكيم العاقل، يحاول ألا يصل إلى الوعظ بالذبح، بل يكون وعظه مهذباً كاملاً، كما ذكرنا في صفات الواعظ، فبدأ الله بالموعظة، ثم ذكر بعد ذلك الهجر في المضجع، ثم إذا أعيت الحيلة يضربها ضرباً غير مبرح، ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يعنف تعنيفاً يؤذيها، وإنما يضربها الضرب الذي يؤثر في مثلها، ويردعها عن غيها وخطئها، والله تعالى أعلم.

стр. 774

خطوات في دعوة الأسرة السؤال فضيلة الشيخ! ما هو دور الابن تجاه إعراض الأسرة أو أحد أفرادها عن دعوته إلى الله ؟ الجواب إن الموعظة قد تكون من الابن لوالديه، وتكون منه لإخوانه وأخواته، والواجب عليه أن يترسّم النهج الذي ذكرناه، يبتدئ أولاً: بالإخلاص لله . ثانياً: يتعلم العلم النافع، ويسأل العلماء ما الذي يأمرهم به، وما الذي يبدأ به، ويبين لهم بعض الأخطاء الموجودة، ولا يقول: أبي يفعل وأمي تفعل، حتى لا يغتاب أباه أو أمه، بل يقول: هناك شاب له أب يفعل كذا وكذا، وهناك والد يفعل كذا وكذا، فيكون ذكياً حتى في سؤاله، حافظاً لحرمة والديه، لا يكشف ستر الله على أهله وأسرته. ثالثاً: بعد تعلمه عن طريق العلماء وجلوسه في حلق الذكر وبعد علمه ما الذي ينبغي أن يبتدئ به؟ ينبغي أن يعلم أن الحق أكبر من كل أحد، وأن الله أمره إذا علم أن يُعلم غيره، فلا تأخذه هيبة الوالد والوالدة، فالحق أكبر وأعظم، وينبغي عليه أن يكون جريئاً على طاعة الله، ولكن مع الأدب، فإن إبراهيم يقول لأبيه: يا أبت ناداه بالأبوة، ما قال: يا فلان، وإنما ناداه بالأبوة اعترافاً بالفضل وبالجميل، والله يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] (إن جاهداك) أي: كانوا في جهاد من أجل إغوائك، ومع ذلك يقول: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] فينبغي على الابن أن يبدأ بنصيحته ولا يتهيب. رابعاً: ينظر أقرب الأسرة إلى الخير، فبعض الأحيان تكون الأسرة عاصية ولكن قد يكون الأب والأم أقربها قلباً، وقد تكون الأخت أو الأخ، فيبدأ بأقربهم إلى الخير، ولا ينصحه أمام الغير، وإنما ينصحه على خلوة وانفراد ويعظه ويذكره بالله ، سواءً كان تذكيراً مباشراً، أو تذكيراً بواسطة شريط مؤثر أو موعظة بليغة ونحو ذلك مما يعين الله ويبارك فيه. وعليه -أيضاً- أن يحرص كل الحرص على عدم تنفير أهله وإخوانه؛ لأن الأقربين لهم حق عظيم، وأفضل ما تكون الموعظة موعظة الأقربين، وأعظم أجر وثواب للداعية إلى الله هو الداعي لأهله، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] فالنصيحة والموعظة والدعوة إلى الله في الأقربين أعظم أجراً عند الله من غيرهم، وواجب عليه أن يحتسب عند الله الأجر، وجماع الخير كله في تقوى الله . خامساً: مسألة القدوة، الابن الذي يأتي ويجلس بين يدي أبيه فيشعره بأنه أب وهو أولى بالتقدير، ويكون أحسن الأبناء في البيت براً وإحساناً، ربما يغير البيت بفعله قبل أن يغيره بقوله، كم من أب رأى ابنه تغير في تصرفاته واحترامه وإجلاله وتقديره، فقال له في يوم من الأيام: يا بني! ما الذي غيرك بهذا الشكل؟ فيجيب: يا أبت! جلست في مجلس الشيخ فلان فأثّر فيَّ، فقال له: اذهب بي إلى فلان، فهدى الابن أباه بدون أن يتكلم وأخذ بحجزه عن النار دون أن يعظ، وهذا كله من توفيق الله للابن الصالح الموفّق الذي يؤدي حق والديه كاملاً، وحقوق إخوانه وأخواته أيضاً، ويظهر لهم التزامه وطاعته وهدايته، فيبدأ بالبشاشة والمودة والمحبة والهدية وتأليف قلوبهم للخير، فهذا هو الذي ينفع الله بدعوته، وتأتي الموعظة في آخر شيء فتكسر الأقفال وتلك القيود المغلقة والآذان الصماء حتى يفتح الله ويتأذن برحمته وهو أرحم الراحمين، والله تعالى أعلم.

стр. 775

درجات إنكار المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فرضه الله؛ لكن لابد لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يتحلى بصفات، منها: الإخلاص لله تعالى دون ما سواه، واستشعار الأجر من الله، وأن يكون قدوة في القول والعمل، ولابد للداعية من شيءٍ مهم، ألا وهو التحمل والصبر على ما يجده من الناس في سبيل الدعوة إلى الله. ولإنكار المنكر شروط ومراتب يجب مراعاتها، والإتيان بها وفق ما بينها الشارع، والأخذ بمراتبها حسب ما تقتضيه الحاجة والمصلحة؛ حتى تتحقق المصلحة المرجوة من هذا الإنكار، وتقام الحجة.

стр. 776

وصايا للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين, ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وفي بداية هذا اللقاء أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي فضيلة الشيخ كل خير, فإنه كان له الفضل بعد الله في تيسيره والدعوة إليه, وأسأله تعالى أن يشكر سعيكم وأن يعظم أجركم وأن يجزل لنا ولكم المثوبة وأن يجمعنا جميعاً في دار كرامته. أيها الأحبة في الله:

стр. 777

الاهتمام بقضية القدوة الصالحة وقبل أن نخوض في كيفية قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي أن نركز على أمر ثالث مهم جداً لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر, هذا الأمر هو: القدوة الصالحة. فالإنسان إذا أراد أن يأمر بما أمر الله به, وأن ينهى عما نهى الله عنه, ينبغي أن يخاف ويخشى أن يمقته الله ﷻ , وأن يجعله ممن -والعياذ بالله- يأمرون ولا يأتمرون, وينهون فيفعلون ما ينهون عنه -نسأل الله السلامة والعافية- أولئك الذين سمّى الله وحذر عباده منهم، فقال يعتب على بني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] أليس لديكم عقول تعقلكم وتحبسكم عن هذا الأمر الذي هو ضرب من الغي والهوى والضلال؟ نسأل الله السلامة والعافية. لا يمكن للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يضع الله له القبول في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر حتى يكون قدوة, وهذه القدوة ظاهرة بينك وبين الناس, إذا أحب الناس العبد هابوه, والهيبة بالمحبة لها أثر في السلوك والتقويم والتوجيه. ولذلك لما بعث الله نبيه ﵊ كمل أخلاقه وجمل آدابه وانعقدت القلوب على حبه, والشهادة له بالخير والصلاح والقدوة الحسنة, فكان يسمى بالصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين. فإذا أراد الإنسان أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فينبغي أن تظهر شمائل الإسلام وآدابه وأخلاقه ورحمته وفضله وبره وجميع ما فيه من خير من خلال أقواله وأفعاله وسلوكه وتصرفاته, فإذ سمع الناس كلام الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر, فإنهم أول ما ينظرون إلى أخلاقه وأفعاله وآدابه, فإن وجد التوافق بين القول والفعل أحبوه وهابوه, ووقع ذلك الكلام موقعاً بليغاً في النفوس, ليست القضية أن نتكلم ولكن القضية أن نكون دعاة ونحن صامتون, قال بعض السلف من الأئمة رحمة الله عليهم وكان من العلماء العاملين، قال لطلابه يوماً من الأيام: ادعوا الناس وأنتم صامتون, قالوا: كيف ندعو ونحن صامتون؟ قال: تأدبوا بآداب الإسلام, وتخلقوا بأخلاقه، وادعوا الناس بأفعالكم قبل أن تدعوهم بأقوالكم. الرجل الكامل المهذَّب الفاضل، الذي إذا رأيته كأنما ترى أخلاق الإسلام وآدابه إذا سمعته أو تفقدت أحواله كأنك تذكر سنة النبي ﷺ , تظهر من خلال الأقوال والأفعال والسلوك والتصرفات، وتجده في مجتمعه محبوباً كما كان النبي ﷺ محبوباً لا تنفر القلوب منه, ولا تمله ولا تسأمه, ومن رآه أحبه, إذا قابل الناس يقابلهم بالبشر والسرور، قال جرير بن عبد الله: (ما لقيت النبي ﷺ إلا تبسم في وجهي) , فالرجل إذا كانت آداب الإسلام في وجهه وأخلاقه وأفعاله أَثَّرَ, قال أنس ﵁ وهو صبي صغير يقوم على شأن النبي ﷺ : (ولقد خدمت النبي ﷺ عشر سنين، ما لمست حريراً ولا ديباجاً ألين من كفه ﷺ , ولا قال لي يوماً قط: أف). انظروا! هذا بالنسبة لصغار الناس ما قال له قط: أف، وهو أنس وناهيك عن أبي حمزة ﵁ وأرضاه فضلاً ونبلاً من أصحاب رسول الله ﷺ , وأما بالنسبة لـ جرير فمن كبارهم, وأما بالنسبة لأهله وزوجه تقول عائشة ﵂: (ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً وضع بين يديه) , ما كان يتكلم ولا يجرح المشاعر من كمال أدبه وأخلاقه وشمائله بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه. الإسلام والدعوة بالأعمال والأخلاق والآداب, الرجل إذا رأى شمائل الإسلام من خلال الأقوال والأفعال تأثر, بعض الناس يدعو ولو لم يتكلم, فالناس فيهم فطرة، وهذه الفطرة جبلوا فيها على حب الخير والقرب منه وتعظيم صاحبه, وعلى كراهية الشر والنفرة منه واحتقار صاحبه -مهما كان- مهما رأيت لأهل الشر من تعظيم فإنه في الظاهر, وأما في القلوب أو عن قناعة فلا, ومهما رأيت من خير فاعلم أن في الباطن تعظيمه وحبه؛ لأنها فطرة الله التي لا تتبدل ولا تتحول ولا تتغير, ولن تجد لها تحويلاً ولا تبديلاً. فالقلوب تنتظر قبل الكلمة الفعل, فليحرص الإنسان على تطبيق شمائل النبي ﷺ وآدابه وأخلاقه, فالسنة أصبحت اليوم غريبة بين الناس, حتى أصبحت غريبة بين الأخيار فضلاً عن غيرهم, فالناس إذا رأوا من هذا الداعية الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر شمائل الإسلام, أحسوا عندما ينهاهم أنَّ وراء هذه الكلمات ووراء هذا التوجيه قلباً يخاف الله ﷻ , وأن وراء هذه الكلمات ووراء هذا التوجيه حب الخير, وليس المراد به الشماتة والاحتقار والانتقاص والغفلة عن الذات والنفس, ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨] فلا يوفق إلا الله . إذاً لا بد من أن نقدم بالقدوة الحسنة التي فيها التأثير, ويكون لها عمق الأثر في النفوس.

стр. 778

الصبر والتحمل الأمر الرابع: أن نهيئ أنفسنا للدعوة إلى الله, وتهيئة النفوس للدعوة إلى الله تدور حول نقطة مهمة من أهم النقاط وهي: الصبر والتحمل, فإنك تقوم برسالة عظيمة وأمانة جليلة جسيمة تحتاج إلى صبر, ولذلك قال الله لنبيه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل:٥]. الإسلام بشمائله وآدابه ومعاملاته وعباداته ثقيل, قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل:٥] وقال تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] يحتاج الأمر إلى صبر وإلى جلد. أقوى وأعظم صبر هو صبر النفوس الذي يكون بتمالك النفس عند الغضب, وهذا هو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: (ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) فلا بد من الصبر والتحمل الذي أشار إليه لقمان وهو يوصي ابنه: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] أي: اعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وراءه التعب والعناء والنصب, يكون التعب نفسياً؛ لأنك تتحمل هم الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, مثلاً: لو كان في نطاق حيك أو مسئوليتك منكر فإنك ستحمل همين: أولاً: جمع النصوص والأدلة التي اعتنت بمعالجة هذا المنكر, فتتأملها وتنظرها وتبحث فيها، فهذا همٌ يحتاج إلى صبر على العلم والبصيرة التي تأمر بها وتنهى. ثانياً: تحمل هم المواجهة: كيف تواجه؟ كيف تتكلم؟ كيف تقف في وجه الإنسان؟ ولذلك سأل موسى ﵇ ربه أن يثبت قلبه لهمّ المواجهة، ولذلك قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] فلا نستطيع أن نفعل شيئاً إلا بالله ﷻ ، قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٨] , فإذاً لا بد للإنسان أن يتحمل هذا الهم. بعد ذلك تأتي النتائج والآثار للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فيأتيك السفيه بسفهه, والإنسان الغوي بغيه وفجوره, ويأتيك الناس على اختلاف طبقاتهم, وعلى اختلاف منازلهم في مجابهة الخير وكراهيته، والتنفير منه وسوء الظن بأهله, وهذا يحتاج إلى صبر, ونفس قوية وشكيمة وعزيمة.

стр. 779

الإخلاص شرط العبادة وأساسها هناك أمر هو أهم الأمور، به تطمئن القلوب وتنشرح الصدور, هو أساس الدين ووصية الله للخليقة أجمعين, هذا الأمر جعله الله قاعدة الفلاح ومنبع الخير والإصلاح, ما هدى الله قلب عبد إليه إلا سدده ووفقه, وأرشده ويسر له, هذا الأمر هو الإخلاص لله ﷻ , فاتحة الأمور وأساس كل خير, قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: ليخلصوا له وليوحدوه . الإخلاص الذي جعل الله فيه السعادة والنجاة والخلاص, اختار الله منا قلوبنا فلن ينظر إلى ألواننا وأحسابنا وأنسابنا ولكن إلى قلوبنا وأعمالنا, من تكلم وعمل لله أسعده ووفقه وسدده وثبته, وهي وصية الله للأولين والآخرين, التي عليها مدار كل خير, قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: بل إخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله ديناً سواه. أول ما ينبغي أن نتواصى به جميعاً وأن يشد بعضنا من أزر بعض فيه؛ تصفية القلوب لله ﷻ , الداعية المخلص لله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا أخلص لله في قوله فتح الله له القلوب, وشرح الله له الصدور، وأصبحت كلماته ومواعظه وتوجيهاته وأوامره ونواهيه كالغيث لتلك القلوب, يحيي الله به تلك القلوب بما نظر من إخلاصه وإرادة وجهه العظيم, قال الحسن البصري ﵀: [لا يزال الرجل بخير إذا قال قال لله, وإذا عمل عمل لله] وقال بعض السلف: كم من عمل قليل كثرته النية. الإخلاص خير وبركة ورحمة وهدى, إذا نظر الله إليك وأنت تأمر واطلع على قلبك فلم يجد فيه شيئاً سواه ﷻ , بارك في هذا الكلام, وتلقته الملائكة في صحيفة عملك؛ لكي تراه خالصاً لوجهه الكريم، في ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:٩ - ١١] ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:١٠] هل أرادت وجه الله، أو أرادت أي شيء سواه؟ الإخلاص هو الوصية الأولى التي لا تملها أذن مؤمن ولا يسأم منها عبدٌ صالح, ونحتاج دائماً أن نتواصى بهذا الأمر العظيم, نحتاج دائماً أن نكون مخلصين، فبمجرد أن تخرج من بيتك تخرج وليس في قلبك إلا ابتغاء وجه الله, وبمجرد أن تقعد في عملك تقعد وليس في قلبك إلا رجاء رضا الله, وإذا تكلمت جعلت الله نصب عينيك, وإذا عملت جعلت الله نصب عينيك, فيشرح صدرك وييسر أمرك ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال:٢٩] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] كم فتح الله بالإخلاص من القلوب! وكم أنار به من مناهج ودروب! كل ذلك بالإخلاص, ولما أخلص الأئمة والسلف الصالح جعل الله الخير في كلامهم ومواعظهم وأوامرهم ونواهيهم، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعمر قلوبنا وقلوبكم بالإخلاص لوجهه الكريم. أيها الأحبة في الله: إنه والله لشرف عظيم, أيُّ أمانة حملتموها؟ وأي مسئولية قُلدتموها؟ حينما حملتم هذه الرسالة العظيمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, هذه الرسالة التي تولى الله أمرها من فوق سبع سماوات, فأمر سبحانه بالمعروف ونهى عن المنكر, فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة على الله بعد هؤلاء الرسل, ولكي تقوم عليهم الحجة وتنقطع عنهم المعذرة, تولاها الأنبياء والرسل صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين, كانوا حملة النور؛ اطمأنت بهم القلوب وانشرحت بهم الصدور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, كانوا يأمرون بما أمر الله به, وينهون عما نهى الله عنه, فرفع الله ذكرهم وأعز شأنهم وأبقى في القلوب حبهم. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان من أهم الأمور وأعظمها في قلوب الأخيار والصالحين, فكما أنه رسالة الكتاب والسنة التي اعتنى بها رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، فقد اعتنى بها العلماء والحكماء والأخيار والصلحاء, وإذا أردت أن تنظر إلى مقام الإنسان في دين الله ومقدار تعظيمه لله فانظر إليه في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر؛ لأنه إذا عظم الله في قلبه عظم أمره ونهيه, فكان وجهه يتمعر لله إذا انتهكت حرماته, وكان لسانه ينطلق بالتذكير والموعظة والتوجيه والإرشاد والدلالة على الله ؛ لعظيم شعوره بعظمة الله وعظيم حقه ﷻ . ولذلك وصَّى لقمان ابنه فقال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] فأمره أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر, فهي الرسالة السامية والمرتبة الشريفة الكاملة العالية، التي ينال الإنسان بها الفلاح، قال : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. فشهد الله أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أنه مفلح، وإذا شهد الله لعبد أنه مفلح فهو المفلح, فلا أصدق من الله حديثاً ولا قيلاً. الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مرحوم في رحمة الله, متى ما تكلمت بما أمر الله به ومتى ما نهيت عما نهى الله عنه, فأنت تخوض في رحمة الله , قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] أي: لما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فإني سأرحمهم, ولذلك تجد الإنسان كلما أقام حجة الله على عباده أصابته الرحمة, وجعل الله في قلبه من الطمأنينة والثبات واليقين، ولا يزال المبلغ لرسالة الله الآمر بما أمر الله الناهي عما نهى الله عنه لا يزال له من الله معين وظهير متى ما كان مخلصاً لوجه الله . الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجاة من الخسارة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإْنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. فلذلك -أيها الأحبة في الله- نحمد الله من كل قلوبنا, ونشكره على عظيم فضله علينا حينما يسر لنا وسهل لنا أن نبلغ رسالته, وأن نقيم حجته, وإنه لمن دلائل حب الله للعبد في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أن يضع له القبول في الأرض, فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا أخلص لوجه الله ، وعلم الله من قلبه أنه يريد وجهه ويريد ما عنده؛ فتح له أبواب الخير, ويسر له الدعوة، ووضع له القبول في الأرض, ففي الصحيح عن النبي ﷺ : (إن الله إذا أحب عبداً نادى في السماء: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه). أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا ذلك الرجل. تصور! لو أنه نودي في السماء: إني أحب فلاناً باسمك، أليس هذا شرفاً عظيماً ومقاماً كريماً؟ قال: (فيحبه جبريل، ثم ينادي: يا أهل السماء إن الله يحب فلاناً -باسمه- فأحبوه, فيحبه أهل السماء، قال ﷺ : ثم يوضع له القبول في الأرض).

стр. 780

استشعار فضل مقام الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الوصية الثانية بعد الإخلاص الذي كان حديثنا عنه في النقاط الماضية: أن نستشعر فضل هذه الرسالة وفضل هذا المقام, فنحن إذا أخلصنا لوجه الله وشعرنا بأن الله نفحنا برحمته, ووهبنا نعمته, أجللنا هذه النعمة وأحسسنا بعظيم فضلها, فشعر الإنسان أن عليه واجباً لله , وعندها يستطيع أن يقوم بهذه الأمانة على أتم وجوهها.

стр. 781

دعامتا الصبر ثم إذا يسَّر الله للإنسان الصبر فإنه يحتاج إلى أمر مهم يقوي قلبه على الصبر, هذا الأمر يتلخص في نقطتين: الأولى: عاجل ما أعد الله للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من حسن العاقبة. والثانية: ما ينتظرك عند الله ﷻ , فلربما أنك هذا اليوم تهان وتسب وتشتم فتغيب عليك الشمس وقد كتب في صحيفة عملك: يوماً من الأيام أوذيت فيه في الله.

стр. 782

عاجل ما أعد الله للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من حسن العاقبة أما أمر الدنيا فإن الله تكفل لك بالعاقبة, لن يقف أحد يبلغ رسالة الله ﷻ فيؤذى ويهان إلا جعل الله عاقبته أفضل العواقب, وأسماها وأشرفها، ولو احتقره الناس, ويظهر ذلك جلياً من قوله سبحانه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨] ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] يعني: لا تنظر إلى حالك الآن، ضع النظرة إلى الغد، ولا تنظر إلى حالك فإن النبي ﷺ سُمي الساحر والأفَّاك والأبتر والصابئ، ومات وهو سيد الأولين والآخرين, واسمه ﷺ يقرن بالنداء: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] , ليس المهم أن تهان الآن, وليس المهم أن يسخر منك الرجل اليوم, ولكن الأهم ما هي العاقبة؟ ما هي النتيجة؟ ما هي الثمرة؟ أذكر حادثةً لطيفةً يقول فيها عروة بن الزبير رحمة الله عليه -هذا الإمام العظيم من أئمة السلف- كلمة تنبه على هذه النقطة: [والله ما من عبد يقف موقفاً لله فيهان فيه، إلاَّ أوقفه الله موقفاً أعز منه وأكرم] وتوضيح ذلك بسنة النبي ﷺ , نزل الوحي على رسول الله ﷺ وهو فريد في قلة وضعف من أصحابه, والرسالة أيامها سرية، والدعوة سرية، فجاءه أمر الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] , فوقف ﵊ على الصفا فنادى في قريش فعمم وخصص أي: نادى بطون قريش كلها, فجاءت بطون قريش بقضها وقضيضها ووقفت بين يديه, فما كان منه ﵊ إلا أن قال كلمته المشهورة: (قولوا: لا إله إلا الله) هذه الكلمة التي قامت عليها السماوات والأرض، ومن أجلها سيكون الحساب والسؤال والعرض, هذه الكلمة العظيمة التي من أجلها خلقوا ومن أجلها بعثوا، لما قالها لهم كان جواب أبي لهب عليه لعنة الله أن قال له على رءوس الأشهاد: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ تصوروا -أيها الأحبة في الله- النبي ﷺ على رءوس الناس, ثم يقول له على رءوس الملأ: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ وهو عمه, وحينما تأتي الأذية من قريب لك تكون الأذية صعبة جداً, فظلم ذوي القربى أشد من ظلم الأبعدين؛ لأن القريب لا تستطيع أذيته؛ لأنك إن آذيته كأنما آذيت نفسك, فقال له أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا؟! فاحتقره وسفهه وآذاه. ثم تمضي الأيام وتتابع السنون والأعوام، فيوقف الله نبيه ﵊ على الصفا -التي بالأمس شتم عليها وأهين- ومعه مائة ألف من أمته وأصحابه، كلهم يقول: كيف يحج رسول الله ﷺ ؟ رده الله إلى مكة عزيزاً كريماً رفيع الذكر, يقول أنس: [أنظر أمامي فإذا الناس مد البصر, وأنظر وراءي فإذا الناس مد البصر, كلهم يقولون: ماذا يفعل رسول الله ﷺ ؟] ولذلك لما رقى على الصفا كأنه ذكر ذلك اليوم الذي كُذِّب فيه على الصفا فكان أول ما رقى عليها قال: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, لا إله إلا الله نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده) عظمت عنده، فالعاقبة من الله مضمونة, فالذي يقوم برسالة الله ويؤدي حجة الله على العباد، مهما جاءه من المهانة والمذلة فمهانته كرامة, ومذلتة معزة, لا تنظر إلى كلام الناس واحتقارهم وأذيتهم ولكن انظر إلى عاقبتك عند الله ﷻ . فهذا فيما يكون في الدنيا, ولذلك كلما وجدت الإنسان يقوم لله بحجته ويبلغ لله عظيم رسالته، وجدت الله يضع في قلوب العباد حبه والهيبة منه والقبول له، ووجدته في أسمى المنازل, الناس تشتري السمعة بالأموال, ولكن العلماء والدعاة إلى الله والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر نشر الله ذكرهم, وأبقى في العباد حبهم بما قدموا لله ﷻ من صالح القول والعمل. لا تنظر إلى كلام الناس ولا يهمك أن يتكلم من تكلم, فإن اللسان الذي يتكلم على الحق أخرس، ولو كان صاحبه أبلغ الناس, واللسان الذي يقف في وجه الحق مقطوع ولو بعد حين, ولذلك قطع الله دابر المجرمين, وقطع الله دابر المفسدين, وجعل العاقبة للمتقين, فهذا أمر مهم جداً لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

стр. 783

عاقبة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أما بالنسبة للعاقبة التي تكون، فإن الإنسان إذا أهانه أحد أو تكلم عليه أو عنفه أو وبخه فما عليك، فأنت بريءٌ من المسئولية إذا كنت تسير على نهج الله عز جل, مثلاً: لو مررت على رجل فأنكرت عليه منكراً أو غيرت منكراً, فقال: يا ظالم أو قال يا كذا فسبك وشتمك وأهانك فإنما يتسلط على الحق, ولا يتسلط عليك؛ لأن الذي فعلته هو أمر الله ﷻ , والذي نهيت عنه هو نهي الله ﷻ , فالشتم الذي يكون منه والأذية ليس في عرضك منه شيء, وأنت في سلامة منه، ولكن الله هو الذي يتكفل بأمره, ولذلك قلّ أن تجد إنساناً يهين أحداً من أولياء الله والدعاة والهداة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يسلم من سوء الخاتمة -نسأل الله السلامة والعافية- وقل أن تجد إنساناً يحتقر العلماء أو يتنقصهم أو يذمهم أو يحاول دائماًَ أن لا يمكنه من دعوته إلى الله أن يسلم كذلك من سوء الخاتمة كما يحصل لبعض الفساق حينما يؤذيك بلسانه أو يحتقرك أو يشيع في حيه أنك شديد وأنك عنيف كل هذا لا تبالي به, لكن المهم للداعية والآمر بالمعروف أن يوطن نفسه على هذه الأمور حتى يصبر؛ لأنها عزيمة على الرشد، وتقوي النفس على طاعة الله , وتقويها على محبة الله ﷻ . ثم لنا قدوة في الأنبياء والرسل صلوات ربي وسلامه عليهم، حينما أوذوا في الله, وكان لهم ما كان, فأعظم الله أجرهم, قال الله تعالى: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩]. الأولى: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب:٦٩] وهنا أذية، ومعناها: إذا أوذي موسى فإننا سنؤذى، هذا هو الأصل الذي نتكلم عليه أولاً. ثم قال تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب:٦٩] فالذي برأ موسى سيبرئك؛ لأن الرسالة واحدة والمصدر واحد. الثانية: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩] قال بعض العلماء: من أمر بطاعة الله ونهى عن معصية الله فأوذي؛ فإنه وجيهٌ عند الله , وله كرامة عند الله ، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل.

стр. 784

شروط إنكار المنكر إذا علمنا هذه الأمور التي ينبغي أن يوطن بها الداعية والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر نفسه فالمنكر الذي أمامنا لا بد فيه من أمور:

стр. 785

أن يدل دليل على أنه منكر أولها: أن يدل دليل الكتاب أو دليل السنة الذي هو الدليل الشرعي على كون هذا الأمر منكراً, فإذاً لا بد من ثبوت الدليل على كونه منكراً, فإذا ثبت الدليل على كونه منكراً؛ فحينئذٍ توجه الخطاب علينا: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) , وهذا الحديث فيه نقاط مهمة: النقطة الأولى: علمنا أنه لا بد أن يكون منكراً, فكون الشيء -مثلاً- مختلفاً فيه ويرى الشخص أنه جائز وحلال وهناك -مثلاً- عالم من أهل العلم مشهود له بالعلم عنده دليل وحجة على كونه حلالاً، وأنا أعتقد أنه منكر لكن كونه هو يقلد عالماً يعرف بتمسكه بالكتاب والسنة ويفتيه بأنه ليس بمنكر وليس بحرام فهو يتعبد الله بما ظهر له، فهذه مسألة مهمة جداً.

стр. 786

التثبت من وجود المنكر النقطة الثانية: قال ﷺ : (من رأى منكم منكرا) ومعنى رأى أي نتأكد, ونتحقق, ونتثبت, لا نعجل في الناس، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] فقط التبين والتثبت, ولذلك قال ﷺ في الحديث الصحيح: (إلا أن تروا منكراً عندكم فيه من الله برهان) جمع بين الأمرين, كوننا نرى فلا نتتبع الظنون, وكونه يكون منكراً عندنا فيه من الله حجة وبرهان. وهذه أصلاً طبيعة إنكار المنكرات، فكل إنسان إذا ابتلي بعمل فسيتأثر من خلال عمله, وكانوا يقولون -مثلاً- القاضي من كثرة ما يمر عليه من جرائم الناس والفحش وما يقع منهم من مصائب، ربما يصبح عنده نوع من ردة الفعل؛ لأنَّ الإنسان ضعيف والنفس البشرية ضعيفة قد يتعجل وما يتحمل فيقول: لا يسلم من الناس إلا القليل, بسبب ما يرى وقد يرى أناساً سيماهم الخير ويقعون في المنكرات. فطبيعة معالجة المنكرات والوقوف فيها قد تجعل الإنسان يصل إلى درجة يتحسس فيها أكثر من اللازم, وهذا نبه عليه العلماء في إنكار المنكرات, فكوني أتعامل مع المنكرات، يقتضي مني ألا أتعجل، والسبب في ذلك أن أعراض الناس محرمة, وقد قرن الله العرض بالدم، ففي خطبة حجة الوداع يقول ﷺ في الخطبة المشهورة التي ما قام النبي ﷺ في أمته مقاماً مثلها, وقد جمع الله فيها الأمة عليه ﷺ ، وما جمع الله مجمعاً لرسوله ﷺ مثل حجة الوداع، فكان فيها أن قال للأمة: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم) فجعل العرض مقروناً بالدم, فكما أن دم المسلم حرام وماله حرام كذلك عرضه حرام. ولذلك عظم الله أمر العرض، وقطع بالكلام في الأعراض شهادة الشاهد, فالذي يقذف -والعياذ بالله- بلسانه غيره بالزنى ولا يقيم البينة ولو كان من الصحابة فإنه يجلده؛ لأن الله خاطب به الصحابة، يقول العلماء: ولو كان من أصحاب النبي ﷺ إذا لم يقم أربعة فإنه يجلد, كما فعل عمر ﵁ بأبي بكرة رضي الله عن الجميع, ليس هناك مجاملة في أعراض الناس, أعراض الناس محترمة، ولذلك عظم الله ذلك في كتابه فنهى عن الظن: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢] ومعنى هذا: أن القليل من الظن يصيب، والكثير فيه خطورة, وخلل على الإنسان ينبغي أن يتنبه له, توضيح ذلك: أن الإنسان لا يقدم على تتبع شيء إلا إذا احتفت قرائن قوية على وجود هذا الشيء وظهرت القرائن فالشريعة تُعمل القرائن القوية, لكن إذا لم يكن هناك دليل بين وواضح فالأصل في المسلم سلامته, وعدم المساس بعرضه إلا بحجة ودليل, ولذلك نهى النبي ﷺ عن تتبع العورة فقال: (إنك إن تتبعت عوراتهم أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) , فإذاً الأصل أننا نقول في المسلم: أنه سالم حتى يدل الدليل على وجود خلل فيه أو نقص.

стр. 787

ضرورة إنكار المنكر (من رأى منكم منكراً) إذا ثبت عندنا أنه منكر، وتحققنا أن هذا مما لم يأذن الله به ورسوله ﵊ ورأينا واطلعنا, قال ﷺ : (فليغيره) فالأصل عندنا في المنكرات أن لا تبقى، وأنه ينبغي أن نهيئ كل السبل والأسباب للقضاء على المنكر؛ لأن المنكر فساد في الأرض، والله لا يحب المفسدين, وكذلك المنكر حجر عثرة دون الخير, فما من بدعة تظهر إلا وماتت مقابلها سنة, وما من شر يظهر إلا ومات مثله من الخير, ولذلك ضرب الله القلوب بعضها ببعض حين غفلت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فالأصل أن المنكر يغير, وهذه قاعدة وأساس في الدين, جعله الله سبباً في فلاح هذه الأمة، بل وفي نجاتها كما في حديث السفينة الذي تعلمونه. فإذاً (فليغيره) يدل على أن الأصل في المنكر أنه يغير.

стр. 788

مراتب تغيير المنكر ثم بيَّن ﷺ هذا التغيير قال: (فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) فكون النبي ﷺ يجعل الأمور مرتبة يدل على فائدة مهمة وهي: أن قضية تغيير المنكرات لم يسندها الله لا إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل, بمعنى: أنه لا يتحكم فيها أحد باجتهاده, ولكن أوحى إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه بهذه الثلاث المراتب: تغيير باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب, (وليس وراء ذلك مثقال خردلة من إيمان) إذا لم يغير باليد، ولا باللسان، ولا بالقلب فليس وراء ذلك مثقال خردلة من إيمان.

стр. 789

الإنكار بالقلب النقطة الأخيرة التي هي التغيير بالقلب, فالقلب هو آخر المراحل, فالإنسان إذا أعيته الحيلة أن ينكر بيده أو ينكر بلسانه، فإنه لا يجوز له أن يتخلى عن الإنكار في القلب, فإن الحب في الله والبغض في الله, من أوثق عرى الإيمان فتحب في الله ولو كان أبعد الناس منك نسباً، تحبه لأنك تراه على طاعة الله والاستقامة, وتبغض في الله ولو كان أقرب الناس منك، فما نفع ابن نوح بنوته لنوح ﵊, ولا نفع زوجته كونها زوجة له، ولذلك تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه لما أشركوا بالله , ولذلك يقول ﷺ في هذه القاعدة من حديث أنس في الصحيحين: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب الرجل لا يحبه إلا في الله ... ) فهذه قاعدة الولاء والبراء, بمجرد أن تعلم أن إنسان يتعاطى المنكر تبغض فعله, أما هو فهو مسلم وأخوك في الإسلام, ولا تيئس ولا تقصر في دعوته وهدايته وإرشاده, وتبذل كل ما تستطيع لكن كما قيل لـ أبي ذر: [أتبغضه؟ قال: لا. إنما أبغض عمله] يعني فعله هو الذي يبغضه. ولذلك ربما ترى إنساناً يشرب الخمر -والعياذ بالله- أو يزني ولكن فيه خير, ابتلاه الله بهذا الابتلاء فلم يخرج من دائرة الإسلام, يشهد بذلك ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه لما جلد شارب الخمر سبه الصحابة وعابوه, فقال ﷺ : مه -كلمة زجر وتوبيخ- لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم إنه يحب الله ورسوله) , وفي هذا يقول العلماء: فيه دليل على تعظيم أعمال القلوب, فإن ظاهره فيه إساءة, لكن لما انعقد باطنه على حب الله ورسوله عظَّم الله هذا منه, ولذلك الرجل الذي قتل مائة نفس آخرها عابد -نسأل الله السلامة والعافية- ملوثة يده بسفك الدماء البريئة, حتى إذا كان في آخر عمره خرج بنصيحة العالم الذي قال له: ما يمنعك من التوبة هو إن قريتك قرية سوء, وقرية بني فلان بها قوم صالحون فارتحل إلى تلك القرية, فخرج في آخر عمره، لكن خرج بقلب تائب إلى الله ﷻ , فحضره الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب, ملائكة العذاب تقول: قتل مائة نفس آخرها عابد, وملائكة الرحمة تقول: إنه تاب إلى الله, يقول بعض العلماء: فعظمت عند الله نيته الصالحة؛ لأنه تاب وأناب وأقبل على الله , حتى الخطوات التي خطاها قربه الله بها إلى رحمته, ما وُجد قريباً إلى قرية الصالحين إلا قدر شبر, وفي رواية: فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي, وإلى هذه أن تقاربي. معناه: أنه كان قريباً إلى قرية الشر, فانظروا إلى رحمة الله بعباده، وقد قال تعالى: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] وهذا خطاب للعصاة والمذنبين الذين أسرفوا على أنفسهم. فالمهمة والهدف أن نأخذ بالقلوب إلى الله ﷻ . والوصية الأخيرة التي أختم بها هذه الكلمة: أن نعمة من الله يتذكرها الإنسان إذا حجز عبد عن النار بسببه, تصور لو أن الله قيضك لإنسان في غيه وفجوره وانتزعته هذا الفجور إلى رحمة الله . التنبيه على نقاط مهمة مثل: جذب الناس إلى حلق العلماء, فلا نقتصر على الأداء العملي, لا بد من التوجيه, قد ترى أمامك إنساناً عاصياً فتدله على حلقة عالم, تدله على من يعينه على تجديد التوبة والإنابة إلى الله , فلا نقتصر على الإجراء الشكلي, بل ينبغي أن يكون عندنا توجيه, ويكون عندنا إرشاد، ودعوة إلى الخير ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين, غير ضالين ولا مضلين, وأن يجعلنا ممن وفق للقول السديد والعمل الصالح الرشيد, إنه ولي ذلك وهو على كل شيء شهيد, وأسأل الله العظيم أن يجزي المشايخ ويجزيكم كل خير على ما تكبدتم من مشقة الحضور. وختاماً أسأل الله أن يجعل ما قلناه وعملناه خالصاً لوجهه الكريم ليس فيه لأحد سواه حظ ولا نصيب, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 790

درجة بين الإنكار بالقلب والإنكار باللسان قال العلماء: يدخل في التغيير بالظاهر أحياناً أن تغير منكراً ولا تتكلم, وهي الدرجة التي بين القلب وبين اللسان, مثلاً: تغير الوجه، والعبوس في وجه المبتدع, والعبوس في وجه الضال, فشخص تراه صاحب بدعة نصحته وذكرته لكنه أبداً ما استجاب ولا تستطيع أن تغير بدعته باليد؛ لأنها بدعة عقدية, ماذا تفعل؟ تعبس في وجهه؛ لأن هذا العبوس قربة إلى الله وطاعة؛ لأنه غيظ لله, ولذلك جعل الله إغاظة العاصي قربة إليه , وكان ﵊ لا يغضب لنفسه إنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله , تقول عائشة ﵂: (فكان لا يسب ولا يصخب وإنما يُعرف في وجهه). وهذا من أفضل ما يكون عليه الإنسان الداعية الموفق، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر, وهذه ميزة الأخلاق الحميدة, فإنك تكون مع الناس بأسلوب يدل على كمال الإسلام وأخلاقه الجميلة، لكن بمجرد أن تعبس أو يتغير وجهك كل الناس يسألون: ما الذي غير فلاناً؟ لأنهم اعتادوا منك الأخلاق الطيبة والأخلاق الحميدة. فإذاً هذا نوع من التغيير وهو التغيير بالصفات والملامح بالعبوس والإعراض والصد. وذات مرة دخل يحيى بن معين ومن معه على الإمام أحمد رحمة الله عليه، وكانوا قد أجابوا في فتنة القرآن بالتورية، فلما دخل على الإمام أحمد أعرض عنه الإمام, فصار يحيى يقول: حديث عمار حديث عمار والإمام أحمد يعرض ولا يجيبه ولا يتكلم معه, حتى قام يحيى، ومراد يحيى: أن عماراً أكره على الكفر، فقال الكفر وعذره الله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] لكنَّ الإمام أحمد رحمة الله عليه وهو إمام أهل السنة في زمانه لم يرض بهذا فلما خرج ابن معين وقف على الباب وأنصت ليسمع ماذا يقول الإمام أحمد، فسمع الإمام أحمد يقول: يقولون حديث عمار، إنما عمار مُسَّ بعذاب وهؤلاء لم يمسوا بعذاب. أي: لم يراه مكرهاً إلا بعد الأذية ويحيى لم يؤذ, فقال: كيف تجيب قبل أن تؤذى؟ فقال يحيى: ما تحت أديم السماء أفقه منه. أي: من الإمام أحمد رحمة الله عليه, فالشاهد: الإعراض، ولذلك أمر الله بالإعراض عن الجاهلين, والإعراض من إنكار المنكر؛ لأنه احتقار وازدراء.

стр. 791

الإنكار باليد التغيير باليد ضرب له العلماء رحمة الله عليهم أمثلة مثل: تكسير آلات اللهو, وكذلك أيضاً تكسير النبي ﵊ الأوثان كما ثبت حينما دخل إلى مكة فإنه كسر الأوثان, وكذلك إبراهيم: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٥٨] , يقولون في التغيير باليد: إنه يقطع دابر الشر؛ لأن به ينعدم هذا المنكر ويزول, وبناءً على ذلك فالأساس والقاعدة التي هي الأصل في التغيير, أنه متى ما أمكن للإنسان أن يغيره بيده فليغير بيده, هذا الأساس والقاعدة, ولذلك قال علي ﵁ لـ أبي الهياج: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها, ولا تمثالاً إلا كسرته, ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) هذا من التغيير باليد؛ لأنه إذا استشرفت القبور عُظِّمت, فكانت ذريعة إلى الشرك والعبادة, فالمقصود أن التغيير باليد سنة وهدي, وهو أول المراتب، وقد وقع من النبي ﷺ , كما في حديث القرام؛ والقرام ستارة كانت على سهوة حجرة عائشة ﵂ -كما في صحيح مسلم - فرأى عليه التصاوير فأخذه بيده ﵊ ونزعه وهتكه. فهذا يدل على التغيير باليد. وهناك أمور ينبغي التنبيه لها: قد يكون الإنسان وهو في مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عنده ضوابط معينة لتغيير المنكر, فمثلاً: لو كان هناك توجيه بأن لا تكسر هذا المنكر الآن من أجل أمور، مثلاً: لإقامة دلائل يحتاج إليها, فلو فرضنا أن الإنسان بمجرد أن جاء وكسر المنكر, كيف ندين صاحب هذا المنكر ما دام المنكر أزيل؟ إذاً تكون مهمتي أنا كوني أحفظ هذا المنكر لكي يصل إلى الجهة المختصة يعتبر من إنكار المنكر؛ لأنه وسيلة إلى إزالته وإلى تكسيره؛ لأن البعض يقول: كيف أكون آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر وأنا لم أكسِّر، والنبي ﷺ يقول: (فليغيره بيده)؟ نقول: إن الوسيلة إلى التغيير تغيير, كونك تحفظ هذا المنكر لكي يكون حجة ودليلاً في بعض الأحيان، مثلاً: لو فوجئنا بمكان لصنع الخمر -لا قدر الله والعياذ بالله- فيكون إنكار هذا المنكر أن أكسره وأن أزيله بالكلية، وهذا لا شك فيه, لكن -مثلاً- لو أردنا أن نعرف مَنْ أصحاب الجريمة الذين قاموا بهذا العمل؟ من الذين يتعاونون مع هذا الشخص؟ من الذي يأخذ منه ويعطيه؟ قد تكون -مثلاً- بيئات أخرى تتعامل مع هذا المصنع للترويج، فعندما نتريث قبل أن نكسر, هذا من مصلحة الأمر بالمعروف, وهذا من تغيير المنكر, فالوسائل آخذة حكم مقاصدها كما يقول العلماء, فليست القضية لتغيير المنكر أن يكون الإنسان مباشراً ما دام أن هناك تنظيماً يقصد من ورائه الوصول إلى معالجة المنكرات بأفضل الأساليب. أيضاً هناك نقطة: قد يكون من المصلحة أن لا نغير الآن باليد، قد يكون هناك أمور وظروف وملابسات معينة يكون التوجيه للإنسان فيها أن يقتصر فقط على مراقبة هذا المنكر, فقد يقول الإنسان: كيف أراقب المنكر وأراه أمامي وبعيني ولا أفعل ولا أقدم؟ فنقول: قد تكون هناك مصالح، بمعنى أنه قد تقع مفسدة أعظم لو أنه أزيل هذا المنكر باليد. ولذلك أنا أقول: لا بدَّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حسن الظن، ولا يمكن أن يتم بين الإخوة والأحبة والمشايخ وطلاب العلم ذلك إلا بالتعاون وبحسن الظن, مثلاً: إذا جاءني توجيه من فوق بأن أتريث في هذا الأمر فلا داعي لسوء الظن: هذا تقصير هذا تساهل, لا, قد قال ﵊: (فليغيره بيده) لكن نحن نظن ونحسن الظن بمن يأمرنا بهذا الشيء -إن شاء الله- أنه يريد التغيير, لكن كيف؟ ما هو الأفضل؟ ما هي الطريقة؟ هذا أمر بينه وبين الله ، ولذلك من أمثلة هذه: لو أن عندنا أفراداً وعندنا -مثلاً- من فوق الأفراد ومن له التوجيه الأعلى, فلو أنك أتيت في حي فيه منكر، قد ترى بعض الناس يتعاون معك في القضاء على هذا المنكر من عامة الناس, ترى إنساناً -مثلاً والعياذ بالله- قد فتح بيته للحرام منزلاً أو دعارة -والعياذ بالله-, فشره متعدي، فإذا جئت لإنسان متعاونٍ متحمسٍ ويريد الخير -ولا شك أن هذا الحماس وراءه خير, وهذا أمر نحب أن ننبه عليه- فينبغي أن نحسن الظن به لكن نوجهه, فهذا الفرد حينما تأتي وتقول له: يا أخي انتظر, ولا تعجل؛ لأنك أنت تريد أن تصل إلى ما وراء هذا المنكر، من الذي يأتي به؟ قد يأتيك مباشرة ويقول لك: قال ﷺ : (من رأى من منكم منكراً فليغيره بيده) الآن تدخل هذا تقاعس هذا تأخير لماذا؟ لأنه لا يعلم ولا يعرف ما هي المصلحة، ما هي الأهداف التي تنظر إليها أنت, كما أن هذا يقع منك كفرد؛ فإنه يقع مع عامة الناس وتقول له: يا أخي تغيير المنكر يحتاج إلى بصيرة وإلى تجربة؛ لأنك أنت مرت عليك أمور دعتك إلى هذه الحكمة وهذا التروي, وكذلك من هو فوقك إذا كان أكثر تجربة وأكثر بصيرة, فالأصل أن الإنسان يحسن الظن, ولا يعجل, وقد تكون هناك ظروف تحكم عليك بأنه ليس من المصلحة تغيير هذا المنكر مثلاً بالكلية, فهذا أمر مهم جداً, في قوله: (فليغيره بيده).

стр. 792

الإنكار باللسان ثم يقول ﵊: (فإن لم يستطع فبلسانه) ويقول بعض العلماء: التغيير باللسان مقدم على التغيير باليد ولهم عليه دليل صحيح، وهو حديث عائشة ﵂, وحاصل هذا الحديث: أن النبي ﷺ لما قدم من غزوة تبوك -على قولٍ عند بعض أهل الحديث- قدم عليها فوجد القرام هذا وفيه صورة فقال لها أولاً: (أميطي عنا قرامك هذا) هذا أول ما قال لها، فكأن عائشة -كما يختار جمع من العلماء- نسيت أن تزيله, فدخل ﵊ فإذا بالقرام في وجهه فأمسك القرام وهتكه. يقول العلماء: أول ما يبتدئ الإنسان بالتوجيه؛ لأن كون الشخص بنفسه يزيل المنكر هذا نوع من الإيمان والتسليم, ولذلك يتربى الناس على التسليم, بمعنى: أن كونه بنفسه يأخذ الشيء ويكسره، كما أنه هو الذي أوجده هو الذي يكسره، هذا من أرفع الدرجات، ولذلك يقول العلماء: من أهم ما يكون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إقناع الناس، بأن هذا منكر فيجتنبوه وهذا معروف فيفعلوه ويأتوه. ولذلك الحرص على إقناع الشخص بكونه منكراً أولى, وقد فعل الصحابة ذلك مع النبي ﷺ ، فإنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو طلحة لـ أنس: انظر، فخرج فنظر فإذا بمناد النبي ﷺ يقول: أيها الناس! إن الله حرم الخمر. فأمره أن يريقها فجرت بها سكك المدينة. من الذي أراق الخمر؟ الناس لما اقتنعوا، (لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] قال عمر: انتهينا انتهينا). ثم يقول العلماء: انظر إلى أسلوب القرآن! ما قال الله: انتهوا، بل قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] وهذا كما يقول المفسرون: من أرفع أساليب الإقناع؛ لأن الشخص تقول له: ليتك تفعل كذا, أو هل تفعل كذا, فتحدث عنده شوقاً للامتثال, فلما نزلت هذه الآية بمجرد الانتهاء كما في صحيح مسلم صاح عمر: (انتهينا انتهينا) أي: ما لنا بعد أمرك ونهيك سبحانك وتعالى, وانتهينا أي: كففنا عن هذا الأمر. (فليغيره بلسانه) كيف تغير بلسانك؟ الشخص الذي أمامك يتعاطى المنكر وفيه جانبان: جانب داخلي الذي هو الباطن, وجانب ظاهري, الجانب الداخلي قناعته بالمنكر, والجانب الظاهري وجود المنكر, ويتعامل مع هذا المنكر, فأعظم ما يكون من التغيير أن تصل إلى سويداء قلبه, فتجتث من قلبه الشر، (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) , فتحرص على أن تجعل في قلبه قناعةً كاملةً بحرمة هذا الشيء, وتعتمد على أساليب من أهمها أسلوبان: أسلوب الترغيب، وأسلوب التنفير, وكلاهما أسلوب القرآن. ولذلك تجد الله في كتابه ينهى عن الحرام ثم يذكر عواقبه الوخيمة في الآخرة من عذاب جهنم وسخطه وغضبه -نسأل الله السلامة والعافية-, هذا أسلوب الترهيب, وكذلك استخدمه النبي ﷺ كما في قوله: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم, ولهم عذاب أليم، قال أبو ذر: من هم يا رسول الله خابوا وخسروا ... ) , فالمقصود أن تستخدمه فتأتي -مثلاً- أمام صاحب المنكر وتتلو عليه آية من كتاب الله, وحديثاً من سنة رسول الله ﷺ للتوجيه، فتأتي بالتوجيه بالأسلوب المؤثر المقنع؛ لأن الناس يختلفون, يقول العلماء: هناك آيات للترغيب وهناك آيات للترهيب, فإذا كان الذي أمامك من النوعية التي لا ينفع فيها الترغيب؛ لأن فيها قسوة وفيها نوعاً من الكبرياء بالباطل، تقرعه بآيات الزجر وآيات التخويف؛ لأنك إذا جئته بآيات الترغيب كان ضعفاً, ولذلك ينبغي أن تظهر عزة الدين وترفع من المعروف الذي تأمر به وتحقر من المنكر الذي تنهى عنه, فتذكره بقوارع التنزيل, وتذكره بالجنة والنار, وتقول له: يا أخي خف الله أمامك قبر أمامك حساب أمامك صراط أمامك جنة ونار، وتذكر له من الكلام الذي يدل على الترهيب، فلما تأتي هذه الكلمات المضيئة من كتاب الله وسنة النبي ﷺ تصادف قلباً فارغاً وإن كان فيه الشر, لكن الله يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨] , فتبدأ بالتقريع، فمثل هؤلاء النوعية التي تتعاطى المنكر بنوع من الكبرياء والعزة يصلح لها أسلوب التوبيخ والتقريع، ويكون الكسر للمنكر في عينه وفي وجهه أبلغ في إهانته وزجره, وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ , وذلك حينما حصلت قضية عمرو بن أمية الضمري فذهب إلى بني النضير؛ وكانوا يهوداً بالمدينة، وبينه وبينهم عهد, فجاء يريد أن يأخذ منهم المعونة على الدية, فجاءهم ﵊ وهم أهل مكر وأهل كيد، فقالوا له: انتظر تحت الحائط حتى نعطيك الدية, وأرسلوا سفيهاً من سفهائهم لكي يرمي عليه حجراً فيقتله صلوات الله وسلامه عليه, فلما جلس جاء جبريل بالوحي وأخبره بما يكيدونه به، فانطلق ﵊ إلى المدينة ومعه أصحابه لا يدرون ما الخبر, ثم أرسل إليهم: أن اخرجوا من دياركم, قالوا: نخرج, فكتب عبد الله بن أبي بن سلول قائلاً لهم: لا تخرجوا أنا أنصركم على عادته من الكيد لرسول الله ﷺ , فقال لهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر:١١] خدعةً, فبقوا, فلما بقوا آذن النبي ﷺ أصحابه فخرج إليهم بالقوة فحاصرهم خمسة عشر يوماً من ربيع الأول -صلوات الله وسلامه عليه- فلما حاصرهم قالوا: نخرج, قال: أما الآن فلا. انظروا كيف عزة الإسلام! جاءهم أولاً فقال لهم: اخرجوا, ثم قال بعد أن رفضوا: أما الآن فلا, الآن أنتم تحت قهرنا وقوتنا ولا تخرجون إلا وأنتم صاغرون, فأذلهم ﵊ وكانت ما أفاء الله على رسوله وكانت نعمة من الله على نبيه حتى خير أن يضع أمواله وغنائمه حيث شاء, فكانت كسراً لشوكة الأعداء بقوة. كذلك أهل الباطل والغيظ، لما تأتيه باللين في مقام لا يصح فيه اللين، فإنه ليس من الحكمة في شيء قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] فالحكمة: هي وضع الشيء في موضعه, فتبدأ بتغييره باللسان بأسلوب التقريع والتوبيخ إذا كان الذي أمامك عنده أنفة وله سوابق وجرائم وهو إنسان مستفحل في الشر, فهذا يقرع ويوبخ ويؤنب، ويبين له عاقبته وما ينتظره من العاقبة الوخيمة في الآخرة. أما لو كان إنساناً لا سابقة له, إنسان خُدع وغُرر به وما إن دخلت عليه حتى أصابته الذلة, وترى من دلائل الحال والقرائن أنه نادم وأنه متأثر فالنبي ﷺ يقول: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) قال العلماء: ذوي الهيئات هم الذين لم تعرف لهم سوابق, يكون من أسرة طيبة وبيت طيب ولكن قرناء السوء زجوا به إلى هذه العاقبة الوخيمة, فلتقف على مثل هذا وتقول له: يا فلان أين أبوك؟ أنت ابن من؟ حتى لو كانت الذكرى بالأمور الدنيوية فتذكره ببيته وبشرفه, تقول: ماذا جنيت؟ وتجعله يؤنب نفسه, هذا من التغيير باللسان. فالتركيز على قضية الترغيب والترهيب لاجتثاث الشر من القلوب؛ لأنه ليس من تغيير المنكر أن نأتي ونكسر المنكر، والرجل مقتنع قناعة كاملة بأن هذا معروف؛ لأنك إذا كسرته اليوم سيعيده في الغد، وإذا كان لا يفعله في الظاهر فسيفعله في الباطن, وإذا كان يتقيك في العلانية فإنه لا يتقيك في السر, ولكن إذا اجتثثت الشر من قلبه وذكرته بالتغيير باللسان وأصبح عنده القناعة، فإنه يغير ظاهراً وباطناً، وسراً وعلانية كما فعل أصحاب النبي ﷺ . فمن أكمل التغيير باللسان, استخدام أسلوب الترغيب والترهيب, وينبغي على من يستخدم هذا الأسلوب أن يراعي الحال ومناسبة الحال, فمن صلح فيه الترغيب لا يعطى أسلوب الترهيب؛ لأن الذي تجد عنده انكساراً هو شخص رأيته وقع في جريمته ثم وجدت عنده الانكسار الكامل, فلو جئت تزيد عليه بالآيات ربما يصل به الخوف إلى درجة اليأس من رحمة الله, وهذا أمر مهم جداً. ولذلك تجد بعض العصاة والمذنبين -وهذا يمر علينا من فتاوى الناس وأسئلتهم- يشعرك أنه لا رحمة تنتظره عند الله ﷻ -نسأل الله السلامة والعافية- وهذا لأنه أوغل في جانب الخوف, ولذلك يقول العلماء: في عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا بد من الخوف والرجاء, فلا يغلب جانب الخوف ولا يغلب جانب الرجاء, لأنهما جناحان, جناحا السلامة كما يقول بعض الأئمة، وينبه عليه الإمام ابن القيم ﵀ في كتبه, وهذا صريح الكتاب كما قال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة:١٦] ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] , لا نستطيع أن نأتي بالتخويف فقط، ولا نأتي أيضاً بسعة رحمة الله، ونلين مع الناس حتى تذهب هيبة الإسلام والعمل والمحتسب, لا بد من الوسطية, فإن كان المقام يقتضي الترغيب رغبنا, وإن كان المقام يقتضي الترهيب رهبنا.

стр. 793

الأسئلة

стр. 794

كيفية النصيحة التي تبرأ بها الذمة السؤال فضيلة الشيخ! لي جيران لا يؤدون الصلاة في جماعة فهل تبرأ الذمة بإرسال شريط أو فتوى أو كتاب للجيران, أو لا بد من المناصحة؟ الجواب لا بد من المناصحة, لا بد أن تنصحهم وتشعرهم أنك غير راضٍ عما هم عليه، تأتيهم وتزورهم, أو تدعوهم إليك ليزوروك وتجلس معهم, وتقول لهم: أنتم جيران وحقكم كبير عليّ, ومن حقكم عليَّ وحقي عليكم: أن نتناصح، وأن يذكر بعضنا بعضاً، فالصلاة مع الجماعة واجبة قال ﷺ للأعمى: (أتسمع النداء؟ قال: نعم, قال: أجب فإني لا أجد لك رخصة ... ) , وهو أعمى وتكون الظلمة والمطر. ومن حديث ابن عباس: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) , فهذا أمر عظيم جداً فيبين لهم وينصحوا ويذكروا, فإذا أقمت الحجة عليهم فقد برئت ذمتك، والله تعالى أعلم.

стр. 795

كيفية التعامل مع المنكرات المنتشرة السؤال فضيلة الشيخ! هناك منكراتٌ تفشت وعمت مثل: حلق اللحى، وإسبال الثياب، وشرب الدخان، فكيف يكون الإنكار في مثل هذه الحالات؟ الجواب تنكر بقدر ما تستطيع, مثلاً: لو رأيت إنساناً يحلق لحيته، وجئته بأسلوب مؤثر وقلت له: يا أخي! النبي ﷺ أمر بإعفاء اللحية وإحفاء الشارب، وذكرته وبينت له هدي رسول الله ﷺ فهذا أجر وقربة, كذلك أيضاً إذا كان إعراضك عنه يؤثر فيه؛ لأن الأمر بالشيء أمر بلازمه, فتنكر عليه على قدر ما تحمله من طاعة الله. يا إخواني! من أهم الأمور التي ينبغي للإنسان أن يجعلها نصب عينيه أن يعامل الله , ربما يجلس إنسان أمامك يشرب الدخان -أكرمكم الله- في وجهك، تصوروا! أولاً: لم يستح منك, ولم يهابك, ولم يجاملك, ماذا بقي له؟ ماذا تنتظر؟ هو على شره، وقد أظهر الشر في وجهك ولم يبال ولم يستح ولم يقدر, فأنت أقم عليه حجة الله، لا نقول: تضربه, أو تؤذيه, بل أقم حجة الله عليه وقل له: يا أخي! اتق الله أولاً في نفسك هذه التي تعذبها, وثانياً: اتق الله في مالك الذي يسألك الله عنه, يا أخي! تذكر لو أنك الآن في قبرك هل ترضى أنك تشرب هذا البلاء؟ نقطة ثانية: بدل أن تأتيه مباشرة بالتخويف ممكن أن تقول له: أسأل الله العظيم أن يعافيك من هذا البلاء, لما تبدأ بالمودة وتقول له: أسأل الله أن يعافيك من هذا البلاء يحس أنك تراه كالغريق، يقول لك: آمين، وربما لا يجيبك, فتقول له: يا أخي! خفف من هذا البلاء بدل من أن تشرب عشرة اشرب خمسة, وأعطه الحل، ولذلك يقول العلماء: لا تبين المنكر دون وضع حل له, ولذلك قال موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٥٤] فهذا تبيين المنكر, ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] ما اقتصر على تبيين المنكر؛ لأنك إذا بينت له المنكر ولم تبين له الحل يقف حائراً, ولذلك ينبغي أن تبين له الحل وتقول له: يا أخي! خفف, يا أخي! ارفق بنفسك, لا تعذب نفسك، هذا أمر مهم جداً, هذا بالنسبة لمن يتعاطى المنكر خاصة في وجهك فتصدع بالحق وتبين له وتعذر إلى الله يوم القيامة، فإذا لم تعذر إلى الله يوم القيامة فإنه سوف يتعلق بك يقول: يا رب سل هذا رآني على المنكر ولم ينصحني, فالإنسان قدر ما يستطيع يبلغ رسالة الله بالأسلوب الطيب والتوجيه السديد, لعل الله أن يعظم له الأجر بذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 796

ضرورة مراعاة المصلحة في الإنكار السؤال يقول كثير من الناس: إن التغيير باليد مقتصر على رجال الهيئة، فهل يكفي هذا إذا وجدت منكراً أن أتصل بالهيئة وتبرأ ذمتي بذلك؟ الجواب لا شك أنه إذا كانت الهيئة تقوم بمهمتها -وهذا هو الظن بها- أن تتعاون معها، خاصة وأنك إذا غيرت بيدك, قد يحصل أمور لا يحمد عقباها, افرض لو غيرت بيدك وجاء الرجل وجعلك معتدياً عليه واستعدى عليك, فحينئذٍ يكون هناك جهاز مختص بتغيير المنكر فإذا أمكنك أن تتصل به وأن تنسق معه فهذا أمر مطلوب, فيحاول الإنسان بقدر الاستطاعة حتى لا يؤذى أهل الحق, ولا يتسلط أهل الباطل عليهم, فلذلك يتصل الإنسان بالهيئة لتغييره, لكن لو كان الأمر ممكناً للإنسان في حدوده أن ينكره ويغيره بيده وبلسانه مباشرة فليفعل, لكن في الأمور التي تترتب عليها مفاسد أو تكون منها أضرار أو تفتح لأهل الشر سبيلهم، فإنه ينبغي أن يتقيها, يعني: قدر المستطاع، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤] انظر هارون أمام عجل يعبد من دون الله, لكنه انتظر مجيء موسى الذي قال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ [طه:٩٧] وأخذ بالقوة حتى أخذ هارون ينكر عليه هذا, قالوا: إنه إذا تيسر الإنكار باليد بوجود من يقوم به، فالإنسان يتعاون مع الهيئة ويتصل بهم، وقد تكون هناك مصالح في هذا الأمر, لكن نترك الأمر بالمعروف نهائياًَ بناءً على وجود هيئة الأمر بالمعروف فلا, إنما يقوم الإنسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقدر استطاعته, فإذا أمنت المفاسد وتحققت المصالح فثم شرع الله, تبدأ وتنكر وتبين بغض النظر عما سيكون من العواقب الحميدة أو الوخيمة، وأما إذا تيسر وجود من يقوم بهذا الأمر فإن الإنسان يحرص على إقامته, والله تعالى أعلم. أسأل الله العظيم أن يجزيكم كل خير, وأن يجمعنا في دار كرامته إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 797

حِكَمُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومصالحه السؤال فضيلة الشيخ! يصاب المسلم بشعور الإحباط عندما يرى كثيراً من المحرمات والكبائر, وكذلك يجد من يورد عليه بعض أحاديث الفتن ويقول: هذا زمان الفتن، فيكون في عمله ضعف ويقل عمله, فما هو توجيهكم؟ الجواب أما بالنسبة لكثرة المنكرات أو وجودها فهذا ابتلاء من الله : ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠]. ثم إن وجود المنكر فيه حِكَم لله : أولاً: استدراج لأهل الفساد؛ لأنه يستدرج، والله سبحانه كيده متين: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]. ولذلك يستدرج الله العبد من حيث لا يحتسب, حتى إنك ربما تمر على صاحب المنكر وهو يفعل المنكر بكل طمأنينة وارتياح فاعلم أنه مستدرج, إذا رأيت صاحب المنكر أنه بلغ به أن يظهر منكره وهو مرتاح مطمئن النفس لا يحس بشيء، فاعلم أن هذا من الاستدراج لله جل وعلا وكيده به؛ لأنه لو خاف لقل المنكر, لكن يتركه الله ويعطيه القوة ويعطيه الجلد. الأمر الثاني: أن ظهور المنكر يكون بحكمة لله بسبب انطفاء الإيمان من القلوب، وقد ذكر بعض العلماء عن رجل أنه كان يسفك الدماء -والعياذ بالله- وكان معه رجل يعرفه في الخير, وكان الرجل مستقيماً في أول أمره -نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على طاعته، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا- وفجأة -والعياذ بالله- أصابه فساد فانتهك في الخمور حتى أصبح -والعياذ بالله- مصراً على البغي والفجور, الشاهد: قال العالم للرجل: أرأيت حينما قتلت أول مرة؟ قال: نعم, قال: ماذا أصابك؟ قال: أصابني خوف, قال: وفي الثانية؟ قال: لم أبالِ, وفي الثانية والثالثة لم يبال كذلك، هذا أمر عجيب! يقول بعض العلماء: لأنه لما نزع الإيمان من قلبه -نسأل الله السلامة والعافية- أحس بالضيق؛ لأنه كان في سعة فانتقل إلى الضيق, فالمرة الأولى كُبت عدو الله بسبب خروجه -نسأل الله السلامة والعافية- من كمال الإيمان (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ورد في الحديث: (أن الإيمان يخرج منه حتى يصير كالظلة ثم يرجع إليه ناقصاً على قدر ما انتهك من حدود الله) فالشاهد: أن كثرة المنكر استدراج من الله لأهل الشر. ثالثاً: قوة لأهل الخير, لأن هذا الأمر مسلَّم, حتى الحكماء يقولون: قوة الخير بوجود ما يضاده. ولذلك انظر في سنة النبي ﷺ كان بمكة فجعل الله في وجهه المشركين, وانتقل إلى المدينة فوجد الأنصار والرجال والعدد والعدة وكل شيء يحتاجه بين يديه, بين أمة تفديه بأرواحها, الأنصار كانوا يحبونه وكانوا لا يرضون بأن يمس بأذى صلوات الله وسلامه عليه, ومع ذلك سلط الله عليه اليهود والمنافقين أن يكونوا بجواره, فجمع الله له الكفر بين طائفتين: طائفة تظهر وطائفة تسر, حتى نعلم شعائر الإسلام، نعلم كيف نعامل, يعني: على عهد النبي ﷺ من عجائب ما مر -وهذا في الصحيحين - أن دخل النبي ﷺ على مجلس من مجالس الأنصار فاختصموا فيه حتى هموا أن يضربوا بعض والرسول ﷺ بينهم, فهذه فتنة بحضور النبي ﷺ , وتقع الفتنة ابتلاء من الله واستدراجاً. قضية الإفك عرض النبي ﷺ , خاض فيها من خاض, وهذا يدل على أن الشر وجد ابتلاءً، حتى يظهر إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين, وتنكشف حقائق الناس, ولذلك لا بد من وجود هذا الابتلاء وكثرة المنكرات. الأمر الرابع: فيه خير لأهل الخير، فافرض أنك خرجت من بيتك فرأيت منكراً ماذا سيكون في قلبك إذا كان هناك إيمان؟ ستتألم ويتمعر وجهك وتقول: حسبنا الله ونعم الوكيل, هذا الغيظ الذي في قلبك قربة إلى الله , وعمل صالح، وشهادة منك أنك غير راضٍ على هذا. وقد يكون وجود المنكر أيضاً ينبه, فالآن لما ترى المنكر تخاف على نفسك وتخاف على أهلك وولدك. وآخر ما أختم به مثالاً من الأمثلة: لو أن الناس في سفينة, والسفينة هادئة دون أمواج وهي على البحر دون أن تجد أي شيء يعكر صفاها, هل يشعرون بمقدار النعمة التي هم فيها؟ قد يغفلون, لكن حينما يمرون بهذا الوضع فيرون أمام أعينهم سفينة تغرق وأناساً تتلاطم بهم الأمواج ماذا سيفعلون؟ سيحمدون نعمة الله على ما هم فيه. فلذلك كثرة الفتن لا تدعو الإنسان لأن يتقاعس أو يضعف أو يجبن, لا. والذي يهمنا -أيها الإخوة- أن نبلغ رسالة الله, وأن نؤدي أمانة الله، وهذه الأيام وإن عظمت فتنها لكن الأجر فيها عظيم, ولذلك قال ﷺ : (للعامل فيهن مثل أجر سبعين, قالوا: يا رسول الله! منا أو منهم؟ قال: بل منكم، إنكم تجدون على الحق أعواناً وهم لا يجدون على الحق أعواناً) يقول العلماء: مثل أجر سبعين من الصحابة قالوا: نعم, توضيح ذلك قالوا: في أيام الصحابة لو جئت تنكر منكراً كل الناس معك, وكل الناس تقول: أنت على حق, وهذا منكر وجزاك الله خيراً، ويقفون معه ويشدون من أزره, لكن الآن إذا جاء إنسان ينكر منكراً قالت له الزوجة: لا تنكر, ما نحتاج إلى مشاكل, وقال له الأولاد: لا تنكر, وقال له الأخ: لماذا أنت تؤذي الآخرين؟ مالك ومال الناس؟! ثم جاءه المجتمع: ما هذا؟! يا فلان لماذا تؤذي الناس؟ لماذا تضيق على الناس؟ إذا تكلمت الزوجة وضيقت عليك فلك أجر, إذا تكلم الابن وضيق عليك فلك أجر، والمجتمع كذلك, فتأخذ الأجر من هنا ومن هنا حتى تبلغ أجر السبعين, وهذا يدل على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الزمان, خاصة إذا كان الإنسان جمع بين العلم والعمل والدعوة الصادقة الخالصة لوجه الله الكريم. نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل. والله تعالى أعلم.

стр. 798

حكم انتظار الشكر والثناء على العمل من البشر السؤال هل تذمر الرجل من تجاهل أعماله، وعدم الشكر على أعماله, وظهور ذلك في نفسه رغبة للشكر, هل يطفئ من إخلاصه وينقصه؟ الجواب إذا كنت تعمل لله فانتظر شكر الله ﷻ , فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠] فشهد الله من فوق سبع سماوات أن من عمل له عملاً صالحاً، أنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً, فتحرص -بارك الله فيك- على أن لا تنتظر إلا ثناء الله, ولا تنتظر إلا مدح الله , فإذا فعلت ذلك فإن الله سيجمع لك مدح الدنيا والآخرة, وفي الحديث -وقد حسنه بعض العلماء- يقول فيه النبي ﷺ : (إن للعبد صيتين -أي: سمعتين- صيتاً في السماء وصيتاً في الأرض, فإذا عظم صيته في السماء وضع له في الأرض) وتجد العلماء لهم في الأرض محبة وذكر, حتى إن كثيراً من العوام يسمع بالشيخ فلان فيحبه ولو لم يره, قد يكون يحبه ولو لم يسمع منه كلمة, ولكن مما سمع من أقواله وأفعاله, لماذا؟ لأن الله وضع له صيتاً في السماء ثم وضع له في الأرض. فأنت إذا عملت ابتلاك الله, ومن ابتلاءات الله أنه قد ينسي من فوقك أن يشكرك, قد يكون الله يحبك؛ لأنه لو شكرك فتنت, فأصبحت تعمل للشكر, فقد يريد الله أن يصطفي قلبك له ﷻ , فلا يجعل أحداً يحمدك ولا أحداً يشكرك, فتصبح واضعاً بصرك في الأرض مطأطأ الرأس كأنك مغمور لا أحد يشعر بك, والخفي له مكانة عند الله , هذا العبد الخفي: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه إن كان في الساقة ففي الساقة ...) إن قالوا له: تقدم، تقدم, قالوا: تأخر، تأخر, المهم أن يعمل في طاعة الله . الأمر الثاني: إحسان الظن, فهو من الأمور المهمة سواء في أمور الدين أو الدنيا، إذا أحببت أن يتسع العيش, وكانوا يقولون: من سعادة الإنسان -دائماً- أنه إذا وجد شيئاً يعتبر خطأ ممن هو فوقه أو من هو مثله أو ممن هو دونه, التمس له مخرجاً, سبحان الله! إذا حصل شيء كأن لم تشكر فقلت: إنهم نسوني, أو مشغولون, لو كنت مكانهم لشغلت, ثم هذا واجب عليّ فلا أنتظر فيه شكراً, لما تلتمس له مخرجاً يتسع قلبك, لكن بمجرد أن يضيق الإنسان، هؤلاء ما يشكرون, ويبدأ يتذمر فيدخل الشيطان عليه فيقول له: أنت لا أحد يشكر عملك, إذاً لا تعمل، ويبدأ -والعياذ بالله- تنحل عقد الخير منه عقدة عقدة, وتنحل عزيمته على الخير عقدة عقدة؛ لأنه يعمل للناس لا لرب الناس -نسأل الله السلامة والعافية- فهذا من أعظم الابتلاء. فانتظر شكر الله واحمد لله ﷻ أن صرف عنك فتنة المدح خاصة في أمور الدين, الإنسان يحرص على أن ينتظر ثناء الله لا ثناء أحد سواه, فأنعم بها، فهذه نعمة من الله , ولله حِكَم, بعض العلماء قد يعيش في زمانه لا يحمده أحد, شيخ الإسلام ابن تيمية -لو تقرأ سيرته- كان أعداءه وخصومه من كل حدب وصوب، ولما توفي وضع الله له القبول من الذكر والتعظيم, حتى إذا قيل: شيخ الإسلام؛ ما يُنصرف إلا إليه, هذا ابتلاء من الله , قد يعلم الله أنه لو وضع لك الشهرة أمام الناس تفتن, سبحانه! ما أحلمه! وألطفه! وارحمه بعباده. نسأل الله العظيم أن يجعل قلوبنا له, وأن يجعل شكرنا منه ، والله تعالى أعلم.

стр. 799

كيفية تحصيل الإخلاص السؤال فضيلة الشيخ! تكلمت عن الإخلاص فكيف نحصله؟ الجواب الإخلاص لله نور يقذفه الله في القلوب, ومن أعظم الأسباب التي تعين على الإخلاص أن تكثر من دعاء الله أن يجعل أقوالك وأعمالك خالصة لوجهه الكريم, فإننا لا نستطيع بحولنا وقوتنا أن نكون مخلصين، ولكن التوفيق من الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨]. فإذا افتقرت إلى الله أغناك, وإذا علم الله أنك تحب الإخلاص وفقك إليه ويسره لك، ولذلك أكثر من دعاء الله: اللهم إني أسألك الإخلاص في القول والعمل, اللهم اجعل عملي خالصا لوجهك, دائماً تكثر منها, إذا خرجت من بيتك في الصباح تكثر من هذا الدعاء, إذا كنت في السجود بين الآذان والإقامة التي ثبتت بها الأحاديث الصحيحة، تدعو الله أن يجعل قلبك مخلصاً لوجهه الكريم, وتعتذر إلى الله من كل رياء ومن كل شرك في عملك وقولك حتى ينفحك الله برحمته وييسر لك هذا الأمر العظيم. الأمر الثاني مما يعين على الإخلاص: كثرة قراءة القرآن مع التدبر والتأمل ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] فالإخلاص من عمل القلوب, ويحتاج الإنسان إلى هاد يهديه وهو القرآن, فإنه قل أن تجد إنساناً يكثر من تلاوة القرآن إلا عمر الله قلبه بالإخلاص؛ لأن القرآن فيه الوعد والوعيد والبشارة والنذارة والتخويف والتهديد فيكسر القلوب لله ﷻ , والقرآن يخرجك من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة, وينزعك من مراقبة العباد إلى مراقبة رب العباد سبحانه لا إله إلا هو, ولذلك إذا أردت الإخلاص أكثر من تلاوة القرآن. ثالثاً: زيارة المقابر، فتجعل لك ولو في الأسبوع مرة واحدة تزور فيها المقابر، وتنظر إليها حتى تحتقر هذه الدنيا التي أنت فيها، فتصبح أعمالك وأقوالك لهذا الذي أنت مقبل عليه, وتذكر دائماً أنك في مثل هذه اللحظة ستمر عليك وأنت رهين الأحداث والبلاء, لا مال ولا بنون, لا يكون للإنسان إلا ما عمل وأراد به وجه الله ﷻ . فلذلك من الأمور التي تعين على الإخلاص كثرة ذكر الآخرة، ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ [ص:٤٦] كأن سائلاً سأل: ما هي؟ فقال: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص:٤٦] هذه من خاصة ما يصطفي الله , فإذا ملأ الله قلبك بذكر الآخرة أخلصت لله . ولذلك لا تجد إنساناً قلبه مليءٌ بالدنيا ويخلص أبداً, القلب وعاء إما دنيا وإما آخرة, فمن الأسباب التي تعين على الإخلاص كثرة ذكر الآخرة. ومن الأمور التي تعين على الإخلاص: قراءة سير العلماء، فعندك كتب مثل: سير أعلام النبلاء , وكتاب البداية والنهاية لـ ابن كثير , وغيرها من الكتب، فقراءة التاريخ, وقراءة سير السلف الصالح؛ لأنها تحيي في النفوس الهمة العالية للخير, ثم تضعك أمام قدوة، ولذلك قال الله : ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠] فقصص الصالحين تثبت الفؤاد, وتثبت القلوب. فمن الأمور التي تعين على الإخلاص قراءة سير العلماء، قال الإمام أبو حنيفة: سير العلماء أحب إلينا من كثير من مسائل الفقه. هذه من الأمور التي تعين على الإخلاص, فيحرص الإنسان دائماً على قراءة هذه السير. النقطة الأخيرة: استشعار عاقبة الإخلاص، تصور لو أنك واقف بين يدي الله ﷻ , وعرض على الله جميع ما قلت وما عملت, فقال الله لك سؤالاً واحداً: هل أردت بهذا وجهي أو غيري؟ فهو أمر عظيم, والله يا إخوان إنه أمر عظيم، كان بعض السلف إذا قيل له: حدثنا، يقول: حتى تأتينا النية, لا يستطيع أن يحدث حتى يستشعر أنه يتحدث لله , فلذلك يقول سفيان الثوري إمام العلم والعمل في زمانه: ما وجدت أشد عليّ من نيتي إنها تتقلب عليّ, أي: ما قابلت شيئاً أعظم ولا أشد من قلبي. إنها تتقلب علي, أي: تارة أصرفها للآخرة فتنقلب إلى الدنيا وإلى الناس, حتى لو غيرتَ المنكر يأتيك يقول: ما شاء الله سار الناس يذكرونك, وأنت كذا، وهذا شيء طيب، وتسمع الذكر في المجالس ابتلاءً, وتمحيصاً, وقد تجد الرجل يخلص ويخلص إلى آخر لحظة فيأتيه شخص ويقول: ما شاء الله فعل الله بك كذا, وصنع الله بك كذا, فيعجب فيهلك, قال مطرف ﵀: [لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليَّ من أبيت قائماً وأصبح معجباً]. فلذلك ينبغي للإنسان أن يخاف, وإياك وفتنة المدح والثناء, خاصة الذي يمدحك في وجهك، فاتق الأمور التي تحول بينك وبين الإخلاص، والله تعالى أعلم.

стр. 800

حياة القلوب اللسان نعمة من الله تعالى على العبد، يجب عليه أن يشكر الله عليها، وذلك باستغراقها في ذكره وشكره، وتسبيحه وحمده، وتوحيده وتكبيره. ومن نعم الله على المؤمن أنه لا يطمئن قلبه، ولا ينشرح صدره إلا بذكر الله وما والاه، أما صاحب القلب القاسي فعكس هذا تماماً، فتراه يكثر من فضول الكلام ولغط الدنيا، حتى إنك تجده في غفلة عن الآخرة والعياذ بالله.

стр. 801

أسباب كثرة الحديث في لغط الدنيا الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه. أما بعد: إخواني في الله: اللسان نعمة من الله ﵎ على العبد، وهذه النعمة تستوجب من العبد أن يشكرها لا أن يكفرها، وأن يسخرها في محبة ربها ومولاها ، ويكون ذلك باستغراقها في ذكر وشكر يرضي الله ، فإذا كان الإنسان قد أراد الله له التوفيق ألهمه استدامة الذكر، ولذلك من ذكر الله كان في حصن حصين من عدوه وهو إبليس لعنه الله، والعكس بالعكس. ولن تجد الإنسان قد انشرح قلبه واطمأن فؤاده، وأصبحت نفسه طيبة مطمئنة إلا وجدته محافظاً على ذكر الله ، والعكس بالعكس، فالذين يكثرون الكلام في فضول ولغط الدنيا غالباً ما تجدهم قد قست قلوبهم، وكذلك تجدهم في بعد وغفلة عن آخرتهم، ولذلك نصح العلماء ﵏ باغتنام الحديث فيما يرضي الله ، وحذر العلماء والأخيار من فتنة القول التي توجب قسوة القلب. فالمقصود: أن الإنسان إذا كان مبتلىً بكثرة الحديث في لغط الدنيا ننظر في الأسباب، الأمر الأول: أحياناً يكون السبب القرناء الذين تجلس معهم، فإذا كان القرناء الذين يجلس معهم الإنسان أقوام شغلتهم الدنيا عن الآخرة، وألهتهم فضول الدنيا عن الآخرة، وعن التجارة الرابحة مع الله ﵎، فالعلاج أن تلتمس قرناء أخيار أهل ذكر وشكر وعبادة وطاعة وإنابة إلى الله ، هذا إذا كان السبب الخلطاء، وهذا هو من أعظم الأسباب: القرناء. الأمر الثاني: قد يكون السبب ضعف الإيمان في القلب، فإن الإنسان إذا ضعف إيمانه اتجه إلى ما هو ضد ذلك، وهو فضول أحاديث الدنيا، والاشتغال بلغط هذه الأحاديث التي قد تنتهي به إلى ما لا تحمد عقباه. الأمر الثالث: هذا الضعف -ضعف الإيمان- علاجه: أخذ الأسباب التي تعين على قوة الإيمان بدرجة يكثر فيها ذكر العبد لربه، وكذلك اغتنامه للسانه في طاعة الله ، قد أفلح والله من رزقه الله لساناً ذاكراً، وأفلح والله من رزقه الله لساناً شاكراً، وما الذي يجنيه الإنسان من هذه الحروف والكلمات، إما كلمة له وإما كلمة عليه، كلمة تسره إذا لقي الله ، ويبيض بها وجهه، ويثقل بها ميزانه، وتنصع بها صحيفة عمله عند ربه يوم القيامة، فالإنسان يحافظ على أن يكون من أهل ذكر الله ، ويحافظ على مرتبة السلامة وهي الصمت، فإذا لم يجد من يعينه على ذكر الله يقتصر على الصمت. الحلم زين والسكوت سلامة فإذا نطقت فلا تكن مهذارا ما إن ندمت على السكوت بمرة ولقد ندمت على الكلام مرارا والكلمة إذا خرجت من الفم لن تعود أبداً، فهي إما للإنسان وإما عليه، وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه يمسك بلسان نفسه ويقول: [هذا الذي أوردني الموارد] كم كلمة تلفظت بها فاشتريت بها رحمة الله، وكم كلمة تلفظ بها العبد أوجبت سخط الله وغضبه، وقد قال ﵊ في هذا المعنى: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يكتب الله له بها رضاه إلى يوم يلقاه) تتكلم بكلمة واحدة تثني بها على الله . كنت جالساً لوحدك فتذكرت آلاء الله ، وقلت: كنت محروماً فأعطاني الله، وضعيفاً فقواني الله، وجاهلاً فعلمني الله، وخائفاً فأمنني الله وكنت وكنت هذا الكلام التي تتلفظه وتثني به على الله يكتب الله لك به الرضا، وقد تكون هذه الحروف تلفظها وتتكلم بها لا تلقي لها بالاً تصعد إلى السماء، هذا الكلام اليسير الذي تثني به على العلي الكبير يصعد إلى الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] تصعد فتفتح لها أبواب السماء، لكي تنتهي إلى ذلك المكان الذي شاء الله أن تنتهي إليه، لماذا؟ لأنها كلام يحبه الله ويرضاه. والعكس بالعكس -والعياذ بالله- قد يتكلم الإنسان بالكلمة لا يلقي لها بالاً يكون فيها غيبة، أو نميمة، أو لمز، أو انتقاص للناس، يهوي بها في سفال -والعياذ بالله- وليأتين عليه يومٌ يتمنى فيه أن أمه لم تلده حتى لا يتكلم بتلك الكلمة. والعبد قد ينجو بكلمة صالحة، وقد يهلك بكلمة طالحة، ينصب للعبد ميزانه وينشر له ديوانه ويقال: هات ما عندك من صلاح وطلاح، فيأتي بأعماله الصالحة لكي توزن، ويأتي بأعماله السيئة لكي توزن، فتستوي كفة الحسنات والسيئات، وتأتي تسبيحة واحدة أو تحميدة أو استغفارة توجب نجاته من عرصات يوم القيامة وهي كلمة واحدة. فالمقصود: أن العبد إذا تكلم أو كان في مجلس أن يحرص على أحد أمرين: إما أن تكون من أهل الكمال -رحمك الله- بالكلام الطيب، والتذكير بالله ، وتقريب القلوب إلى الله ، أو على الأقل تكون صامتاً وهو حال أهل السلامة، قال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ولذلك قال بعض السلف: [من علم أن الله يسأله عن كلام فيه؛ قَلَّ قوله إلا فيما يعنيه] من علم أن الله سيسأله عن قول فيه، يعني: الكلام الذي تكلمه بفمه، قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه. ولذلك كان السلف الصالح ﵏ حريصين على عدم كثرة الكلام، والثرثرة فيما لا يرضي، خاصة إذا كانت فيما لا يرضي الله ، الآن بعض الشباب الأخيار يصلون ويخرجون من تلك البيوت الطاهرة ثم نزل بهم القدم إلى الوقوع في ذلك، فأنت إذا صليت في مسجد من المساجد تخرج بانشراح عجيب، وطمأنينة غريبة، حتى إذا جلست المجلس ونطقت بكلمة واحدة من غضب الله وإذا بالقلب يضنك، وإذا بذلك الانشراح يخلفه انقباض، وذلك النور تعقبه الظلمة، فإذا بالقلب قد تغير، وإذا بالنفس التي كانت مطمئنة متلهفة على طاعة الله إذا بها على العكس أو الضد من ذلك والعياذ بالله. فالمقصود: لا بد من مراقبة اللسان والكلام الذي يتفوه به، فهذا من علامة السعادة والتوفيق -جعلنا الله وإياكم من أصحابها- ولذلك ذكروا عن بعض السلف أنه كان يحصي عدد الكلمات التي يتكلم بها من الجمعة إلى الجمعة، ولذلك يقول بعض الفضلاء: لو أن إنساناً جرب يوماً من الأيام أن يكتب بعض كلامه لأخذ صفحات كثيرة، فكيف بكل الكلام. فالمقصود: أنه ينبغي الحذر من هذا، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم لساناً ذاكراً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 802

الأسئلة

стр. 803

علاج العجب والرياء والوسوسة السؤال هناك مجموعة من الأسئلة عن الرياء والعجب، وسائل يعاني من الوسوسة في الرياء، وسائل يسأل: عن معنى قول الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: إن الرجل ليعمل العمل أمام الملأ من الناس وهو أخلص ما يكون، ويعمل العمل في خفاء عن أعين الناس وهو من أقبح الرياء؟ الجواب هنا قضيتان وردت في السؤال: القضية الأولى: قضية العجب، والقضية الثانية: قضية الرياء في العمل الصالح. أما قضية العجب فهو: شعور من النفس يجعل الإنسان مدلياً على ربه -والعياذ بالله- كأنه يعتقد أنه استوجب الطاعة على الله، وأنه ذاك الرجل الذي قد بلغ ما بلغ من طاعة الله ومرضاة الله بحوله وقوته، نسأل السلامة والعافية. العُجب من أعظم البلايا وأشد الرزايا، وقد يكون الإنسان من أصلح خلق الله قولاً وعملاً، ولكنه عند الله في سفال بسبب عجبه بعمله، وقد يكون العبد من أقل الناس عملاً، ولكن عنده شعور بالتقصير، وعنده ندم في حق العلي الكبير، ومحبة لأن يكون مكملاً لذلك النقص، وإذا به يرفعه الله بهذا الشعور إلى أعلى الدرجات، إن الندم الذي يصحب التقصير نعمة من الله ، وإن كان المفروض أن الإنسان يشحذ نفسه إلى الكمال. لكن المقصود: أن الإنسان قد يغتر بكثرة الصلاح والعمل، وقد بين الله تعالى ذلك حينما قص لنا خبر ذلك الذي عجب بصلاحه وقوله، فأورده الله الموارد، وكانت نهايته خسارة الدنيا والآخرة، يقول تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] انظر ماذا كانت النهاية, النهاية أن جعل بمثابة الكلب -والعياذ بالله- لا يحفظ الخير لربه. فلذلك يبكى على هذا العبد، أعطاه الله ما أعطاه، وبلغه ما بلغه وآتاه، فأدلى على الله بعمله، وكان في عجب من صلاحه حتى تأبى على الرسالة حينما عرضت عليه أن يتبع النبي ﷺ ، فقال: كنت أرجو أن أكون ذلك الرجل، فعجب بنفسه؛ فأورده الله السفال -والعياذ بالله- كان آتاه الله من آياته ما أعطاه، فكانت كلماته عجيبة في التذكير بالله ، ثم كانت الخاتمة -والعياذ بالله- خاتمة سوء، بماذا؟ بسبب الغرور والعجب. ولذلك مواضع عديدة ذكر الله فيها خاتمة الذين كفروا وقرنها بالغرور، فلذلك الإنسان الصالح الموفق يجاهد نفسه في ترك الغرور، إذا دخل الغرور للداعية أفسد الله دعوته، وإذا دخل الغرور لتالي القرآن حبطت قراءته وذهب أجره، وإذا دخل الغرور للإمام هلك في أمانته، وإذا دخل الغرور للشاب الصالح تلف في صلاحه، الغرور لا يدخل في شيء إلا أهلكه، قال بعض السلف: والله ما دخلت مجلساً وأنا أرى نفسي أحقر القوم إلا رفعني الله فكنت أعلاهم، ولا دخلت مجلساً أرى نفسي أعلى القوم إلا جعلني الله أسفلهم. ولذلك كان من سما ت السلف الصالح ﵏ أنهم ما كانوا يغترون، ولذلك تقرأ في قصصهم وتراجمهم، فتجد أن من أبرز الصفات التواضع واحتقارهم لأنفسهم، كان إبراهيم النخعي هو المرجع في الفتوى في الكوفة، ذلك الإمام الجليل والعابد الصالح، وكان آية في الفقه والفهم، ومع ذلك كان لا يجلس تحت سارية في مجلس بعينها خوف الغرور والشهرة، كان يخاف أن يجلس تحت سارية حتى لا يقصده الناس في ذلك الموضع ﵀، وهو إمام جليل ذو قدم راسخة في طاعة الله ومرضاته، حتى أثر عنه أنه مكث ثلاثين سنة ما فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام رحمة الله عليه، ومع ذلك يحتقر نفسه هذا الاحتقار. كان سفيان الثوري ﵀ وهو من أئمة السلف والمحدثين الأجلاء، إذا جلس في المجلس وهو إمام وأي إمام، صلاح وديانة واستقامة وعفة، كان إذا جلس في المجلس ضم ركبة إلى ركبة، وأدلى بعينيه بين ركبتيه أو على ركبتيه، كأنه من الجلاس فيجلس في أطراف المجلس؛ من التواضع واحتقار النفس. من كمال الرجل وصلاحه إذا ازداد من الخير لا يغتر بل ينزل إلى الناس. إن كريم الأصل كالغصن كلما ازداد من خير تواضع وانحنى كريم الأصل، من كثرة الخير الموجود فيه يتواضع للناس ولا يغتر، ما يريد من الناس أن تقوم له وتقعد وتبجله، ويأخذ الدنيا كلها سمعةً ورياء، لا، ما يريد هذا، يريد فقط مرضاة الله ، ثم تجده يتدلى للناس مثل غصن الشجرة إذا جاء الثمر فيه ماذا يفعل؟ كلما ثقلت الثمرة ماذا يفعل الغصن؟ ينزل، وصف الله الجنة فقال: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٣]. فلذلك هكذا أهل الخير والصلاح، إذا كنت على صلاح واستقامة تواضعت للناس، الشاب الصالح الذي أصلح الله قوله وعمله ليس عنده غرور لا في القول ولا في العمل، إذا جئت قلت له: الناس يفعلون الجرائم وكذا. يقول لك: أنا المجرم، المسيء، المقصر في جنب الله . ما يقول: فعل الله بهم وفعل، يغتر بنفسه، تقول له: الناس. يقول: دع الناس، أين أنا وأنت من رحمة الله ؟ أين أنا وأنت من طاعة الله؟ ويتهم نفسه بالتقصير، هذا شأن أهل الصلاح والفلاح -ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- فلذلك من طريق الكمال وطريق أهل الكمال احتقار النفس حتى تسمو إلى درجات الرضا. الأمر الثاني الذي ورد في السؤال: الرياء: وهو لا يأتي إلا بسبب ضعف الإيمان، والله تعالى أشار إلى أن الرياء من صفات أهل النفاق، وجعل من علامة النجاة منه تحقيق التوبة بثلاثة أمور: فقال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦] إذاً تابوا وأصلحوا، الذي هو تحقيق التوبة، فأصبحا بمثابة الشرط الواحد، واعتصموا بالله فأصبح معاذاً لهم وملاذاً، وأخلصوا دينهم لله. إذاً كيف ينجو الإنسان من الرياء؟ بهذه الأمور: التوبة من الرياء، وإصلاح العمل، بعد أن كان يرائي يصبح ما يرائي؛ لأنه من دلائل التوبة الصادقة، واعتصموا -الاعتصام بالله- والمراد بذلك: الاعتصام بكتاب الله، فيقدم ويؤخر الرجل وفق تقديم القرآن وتأخيره، ثم الأمر الأخير: وأخلصوا دينهم لله، فيرجع إلى الإخلاص، إخلاص الديانة والعبودية لله، فالرياء بلاء من الله ﵎ يبتلى به العبد، وسببه -كما قال العلماء-: ضعف الإيمان، ولذلك يجعل الله في ضد أهل النفاق أهل الإيمان، ولما ذكر الله توبة المنافقين قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤٦]. ولذلك بعض المفسرين يأتي بعبارة لطيفة يقول: فأولئك مع المؤمنين، ولم يقل الله تعالى: في المؤمنين؛ لأن تحقيق النجاة من الرياء أمر من الصعوبة بمكان، فقال: مع المؤمنين، ولم يقل: في المؤمنين، ثم قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١٤٦] ما قال: وسوف نؤتيهم أجراً عظيماً، وهذه نكات لطيفة في القرآن أشار إليها الإمام القرطبي وغيره في تفسيره. المقصود: أن الإنسان إذا أراد أن ينجو من الرياء، ينظر أولاً: ما سبب الرياء؟ الرياء ما يمكن أن يدخل القلب إلا إذا ضعف فيه الإيمان، فالجاهل بربه هو الذي يرائي، ولذلك عظم عنده الشيطان، ومحبة رؤية بني الإنسان له في طاعته وذكره وشكره، وهان عليه ألا ينظر الله إليه -نسأل الله السلامة والعافية- ما عرف الله ، لو عرف من هو الله الذي يتعبده كان بكل قلبه يتمنى فقط أنه يقف بالطاعة وليس أن يرائي في الطاعة. فذلك أول طريق للعلاج من الرياء: الإيمان، أن تتعرف على الله ، ولذلك جرب، سبحان الله! إذا قرأت شيئاً من صفات الله الواردة في القرآن أحببت الله، وأحببت أن تعمل العمل بينك وبين الله، ولذلك من دلائل النجاة من الرياء: أن تجد العبد أحب ما يكون إليه أن يكون العمل بينه وبين الله، لا ترمقه عين، ولا تسمع به أذن، بل بعضهم يتمنى ذلك، ويفرون من رؤية ومعرفة الناس، كل ذلك خشية الفتنة. وهذا هو شأن السلف الصالح ﵏، إن كانوا علماء عجبت لفرارهم من الرياء، حتى إن الواحد يدخل بين الناس كواحد منهم. عبد الله بن المبارك ﵀ لما أراد أن يستقي من البئر قال له أحد تلامذته: نسقيك يا إمام! فقال: رويداً هلم بنا ندخل مع الناس. فدخل مع الناس، هذا ضربه، وهذا أصاب من ثوبه ما أصاب من طشاش الطين، فتغيرت ثيابه، وتغير لونه من الزحام، فلما خرج قال له تلميذه: قد كنا نكفيك المئونة، أي: هلاّ تركتنا نكفيك المئونة؟ قال: ما طاب لنا العيش إلا بهذا، دخلنا مع الناس وخرجنا مع الناس. أي: كواحد من الناس. فهذه من دلائل أهل الصلاح، والله إذا دخل الصلاح إلى القلب تمنى الواحد أنه في عافية من أن يراه أحد، العبد الصالح شأنه عجيب، والله تعالى وصفه بذلك فقال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا﴾ [القصص:٨٣] لمن يا رب؟ ﴿لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً﴾ [القصص:٨٣] فالعلو هو شأن أهل الرياء، يحبون أن يرتفعوا إلى الأنظار، ويكسبوا تمجيد، وثناء، ومدح الناس، يريد أن يكون ذلك الرجل الذي يشار إليه بالبنان، ولكن العبد الصالح لا يريد هذا. والله إنه يبلغ بالعبد في الإخلاص أنه يكره أن الناس تعرفه، ويمقت ذلك، ويحاول أن يتهرب منه، بل إنني أذكر بعض العلماء رحمة الله عليهم ذات مرة في موقف من المواقف حصلت قضية فبكى وكان في مجلسه وكان مع بعض الطلاب وكنت معهم، فقيل له: ما هذا؟ قال: هذا من البلاء الذي بليت به، أصبحت معروفاً بين الناس، يا ليت أن الناس ما عرفوني. هذه فتنة، هذا بلاء، وجلس ي

стр. 804

شرح حديث: (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة) السؤال هذا سائل يطلب شرحاً موجزاً لحديث: (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة)؟ الجواب لكل عمل شرة: الإنسان إذا أقبل على العمل الصالح والطاعة وجد في نفسه -خاصة في بدايته- أنه شره، وأنه يريد أن يستغرق الطاعة بكل ما يستطيع، وهذا من نعم الله ﵎، فالخير دائم إليه، ومحبب إلى القلوب والنفوس، ففي البداية تجد أنك تريد أن تقبل على الخير بكليتك، وهذا أمر موجود، تجد بعض الشباب إذا ابتدأ الهداية يود أن جميع حركاته وسكناته في طاعة ومرضاة الله من لذة وحلاوة الإيمان التي خالطت بشاشة قلبه. لكن هذه الشرة لها فترة تعقبها أحوال، بمعنى: يضعف فيها الإيمان، ويضعف فيها القلب عن محبة الرحمن، وهذه سنة من الله له فيها الحكمة البالغة، أحياناً تجد من نفسك في بداية شهر رمضان أنك لو استغللت كل لحظة وثانية من هذا الشهر في محبة الله ، هذا كمثال بسيط كنا فيه منذ أيام قليلة، فلما دخل الإنسان ونافس في الأيام الأولى والثانية والثالثة فألف الطاعة، فتأتيه الفترة، هذه الفترة لله فيها حكم، من الحكم: أنه يظهر فيها صدق الصادق، بعض الناس إذا جاءته الفترة استمسك، وأصبح في ابتهال ودعاء وإنابة إلى الله ، وخوف أن يسلب منه ذلك العمل الصالح، وهؤلاء هم الأخيار، وهم أعلى الناس مقاماً في العمل الصالح، وتجده يتألم، يكون محافظاً على قيام الليل والنوافل والطاعات، حتى إذا أصبح منه -ولو شيئاً يسيراً- من التقصير في أمور ليست بالواجبة يتألم ويضجر، ويحس أنه قد فقد حياته؛ لأنه من حياة قلبه يحس أن مصيبته كل المصيبة دينه، وأنه إذا أصيب بنقص في دينه أنها هي الخسارة، عبد طائع منيب لله يحس أنه ينبغي أن تستغل الحركات والسكنات والأوقات في محبة الله. هذه الحلاوة إذا جاءت في بداية العمل لا بد من وجود ضعف بعدها؛ لأنه لو كان الإنسان دائماً في طاعة واستقامة فإنه قد يخرج عن الحد المألوف، وقد يتجاوز إلى مقام التنطع والغلو في الدين، ولكن الله يبتلي العبد بنوع من الضعف، ويكون لهذا الضعف حكمة بحيث يشوق بعد ذلك إلى الخير أكثر، فبعض الأخيار يكون -مثلاً- على طاعة، ثم يسلب الطاعة، فتأتيه فترة، فإذا جاءته الفترة والضعف استمسك بالفرائض، لكن عنده شوق إلى العمل الصالح، فلو عاد للعمل الصالح مرة ثانية يعود أكثر شوقاً وأكثر حرصاً. ولذلك ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بالله إذا سلب أي شيء من الطاعة، وأن يدمن سؤال الله أن يعيدها إليه، والله تعالى أعلم.

стр. 805

كيفية التأثر بالقرآن السؤال هناك أكثر من سائل يسأل عن قراءة القرآن، وأنهم لا يجدون التأثر الذي وجده السلف الصالح، فكيف يعيش مع القرآن، ويصبح له ذلك الأثر الكبير، ويكون لهم منطلقاً إلى تغيير حياتهم إلى ما هو أفضل؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب أما التأثر بالقرآن، ووجود نفعه في القلوب، وحياة الإنسان، فهذه منحة من الله يختص بها من شاء. القرآن له رجال، وله صفوة اختارهم الله له، فهم أهل القرآن العالمون به العاملون بأحكامه وشرائعه -جعلنا الله وإياكم منهم- والله ما دخلت محبة القرآن إلى قلب عبد فأعقبها تطبيق هذا القرآن إلا كان أشد الناس تأثراً به، وإن من دلائل السعادة والإيمان الحقة محبة القرآن، ومحبة سماعه وتلاوته والحياة، والعيش معه، هذا هو الذي سعد به السلف الصالح، ونالوا به مراتب الفوز والكرامة، وأذاقهم الله به حلاوة الإيمان، فعاشوا عيشة طيبة هنيئة راضية، ما بين ذكر وشكر، وكلام مستقيم، وفعل قويم، كل ذلك حينما كانوا مع القرآن. من كان مع القرآن كان الله معه، ومن عاش مع القرآن أحيا الله قلبه بالقرآن، وما حييت القلوب بشيء مثل القرآن، ولا استنارت ولا أشرقت بشيء مثل كلام الرحمن، وإذا لم تسعد القلوب للقرآن فلأي شيء ترتاح، وإذا لم تهتد بالقرآن فبأي شيء تهتدي؟ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٨٥] ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦] أي حديث هذا؟ القرآن الذي هو الآية العظمى، والهداية الكبرى، والمنحة الجليلة من الله، هدىً وأي هدى. هذا القرآن ما عرفنا قدره؛ ولذلك لما عرف قدره السلف الصالح ﵏ اكتحلوا السهر، فباتوا مع القرآن، وظمئوا الهواجر وهم يتلون القرآن، ما وجدوا فترة ولا ضعفاً ولا خوراً مع القرآن، وكان الواحد منهم من مجلس قرآن إلى مجلس قرآن، يجلس في بيته يتلو القرآن، حتى إذا خرج للناس قضى حوائجه فإن وجد الغفلة من الناس تلا القرآن، بل أعرف أخياراً إلى عهد قريب والله يمشون في السوق وألسنتهم تلهج بتلاوة القرآن. هذا القرآن من عاش معه حيي مع السعادة، وعاش والله الحياة الطيبة المباركة، جرب وحافظ على تلاوة القرآن، فتالي القرآن لا يعرف قسوة القلب، وإحياء الليل بالقرآن يلين القلب، وإن كان في البداية وجد قسوة القلب بعد فترة والله يلين قلبه، هذا القرآن لا يمكن أن تبقى معه قسوة، قال تعالى: ﴿كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] يعني: القرآن ﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر:٢٣] فلذلك إذا عشت وحييت مع القرآن والله أصبت الحياة الطيبة. ولما كانت هذه الحياة عزيزة، فهي لا تكون حياة طيبة إلا إذا استجمعت صفة واحدة، يعني: لن تكون حياتك مع القرآن كاملة إلا استجمعت صفة وعقب هذه الصفة أثر، ما هي الصفة؟ الصفة: التأثر بالقرآن، أن تقف مع كل آية من القرآن بل تقف مع كل كلمة، تقف معه لكي تتدبره وتتأمله كما نزل رحمك الله، وهذا الكتاب ما نزل من فوق سبع سماوات إلا لكي نقف معه المواقف الصادقة، ونتدبره ونتأمله ونجد فيه الذكرى، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] هذا أول شيء التدبر، ثم بعد ذلك ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] فهناك ثلاث مراحل: اقرأ القرآن، وأثناء القراءة تدبر، ثم بعد التدبر يأتيك أثر يسمى الذكرى، فإذا جاءت الذكرى جاء لها أثر ثالث وهو العمل الصالح سواء كان قولاً أو فعلاً، خذ سورة من القرآن اقرأها، ثم قف مع الكلمة الأولى والثانية، والسطر الأول والثاني موقف المتأمل المتدبر، سرعان ما تمضي لحظات يسيرة تلامس فيها هذه الآيات القليلة شغاف قلبك، وتلامس هذه الحروف والكلمات فؤادك وروحك، وإذا بك بعد هذا التدبر تحس أنك وجدت أثراً. ولذلك تجد بعض الأخيار الصالحين إذا تلا القرآن أو الآية أحياناً لا يستطيع أن يكملها، يقف فيتأثر فما يستطيع أن يكمل، وبعضهم تغرورق عينه من الدمع، وبعضهم يبكي ويجهش بالبكاء، هذا من أثر التدبر، والتدبر يكون أثناء القراءة أو السماع قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة:٨٣] ثم قال تعالى: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣] (من) سببية كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ [نوح:٢٥] أي: بسبب خطيئاتهم، فقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣] معناها: أن إفاضة العين بالدمع كانت بسبب معرفة الحق. إذاً: إذا وجد السماع مع المعرفة التي تكون عن طريق التدبر والتأمل تأتي الذكرى، وترى بعدها عجباً عجاباً، إذا دخلت الآية إلى القلب واستقرت فيه لا بد لها من أثر، وكونك تشكي أنك لا تجد الأثر فإن هذا أمر لا بد له من أسباب، لكن ما من إنسان يقرأ ويجمع هذه الثلاثة الأمور: القراءة مع التدبر، والتهيؤ للذكرى، للعمل، إلا وجد أثر القرآن، ما من آية من كتاب الله تقرأها وتتدبر فيها، وتدخل إلى سويداء قلبك والله لن تصنع ذلك إلا بقيت في قلبك ما شاء الله أن تبقى. ولذلك العبد الصالح يقرأ القرآن، وإذا به ينجو من السيئات بالقرآن، وكيف هذا؟ مثلاً: قرأ سورة، خذ من أيسر السور مثلاً سورة القارعة: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:١ - ١١] قرأ هذه السورة الكريمة، فعلم نهاية الدنيا، وانتهاء كل شيء فيها، من جبال تسير كالعهن المنفوش، ثم علم أن العاقبة ميزان حسنات أو سيئات، ثقل بحسنات أو ثقل بسيئات، ثم رأى منظرين: عيشة راضية، ونار حامية؛ فلما علم هذا دخلت قلبه. هذه الآيات لما تدخل القلب ثم تأتي المعصية لن تجد مع هذه الآيات مكاناً في القلب، وإذا جاء داعي الهوى وهذه الآيات في القلب لن يجد مكاناً معها، فسرعان ما تجده يمتنع من محارم وحدود الله بآيات من القرآن، بعض الأخيار تأتيه الشهوة، ويأتيه موقف من المواقف العصيبة التي يمتحن بها في دينه، والله تردعه آية واحدة من كتاب الله ، تردعه آية في ذكر الجنة، أو النار، أو العرض، أو الحساب، أو الميزان قرأ هذه الآية منذ أمد، فجاءته الشهوة وتزينت له وتجملت، فتحركت هذه الشهوة ودخلت إلى القلب، فلما دخلت القلب جاءت تحرك الآيات الموجودة فيه، فجاءه ذكر تلك الآيات، فتذكر آيات الصحف: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ [الانشقاق:٧ - ٩] فإذا بلذة الآخرة تنسيه لذة الدنيا، وإذا بعظة الآخرة تصرفه عن عظة الدنيا، وإذا بالإنسان قد اتجه إلى الله . فالمقصود: لماذا نقرأ ولا نجد الأثر؟! لأننا ما جمعنا هذه الثلاث الصفات: قراءة مع التدبر، مع الأثر الذي يعقب التدبر. إذاً: ما هو العلاج؟ العلاج إذا نظرت إلى أي آية في كتاب الله انظر إليها نظرة المتفكر والمتدبر، انظر إليها وأنت تحس أن الله يخاطبك بها، المشكلة أننا نقرأ القرآن ونظن أنه يخاطب به غيرنا، السلف الصالح ﵏ يقرءون القرآن بقلوب ترى كأنها هي التي تعاتب، وكأنها هي التي فعلت وأسرفت، يقرأ صفات في النكال والعذاب يحس أنه من أصحابها، ويقرأ صفات في النعيم والخير يحس أنه ليس من أهلها؛ وهذا من احتقار النفس في جنب الله. ولكننا على العكس: نقرأ آيات في ذكر النار فنحملها على غيرنا، ونقرأ آيات في ذكر الجنان فنعد أننا قد قطعت لنا تلك المنازل، فرق كبير، قال بعض السلف: [والله ما عرضت نفسي على القرآن إلا عددت نفسي من الراسخين في النفاق] ليس منافقاً فقط، بل من الراسخين في النفاق، هكذا كانت حياة السلف ﵏، كانوا يقرءون القرآن بقلوب حية تتفاعل مع هذا الكتاب المبارك. فاقرأ وتأمل، واعرض نفسك وعملك وأقولك وأفعالك على القرآن، سرعان ما تعيش معه. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم حلاوته وتلاوته، وأن يجعلنا وإياكم من المهتدين المرحومين به، والله تعالى أعلم.

стр. 806

مراتب الكياسة وكيف تكتسب السؤال الناس في الكياسة مراتب، فمن الناس من دان نفسه، ومنهم من أتبع نفسه هواها، ومنهم من كان بين هذا وذاك، فما هي الوسائل التي يتبعها الإنسان ليملك زمام نفسه ويسخرها في طاعة الله؟ الجواب أما بلوغ درجة الكمال في الكياسة فهذه منحة ربانية، وعطية إلهية يمنحها لقلوب تعرفه، وجوارح تتعبده، الإنابة إلى الله إلى درجة يكون الإنسان فيها كيساً يحفظ نفسه عن محارم الله، ويشحذ همته لطاعة الله ، هذه مرتبة وأي مرتبة، مرتبة أهل الفلاح، والصلاح، والفوز والنجاح، فإن أنبياء الله تمنوا وسألوا الله أن يجعلهم من أهلها، حتى قال نبي الله سليمان الذي له المكانة عند الله، يقول الله له تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٩] ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٢٥] هذا النبي الكريم يضرع إلى الله يقول: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالِحِينَ﴾ [النمل:١٩]. إن مرتبة الكياسة توجب صلاح القول والعمل، وهي مرتبة عظيمة، ويستطيع الإنسان بلوغها إذا شاء الله له ذلك، فيدعو الله أن يجعله ممن حفظ قوله وعمله عن أن يصيب محارم الله، الإنسان الكيس هو: الذي يحسن القول والعمل، والمعاملة لله ﵎، وتجد حاله حال حزم وانتقاص موجب للكمال، حال حزم بمعنى: أنه لا يعطي نفسه هواها، ولا يتمنى على الله الأماني، ولذلك قالوا من الحكمة: الكيس -ويروى أيضاً أثر- من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت. دان نفسه أي: أهانها وأذلها في الظاهر لطاعة الله ، ولكن في الباطن أكرمها، من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز أي: الذي فقد الكياسة، من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، من أتبع نفسه هواه: مسترسل في غيه وهواه، وفجوره وبعده عن تقواه. فإذاً: الكياسة تستوجب من الإنسان الحزم، ومن أمثلتها: العبد مثلاً يقول: أريد أن أصوم اليوم، فيأتيه الشيطان ويقول له: لا. إلى غد، الحياة طويلة وأنت شاب. فيقول: لا. الآن أصوم. إذاً هو أخذ بالحزم، وعمل لما بعد الموت، لكن إذا كان عاجزاً محروماً من الكياسة يقول: نعم. الحياة طويلة، إذاً إلى غد. كذلك عندما يريد أن ينفق من المال، مر على مسكين أو محروم أو بائس أو أرملة أو يتيم أو جاءه إنسان ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨]. ويأتيه إنسان يقول له: عندنا قضية تحتاج إلى مساعدة، تحتاج إلى سخاء وجود، فيأتيه الشيطان ويأتيه الهوى، يقول له: يا أخي! أنت الآن ما تزوجت، أنت ما فعلت كذا ولا كذا، ابنِ مستقبلك -كما يقولون- فيأتيه هوى وحظوظ النفس، لكن إذا كان كيساً حازماً ماذا يقول؟ يقول: أليس الكون كون الله، والمال مال الله، والفقر والغنى من الله؟ فما الذي تغنيه عني أموالي لو شاء الله أن أكون فقيراً؟ وما الذي يضرني لو أني أنفقت في طاعة الله ؟ وكما قال الشاعر: أروني بخيلاً طال عمراً ببخله وهاتوا جواداً مات من كثرة البذل فإذا تحركت في النفس معالم السخاء والجود والعطاء في محبة رب الأرض والسماء؛ جاء الحازم لكي يقوي تلك الهمة، ويشحذها على طاعة الله، ولكن جاء العاجز فقال: كيف أضيع مستقبلي وأبني مستقبل غيري؟ كيف أهدم حياتي وأصلح حياة غيري؟ فيعيش مع أشجان يعمرها بسوء الظن بالله . الكيس عبد صالح يعرف كيف يعامل الله ، مثلاً جاءه حديث نفس بالطاعة، الآن أنت جالس فجاء حديث النفس بالطاعة، لو قمت وتوضأت وصليت ركعتين، فإن كان كيساً قال: ركعتان كم فيهما من حسنات؟ فقام مباشرة وتوضأ وصلى ركعتين، وناجى ربه وناداه، وسأله من خيري الدنيا والآخرة، هذه كياسة حرص على الطاعة شحذ همة، ولذلك بعض الأخيار إذا جئت تدعوه إلى أي عمل خير، ما ينتظر، كل شيء يحتمل التأخير إلا طاعة الله. من الكياسة: حسن المعاملة لله . والعكس بالعكس -والعياذ بالله- إنسان خامل، نائم، يريد أن يصل إلى الدرجات العلى وهو في شهوات وملهيات، وتسويف في طاعة رب البريات، شتان ما بينهما، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] كلا والله، الله عدل لا يمكن أن يساوي بين الفريقين، وشتان ما بين الطائفتين. فالمقصود: لا بد للإنسان أن يشحذ همته إلى الكياسة، وأن يحاول أن يستجمع من نفسه ما يدعوه إلى كسب الوقت في طاعة الله ومرضاة الله ، جاءك حديث نفسك، فقال لك: هناك محاضرة لشيخ داعية. فيأتي الشيطان يقول: ما هو عنوان المحاضرة؟ الصبر، سمعنا عن الصبر كثيراً. عاجز، خاذل، لكن بعض الأخيار لو سمع عن الصبر مائة مرة، كلما سمع كأنه أول مرة يسمع، يقول: يا الله، محاضرة كي نذهب. يريد أن يشغل وقته في طاعة الله. عندنا مجلس فيه إخوان يقرءون كتاباً مفيداً يتذاكرون العمل، يقول: بسم الله، يا الله. حازم، ما يسوف ولا يضيع في طاعة الله -جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل- والله إنها لحياة القلوب، ونسأل الله أن يحيي قلوبنا وقلوبكم بذكره وشكره، والله تعالى أعلم.

стр. 807

سبل التخلص من الذنوب التي يصعب على النفس تركها السؤال أكثر الأسئلة يشتكي أصحابها من عدم قدرتهم على الابتعاد عن معاصٍ معينة، فعلى سبيل المثال: هذا سائل يقول: أنا شاب كلما تبت إلى الله رجعت إلى المعاصي، فقل لي شيئاً ما إن تمسكت به لن أرجع إلى هذه المعاصي بإذن الله؟ وآخر يقول: كيف أخلص نفسي من تعلقي بمعصية وشهوات كثيراً ما بكيت منها ولا أستطيع تركها، أرشدوني أثابكم الله؟ الجواب يقول الله بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠]. أخي في الله: هو طريق واحد، إما أن ينتهي إلى الجنة أو إلى النار، والله تعالى بين أنك لن تنجو ولن ينجو عبد من النار إلا بأمرين: أحدهما يتركب من الآخر، ما هما الأمران؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات:٤٠] يتركب على الخوف من المقام والموقف بين يدي الله ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] ما هي النتيجة؟ ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤١] هذا هو الطريق الوحيد الذي تنجو به من عذاب الله وسخط الله. يا هذا! الأيام مراحل تطوى بك لكي تقربك إلى الله ، كل يوم تصبح فيه فتأتيك دواعي المعاصي، تذكر يا أخي ما هذا اليوم؟ هذا اليوم خطوة إلى الله خطوة تقربك إلى الله خطوة تدنيك من الله ، إذا كانت الأيام والليالي لا تزيد العبد صلاحاً فوالله لا خير في العيش، لماذا نطلب الحياة، ونطمع فيها؟ والله والله لقد تنكد العيش، ولم يعد للعبد أمل في العيش إلا أن يزاد فقط له من الحسنات، والله ثم والله ثم والله! لو علم العبد أن الحياة لا تزيده من الله قرباً لسأل الله الموت؛ لأنه لا ينجو، الحياة ملئت بالفتن وبالمعاصي وبالمحن، كلما وقف الإنسان في سبيله إلى الله جاءته هذه الفتن والمحن من كل حدب وصوب، من القريب والبعيد، ممن يعرف وممن لا يعرف. إذاً أخي في الله! هو طريق واحد: طريق الناجين، ووالله لا نجاة في غيره أبداً، طريق واحد، قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩]. فلذلك أخي في الله! هذه المعصية كل يوم تصبح فيه تفكر وانظر، أولاً: أدعوك أن تقطعها بالكلية، أصبحت اليوم فجاءك الشيطان يحدثك بهذه المعصية فاجتهد وجاهد أن تترك هذه المعصية لله . وأوصيك بأمور وبوصايا: الأمر الأول: إذا أصبحت فاعتبر كأنه آخر يوم لك من الدنيا، ووالله لا أضمن أن أقوم من مجلسي هذا، وليس أن أنتظر الصباح، لا أحد يضمن، الإنسان لا يضمن نفسه في طرفة عين. بينما امرؤ بين يديك حيا إذ صرت لا تبصر منه شيئا في طرفة عين فقط، تأتي -سبحان لله! - إلى البيت الصباح تخرج منه ترى جارك، يمكن أحياناً ساعات وإذا بصراخ وعويل، ماذا هناك؟ فلان مات، حادث أو ما شابه، إنا لله وإنا إليه راجعون، ما يملك أحد لأحد من الله شيئاً. إذاً: هذه الحياة مطايا تقربنا من الله ، إذا أصبحت أول شيء تحدث نفسك كأنه آخر يوم عهدك من الدنيا، فإذا استطعت أن تترك المعصية بالكلية فوالله قد فزت، استعن بالله ثم بالدعاء، أكثر من الدعاء، كذلك أيضاً ذكر الله حتى تكون في الحصن الحصين، الفرار إلى الأخيار، إلى مجالس الذكر، تستجمع هذه الأسباب في يومك ذلك. ابتعد ما استطعت أن تبتعد، ولا أظن إن شاء الله إذا فعلت هذه الأسباب إلا وسيوفقك الله ، ولا تستلم، المشكلة أن الإنسان إذا اعتقد أنه ضعيف خذله الله ، لكن إذا اعتقد أنه قوي بإذن الله، وأحسن الظن بالله يوفق. الأمر الثاني: إذا كان لا سمح الله ما استطاع الإنسان أن يكبح جماح الشهوة، فما هو الحل؟ يحاول أن يقلل منها، حولها من معصيتين إلأى واحدة، وإذا كانت أربع إلى اثنتين، قدر ما يستطيع، فإن تقليل المعصية جزء من التوبة إلى الله ، ويعتبر جزء إنابة إلى الله ، تخفف من المعصية. الأمر الثالث: انظر إلى الأسباب التي تحرك المعصية، إن كان النظر اكسر النظر بخشية الله وارمه في الأرض، وإن كان الخلوة لا تجلس لوحدك، بعض المعاصي تتحرك بالخلوة، يختلي الإنسان فيقوى سلطان الشيطان عليه فيتحرك لفعلها، إن كان مثلاً النظر إلى أشياء أو سماع أشياء لا تستمع، المهم تتعاطى الأسباب التي تعينك على البعد من هذه المعصية، وجماع الخير: أن تتذكر أنك إلى الله صائر، وأنك ستسأل عن هذه الروح التي أنفقت لياليها وساعاتها في معاصي الله . ثم سل النفس: ما الذي جنيته؟ كم من شهوات أصابها العاصي ما هي النتيجة؟ ما هي الثمرة؟ وكم من رحمات أصابها المطيع فماذا بقي من تعبه؟ بالأمس القريب كنا في رمضان، كان هناك صيام وقيام وعناء في طاعة الله، ما الذي بقي من التعب؟ ذهب النصب والتعب وثبت الأجر إن شاء الله، فلذلك الواجب على الإنسان أن يعزي نفسه ويسليها بذلك، وأسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ممن ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] ولذلك يقول بعض العلماء: إن في هذه الآية دليل على أن العبد إذا تحركت نفسه إلى المعصية، وكان يستدمن الخوف من الله فإنه غالباً ينجو منها؛ لأن الخوف من الله أثره ترك الهوى، والمعصية مما تهواه النفوس وتميل إليه. فلذلك علاج ترك المعاصي والطريق الأمثل: الخوف من الله، ولذلك أكثر من ذكر الله ، واعرف من هو الله الذي تريد أن تعصيه، وبإذن الله سيكون ذلك أعظم زاجر لك عن معصية الله، والله تعالى أعلم.

стр. 808

الإنسان بين داعي الخير ومضلات الفتن الحقيقة أود أن يكون ختام حديثي لهذا المجلس المبارك كلمة. أقول وبالله التوفيق: إن الله ﵎ قد جعل العبد مخيراً بين سبيلين: سبيل هدىً وسبيل ضلال، سبيل رحمة وسبيل عذاب، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] فالعبد مخير بين السبيلين، وهو مذكر بالداعيين: داع إلى الجنة، وداع إلى النار. والله إذا أراد بالعبد خيراً ألهمه أن يصغي بسمعه لداعي الخير ومحبة الله ، وإذا أراد به شراً -والعياذ بالله- أصغى بسمعه إلى داع الهوى والردى. إخواني في الله: كلمة أذكركم ونفسي بها بالله : في هذا الزمان الذي عظمت فتنته، واشتدت محنتة، وأصبح العبد في محنة لا يعلمها إلا الله ﵎، قد كنا نصلي ويقول الإنسان في دعائه كما في الدعاء المأثور: (وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) كنا ندعو بهذا الدعاء، وكما قال بعض العلماء من الفضلاء المعاصرين، قال: كنت أدعو وأقول كما ورد الحديث: (وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) وأنا بقلب منصرف، ولا أحس بقيمة هذه الدعوة كما ينبغي، فلما رأيت فتناً عظيمة، ومحناً جليلة، أدركت عظيم هذه الدعوة، حتى إذا قلتها أصبحت أقولها وقلبي يستشعر معناها. كلما تأخر الزمان جاءت الفتن وعظمت المحن، حتى أصبح الإنسان مخيراً بين الداعيين على الحقيقة، العبد يكون على صلاح واستقامة، فيخرج من بيته فيبلى بفتنة في السمع، والبصر، والقول، والعمل، وإلى الله المشتكى. كسر لا يجبره إلا الله، ونقص لا يكمله إلا الله ، إنها (فتن كقطع الليل المظلم، يمسي العبد فيها مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!! فخير ما يوصى به المؤمن: أن يحس أنه لا نجاة ولا فلاح إلا بالاعتصام بالله ﵎، والرجوع إلى كتاب ربنا، والاحتكام إلى أهداب شرعنا، وتحكيم ذلك في كل صغير وكبير، والسير على وفقه في كل جليل وحقير. إخواني! تنكد العيش، وتنغصت الحياة، ووالله لم يعد للعبد صوان إلا بطاعة الله ﵎، أظلمت الحياة وكانت قبل منيرة حينما كان الخير أكثر من الشر، ولكن عم البلاء وطم، وأمر لا يشتكى إلا إلى الله . المخرج: أن يحاول الإنسان قدر استطاعته أن يلوذ بالله ﵎، وأن يعوذ بالله فإن الفتن وقعها على القلوب أشد من وقع الجمر على الجسد، إنها تكوي القلوب فتظلمها من بعد النور، وتعميها من بعد البصيرة، وتصرفها عن الخير إلى الشر. ولكن أحبتي في الله! من أراد الله له السعادة والتوفيق ألهمه أن يستبصر بالثقلين والنورين المباركين: كتاب ربنا، وسنة نبينا صلوات الله وسلامه عليه. والله إن من دلائل النجاة -خاصة في هذا الزمان- الوقوف عند القرآن، والتأدب بآدابه، والالتزام بحدوده، ولا يغرنك قلة السالكين، وندرة الثابتين، فالموعد عند رب العالمين، وما على الإنسان إلا أن يسعى في فكاك نفسه من عذاب إله الأولين والآخرين. من أراد الله أن يغيثه من هذه الفتن والمحن شرح قلبه بالقرآن، فعاش مع آياته وعظاته، وارتاح لما فيه من الذكرى والعظة من رب العالمين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصدُورِ﴾ [يونس:٥٧] فمن أراد أن يشفي الله صدره من الفتن، وأن يغيثه من المحن، فليلتزم بهذا الشفاء والدواء، ثم سنة المصطفى ﵊، يتعلمها الإنسان، ويعلمها الغير، ويلتزم بها قولاً وعملاً، ظاهراً وباطناً. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تثبت قلوبنا على طاعتك، وأن تشرح صدورنا لمرضاتك، وأن تجعلنا من خاصة عبادك المتقين، من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن توفقنا لكل عمل يرضيك عنا، وأن ترزقنا التمسك بالسنة عند فساد الأمة، اللهم إنا نعوذ بك من حياة تبعدنا عنك، ومن حياة توجب غفلتنا عن ذكرك وشكرك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، نستغفرك اللهم ونتوب إليك. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 809

الأخوة الإيمانية الأخوة في الله منحة ربانية يقذفها الله في قلوب من يشاء من عباده، وهي من أعظم وأوثق عرى الإيمان ومما يوثق هذه العلاقة ويجعلها سبباً لنيل الأجر؛ أن تكون لله وفي الله، لا لأحد سواه، وأن تكون قائمة على التناصح بين الإخوة، ومن لوازم الأخوة أن يكون الأخ كريماً مع أخيه، مساعداً له في قضاء ما يستطيع من حاجاته.

стр. 810

آثار الأخوة الإيمانية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وفي بداية هذا اللقاء أزجي عاطر الشكر والثناء لهذه الجامعة المباركة جامعة أم القرى بفرعها بالطائف أن كانت سبباً في هذا الجمع المبارك الكريم, وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي القائمين عليها خير الجزاء, وأن يعظم لنا ولكم المثوبة منه إنه فاطر الأرض والسماء. أيها الأحبة في الله! خلة من الخلال وخصلة من أطيب الخصال, خلة من خلال المتقين وعباد الله الأخيار الصالحين, وخصلة من خصال المهتدين, إنها الحب والأخوة في الله والدين، إنها الأخوة الإيمانية التي قامت على الآيات والعظات القرآنية, أرسى دعائمها رسول الهدى ﷺ , وسار على نهجها أولو النهى, حتى خبطت أقدامه في الجنة مع الرضا, إنها الحب في الله, هذا الحب الذي أقسم النبي ﷺ لصحابي من أصحابه أنه يجده في قلبه, ففي الحديث الصحيح عن معاذ ﵁ وأرضاه قال: (أخذ النبي ﷺ بيدي وقال: يا معاذ! والله إني لأحبك) , فنعم المحب ونعم الحبيب. إنها الأخوة الإيمانية والمحبة المبنية على الشريعة المرضية. إنها الأخوة التي إذا سكنت في القلوب هدى الله أهلها, وأصابهم بالزكاة في قلوبهم وطهرها. إنها الأخوة التي غرسها النبي ﷺ في قلوب أصحابه الأخيار, من المهاجرين والأنصار، فسطروا بها في دواوين المجد والعز صفحات البذل والإيثار, كانوا قبلها متباعدين, فأصبحوا بها -بفضل الله- متقاربين, كانوا متعادين فأصبحوا بها متآخين, كانوا متباعدين متباغضين متدابرين ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٣] ولكن من غيره سبحانه يجبل تلك القلوب على المحبة، ويقلبها على الصفاء والمودة، فانقلبت تلك القلوب من الشحناء والبغضاء إلى المودة والحب والصفاء، فلا إله إلا الله من يوم اجتمعت فيه قلوب أولئك الأخيار, ولا إله إلا الله من يوم آخى المصطفى فيه بين المهاجرين والأنصار. إنها الأخوة التي حملت رسالتها هذه الأمة جيلاً بعد جيل, ورعيلاً بعد رعيل, حب وصفاء وود وإخاء, يتألم المؤمن لآلام إخوانه, ويحس بإحساسهم ويشعر بأشجانهم. إنها الإخوة التي صورها النبي ﷺ كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى, فكم عين للمسلم سهرت لآلام المسلمين, وكم من قلوب فارقتها الراحة في المضاجع لآلام المؤمنين. إنها الأخوة التي يحس فيها المؤمن أنه من أخيه ولأخيه على الطاعة والدين, فوالله ما فتحت قلبك لحب في الله، إلا تأذن الله لك بحبك من فوق سبع سماوات، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى: وجبت -ثبتت واستقرت- محبتي للمتحابين فيّ, وللمتجالسين فيّ, وللمتزاورين فيّ). الله أكبر! محبة انتصبت من أجلها أقدام الراكعين والساجدين, وجرت بها دماء الشهداء المجاهدين, محبة ظمئت من أجلها أحشاء الصائمين, وتألمت لها قلوب العابدين الخائفين, كل ذلك طلباً لهذه المحبة من الله, وجبت حينما تفتح قلبك لأخيك لله وفي الله, ما أعظمها من محبة توجب عند الله الزلفى والقربة، ما أعظمها من محبة, إذا فتحت قلبك لها تأذن الله بحبك، فأي يوم أعز وأشرف من يوم تغيب فيه الشمس عليك والله قد أحبك؟ وأي يوم أجل وأشرف حينما يكون الله محباً لك؟ كل ذلك لهذه المحبة حينما تفتح سويداء قلبك لإخوانك لله وفي الله, ألم تعلم أنك لو خرجت من بيتك يوماً من الأيام, فاطلع الله على فؤادك وقلبك أنك خارج لأخيك لله وفي الله ناداك منادٍ من الله: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة نزلاً, وبهذا الخروج وبهذه الزيارة ترفع الأقدام إلى الله، وتكتب الخطا عند الله, فقد أوجب الله الحب منه للمتزاورين فيه, ولكن فيه سبحانه, (والمتجالسين فيه) فلئن فتحت باب بيتك يوماً من الأيام لإخوانك وخلانك وقلبك ولسانك على الحب سواء, فلئن فتحت باب دارك، فلقد فتحت باب رحمة الله عليك، ولئن جلست معهم تثبتهم وتسليهم وتذكرهم بطاعة باريهم فنعم والله المجلس، حينما تقوم والله راضٍ عن جلوسك وعن إخوانك.
следующие страницы →