Полный текст (1 035 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
أهمية الحرص على الوقت وترتيبه لطالب العلم وحكم القول بالمجاز في القرآن
السؤال
ما هي وصيتكم لطالبٍ علم لا يقيم لوقته موعداًً محدداً، بل يجعل الظروف هي التي تحركه مع أنها تكون في مرضاة الله؟ وما حكم القول بالمجاز في القرآن؟ كما يطلب الدعاء منكم لنا!
الجواب
أما بالنسبة للمسألة الأولى: فإن ترتيب الوقت عاملٌ مهمٌ جداً في الاستفادة لطالب العلم، يُرتب طالب العلم الوقتَ، والأفضل والأكمل بل هو الأصل أن طالب العلم يلتزم بشيخ، ويكون شيخه عالماً عاملاً ملتزماً بالكتاب والسنة، يلتزم به، ويصحبه، ويرافقه، يتأسى بالسلف ﵏، فإذا لازم هذا العالِمَ كان معه، ورتب وقته على حسب دروس هذا العالم، وعلى حسب مجالسه.
وأما بالنسبة لإضاعة الوقت فهذا من أعظم المصائب التي تكون على طالب العلم، أعز شيء يملكه طالب العلم: الوقت، والذي يريد العلم يحفظ وقته.
وكان الوالد ﵀ إذا ذُكر عنده أحد -أعني: من طلاب العلم- يقول: نِعْم طالب العلم؛ لأنه يراه حريصاً على وقته، وإذا رأى إنساناً كثير الزيارة للناس، كثير الاشتغال بفُضول الدنيا لا يَعُدُّه طالبَ علم؛ لأن مفتاح طلب العلم: الحفاظ على الوقت.
ولا أعرف مثله ﵀ في حرصه على الوقت، وأذكر أنه كان بمجرد ما يدخل البيت يستفتح بالصلاة، فيصلي ما كُتِب له، ولا أذكر أنه دخل وجلس على فراشه في حياته كلها معي، أو أنه دخل وجلس على فراشه قبل أن يصلي، إلا إذا كان وقتَ نهي، فيدخل، ثم ينقلب على كتبه، ويقرأ فيها ما شاء الله أن يقرأ، حتى إنه في بعض الأحيان يستمر إلى قرابة منتصف الليل، وإذا دعي إلى مناسبات أو ولائم يأخذ كتابه معه، فإن وجد في هذه المناسبة الفوائدَ أو مجلسَ ذكرٍ وعلمٍ جَلَسَ، فإن وجدهم فلانٌ قال وفلانٌ قال، أخذ كتابه وذهب في ظل شجرة يقرأ حتى يحضر وقت الغداء فيتغدى، ثم يمضي.
فطالب العلم أعز شيء عنده الوقت، خاصة إذا كان خرج من مدينته لطلب العلم في مدينة ثانية، وما ترك والديه، ولا ترك إخوانه، ولا قرابته عبثاً، فينبغي للشخص الذي يسافر عن أهله أن يحترق في قرارة قلبه على كل ساعة؛ لأنه حَرَم والديه رؤيته، فينبغي أن يكون الشيءُ الذي من أجله فارقهم أعزَّ من الشيء الذي يكون من أجله موجوداً بينهم.
فينبغي الحرص على الوقت، وإضاعةُ الأوقات في القيل والقال والتراهات من أعظم الآفات التي تُضَيِّع على طالب العلم الخيرَ الكثير.
فأهم شيء: الحرص على الوقت.
ومن الحرص على الوقت أيضاً: إذا جلس طالب العلم مع عالم أو مع طالب علم، فإنه يستفيد، أعني: إذا جلس مع طلاب العلم لا يجلس هكذا صامتاً، بل يسألهم مسألة إن كانوا دونه في العلم، ويطرح عليهم مسألة، ثم يفيدهم بها، وإن كانوا أعلى منه ذاكَرَهم وتواضَعَ للعلم، فهو دائماً يكون في مذاكرةٍ للعلم، فإن مذاكرة العلم عبادة، والإنسان يشتري رحمة الله في طلب العلم في كل لحظاته وحركاته، ويحتسب، حتى إذا جلس مع الناس فإنه يستفيد أو يفيد.
هذه رسالة لطالب العلم.
أما قضية المجاز في القرآن: فهذه مسألة خلافية: من العلماء من قال: لا مجاز في القرآن.
ومنهم من قال: فيه المجاز.
والصحيح: أن المجاز موجودٌ في القرآن في غير أسماء الله وصفاته، والدليل على وجوده: أنه لا يستطيع أحد أن ينكر وجود المجاز في اللغة، فالمجاز موجودٌ في اللغة، وهو بلسان العرب، قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان:١٠] فهل يوم القيامة يعبس على الحقيقة؟! وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] هل القلوب بلغت الحناجر حقيقة؟! لا، إنما هو كناية.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] تَمسوهن: كناية عن الجماع.
فهذا كله تجوُّزٌ في العبارة.
ولكن في أسماء الله وصفاته ليس هناك مجاز.
والسبب الذي جعل العلماء يقولون: بنفي المجاز عموماً في القرآن إقفال باب التأويل على الأشاعرة؛ ولكن من الممكن أن نُقْفِل عليهم باب التأويل بأن نقر بوجود الأسلوب؛ ولكن في أسماء الله وصفاته نناقشهم بالطريقة التالية وهي: نقول لهم: إن مما اتفق العلماء عليه: أنه إذا تعارضت الحقيقة والمجاز، فإن الأصح حمل الدلائل في الكتاب والسنة على الحقيقة ما لم يدل الدليل على المجاز، فلما قال الله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: يديه، حملناها على الحقيقة، فلما لم يوجد دليل من الكتاب والسنة على صرف اللفظ عن الحقيقة بقينا عليها، فقلتم: بالصرف - أعني: الأشاعرة - بدلالة العقل، ولا نعتبرها دليلاً كافياً للعدول عن ظاهر القرآن، فمن الممكن مناقشة الأشاعرة -حينما قالوا بالمجاز في الأسماء والصفات- مناقشةً بهذا الأصل، وهذا الأصل قرره الأصوليون في باب تعارض الحقائق.
وعلى العموم فإن القول بوجوده أو عدم وجوده يقرر بعض العلماء أنه خلاف لفظي؛ لأنهم يقولون: الأسلوب موجود؛ ولكن اختلفوا هل يُسَمى مجازاً أو أن العرب تكلمت به على هذه الصفة؟! لأن الكلام موجود، قال ﷺ لـ معاذ: (ثكلتك أمك) ما معنى ثكلتك أمك؟! معناها: فقدتك، هل يقصد النبي ﷺ الفَقد؟! (رَغِم أنف امرئ أدرك أحد أبويه أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة) هل رَغِم المراد به الرُّغام حقيقة؟! كل هذا كنايات؛ لأن اللغة العربية لغةٌ واسعة، وهذا هو الذي يعتبر من سماتها وهو: سعتها، فإنه قد يراد ظاهر اللفظ وقد يراد غير اللفظ.
فالمقصود أن الأسلوب موجود، قال ﷺ : (عقرى حلقى! أحابِسَتُنا هي؟!) عقرى حلقى، معناهما: عَقَرَها الله، حَلَقَها الله، كناية عن مصيبة، هل يراد أن المصيبة تصيبها؟! ليس المراد ذلك، إنما المراد كناية، كل هذا كنايات، ويعتبر من التجوُّز في العبارة.
والله تعالى أعلم.
стр. 842
علاج الفتور في مراجعة القرآن
السؤال
أحفظ شيئاً من القرآن؛ ولكني لا أراجعه، كلما بدأت في المراجعة فما أنتهي من جزءٍ حتى أنشغل ويصيبني الفتور في المراجعة، وهكذا كلما بدأت، فأعطني علاجاً بارك الله فيك؟!
الجواب
أكثر من الاستغفار، فهذا سببه ذنب، فمن وجد أنه في طلب العلم يحال بينه وبين العلم فليعلم أن هناك ذنباً حال بينه وبين العلم.
فأكثِر من الاستغفار حتى يرحمك الله ، ولذلك قال تعالى: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦].
والأمر الثاني: أن تأخذ جدولاً مرتباً للمراجعة، فترتب ختمك للقرآن كل ثلاثة أيام أو عشرة أيام، كل ليلة ثلاثة أجزاء، أو كل يوم ثلاثة أجزاء، ثم تحافظ على هذا ولو بلغ الأمر مبلغه، فلو أنك كل يوم تقرأ جزءاً ولو حدث ما حدث فلا تترك هذا الجزء، وبإذن الله بعد فترة يقوى حفظك، ويسهل عليك القرآن، هذا مِن تَعاهُدِ القرآن، أقل شيء: أن تجعل لك في اليوم جزءاً، ولو حدث ما حدث لا تترك هذا الجزء، واللهِ إن الأمر يسير، فالآن لو خرجتَ من هذا المكان إلى البيت، جرِّب وابتدئ بجزء، فما تصل إلى نصف الطريق إلا وأنت خاتِمُه؛ لكن مَن يعمل؟! الأمر يسير؛ لكن مَن الذي يعمل؟! فلذلك الإنسان يجاهد، يجعل له برنامجاً أو يرتب له وقتاً معيناً لمراجعة القرآن، ويكون ترتيبه للمراجعة على قدْرٍ يتناسب مع ظروفه.
هذا بالنسبة للمراجعة، أمْثَلُ طريقة: أن يحدد له جزءاً أو قدراً معيناً من القرآن يراجعه خلال شهر أو خلال عشرة أيام أو خلال ثلاثة أيام، وهذا أكمل.
ولذلك الإمام الشافعي لما جاءته امرأة وسألته عن حجية السنة، قال: أنظريني ثلاثة أيام، لماذا؟! لأنه كان يختم القرآن كل ثلاث ليال، فلما كانت الليلة الثالثة كَبَّر في السحر؛ لأنه بلغ قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وهذا إنما يكون في الثلث الأخير من القرآن.
فهكذا كان السلف، ولذلك لما تقرأ كتب السلف تجد عندهم شواهد عجيبة من القرآن، أحياناً يأتيك بآية يستنبط منها معنىً لطيفاً، تستعجب كيف استحضروا هذه المسألة! لماذا؟! لأنهم قوامون الليل بالقرآن، فيختم أحدهم كل ثلاثة أيام، فالمسائل التي تنزل به خلال الثلاثة أيام وهو مشغول بتلاوة القرآن تمر عليه الحجج، وكل شيء كان عندهم يعرضونه على كلام الله، وكان الإمام الشافعي يقول في كلامٍ معناه: أنه ما من معضلة إلا وقد جعل الله حلها في القرآن، فكانوا مع هذا القرآن.
فالإنسان يجعل له برنامجاً معيناً يختم فيه القرآن، وبإذن الله يعينه على ذلك.
والله تعالى أعلم.
стр. 843
حكم ترك الدعوة بحجة قلة العلم
السؤال
كثير من طلبة العلم يقفون عن الدعوة بحجة أنه ليس لهم علم، فيقصِّرون في هذا الجانب، فما رأيكم؟
الجواب
لاشك أنه لا بد للدعوة من العلم؛ ولكن -يا إخواني- ينبغي أن يُفَرَّق بين قضيتين: الدعوةُ إلى أصولِ الدين، والقواعدِ العامة، أو النهيُ عن المنكرات العامة الواضحة التي لا تحتاج إلى كثيرِ علم.
والدعوة الخاصة.
فالدعوة العامة: مثل الدعوة إلى التوحيد، شخصٌ أمامك يعبد الوثن، لا تقل: أنا لن أدعوه حتى أتعلم؛ لأن هذا أمر يستوي فيه عامة المسلمين وهو الدعوة إلى أصل الدين، ويعتبر فرض عين على كل إنسان رأى إنساناً يعبد غير الله أن يدعوه إلى توحيد الله جل وعلا، ولا يُعْذَر أحد بترك هذا الأصل؛ لأنه أمر من الواضحات، أعني: لا يقول أحد: لا، أنا لن أدعو أحداً كائناً من كان حتى أتسلح بالعلم الكامل! كذلك أيضاً: لو رأيتَ إنساناً على الزنا، أو على شرب الخمر -والعياذ بالله- فإن الزنا وشرب الخمر منكران واضحان لا يحتاجان إلى كثيرِ علم، فالنهي عنهما أو التحذير منهما لا يحتاج إلى كثيرِ علم، فهذان يستوي في الدعوة فيهما العلماء والعامة، ولا يُعذر أحدٌ بتركهما.
الأمر الثاني: وهو الدعوة إلى خصوصيات الأحكام والمصائب التي تنزل بالناس، ويحتاج فيها إلى علم، وبصيرة، ونور، ومعرفة، فهذه للعلماء، ولا يقف أحد أمام الناس يتكلم في مسألة أو حكم شرعي إلا على بيِّنة: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [الأنعام:٥٧].
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] لا بد من نور الوحي.
هذا في الدعوة إلى المسائل والأحكام الخاصة.
أما بالنسبة للدعوة العامة، فهذه يستوي فيها كل أحد.
ومن هنا ندرك خطأ بعض الناس، حيث يقولون: كل واحد يدعو، وإذا شئت تقول: تتكلم بما فتح الله عليك أمام الناس، فقد يأتي هذا الجاهل حديث العهد بالجاهلية ويقف أمام طلاب علم، وأناس لهم معرفة؛ لكي يتكلم بما فتح الله عليه، فيخبط خبط عشواء.
هذا من التفريط ومن الإفراط.
فأما التفريط: أن نجد -مثلاً- من يقول: نترك الدعوة حتى يكتمل علم الإنسان؛ فلا يزال الشخص قابعاً على الكتب وعلى العلم، تاركاً المنكرات عن يمينه ويساره، ومن أمامه وخلفه، قرير العين عليها يقول: لا بأس، حتى أنتهي من العلم كاملاً ثم أدعو الناس، لا.
القضية وسطية، فالمسائل التي لا يُعذر أحدٌ بجهلها ومسائل أصول الدين مثل شخص لا يصلي فكل إنسانٍ مطالب بدعوته، شخص -مثلاً- لا يزكي كل إنسانٍ مطالب بدعوته.
هذه أمور واضحة.
أما المسائل الدقيقة فهذه تُعطى لطلاب العلم، وتترك للعلماء، ويُترك القول الفصل فيها لأهل العلم.
والمقصود: أن كون طالب العلم يبقى ويقول: أنا لا أدعو حتى أنتهي من طلب العلم، فهذا تقصير، ويتحمل التَّبِعَة، بل يدعو على قدر علمه، ونحن لا نطالِب أن يدعو بما هو فوق علمه؛ ولكن نطالبه بالدعوة على قدر علمه، فطالب العلم -مثلاً- الذي تعلم هدي النبي ﷺ في مسائل، حتى ولو كان في أحكام العبادات، فيا أخي! لو قام بعد صلاة العصر كل يوم يتكلم عن هدي من هدي النبي ﷺ وهو طالب علم، أو يتحدث عن صفة وضوء النبي ﷺ ، هل هذا صعب؟! أو يتحدث عن صفة صلاة النبي ﷺ من خلال السنة! ويبين للناس، فما يتعلم أحد سنة منه إلا كان شريكاً له في الأجر، ولا يدل إنساناً على هدي إلا كان لك مثل أجره، ولو أن هذا الإنسان علم أبناءه وبناته وأهله أو جيرانه أو نطق بهذه السنة كان له مثل أجرهم، فهذا فضلٌ عظيم! فلذلك أقول: إن طالب العلم يعلِّم؛ ولكن على قدر علمه.
القضية الثانية: أنه ينبغي أن يصحب هذا العلم شيءٌ من القدوة الحسنة ما أمكن.
والله تعالى أعلم.
стр. 844
الألفة بين الزوجين
إن من المهم في الحياة الزوجية دوام الألفة بين الزوجين، وذلك يكون بعدة أمور، منها: الشعور بالأمانة والمسئولية، مع وجود الرحمة والرفق بينهما، وأن يعي كل من الزوجين رسالته على الوجه الصحيح، يضاف إلى ذلك المحافظة على العهود التي بينهما، ثم أن يؤدي كل من الزوجين للآخر حقه، مع الغض عن الإساءة والتقصير الذي يقع.
стр. 845
الوصية الأولى: الشعور بالأمانة والمسئولية
الحمد لله الذي خلق الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الجلال وله الأسماء الحسنى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده رسوله الذي اصطفي واجتبي، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أولي النهى، وعلى جميع من سار على نهجهم واقتفى.
أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله العظيم الكريم في بداية هذا المجلس المبارك أن يبارك لأهل هذا الزواج في زواجهم.
اللهم بارك لكلا الزوجين في زواجهما، اللهم بارك لهما وعليهما، واجمع بينهما في خير، اللهم ارزقهما الذرية الصالحة التي تقر بها الأعين.
أيها الأحبة في الله: هذا الموضوع -موضوع الألفة الزوجية- موضوع عظيم، يحتاجه أهل الإسلام؛ لكي يعي المسلم عظيم هذه الرسالة النبوية، وهذه الشعيرة المحمدية التي بعثه الله بها رحمة للعالمين، ونعمة لخلقه إذا اتبعوه أجمعين.
إن الحياة الزوجية تبتدئ رسالتها من أول لحظة يعقد فيها الإنسان على المرأة، حيث يحس فيها أنه قد تحمل المسئولية أمام الله، وأنه قد وضع في عنقه أمانة عظيمة يقف بها بين يدي الله ﷻ .
إذا كتب عقد القران فمعنى ذلك أنها مسئولية وأمانة بين يدي الرحمن، فلذلك يحس الإنسان أنها حياة مبنية على أسس وواجبات شرعية، فليست هي اللذة والشهوة وقضاء الوطر، ولكنها مبادئ كريمة، وأسس عظيمة أرساها كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ لكي يسير المسلم في حياته الزوجية السيرة الحميدة، فيبني للأمة بيتاً يقوم على طاعة الله، وأسرة تحيا لمحبة الله ومرضاة الله.
ففي هذه اللحظة الأولى يصبح الإنسان بسببها مسئولاً عن بيت كامل، وعن امرأة، إما أن تكون له طريقاً إلى الرحمة أو طريقاً إلى العذاب، فكم من عقود عقدت انتهت بأصحابها إلى محبة الله ومرضاة الله، وكم من زواجات انتهت بأهلها إلى الجنات والمرضاة، تلك القلوب التي دخلت بيوت الزوجية، وهي تحس برسالة ربها، وتعظيم الأمانة الملقاة على عاتقها، فقامت بواجباتها خير قيام، فربت الأسرة على محبة الله، ومرضاة الله، ودخلت الزوجة على زوجها لكي يقودها إلى رحمة الله، ولكي تقوده إلى مرضاة الله وعفوه.
هذه الرسالة العظيمة التي رحمنا الله بها، فحصنت بها الفروج، ودلت بها على منهج العفاف والكفاف، هي منهج النبي صلى لله عليه وسلم، ومنهج الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وفي كتاب الله ، وفي سنة النبي ﷺ مناهج ربانية، وسيرٌ نبوية، تقود المسلم إلى الحياة الزوجية السعيدة.
فقد بيَّن النبي ﷺ أساساً عظيماً ينبغي لكل زوج بعد أن يدخل بيت الزوجية أن يحسه ويستشعره.
فأول شعور تحس به: الأمانة، وثاني شعور يرثه الإنسان بعد الشعور بالأمانة: أن يكون خير الأزواج لزوجه، ولذلك كم فاضل الله بين الأزواج، فكم من زوج خير بر كريم حليم رحيم أحبه الله بلطفه لأهله، وعطفه وشفقته على زوجه وولده، وكم من قلوب رحيمة بنت بيوت الزوجية على المحبة والمودة والرحمة فرحمها الله بتلك الرحمة، ولذلك صدق النبي ﷺ إذ يقول: (خيركم خيركم لأهله) كما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس بن مالك ﵁.
خيركم أي: أعظمكم مقاماً عند الله، وأرفعكم قدراً عند الله، من كان خيراً على أهله، ومن كان رحمة لزوجته ولم يكن عذاباً عليها، ومن كان نعمة لها لا نقمة عليها، ومن كان حكيماً حليماً رحيماً يغزو قلب تلك المؤمنة بالمحبة فتهابه حباً لا كرهاً، وتهابه رغبة لا رهبة ولا أذى ولا إضراراً.
ولذلك كان النبي ﷺ له تسع نسوة، ما اشتكت واحدة منهن يوماً من الأيام منه صلوات الله وسلامه عليه، تسع نسوة على محبة له وصفاء، وعلى إجلال له وكرامة ووفاء.
стр. 846
الوصية الثانية: الرحمة والرفق
الوصية الثانية بعد الشعور بالأمانة والمسئولية بين يدي الله عن الزوجة وعن هذا البيت: أن يكون الإنسان براً رحيماً، وقد وصانا النبي ﷺ بهذه الوصية التي أخبر أنها الخير، وأنها الرحمة والبر، فقال ﷺ : (إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه).
فإذا وقفت -رحمك الله- أي موقف مع زوجتك، وأي موقف مع أولادك وأهلك، فأنت بين طريقين: إما طريق رحمة ورفق، وإما طريق عنت وشدة وأذية وإضرار، فإذا وقفت أمام أي موقف فاعلم أنك مخير بين السبيلين، وأن أمامك هذين الداعيين، فاختر أحبهما إلى الله الذي أخبر النبي ﷺ أنه زين ورحمة: (إن الرفق ما كان في شيء إلا زانة، ولا نزع من شيء إلا شانه).
فتقاد بيوت المسلمين وتقاد نساء المؤمنين بالرفق، ولا يقدن بالعنف والأذية والقسر والإكراه، إلا ما أمر الله به، ولذلك بيَّن النبي ﷺ ذلك فقال: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما فيه أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته -إن ذهبت تقومه بالقوة والعنف كسرته ففسدت عليك المرأة، وإن ذهبت باللين والرفق فقد أبقيتها على عوج- فاستمتعوا بهن على عوج) إن أبقيتها استمتعت بها على عوج.
ولذلك بعض الناس أو بعض الرجال يشمت بالمرأة، ويقول: أنتِ خلقت من ضلع أعوج، لا والله لم يكن ذلك قصد النبي ﷺ ، ولم يكن قصده من هذه الأحاديث أن نشمت بنساء المؤمنين، لا والله! وحاشاه! فالإسلام أرفع من هذا كله، ولكن المقصود أن يقول لك: إن الذي أمامك يصعب أن تقصره على أمر، فخذه باللين، وخذه بالرحمة وخذه بالمحبة والوفاء، وهذا مجرب.
فإن الرجل إذا وفقه الله إلى الكلمة الحليمة الحنونة والمعاملة اللطيفة، ملك قلب المرأة، واستطاع أن يستمتع بها مع هذا العوج، فهذه وصية نبوية، أن نأخذ بالرفق في البيوت الزوجية، وأن يكون المسلم في معاشرته مع أهله، يقيم بيته على الرفق، وعلى الحنان والعطف ما أمكن.
وقد بيَّن النبي ﷺ هذا في مواقف عديدة منها: حين أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن فضل الرجل على المرأة، وأخبر أن المرأة ناقصة عقل ودين، لكن ليس معنى هذا أن الإنسان يتخذ من هذا الحديث شماتةً للمرأة، بل كأنه يقول لك: إن الله خلقها على النقص -ولله الحكمة البالغة- فإن هذا النقص فيه لين ورحمة، جبر الله به خشونة الرجل.
فتصور لو أن المرأة كانت كاملة العقل مع كامل العقل، كيف تكون الحياة؟ يقول لها: اذهبي، فتقول: لا أذهب، فيأتيها بعذر فتأتيه بثلاثة أعذار؛ لأن عقلها كعقله، ولكن الله حليم أنقصها في العقل، وجعلها نصف الرجل، وأعطى الرجل القوة، وأعطاها الحنان، وأعطاها اللين والرحمة لكي يكمل هذا نقص هذا، ويجبر هذا كسر هذا، فإذا جاء الابن في موقف يحتاج إلى اللين مال إلى أمه، وإذا جاء إلى موقف يحتاج إلى الشدة مال إلى أبيه، فسبحان الحكيم الخبير! سبحان من هذا خلقه، وهذا تدبيره وأمره! فليعلم أن بيوت الزوجية، وأن نساء المؤمنين يقدن بالرحمة والعفاف والكرامة، أبلغ من أن يقدن بالشدة والعنف.
стр. 847
الوصية الثالثة: أن يعي كل من الزوجين رسالته
الوصية الثالثة: ينبغي أن يعي الرجل وتعي المرأة، كل منهما رسالته في البيت، فإن الله أعطى الرجل خصائص لم يعطها المرأة، وأعطى المرأة خصائص لم يعطها الرجل، ولا يمكن للبيوت أن تقوم إلا بما قلناه: أن يقوم الرجل برسالته، ويهيئ لزوجته ما أمر الله من تهيئته، وتقوم المرأة برسالتها في البيت، حتى تهيئ لذلك الرجل المؤمن الصالح بيته على خير ما تهيأ عليه بيوت المسلمين.
وبما أن الرجل مطالب باللين مع المرأة، فكذلك هي مطالبة بأن تكون تحت الرجل، وهذه المطالبة -كونها أسفل من الرجل- كرامة للمرأة، فإن المرأة إذا شعرت أن القوامة للرجل، وأن بيتها لها تدير أبناءها وترضع صغيرها وتحفظ عورة زوجها، وتحفظ بيته وأسرته، وتربيهم على الأخلاق الكريمة، كمَّل الله ما نقص من بيت الزوجية.
وكما أن الرجل مطالب بالرحمة على الزوجة، كذلك الزوجة مطالبة بأن تعي مكانة الزوج، وحق الزوج عليها.
ولا ينبغي للرجل أن يتدخل في أمور المرأة، ولا ينبغي للمرأة أن تتدخل في أمور الرجل، فليس من العشرة بالمعروف التي أوصانا الله بها أن يكون الرجل فضولياً إذا دخل البيت، فيتدخل في كل صغير وكبير، ويناقش في كل جليل وحقير حتى يدخل في أمور الزوجية التي لا يفقهها ولا يفهمها، بل هذا من الخطأ الذي لا ينبغي للإنسان المسلم العاقل أن يكون عليه.
ينبغي للرجل أن يكون عنده عزوف عن الأمور التي لا تليق به، فالمرأة راعية في بيت زوجها، كما وصفها النبي ﷺ حين قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) ما معنى راعية؟ معناه أن لها حقاً أن تتفقد أمور البيت، وأن يكون لها حق النظر في شئون البيت وأموره في الحدود الشرعية، فليس من حق الرجل أن يتدخل في كل أمورها، سواء كان صغيراً أو كبيراً.
كذلك المرأة ليس من حقها أن تخرج من نطاق بيتها؛ لكي تسأل زوجها عن كل ساعة قضاها خارج البيت، وتتدخل في كل صغيرٍ وكبيرٍ من شأنه، حتى تسأله عن الضيف الذي دخل وخرج، فهذه من الأمور التي يمقتها الله قال ﵊: (إن الله كره لنا قيل وقال وكثرة السؤال) فكثرة السؤال من فضول الكلام الذي ينبغي للمسلم أن يبتعد عنه، بل هو مكروه، بل قد يكون ذلك مما يوجب الحرج.
فقد يستاء الرجل من تدخل زوجته، فإن بعض الرجال يكون فيه لين ورقة إلى درجة تقوى معها الزوجة، فتتدخل في شئونه الخاصة.
فلتتق الله المرأة المسلمة، ولتحفظ لزوجها كرامته، ولتحفظ لزوجها رجولته، ولا تتدخل في هذه الأمور.
فإذا أعطى كل واحد من الزوجين حق الآخر، وقدر كل منهم للآخر قدره، فإن الله يحفظ بيوت المسلمين.
ولتتصور المرأة مكانة الزوج حينما تعطيه حقه وهو خارج البيت، وليتصور الرجل حينما يدخل بيته، وقد أعطى رسالة البيت للمرأة تربي صغيرها، وترضع طفلها، وتقوم على ما يكون فيه الخير من شأن بيتها، كيف تكون البيوت؟ الرجل إذا دخل البيت ولم يتدخل في الشئون الخاصة، وأخذ يعين زوجته على تربية أولادها، وإدارة شئون بيتها قويت نفس المرأة وحمدت من زوجها ما كان منه.
стр. 848
الوصية الرابعة: حفظ العهد بين الزوجين
الوصية الرابعة التي يوصى بها كلا الزوجين: حفظ العهد، فإن حفظ العهد من الإيمان، وقد أخبر النبي ﷺ أنه من الإيمان، وقد فعل ذلك عليه صلوات الله وسلامه، فكان حتى بعد وفاة خديجة حافظاً لعهدها صلوات الله وسلامه عليه، حينما دخلت عليه هالة أخت خديجة فقام يجر رداءه صلوات الله وسلامه عليه.
وما ذكر خديجة إلا وأثنى عليها, فكانت عائشة ﵂، تغار حتى أنها قالت: (أليس قد أبدلك الله خيراً منها؟ فقال: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي وكفر بي الناس، وأعطتني ومنعني الناس) سبحان الله! زوجة ميتة ومع ذلك يحفظ حقها صلوات الله وسلامه عليه، فمن شيمة أهل الإيمان أنهم يحفظون حقوق الزوجات.
فحفظ الحق هو الذي يصلح الله به البيوت، ويكون في كل صغير وكبير من أمور الزوجية، حتى عندما تدخل البيت، وتراها قد هيأت لك طعامك، فقلت لها: جزاك الله كل خير بارك الله فيك لا شلت يمين منك أي كلمة طيبة، يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣].
أيها الإخوة: هذه أمور قد تكون يسيرة، لكن نذكركم بها؛ لأن الله يأجر عليها، تراها في تعب ونصب، فتأتيها في الظهيرة والقائلة وأنت عليك الهموم والغموم فتضع بين يديك الطعام لكي تذكرك معروفها، فتقول من شيمتك ووفائك لها: جزاك الله كل خير لا شلت يمينكِ حفظكِ الله نِعم ما صنعتِ كلمة يسيرة أوصانا الله بها، فقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] الله أكبر وقولوا للناس! كيف بالأهل والزوجات؟! فالله أمرنا أن نقول الكلام الطيب، وأن نبوح بالكلام الطيب، لكن تصور لو جئتها بعد تعبها ونصبها، وقد صنعت لك الطعام وغسلت لك الثياب، فقلت لها: ما الذي صنعت؟ هذا الطعام فيه كذا وكذا، وأخذت تعيب طعامها، كيف يكون حالها؟ كيف يكون حال هذه المرأة الضعيفة التي سخرها الله لك، وقد كان الإنسان عزباً يغسل ثوبه ويطبخ طعامه، ثم قيظ الله له امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تهيئ له طعامه، فيقابل هذا المعروف بالإساءة؟!! ولذلك ثبت من هدي النبي ﷺ ، أنه ما عاب طعاماً وضع بين يديه صلوات الله وسلامه عليه (ما عاب طعاماً قط) صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يدل على أن الحياة الزوجية لا بد أن تقوم على الصبر، إن وجدت شيئاً طيباً أثنيت ومدحت، وإن وجدت شيئاً غير طيب غضضت وسترت، فإن غضضت عنها، فقد يغض الله عنك يوم يقوم الأشهاد، وإن غفرت لها يغفر الله لك يوم يقوم الأشهاد، مع أنك قوي وهي ضعيفة، وتستطيع أن تؤدبها وتستطيع أن تؤذيها، لكن ترفع يديك وتقول: يا رب! إني أخاف منك، وإني قد أعرضت عن خطئها لوجهك، فكم يكون لك عند الله من الأجر، فهذه من الأمور المهمة: أن يكون كلا الزوجين حافظاً للعهد.
وكما نقول هذا للزوج نقوله للزوجة؛ هذه أمور قد تكون تافهة، لكنها مهمة جداً، فكم من مشاكل زوجية بسبب كلمات خرجت من الألسن في مثل هذه المواقف الحساسة، يأتي الزوج من التعب والنصب لكي تقابله المرأة في ذلك التعب والنصب فتناقشه عن أمر من الأمور، أو تريد أن تصل معه إلى حل قضية من القضايا التي تحتاج إلى راحة ودعة واستفراغ للذهن.
فهذه من الأخطاء التي يقع فيها كثير من النساء -أصلحهن الله- فينبغي أن تعلم المرأة أن الله يحاسبها عن زوجها، وأن الله سيوقفها بين يديه، لكي يحاسبها على كل ما فيه أذى لزوجها.
وإن باتت وزوجها عليها غضبان، باتت الملائكة تلعنها من عظيم حق الزوج عليها.
كوني كبعض النساء الصالحات التي إذا أحست من غضب زوجها عليها بقيت عند قدمه تسأله أن يعفو عنها، كل ذلك خوفاً من أن يغضب الله ، أو يبيت الذي في السماء ساخطاً عليها.
فالمرأة المؤمنة تخاف الله، والمرأة المؤمنة قلبها رقيق، فمن شيمة أهل الإيمان أن قلوبهم رقيقة، وأن قلوبهم لا تتحمل ما فيه سخط الله وغضبه، فهذا أمر مهم ينبغي للمرأة المؤمنة أن تعطيه حقه، وأن تقدر للزوج قدره.
ومن الأخطاء الشائعة من النساء خاصة، إذا عظم الأمر فكان الرجل كبير السن، ذي شيبة مسلم: تهزأ به أمام أطفاله، أو تسخر به أمام أولاده، وكم من امرأة فعلت ذلك في مشيبها فأحبط الله به عمل شبابها، وكم من امرأة سودت صحائف أعمالها بعد أن بيضتها بالأعمال الصالحة، صبرت على زوجها حتى بلغ المشيب والكبر فأهانته وآذته، فختم لها بخاتمة السوء في حياتها الزوجية والعياذ بالله.
وكم من امرأة كانت على أذية لزوجها، وبُعدٍ عن تقديره وإجلاله في بادئ أمرها، فلما شاب ورق عظمه، وابيض شعره، حفظت حقه ووداده، فغفر الله لها سيئات العمر التي مضت.
فينبغي للمرأة أن تخاف الله، وأن تراقب الله خاصة في الكبر.
وكذلك الزوج ينبغي عليه أن يرعى حق الله في الزوجة، وأن يحفظ حقها وعهدها خاصة في الكبر، فمن العيب القبيح أن تجد الرجل ذي الشيبة يجلس مع أطفاله وامرأته على كبر ومشيب، فيستهزئ بامرأته أو يسخر منها، أو يسميها باسم فيه سخرية، فإن هذا مما لا يرضي الله ، فإن السخرية والاستهزاء ليست من شيمة أهل الإيمان، فإن الله لا يحب سفاسف الأمور، ولكن يحب معاليها.
إذا شاب شعرك، ورق عظمك، وشاب شعرها ورق عظمها، فليس هناك إلا ختم الأعمال بالصالحات، وذكر الله بالمرضاة التي توجب المحبة من الله ورفعة الدرجات، ليس بعد المشيب والكبر إلا الأخلاق الفاضلة، والسكينة والوقار التي يتربى عليها أبناء المسلمين، هذه أمور ينبغي أن نتواصى بها، وأن يشد بعضنا أزر بعض، وأن نتقي الله في هذه البيوت، وأن نختم حياة الزوجية بمرضاة الله ﷻ .
стр. 849
الوصية الخامسة: أن يؤدي كلا الزوجين للآخر حقه
الوصية الخامسة التي يوصى بها في رعاية الحياة الزوجية: أن يؤدي كلا الزوجين للآخر حقه، وذلك في الحقوق التي أمر الله بها ومنها: - حق المبيت: يؤديه على الوجه الذي يرضي الله ، فلا يعرض أهله للحرام.
- حق النفقة: ينبغي للزوج أن يعطي الزوجة حقها في النفقة على الوجه الذي يرضي الله بالمعروف: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] فمن كان ضيق اليد ينفق على قدر ضيق يده، ومن كان واسع اليد ينفق على سعة يده، ما لم يبلغ الإسراف في إنفاقه، فيكرم زوجته ويعطيها المال الذي يحس أنه يجبر خاطرها به.
ولذلك يتصور الإنسان لو أنه أعطى زوجته نفقة، وجاء في يوم من الأيام وزوجته على غفلة، وقال لها: هذا المال هدية مني لكِ، أنتِ لكِ عليَّ معروف كثير، أنتِ لكِ عليَّ فضل -المرأة لها فضل أين ما كان، الله يقول بعد الطلاق: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] الله أكبر! حتى بعد الطلاق! فكيف إذا كان الإنسان يعاشر زوجته؟! - فيجبر خاطرها - حق التجمل: فبعض النساء صالحات قانتات عابدات، لكنها تهمل التجمل لزوجها، وهذه قضية ينبغي طرحها، فإن الله أعطى حقاً للزوج كما أعطاه للمرأة: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨].
فصلاح المرأة لنفسها، أما الزوج فله حق ينبغي أن تظهر له ما يرغبه فيها، ويكسر عينه عن غيرها، أما أن تبقى صالحة عابدة مهملة لحق زوجها فهذا مما لم يأذن الله به، فإن حق الزوج فرض، والنوافل والعبادات طاعة وقربة ليست بواجبة، ولا يتقرب إلى الله بشيء أحب إليه مما افترضه عليه، فأول ما تفكر فيه المرأة الصالحة التي تريد الصلاح بعينه أن تكسر عين زوجها، وذلك بما أمر الله به من التهيؤ للزوج.
وكذلك الزوج، فبعض الرجال على صلاحه وعلى ديانته واستقامته -لكن صلاحه لنفسه- يهمل حق التجمل للمرأة.
أيها الإخوة: دين الإسلام عظيم، حتى في أمور الزوجية، ليس من الحياء أن الإنسان ينكف عنها؛ لأنها حقوق وشرف لك أن تبين هذه الحقوق، وأن تدل عليها؛ لأن بيوت المسلمين تهدم عندما تضيع هذه الحقوق.
ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن جلس ذات مرة مع أصحابه وجاء بالمرآة فجعل يكتحل ويسرح شعره، ويقول: [أتجمل لها، أحب أن أتجمل لأهلي كما أحب أن يتجملوا لي] وهو حبر الأمة وترجمان القرآن.
وكذلك النبي ﷺ عندما يدخل بيت الزوجية ماذا كان يفعل؟! تقول عائشة: (كان يبدأ بالسواك) حتى لا يشم أهله منه الرائحة الخبيثة صلوات الله وسلامه عليه.
فدين الإسلام دين طهارة، ودين سمو، ودين عفة، فهذه الأمور ينبغي العناية بها.
المرأة الصالحة صلاحها لنفسها، لكن ينبغي عليها أن تؤدي حق زوجها، وأن تسعى في كل شيء يغض نظره عن الحرام، ولذلك أباح العلماء الاستمتاع بالمرأة، ونصوا على ذلك من خلال نصوص الكتاب والسنة، لئلا يتعرض الزوج للحرام ولا تتعرض المرأة للحرام، هذه أمور ينبغي التنبه لها.
- حق الزواج ينبغي إعطاؤه على الوجه الذي يرضي الله، فكثرة السهر والتفريط في الفراش، هذه أمور ينبغي الحذر منها والبعد عنها وتقوى الله فيها، فكم من فراش فسد بضياع حقه، وكم من امرأة تعرضت للحرام بغفلة زوجها عنها، وكم من زوج تعرض للحرام والنظرة المسمومة بغفلة زوجته عنه، فهذه أمور ينبغي التنبه لها.
- حق الترويح: أن يحاول الإنسان أن يجعل للزوجة وقتاً للترويح وذهاب ما بها من ضيق، فالمرأة بشر ضعيف إذا جلست بين الأربع الجدران طيلة العام لا شك أنها في يوم من الأيام ستسأم.
فإذا أكرمك الله بامرأة صالحة قانتة عابدة بعيدة عن الأسواق، بعيدة عن الخروج والتبرج، فليكن من وفائك وشيمتك وعهدك أن تأخذها يوماً في الأسبوع أو يوماً في الشهر، لتروح عنها فتزور أقاربها.
أعرف أناساً من أهل العلم والفضل بل من العلماء كانوا يأخذون أهليهم مرة في الشهر، أو المرة أو المرتين في السنة، يخرجون بأقربائهم.
وبعض الأزواج لا يخرج زوجته إلا إذا طلبت، وبعض الأزواج قد لا يخرجها حتى لو طلبت، ومن المؤسف أن بعض الزوجات تقول لزوجها: أريد أن أزور عمتي، فيقول لها: ماذا عمتك؟ لا.
اقعدي في البيت، وإذا قالت له: أريد أن أزور أمي، قال: لا.
ماذا أمك؟ كل قليل تذهبين إلى أمك؟ -وقد تكون لها عن أمها شهوراً- سبحان الله! تسألك صلة رحم أمر الله بها أن توصل.
كانت هذه المرأة الصالحة تنتظر منك في يوم من الأيام أن تأتي إليها وتقول: يا زوجتي! طال العهد بك ولم تزوري أمك، وأمك لها عليك حق فاذهبي إليها، لو عرضت عليها كيف يكون وقع ذلك في قلبها؟ والله لو أن الزوج ابتدأ زوجته بمثل هذه الأخلاق لملك قلبها.
فإن الزوجة لو جئت في يوم من الأيام تقول لها: أمك لها عليَّ حق، ولها عليكِ حق، وأبيك له عليَّ حق، وله عليكِ حق، فلنذهب لزيارتهما، كيف يقع ذلك في قلبها؟ ولو أنها يوماً من الأيام قالت لك: يا فلان! والدك له عليّّ حق، ووالدتك لها عليَّ حق، أريد أن أزورهم، كيف يقع هذا في قلبك؟ يقع موقعاً كبيراً، فبمثل هذه الأخلاق وبمثل هذه الأمور يكون الترويح وتكون الصلة التي أمر الله بها.
أيضاً تكون بركة لك؛ لأن المرأة الصالحة التي تصل أمها وأباها وتصل قرابتها مباركة؛ لأن صلة الرحم بركة: (من أحب أن ينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه، وأن يزاد له في عمره، فليصل رحمه).
فإذا وفقك الله بامرأة تبحث عن قرابتها وتصلهم، فكن أول من يعينها على طاعة الله ومرضاته، فصلة الرحم من الأمور التي ينبغي أن يتواصى بها.
تصور لو أنك في يوم من الأيام جئت إلى والد الزوجة أو والدة الزوجة، وقلت: أريد منكم أن تأتوا عندنا، وتذبح لهم شاة تقصد بها وجه الله، وتقصد بها صلة الرحم، كم يكون لك فيها من الأجر؟ فوالد الزوجة له حق كبير عليك، فقد اختارك ورضِيَكَ من بين الناس لابنته، أو رضِيَك لأخته، هذا شيء ليس بالسهل ولا تستطيع أن تكافئه إلا بالدعاء، فكن خير زوج لأبي زوجتك: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] فصلهم وبرهم ولو مرة في العام.
هل أحد يتصور زوجاً على ديانة واستقامة لم يدع أهل زوجته إلى طعام في بيته يوماً من الأيام؟! ينتظرهم يزورونه، وقد يحرجونه، فيجلسون إلى ساعات متأخرة! والله إن بعض الزوجات تقول: إن أبي وأمي يأتيان ويجلسان إلى ساعة متأخرة في الليل، وينصرفان من عندي بدون عشاء! النبي ﷺ يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).
لما أراد علي أن يتزوج فاطمة قام ﵊ خطيباً، فذكر أبا العاص - زوج زينب وأبا أمامة ﵁ وأرضاه فأثنى عليه خيراً، وسبب ثناء النبي ﷺ عليه، أنه لما أخذ أسيراً يوم بدر، وأراد النبي ﷺ أن يطلقه من الأسر، قال: أطلقك من الأسر لكن تبعث لي زينب، فمضى إلى مكة ووفى للنبي ﷺ فبعث له ابنته زينب، فكان النبي ﷺ حافظاً لهذا العهد، فأثنى عليه خيراً.
فبيوت الزوجية لا بد أن تقام على مثل هذه المعاملة، أن تكون خير زوج لابنة من زوجك، وخاصة إذا كان الشخص ملتزماً أو ينتسب إلى الهداية، فإنه محل نظرة إجلال، ولذلك تجد بعض الرجال يقول: فلان يفعل بي كذا، وقد يكون الزوج الثاني غير ملتزم يفعل أشد منه، ولكن يقول لك: هذا ملتزم، هذا مهتدٍ، كيف يفعل هكذا؟ إذا كان الإنسان على استقامة ينبغي أن يكون خير الأزواج لوالد زوجته.
فهذه أمور مما يوصى بها، فإن العناية بالأرحام تحقيق لما أمر الله به، فهذا من صلة الرحم، ومن إدخال السرور على الأهل، وقد يدخل الإنسان السرور على زوجته فيكون قربة بينه وبين الله، ولذلك يقول العلماء: "العادات تنقلب عبادات بالنية".
فإن إدخال السرور على أهل الزوجة عادة، لكنها تنقلب عبادة باحتساب الأجر عند الله.
فكن -أخي- ذلك الرجل، كن ممن يدخل السرور على المرأة، كما أنك تحب أن تدخل السرور على نفسك، فأدخل السرور على نساء المؤمنين، وكن وفياً كريماً.
стр. 850
الوصية السادسة: الغض عن الإساءة
الوصية السادسة: من الأمور التي يوصى بها للألفة في الزواج: الغض عن الإساءة: فإن الله يتجاوز عن عباده، فقد ثبت في الحديث الصحيح: (أن رجلاً كان يدين الناس المال، وكان يقول لوكلائه: إذا وجدتم معسراً فتجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عني، فلقي الله فقال الله: نحن أحق بالتجاوز منك، تجاوزوا عن عبدي).
فينبغي لك -أيها الإنسان- أن تتجاوز عن أهلك، فإن أحق من تعفو عن زلته، وتغفر خطيئته زوجتك، والمرأة أحق من تغفر له هو زوجها؛ لأن الإنسان بشر، والبشر قد يزل لسانه وقد تزل يده، فإذا كنت حليماً رحيماً ترحم من أخطأ وتعفو عنه لوجه الله، وجب لك الخير، وكم من كربات فرجها الله عن أناس عاملوا الناس باليسر، وعاملوهم بالغض عن الإساءة، ولذلك ورد في الحديث: (أنه ينادي منادِ الله يوم القيامة، في ذلك اليوم العصيب الرهيب: من كان أجره على الله فليأته -أي: من كان له دين على الله في الأجر فليأته- تقول الملائكة: ومن هذا الذي أجره على الله؟ يقول النبي ﷺ : فلا يقوم إلا من عفا عن ذنب) لأنه عفا عن ذنب لوجه الله، فإذا عفوت عن أقرب الناس إليك، وهم أهلك عفا الله عنك، ولذلك قال ﷺ : (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).
والله ما ترى عينك إنساناً يرحم الناس إلا وجدته مرحوماً، وما ترى إنساناً يعفو عن زلات الناس ويتسع صدره لأخطاء الناس، إلا وجدته أكثر الناس انشراحاً، وأكثر الناس طمأنينة، وتجد لطف الله به في نفسه وفي أهله، وحيثما توجه يجد من الله لطفاً، إن الله يرحم من عباده الرحماء، ويحب من عباده الرحماء، فإذا جئت في يوم من الأيام على زلة وخطيئة للمرأة تستطيع أن تؤذيها، وتستطيع أن تضيق عليها، وتستطيع أن تربيها، وإذا بك تتذكر قدرتك عليها، ثم تتذكر قدرة الله عليك، وتتذكر أنها كما أخطأت أنك أخطأت في الله أكثر مما أخطأت، وأنك إن رحمتها رحمك الله، فقلت في نفسك: عفوت عنها، وأنت تريد ما عند الله ، فنعم والله ما صنعت.
وكم من أزواج أفضوا إلى ما يلقونه من قبل بعثهم ونشورهم في القبور، ولا زالت النساء يذكرن تلك القلوب الرحيمة بكل خير.
وأذكر ذات مرة أنه اتصلت إحدى النساء تسأل عن خطأ أخطأته في حق زوجها، فتقول: إني أخطأت في حق زوجي، ولكن تقول: أشهد لله أنني ما رأيت أوسع صدراً منه، رحم الله مجالسته، ما استسمحته إلا سامحني، ولا رأى مني زلة وقلت له: اغفرها لي إلا غفرها لي، وقعدت تبكي ما استطاعت أن تكمل السؤال؛ لأن ذلك الزوج أسر قلبها بالمعروف، وجدته رحيماً حليماً حنوناً.
فلعلك أن تكون مثله، بل لعلك أن تكون خيراً منه، إن الهداية والاستقامة تكسر القلوب لله، والمهتدي دائماً تجده رقيق القلب، تجده حليماً رحيماً، لذلك وصف النبي ﷺ قلوب أهل الجنة: (إن من أهل الجنة من يدخل الجنة قلوبهم كأفئدة الطير) من الرقة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
تصور أخي! لو أن الزوجة أخطأت فجئت وأقمت الدنيا وأقعدتها وسببت وشتمت، ما الذي تريده؟ هل هذا يصلح؟ هل هذا يقوم؟ قد تزداد المرأة تعنتاً، وقد تزداد -أيضاً- إصراراً على الخطأ، فيشاء الله في يوم من الأيام أن يتسلط عليها الشيطان بالغفلة فتقع في نفس الخطأ، وقد يحدث طلاق والعياذ بالله.
لأنك تأتي في وقت الغضب، وتقول: ربيتها وضربتها وآذيتها وتفعل هذا؟! معنى هذا أنها تكرهك، فيأتي الشيطان عليك فيستزلك بالكلمة التي تهدم البيت كله والعياذ بالله.
لكنك إذا أخذت الأمور بالسهولة والحلم والرحمة، ووسع قلبك أخطاء الناس، وقلت: كما أن لهم أخطاء فلي أخطاء، فلعل الله أن يغفر لي كما غفرت لعباده، فقد يرجع لك من الله خير.
وإنه لمن المحزن أن تجد الواحد منا من أحلم ما يكون وأرحم ما يكون بالناس؛ لكنه إذا دخل بيته يحاسب عن كل صغيرة وكبيرة، وهذا موجود، فالله الله أن تضيق على أمة من إماء الله، فيضيق الله عليك في الدنيا والآخرة.
وإني أعرف أناساً يحاسبون الناس على كل صغيرة وكبيرة، والله يعاملهم بمثل ما يعاملون الناس، تأتيهم أمور سهلة ويعسرها الله عليهم: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] ﴿جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢٦] ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:٣٣].
ذكروا عن أحد الخلفاء أن رجلاً أخطأ في حقه، فجيء بهذا الرجل المخطئ، فقال الخليفة لجلسائه: ما تقولون؟ قالوا: اضرب عنقه، وإذا برجل حكيم جالس في آخر المجلس، قال له: ما تقول يا فلان؟ قال: أما إنك لو قتلته فإن غيرك كثير قد قتل، ولكن إن عفوت فغيرك قليل فاعف رحمك الله، فعفا عنه وغفر.
فلذلك العفو والمغفرة خير وبر، وقد بين النبي ﷺ في حديث حكمة عظيمة، يقول ﷺ : (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا) هذا الحديث نظرت فيه وإذا به عندما تنظر إلى الواقع تجده من أبلغ ما يكون من الكلام؛ لأنك إذا أتيت تعفو يأتيك الشيطان، ويقول لك: إذا عفوت أهانتك المرأة، وركبت على رأسك، وفعلت بك، وفعلت بك، فأصبح العفو عن الناس سلطان الشيطان على القلوب، فهو يصور أنه ذلة، فكذب النبي ﷺ هذا الظن، فقال: (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا).
فلذلك عندما يأتيك الشيطان ويقول لك: إذا عفوت ركبت عليك المرأة، كما تقول العامة، تقول: لا.
أنت تقول هذا، ولكن الله يقول على لسان رسوله: إننا نزداد عزاً.
ولذلك انظر عندما تعفو عن خطيئة المرأة، تكسر عينها أمامك، وتحس أنك ملكت قلبها بالمعروف، ولعلك أن تأتي يوماً من الأيام، وأنت ضجيع اللحد والبلى، وتذكر منك هذه الحسنة فتدمع عينها وتذكرك بدعوة صالحة، فإن الله يجزي على الإحسان إحسانا، هذه من الأمور التي ينبغي أن يتواصى بها كلا الزوجين.
كما أن الزوج ينبغي أن يعفو، فكذلك الزوجة لا تتابع زوجها في كل خطأ، وبعض الزوجات يخطئن التصرف في بعض الأمور، فتجدها بمجرد ما تحصل الغلطة تشيعها في كل مكان، وتذهب إلى أبيها وأمها وأخيها وأختها، بل قد تشيعها عند القرابة، وعند الجيران، وعند الأجانب والأغراب عنها، وهذه من الأخطاء الشائعة الذائعة التي ينبغي أن نتقيها، وأن يتقيها إماء الله، وأن يبتعدن عنها.
فينبغي للمرأة أن يتسع صدرها، وأن تحس أن عورة زوجها عورة لها، وأن تغفر هذه الزلة، وأن تعفو عن هذه الخطيئة، ولا تكون حريصة على محاسبة زوجها في كل صغيرة وكبيرة، وكما قلنا للزوج في فضل العفو، نقول كذلك للزوجة.
وكم من نساء صالحات تجدهن يُضطهدن ويُظلمن ويؤذين، والله يعلم ما خرجت منهن كلمة إلى أقرب الناس إليها فضلاً عن أبعد الناس عنها، وأعرف بعض النساء يتصلن عليَّ في بعض المشكلات، وتقول: والله يا شيخ! ما أحد علم بهذه إلا أنت، من صبرها وتحملها، وتمر عليها السنوات وهي صابرة متحملة لوجه الله ﷻ ، فبيض الله وجوههن، وأسأل الله أن يكثر في المجتمع من هذه الأمثال.
المرأة إذا زينها الله بالصبر وسعة الصدر باحتمال أذية زوجها وتقصير زوجها، فإن الله يعوضها خيراً، وكم رفع الله من درجات، وكفَّر من خطيئات لنساء صبرن على البلايا، وما تزال المرأة تؤذى وتؤذى حتى يرفع الله درجتها بهذه الأذية، وتبتلى حتى يرفع الله درجتها بهذا البلاء، ولعل الله في يوم من الأيام أن يعوض صبرها خيراً.
ولذلك قل أن تجد امرأة تصبر على أذية زوجها إلا جعل الله العاقبة لها خيراً، والغالب في الزوج أن ينقم عليها في آخر حياتها، وهذا له نظائر ووجدت له حوادث، فلذلك نوصى المرأة المسلمة بالصبر والتحمل، إن الله هو الذي يعلم بلاءها، وهو الذي يعلم شكواها.
ولذلك لا يفرج همها أحد سواه ﷻ مقلب القلوب، فلعل زوجها يكون قاسي القلب عليها سنين، وفي طرفة العين يقلب الله قلبه حناناً وشفقة عليها، فلا تشتكي إلا إلى الله، ولا تعول في تفريج كربها وهمها وغمها إلا إلى الله، وأيما امرأة آذاها زوجها وأهانها واضطهدها، فلتعلم أن لها نصيراً من الله.
стр. 851
نصيحة لأقارب الزوجة
ينبغي في هذا الباب أن نوصي قرابة الزوجة بتسوية الزوجات، فمثلاً لو جاءتك الأخت تشتكي يوماً من الأيام، أو جاءتك البنت تشتكي زوجها في يوم من الأيام، فينبغي أن يكون الإنسان حكيماً حليماً رحيماً، يوسع صدر الزوجة، ويقول لها: إنه زوجك اتقي الله يا فلانة! الأخت والبنت إذا جاءت تشتكي ووجدت من أبيها وأخيها الكلمة الطيبة التي تثبتها غالباً أنها ترضى، ولعل الله أن يجمع شملهم بك، لكن بمجرد أنها تأتي تشتكي وتقول: فعل بي وفعل، وتأتي تغتاب زوجها ولعل الزوج مظلوماً بهذا الكلام، فينبغي أن يصبر الإنسان وأن يتحمل.
أذكر رجلاً من أهل الفضل يحكي لي قصة غريبة لأبي زوجته، يقول: إنه ذات يوم كان رجلاً كريماً رحمة الله عليه، كان من حفاظ القرآن ومن أهل الفضل والأعيان في بلده، كنت أعرفه بالكرم، وقلَّ أن يجلس على غدائه إلا والفقراء عليه، وقلَّ أن يأتي رمضان بساعة الإفطار إلا تجده في الحرم يبحث عن الضعفاء والفقراء حتى يأخذهم إلى بيته -رحمة الله عليه، وأسكنه فسيح جناته- فكان رحيماً بالضعفاء، فجاء يوماً من الأيام ودخل على زوجته لأجل الطعام فوجد الطعام قليلاً، فغضب عليها وضربها حتى كسر يدها من شدة الغضب -كان شديد الغضب وكما يقولون بالعامية: حار، من شدة الحرارة والغضب كسر يدها- فخرجت في الظهيرة تشتكي إلى أبيها، فلما جاءت إلى البيت لم يكن أبوها موجوداً فجلست عند أمها، وجلست تشتكي، فلما دخل أبوها البيت قال: من هذه؟ قالوا: فلانة جاءت تشتكي، فأخذ عصاه وضربها، وما سمع منها شكوى، فقال لها: قومي، لا بيت لك إلا بيت الزوج، فقامت في الظهيرة، تمسك ولدها باليد الثانية، واليد الأولى مكسورة من زوجها، كلما تعبت دفعها من ورائها، يقول الزوج: فما شعرت إلا والباب يقرع بشدة، فهو يقرعه بالعصا، وقد كان يمشى على عصا يتوكأ عليها، فلما قرعه بشدة، يقول: دخلني الرعب أن عمي فلاناً قد جاء، يقول: وتوقعت أنه سيضربني، يقول: فلما فتحت الباب وإذا بالمرأة ومعها طفلها -أكبر أبنائه- قد دفعها إلى داخل البيت، فقال لي: خذ زوجتك، يقول: ما استطعت أن أرفع بصري في وجهه من الخجل، وعدت أنا وزوجتي على خير ما يرام، وما عادت لذلك الفعل بعدها.
ويذكرون عن رجل كان من الصالحين، ومن العباد الأخيار جاءته ابنته تشتكي من زوجها، وتذكر عيوبه، فلم يجبها بشيء، فباتت عنده الليلة الأولى، فلما أصبح جلس يبكي أمامها كالطفل، فقالت له: ما بك يا أبتِ؟! قال لها: -وكانوا في بادية وليسوا في مدينة- إبريق الماء الذي أتوضأ به انكسر بالأمس، فقالت: أحضر إبريقاً آخر، فقال: إبريقي يرى عورتي ولا يحق أن أحضر إبريقاً عليه.
حفظ الحق بجماد، كأنه يقول لها: ما حفظتِ حق زوجك، وأنا حفظت حق جماد، فانكسرت عينها وأخذت عباءتها ورجعت إلى بيت زوجها، فهذا من أمور التربية.
ويخبرون عن رجل آخر أنه جاءته ابنته تشتكي من زوجها، فقال لها: أنت في كرامة وعزة، فقال لزوجته: إياك أن تغسلي الثياب، وإياك أن تطبخي الطعام، وفي اليوم الأول قال لابنته: نريد أن نأكل من يدك فطبخت، وقال لها: نريد أن تغسلي لنا الثياب بيدك الطيبة فغسلت، وفي اليوم الثاني عمل معها كما عمل في اليوم الأول وكذلك في اليوم الثالث، في اليوم الرابع فرت البنت إلى بيت زوجها.
لو أن الرجل ذهب -بمجرد ما جاءته ابنته تصيح- إلى زوجها وجلس يسبه ويشتمه، ثم يقال الكلام الذي لا ينبغي أن يقال، وتفضح العورات، ونشتكي ونفعل بك وأنت ما فيك خير، هذا كلام أهل السفلة، وكلام الذين لا خلاق لهم، أما أهل العقل والحكمة، فإنهم يعالجون الأمور بالتي هي أحسن، ويجمعون ولا يفرقون، ويؤلفون ولا يباعدون.
نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، ونسأله تعالى أن يمن علينا وعليكم بالبيوت التي ترضينا عنه، ويهبنا وإياكم قولاً سديداً وعملاً صالحاً رشيداً.
وأختم هذه الكلمة بما بدأنا به: اللهم بارك لأهل هذا الجمع في جمعهم، اللهم بارك لكلا الزوجين في زواجهما، اللهم بارك لهما وعليهما واجمع بينهما في خير، وارزقهما ذرية صالحة تقر بها الأعين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 852
رسالة إلى مضطر
الدنيا هي دار البلاء والمصائب، والمؤمن بحاجة إلى من يواسيه في هذه الدار ويقف إلى جانبه، فإذا حدث لشخص شيء من هذه البلايا فعليه عدة أمور، أهمها: أن يرضى عن الله، وأن يعلم أن الذي أنزل البلاء لا يدفعه أحد سواه، وهو الله وحده، يضاف إلى ذلك الصبر على هذا البلاء الذي نزل، مع استشعار الأجر الجزيل الذي يوفاه الصابرون يوم القيامة.
стр. 853
الدنيا دار ابتلاء
الحمد لله مفرج الهموم، الحمد لله مبدد الأحزان والأشجان والغموم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ملاذ الهاربين، وعدة الصابرين، وسلوان المصابين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله الأمين، قدوة الصابرين، وإمام المحتسبين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته والتابعين, ومن سار على نهجهم المبارك واستن بسنتهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته: سلامٌ على كل مؤمن مهموم سلامٌ على كل مؤمن مبتلى مغموم سلامٌ على كل مؤمن مبتلى ضرير سلامٌ على كل مؤمن مجروح أو كسير سلامٌ على أولئك الذين فُجعوا بأهليهم سلامٌ على أولئك الذين فجعوا بأحبتهم وذويهم سلامٌ على من فارق الآباء والأمهات سلامٌ على من ودع الخلان والأصحاب والأخوات سلامٌ على من فجع بالأبناء والبنات.
سلامٌ عليك إذ ودعت أباً كريما طالما مد يد المعروف إليك سلامٌ عليك إذ فجعت بتلك اليد التي طالما أحسنت بعد الله إليك سلامٌ عليك إذ ودعته دار البلى، وأسلمته إلى يد الردى، فكان آخر عهدك به إذ ولاك قفاه مشتغلاً بما أقدم عليه من الله جل وعلا.
سلامٌ عليك إذ رجعت إلى دارك ففقدت صورته وحنانه سلامٌ عليك إذ رجعت إلى دارك فانقطع صوته بينك وبين أبنائك.
سلامٌ عليك إذ ودعت أماً حنونا طالما أسدت يد المعروف إليك سلامٌ عليك إذ فجعت بها وقد كان ثديها لك سقاء وبطنها لك وعاء، وحجرها لك حِواء، أسلمتها إلى يد الردى والبلى وما وفيت شيئاً من معروفها عليك، أسلمتها إلى دار البلى وما أديت حقوقها من البر عليك.
سلامٌ عليك إذ ودعت الأصحاب والأحباب، وخلفوك في هذه الدنيا وحيداً فريداً مع الذكريات سلامٌ عليك إذ فجعت بهم وعظم مصابك بهم سلامٌ على كل مؤمن مهموم مغموم طريح البلاء، طريح الأذى سلامٌ على من نزل به البلاء في نفسه سلامٌ على من نزل به البلاء فعظم عليه البلاء سلامٌ على من بات طريح الأسرة البيضاء سلامٌ على كل مؤمن فجع بالأعضاء سلامٌ على كل مؤمن ذي عين عميت أو عورت سلامٌ على كل مؤمن له عضو قطعت أو شلت سلامٌ على كل مؤمن ذي قدم بترت أو حسمت سلامٌ على أهل البلايا من عباد الله المؤمنين.
عظم الله أجركم، وجبر الله كسركم وعوضكم خيري الدنيا والآخرة على ما فقدتم، فمن لكم غير الله يجبر كسركم؟! ومن لكم غير الله يبدد أشجانكم وأحزانكم؟! ومن لكم غير الله يؤنسكم من الوحشة ويعيد إليكم ما فقدتم من النعمة؟! من لكم غير الله إذا دفعتم عن الأبواب إلا بابه؟! ومن لكم غير الله إذا صرفتم وخاب الرجاء فيمن سواه إلا رجاءه؟! من لكم غير الله أعز مطلوب وأشرف مرغوب؟! سلامٌ عليكم من الله ورحمات سلامٌ عليكم من الله ورضوان ومغفرات عدد ما سكبتم من العبرات، ولفظتم من الآهات والأنات والصيحات.
أحبتي في الله: إنها الدار وأي الدار، دار الدنيا والدناءة، إن أضحكتك يوماً أبكتك أياما، وإن سرتك يوماً ساءتك سنين وأعواما، هي الدار التي جعل الله شرورها أعظم على المؤمن من شرورها على من كفر، هي الدار التي جعل الله بلاءها على من بر أعظم من بلائها على من فجر، فالمؤمن فيها غريب، والمؤمن فيها ليس منها بقريب، فالمؤمن فيها غريب حتى يلقى الله، فهو ابن للآخرة وليس ابن لهذه الدنيا الدنيئة، تعضه بأنيابها وتقلقه بفواجعها، لكنه وإن آلمته بأشجانها وأحزانها وضرته بأسقامها وآفاتها، فله من الله ألا يخيب رجاء في الله ولا يخيب صاحبه، وله في الله ركن لا يضيع صاحبه، إليه المفزع وفيه المطمع، له من الله سلوان من الكروب، وله من الله رحمة من تلك البلايا والخطوب.
إنها الدار المؤلمة إنها الدار المحزنة التي صب الله البلايا فيها على المؤمن، لذلك فإن خير ما يحتاجه العبد المؤمن في هذه الدار إذا عظمت مصيبته، وجلت كربته أن يجد من يعينه على أشجانها وأحزانها، أحوج ما يحتاجه المؤمن إلى كلمة من أخيه تثبته، أو رسالة من محب تسليه، أو كلمة صدق عن البلاء تعزيه يحتاج المؤمن إلى إخوان يواسونه في الأشجان والأحزان، ويبددون عنه ما حصل وما كان.
يحتاج المؤمن إلى الكلمة الصادقة النابعة من الأخ المشفق، ولذلك شرع الله عيادة المرضى، ووعد الله ﵎ من عادهم بجليل الرضا، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من عاد مريضاً فهو في خُرفة الجنة حتى يعود) من خرج لوجه الله إلى أخ يواسيه في مرضه، أو يسليه من بلائه، فخطواته في سبيل الله، ولحظاته وأنفاسه في طاعة الله ومرضاة الله.
وكان بعض السلف إذا خرج لعيادة المريض يقارب الخطى حتى يطول زمانه في رحمة الله من عيادته.
وشرع الله تشييع الجنائز، لما في تشييعها من تسلية للمصابين، فالمؤمن قوي بإخوانه، شديد بأعوانه، فإذا وجد هذا يسليه وهذا يثبته وهذا يعزيه هان عليه ذلك الخطب الذي يجده، ويسر الله عليه ذلك البلاء الذي يعانيه.
لذلك أحبتي في الله! سلوان المصابين وتثبيت قلوب عباد الله المؤمنين المفجوعين المنكوبين، من أجلِّ القربات، وأعظم الحسنات والطاعات التي يحبها الله تعالى.
وانطلاقاً من هذا كله فإليك أخي المهموم والمكروب والمغموم كلمات من الأعماق، أسأل الله ﵎ أن يبدد بها أشجانك، وأن يزيل بها أحزانك، وأن يجعلها خالصةً لوجهه نافعة يوم لقائه.
стр. 854
الوصية الأولى: الرضا عن الله
أول وصية أوصيك بها إذا فجعت في نفسك أو أهلك وولدك أن ترضى عن الله، فوالله ما رضي عبد عن الله إلا أرضاه الله، ولذلك قال النبي ﷺ : (إن عظم الجزاء على عظم البلاء، وإذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط) من رضي عن الله أرضاه الله في دنياه وأخراه.
كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁، يوصيه ويذكر له تلك الوصية النافعة؛ فاستفتح كتابه ﵁ بقوله: [أما بعد: فاعلم أن الخير كله في الرضا عن الله]، إن الخير كله أن ترضى عن الله.
اعلم أخي في الله! أنه إذا أصابك البلاء فرضيت عن الله أرضاك الله في الدنيا والآخرة، وأقر الله عينك وأثلج صدرك، فكم من مصيبة عادت نعمة من العبد إذا رضي عن الله ﵎، وكم من بلايا رضي أصحابها فزادتهم من الله قربا ومن الله رضاً وحبا.
أول وصية أن ترضى عن الله ﵎، ولهذا الرضا دلائل: أولها: طيب الكلام، وحسن الظن بالله ﵎، ومن ثم قال العلماء: "إن العبد إذا رضي عن الله وهبه اليقين في مصيبته" قال عبد الله بن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] قال ﵁: [يهدي قلبه: أن يهبه اليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه].
فإذا كان الإنسان راضياً عن الله ﵎، وعنده الإيمان واليقين الذي ربى النبي ﷺ عليه أصحابه، ثبت الله جنانه، ولذلك كان بعض السلف إذا أصيب بالمصيبة أظهر الرضا لله.
قام أحدهم بين أناس فجالت يده فقطعت فضحك، قالوا: سبحان الله!! تصاب في يدك فتضحك، قال: "إني ذكرت ثوابي عند الله فضحكت".
وسار الفضيل ﵁ في جنازة ابنه، فلما سار معهم تبسم ﵀، قالوا: لم تبسمت رحمك الله؟! قال: احتسبت مصيبتي عند الله فذكرت ما لي عند الله فسلوت وضحكت.
فكلما كان اليقين في قلب العبد وجدته أثبت جنانا، وأشرح لله صدرا، والله ما رضي عبد عن الله إلا جعل له من كل همٍ فرجا، ومن كل ضيق مخرجاً.
стр. 855
الوصية الثانية: العلم بأنه لا يدفع البلاء إلا الله
فإذا حصل الرضا فإن بعد الرضا أمر مهم لا بد من وجوده وهو علمك بأنه لا يدفع البلاء إلا الله، وأنه لا يدفع هذا العناء الذي تجده إلا الله.
كان النبي ﷺ يوصي أصحابه؛ فأوصى البراء بن عازب ﵁ إذا أوى إلى فراشه أن يقول: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك رغبةً ورهبةً إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك) أول ما يحس الإنسان بالبلاء إذا أراد أن يفرج الله كربه وهمه، أن يحس من أعماق قلبه أنه لا ينجيه أحد من هذا البلاء إلا الله .
стр. 856
جزاء الضارعين إلى الله عند البلاء
قال بعض العلماء: ما أصاب الكرب والخطب عبداً فضرع إلى الله ﵎ إلا أعطاه تفريج الكرب ومع تفريج الكرب زيادة فضلٍ من الله؛ ولذلك تجد بعض الناس يفجع بأهله ويفجع بولده فيعوضه الله حلاوة إيمانٍ تبقى معه إلى لقاء الله .
أصيب رجل بولده وكان ذلك الرجل من أفجر خلق الله والعياذ بالله تاركاً للصلاة منتهكاً للحدود والمحارم أقسى ما يكون قلباً والعياذ بالله، فشاء الله يوماً من الأيام بعد صلاة العشاء، جاءه ابنه يضحك ويسلو، وشاء الله ﵎ أن يودعه ذلك الابن فتكون آخر عهده بذلك الابن، فخرج الابن وما هي إلا لحظات حتى جاءه الخبر بأن ذلك الابن انتقل إلى جوار الله.
وهذه حال الدنيا، تتمتع بالنظر إلى الابن في الصباح فإذا بك تفجع به في المساء، وتتمتع بالنظر إلى الأب في المساء فإذا بك تفجع به مع بزوغ الصباح، وسبحان من هذا ملكه! وسبحان من هذا أمره! فلما فجع بذلك الابن طاش عنه عقله وعزب عنه رشده، فشاء الله ﵎ أن يقيض له طالب علم موفق، فذكره بالله بالكلمة تلو الكلمة حتى شرح الله صدره، وآنس الله قلبه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم شاء الله ﵎ أن يخشع يوماً فيوما، حتى سمعته ذات يوم يقول: والله إني أصبت بابني وإنها نعمة من الله عليَّ إذ ابتلاني بذلك الابن، عرفت الله وكنت له منكرا، واقتربت من الله وكنت منه بعيداً، وآويت إلى الله وكنت منه طريداً، في كلام هذا معناه، مصيبةٌ قربتني من الله ﵎.
فالله منه العوض، ما رجاه أحد فخاب، ولا أيقن عبد بربه فخسف الله به الأرض من تحت قدمه أبدا.
ولذلك قال بعض العلماء: "إذا أراد الله أن يجمع للعبد بين المصيبتين.
ابتلاه وسلبه اليقين فيه" والعياذ بالله، إذا ابتلى الله العبد ولم يلتجئ إلى الله بعد البلاء فاعلم أنه والعياذ بالله مستدرج، ولذلك البلاء كل البلاء على الكافر الذي إذا أصابته المصيبة لا يدري أين يذهب، ولا يدري أين يتجه، ولكن المؤمن له باب يقرعه ورب لا يخيب يرجوه.
فلذلك أحبتي! كان من لوازم البلاء اليقين في الله ! أصيب بعض السلف بمصيبة وعظمت عليه هذه المصيبة وكانت آفةً في جسده، وما زال يعرض نفسه على الناس رجلاً بعد رجل حتى يأس من علاج هذا الداء، وقنط أن يشفى من ذلك البلاء، فدخل يوماً من الأيام فإذا رجل يتلو كتاب الله فسمعه يتلو قول الله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] فقال: اللهم إني مضطر وأنت مجيب، فما قام من ساعته إلا وهو معافى، إذا دخل اليقين إلى قلب العبد لا يمكن أن يبرح وحاجته في قلبه، بل إن بعض الناس يمسي المساء وحاجته تضايقه، وكربته تؤلمه فيتضرع إلى الله بالدعوة الصادقة حتى يعز على الله أن يصبح وحاجته في قلبه فيفرج عليه قبل أن يصبح؛ وهذا من عظيم لطف الله بالعباد.
стр. 857
إبراهيم ﵇ ويقينه بالله
هذا نبي الله إبراهيم ﵊، أوذي في الله فصبر، فجمع له قومه ذلك الوادي العظيم من النار حتى إذا تأجج ذلك الوادي بناره، واصطلى بجحيمه وسعيره، أُلقي ﵊، حتى إذا صار مقبلاً على ذلك البلاء العظيم مسلماً لله فيما ابتلاه، فلما قدم قال له جبريل: هل لك من حاجة؟! ذلك الملك الذي لو أذن الله له لخسف الأرض ومن عليها بجناحه، قال: يا إبراهيم! هل لك من حاجة؟! قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فحسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] قال بعض العلماء: "لو قال الله يا نار كوني برداً لأهلكته من بردها"، ولكن قال: ﴿كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] ثم خرج ﵊ طريداً عن قومه، مهاناً من عشيرته، وحيداً لا مال لا بنون لا إخوة لا أصحاب لا أحباب، فخرج من داره مؤذىً في الله مضطهداً، فلما ولّى وجهه قال ﵊: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:٩٩ - ١٠٠] فخرج من دار فعوضه الله أطهر من الدار التي خرج منها، عوضه الله الأرض المقدسة، وجعل ذريته ذرية النبوة والصلاح، وجعل فيها ميراث الأنبياء ﷺ ، وكل ذلك باليقين بالله.
فكل إنسان أصابته مصيبة فعلم أنه لا ينجيه منها إلا الله فرَّج الله همه وغمه.
ثم أمره الله ﵎ أن يخرج بـ هاجر مع صبيها ورضيعها، أن يخرج من دارٍ كلها جنات وأنهار إلى دارٍ لا ماء فيها ولا أشجار، فجاء فوضعها في ذلك الوادي الذي لا أنيس فيه ولا جليس، فتعلقت به تلك المرأة المفجوعة، وقالت: يا إبراهيم! إلى من تدعنا؟! فولى وجهه ﵊ قبل الدابة، فتعلقت به ثانية وقالت: إلى من تدعنا يا إبراهيم؟! امرأة ضعيفة وصبي ضعيف ليس معهم أحد، تقول له وتتعلق به: إلى من تدعنا يا إبراهيم؟! فلما كانت المرة الثالثة، تعلقت به وألحت فقالت: إلى من تدعنا يا إبراهيم؟! فقال: لله، فقالت: إذاً لا يضيعنا الله، ورجعت إلى صبيها وقلبها كله يقين بالله ﵎، فتولى ﵊، حتى إذا نزل في الوادي وتغيب عن نظرها رفع كفه إلى الله فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧] الله أكبر!! إلى يومنا هذا والقلوب تحن وتئن إلى رؤية البيت العتيق، إلى يومنا هذا والنفوس تشتاق إلى رؤية البيت العتيق، فلما جلست تلك المرأة المفجوعة مع صبيها، وعاينت ما هي فيه من البلاء، جاءت تلك الساعة التي صاح فيها الصبي يطلب الماء، وعندها خرجت لكي تلتمس الأسباب، فرقت على الصفا فصاح صبيها فلم تر أحدا، ثم مضت إلى المروة وتعلقت بالله تدعوه وترجوه، حتى إذا كانت المرة السابعة أبى الله إلا أن يفرج همها بالصبي نفسه، فجعل تفريج الكرب من تحت قدم الصبي الذي دحس برجله الماء! من أيقن بالله تعالى جعل الله فرجه في نفسه قبل أن يكون بعيداً عنه!
стр. 858
أيوب ﵇ ويقينه بالله
نبي الله أيوب مكث طريح الفراش أكثر من سبع سنين، كان ذا مال وثروة ونعمة وجاه، قال إبليس: اللهم سلطني على عبدك أيوب، فسلطه الله على ماله فأحرق جميع ماله، فلما رأى ذلك البلاء في ماله قال: الحمد لله، حمد الله ﵎ وقال في كلام معناه: اللهم وهبتني المال، وأنعمت علي بالمال حتى شغلني عن ذكرك فها أنت قد فرغتني لذكرك وشكرك فلك الحمد رب العالمين! رضي عن الله ﵎، وشاء الله ﵎ أن لا يبقى البلاء عند هذا، وإذا بذلك العدو يسأل الله أن يسلطه على أهله وولده، وشاء الله ﵎ أن يمكنه من ذلك، ففقد فلذات كبده وفقد أهله واحداً تلو الآخر حتى فجع بهم جميعاً إلا زوجةً واحدة، بقيت هذه الزوجة مع ذلك النبي المصاب، ومع ذلك العبد المبتلى تواسيه وتسليه، فقال ﵊: الحمد لله رب العالمين، وشكر الله على البلاء الذي أصابه، فقال إبليس عليه لعنة الله: اللهم سلطني على نفسه، فقال: لك كل شيء إلا لسانه وقلبه، فبقي ﵊ لا يمكن أن يفتر له لسان عن ذكر الله ﵎، ولا يمكن أن يفتر له جنان عن حسن الظن بالله ﵎، تولى عنه الناس حتى أصبح أنتن ما يكون رائحة، وتركوه إلى جوار المزابل -كما ورد في الأخبار- ولم يبق معه إلا زوجته التي بقيت معه تهتم به، فلما بلغ به الأذى مبلغه، وأصابه ما أصابه من الضر والبلاء؛ عندها تذكر الله ﵎، وأحس بعظيم البلاء الذي يجده، فقال الله تعالى يصور ساعة اليقين من ذلك القلب الموقن ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤] لما أراد الله أن يفرج كربه أمره بكلمةٍ واحدة ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص:٤٢] ما أمره أن يقوم وما أمره أن يذهب إلى أحد، وما أمره أن يسأل أحداً أن يفرج كربه، ولكن أمره بأمر واحد: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص:٤٢] فجعل تفريج كربه من تحت قدمه، فلا إله إلا الله رب العالمين!! في طرفة عين تفجرت العين ثم اغتسل منها فما بقي به مرض في جسده وما بقيت به عاهةٌ في بدنه فقام ﵊ قوياً سوياً من لحظته وساعته، الله أكبر!! ما أيقن أحد بالله فخاب في يقينه، ولا رجاه أحد فخاب في رجائه، ثم أعاد الله ﵎ عليه أهله وذريته، قال عبد الله بن عباس: [أعاد إليه الأهل والذرية بأعيانهم، فرد عليه الزوجات ورد عليه الأبناء والبنات، ثم رد عليه أضعاف ما كان فيه من النعمة].
стр. 859
حسن الظن بالله أهم باعث لليقين بالله
ومن الأمور التي تبعث باليقين حسن الظن بالله ﵎، والله ما أحسن عبد ظنه بربه إلا كان الله عند حسن ظنه، إذا أصابتك المصيبة فأحسن الظن بالله، وقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار، من قالها فقد أوجب الرضا من الله ﵎، ولذلك أحرص ما يكون الشيطان في بداية المصيبة أن يسيء ظنك بالله ، ولذلك إذا جاءت المصيبة في النفس، أو جاءت في المال، أو جاءت في الولد، جاءك الشيطان فقال لك: لو كان الله يحبك ما ابتلاك! ولو كان الله يحبك ما أصابك بابنك فلذة كبدك! ولو كان الله يحبك ما أفقدك مالك على كبر سنك! ولو كان الله ولو كان الله.
، فهو أحرص ما يكون على أن تكون على سوء ظن بالله .
فالله الله! أن يسوء ظنك بالله ، بل قل: الحمد الله، وليكن قلبك مطمئناً بالفرج من الله ﵎، فمن اتقى الله جعل له من كل همٍ فرجا ومن كل ضيقٍ مخرجا.
أخي! الملك لمن؟ والكون لمن؟ والتدبير لمن؟ من الذي يجير ولا يجار عليه؟ ومن الذي يغيث ولا مغيث سواه؟ والله لو علم المكروب سعة رحمة الله ما تألم من كربه، ولو أيقن المكروب بحلم الله به لا يمكن أن يصيبه بلاء في نفسه، وأضرب لك مثلاً يسيراً: لو أنك يوماً من الأيام سئلت عن أرحم الناس بك وأحلمهم عليك؟! لقلت: أبي وأمي، ولكان في قلبك يقين أن لا أرحم في الناس من أبيك وأمك، والله ثم والله لرحمة والديك بك لا تأتي مثقال ذرة في رحمة الله بك، وللطف الله وحنانه وحلمه ورحمته وأنت تقاسي الآلام وتكابد الأسقام، أشد من رحمة والديك بك، ولكن يريد أن يرفع درجتك، ويحط عنك خطيئتك، ويريد أن تخرج من هذه الدنيا وأنت صفر اليدين من السيئات والخطايا، حتى إذا وافيته وافيته بوجه أبيض مشرقٍ من تلك البلايا، وإنَّ من عباد الله من هو والله حبيب لله، لا يبتليه الله إلا لكي يدنو منه، يبتليه لكي يسمع صوته: يا رب! يا رب! إلهي سيدي مولاي يسمع إخباته وإنابته فتكون أصدق شاهدٍ على توحيده لله ﵎.
стр. 860
سر ابتلاء الله تعالى لعباده
هذه البلايا وهذه الفتن والرزايا بسطت لك لكي تكون سلماً إلى رحمة الله ، شعرت أو لم تشعر، وكان بعض السلف إذا نزلت به المصيبة ووهبه الله اليقين عليها والصبر عليها تسلى بالدعاء، حتى أثر عن بعضهم أنه كان يكثر الدعاء ويلح في المسألة حتى يقول: يا ليت أن الله لا يفرج عني كربي حتى تستديم هذه الحلاوة لمناجاته ومناداته.
فإذا دخل اليقين إلى القلوب هانت عليها البلايا والخطوب، إذا دخل اليقين إلى الأفئدة تعلقت بالله وحده لا شريك له، ما ابتلاك الله لكي تفزع إلى زيد وعمرو لا والله، وما ابتلاك بالأسقام حتى تتعلق بغيره ، فوالله لو صبت البلايا على العبد لا يمكن أن يجد الفرج والمخرج إلا بالله ، فلذلك يكون الإنسان على يقين بالله تعالى، فلا ملجأ ولا منجى من الله ﵎ إلا إليه.
وقع أحد الناس في ضائقة واشتدت عليه هذه الضائقة، كان مبتلى بمس، وكان هذا المس يقلقه ويزعجه ويؤلمه واشتد عليه ذلك الخطب، وفي يوم من الأيام جاء إلى أحد طلاب العلم واشتكى إليه مما يجده، وقال: والله يا شيخ قد عظم علي البلاء وإني أصبحت مضطراً أفلا يجوز لي أن أذهب إلى إنسان يفك عني هذا البلاء الذي أجده؟! ألا ترخص لي في ساحرٍ أو كاهنٍ يعلم ما أصابني فيكشف عني ما أصابني؟! يقول ذلك وهو في حرقة وألم وشدة وشجن لا يعلمه إلا الله ﵎، فوفق الله طالب العلم فقال له كلمات ثبت الله بها جَنان ذلك المؤمن، وقال له كلمات شرح بها صدر ذلك العبد المبتلى فقال له في آخر الكلام: إني لأرجو من الله إن استعنت بأمرين أن يفرج عنك الكرب والبلاء: أحدهما الصبر والثاني الصلاة.
يقول الرجل -وهو أيضاً من طلاب العلم-: فقمت من عنده بيقين قوي في الله فصليت ركعتين أحسست أني مكروب، وأنه قد أحاطت بي الخطوب، فاستعذت بالله واستجرت، وإذا بي في سجودي أحس بحرارة شديدة في قدمي ما إن سلمت إلا وكأنه لم يك بي من بأس.
أحبتي في الله! هل الساحر يغيثك من دون الله؟! هل الكاهن يجيرك من دون الله؟! الأمر أمره، والقدر قدره، خط عليك هذا البلاء قبل أن تكون وقبل أن توجد ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٤٩ - ٥٠].
كتب الله البلايا قبل أن يخلق العباد، ففي مسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: (أول ما خلق الله القلم قال: اكتب! قال: يا رب! ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن وما يكون إلى قيام الساعة، فجرى القلم بما هو كائن وما يكون إلى قيام الساعة) ولذلك ركب عبد الله بن عباس مع النبي ﷺ ذات يوم، فأراد النبي ﷺ أن يهديه هدية، وأن يمنحه تلك العطية فقال ﵊: (يا غلام! ألا أعلمك كلمات؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا استعنت فاستعن بالله، وإذا سألت فاسأل الله، واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
فمن هذا الساحر ومن هذا الكاهن الذي يستطيع أن يتخطى أمر الله ؟ ومن هذا العبد الذي يستطيع أن يقضي الوطر لنفسه قبل أن يقضيه لغيره من خلق الله ؟ فالله الله! أن ينظر الله عليك في البلاء، وقد رفعت كفك إلى غير الله.
الله الله! أن ينظر الله إليك في البلاء وقد تعلقت بغيره جل في علاه.
الله الله! أن ينظر الله إليك في البلاء وقد صرفت شعبةً من شعب قلبك تعتقد فيها في أحد سواه.
الله الله! أن ينظر الله إليك في البلاء وقد تعلقت بغيره وعذت بأحد سواه، فوالله إن وليت عن الله خسف الله الأرض من تحت قدمك، وكم من أقوام استعاذوا واستجاروا بغير الله ففرج الله عنهم الكربات امتحاناً واختبارا، واستدرجهم منه علماً وحكمةً واقتدارا، ثم ابتلاهم بالبلاء الذي هو نهايتهم من حيث لا يحتسبون.
ذكروا عن رجل أنه كان يقرب ساحراً، وكان يثق بهذا الساحر ثقةً عمياء، وكان هذا الساحر بزعم ذلك المبتلى يفرج همه، وينفس كربه، والله يستدرجه اليوم تلو اليوم، حتى قوي اعتقاد ذلك الرجل في ذلك الساحر -والعياذ بالله- وقوي اعتقاده في ذلك الكاهن من دون الله -نسأل الله السلامة والعافية- فشاء الله لما عظم يقين هذا العبد أن يسلط عليه الساحر فيؤذيه والعياذ بالله بسحره.
فلذلك -أحبتي في الله! - من وثق بالله، وأيقن بالله ﵎، أحس في قرارة قلبه أن لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، إن فقدت الأموال فإنك لم تفقد ربها، وإن فقدت الأبناء والبنات فإنك لم تفقد من أوجدها ومن خلقها، وإن فقدت الآباء والأمهات، فإنك لم تفقد من جبل قلوبهم إلى الحنان فأحسنوا إليك ووهبوا يد المعروف إليك.
فالله الله! أن يخيب ظنك في رجائه، أو تكون من عباده الذين ضل سعيهم بالرجاء في غيره.
стр. 861
الوصية الثالثة: الصبر على البلاء
الوصية الأخيرة: التي أوصي بها كل مفجوع، وأوصي بها كل مؤمن مفزوع؛ وصية وصى الله بها في كتابه وذكرها في أكثر من ثمانين موضعاً من كتابه، إنها الصبر على البلاء، قال الله تعالى يوصي نبيه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] وقال لعباده المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] وقال مثنياً على نبيه أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص:٤٤].
إذا أنزل الله عليك البلاء فأصبحت صابراً قانتاً لله ينعم الله عليك، فيقول: نِعم العبد أيوب، حينما أصيب في نفسه، وفي أهله وولده فصبر لوجه الله، قال الله تعالى عنه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] فإذا أردت أن ينعم الله عليك فاصبر، قال ﷺ : (ومن يصبر يصبره الله) وقال ﵊: (ما أعطي عبد عطاءً أفضل من الصبر) ولذلك جرب في أي بلية نزلت بك أو مصيبةٍ -لا قدر الله- أحاطت بك، إذا صبرت وسلوت وتعزيت أحسست بنوع من الارتياح، وأحسست بطمأنينة وانشراح وذلك عاجل ما يكون للصابرين.
أما العاقبة التي تجنيها، فقال عمر ﵁ عن عاقبة الدنيا: [وجدنا ألذ عيشنا بالصبر]، ما طابت الحياة ولا لذت الحياة بشيء مثل الصبر، إن أصابتك المصيبة تعلقت بالله فسلوت فأصبحت لا تقلق ولا تجزع، تحس أن الله ﵎ سيحسن لك العاقبة، إما أن يزيلها أو يعظم لك الأجر فيها.
ولذلك ورد في بعض الأحاديث -ولكن تكلم العلماء في سنده إلا أن معناه صحيح- يقول النبي ﷺ فيه: (إذا لقي أهل البلاء ربهم يوم القيامة فوجدوا ثوابهم على الصبر تمنوا أن حياتهم كلها في بلاء) والله تعالى يقول في كتابه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] قوله: بغير حساب من الله، ليست بالهينة.
وقال بعض العلماء في هذه الآية الكريمة: "إن العبد إذا عظمت مظالم العباد عليه فإن الله يوفي المظالم بالصبر"، ولذلك في الصيام قال ﵊: (يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به) قال العلماء: "لأن الصيام صبر واحتساب"، فإذا بلي الإنسان بمظالم الناس، وجاءته البلايا فصبر ضاعف الله أجره في الصبر حتى تأخذ المظالم منه حسنة حسنة، ولا يزال الصبر يضاعف أجره حتى يأخذ أجر العمل كاملا، فيوافي الله برحمة منه ورضوان.
الصبر أعظم خصلة في المؤمن والله تعالى وعد أهلها بقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٦٦] فمن صبر صبره الله ومن ثبت ثبت الله جَنانه وقلبه، ولذلك أُثر عن بعض الصالحين من السلف والماضين أنهم كانوا يجدون اللذة بالصبر فكان الواحد منهم إذا صبر لا يشتكي إلى أحد، ولا يطلع أحداً على بلائه إلا إذا اطلع من دون علمه، وأذكر بعض العلماء الفضلاء من مشايخنا رحمة الله عليهم، ابتلي ببلاءٍ في جسده فمكث ثلاث سنوات لا يعلم أبناءه بذلك البلاء حتى أنتفخ جلده وتقرح ذلك الجلد، من قوة صبره ويقينه بالله.
стр. 862
أعلى مراتب الصبر
ولذلك الصبر على مراتب، أعظمها وأجلها: ألا تشتكي الله إلى خلقه، وأن لا تبث أشجانك وأحزانك إلا إلى الله وحده لا شريك له، وهذا هو خُلق الأنبياء، قال الله عن نبيه يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] فأكمل ما يكون الصبر إذا كتم العبد غيظه، وصبر على بلائه، ووافى الله ﵎ محسن الظن به، فهذه أكمل درجات الصبر.
وليس معنى هذا أنه يحرم على الإنسان أن يبث أشجانه وأحزانه إلى الناس، لا.
إنما المقصود أن يكون الإنسان على الأكمل فلا يشتكي إلا إلى ربه، ولا يعول في تفريج كربه إلا على خالقه, ولذلك جعل الله ﵎ ثمرات الصابرين خيرا.
وكان بعض السلف ﵏ إذا اشتكى إليه أحد مرضه قال له: "اتق الله! أتشتكي من يرحم إلى من لا يرحم"؟ أي: هل تشتكي الله إلى خلقه؟! فأكمل ما يكون الصبر إذا تعزى العبد بربه، وبث أشجانه وأحزانه إلى خالقه.
نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل لنا ولكم من كل همٍ فرجا، ومن كل ضيقٍ مخرجا، ومن كل بلاءٍ عافية.
اللهم فرج هم المهمومين، ونفس الكرب عن المكروبين.
اللهم فك أسرى المأسورين، وارحم عبادك المعذبين، وسلِّ عبادك المصابين.
اللهم إنا نسألك يقيناً تهون به علينا مصائب الدنيا.
اللهم إنا نسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك الكريم، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.
стр. 863
الأسئلة
стр. 864
معنى سعادة المؤمن في الدنيا والآخرة
السؤال
كيف نوفق بين أن ابتلاء المؤمنين سنة من سنن الله وأن المؤمنين لهم السعادة في الدنيا والآخرة؟
الجواب
السعادة ليست في الصور والأشكال السعادة ليست في المناظر وليست في زهرة الحياة الدنيا، السعادة سعادة القلب ولله در الشاعر إذ يقول: ولم أر السعادة جمع مالٍ ولكن التقي هو السعيد الراحة والطمأنينة والسعادة التي وعد الله بها المؤمن في قلبه وفؤاده، ولذلك تجد الإنسان فقيراً مدقعاً لا طعام عنده ولا شراب ولا كساء وتقول له: كيف حالك؟! يقول لك: الحمد لله في نعمة وفضل من الله، وتجد الرجل طريح الفراش مشلول اليدين مشلول القدمين أعمى أصم فتخاطبه ويسمعك فتقول له: كيف حالك؟! فيقول لك: الحمد لله.
والله إن أحد الشباب من الأخيار أصيب منذ عهد قريب فأصبح -والعياذ بالله- مشلولاً لا يتحرك، لكن كل من يدخل عليه يعجب من قوة إيمانه وثبات جنانه، ويقول: ما رأينا أشرح صدراً من ذلك الرجل، ليست السعادة في المناظر، وليست السعادة في هذا الزهرة، السعادة في التعلق بالله ﵎، المؤمن له السعادة؛ لأن عنده اليقين الذي يتعلق به بالله .
لذلك تجد أغنى الناس أشقى الناس بغناه، تجد له قلباً هنا وقلباً هناك وقلباً مع التجارة وقلباً مع السيارة وقلباً في العمارة، في همٍ ونكدٍ لا يعلمه إلا الله ﵎، تجده يركب أحسن وأفره السيارات، ولكن داخل قلبه من الجحيم والقلق والاضطراب النفسي ما لا يعلمه إلا الله ، مع أنه في عز وكرامة ومال وجاه لكن فقَدَ السعادة الحقيقية، فقَدَ الإيمان بالله والصلة والثقة بالله .
وأضرب لك مثلاً أوسع من ذلك كله: انظر إلى أغنى الناس تجده أكثر الناس مرضاً، تجده أغنى الناس ولو طلب أي طعام يلبى له، ولكن عنده مرض في السكر، وعنده مرض في الضغط، وعنده مرض في عينه ومرض في قدمه بسبب هذه الأموال والهم الذي أصابه من هذه الأموال، ومع ذلك لا يستطيع أن يأكل إلا طعاماً معيناً، ولا يشرب إلا بطريقة معينة؛ لأنه حرُم السعادة الأبدية، ولذلك قد تجد الإنسان فقيراً مدقعاً حوله أبناءه لطف الله به من حيث لا يشعر.
هب يا أخي الكريم: أن الله أعطاك الأموال فعظمت تجارتك وكثرت أموالك وأصبح عندك في كل وادٍ تجارة، وفي كل مدينة تجارة، يتشتت قلبك ويتشتت ذهنك، حتى إن أبناءك يتشتتون بهذه الأموال التي لك، يوماً يسافر ويوماً يغادر ويوماً في مكان كذا ويوماً في مكان آخر، ولا يمكن أن يتمتع الغني، سله متى يتمتع بأبنائه؟ ربما يمر عليه العام الكامل لا يرى ابنه أو ربما يراه يوماً أو يومين، ومع ذلك يظن أنه في سعادة، أي سعادة هذه؟ المال الذي يظن الإنسان أنه سعادة قد يكون سبباً في تدمير حياته كلها، فإن قارون أشقاه الله بماله.
ولذلك ذكر لي الوالد ﵀ قصةً عجيبة، يقول: قامت الحرب العالمية فجئت ذات يوم والطعام قد أصبح شغل الناس، حتى إنه بيع بيت في ساحة المدينة بكيس أرز، نسأل الله ألا يبتلينا بمثل تلك الأيام.
الشاهد على هذه العبرة العظيمة يقول: تاجر دخلت عليه عند قيام الحرب -وكان قد اشترى سفينة من الأرز- فجاءه الخبر أن الأرز قد ارتفع وأنه غلي سعره في السوق، فمن شدة الصدمة خر ميتاً من فوق كرسيه، ثم مرت الأيام تلو الأيام واحتجت أن أشتري أرزاً عند انتهاء الحرب، فوقفت على تاجر أيضاً قد اشترى سفينة من الأرز وجاءه الخبر أن السوق قد كسد، فسقط ميتاً من ساعته، فسبحان الله!! أحدهم عند غلاء السوق والثاني عند كساده، ما نفعت الأموال ولا نفعت التجارات، الأموال والتجارات إذا لم تقرب من الله فلا خير فيها.
إن أيام البلايا التي تكثر فيها التضرع لله إذا كشفت كرباتها تتمنى أن تعود لك تلك الأيام التي كنت تناجي فيها الله من حلاوة المناجاة وحلاوة مناداة الله ، هذا كله هو السعادة الحقيقية، فالبلاء الذي يصيب المؤمن يصيبه في الظاهر أما الباطن فلا يصيبه؛ لأن قلبه مع الله ويقينه بالله.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهبنا وإياكم اليقين، وأن لا يبتلينا بشيء لا نطيقه، وأن يجعل بلاءنا وإياكم في السراء والشكر عليها، وأن يجعلنا من الشاكرين والله تعالى أعلم.
стр. 865
علاج قسوة القلب
السؤال
إني إذا قرأت القرآن لا تدمع عيناي وإذا صليت لا أخشع في صلاتي، فهل هذا من قسوة القلب؟ وما هو العلاج جزاكم الله خيرا؟
الجواب
أما إذا كان الإنسان يسمع القرآن ولا تدمع عينه فإنه واحد من رجلين: إما أن يجمع الله له بين المصيبتين فلا يخشع قلبه ولا تدمع عينه، فإنه من القاسية قلوبهم عن ذكر الله الذين توعدهم الله بالعذاب والشقاء، فقال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢].
وأما إذا كان الإنسان لا تدمع عينه ولكن قلبه يخشع، ويجد للآيات أثرا فيذل لله ويخضع، فما عليك إذا خشع قلبك أن لا تدمع عينك، فإن الله ﵎ إذا أعطى العبد خشوع القلب فقد أعطاه الخير كله، ولذلك بين الله تعالى بقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
المقصود من القرآن أن تتدبره وتتأمله وتتأثر بتلك الآيات التي تتلى عليك، وتقرأه بين يديك، فإذا وجدت لهذه الآيات أثراً في قلبك فذلك هو المقصود، فإن دمعة عينك فضل على فضل، وإن لم تدمع عينك فالمهم خشوع القلب، ودمعة العين فضل من الرب من أعطاه أعطاه لحكمة، ومن منعه منعه لحكمة، ونسأل الله العظيم أن يجعلنا من أصحاب الفضلين.
ولكن لعلك أن تتألم فتقول: لماذا لم يجمع الله لي بين الخشوعين: خشوع القلب وخشوع العين؟! فأقول لك: ارض عن قسمة الله، لعل الله علم أن لو خشعت عينك فدمعت أن يصيبك الغرور، ولعل الله علم أنه إذا دمعت عينك أن تصبح مرائياً في عبادتك فتخرج صفر اليدين من صلاتك وقراءتك، فلطف الله بك من حيث تشعر أو لا تشعر فارض عن الله فيما قسم، واسأل الله الفضلين والإخلاص في كلا الحسنيين والله تعالى أعلم.
стр. 866
حكم ترك التداوي بحجة طلب الأجر من الله
السؤال
ما حكم من أعرض عن التداوي ولم يطلب الدواء بحجة أن المرض مأجور عليه وأنه لا يلجأ إلا إلى الله ؟
الجواب
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فتسأل أخي في الله! عن رجل يزعم أنه لا يتداوى؛ لأن الله ﵎ يدفع عنه ذلك البلاء وذلك الداء.
فأقول: هذا الظن خاطئ ومخالف لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
أما كتاب الله: فإن الله لما أمر أيوب أن يركض برجله دل ذلك على الأخذ بالأسباب في العلاج، وكان في الإمكان أن يقول الله: قد شفيتك يا أيوب، ولكن أمره أن يركض برجله حتى يعلم العباد أن سنة الله في الكون أن للداء دواء، وأن للبلاء شفاء.
وكذلك ثبتت السنة الصحيحة عن النبي ﷺ أنه جاءه قوم من الأعراب، كما روى الترمذي وغيره في السنن فقالوا: (يا رسول الله أنتداوى؟! فقال ﵊: تداووا عباد الله فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء)، وقال ﵊: (إن الله أنزل لكل داء دواء علمه من علمه، وجهله من جهله) أو كما قال ﵊.
ولذلك كان النبي ﷺ إمام المتوكلين، وقدوة الصابرين، وأسوة المحتسبين، وكان يأخذ بالدواء وكان يتداوى.
وكانت أم المؤمنين عائشة ﵂ ذات طب ومعرفة بالطب، قال لها عروة ذات يوم: [يا أماه! أما علمك بالكتاب والسنة فذلك ليس بغريب، وأما علمك بأشعار العرب فليس بغريب، ولكن الطب من أين أخذته؟ فقالت له: إن رسول الله ﷺ مرض فجاءه الحكماء فأخذوا يصفون له الدواء فمن ثم]، يعني تعلمت الطب بوصفهم.
فدل هذا على مشروعية الأخذ بالأسباب، ولم يمنع النبي ﷺ من الطب، بل قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا تداوى كان ذلك من الإيمان بالله، وقالوا: إن التداوي يعين على الإيمان بالله؛ لأنك إذا أخذت شجرةً مثلاً كانت دواءً لمرض فشربتها فزال عنك السقم قلت: لا إله إلا الله، سبحان من جعل شفاء دائي في هذه الشجرة! ولذلك جعل الله شفاء الأسقام في الأعشاب، وجعلها في غيرها من الأدواء، كل ذلك لكي يكون حكمةً وعلماً للعباد وبصيرة، فمن أنكر الداء فإنه مخالف للسنة ولهدي نبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه، وهذا هو التواكل المذموم، وإنما ينبغي للإنسان أن يأخذ بالسبب وأن يتوكل على الله .
كان الإمام الشافعي ﵀ يقول: [ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى، قالوا: وما ثلث العلم؟! قال: الطب، ثلث العلم الطب؛ لأن فيه شفاء الأسقام.
] وهذا الأثر عن الشافعي ﵀ رواه عنه البيهقي بسنده.
لماذا ثلث العلم؟! لأن علم الشرع على ضربين: علم يتعلق بالاعتقاد، وعلم يتعلق بالأبدان والجوارح، فأصبح علم بالظاهر وعلم بالباطن، علم التوحيد وعلم الفروع التي هي محققة للتوحيد، فهذان علمان فهما طب الروح والجسد، بقي طب البدن من الظاهر وهو العلم الثالث، فقال ﵀ من فهمه وفقهه: [ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى] يعني احتاجوا إلى اليهود والنصارى.
فالمفروض على المسلم أن يتعلم الطب، وأن يتداوى، فالذي أنزل الداء أنزل الدواء، ومن أنزل البلاء أنزل الشفاء، فلذلك كان من الإيمان بالله الأخذ بالأسباب والتداوي بها والله تعالى أعلم.
стр. 867
هموم المخدرات
المخدرات نار تأكل الأخضر واليابس، تنشر العهر والفساد، وتفتح أبواب الشر، وتغلق أبواب الخير والصلاح.
مع المخدرات وهمومها ومخاطرها كانت هذه المحاضرة للشيخ حفظه الله، حيث ناقش فيها ضرر المخدرات وأسباب السقوط في حمأتها، وكيفية علاج ذلك.
стр. 868
أضرار الخمر والمخدرات والتحذير منها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف بإذن الله عن العباد الغمة، فجزاه الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وصاحب رسالةٍ عن أداء رسالته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وفي بداية هذا اللقاء أزجي عاطر الشكر والثناء للجمعية الفيصلية الخيرية، ولمكتب الدعوة بمدينة جدة، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي الجميع خير الجزاء، وأن يتقبل منا ومنهم ما يكون من خير في هذا اللقاء.
أخواتي المسلمات! شكر الله مسعاكن، وثقل في موازين الحسنات خطاكن، إذ خرج النساء إلى الدنيا الفاتنة وخرجتن تبتغين الله والدار الآخرة، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يثيبكن على هذا الخير العظيم.
أخواتي المسلمات! إن الله وعظكن فأحسن وعظكن، وأدبكن فأحسن تأديبكن، وعلمكن الخير وهداكن، هذا كتاب الله بين أيديكن؛ لا تنتهي مواعظه ولا تنقضي آياته وعبره، يقود المؤمنة بالله إلى صراط من الله ورضوان من الله، يقودها إلى محبة الله ومغفرة الله، إنه الكتاب الذي هدى الله به الأولين والآخرين، فيه ذكر الصالحات والقانتات والعابدات والصادقات والصابرات، فيه ذكر الخيرات والحسنات، أقبلت عليه المؤمنة ترجو به غذاء روحها، وسبيل ربها، والتقرب والتحبب إلى فاطرها، فكم قرب الله قلوباً منهن إلى الله! وكم أجرى منهن المدامع من خشية الله! إنه الكتاب الذي هدى الله به إلى الصواب، وأقام به على منهج السداد، وطريق الرحمة والرشد في الأولى والمعاد، هذا الكتاب العظيم فيه الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، والبشارة والنذارة، فيه النداءات إلى الطاعات والخيرات، أو ترك الفواحش وهجر المنكرات، ومن هذه النداءات التي تفتحت لها قلوب المؤمنين والمؤمنات نداء في سورة كريمة نادى الله به القلوب المؤمنة الرحيمة، ناداها بذلك النداء لكي يكون سبباً في نجاتها من البلاء، إنه البلاء وأي البلاء! بل الشقاء وأي الشقاء! نادى الله عزوجل به المؤمنين فكسرت من أجله أواني الخمور، وهجرت به أسباب الغي والشرور، فأريقت في سكك المدينة قربة لله، وفراراً من الله إلى الله، هاتان الآيتان الموعظتان الكريمتان تنزلتا من الرحمن لكي يفر بها المؤمن من سبيل الشيطان، ومن داعية الفجور والفسوق والعصيان إلى داعية الحب والطاعة لله الرحمن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].
سمعها أصحاب النبي ﷺ فكانت الوقفة الأخيرة مع الشهوة التي مالت إليها النفوس، فأريقت من أجلها الدنان وكسرت الكئوس، وفرت إلى الله جل وعلا بقلوبٍ وعقولٍ سليمة لا يتسلط الشيطان عليها بالعواقب الأليمة والوخيمة.
هذه الآية الكريمة أراد الله أن يرحم بها هذه الأمة، فلو كانت الأمة تشرب الخمور، ولو كانت الكئوس باقٍ حلالها فكيف يكون حال الأمة أم كيف مآلها؟! لو تصورنا بقاء حل الخمور كيف يكون حال الناس في الفسق والفجور؟ إنها النعمة التي رحم الله بها هذه الأمة فكشف بها سبباً من أعظم أسباب البلاء والغمة، رحم الله هذه الأمة الطاهرة، هذه الأمة العابدة القانتة الصالحة، فأنقذها يوم حرم الخمور فأريقت في سكك المدينة خوفاً من البعث والنشور، إنها النجاة من ذلك البلاء العظيم والخطر العميم، إنها النجاة من الجحيم وأي جحيم؛ جحيم المسكرات، جحيم المخدارت الذي من أجله انتهكت الأعراض، وسفكت الدماء، وانتشرت الأسقام والأمراض، فيا لله كم من أم عذبت بهذا البلاء! ويا لله كم من آباء لقوا العناء! ويا لله كم فرق بين الأحبة والأصدقاء! إنها الكأس المهلكة والحبة المفنية، إنها الكأس والحبة التي تلتذذ بها النفوس ساعة وتتعذب دهوراً، إنه الجحيم الذي لم يرحم دموع الأمهات، ولم يرحم دموع الأبناء والآباء والبنات، إنه الجحيم الذي وقفت الأم تريق بسببه دموعها على صبيها أو صبيتها يوم أن فارقها في حوادث مؤلمة، إنه الجحيم الذي وقفت فيه الأم تريق دموعها وبينها وبين ابنها وفلذة كبدها قضبان السجون وقد أريقت الدموع على فراقه، إنه الجحيم الذي نظر فيه الأبناء والبنات إلى رب الأسرة وقد انتهك الحدود، وغشي المحرمات؛ فلا يرحم صغيراً لصغره ولا أرملة ضعيفة بين يديه، كم سهر من أجل هذا الجحيم؟ سهرت عيون تكابد شقاءه، وتعاني عناءه، فلا راحم إلا الله ولا مفر منه إلا إلى الله.
إنه الجحيم والعذاب الأليم، كأس تقود إلى كئوس، وتعذب الأرواح والنفوس، وحبة تجلب الحبوب، وتنتهي إلى الهموم والغموم والكروب، فيا لله من قلوب سقمت، وأرواح تعذبت وحارت! ويا لله من عقولٍ ذهبت، وأجسادٍ خارت، وشباب غض طري طمس نور وجهه وذهب البهاء من رؤيته، كل ذلك عناء تعانيه الأمة، وويلات تجنيها من هذه الغمة.
إنها الكئوس المهلكة، والحبات المردية القاتلة، إنها الحبة التي لعن الله حاملها والمحمولة إليه وبائعها، لعن الله مروجها، لعن الله آخذها ومتعاطيها، إنها الإبرة التي لعن الله حاقنها والمحقونة فيه، وواجد لذتها، وصانعها، وبائعها، وشاريها، وآكل ثمنها؛ كل أولئك لعنهم الله ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ [النساء:٥٢].
والله ما من حبة حملت في كفٍ إلا حمل حاملها وزرها، وما من حبة تسببت في ذهاب عقل إلا حمل صاحبها إثم ذلك العقل، وما من حبة تكون سبباً في ذهاب نفسٍ إلا حمل حاملها وزر تلك النفس التي هلكت بسببها، إنها الحبوب التي تجنى بها الأوزار وتوجب سخط الجبار، ونقمة القهار، وسطوة الواحد القهار، إنها الحبة المهلكة المردية المشقية.
стр. 869
المخرج من بلاء المخدرات
أخواتي المسلمات! وقفة مع هذا العناء وهذا الجحيم وهذا البلاء، يوم تفشى بين قلوبٍ كانت بريئة، ونفوس كانت رحيمة أصبحت من بعده تعاني عناءه وتجد شقاءه وبلاءه، وما المخرج؟ يوم أصبحت الأم ترى ابنها وقد تردى في مهاويها.
ويوم أصبح الأب يرى الابن والابنة قد تعاطت كأسها وخارت قواها وتردت في بلائها.
ما المخرج من هذا البلاء العظيم، وهذا الضنك الأليم؟! المخرج من ذلك: الفرار إلى الله بالتوبة الصادقة والدعوة الصادقة والإنابة إلى الله، المخرج الأول الذي إذا حققه الإنسان أنجاه من هذا البلاء وما فيه من وعيد: أن تنظر المؤمنة وينظر المؤمن إلى بعده عن ربه، وطول غيبته عن خالقه ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
فيا أيتها النفس التي تعذبت بهذا البلاء! هذا نداء فاطر الأرض والسماء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] فأجيبي النداء، وهلمي إلى طاعة الله جل في علاه، هلمي ولو نادت النفس سبحان الله! أيغفرها بعد كئوس شربت وحبوبٍ أخذت؟ أيغفر تلك الليالي المظلمة وما فيها من السيئات والخطيئات؟ أيغفر تلك الكئوس وما تبعها من الخطيئات؟ نعم والله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣].
الإنابة إلى الله، التوبة الصادقة إلى الله بقلب صادق منيب إلى الله، فما وقف عبد ولا وقفت أمة بباب الله فنحيت عن رحمة الله، إنها التوبة الصادقة التي تبدل بها سيئات الكئوس حسنات، وتغفر بها السيئات والزلات والهنات، التوبة الصادقة قبل أن يدهم الأجل وينقطع الأمل ويجد القلب الوجل، التوبة الصادقة إلى الله ﷻ الذي يقبل توبة التائبين، ويمحو بفضله ذنوب المسيئين، فلتطو صحيفة الماضي، ولتطو دواوين الماضي، ولتودّع المؤمنة الصادقة زماناً ولى بسيئاته، ولتنب إلى الله جل وعلا منكسرة بين يديه.
الوقفة الثانية: أن تصحح المؤمنة مسارها، وأن تكون خير معينة للنجاة من هذا البلاء والعناء، فتهدي إلى صديقاتها ومن بلي بعنائها وبلائها، الكلمات المؤثرة والنصائح الغالية الثمينة، فما أحوج كثير من المسلمات إلى النصيحة البالغة المذكرة بالله فاطر السماوات! ذكري بالله لعل الله أن ينظر إلى تلك الكلمات، لعل الله أن يسمع تلك العبارات فيوجب الحب والرضا والقرب منه جل وعلا، أن تحاول المؤمنة الصادقة أن تغفر زلة الماضي بإصلاح أخواتها وصديقاتها.
الوقفة الثالثة مع تلك المرأة المهمومة المغمومة؛ مع ابن تربى في هذا البلاء، أو بنت عاينت هذا الشقاء، أو زوجٍ هوى في هذا البلاء: أن تقف المرأة الصادقة أمام الابن والبنت والأخ والأخت والزوج وغيره، أن تقف بالصبر والتحمل واحتساب الأجر، فيا أيتها الزوجة المظلومة! يا أيتها الزوجة التي تعاني عناء هذا البلاء في زوجٍ تردى فيه، أو ابن كان من متعاطيه! اصبري واحتسبي وذكري بالله ﷻ ، وإياك والضعف والخور، ابذليها كلمات صادقات من قلبك الصادق لعل الله أن يفتح بها القلوب، وينير بها السبل والدروب إلى رحمة الله علام الغيوب، اصبري واحتسبي الأجر، واعلمي أن الله يسمعك ويراك.
إن هذه الهموم التي تعيشينها في ظلمة الليل أو ضياء النهار، إن هذه الهموم التي تجدينها بالعشي والإبكار يراها ويسمعها الواحد القهار.
يا أمة الله! ابذلي النصائح، واستري الفضائح؛ استري زوجك إن كان مبتلىً بها، وحاولي أن تنتشليه من هذه الغمة، وأن تميطي عن عينيه اللثام فتنجلي الغمة، اصبري وذكري ولو طال الزمان فمن الله التوفيق وعظيم الأجر في الجنان.
стр. 870
أسباب تعاطي المخدرات وعلاجها
الوقفة الثالثة: ما هي أسباب هذا البلاء الذي يتردى فيه الرجال والنساء؟ وما هو العلاج لهذا الداء؟ ثلاثة أسباب إذا تهيأت فقد فتح للمخدرات والمسكرات الباب: أولها: الفراغ.
وثانيهاً: قرين السوء.
وثالثها: وجود الهموم والغموم؛ ثلاثة أسباب.
стр. 871
السبب الأول: الفراغ
أما الفراغ: فإنه السم القاتل الذي يدعو إلى السوء والرذائل، ما من امرأة يعظم فراغها إلا رأت بلاءً في دينها، ولذلك لا يأتي بلاء المسكرات والمخدرات إلا إذا فرغت المرأة وفرغ الرجل، حينما ترمي المرأة رسالة بيتها وراء ظهرها فتصبح خراجة ولاجة، حينما تنسى حقوق أبنائها وبناتها فتدمن الخروج إلى أسواقها ومتاجرها، إذا فعلت ذلك وأصبحت تجد الفراغ هنالك، هنالك تكون الحبة القاتلة أو الكأس المردية والعياذ بالله.
علمت يا مجاشع ابن مسعده أن الفراغ والشباب والجده مفسدة للمرء أي مفسده ولقد عالج الإسلام هذا الفراغ فليس في حياة المؤمنة فراغ، ينبغي للمرأة الصالحة إذا وجدت فراغاً في وقتها أن تسخره في محبة ربها، فتكثر من ذكر الله وحسن الطاعة لله، الفراغ يقتل بالأعمال الصالحة كما قال ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: فراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك) الحديث، الفراغ يقتل بالأعمال الصالحة، أو بالمنفعة التي تعود على المرأة في دنياها بالخير العظيم، تقتل المرأة فراغها إما بخصلة من خصال دينها أو دنياها.
стр. 872
السبب الثاني: قرينات السوء
أما السبب الثاني الذي يقود إلى هذه المخدرات، ويوجب الوقوع في هذه البليات: فالقرينات السيئات، من الذي زين كأس الخمر حتى شربت؟ من الذي زين حبة المخدر حتى أخذت؟ إنها الكلمات المعسولة من ذلك الصديق أو تلك الصديقة التي لا تخاف الله، ولا تراقب الله في إماء الله، إنها الصديقة التي لا تصدق في مودتها، إنها القرينة التي كتب الله الشقاء لمن جاورها وصادقها، فينبغي للمرأة المؤمنة أن تفر من قرينات السوء إلى القرينات الصالحات، إلى مجالس الذكر مع الطائعات القانتات العابدات، أن تفر إلى هذا الرعيل الطيب الصالح فتعمر أوقاتها بالجلوس معهن والتواصي بطاعة الله، والشد على ذلك من أسرهن.
стр. 873
السبب الثالث: وجود الهموم والغموم
أما السبب الثالث الذي يقود إلى هذه المهلكات والمرديات: وجود الهموم والغموم.
المرأة قد تجد زوجاً يؤذيها، أو ابناً يعذبها، فتلتفت هنا وهناك مهمومةً مغمومةً وقد أطبقت عليها الدنيا بالهموم والغموم، فتجد من لا خير فيه من تلك القرينات السيئات، تجد من يقول: حبة تنسي الهموم، حبة تنسي الغموم، حبة تزيل الكروب.
وعندها تتناول تلك المرأة المهمومة المغمومة شعرت أو لم تشعر ذلك البلاء القاتل؛ لذلك فإن العلاج لهذا البلاء قد بينه الله ﷻ .
فيا أمة الله! إذا ضاقت عليك الحياة بهمومها، أو عضت عليك بأنيابها، إن وجدت الزوج يكفر النعم، إن وجدت الابن يجلب النقم ففري إلى الله بكفٍ ضارعة تشتكي إلى الله.
يا أمة الله! إن البلاء يفرجه الدعاء.
يا أمة الله! إن البلاء يزيله فاطر الأرض والسماء، فاصدعي بتلك الكلمات، واجأري بتلك الدعوات مع إيمان بالله فاطر الأرض والسماوات، فستجدين الله حليماً رحيماً، وتجدينه جواداً كريماً، فكم من هموم فرجها، وكم من غموم نفسها، وكم من مؤمنة صادقة رفعت كفها إليه فما خابت في دعائها ولا ظلت في رجائها، فاصدقي مع الله، واعلمي أنه لا يبدد الهموم والغموم أحدٌ سوى الله، ناديه وناجيه فللدعاء أثر في القدر، واصدعي بالدعوات بقلب يوقن بالله ﷻ أنه مفرج الكربات، ناديه حتى تجدين المعونة وكفاية المئونة، ناديه فإنه يحب الدعاء ويجزي عليه عظيم الجزاء.
إن الدعاء إيمان وتسليم وإذعان، الدعاء يدل على التوحيد وحسن الظن بالله الحميد المجيد، فاصدعي بالدعوات واجأري إلى الله بها في السجود وفي الصلوات، وخذي بالأسباب الموجبة لمغفرة رب الأرباب، أكثري من الصدقات، وأكثري من الإحسان إلى الأيتام والأرامل، إن أصابك الهم في الزوج والعشير فابذلي بيدك حسنة ترجينها في عورة تسترينها أو كربة عن مؤمن أو مؤمنة بإذن الله تزيلينها.
إذا علم هذا فإنه ينبغي أن يعلم أن المخدرات والمسكرات من أعظم البليات، وأعظم المصائب التي تهتك بالأفراد والمجتمعات، ومن أراد أن يعرف خطرها، وأن يرى بأم عينيه عظيم بلائها فليزر دور المرضى، ولينظر إلى تلك العقول التي سلبت والأفهام التي أخذت، ولينظر إلى تلك العلل التي حلت بتلك الأجساد التي ظلمت، ولتأخذ المؤمنة عبرة من غيرها فتكون أبعد ما تكون عن هذا البلاء في نفسها وذرياتها.
стр. 874
وصية عاجلة للنساء
الوصية الأخيرة: يا أمة الله! إن الله حملك المسئولية والأمانة، حملكِ المسئولية عن الأبناء والبنات، حملكِ المسئولية عن هذه الذريات كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها).
الله الله يا نساء المؤمنات! الله الله في الأبناء والبنات! الله الله في هذه الرسالة العظيمة التي يُنتظر منكن أداؤها، ويُنتظر منكن القيام بعبئها! لا تتركي الابن والبنت إلى خادمة أو غيرها، أنت الأم، وأنت الحانية، وأنت المربية، وأنت المعلمة، وأنت الموجهة، إلى أين تخرجين؟ وأبناؤك لمن تتركين؟ خذي بأسباب رحمة الله فلعلك أن تعرضي عن الأبناء والبنات فيفتح الله عليك بذلك الإعراض باب البليات، اتقي الله في الأبناء والبنات، واحملي رسالة البيت على أتم الوجوه وأكملها، تقربي إلى الله بغرس الإيمان، بغرس توحيد الرحمن في تلك القلوب البريئة حتى تنشأ على أحسن ما يكون التوحيد والإذعان.
يا أمة الله! إن رسالة التربية في عنقك شئت أم أبيت، أخذت أو فررت، فلتقفن بين يدي الله، وليسألنك الله ﷻ عن الأبناء والبنات، اتقي الله في الذريات، إياك وترك الأبناء والبنات دون تربية تحسين فيها بأداء الرسالة على أتم الوجوه وأكملها.
إن كثيراً من الأبناء والبنات إنما تردى في المسكرات والمخدرات بسبب غفلة الآباء والأمهات، ولذلك جعل الله عذاب الآباء والأمهات إذا وقع الأبناء والبنات في المخدرات عظيماً، وتجد الأب وتجد الأم يعاني عناء الابن والبنت حين يقع كلٌ منهما في هذا البلاء؛ لأنهما السبب، السبب الذي نشأ عن تفريطهما وتساهلهما في أداء رسالتهما.
فاتقي الله يا أمة الله، واعلمي أنه لا بد من المصير إلى الله، واعلمي أن الله سيسألك عن هذه الأمانة العظيمة، فخذي بمجامع قلوب الصبية إلى محبة الله ﷻ ومرضاته، كم من ابن وكم من بنت فرت عن هذه البليات بسبب وصية وقعت في القلوب من الآباء والأمهات! إن الأم الصالحة التي غرست في تلك القلوب البريئة المعاني السامية لن تجني من تلك الذرية إلا خيراً، وأبى الله لامرأة تربي صغيرها وتربي بنتها على طاعة الله إلا أن يقر عينها بذلك الخير الذي غرسته، فاحتسبي عند الله في القيام بهذه الرسالة على أتم الوجوه وأكلمها.
أسال الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يسلمنا وإياكم من هذا البلاء العظيم.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن ترفع عن هذه الأمة بلاء المسكرات والمخدرات، اللهم ارحم العقول التي ذهبت، وارحم الأجساد التي سقمت، اللهم إنا نسألك أن يرتفع هذا البلاء، وأن يزول هذا العناء، ونسألك اللهم أن توفق من تسبب في إزالته، اللهم إنا نسألك أن تخذل من كان سبباً في نشره، اللهم اطمس على سمعه وقلبه وبصره، وخذه أخذ عزيز مقتدر يا ذا العزة والجلال والعظمة والكمال، ونسألك أن توفق كل من أراد قفل بابه لكل خير، وأن تعظم له الأجر في الدنيا والآخرة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين.
стр. 875
الأسئلة
стр. 876
حكم مرافقة المحرم الصغير
السؤال
ما حكم مرافقة المحرم الصغير، مثلاً: عمره في الثانية عشرة؟
الجواب
أما بالنسبة للمحرم فله حالتان: الحالة الأول: أن يكون في السفر، فينبغي أن يكون بالغاً يدفع عن المرأة لو حصل اعتداء عليها، وعلى هذا فلا يجتزأ بالصبي الذي في السن الثانية عشرة، وإنما ينبغي أن يكون على قدر يمكن معه أن يدفع عن المرأة لو كان لها ضرر.
وأما بالنسبة للحالة الثانية: فهو يكون معها داخل البلد كأن يكون مانعاً للخلوة، كأن تركب في السيارة ويكون معها، فهذا إن شاء الله يعتبر رافعاً للخلوة إذا كان في هذا السن؛ لأنه سن التمييز؛ وسن التمييز تبتدئ في السنة السابعة لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) فدل هذا على أن سن التمييز هو السابعة من العمر.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن ترفع عن هذه الأمة بلاء المسكرات والمخدرات.
اللهم ارحم العقول الذي ذهبت، وارحم الأجساد التي سقمت، اللهم إنا نسألك أن يرتفع هذا البلاء، وأن يزول هذا العناء، ونسألك اللهم أن توفق من تسبب في إزالته، اللهم إنا نسألك أن تخذل من كان سبباً في نشره، اللهم اطمس على سمعه وقلبه وبصره، وخذه أخذ عزيز مقتدر يا ذا العزة والجلال والعظمة والكمال، ونسألك أن توفق كل من أراد قفل بابه لكل خير، وأن تعظم له الأجر في الدنيا والآخرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين.
стр. 877
حكم شرب الدخان والصلاة خلف من يشربه
السؤال
تقول الأخت السائلة: شرب الدخان والسجائر هل يجوز؟ وهل يجوز الصلاة وراء إمام يشرب الدخان؟ وما هو الدليل الشرعي في القرآن والسنة على التحريم؟ وما رأي فضيلتكم فيمن يبيعه في المحلات؟
الجواب
أما بالنسبة لشرب الدخان فهو محرم، ودليل تحريمه من وجهين: الوجه الأول: أن الله تعالى وصف نبيه بقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] والخبائث: جمع خبيث، والدخان خبيث وليس من الطيبات.
أما الدليل الثاني على تحريمه: فوجود الضرر فيه، فإن العلماء ﵏ يقولون: إن الشريعة جاءت بجلب المصالح ودفع المفاسد، ودفعت عن الناس أفراداً وجماعات مفاسد الدين والدنيا والآخرة، فهذا الدخان يفسد الإنسان فيؤذيه في قلبه، ويؤذيه في رئته وفي تنفسه، ويؤذيه ويؤذي من شم رائحته؛ وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان، فلو أنه لم ترد آية في كتاب الله بتحريم الدخان ووجدت هذه الدلائل لكانت كافية في تحريمه؛ لأن وجود الضرر فيه يشعر بحرمته؛ لأن الله لا يحل ما فيه ضرر على الناس، ولذلك لو لم تدل الآية على تحريمه لدل وجود الضرر فيه على حرمته فلا يجوز شربه.
وأما الصلاة وراء إمام يشرب السجائر فالإمامة منصب شريف، ومقام عظيم منيف؛ ينبغي أن يتقلده الأخيار الذين يخافون الله ﷻ وتكون فيهم القدوة الحسنة، والسيرة المرضية، والسريرة السوية، ينبغي أن يكون الإمام صالح العقيدة صالح الظاهر، مستقيماً على هدي الكتاب والسنة، وإذا تقلد الإمامة الأخيار انتشر الخير، وعظم النفع للناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم، فلا يجوز للناس أن يقدموا إنساناً يعلمون أنه شارب دخان، ولكن لو تقدم وهو يشرب الدخان فالصلاة صحيحة، ولا يضر الإنسان إذا صلى وراء من يشرب الدخان؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يصلون لكم -يعني: الأئمة- فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم) أي: لكم صلاتكم كاملة وعليهم خطؤهم، فلا تزر وازرة وزر أخرى.
وأما السؤال أو النقطة الثالثة من السؤال: من يبيعه في المحلات؛ كل شيء يضر الناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم لا يجوز تعاطي الأسباب لنشره، ومن يتعاطى السبب في نشره فإنه يأثم على قدر ما يكون من ضرره، ولا شك أن بيعه محرم، ومن باعه فإنه يأثم، ولو أن هذه السيجارة بيعت فكانت سبباً في سكتةٍ قلبية لعبد حمل -والعياذ بالله- إثمها.
وهكذا لو كانت سبباً في مرضه أو سقمه، فمن باع الخير يجني الخير من بيعه، ومن باع الشر يجني الشر من بيعه.
وأما السؤال أو الجزئية الأخيرة: ما رأيكم فيمن يبيح شرب الحشيش على أساس أنه غير مسكر ولا يوجد تحريم عليه؟ قال بعض العلماء: من استحل الحشيش فإنه يعتبر كافراً -والعياذ بالله- الحشيش محرمة باتفاق المسلمين، وقد نقل الإجماع على ذلك الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، وكذلك نقله الحافظ ابن حجر الهيتمي في الزواجر، وأشار العلماء ﵏ إلى حرمته ودخولها في نهي النبي ﷺ عن كل مسكر ومفتر، وللإمام الزركشي ﵀ رسالة قيمة زهرة العريش في تحريم الحشيش ذكر فيها أكثر من مائة مفسدة دينية ودنيوية وأخروية في الحشيش، فلا يجوز للإنسان أن يقول بحلها، ومن أحلها فالله الموعد، وسيحمل وزر من تعاطاها، والله تعالى أعلم.
стр. 878
حكم تعاطي القات
السؤال
تقول الأخت السائلة: أريد أن أعرف هل القات محرم مع أنه غير مذهب للعقل، وما وجه التحريم فيه؟
الجواب
أول مرة أسمع أن القات لا يذهب العقل، وقد يكون هذا إنساناً ليس عنده عقل فيشرب القات فيستوي ذهاب العقل ووجوده.
أما القات فهو محرم لما جاء في الحديث الحسن عن النبي ﷺ : (أنه نهى عن كل مسكر ومفتر) والقات فيه الهزة والنشاط والطرب الذي يوجد في الخمر، وصاحبه إذا تعاطاه فإنه مستعد لأن يقوم بالأعمال التي تخرجه عن طوره، ولا يفعلها في حال يقظته وإفاقته، وهو محرم، وللعلماء رحمة الله عليهم كلام نفيس في القات وغيره من المخدرات أشار إليه غير واحد من العلماء رحمة الله عليهم من المتقدمين، وانعقدت الكلمة عند المحققين على أن القات في حكم المخدرات، ويعتبر ملعونٌ حامله، وملعون المحمول إليه، وبائعه وشاريه، وكذلك أيضاً آخذه ومتعاطيه، فلا يجوز حمله ولا بيعه ولا تعاطيه، وقد يقول القائل: لا شيء فيه كما ورد في السؤال، فلتتق الله المرأة وليتق الله القائل في مقالته، إن فيه أشياء كثيرة وذلك بشهادة أهل الخبرة، وقد تكلم الأطباء في بحوث قيمة ومن أنفسها ما كان في المؤتمر العالمي لمكافحة المسكرات والمخدرات، فقد اطلعت على بحوث قيمة للأطباء تدل على أنه في حكم الخمر والمخدرات، وأنه عظيم الأثر، ولذلك يكون صاحبه عصبي المزاج يثور عند أقل كلمة، وقد يبتلى بالصرع -والعياذ بالله- وقد يبتلى بأشياء مضرة.
وهنا أقول: ينبغي للإنسان إذا نظر في الشيء فأراد أن يعرف أنه حلال أو حرام أن يتقي الله في نظرته، وأن يعلم أن الأحكام الشرعية لا تحكم بالأهواء، ولا تحكم بالتقاليد ولا بالأعراف، ولكنها تحكم بحكم الله الواحد الديان، ينبغي أن يعلم أن هذا البلاء -أعني القات- مضر بالنفوس، مضر بالعقول، ومفسد للدين، ويورث الأسقام والعلل، فمن قال: إنه حلال.
فإنه يخشى عليه الفتنة، فينبغي أن يتقي الله الإنسان.
ومن يأكل القات أو يتعاطاه وهو يعلم أو يعتقد أنه حرام ويتعاطاه ونفسه منكسرة ويقول: إني مسيء.
أهون عند الله من الذي يتعاطاه مستحلاً له -والعياذ بالله- من يتعاطاه ويقول: ليس فيه شيء؛ فهذا والعياذ بالله على خطر، ومن دلائله الإدمان، فإن صاحبه إذا تعاطاه وأدمنه بمجرد أن يتركه تختل أعصابه، ويختل عقله، وقد يفقد العقل والعياذ بالله، أليست هذه الأمور كلها كافية في تحريمه؟! فالمقصود: أنه حرام، وهذا الذي ظهر بعد الاستقراء، وإن كان وجد من يقول بحله، ولكن الذي يظهر بعد قراءة بحوث العلماء ورسائلهم فيه أنه محرم ولا يجوز تعاطيه، والله تعالى أعلم.
стр. 879
زوجي مدمن للمخدرات
السؤال
هذه امرأة تشكو حالها وتقول: إن لها زوجاً يأتيها في آخر الليل وهو مدمن للمخدرات -والعياذ بالله- وإنها عانت العناء الشديد منه، فماذا ترشدها هل تترك بيتها وتطلب من القاضي أن يفرق بينها وبينه؟ أم بماذا تنصحها؟
الجواب
أسأل الله العظيم أن يفرج همها وغمها ويفرج هموم كثير من النساء اللاتي بلين ببلائها، أسأل الله العظيم ذلك، وإن كان والحمد لله هذه تعتبر من الأمور اليسيرة أو الظواهر التي ليست متفشية، فالخير لا زال في المجتمع، ولا زال الخير كثيراً، وإنما يخشى على الثوب النقي من الدنس القليل.
أختي المسلمة! أوصيك بالصبر واحتساب الأجر، احتسبي عند الله ﷻ في إنقاذ زوجك من النار، وقد يأتيك الشيطان يخذلك عن هذا الصبر فاحتسبي الأجر عند الله ﷻ ، ألم تعلمي أن كل نصيحة تقولينها وكل كلمة تلفظينها أن الله يشكرها لك؟ احتسبي عند الله ﷻ ، فكما أنك تركعين وتسجدين قربة لله فكذلك صبرك على زوجك وأنت تخوفينه في الله وتذكرينه بالله في ميزان حسناتك.
الوصية الثانية: كثير من النساء ينصحن الأزواج ولكن لا تنفع النصيحة، والسبب في ذلك -والله أعلم- ضعف الإخلاص، بعض النساء ينصحن الأزواج من وازع الغيرة أو وازع الشعور بالفضيحة، لكن لو أن المرأة انطلقت من وازع الإيمان واحتساب الأجر عند الرحمن فإن الكلمة تخرج من القلب والجنان، ولا شك أنها ستستقر في الآذان حتى يأذن الله بدخولها إلى ذلك القلب والجنان، الكلمة التي تخرج من القلب تقع في القلب، فلتصدق الأمر بالتذكير بالله ﷻ ، تحاول قدر استطاعتها أن تكون صادقة في تذكيرها بالله ﷻ ، لا تنظر إلى أنه زوج أو قريب أو أنها تخشى الفضيحة لا، إنما تنطلق من منطلق الإيمان، تتكلم وهي تشتري رحمات الله بكلماتها، وتعظ وتنصح وهي تشتري رحمة الله بنصائحها، ذكريه بالله ﷻ وانصحيه على قدر الاستطاعة.
الوصية الثالثة: انظري إلى أقرب الناس إلى الزوج، أو أقرب الناس إليك، إنساناً حليماً عاقلاً حكيماً، ومريه أن ينقذ هذا الحائر التائه من بلائه، تحاول المرأة أن تنظر إلى أقارب زوجها أو أقاربها الصالحين فتعرض عليهم مشكلتها وتحاول قدر استطاعتها أن تستحث هممهم لانتشال ذلك الغريق من بلائه هذه وصية ثانية.
أما طلب الطلاق من القاضي فهذا فيه تفصيل: إذا كان هذا الزوج ضرره مقتصراً عليه ولا يتعدى إلى الغير فينبغي الحرص على الدعوة والتذكير والصبر ما دام أن شره بعيداً عنك، وأما إذا كان ضرره متعدياً إليك كأن يأتي سكراناً -والعياذ بالله- أو مخدراً أو مخموراً تخافين على نفسك، على أولادك، على بناتك، أو غلب على ظنك أن الذرية تتأثر به في المستقبل، أو غلب على ظنك أنه سيودي بالبيت إلى كارثة أو بلاء فحينئذٍ يشرع لك طلب الطلاق من القاضي، والله تعالى أعلم.
стр. 880
دور المرأة المسلمة في مكافحة المخدرات
السؤال
ما دور المرأة المسلمة في مكافحة المخدرات؟
الجواب
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن مكافحة المخدرات والوقوف في وجهها من أعظم الحسنات، وإذا احتسبت المرأة المؤمنة فإن الله يعظم أجرها، ويثقل في الميزان ثوابها، واجب المرأة المؤمنة: أولاً: إسداء النصح والتوجيه، فإذا علمت أن هناك من يتعاطاها، أو أن هناك من يروجها من صديقاتها فإنه ينبغي عليها ويجب عليها أن تخوفها بالله ﷻ ، أن تذكرها بالله، إن كثيراً ممن يتعاطى المخدرات والمسكرات أو يروجها في غفلة تامة عن آخرته، فيحتاج من المرأة المسلمة أن تذكر تلك القلوب الغافلة بالله ﷻ ، ذكري تلك القلوب الغافلة بلقاء الله وسؤال الله عن كل ما ينشأ من هذه الأضرار، وما يكون من البليات والأخطار.
أما الأمر الثاني: فإن ارتدع فالحمد لله وخير له من الله، وإن لم يرتدع فيجب على المرأة المسلمة أن تسعى في ردعه بالتبليغ عنه، ولا يجوز السكوت على من يروج المخدرات، وأيما إنسان ذكراً كان أو أنثى علم بمن يتعاطى المخدرات فسكت عنه فإن سكوته يعتبر معونة على الإثم والعدوان والعياذ بالله، فإن سكت عنه وعظم شره كنت مشاركاً له في الإثم؛ فينبغي التناصح، وقد قيض الله رجالاً فيهم الخير الكثير، فقد قفل الله بهم أسباب الشر، وقفل بهم أسباب البلاء، وأسأل الله العظيم أن يعظم لهم الأجر في الدنيا والآخرة، وأن يكلل مساعيهم بالتوفيق والسداد.
إن الوقوف أمام هذا البلاء فرض محتم على كل فرد من أفراد المسلمين كلٌ على قدر استطاعته، فينبغي النصح والتوجيه أولاً، وإذا كان الإنسان قد ردعته النصيحة فالحمد لله، وإذا لم يرتدع فسوط الله بخلقه لا شك أنه سيردعه عن حدود الله ومحارم الله.
الوصية الثالثة من وصايا المرأة المسلمة تجاه هذا البلاء: أن تنصح أخواتها، فإذا رأت أختاً بريئة وقعت في براثن من يروج الحبوب والمخدرات فينبغي نصحها، ولتحاول أن تكون تلك المرأة المشفقة التي تنقذ الغريقة من غرقها، فتأخذ بذلك القلب البريء عن ذلك العناء العظيم، فلعل الله عزوجل أن ينقذ بك أختاً ترفع الكف إلى الله أن يعظم الأجر فيشكر حسنتك، إن الله شكر شربة ماء سقتها بغيٌ من بغايا بني إسرائيل لكلب فشكر الله لها فغفر ذنوب العمر، فكيف بامرأة تنتشل قلباً بريئاً من هذا البلاء العظيم؟! الوصية الرابعة التي ينبغي التواصي بها: الشعور بالمسئولية، وأن الخطر لا يقتصر على متعاطي المخدرات، بل إنه ينتشر عن اليمين والشمال، ويفتك بهذا وذاك.
إن بلاء المخدرات لا يقتصر على من يتعاطاه بل يتعداه إلى غيره، فينبغي الشعور بهذا الخطر، فاليوم إذا سكت الإنسان عن ابن الجار وبنت الجار فلا يأمنن غداً إذا هتكت أستاره ودخل ذلك البلاء إلى أبنائه وبناته والعياذ بالله.
فينبغي الشعور بهذا البلاء وهذا العناء، إن البعيد إذا تعاطى المخدرات لم تأمن أن يقتلك على قارعة الطريق، ولا تأمن أن ينتهك العرض على قارعة الطريق، فينبغي الشعور بهذا الخطر العظيم والبلاء العميم، وألا تكون المرأة أنانية في إحساسها، بل ينبغي أن تنطلق من منطلق الشعور بالمسئولية أمام الله ﷻ ، ولقد أمر الله المؤمنين والمؤمنات بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعل خيرية الأمة وهدايتها مقترنة بذلك، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا للعمل بهذه الوصايا، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →