← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

مراتب الكياسة وكيف تكتسب السؤال الناس في الكياسة مراتب، فمن الناس من دان نفسه، ومنهم من أتبع نفسه هواها، ومنهم من كان بين هذا وذاك، فما هي الوسائل التي يتبعها الإنسان ليملك زمام نفسه ويسخرها في طاعة الله؟ الجواب أما بلوغ درجة الكمال في الكياسة فهذه منحة ربانية، وعطية إلهية يمنحها لقلوب تعرفه، وجوارح تتعبده، الإنابة إلى الله إلى درجة يكون الإنسان فيها كيساً يحفظ نفسه عن محارم الله، ويشحذ همته لطاعة الله ، هذه مرتبة وأي مرتبة، مرتبة أهل الفلاح، والصلاح، والفوز والنجاح، فإن أنبياء الله تمنوا وسألوا الله أن يجعلهم من أهلها، حتى قال نبي الله سليمان الذي له المكانة عند الله، يقول الله له تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٩] ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٢٥] هذا النبي الكريم يضرع إلى الله يقول: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالِحِينَ﴾ [النمل:١٩]. إن مرتبة الكياسة توجب صلاح القول والعمل، وهي مرتبة عظيمة، ويستطيع الإنسان بلوغها إذا شاء الله له ذلك، فيدعو الله أن يجعله ممن حفظ قوله وعمله عن أن يصيب محارم الله، الإنسان الكيس هو: الذي يحسن القول والعمل، والمعاملة لله ﵎، وتجد حاله حال حزم وانتقاص موجب للكمال، حال حزم بمعنى: أنه لا يعطي نفسه هواها، ولا يتمنى على الله الأماني، ولذلك قالوا من الحكمة: الكيس -ويروى أيضاً أثر- من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت. دان نفسه أي: أهانها وأذلها في الظاهر لطاعة الله ، ولكن في الباطن أكرمها، من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز أي: الذي فقد الكياسة، من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، من أتبع نفسه هواه: مسترسل في غيه وهواه، وفجوره وبعده عن تقواه. فإذاً: الكياسة تستوجب من الإنسان الحزم، ومن أمثلتها: العبد مثلاً يقول: أريد أن أصوم اليوم، فيأتيه الشيطان ويقول له: لا. إلى غد، الحياة طويلة وأنت شاب. فيقول: لا. الآن أصوم. إذاً هو أخذ بالحزم، وعمل لما بعد الموت، لكن إذا كان عاجزاً محروماً من الكياسة يقول: نعم. الحياة طويلة، إذاً إلى غد. كذلك عندما يريد أن ينفق من المال، مر على مسكين أو محروم أو بائس أو أرملة أو يتيم أو جاءه إنسان ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨]. ويأتيه إنسان يقول له: عندنا قضية تحتاج إلى مساعدة، تحتاج إلى سخاء وجود، فيأتيه الشيطان ويأتيه الهوى، يقول له: يا أخي! أنت الآن ما تزوجت، أنت ما فعلت كذا ولا كذا، ابنِ مستقبلك -كما يقولون- فيأتيه هوى وحظوظ النفس، لكن إذا كان كيساً حازماً ماذا يقول؟ يقول: أليس الكون كون الله، والمال مال الله، والفقر والغنى من الله؟ فما الذي تغنيه عني أموالي لو شاء الله أن أكون فقيراً؟ وما الذي يضرني لو أني أنفقت في طاعة الله ؟ وكما قال الشاعر: أروني بخيلاً طال عمراً ببخله وهاتوا جواداً مات من كثرة البذل فإذا تحركت في النفس معالم السخاء والجود والعطاء في محبة رب الأرض والسماء؛ جاء الحازم لكي يقوي تلك الهمة، ويشحذها على طاعة الله، ولكن جاء العاجز فقال: كيف أضيع مستقبلي وأبني مستقبل غيري؟ كيف أهدم حياتي وأصلح حياة غيري؟ فيعيش مع أشجان يعمرها بسوء الظن بالله . الكيس عبد صالح يعرف كيف يعامل الله ، مثلاً جاءه حديث نفس بالطاعة، الآن أنت جالس فجاء حديث النفس بالطاعة، لو قمت وتوضأت وصليت ركعتين، فإن كان كيساً قال: ركعتان كم فيهما من حسنات؟ فقام مباشرة وتوضأ وصلى ركعتين، وناجى ربه وناداه، وسأله من خيري الدنيا والآخرة، هذه كياسة حرص على الطاعة شحذ همة، ولذلك بعض الأخيار إذا جئت تدعوه إلى أي عمل خير، ما ينتظر، كل شيء يحتمل التأخير إلا طاعة الله. من الكياسة: حسن المعاملة لله . والعكس بالعكس -والعياذ بالله- إنسان خامل، نائم، يريد أن يصل إلى الدرجات العلى وهو في شهوات وملهيات، وتسويف في طاعة رب البريات، شتان ما بينهما، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] كلا والله، الله عدل لا يمكن أن يساوي بين الفريقين، وشتان ما بين الطائفتين. فالمقصود: لا بد للإنسان أن يشحذ همته إلى الكياسة، وأن يحاول أن يستجمع من نفسه ما يدعوه إلى كسب الوقت في طاعة الله ومرضاة الله ، جاءك حديث نفسك، فقال لك: هناك محاضرة لشيخ داعية. فيأتي الشيطان يقول: ما هو عنوان المحاضرة؟ الصبر، سمعنا عن الصبر كثيراً. عاجز، خاذل، لكن بعض الأخيار لو سمع عن الصبر مائة مرة، كلما سمع كأنه أول مرة يسمع، يقول: يا الله، محاضرة كي نذهب. يريد أن يشغل وقته في طاعة الله. عندنا مجلس فيه إخوان يقرءون كتاباً مفيداً يتذاكرون العمل، يقول: بسم الله، يا الله. حازم، ما يسوف ولا يضيع في طاعة الله -جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل- والله إنها لحياة القلوب، ونسأل الله أن يحيي قلوبنا وقلوبكم بذكره وشكره، والله تعالى أعلم.

стр. 807

سبل التخلص من الذنوب التي يصعب على النفس تركها السؤال أكثر الأسئلة يشتكي أصحابها من عدم قدرتهم على الابتعاد عن معاصٍ معينة، فعلى سبيل المثال: هذا سائل يقول: أنا شاب كلما تبت إلى الله رجعت إلى المعاصي، فقل لي شيئاً ما إن تمسكت به لن أرجع إلى هذه المعاصي بإذن الله؟ وآخر يقول: كيف أخلص نفسي من تعلقي بمعصية وشهوات كثيراً ما بكيت منها ولا أستطيع تركها، أرشدوني أثابكم الله؟ الجواب يقول الله بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠]. أخي في الله: هو طريق واحد، إما أن ينتهي إلى الجنة أو إلى النار، والله تعالى بين أنك لن تنجو ولن ينجو عبد من النار إلا بأمرين: أحدهما يتركب من الآخر، ما هما الأمران؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات:٤٠] يتركب على الخوف من المقام والموقف بين يدي الله ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] ما هي النتيجة؟ ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤١] هذا هو الطريق الوحيد الذي تنجو به من عذاب الله وسخط الله. يا هذا! الأيام مراحل تطوى بك لكي تقربك إلى الله ، كل يوم تصبح فيه فتأتيك دواعي المعاصي، تذكر يا أخي ما هذا اليوم؟ هذا اليوم خطوة إلى الله خطوة تقربك إلى الله خطوة تدنيك من الله ، إذا كانت الأيام والليالي لا تزيد العبد صلاحاً فوالله لا خير في العيش، لماذا نطلب الحياة، ونطمع فيها؟ والله والله لقد تنكد العيش، ولم يعد للعبد أمل في العيش إلا أن يزاد فقط له من الحسنات، والله ثم والله ثم والله! لو علم العبد أن الحياة لا تزيده من الله قرباً لسأل الله الموت؛ لأنه لا ينجو، الحياة ملئت بالفتن وبالمعاصي وبالمحن، كلما وقف الإنسان في سبيله إلى الله جاءته هذه الفتن والمحن من كل حدب وصوب، من القريب والبعيد، ممن يعرف وممن لا يعرف. إذاً أخي في الله! هو طريق واحد: طريق الناجين، ووالله لا نجاة في غيره أبداً، طريق واحد، قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩]. فلذلك أخي في الله! هذه المعصية كل يوم تصبح فيه تفكر وانظر، أولاً: أدعوك أن تقطعها بالكلية، أصبحت اليوم فجاءك الشيطان يحدثك بهذه المعصية فاجتهد وجاهد أن تترك هذه المعصية لله . وأوصيك بأمور وبوصايا: الأمر الأول: إذا أصبحت فاعتبر كأنه آخر يوم لك من الدنيا، ووالله لا أضمن أن أقوم من مجلسي هذا، وليس أن أنتظر الصباح، لا أحد يضمن، الإنسان لا يضمن نفسه في طرفة عين. بينما امرؤ بين يديك حيا إذ صرت لا تبصر منه شيئا في طرفة عين فقط، تأتي -سبحان لله! - إلى البيت الصباح تخرج منه ترى جارك، يمكن أحياناً ساعات وإذا بصراخ وعويل، ماذا هناك؟ فلان مات، حادث أو ما شابه، إنا لله وإنا إليه راجعون، ما يملك أحد لأحد من الله شيئاً. إذاً: هذه الحياة مطايا تقربنا من الله ، إذا أصبحت أول شيء تحدث نفسك كأنه آخر يوم عهدك من الدنيا، فإذا استطعت أن تترك المعصية بالكلية فوالله قد فزت، استعن بالله ثم بالدعاء، أكثر من الدعاء، كذلك أيضاً ذكر الله حتى تكون في الحصن الحصين، الفرار إلى الأخيار، إلى مجالس الذكر، تستجمع هذه الأسباب في يومك ذلك. ابتعد ما استطعت أن تبتعد، ولا أظن إن شاء الله إذا فعلت هذه الأسباب إلا وسيوفقك الله ، ولا تستلم، المشكلة أن الإنسان إذا اعتقد أنه ضعيف خذله الله ، لكن إذا اعتقد أنه قوي بإذن الله، وأحسن الظن بالله يوفق. الأمر الثاني: إذا كان لا سمح الله ما استطاع الإنسان أن يكبح جماح الشهوة، فما هو الحل؟ يحاول أن يقلل منها، حولها من معصيتين إلأى واحدة، وإذا كانت أربع إلى اثنتين، قدر ما يستطيع، فإن تقليل المعصية جزء من التوبة إلى الله ، ويعتبر جزء إنابة إلى الله ، تخفف من المعصية. الأمر الثالث: انظر إلى الأسباب التي تحرك المعصية، إن كان النظر اكسر النظر بخشية الله وارمه في الأرض، وإن كان الخلوة لا تجلس لوحدك، بعض المعاصي تتحرك بالخلوة، يختلي الإنسان فيقوى سلطان الشيطان عليه فيتحرك لفعلها، إن كان مثلاً النظر إلى أشياء أو سماع أشياء لا تستمع، المهم تتعاطى الأسباب التي تعينك على البعد من هذه المعصية، وجماع الخير: أن تتذكر أنك إلى الله صائر، وأنك ستسأل عن هذه الروح التي أنفقت لياليها وساعاتها في معاصي الله . ثم سل النفس: ما الذي جنيته؟ كم من شهوات أصابها العاصي ما هي النتيجة؟ ما هي الثمرة؟ وكم من رحمات أصابها المطيع فماذا بقي من تعبه؟ بالأمس القريب كنا في رمضان، كان هناك صيام وقيام وعناء في طاعة الله، ما الذي بقي من التعب؟ ذهب النصب والتعب وثبت الأجر إن شاء الله، فلذلك الواجب على الإنسان أن يعزي نفسه ويسليها بذلك، وأسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ممن ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] ولذلك يقول بعض العلماء: إن في هذه الآية دليل على أن العبد إذا تحركت نفسه إلى المعصية، وكان يستدمن الخوف من الله فإنه غالباً ينجو منها؛ لأن الخوف من الله أثره ترك الهوى، والمعصية مما تهواه النفوس وتميل إليه. فلذلك علاج ترك المعاصي والطريق الأمثل: الخوف من الله، ولذلك أكثر من ذكر الله ، واعرف من هو الله الذي تريد أن تعصيه، وبإذن الله سيكون ذلك أعظم زاجر لك عن معصية الله، والله تعالى أعلم.

стр. 808

الإنسان بين داعي الخير ومضلات الفتن الحقيقة أود أن يكون ختام حديثي لهذا المجلس المبارك كلمة. أقول وبالله التوفيق: إن الله ﵎ قد جعل العبد مخيراً بين سبيلين: سبيل هدىً وسبيل ضلال، سبيل رحمة وسبيل عذاب، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] فالعبد مخير بين السبيلين، وهو مذكر بالداعيين: داع إلى الجنة، وداع إلى النار. والله إذا أراد بالعبد خيراً ألهمه أن يصغي بسمعه لداعي الخير ومحبة الله ، وإذا أراد به شراً -والعياذ بالله- أصغى بسمعه إلى داع الهوى والردى. إخواني في الله: كلمة أذكركم ونفسي بها بالله : في هذا الزمان الذي عظمت فتنته، واشتدت محنتة، وأصبح العبد في محنة لا يعلمها إلا الله ﵎، قد كنا نصلي ويقول الإنسان في دعائه كما في الدعاء المأثور: (وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) كنا ندعو بهذا الدعاء، وكما قال بعض العلماء من الفضلاء المعاصرين، قال: كنت أدعو وأقول كما ورد الحديث: (وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) وأنا بقلب منصرف، ولا أحس بقيمة هذه الدعوة كما ينبغي، فلما رأيت فتناً عظيمة، ومحناً جليلة، أدركت عظيم هذه الدعوة، حتى إذا قلتها أصبحت أقولها وقلبي يستشعر معناها. كلما تأخر الزمان جاءت الفتن وعظمت المحن، حتى أصبح الإنسان مخيراً بين الداعيين على الحقيقة، العبد يكون على صلاح واستقامة، فيخرج من بيته فيبلى بفتنة في السمع، والبصر، والقول، والعمل، وإلى الله المشتكى. كسر لا يجبره إلا الله، ونقص لا يكمله إلا الله ، إنها (فتن كقطع الليل المظلم، يمسي العبد فيها مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!! فخير ما يوصى به المؤمن: أن يحس أنه لا نجاة ولا فلاح إلا بالاعتصام بالله ﵎، والرجوع إلى كتاب ربنا، والاحتكام إلى أهداب شرعنا، وتحكيم ذلك في كل صغير وكبير، والسير على وفقه في كل جليل وحقير. إخواني! تنكد العيش، وتنغصت الحياة، ووالله لم يعد للعبد صوان إلا بطاعة الله ﵎، أظلمت الحياة وكانت قبل منيرة حينما كان الخير أكثر من الشر، ولكن عم البلاء وطم، وأمر لا يشتكى إلا إلى الله . المخرج: أن يحاول الإنسان قدر استطاعته أن يلوذ بالله ﵎، وأن يعوذ بالله فإن الفتن وقعها على القلوب أشد من وقع الجمر على الجسد، إنها تكوي القلوب فتظلمها من بعد النور، وتعميها من بعد البصيرة، وتصرفها عن الخير إلى الشر. ولكن أحبتي في الله! من أراد الله له السعادة والتوفيق ألهمه أن يستبصر بالثقلين والنورين المباركين: كتاب ربنا، وسنة نبينا صلوات الله وسلامه عليه. والله إن من دلائل النجاة -خاصة في هذا الزمان- الوقوف عند القرآن، والتأدب بآدابه، والالتزام بحدوده، ولا يغرنك قلة السالكين، وندرة الثابتين، فالموعد عند رب العالمين، وما على الإنسان إلا أن يسعى في فكاك نفسه من عذاب إله الأولين والآخرين. من أراد الله أن يغيثه من هذه الفتن والمحن شرح قلبه بالقرآن، فعاش مع آياته وعظاته، وارتاح لما فيه من الذكرى والعظة من رب العالمين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصدُورِ﴾ [يونس:٥٧] فمن أراد أن يشفي الله صدره من الفتن، وأن يغيثه من المحن، فليلتزم بهذا الشفاء والدواء، ثم سنة المصطفى ﵊، يتعلمها الإنسان، ويعلمها الغير، ويلتزم بها قولاً وعملاً، ظاهراً وباطناً. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تثبت قلوبنا على طاعتك، وأن تشرح صدورنا لمرضاتك، وأن تجعلنا من خاصة عبادك المتقين، من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن توفقنا لكل عمل يرضيك عنا، وأن ترزقنا التمسك بالسنة عند فساد الأمة، اللهم إنا نعوذ بك من حياة تبعدنا عنك، ومن حياة توجب غفلتنا عن ذكرك وشكرك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، نستغفرك اللهم ونتوب إليك. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 809

الأخوة الإيمانية الأخوة في الله منحة ربانية يقذفها الله في قلوب من يشاء من عباده، وهي من أعظم وأوثق عرى الإيمان ومما يوثق هذه العلاقة ويجعلها سبباً لنيل الأجر؛ أن تكون لله وفي الله، لا لأحد سواه، وأن تكون قائمة على التناصح بين الإخوة، ومن لوازم الأخوة أن يكون الأخ كريماً مع أخيه، مساعداً له في قضاء ما يستطيع من حاجاته.

стр. 810

آثار الأخوة الإيمانية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وفي بداية هذا اللقاء أزجي عاطر الشكر والثناء لهذه الجامعة المباركة جامعة أم القرى بفرعها بالطائف أن كانت سبباً في هذا الجمع المبارك الكريم, وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي القائمين عليها خير الجزاء, وأن يعظم لنا ولكم المثوبة منه إنه فاطر الأرض والسماء. أيها الأحبة في الله! خلة من الخلال وخصلة من أطيب الخصال, خلة من خلال المتقين وعباد الله الأخيار الصالحين, وخصلة من خصال المهتدين, إنها الحب والأخوة في الله والدين، إنها الأخوة الإيمانية التي قامت على الآيات والعظات القرآنية, أرسى دعائمها رسول الهدى ﷺ , وسار على نهجها أولو النهى, حتى خبطت أقدامه في الجنة مع الرضا, إنها الحب في الله, هذا الحب الذي أقسم النبي ﷺ لصحابي من أصحابه أنه يجده في قلبه, ففي الحديث الصحيح عن معاذ ﵁ وأرضاه قال: (أخذ النبي ﷺ بيدي وقال: يا معاذ! والله إني لأحبك) , فنعم المحب ونعم الحبيب. إنها الأخوة الإيمانية والمحبة المبنية على الشريعة المرضية. إنها الأخوة التي إذا سكنت في القلوب هدى الله أهلها, وأصابهم بالزكاة في قلوبهم وطهرها. إنها الأخوة التي غرسها النبي ﷺ في قلوب أصحابه الأخيار, من المهاجرين والأنصار، فسطروا بها في دواوين المجد والعز صفحات البذل والإيثار, كانوا قبلها متباعدين, فأصبحوا بها -بفضل الله- متقاربين, كانوا متعادين فأصبحوا بها متآخين, كانوا متباعدين متباغضين متدابرين ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٣] ولكن من غيره سبحانه يجبل تلك القلوب على المحبة، ويقلبها على الصفاء والمودة، فانقلبت تلك القلوب من الشحناء والبغضاء إلى المودة والحب والصفاء، فلا إله إلا الله من يوم اجتمعت فيه قلوب أولئك الأخيار, ولا إله إلا الله من يوم آخى المصطفى فيه بين المهاجرين والأنصار. إنها الأخوة التي حملت رسالتها هذه الأمة جيلاً بعد جيل, ورعيلاً بعد رعيل, حب وصفاء وود وإخاء, يتألم المؤمن لآلام إخوانه, ويحس بإحساسهم ويشعر بأشجانهم. إنها الإخوة التي صورها النبي ﷺ كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى, فكم عين للمسلم سهرت لآلام المسلمين, وكم من قلوب فارقتها الراحة في المضاجع لآلام المؤمنين. إنها الأخوة التي يحس فيها المؤمن أنه من أخيه ولأخيه على الطاعة والدين, فوالله ما فتحت قلبك لحب في الله، إلا تأذن الله لك بحبك من فوق سبع سماوات، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى: وجبت -ثبتت واستقرت- محبتي للمتحابين فيّ, وللمتجالسين فيّ, وللمتزاورين فيّ). الله أكبر! محبة انتصبت من أجلها أقدام الراكعين والساجدين, وجرت بها دماء الشهداء المجاهدين, محبة ظمئت من أجلها أحشاء الصائمين, وتألمت لها قلوب العابدين الخائفين, كل ذلك طلباً لهذه المحبة من الله, وجبت حينما تفتح قلبك لأخيك لله وفي الله, ما أعظمها من محبة توجب عند الله الزلفى والقربة، ما أعظمها من محبة, إذا فتحت قلبك لها تأذن الله بحبك، فأي يوم أعز وأشرف من يوم تغيب فيه الشمس عليك والله قد أحبك؟ وأي يوم أجل وأشرف حينما يكون الله محباً لك؟ كل ذلك لهذه المحبة حينما تفتح سويداء قلبك لإخوانك لله وفي الله, ألم تعلم أنك لو خرجت من بيتك يوماً من الأيام, فاطلع الله على فؤادك وقلبك أنك خارج لأخيك لله وفي الله ناداك منادٍ من الله: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة نزلاً, وبهذا الخروج وبهذه الزيارة ترفع الأقدام إلى الله، وتكتب الخطا عند الله, فقد أوجب الله الحب منه للمتزاورين فيه, ولكن فيه سبحانه, (والمتجالسين فيه) فلئن فتحت باب بيتك يوماً من الأيام لإخوانك وخلانك وقلبك ولسانك على الحب سواء, فلئن فتحت باب دارك، فلقد فتحت باب رحمة الله عليك، ولئن جلست معهم تثبتهم وتسليهم وتذكرهم بطاعة باريهم فنعم والله المجلس، حينما تقوم والله راضٍ عن جلوسك وعن إخوانك.

стр. 811

دعائم الأخوة الإيمانية إن الحب الخالص والصادق يكون لوجه الله, وهذا الحب وهذه الثمرات الكريمة لا تكون إلا بقواعد ودعائم أرساها رسول الهدى ﷺ .

стр. 812

قضاء حاجة المحتاج أما العلامة الثالثة التي تدل على الحب في الله فهي أعلى مراتب الحب في الله, وهي: مرتبة الكمال, حينما تكمل الدين بالدنيا, حينما تستر عورة أخيك أو تفرج كربته أو تؤنس وحشته, فتكون خير أخ وعضد له بعد الله ﷻ , الأخ يحتاج إلى أخيه, تمر به الظروف والفتن والمحن, يحتاج إلى من يقف معه ويمده بمال أو يواسيه في شدة الحال, فقف مع إخوانك, فكم من إخوان بذلوا أوقاتهم لإخوانهم في الله ففازوا بمرضاة الله جل وعلا, ما الذي تأخذه من الدنيا غير تفريج الكربات، ورفعة الدرجات لما تسديه إلى الأرامل والبائسين والمحتاجين من إخوانك المؤمنين. إن من أعظم القربات وأعلاها عند الله قدراً تفريج كربات المسلمين, فاحتسب إذا سمعت أن أخاك بحاجة إلى مال؛ أن تعينه بالمال إذا استطعت, لا يكون المال أعز عليك من أخيك في الله, ابذل المال لوجه الله, فوالله ما أنفقت لأخيك مالاً ترجو به رحمة الله إلا أصابتك دعوة الملكان: (اللهم أعط منفقاً خلفاً) فلك الخلف من الله, كم من يد مدت إلى أخيها تعينه في شدة الظروف, والله يعلم أنها آثرت بهذا المال نفسها وأبناءها فعوضها الله إيماناً, وعوضها خشوعاً فأصابت خيري الدنيا والآخرة, الخلف من الله مضمون, والربح منه مضمون, فليكن مصداق الحب في الله تفريج الكربات عن الإخوان في الله, كم من رجل يقول لك: أحبك في الله وهو يعلم أنك محتاج إلى ماله, ولا يمد لك شيئاً منه، كيف يطيب العيش للغني المسلم وقد كشفت عورة أخيه المسلم؟! وكيف يلذ العيش للغني المسلم وقد تقرحت أحشاء وأمعاء الأيتام والأرامل من المسلمين؟! كيف يلذ العيش للمؤمن الصادق وهو يعلم أن أخاه يتضور جوعاً؟! ذكروا عن بعض الصالحين أنه كان غنياً ثرياً كثير المال, جاءه رجلٌ يوم من الأيام في شدة البرد, وكان هذا الرجل قد بسط الله له من الخير شيئاً كثيراً, فجاءه هذا الرجل -والناس بعضهم دليل خير ومفتاح خير- جاءه ولم يأته لغرض من الدنيا, ولكن جاءه لحاجة إخوانه المسلمين, فقال له: إن بموضع كذا وكذا أسرة فيها أيتام وأرامل ليس عندهم طعام ولا لباس يقيهم البرد, فنادى ذلك الرجل حاجبه -والرجل الذي يقوم على أمواله- فلما دخل عليه قال: انتظر, قال: فدخل إلى غرفته ولبس ثياباً خفيفة في شدة البرد, ثم دخل على حاجبه وقال: إنه قد بلغني أن بموضع كذا وكذا أيتام وأرامل، وأنهم قد آلمهم البرد فلا طعام معهم ولا كساء, اذهب إليهم فأطعمهم واكسهم واملأ أيديهم من المال, وإني في ملاءتي هذه أجد من البرد ما يجدون حتى تعود إليّ. إنها قلوب تحس بما يحس به إخوانه المسلمين. توفي علي زين العابدين ففقد أكثر من ثلاثين بيتاً كان بالليل يقرع الباب عليهم بالصدقات والطعام, لا خير في المال إذا لم تستر به عورات المسلمين, وتفرج به كربات إخوانك المؤمنين, أيُّ خير للملايين إذا اكتنزتها، وخرجت منها صفر اليدين من رحمة الله والعياذ بالله, ما الذي تستفيده من المال إذا أسرك فأصبحت أشجانك وأحزانك معه فخرجت صفر اليدين من المعاملة مع الله, فلقد بلغنا عن النبي ﷺ : (أن الله يقيم العبد يوم القيامة بين يديه، فيقول له: عبدي! ألم أسودك؟ ألم أعطك؟ ويذكره بالنعم, ثم يقول: فماذا عملت لي؟) فلو وقفت بين يدي الله وسألك الله عن إخوانك في الله, عن مكروب في دينه علمت أنه مديون فلم تفرج كربه, وعن مكروب علمت أنه بحاجة إلى من يثبته فلم تثبته, فليس تفريج الكربات يختص بالأموال, ولكن يكون بحسن المقال, إذا لم يكن عندك المال وعلمت أن أخاك مهموم أو مغموم، فابذل إليه كلمة، فكم من كلمة من أخ فرج الله بها الهموم, الأخ يحتاج إليه أخوه بكلمة تثبته خاصة في الأحزان والأشجان. ولذلك شرع الله عيادة المرضى وشرع تشييع الجنائز والتعزية، كل ذلك لكي يتثبت الله بها قلوب المؤمنين بكلمات إخوانهم المؤمنين, فلذلك ينبغي للمؤمن أن يسعى إلى أعلى مراتب الأخوة, وأن يفضل إخوانه على نفسه. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الحب فيه, والولاء فيه, اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعلنا ممن وجبت محبتهم لك يا ذا الجلال والإكرام, اللهم إنا نسألك أن نحب بحبك من أحبك, وأن نعادي بعداوتك من عاداك, وأن تجعلنا سلماً لمن سالمت، وحرباً لمن حاربت, عوناً لأوليائك, حرباً على أعدائك, يا ذا الجلال والإكرام, سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين.

стр. 813

الإخلاص في المحبة أول دعائم الحب في الله: إخلاص العمل لله, أن تفتح القلب وأن تشعر أن الله يسمعك ويراك, فيرى هذا العمل من القلب وليس لأحد له فيه حظ ولا نصيب, تفتح قلبك لا لجمال, ولا لمال, ولا لحسب, ولا لنسب, ولكن لله ﷻ , حينما تحب المسلمين ولو كانوا عنك بعيدين, وحينما تحبهم ولو خالفتهم لوناً أو مرتبة أو عزاً أو شرفاً فلا فضل إلا بالتقوى. إنه الحب الخالص لله، وما الذي ضر كثيراً من الشباب اليوم غير دخول الدواخل في المحبة لله, فكم من شباب في بداية الهداية والاستقامة فتحوا القلوب لله جل وعلا حتى وجبت لهم المحبة من الله والرضا، فما مضت الأيام إلا والمجالس عامرة بذكر الله الملك العلاَّم, وكم من شباب -في بداية الهداية- وجدوا طعم الأخوة ولذة الحب في الله, لما كانت القلوب خالصة لله علام الغيوب، يوم خرج الشاب من بيته يتعطش لأخٍ يواسيه أو يسليه أو يثبته على طاعة باريه, فخرج من البيت صادقاً محتسباً مخلصاً لله ﷻ , ولكن تغيرت القلوب فغير الله ما بها من الخير إلا أن ينيب العبد أو يتوب. لذلك أيها الأحبة في الله! الوقفة الأولى مع الحب في الله: أن يكون خالصاً لله جل وعلا, الحب في الله عبادة تعلقت بالقلوب، فكما أن اليد والقدم والجوارح تتقرب إلى الله، كذلك للقلب أعمال تكون عبادة بينه وبين الكريم المتعال, ومن أعمال القلوب التي يجب إخلاصها لله علام الغيوب: الحب في الله جل وعلا أشرف وأعز مطلوب. أما الوقفة الثانية: فإنك إن أخلصت لله جل وعلا فاعلم أن إخلاصك في الحب لله له أمارات وعلامات ومن أجلها وأشرفها: أن تحس أن قلبك اتجه لأخيك طاعةً لباريك، لا لأي شيء سوى ذلك, أن تتجه شُعب هذا القلب إلى الإخوان والخلان, إما لطاعة من ذكر أو شكر أو عناء أو عبادة أو خوف أو إنابة أو خشوع, ترى أخاك يوم تراه راكعاً فتحبه لركوعه, أو ساجداً فتحبه لذلته وخضوعه, أو يده سخاء على الأيتام والأرامل فتحبه من خلال ما يحبه الله من القول والعمل, تحبه من جهة الأعمال الصالحة والقربات والطاعات, ولذلك أحق من يحب في الله, وأحق من يتأذن الإنسان بأخوته في الله هم العلماء والدعاة إلى الله, لأنهم أعظم الناس خيراً وأعظمهم طاعة وبراً, إذا نظرت إلى العالم استهوى قلبك ما فيه من الخير الكثير والفضل المستطير, ذلك الخير الذي نفع الله به القلوب فأنار به السبل والدروب, فتحب العالم يوم تحبه, وكأن لسانك يقول: أحبك يا عالم الأمة من سنة أحييتها, أو بدعة أمتها, أو شعيرة أقمتها؛ تحبه حينما تتذكر، فكم من تائه أرشده, وكم من طالب علم علمه, وكم من ليل اكتحل السهر فيه لكي يحل للأمة معضلة, أو يكشف لهم مدلهمة أو مشكلة, تحبه من قلبك لأنه على ثغر من ثغور الإسلام, حتى إذا نظرت إلى ذلك الداعية إلى الله, نظرت إليه يوم نظرت وقد تفجرت ينابيع الحكمة من لسانه وبيانه, تجذب القلوب إلى الله, وتنير الدروب في محبة الله لا يرجو الثواب إلا من الله, فيتجه قلبك إليه لله وفي الله, حتى إذا فعلت ذلك أحبك الله بحب أوليائه، وتأذن لك بذلك الحب الذي لم يستوجبه عبد إلا وفق للخير كله. حب العلماء وحب الدعاة والهداة إلى الله سمة من سمات الصالحين, فكلما كان الإنسان صالحاً مستقيماً براً سائراً على نهج ربه فإنه يحب العلماء من كل قلبه, كلما تمكن الإيمان من القلوب كلما اتجهت إلى أولئك الصلحاء وأولئك الأخيار, الذين تأذن الله لهم بالحب في الأرض والسماء, فوضع لهم القبول بين العباد ونشر خيرهم بين الحاضر والباد, فهذه من أعظم الدلائل على الحب في الله. ولقد ضرب أصحاب النبي ﷺ المثل الصادق حينما أحبوا النبي ﷺ صدق المحبة, أحبوه للنبوة, أحبوه لعظيم بلائه للأمة, أحبوه حينما رأوا ذلك الخير العظيم والنفع العميم الذي أجراه الله على لسانه صلوات الله وسلامه عليه. بعثت قريش رجلاً يوم الحديبية لكي يكشف خبر النبي ﷺ ويتفاوض معه في صلح الحديبية، فخرج سهل حتى قدم على النبي ﷺ , فهاله ذلك المنظر المهيب من حال أصحاب النبي ﷺ مع رسول الهدى ﷺ , فلما رجع قالوا له: ما وراءك يا سهل؟ ما الذي رأيته؟ ما الذي سمعته؟ فقال سهل: والذي يحلف به سهل من اللات والعزى لقد دخلت على كسرى وقيصر فما رأيت أشد حباً من أصحاب محمد لمحمد, والذي يحلف به سهل ما رفعوا أبصارهم إليه إذا حدثهم, ولا تنخم نخامة إلا وقعت في كف أحدهم فدلك بها وجهه، ﵃ وأرضاهم, وتأذن بأعالي الفردوس مسكناً لهم ومثواهم، إنهم الصحابة الذين أحبوا رسول الله ﷺ وكانوا أصحابه. ولقد ورث التابعون هذا الحب الصادق فأحبوا أصحاب النبي ﷺ , فما كان الرجل من التابعين يرى عالماً من علماء الصحابة إلا كاد أن يرفعه على رأسه لعظيم حبه له في الله ﷻ . دخل أبو إدريس الخولاني ﵀ على الجامع بدمشق , فرأى رجلاً براق الثنايا يجتمع الناس حوله, إذا اختلفوا رجعوا إليه, فيفصل بينهم فيما اختلفوا فيه, فسألهم وقال: [من هذا الرجل؟ قالوا: معاذ بن جبل صاحب النبي ﷺ , يقول ﵀: فلما كان اليوم الثاني بكرت وهجرت -أي: جئت مبكراً إلى المسجد في الهجير, وذلك بعد صلاة الظهر لكي يدرك صلاة العصر- قال: فلما دخلت المسجد وجدت معاذاً قد سبقني إليه] ﵁ وأرضاه, كانوا أئمة ومشاعل نور في القدوة الصالحة- قال: فلما قضى صلاته أتيته من قبل وجهه وقلت له: إني أحبك في الله. قال: آلله, قلت: آلله -أي: أحبك في الله- قال: آلله, قال: والله-أي إني أحبك في الله- فقال ﵁ وأرضاه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يقول الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ, وللمتزاورين فيّ, وللمتجالسين فيّ) فكان التابعون رضوان الله عليهم يحبون علماء الصحابة ويجلونهم، وما زالت هذه الأمة تعظم علماءها ودعاتها وأهل الخير بينها, ولن تجد الأمة ترفع من شأن العلماء وتحب الدعاة والصلحاء إلا جمع الله بهم الشمل, فاتحدت بهم الكلمة وحصل الخير العظيم والنفع العميم, فكم من أزمنة خلت وأيام مضت كانت الأمة في أوج عزها، حينما أكرمت العلماء وأعزت الدعاة والهداة إلى الله لعلمهم أنهم دعاة الخير, وهداة الخير وأهل السداد والرشاد, فطوبى لمن أحبهم في الله, وتأذن بالحب من الله.

стр. 814

النصيحة أو التناصح أما العلامة الثانية التي تدل على حبك لله وفي الله, فثمرة من ثمار الخير تدل على حسن الطاعة لله والبر, ثمرة ما كانت في المؤمن إلا دلت على دينه واستقامته وحبه لله جل وعلا, وحبه لعباده الصالحين, أتدرون ما هذه الثمرة العظيمة التي جعلها النبي ﷺ عماداً في الدين؟ إنها النصيحة, فإذا أردت أن ترى أخاك الصادق فانظر إلى ذلك الناصح المشفق, الذي ينظر إليك نظرة الغريق, ويعطف عليك بكل حنان وبر وإحسان، وحسن كلام وبيان, ينتشلك من النيران والعصيان, لكي يواسيك أو يسليك أو يثبتك بتلك النصيحة الصادقة على طاعة باريك. إنها النصيحة التي يقول فيها النبي ﷺ : (الدين النصيحة, الدين النصيحة, الدين النصيحة, قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) فإذا وجدت أخاك يأخذ بحجزك من النار فإنه الأخ الصادق, والأخ المشفق، والمحب الذي برأ من الخسارة وتأذن بالربح مع الله في التجارة ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] آمنوا ثم عملوا الصالحات ثم تواصوا, والغالب في أخيك الذي ينصحك أنه لا ينصحك إلا بعد دين, يتغلغل في قلبه حتى يغار عليك إذا رآك على خطيئة أو معصية, إذا سمعت أخاك ينصحك أو يوجهك أو يرشدك، فاعلم -والله- أنه يريد لك الخير من الله, أخوك الصادق الذي يبذل لك الكلمات المشرقة المضيئة من قلب صادق, فهذه من دلائل الحب في الله. ثم إذا أردت أن تنصح أخاك وأن توفي هذه العلامة حقها وقدرها فهنا أمور: أولاً: أن تنصح أخاك وأنت مخلص لله ﷻ , تكلمه وأنت تستشعر أن الله يسمعك ويراك, تكلمه وليس في قلبك إلا الله ﷻ , تشتري رحمة الله بهذه الكلمات, والله ما من نصيحة خرجت من قلب إلا وقعت في القلب شاء صاحبها أم أبى, أن تخرج النصيحة من قلبك الصادق المخلص لوجه الله ﷻ تعامل الله، فكم من كلمات صادقة خالصة قد لا ينفع الله بها في حينها ولكنها تبقى في القلوب, تقرع أصحابها ولو بعد حين, قد تنصح أخاك اليوم ولكن لا يستجيب، وقد يستهزئ ويسخر وقد يسفه رأيك أو يستهجن قولك، ولكن تمضي الأيام تلو الأيام, وتأتي تلك الساعة التي يتأذن الله فيها بدخول تلك النصيحة التي لا زالت عند سمعه حتى تدخل إلى سويداء قلبه يوم تدخل, فينجيه الله بها من النار, فيكون في ميزان حسناتك. كم من إخوان أحبوا في الله أمضوا أوقاتهم في النصيحة والدلالة على سبيل الله, خطوا في دواوين الحسنات أجوراً, وخطوا في دواوين الحسنات مثاقيلاً منها، فطوبى لهم وحسن مآب. أخلص لله في نصحك وتوجيهك, والتمس أفضل الأوقات، وليكن نصحك بتعاهد كما كان النبي ﷺ , وإياك والإكثار من النصيحة، قال الصحابي ﵁ وأرضاه: (كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة) التمس أفضل الأوقات, والتمس أفضل العبارات، وأخرجها من قلبك ولو استطعت أن تلفظ الدمع من عينيك إشفاقاً على أخيك, كل ذلك لكي تفوز بطاعة باريك.

стр. 815

الأسئلة

стр. 816

الدال على الخير كفاعله السؤال أشهدك بالله يا شيخنا الفاضل، أني أحبك في الله وأستمع لمحاضراتك عن طريق الأشرطة, وسؤالي هو: أني أرغب في أن أسمع منك محاضرة عن اليتيم، لما يعايشه في مجتمعنا -في بعض المجتمعات- من معاملة بعض زوجات الأب, والذين هم تحت رعايتهم, وما يعايشه من معاملة قاسية من زوجة الأب؟ الجواب أحبك الله الذي أحببتني من أجله, وأرجو الله أن يوفقني لما سألته وطلبته ولك أجره بالدلالة عليه, والله تعالى أعلم.

стр. 817

حكم قطيعة الرحم وأسبابها السؤال ما هي الوسيلة المناسبة لدعوة قاطع الرحم, حيث أنه يوجد هناك من هم على نسب، لكنهم متقاطعين لا يتزاورون في الله, بل بلغ الأمر بهم أنهم لا يتحدثون مع بعضهم البعض, وحتى السلام لا يلقيه بعضهم على بعض ولا حول ولا وقوة إلا بالله, وما هو الطريق الصحيح لإصلاح القلوب من الحسد والبغضاء؟ الجواب من أعظم وأنجع وأنجح الأدوية أن تذكرهم بالدار الآخرة، فلا يهذب سلوك المؤمن ويقوم طريقه شيء -بعد توفيق الله- مثل ذكر الآخرة, من ظن وأيقن أن أمامه دار اللحود والبلاء, وأن بين يديه الموقف بين يدي الله جل وعلا, فإنه يدعوه ذلك أن يراقب الله في كل صغيرة وكبيرة. قطيعة الرحم من أعظم الكبائر , وأعظم الذنوب وأجلها معصية لله علام الغيوب, ولذلك ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أنه كان إذا جلس في المجلس يقول: [أحرج بالله على قاطع رحمٍ, ألا يجلس معنا, وأن يقوم من مجلسنا هذا] فيقول: إني سمعت خليلي رسول الله ﷺ يقول: (لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم) إذا كان هذا فيمن جاور قاطع الرحم فكيف بقاطع الرحم -والعياذ بالله- ولذلك قال الله فيمن قطع رحمه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. يقال: إن الإنسان إذا قطع رحمه يصيبه الصمم وعمى البصيرة, بمعنى أنه لا ينتفع بموعظة يسمعها بأذنه -والعياذ بالله- ولا يعتبر بآية يراها بعينه, فيختم عليه تماماً والعياذ بالله, فهذه من ثمرات قطيعة الرحم. ومن ثمراتها: أنك تنال إثم من قطعت وذلك إذا كان قريباً ولم تصله, فإن الله يحاسبك عن قطعه, لمَ قطعته؟ كذلك أيضاً من ثمرات قطع الرحم: أنك إذا قطعت الرحم فورثه الابن أو الابنة حملت وزره والعياذ بالله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣] فاتق الله في الرحم، خذ ابنك وعوده زيارة الأقارب, وإذا كان رحمك لا يسلم عليك ويغضب عليك؛ فصله فكأنما تسفه المل كما قال رجل للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إن لي رحماً أصلهم ويقطعونني, وأحسن إليهم ويسيئون إلي, قال: إن كان كما قلت، فكأنما تسفهم المل) , فاعلم أنك الرابح وأنهم الخاسرون, وأنك الناجي وهم الهالكون. أما الطريقة التي تعظ بها من قطع رحمه، أن تنظر إلى الأسباب التي من أجلها قطع الرحم, فإن كانت الدنيا فاقطعها من قلبه, وعلق قلبه بالله ﷻ , وذكره بالأخوة وبالقرابة, قل له: أخوك وابن عمك وابن أختك وابن خالتك أوصاك الله جل وعلا به وهو من البر, تقطعهم من أجل شبر من الأرض يفرق بين الأخ وأخيه, ويفرق بين ابن العم وابن الخال وابن الأخ وابن الأخت، كل ذلك على شبر من الأرض, أصبحت القلوب مليئة بهذا كله, كان الرجل يتنازل عن بيته لأخيه المسلم فضلاً عن قريبه, يراه بحاجة إلى بيت فيتنازل عن ذلك البيت, فإنا لله وإنا إليه راجعون من ضعف الإيمان في قلوب الناس, ما بُلي الناس بهذه المصائب والجرائم إلا بسبب ضعف الإيمان في قلوبهم, فانظر إلى السبب الذي من أجله قطعت الأرحام, وذكرهم بالجنان والنيران, والموقف بين يدي الواحد الديان, وأعلمهم أنها حقوق لا يرضى عنها الرحمن, إلا إذا أديت على الوجه الذي يرضيه سبحانه الديان. فكن -أخي في الله- على بصيرة في تذكيرهم بالله جل وعلا, فكم من نصائح تبذل لقطعة الرحم لا تفيد شيئاً, ثم خذ بالأسباب من اختيار الوقت الذي تؤثر فيه النصيحة والأسلوب المؤثر, نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل, وأن يوفقنا في القول والعمل, والله تعالى أعلم.

стр. 818

حكم من يريد الحج وعليه دين السؤال عليّ ديون لإخوة لي في الله، ولست مطالباً بتسديدها في وقت معين, بل إن بعضهم أعطاها دون أن يفكر في أن ترجع إليه, وأنا أريد الحج فما الحكم وجزاكم الله خيراً؟ الجواب من كان عليه دين فلا يجوز له أن يحج إلا بعد أن يستأذن صاحب الدين, ولكن إذا كان الدين أقساطاً على الشهور وأدى الإنسان قسط آخر شهر كذي القعدة فإنه يجوز له أن يحج, ولذلك لا يجب الحج على المديون, لأنه لم يستطع إلى البيت سبيلاً, وإنما يجب على من يجد فضلاً عن قوته من زاد وراحله, فالمقصود أنك لا تحج إلا بعد استئذانهم. وأما ما ذكرته من أن بعضهم لا يفكر في رجوعه فإياك أن تتساهل في الدين, إذا أخذت أموال الناس فلا يغرك اليوم أنه لم يبالِ بك ولكن خذها وفي عقيدتك أن تردها, قال ﷺ : (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه, ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) فإياك أن تأخذ الدين وأنت تفكر ألا ترده, ولذلك نفس المؤمن مرهونة بدينه, حتى إن الشهيد يستشهد في سبيل الله فيحبس ويرهن -قيل: عن النعيم في قبره- حتى يؤدى الدين عنه, ولذلك لما تحمل أبو قتادة الدينارين, قال: (يا رسول الله، هما عليّ قال: فما زال يلقاني النبي ﷺ في سكك المدينة ويقول: أديت عنه؟ فأقول: لا بعد, حتى لقيني يوماً فقال: أديت عنه؟ قلت: نعم, قال: الآن بردت جلدته) أموال الناس عظيمة, ولذلك جعل الله حرمة المال كحرمة الدم, فإياك أن تتساهل في الدين, وأن يكون همك قبل أن تنام أن تفكر دائماً في سداد الدين, ولذلك استعاذ منه النبي ﷺ فقال: (وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال) فاستعن بالله في أداء حقوق الناس, ونسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم الخلاص من حقوق العباد والله أعلم.

стр. 819

حكم الاقتداء بالحي السؤال هل يجوز أن يقتدى بالحي؟ الجواب أما الحي فإن كان على صلاح واستقامة فهو قدوة, لأن الله أمرنا أن نقتدي بمن أحب, وقال عن عباد الله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] قال بعض العلماء: بمعنى أكثر الخير منا حتى يرانا الناس فيقتدون, ما حيت الأمة إلا بالأحياء, من الذي يبث الخير غير العلماء والدعاة الذين إذا نظرت إليهم ذكرك بالله منظرهم, وإذا استمعت إليهم ذكرك بالله مخبرهم, الحي قدوة إذا كان صالحاً في قوله وعمله, ولا حرج على الإنسان أن يقتدي بحي ولكن لا ينبغي الغلو في الصالحين, ولا ينبغي التنطع واعتقاد صلاح إنسان بعينه, بمعنى أنك تزكيه في جوهره, بعض الناس يطعن أخاه ويقطع رقبته, فيقول: فلان من الصالحين, يا فلان أنت من الصالحين فادع لنا, لا يجوز للإنسان أن يزكي على الله جوهر الإنسان، فيقول: فلان من الصالحين، ولكن يقول: أحسبه ولا أزكي على الله أحداً, أرجو أن يكون صالحاً, أرجو أن يكون فيه خير, أرجو أن يكون رجل خيراً, ونحو ذلك من الكلمات التي لا يتحمل مسئوليتها أمام الله . ولذلك إياك أن تزكي أحداً على الله، قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] ولذلك لا يجوز التبرك بآثار الصالحين, ولا شرب فضلتهم على اعتقاد صلاحهم, ولا التمسح بثيابهم ولا أماكن صلاتهم, ولا عبادتهم لأن ذلك يفضي إلى الشرك -والعياذ بالله- والكفر والخروج من الملة, ومن اعتقد فيهم الاعتقاد الذي يصل إلى الغلو فإنه يكون مشركاً قد حرمت عليه الجنة خالداً في النار مخلداً فيها والعياذ بالله. فإياك والغلو في الصالحين, تأخذ القدوة ولكن لا تبالغ فيه, فإن الأمور بالخواتيم, كان عمران بن حطان آية في علم الحديث وفي الصلاح, تزوج ابنة عمه وكانت خارجية، فقال: أنصحها حتى تتوب، فأصبح خارجياً والعياذ بالله, ونسأل الله السلامة والعافية، ونسأل الله العظيم بعزته وجلاله إذا رزقنا الصلاح أن يثبتنا عليه, وأن يزيدنا منه إلى لقائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 820

حكم الكلام في أعراض المسلمين السؤال لي صديق قديم وأخ كريم دخل على قلبه داخل شك في أهل قبلته ومشاعل دعوته, فكرهني لحبهم, أقترب إليه وهو يهرب مني, أذكره بالخير ويذكرني بالشر, ألقاه مبتسماً ويلقاني عابساً مقطباً جبينه, ولقد قررت أن أزوره وأخشى أن يسمعني ما أكره أو يغتاب عالما ً أو داعية نكاية بي, فكيف أتأدب في زيارته وأبين له ظلامته، شكر الله لكم وحفظكم؟ الجواب هذه المسألة ينبغي للمسلم أن يلتزم فيها بما أمر الله بالتزامه, إذا اختلفت أنت وأخوك في أمر فاعرضه على كتاب الله وسنة النبي ﷺ , وخذ ما ينتقده على من شاء, فاعرض كلامه على كتاب الله وسنة النبي ﷺ , فإن وجدت حقاً قبلته, فالحق أحق أن يتبع, وإن وجدت باطلاً نصحته ووجهته، فإن كان من الذين لا يستمعون النصيحة ويحرصون على الأذية والفضيحة، فإنا لله وإنا إليه راجعون وإلى الله المشتكى, وهو حسبنا وكفى. فينبغي للإنسان أن يعرض الخلاف بينه وبين أخيه على كتاب الله وسنة النبي ﷺ , لا يمنعك إذا خطأك أخوك أن تصغي بإذنك إلى خطئه فلعل الصواب معه, وكذلك أيضاً لا يمنعك إذا رأيته على خطأ وخلل أن تسدي إليه النصيحة. أما ما ذكرته من كونه يصر ويعاند، فالأصل المقرر عند العلماء أن الإنسان إذا كان ممارياً كثير المراء والجدل لا تنفع معه النصيحة, فإن الأولى تركه وعدم الاشتغال به, يا هذا إن العلماء لا يضرهم كلام من تكلم فيهم, يا هذا إنه قد تُكلم فيمن هو خير وأحب إلى الله منا، هذا رسول الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أوذي، ولذلك لما كانت وقعة حنين قال بعض الصحابة: أيعطيهم وسيوفنا تقطر من دمائهم, وقال بعضهم: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله, تقال في النبي ﷺ , فلما بلغت مقالته النبي ﷺ قال ﷺ : (رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) هذا النبي موسى ﵊ يقول الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب:٦٩]-ثم ماذا بعد هذا- ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾ [الأحزاب:٦٩] الله هو الذي يتولى أمر الصلحاء والعلماء والدعاة والأخيار، هو الذي يبرؤهم, وكم من خيِّر شاع وذاع بطعن الإنسان, خيِّر شاع خيره وذاع خبره بسبب كلام الناس فيه, انظر إلى أبي هريرة حافظ من حفاظ الصحابة يقول فيه الإمام ابن حجر: حافظ الصحابة ووعاء من أوعية العلم, جاء في آخر السنة السادسة من الهجرة إلى المدينة فقالوا له: إن النبي ﷺ بخيبر , انظروا إلى حرص هذا الصحابي وفضله على الأمة, ما استطاع أن يجلس ولكن سافر إلى النبي ﷺ بخيبر، لم ينتظره أن يأتي النبي ﷺ ولكن سافر ثم لازم النبي ﷺ ملازمة حتى كان ﵁ كما يصف: [لقد كنت أصرع من الجوع بين منبر النبي ﷺ وبيته, فيأتي الرجل ويضع قدمه على عنقي يظن أن بي الجنون, وما بي الجنون ولكن بي الجوع] يقول: كنت أصحبه على ملئ بطني, يجوع من أجل ألا يفوته مجلس من مجالس النبي ﷺ , اللهم ارض عنه, اللهم أرضه وارض عنه واجزه عنا خير الجزاء, خلال سنوات يسيرة حفظ الآلاف من الأحاديث, تعرفون هذا الحفظ وهذا العناء والتعب ماذا كانت عاقبته؟ عندما أصبح يحدث بالأحاديث قال بعض الناس: أبو هريرة يكذب على رسول الله, صحابي جليل يقول النبي ﷺ عنه: (اللهم حببه إلى عبادك المؤمنين) يقولون: يكذب على رسول الله, إذا كان أبو هريرة يقال فيه: إنه يكذب, فأين نحن؟ يقول ﵁ ذات يوم في مجلس: [يا أهل الكوفة -ويقبض لحيته- أنا أكذب على رسول ﷺ ؟ ثم يقول: الله الموعد] فالموعد بين العلماء وبين من يتكلم بهم في سائر الأزمنة والأمكنة الله، والله الحكم العدل الذي بين يديه تجتمع الخصوم وعندها ينصف الظالم للمظلوم. فلذلك إياك أن تدخل في خلاف العلماء, ولذلك قالوا: العالم مع العالم إذا اختلف كطرفي المقص من دخل بينهم قضم, لا تدخل بين العلماء, ولذلك يا ليت العلماء يختلفون ويرد بعضهم على بعض, الخلاف موجود من قديم, ولكن البلاء ثم البلاء لهؤلاء المتطفلون الذين يورثون الأحقاد بين العلماء, وينقلون الكلام بينهم, وإلا فإن علماءنا أخيارنا وقدوتنا وعلى رءوسنا وأعيننا, ولكن البلاء في نقل الأحاديث من المغرضين، نسأل الله أن يتوب علينا وعليهم وأن يكف بأسهم عن المسلمين. فالمقصود -أخي في الله- أن الكلام في العلماء قديم ليس وليد اليوم, شيخ الإسلام ابن تيمية إمام من أئمة العلم وديوان من دواوين العلم والعمل والدعوة والجهاد والصدع بالحق ونفع المسلمين، وكم نشر الله به من السنن, وأحيا به من الشرائع, ومع ذلك رحمة الله عليه آذاه أعداؤه, فقالوا: يبغض النبي ﷺ وحاشاه, ويبغض الصالحين وحاشاه, فجعل الله كلام أعدائه سبباً في رفعة ذكره إلى يوم القيامة, فاعلم -أخي في الله- أن للعلماء رباً تولى أمورهم, وأن للدعاة والهداة خالقاً لا يضيعهم, وأنها إذا خرجت الكلمات منهم فالله ظهيرهم وهو حسبهم ونعم الوكيل. فلذلك الذي أوصي الإنسان أن يتقي الله في نفسه, لا تسمع لمزاً في العلماء, لا ينظر الله إليك وقد أصغيت بإذنك لإنسان يقع في العلماء, ولذلك إذا أعرضت عن العالم ضررت بنفسك ولم تضر العالم شيئاً, كما قال بعض السلف: يا بني لا تعرض عن العالم, فإنك إن أعرضت عنه أضررت نفسك ولم تضر العالم شيئاً, ولن تضر إلا نفسك, وقال الجد ﵀: فمن صد عنا بحسبه اللوم والقلى ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته يجلس الناس يتكلمون في العلماء وهم أوعية علم فتجلس والله فلان فيه، وفلان فيه وفيه، وتحرم طلب العلم والانتفاع والرواية وأخذ الخير عنه حتى يأتي اليوم الذي ينتقل فيه إلى رحمة الله فتعض على أصابع الندم, وتقول: آه لقد غشني فلان وفلان, وتحمل على ظهرك الأثقال والأوزار بغيبة ولمز العلماء, فلنتق الله ، ونسأل الله العظيم أن يسلمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن, ونسأل الله العظيم أن يصلح أحوال المسلمين وأن يجمع بين قلوبهم, وأن يؤلف بينهم على طاعته ومرضاته والله تعالى أعلم.

стр. 821

الإقبال على الله بالتوبة والندم ينجيان العبد من أن يؤخذ بذنبه السؤال إني شاب ضائع منغمس في المعاصي، وأنا والله لم أكن أقصد حضور هذه الجلسة، ولكن شدني صوتك من خارج هذا المخيم, وأخبرك أيها الشيخ أني فعلت المعاصي, وأنا أشهد الله أني تائب لله على يديك، ولكن أرجوك أن تدعو الله لي في هذا الجمع المبارك والله يحفظك؟ الجواب أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتوب علينا وعليك, وأن يتولى إساءتك بالعفو والصفح, وأن يجعلنا وإياكم وإياه من عباده المنيبين. أخي في الله! أبشر برحمة الله وأحسن ظنك بالله, فما خاب عبد أحسن ظنه في الله, فما ضرته معصيتك ولا نفعته طاعتك, وأبشر بالخطا التي خطوتها إلى هذا المجلس من الذكر, فإن عبداً تاب إلى الله وقد قتل مائة نفس, جاء إلى عالم فقال له: إن قريتك قرية سوء فامض إلى قرية كذا وكذا فإن بها قوماً صالحين, فخرج إلى القرية الصالحة فأدركه الموت في الطريق, فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب, فقالت ملائكة الرحمة: إنه قد جاء تائباً إلى الله, وقالت ملائكة العذاب: إنه قتل مائة نفس آخرها عابد, فأوحى الله إليهم أن يقيسوا ما بين القريتين, وفي رواية: بعث ملكاً إليهم أن قيسوا بين القريتين, وفي رواية: فأوحى الله إلى هذه أن تقاربي أي: قرية الصالحين, كانت بعيدة ولكن قربتها رحمة الله بعباده وحلمه بخلقه, فعزت عند الله تلك الخطوات حتى غفرت دماء مائة نفس من الله ﷻ , مائة نفس غفرت من خطوات لله ﷻ ، خطوات التوبة العزيزة عند الله جل وعلا, يوم تخطو إلى المسجد تائباً من ذنب بينك وبين الله جل وعلا, يوم أن تخطو إلى حلقة ذكر وأنت منكسر وتحس أنك أحقر الناس بذنبك الذي أصبته, فأبشر برحمة الله. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمن علينا وعليكم بالتوبة النصوح, وأن يجعلنا وإياكم من عباده المهتدين, والله تعالى أعلم.

стр. 822

حكم التعلق بالأشخاص وكيفية علاج ذلك السؤال هناك ظاهرة التعلق بالأشخاص فما هو علاجها والسبيل إلى النجاة منها؟ الجواب أما التعلق فبلاء وأي بلاء! ذلك البلاء الذي تتألم وتتأوه منه القلوب, فحق عند الله ثابت لا مرية فيه, معلوم بسنته أن من أحب لغير الله عذبه الله بحب شيء سواه, كل من أحب شيئاً لغير الله عذبه الله بذلك الحب, ولذلك تجد أشد الناس عذاباً أهل العشق, وتجدهم يهيمون في أودية الدنيا، يرتعون ويعذبون ليجمع الله لهم بين عذابي الدنيا والآخرة وهم يفتنون. أعظم البلايا تعلق القلوب بغير الله جل وعلا على وجه لا يرضي الله, إن التعلق اتجاه القلوب إلى الصور والمناظر والجمال, ويجلس الإنسان طليق الوجه حسن العبارة لا لله جل وعلا, وتخرج منه الكلمات المنمقة المعسولة المكذوبة، الفاجرة الجائرة الخارجة عن منهج الله وصراطه, هذا من أعظم البلايا وأشد الرزايا، فلذلك ينبغي للإنسان أن يعلم من قرارة قلبه أن من أشد البلايا وأعظمها انصراف القلب لغير الله ﷻ , فإياك أن ينصرف قلبك أو شعبة من شعب قلبك إلى غير الله ﷻ , واجتهد من الليلة أن تجعل قلبك لله, تمسي وليس فيه إلا الله, وتصبح وليس فيه إلا الله, تتفقد حالك ما الذي فعلته من الطاعات فتشكر الله ﷻ , وما الذي فعلته من المعاصي فتندم وتتوب وتريق الدمعة الصادقة بينك وبين الله ﷻ , تجعل القلب لله فإن القلب مخلوق لله, وما خلقه الله إلا لعبادته ﷻ : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ما خلق الله هذه المضغة إلا لكي تسكن بتوحيده وحبه وتعظيمه وتمجيده، واليقين فيه وإخلاص العمل له ﷻ , ما خلقت لكي تهيم في تلك الأودية السحيقة المليئة بعذاب الدنيا والآخرة. ولذلك كم من شباب ذاقوا حياة التعب والنصب الذي لا يعلمه إلا الله، حتى وصل بأحدهم أنه فتن في صلاته وعبادته نسأل الله السلامة. أما الحل والعلاج والدواء ففي أمور: أولها: دعوة صادقة تهدها في دياجير الظلمات في الأسحار إلى المليك القهار مقلب القلوب والأبصار, تسأله أن يصرف قلبك إليه ﷻ , وقل: يا رب أذنبت, يا رب هاأنا بين يديك أسألك أن تخلص قلبي لك وحدك لا شريك لك، هذا أول أمر. الأمر الثاني: أن تأخذ بأسباب حب الله جل وعلا, لماذا تحب؟ ولماذا تتعلق بمخلوق ضعيف لا يغني عنك من الله جل وعلا شيئاً؟ عذاب ونصب يؤذيك ولا يرضيك, يضرك ولا ينفعك بإذن الله ﷻ , فما الذي تريد منه؟ هل إذا مرضت يشفيك؟ هل إذا ضللت يهديك؟ هل يطعمك ويسقيك؟ لا يغني عنك من الله ولا من باريك شيئاً, فاتق الله. ينبغي للإنسان أن يحس أنه لا ينفعه ذلك شيئاً عند الله جل وعلا, فخذ بالأسباب التي من أعظمها الدعوة الصادقة أن يخلص الله قلبك له وحده لا شريك له. السبب الثاني الذي يعين على انصراف القلب عن التعلق -وهذا من أقوى الأسباب-: ألا يقع التعلق إلا بسبب خلل في الصلوات الخمس, خذوها قاعدة لن يقع شاب ولا شابة ولا رجل ولا امرأة ولا صغير ولا كبير في معصية إلا بسبب التفريط في الصلوات الخمس, فإذا أردت أن يعصمك الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن فأعط هذه الصلوات الخمس حقها وقدرها, دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ [البقرة:٤٥]-يا عبادي يا من آمنوا بي، استعينوا بماذا؟ استعينوا بالصبر إذا ابتلاك تصبر ﴿بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] , وقال تعالى في الآية الثانية: ﴿أَقِمِ الصَّلاة﴾ [الإسراء:٧٨] أقمها خالصة صادقة، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت:٤٥] ما قال: والصلاة، إنّ: حرف توكيد يثبت الأمر ويحتمه, ﴿إِنَّ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت:٤٥] أي: إذا أعطيتها حقها وقدرها، ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] بمجرد ما تعطي الصلاة حقها في الوضوء والطهارة, بدل أن تأتي في الركعة الأخيرة تأتي مع تكبيرة الإحرام أو تأتي عند الأذان, بل تأتي قبل الأذان فلا يؤذن إلا وأنت في المسجد, فتخرج يوم تخرج من المسجد وأنت آخر من يخرج, فتنادي بتلك الدعوة وتصعد إلى السماء: حفظك الله كما حفظتني, دعوة من عبادة تفتح لها أبواب السماء تذهب هدر, ولذلك جرب والله ما من صلاة تتم طهارتها وركوعها وسجودها إلا حفظك الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن كالصلوات الخمس. ثم إذا أردت أكمل من ذلك فأكثر من النوافل, فإن وجدت قلبك يحب زيداً وعمراً لجمال أو لمال أو لحسب أو لنسب فقم واركع بين يدي الله جل وعلا, واصرف هذه اللحظات لله جل وعلا, واجعل في آخر الصلاة لك دعوة, فإن من مظان الإجابة أدبار الصلوات, فاجتهد في الصلاة فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر, فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يخلص قلوبنا بالحب له ﷻ , وألا يبتلينا بحب أحد سواه. ثم هناك أسباب دنيوية، فانظر إلى هذا الشخص الذي تعلق قلبك به, يحب غيرك ويتعلق بغيرك, فلماذا تعلق القلب به؟ ثم انظر إليه في أشنع الصور, انظر إليه في أحقر الصور, انظر إليه نائماً ذليلاً، إذا نام سال لعابه على وجهه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً, مخلوق ضعيف تافه حقير لا يغني عن نفسه من الله شيئاً, تصرف شُعب قلبك الذي هو نجاتك وهلاكك إلى هذا العبد المسكين, فلذلك ينبغي للإنسان أن يجتهد في هذه الأمور. ومن الأسباب التي تدفع التعلق كثرة غشيان حلق الذكر, والتأثر بالمواعظ, وعرض القلوب على الآخرة من مشاهدها ومن زيارة القبور وتفقد مجالس الصالحين, والفرار من الجلوس مع المرد, إياك أن تجلس مع الأمرد إذا وجدت فتنته في قلبك, إياك أن تختلي به, إياك أن تحرص على مجالسه, إياك أن تحرص على زيارته, ولكن تفر منه فراراً من الله إلى الله, فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يسلمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، والله تعالى أعلم.

стр. 823

الأخوة الصادقة . والأخوة الدنيوية السؤال ما رأيك فيمن تصاحبه في الله ويعرض عنك لا لشيء، وإنما لأشياء دنيوية ليس لها ذلك الشأن, فأرجو أن توجه تلك النصيحة لهؤلاء الشباب الذين يفعلون مثل ذلك؟ الجواب باسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه, أما بعد: أنت تشتكي -يا أخي في الله- من تغير قلوب بعض إخوانك وخلانك الذين يحبونك في الله، ثم يعرضون لأمور من الدنيا، هذه من البلايا التي تكون في الحب في الله, أن يعرض الإنسان عن أخيه لفقر يده أو مسكنته أو رثاثة حاله, فكم من أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره, قال بعض العلماء: من أسباب إجابة الدعاء ثلاثة أشياء: ١/ رثاثة الإنسان, كأن يكون فقيراً لا مال عنده. ٢/ رفعه الكف إلى السماء. ٣/ طول السفر. استنبطوا ذلك من الحديث الصحيح عن النبي ﷺ , أما رثاثة الثوب فقال فيه النبي ﷺ : (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) فالله لا يزن الناس بثيابهم, ولا مناظرهم, ولا ألوانهم, ولكن بقلوبهم وأعمالهم, فإذا أحببت أخاً في الله ورأيت عليه رثاثة المنظر وصدق العبودية لله فأحبه من كل قلبك, فإن الحب لله لا لشيء سواه. وأما الصفة الثانية وهي: طول السفر, والصفة الثالثة وهي: رفع الكف, فقد ذكرها النبي ﷺ بقوله: (. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يارب! يارب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنىّ يستجاب لذلك) فذكر أبلغ صفات الدعاء والتضرع فجمع الثلاثة الأوصاف, فالمقصود أنه لا يُلتفت إلى المظاهر, فكم من مظاهر رثيثة لا يعبأ بها الإنسان ولكنها تبطن جواهر عزيزة عند الله جل وعلا, كان أصحاب النبي ﷺ إذا سجد الواحد منهم في الصلاة بدت عورته من وراء ظهره, ﵃ وأرضاهم. وخرج مصعب بن عمير من الدنيا بشملة إذا غطوا بها وجهه بدت قدماه, وإذا غطوا بها قدميه بدا بها وجهه, فقال ﷺ : (غطوا بها وجهه, واجعلوا على رجليه إذخراً أو شيئاً من الإذخر) هذا الذي خرج به من الدنيا, صحابي جليل شهير قتل في سبيل الله, وخرج من الدنيا بشملة, فلو رأيت هذا الصحابي في حالة رثاثته ومنظره، كيف يكون الحال؟ ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] نزلت حينما قال أعيان قريش والأغنياء والأثرياء: يا محمد، نحِّ السفهاء عنك -هؤلاء السفهاء الذين هم أذلاء حقراء في الدنيا نحهم عنك- حتى نجلس معك, فأنزل الله عليه: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام:٥٢] وقال في الآية الثانية لنبيه: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢] فلا تعرضن عن أخيك في الله ليكن قلبك قلباً حياً مؤمناً بالله ﷻ , يعامل الناس بإيمان صادق, لا بالمظاهر ولا بالصور ولا بالدنيا ولا بالغنى ولا بالمراتب ولا بالوظائف ولكن لله ﷻ , ينظر الله إليك عبداً مؤمناً صادقاً تلقى أخاك قلبك كقالبك، تبشّ بوجهه وتبدي له السرور ولو كان حقيراً في منظره, حقيراً في ثوبه, وفي ذاته, ولكن تكرمه لله ﷻ , ولذلك قال ﷺ : (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ -من هم الأغنياء أو الأثرياء أو الرفعاء؟!! - أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً) , ما معنى الموطئون أكنافاً؟ أناس متواضعون إذا جاءهم الذين فيهم ذلة المنظر أقبلوا عليهم كما يقبل على من عز منظره, وقد يقبل الإنسان المؤمن الصادق على أخيه في الله ذي المنظر الرث أكثر مما يقبل على الغني. فهذا أمر أطلت فيه للحاجة الماسة، فكم من أواصر حب في الله تغيرت حينما أحس أخوك أنك تحبه للدنيا, فرآك تهش لأخ ثري أكثر مما تهش لإنسان فقير ضعيف, فزن إخوانك بالدين, وليكن مبدؤك وميزانك مبدأ رب العالمين, والميزان الذي نصبه للعالمين ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم ممن أحب فيه صادقاً، والله تعالى أعلم.

стр. 824

كلمة أخيرة هذه رسالة من هيئة الإغاثة الإسلامية بالطائف أحب منكم أن تستمعوها, يقول: فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, يشاء الله أن يعيش المسلمون اليوم مرحلة حرجة جداً لعلها بإذن الله تمثل آخر الليل الذي خيم على الأمة الإسلامية، والذي سيعقبها بإذنه تعالى فجر جديد من العمل والأمل, ولعله لم يعد خافياً على أحد تلك المآسي الرهيبة، وصنوف الهوان التي تلحق بالمسلمين في أماكن كثيرة من العالم، كالبوسنة والهرسك وليبيريا وكشمير والهند والصومال وموزمبيق وبورما وكردستان وفلسطين وأماكن كثيرة, حتى أصبح اللاجئون تزيد نسبتهم عن (٩٠%) في العالم, وأمست الأقليات المسلمة تعاني من هدر لحقوقها في حين تواصل المنظمات الأجنبية عمليات تهجير للأطفال والأيتام. خلاصة الأمر: أعينوا إخوانكم أعانكم الله، وابذلوا فإنه لا يضيع البذل عند الله. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 825

وصايا لطلبة العلم العلم كالغيث للقلوب، يحيي الله به الأفئدة بعد موتها، ويوقظها من رقدتها، وينبهها من غفلتها، وهذا العلم لا يكون رحمة حقيقية للإنسان إلا إذا كان خالصاً لوجه الله، مع العمل به في أرض الواقع والحقيقة.

стр. 826

قواعد ووصايا لطلبة العلم الحمد لله العظيم الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعالى عن الشبيه والمثيل، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، الذي أرسله هادياً ودليلاً، فنعم الهادي والدليل، اللهم صل وسلم عليه، وعلى آله، وأتباعه إلى يومٍ تصير فيه الجبال كالكثيب المهيل. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وفي بداية هذا اللقاء فإنني أشكر بعد شكر الله جامعة أم القرى، ممثلةً في عمادة شئون الطلاب، أن هيأت هذا اللقاء بكم على هذه الأرض الطيبة المباركة، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يكتب لنا ولكم الخُطا، وأن يجعلها موجبةً عنده للمحبة والرضا. أيها الأحبة في الله! يا معشر طلاب العلم! يا من اختاركم الله من بين الناس، لكي تأخذوا مشاعل النور والهداية، فيفتح الله بكم إذا شاء قلوباً طالما أُغْلِقت، وأسماعاً قد صُمَّت، وأعيناً طالما عَمِيت، والله على كل شيء قدير، فلِلَّهِ في أهل الخير نعم، ومن أجلِّها أنه شرفهم بالخير وجعلهم هداةً وحَمَلةً له، وأنتم يا معشر طلاب العلم! يا من فتح الله قلوبكم بكتابه، ونوّر أبصاركم وبصائركم بسنة رسوله ﷺ ، كم نحن بحاجة إلى أن نقف أمام هذا الحق العظيم، وهو حق طلب العلم، وكم يحتاج طالب العلم دائماً إلى من يذكره بجليل هذه النعمة وعظيم هذا الحق، فلذلك كانت هذه الكلمة، التي أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا فيها القول السديد، وأن يجعلها نافعةً لنا ولكم يوم البأس الشديد. أيها الأحبة في الله! إن العلم كالغيث للقلوب، يُحيي الله به الأفئدة بعد موتها، ويُوقظها بعد غفلتها، وينبهها من بعد منامها. هذا العلم لا يكون رحمةً حقيقيةً للإنسان إلا إذا أخلص فيه لوجه الله الكريم، فأول ما يُوصَى به طالب العلم، أن يكون قلبه لله ﷻ ، أن تكون السريرةُ سريرةً تقيةً نقيةً، تراقب اللهَ ﷻ ، وتريد ما عند الله ، في كل صغيرٍ وكبير، وفي كل جليلٍ وحقير.

стр. 827

الإخلاص لله القاعدة الأولى التي تقوم عليها هذه العبادة الجليلة، وهي: عبادة العلم: الإخلاص لله :- أن نتجه إلى الله بقلوبٍ ليس فيها أحدٌ سواه، فيأخذ طالب العلم هذا النور وهذه الرحمة وقلبه يريد ما عند الله ﷻ ، يأخذ هذا النور وهو يرجو رحمة الله في كل كلمةٍ يسمعها ويقولها، فتكون أشجانُه وأحزانُه لله ﷻ ، فلا يزال بهذا الإخلاص تخطو به في صحيفة عمله الحسنات، ويستوجب بها عند الله رِفْعة الدرجات. الإخلاص الذي رفع الله به شأن العلماء، وجعل عبادتهم بريئة من غير الله ، وهو السر الذي فضَّل الله به سلف هذه الأمة على خَلَفها، ولذلك قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: بل إخلاص الدين لله هو: الدين الذي لا يقبل الله سواه. فلا قبول لهذا العلم، ولا قبول للتعلم والتعليم إلا إذا أراد الإنسان وجه الله الكريم.

стр. 828

فتح الأسماع والقلوب للعلم الوصية الثانية: أن نفتح لهذا العلم أسماعنا وقلوبنا، وأن نحس أن هذه الأسماع -حقيقةً- تتشرف وتتكرم بكلام الله ورسوله ﷺ :- أن ينطلق طالب العلم وهو يشتعل قلبه شوقاً لكلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فيفتح قلبه وقالَبه لماء الوحي، حتى إذا نزل ذلك الماء على ذلك القلب كان كالغيث الطيب على الأرض الطيبة؛ وما من إنسان يُعطِي العلم سمعه وقلبه، إلا نفعه الله بهذا العلم، ولذلك كانت أول وصيةٍ من الله لموسى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣]. وأن نستمع للعلم، وأن يكون عندنا الشوق والتلهف إلى مجالس العلماء، وإلى حِلَقِ العلماء، وأن ننطلق إلى رياض الجنة ننافس فيها إخواننا، ونسابق فيها خلاننا، حتى نكون على أفضل ما يكون عليه المجد في طاعة الله . إن هذا العلم رحمةٌ من الله ، وكلما ازداد الإنسان من هذه الرحمة رفع الله قدره، وأجلَّ مكانه، وأعلى ذكره. وأن نفتح لهذا العلم أسماعنا، وأن نفتح له قلوبنا، وكان بعض السلف يقول: [من استمع للعلم وأعطاه قلبه، فإن الله ينفعه لا محالة بهذا الاستماع للعلم]. وأن نفتح لهذا العلم كل جوارحنا. فإذا وفق الله طالب العلم لكي يكون عنده الشوق إلى مجالس الذِكر ومجالس العلماء ورياض العلماء؛ فإنه لا يلبث بعد فترة حتى يجمع خيراً كثيراً.

стр. 829

ترجمة العلم إلى الواقع الوصية الثالثة: أن يُتَرْجِم هذا العلم للواقع:- أن يخرجه الإنسان من قرارة القلب إلى القالَب، أن نخرج الأقوال والهدي الذي نسمعه إلى الواقع، فبعد أن يتأثر طالب العلم بالوحي، ويسكن في قرارة قلبه يستمسك به، ويطبقه، ويلتزمه، قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف:٤٣] قال: استمسك، ولم يقل له: أمْسِك، وإنما قال له: استمسك؛ فالاستمساك بهذا الدين: إذا تعلم طالب العلم سنة أو حكمة تمسك بها، وعمل بها، وأشهد الله على أنه من أهلها؛ فإذا سمعتَ حديثاً عن رسول الله ﷺ يدعو إلى سنة أو يدعو إلى خيرٍ وهدى؛ فكن عاملاً بذلك العلم، كن مطبقاً له، تترجمه على جوارحك، ولذلك إذا وفق الله طلاب العلم إلى العمل بعد العلم، جعلهم قدوة، قال الله في كتابه عن علماء بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]. ترجمة العلم إلى الجوارح فيه حياة العلم، وكم من سننٍ حيت لما خرج طلاب العلم، فنشروها أمام الأمة بلسانٍ يذكرُ الله وجوارح تترسم هدي الله وهدي رسول الله ﷺ ، تطبيقُ العلم وترجمتُه بالعمل، وإخراجِه إلى الواقع حتى تراه الناس، فحينما تراك ترى السنن في أقوالك، وترى السنن في أفعالك، فبعض طلاب العلم إذا رأيته تذكرت هدي النبي ﷺ ، ومن طلاب العلم من شرح الله صدره للعلم والعمل، حتى إذا رأيته ذكرت الله، إذا رأيته قد عمل بما عَلِم.

стр. 830

الصبر والتحمل واحتساب الأجر الوصية الرابعة والأخيرة التي أختم بها هذه الكلمة هي: الصبر والتحمل واحتساب الأجر: طالب العلم يعامل الله، والمعاملة مع الله فيها ابتلاء واختبار وامتحان، ولا بد لطالب العلم أن يَجِدَ الشدائد، وأن يَجِدَ المحن، وأن يَجِدَ من يثبطه ومن يخذِّله. فأول صبرٍ يُوصَى به طالب العلم: الصبر على وساوس الشيطان: فإن الشيطان لن يدع لطالب العلم باب خيرٍ يطرقه إلا وجاءه من كل حدبٍ وصوبٍ حتى لا يَبْلُغَه، لا يمكن أن يترك طالب العلم وأن يُخَلِّي بينه وبين الخير؛ لأن الله أخبر أن المؤمن مبتلىً، ودرجة طالب العلم فوق درجة المؤمنٍ العامِّي، فلا بد أن يكون مبتلىً، تعيش مع نفسك في الوساوس، فأول ما يأتي الشيطان للإنسان يخذِّله، يقول له: مَن أنت؟! من أنت حتى تطلب العلم؟! فلستَ بعالم، ولا أبوك بعالم، ولستَ من بيت علم، حتى يخذِّله عدو الله، ويجعلَ في قلبه اليأس من رحمة الله، والقنوط من روح الله. فما على طالب العلم إلا أن يُحسن الظن بالله، وأن يقول: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤]. فمَن فهَّم سليمان وعلَّم داوُد قادرٌ على أن يفهِّمك ويعلِّمك؛ فأحسِن الظن بالله ﷻ ، وكم من طلاب علمٍ كانوا على جاهلية وبُعْدٍ من الله ﵎؛ ولكنهم أحسنوا الظن بالله! فما مضت الأيام ولا انقضت الأعوام إلا وهم أئمة هدى، ومشاعل خيرٍ وحب لله ورضا، فأحسِن الظن بالله ﷻ ، وكن قوي العزيمة على طاعة الله، وقد تأتيك المحن التي تحتاج إلى الصبر في أهلك وذويك؛ فتجد من يخذِّلك عن طلب العلم، ويجعل العوائق بينك وبين طلب العلم من حاجات الناس، وحاجات الأهل وأغراضهم، فاستعن بالله، فإنه نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ. لا بد من الامتحان والاختبار حتى في طلب العلم، ولا يزال طالب العلم يُبتلَى ويمتحَن، حتى أنه يبتلَى وهو في مجلس العلم، ويُختبَر حتى في العلم الذي يتعلمه، ولذلك إذا نظرت إلى النبي ﷺ وجدته من أول لحظةٍ في الوحي إلى آخر لحظةً من الدنيا وهو يتقلب في البلاء صلوات الله وسلامه عليه. فأول لحظةٍ في الوحي: أخَذَه جبريل فغَطَّه حتى رأى الموت. وآخر لحظةٍ من الدنيا قال فيها: (آه! إن للموت لسكرات). فلا بد من البلاء، ولا بد من الامتحان، ولذلك حكمةٌ من الله أنه جعل الدنيا دار بلاءٍ وعناءٍ وعِنَّةٍ على المؤمن؛ ولكن هذا البلاء رفعةٌ للدرجات، وتكفيرٌ للسيئات، ومضاعفةٌ للأجور والحسنات، وكم من إنسانٍ صُبَّ عليه البلاء فأمسى يوم أمسى وصحيفته مملوءةٌ بأجورٍ لا يجدها بكثير صلاةٍ ولا صيام. فاصبر على طلب العلم واحتسب البلاء الذي تجده، واحتسب عند الله ما يقال عليكَ أو يقال لك، فقد يُبْتَلى الإنسان حتى بمدح الناس وَثنائهم، فإن الجاه والسمعة والشهرة قد تقتل الإنسان من حيث لا يدري، فما على الإنسان إلا أن يجاهد ويحتسب عند الله أن يثبته وأن يوفقه. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم أئمة هدى، هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. أحبتي في الله: إن العلم مسئوليةٌ عظيمة، وواللهِ ما من جماعةٍ انفردوا بهذا العلم وأخذوا على أنفسهم أن يكونوا طلاب علم إلا تحملوا المسئولية بين يدي الله عن ذلك، ولذلك كل طالب علمٍ دخل إلى جامعة، أو جلس في حلقة، أو لازمَ شيخاً فليعلم أنه بمجرد دخوله وبمجرد ملازمته قد وَضَع قدمه على عتبة المسئولية بين يدي الله ﷻ ، وأنه سيحمل على ظهره أمانة يُوقف بها بين يدي الله، إما أن تشقيه وإما أن تسعده وترضيه. فاعلموا إخواني أن التخصص في العلم وحل هذه الحِكَم من الكتاب والسنة ما هي إلا حجج تكون للإنسان أو على الإنسان. جاء بعض السلف إلى أم المؤمنين عائشة ﵂، وكان يسألها المسائل، فقالت له يوماً من الأيام: [أَيْ بُنَي، أَكُلَّ ما عَلِمْتَه عَمِلْتَ به؟! فقال: يا أماه، إني مُقصر. وجلس يشتكي من تقصيره، فقالت له: يا بُنَي! لِمَ تستكثر من حُجَج الله عليك؟!]. فينبغي لنا أن نستشعر أن هذا العلم الذي نتعلمه حُجَجٌ لله علينا، وأن وراءنا أمم تنتظر هذا الوحي بفارغ الصبر، وراءك أهلُك ينتظرون هذا العلم الذي تتعلمه، وراءك حيُّك ينتظر هذا العلم الذي تتعلمه، وراءك أهلُ بلدتك وعشيرتك ينتظرون هذا العلم الذي تتعلمه، فاتقِ الله فيما تعلمتَ، وكن غيوراً على هذا الدين، وبُث الحِكَم من كتاب الله وسنة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين. فاحتسبوا -إخواني- الأجر عند الله، واعلموا أن هذا العلم لا يُراد به الدنيا، وإنما يُراد به ما عند الله، قال ﷺ : (مَن تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله لينال به عرضاً من الدنيا لم يرِح رائحة الجنة). اللهم إن نسألك الإخلاص في العلم والعمل، ونسألك بعزتك وجلالك أن تجعل هذا العلم حجةً لنا لا حجةً علينا. وآخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه، وآله وصحبه أجمعين.

стр. 831

الأسئلة

стр. 832

حث للشباب وطلبة العلم على الاهتمام بقضايا الأمة والمسلمين السؤال نطلب من فضيلة الشيخ كلمةً -تحثُّ الشبابَ- عن دور طالب العلم نحو قضايا هذه الأمة والمسلمين، علماً بأنه يوجد في هذا المخيم معرض عن أحوال المسلمين في أنحاء العالم. فكلمةً نودُّها من شيخنا الفاضل لإخوانه ولطلابه تحثهم على الاهتمام بهذا الأمر، وعلى جمع التبرع لإخواننا المسلمين، علماً بأن هناك مكتباً خاصاً لهيئة الإغاثة قد عمل معرضاً في هذا؟ الجواب الله المستعان! وإلى الله المشتكى، ماذا يقول الإنسان -حقيقةً- في جراحٍ لا تزداد إلا نزيفاً؟! لكن نسأل الله العظيم أن يجبر كسرهم. الحقيقة: عَظُمَت الفتن والمحن، وخاصة في هذا الزمان، وتكالَب أعداء الله ورسوله على أولياء الله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨] تكالب الأعداء من كل حدبٍ وصوب على أولياء الله، يقتِّلونهم، ويشرِّدونهم، وييتِّمون أطفالهم، ويرمِّلون نساءهم، وكان من البلاء ما لا يعلمه إلا الله ﷻ . فالذي أوصي به إخواني في خضم هذه الفتن والمحن ما يلي: أولاً: التعلق بالله ﷻ واليقين بِهِ سبحانه: فما يقف المؤمن أمام الفتن والمحن بشيء مثل وقوفه باليقين بالله ﷻ ، وهذا اليقين يغرس في قلبه إيماناً كاملاً بأن الكلمة كلمة الله، وأن الدين دين الله، وأن الرسالة رسالة الله، وأنها ستَبْلُغ ما أراد الله أن تَبْلُغ وإن رَغِمَت الأنوف، وذلت لله ﷻ . فأول ما أوصي به: ألا تكون هذه الفتن سبباً لتحبيط الهمة، وضعف النفوس؛ ولكن تكون سبباً لقوة الإيمان بالله، وقوة التعلق بالله، والالتجاء إلى الله . فينبغي أن يكون عندك يقين بأن أعداء الإسلام مهما فعلوا فإن الله وراءهم، ولهم الرصد، وهو ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠]. عندما دخل التتار على دولة الإسلام وخلافة المسلمين وضعوا تراث الأمة في نهر دجلة، حتى ساح بلون المداد، تراثُ أمةِ قرونٍ عديدة وُضِع في النهر؛ لكي تسير الخيول عليه لتعبر نهر دجلة، حتى أصبح ماء دجلة متلوِّناً بلون المداد، فهل انتهى الإسلام؟! أبداً، بل عاد يُمَكَّن أقوى مما كان عليه، فالإسلام دين يَغْلِب ولا يُغْلَب، ويَنْفُذُ ولا يُرَدُّ، لا يستطيع أحدٌ أن يقف في وجهه. جاءت سخينة كي تغالب ربها وليغلبن مغالب الغُلابِ مَن هذا الذي يستطيع أن يقف أمام ملك الملوك؟! ومن هذا الذي يستطيع أن يطفئ نور الله ﷻ ؟! إن هذه الفتن لَمَّا نسمعها تؤلم القلوب؛ ولكن الذي نخشاه أن شباب الصحوة أو الشباب الأخيار قد تخور قواهم أمام هذا السيل الجارف من الكيد للإسلام والأذية لعباد الله؛ ولكن صبرٌ جميلٌ، فإن الله بالرَصَدِ، والله يُمْهِل ولا يُهْمِل، والقوة لله، والأرض أرضُ الله، والكون كونُ الله، والخلق خلقُ الله، والأمر أمرُ الله، ولَيُنَفَّذَنَّ أمرُ الله ﷻ . فعندما كان النبي ﷺ في المدينة كان من عجيب ما يقع غالباً أنه إذا اشتدت الفتن والمحن يجعل الله فَرَجَها من حيث لا يدور بالحسبان، فكل ما اشتدت الفتن على المؤمنين خاصةً الفتن التي يراد بها الدين يأتي الفرج منها غالباً من حيث لا يحتسب المؤمن. فانظر في غزوة بدر، حيث التقى المسلمون بالكفار، فكانت الغلبة للمسلمين؛ لكن القتال قتال ماذا؟! قتالٌ حِسِّي. لكن يوم الأحزاب قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ. ﴾ [الأحزاب:١٠] الله أكبر! نبي الله والصحابة الذين هم صفوة الأمة يقول الله عنهم: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ. ﴾ [الأحزاب:١٠]! وماذا بعدها؟! ﴿. وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠] ما معنى ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠]؟! معناه: أنه بلغ بالصحابي، مرتبةً مِن كيد الشيطان، سبحان الله العظيم! قد يدخل الشيطان على الإنسان بشيء من الهم والغم ما يعلمه إلا الله ! يقول الله عن هذا الأمر العظيم: ﴿هُنَالِكَ. ﴾ [الأحزاب:١١] ما قال: هناك؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ﴿هُنَالِكَ. ﴾ [الأحزاب:١١] أي: في ذلك المقام العظيم من الابتلاء والامتحان، ﴿. ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ. ﴾ [الأحزاب:١١] ليس ابتلاءً واحداً، بل ﴿. وَزُلْزِلُوا. ﴾ [الأحزاب:١١] انظر كيف يكون الزلزال إذا ضرب أرضاً! فكيف بزلازل القلوب؟! فكذلك تُزَلْزَل مثلما زُلْزِلَ الصحابة، ﴿وَزُلْزِلُوا. ﴾ [الأحزاب:١١] كما قال الله عن الأنبياء وصفوة الأنبياء في ذلك الأزمنة، قال: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١١] إذا كان الله زلزل الصحابة زلزالاً شديداً؛ فكيف بنا نحن الفقراء؟! فالكُفْرُ مِثْلَما مَرَّ، الحق هو الحق، والباطل هو الباطل، وإن تغير الستار، وتبدل الشعار؛ فهو ملة الكفار، شئنا أم أبينا؛ وإنما هي أيامٌ تَمُرُّ؛ ولكن الحقيقة واحدة، حقٌّ وباطل. فإياكم ثم إياكم أن تكون هذه المآسي المؤلمة -ولا شك أنها جارحة للقلوب ومؤلمة للقلوب- لكن لا ينبغي أن تكون سبباً للتخذيل، بل ينبغي أن تكون سبباً لقوة الشكيمة: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦] إنه اليقين، فما تقف أمام الشدائد والمحن والفتن بشيء أقوى من اليقين بالله ﷻ ، وأن يكون عندك قوة ثقة بالله في أن الكلمة ستَنْفُذ، وأن الأمر سيمضي، إن عاجلاً أو آجلاً. الأمر الثاني: ينبغي أن نأخذ بالأسباب: وهي: إلهية، وكونية، أي: شرعية، وكونية. فالشرعية هي: ما أمرنا الله بها، ومن أعظمها: الدعاء:- أن نكثر من الدعاء لإخواننا، فأقل ما فيه أنك في السحر إذا أوترت ودعوت لإخوانك تترجم عما في قلبك من أنك بذلت شيئاً لإخوانك، فتدعو لهم، وتذكَّر -أخي- أرملة من المسلمين فقدت زوجها من أجل لا إله إلا الله! تصوَّر أنها لو كانت قريبتك أو كانت أمك أو أختك أو ابنتك فكيف يكون حالك؟! هل يهنأ لك العيش؟! هل يهنأ لك البال؟! هل ترتاح؟! فلذلك يجب أن تدعو لهم وأن تستشعر أن إخوانك يفتقرون منك الدعوة الصالحة، والدعاء سلاح المؤمن، فيجب أن نكثر من الدعاء لإخواننا، وأن نجعل هذا الدعاء أشجاناً وأحزاناً مع أشجان إخواننا وأحزانهم. والكونية هي: الأخذ بالأسباب التي نؤمر بها في الدين:- بأن نعد لأعدائنا ما أمر الله بإعداده، فمن استطاع أن يعين بنفسه فليُعِن بنفسه، ومن استطاع أن يعين بماله فليُعِن بماله، ومن استطاع أن يعين بالكلمة التي تدل على افتقاره وحاجته للوقوف معي فليَقُل. فينبغي أن نكون مع إخواننا، فنعيش أشجانهم وأحزانهم، ولذلك لما بلغ خبر مقتل عثمان ﵁ إلى أبي حميد الساعدي قال: [اللهم لك عليَّ ألاَّ أضحك أبداً] وذلك من شدة ما سمع من مصاب أخيه في الله عثمان الخليفة الراشد، فكيف بأعراض تُنْتَهك! ودماء تُسْفَك! وغيرِ ذلك مِن نساءٍ للمسلمين يُرَمَّلْن! ويُيَتَّم أطفالهن؟! وإلى الله المشتكى. فالذي نحب أن نقوله: أنه ينبغي أن نوطِّن أنفسنا، وأن نعد العدة لأعداء الله -وذلك لِمَا ذكرنا-، على قدر استطاعة الإنسان ووسعه، فيبذل كل ما يستطيع لإعانة إخوانه والوقوف معهم، ويقف الوقفة الصادقة. الأمر الأخير: الإخلاص:- إذا أردنا أن نقف مع إخواننا يجب أن نقف بإخلاص، ولَمَّا يتحدث الإنسان في هذه القضايا يجب أن يتحدث بإخلاص، فلا يتحدث من أجل غَلَبَة شخصية، أو حَنَقٍ شخصي أبداً، بل يجب أن يتحدث من واقع إسلامي وبشعور إسلامي نابع من القلب يريد وجه الله، حتى تكون الكلمات هادفةً ومؤثرةً وبالغةً إلى القلوب. اللهم إن نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تعجِّل لإخواننا بالفرج. اللهم انصر المستضعفين من عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أجمعين. اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك بأعداء الدين. اللهم يتِم أطفالهم، ورمل نساءهم، وشتت شملهم، وفرق جموعهم، وأنزل عليهم بأسك الذي لا يرد على القوم الظالمين. اللهم إنا نسألك ثباتاً في هذه المحنة يرضيك عنا يوم لقائك. اللهم ثبت قلوبنا بتثبيتك. اللهم إنا نسألك اليقين بك، والتوكل عليك، وصدق الالتجاء إليك. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم إنا نسألك لإخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها أن تشفي مُصابهم. اللهم اجبر كسرهم. اللهم أطعم جوعاهم. اللهم اسقِ ظمآهم. اللهم ارحم موتاهم. اللهم ارحمهم برحمتك الواسعة. اللهم أنزل عليهم من الصبر والسلوان والثبات أضعاف ما أُنْزِل عليهم من البلاء. اللهم أزل عنهم العناء. اللهم اكشف عنهم البلاء. اللهم كفر بذلك ذنوبهم. اللهم ثقل به موازين حسناتهم، وارفع به درجاتهم، وتقبل شهداءهم، برحمتك يا أرحم الراحمين. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. وآخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 833

مواقف من حياة والد الشيخ/ محمد الشنقيطي السؤال نرجو من شيخنا الكريم أن يعطينا بعض الأشياء عن حياة أبيه، وبعض المواقف! وهذه أمنية كل طالبِ علمِ سَمِعَ بأبيكم ويريد أن يعرف هذا الشيخ العالم الرباني، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب والله إن هذا سؤالٌ مفاجئ، والمشكلة أن الشخص إذا فوجئ بالسؤال لا يكون مستحضراً، فالله المستعان. من أهم الأمور التي كنتُ ألمسها في الوالد -رحمة الله عليه-: قضية الإخلاص: فقد كان أهم ما يعتني به -عليه رحمة الله- قضية إخلاص العمل لله ﷻ ، وأذكر أني ذات مرة راجعتُه في مسألة، وكان فيها دَخْلٌ من الدنيا؛ فقال لي: يا بني! إن الله عليم بذات الصدور. واللهِ إن هذه الكلمة إلى الآن في قلبي، كلَّما وجدتُ شيئاً مِن دَخْل الدنيا تذكرتُ قوله: إن الله عليم بذات الصدور، فقال: بذات ولم يقل: بالصدور: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال:٤٣] أي: بحقائق ما فيها من إرادةِ وَجْهِهِ، أو إرادةِ الدنيا. كذلك مما أذكره فيه -رحمة الله عليه-: كثرة العبادة الخفية: فقد كان يجلس مع الناس ولا تَظْهَر عليه كثرة العبادة؛ ولكن ما إن يخلو بجوف الليل حتى أسمع نشيجه وبكاءه من غرفته رحمة الله عليه. وأذكر أنه كان كثير القيام في الليل: حتى إنني أذكر ذات مرة أنه كان هناك أحد المشايخ يستبعد أن يختم الشخصُ القرآنَ في ليلة، ويقول: إنه بعيد جداً. فجئت إلى الوالد ﵀، وكنت حينها في السنة الثانية من الكلية، وقلت له: إن هناك مَن يستبعد ختم القرآن في ليلة، وأنا -في الحقيقة- قلت للشيخ: هذا ليس ببعيد -أي: أثناء إلقائه للمحاضرة-؛ لأن الشخص خلال ربع ساعة أو اثنتي عشرة دقيقة يكون قد انتهى من الجزء، هذا إذا كان في ليالي الشتاء، فمن الممكن أن يختم في ليلة واحدة. فالشاهد أنني ذهبت إلى الوالد رحمة الله عليه فذكرت له ذلك. فقال: هذا بسيط، ختم القرآن في ليلة بسيط، وهو خلاف السنة -فكما تعلمون أن السنة ألا يُخْتَم القرآنُ في أقل من ثلاث ليال-؛ لكن الشاهد أنه قال: هذا سهل جداً. فما زلتُ به رحمة الله عليه، فقلت له: كأني أشكِّك، وكأني مع الشيخ إذْ يقول: إن هذا بعيد. حتى قال لي: واللهِ يا بني! الحمد لله، مرَّت علي في بداية الطلب سنوات، لا أستفتح بعد العشاء بالقرآن إلا ويأتي السحر وأنا في آخر القرآن. رحمة الله عليه. وكان معروفاً عنه أنه ما كانت عنده صبوة إلى الحرام. وكان أهم شيء عنده الوقت: حتى أنه كان في أيام الطلب -كما يذكر لي أحد كبار السن الموجودين الآن عن خالٍ له كان قريباً من الشيخ الذي ارتحل الوالد لأخذ العلم عنه- يقول: كان يقْدُمُ وما يخالط أحداً من طلاب العلم؛ لأنه كان رحمة الله عليه لا يحب الاختلاط بالناس إلا إذا كان فيه فائدة، ولا يأنس بكل أحد، ولا يرتاح لكل أحد، فهو حريص على شغل الوقت بالفائدة. فمن أهم ما لاحظتُ فيه: الحرص على الوقت، كان إذا دخل البيت -كما ذكرتُ- أولَ ما يستفتح بالصلاة، وما أذكر في حياته أنه دخل المنزل وجلس، حتى والله في المرض يصلي جالساً؛ لا يدخل البيت إلا ويستفتح بما كتب الله له، ثم ينقلب مباشرة إلى فراشه، وأمام فراشه ما لا يقل عن عشرين كتاباً، فمكتبته فيها ما لا يقل عن أربعة آلاف أو خمسة آلاف كتاب، والمكتبة الأساسية في البيت التي كان جمعها ﵀ ليس فيها كتاب إلا وقرأه من جلدته إلى جلدته، رحمة الله عليه، فقد كان كثير القراءة والمطالعة بشكل عجيب جداً! وعنده خصلة وجدتها فيه، في مسألة العلم: أنه لا يمكن أن يتكلم في شيءٍ يجهله: فأي شيء يجهله لا يتكلم فيه أبداً ولو كان الأمر ما كان، ولو كان من أوضح الواضحات إلى الله، فالشيء الذي لا يعرفه يمسك عنه، وكان يستشهد بقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦] فيقول: هذا هو التكلف. ويستشهد أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦]. فلا يتكلف في شيء لا يعرفه، وهذا -في الحقيقة- من أجلِّ نعم الله على طالب العلم إذا رزقه الله هذا العلم، وهو أنه لا يتكلم في شيء يجهله؛ فإن هذا من دليل أمانته، ولذلك هما العالِم وطالب العلم إذا كانا وقَّافَين عند حدود الله، لا يتكلمان في شيء يجهلانه! أيضاً من الخصال التي وجدتُها فيه رحمة الله عليه: عدم مبالاته بالدنيا؛ أقبلت أو أدبرت: حتى أنني أذكر أنه ذات مرة -وهذه قَصَص عادية؛ لكن لعل الله أن ينفع بها- حفر بئراً، وكان قد كلَّفه ما لا يقل عن مائتين وخمسين ألفاً، ولم يشأ الله أن يخرج فيه ماء، فجاء هذا الذي حفره وقال: والله يا شيخ! إن هذا يُحْتَمل أن يكون شيئاً قد سد الماء الجاري. يريد أن يخفف الصدمة على الوالد. أي: الظاهر أن الماء الجاري قد سده شيء ما أثناء الحفر، وإن شاء الله ربما في المستقبل يتحسن. فقال: يا بني! والله لو أن هذه المزرعة كلها ذهبت فإني راضٍ عن الله. كان لا يبالي أبداً بهذه الدنيا، سواءً أقبلت أو أدبرت، وقلَّ أن يُسأل شيئاً فلا يعطيه، رحمة الله عليه. دخلت عليه ذات يوم فوجدته يبكي، فلما رآني قلب وجهه إلى جهة الأخرى للفراش، ومسح الدموع، ثم جلس عادياً، وكان قليل البكاء رحمة الله عليه، إلا أني لا أذكر أني رأيته يبكي غالباً إلا في فقد عزيز، أو في عبرة، أو في الليل؛ لأني كنتُ أدخل عليه في بعض الساعات في جوف الليل. فنَشَجَ ثم جلس معي كأنه ما به شيء، وأنا قد رأيته يبكي؛ فخشيتُ أن يكون جاءه شيءٌ يسوءُه، فنزلتُ به وقلت: يا شيخ، خيراً إن شاء الله! قال: لا. خير، ماذا تريد؟! يريد أن يصرفني عن الشيء الذي رأيته، فألححت عليه وقلت: يا شيخ رأيتك تبكي، وكنتُ أحب أن أعرف السبب! فقال لي -والله بهذا الحرف-: ما لي لا أبكي وأيتام فلان توفي أبوهم، وليس عندي شيء أرسل لهم. أي والله قال هذه الكلمة. وأذكر فيه -رحمة الله عليه- أنه كان يعودنا على الرأفة بالمساكين والأيتام: وهذه كانت فيه خصلةً عجيبة! حتى أنه كان يقول لي: إذا مررتَ على المرأة تسأل فلا تجاوزها حتى تعطيها شيئاً، ولو أن تعطيها غُتْرَتَكَ التي على رأسك. فكأني استعجبتُ من هذا الكلام. فقال: لأنك تعرف المرأةَ إذا احتاجت ماذا تفعل؟! لأنها إذا احتاجت قد تقع في الزنا، وهي عورة من عورات المسلمين، فلا يليق بك أن تمر بها إلا وقد كفيتها، فلو كانت كاذبة فإن الله يأجرك على حُسْن النية، ويعاملك على حُسْن نيتك. فكان -رحمة الله عليه- عطوفاً، ربما كان راتبه أكثر من سبعة آلاف أو ثمانية آلاف في ذلك الزمان، فما كان يأتي عليه منتصف الشهر إلا وقد استدان رحمة الله عليه. الدنيا هذه سواءً أقبل منها أو أدبر عنها لم ينفعه الله بها كثيراً، فإذا أراد الله أن يفرِّغ طالب العلم للعلم نَزَعَ من قلبه الدنيا، ولذلك تجده أغنى ما يكون بالله، وأفقر ما يكون لله ﷻ . فهذه من بعض المواقف التي تَحْضُرني. الموقف الأخير: وأقوله لعله أن يكون سبباً في الترحُّم عليه: فإني أشهد الله العظيم -والله شهيدٌ على ما أقول- أنني دخلتُ عليه قبل أن يتوفى بقرابة ثلث ساعة أو نصف ساعة واللهِ العظيمِ لا أذكر أنني رأيته أشرق وجهاً ولا أبهج نفساً من تلك الساعة، رحمة الله عليه. أسأل الله العظيم أن يجمعنا به في مستقر رحمته.

стр. 834

موقف خطيب وإمام يتهم في عقيدته من قبل بعض الشباب الملتزمين السؤال أنا إمام وخطيب في أحد الجوامع، ولقد اتُّهِمْتُ في عقيدتي من بعض الشباب الملتزمين، والذي أعْلَمُه من نفسي أني أعتقد معتقد أهل السنة والجماعة -وإن كنتُ لا أعلم في مسائل العقيدة كثيراً-! فماذا أفعل معهم؟! وما هي نصيحتكم إليهم؟ الجواب الذي تفعله: أن تدعو هؤلاء الذين يتكلمون في عقيدتك، وأن تجتمع أنت وإياهم بين يدي إنسان من أهل العلم، فيعرضوا ما عندهم من الشبه والمآخذ، وتتقي الله فيما يقولون؛ فإن كانوا صادقين صَدَقْتَ وبيَّنْتَ حجتك بكلامك، فما كان من صوابٍ قَبِلْتَه وما كان من خطأٍ رددتَه. فإن كان القوم قومٌ بُهْتٌ، وأصحابُ استعجال وأغراضٍ وأهواء فاصبر أخي في الله؛ فإنه لا بد من الابتلاء، يقول الله عن نبيه موسى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب:٦٩] الله أكبر! قال: ﴿آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب:٦٩] فَلَمْ يتركْه، بل قال: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾ [الأحزاب:٦٩]. فكل من تقلَّد إمامة أو منصباً دينياً، وطُعِنَ فيه، فالله هو الذي يتولى أمره، ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩] فما ذكر صلاة موسى، ولا عبادته؛ ولكن ذكر بلاءه، وطَعْنَ الناس فيه، ثم قال بعده: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩]. فإذاً: على طالب العلم أن يعلم أن الوجاهة التي يريدها سوف يجد أمامها الطعنَ في عقيدته، والطعنَ في منهجه، والطعن في رأيه. ثم إننا نقول لكل طلاب العلم: اتقوا الله في أنفسكم، فإن الله ما أرسلنا حَفَظَة على العباد، وما أرسلنا متتبعين لعورات الناس: (فإن من تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو كان في عقر بيته). فعلينا أن نتقي الله في عورات المسلمين، وأن نتقي الله في أعراض المسلمين، وأن نتقي الله فيما نقوله في إخواننا، وأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا، وأن نكره لهم ما نكره لأنفسنا، فهذا من دلائل الإيمان، وليس معنى هذا أن نترك الحبل على الغارب لأهل البدع والأهواء، لا؛ ولكن انتقدْ ببَيِّنة، وإذا رأيت إنساناً من أهل البدع فاذهب إليه، وانصحه، وذكِّره بالله، وأقِمِ حجة الله عليه. فيا أخي! إن النبي ﷺ كان يأتي إلى عبدة الأوثان، فيقول: (اللهم اهدِ قومي فإنهم قومٌ لا يعلمون) فكيف بإنسان قد يكون عنده خطأ أو شبهة، ولعل الله أن يشرح صدره على يديك؟! ولذلك فإن من أفضل ما تكون الدعوة: الدعوة إلى سلامة المعتقد، فمِن أَحَبِّ الدعواتِ إلى الله، ومِن أَحَبِّ العلمِ وأشرفِه وأكرمِه: علمُ العقيدة، فإذا كان الإنسان يحس بجلالة هذا العلم وفضله وعظيم منزلته عند الله فينبغي أن يكون أفضل الناس في غرسه في قلوب الناس، فتكون عنده المنهجية السديدة، فلا ينفِّر الناس، بمعنى: أنك بمجرد أن ترى خطأ على شخص لا تجلس فتثلِّب فيه حتى يكره الحق، فهذا صعب -يا أخي- ولكن هيئ له أمراً يدعوه إلى ترك هذه البدعة، وترك هذا الهوى، زُرْه -مثلاً- المرة الأولى، والمرة الثانية لوحدك، والمرة الثالثة مع طلاب العلم، والمرة الرابعة مع شيخ؛ وأوصي بالعلماء الذين يعرفون نصحه. فابذل كل ما تستطيع وكأنك أمام إنسان غريق، فإن الله قد ينقذه على يديك. وهذا أمر مهم جداً؛ أن نكون ناصحين، وأن يكون النصح لعامة المسلمين، وأئمة المسلمين، وعلمائهم، بالشكل الذي يُرَغِّب في الحق لا الذي يُنَفِّر منه. إن التُّهَمَ هذه التي تقال والتي تحاك لا يجوز لمسلم أن ينقلها بلسانه إلا على بيِّنة، فلو أنك سمعتَ عن إنسان يقال عنه: أن في عقيدته كذا، فإن هذه الكلمة -ولو نقلتها نقلاً فقط- فإنك تحاسب عنها بين يدي الله، ويكون هذا الشخص خصماً لك بين يدي الله، واللهِ إنك ما تقول عن إنسان في عقيدته شيئاً إلا جاء يوم القيامة يخاصمك بين يدي الله ، فيقول: يا رب، سَلْ هذا، فقد قال فيَّ كذا وكذا: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] هذا إذا كان عظيماً في القذف وفي الإفك، فكيف في العقيدة؟! سبحان الله! فقد أخبر الله أن ((الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣] هذا في ماذا؟! هذا في ما إذا قذف في العرض، فكيف بمن يقذف في الأفكار والمناهج! فيقال: فلان ضال في منهجه، وفلان زائغ في منهجه، وفلان كذا، فلا يُتَحَرَّى؟! نحن لا نفتح الباب -بما نقول- لأهل البدع والأهواء، فلا مانع أن تحذر من أهل البدع، وأن تبين خطأهم، وأن تبين ما هم عليه؛ ولكن على بيِّنة. والمراد: أن نتقي الله في أعراض المسلمين الذين تقال فيهم الشائعات من العلماء والدعاة والأخيار والأئمة دون بيِّنة، فهذا ليس من شأن المسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] وفي قراءة: ﴿. فَتَثَبَّتُوا﴾ [الحجرات:٦]. وجاء في الحديث: (ألا إن التَبَيُّن من الله، والعجلة من الشيطان) وهو حديثٌ مُتَكَلَّمٌ في سنده؛ لكن معناه صحيح، فإن العجلة من الشيطان؛ لأن الشيطان يريد نقل الشائعة بسرعة، ولذلك تجد من ينقل هذه الشائعات مريضَ القلب يعتني بسرعة نقلها، وواللهِ إنه ليبلغ ببعضهم أنه يفرح أن يجد على الداعية أو على الشيخ مآخذاً، فيكون -نسأل الله السلامة والعافية- كالذباب؛ لا يقع إلا على النجس والخبث -والعياذ بالله-، وهذا من آفات القلوب وأمراض القلوب، نسأل الله أن يسلمنا منها. وهذا كلام عام للناس جميعاً، واللهِ لا نعني به طائفة ولا أمة؛ ولكن نعني به كل مَن خالف هذا المنهج الذي قامت عليه نصوص الكتاب والسنة. فينبغي علينا أن نحفظ أعراض المسلمين، وأن يكون عندنا الحرص على توجيه الناس أكثر من تنفيرهم، يقول ﷺ لـ معاذ وأبي موسى وهما ذاهبان إلى قومٍ كافرين من أهل الكتاب: (يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا، بَشِّرَا ولا تُنَفِّرَا). فالإنسان المُعَسِّر لَمَّا يأتي ليدعو فإنه يُنَفِّر غيره بالأسلوب، يقول عبادة بن الصامت: [يُحْكَى عن معاذ ﵁ كلمة حكيمة: إنكم تسمعون الزلة عن العالم، فلا تعجَلوا عليه -لا يوجد أحد كاملاً، بل لا بد للعالِم أن يقع في الخطأ، فلا تعجَلوا عليه- فإنه أحرى أن يراجع نفسه]. أي: أن العالم إذا جئتَ إليه فلا تقل له: قال فلان، وقال فلان، فتُهَيِّئَ له وَضْعاً يجعله يُصِر على خطئه؛ لأنك بهذا تكون قد أسأت في حقه؛ لكن لا تعجَل عليه، بل تراجعه وتذكره بالله، وتبين له الحجة من الكتاب والسنة، وإذا بك تجده قد استفاق وانجلت عنه العماية؛ فيدعو لك بخير؛ فتكون سبباً في توجيهه، وهذا من حق العالِم علينا. المقصود من هذا كله: أن هذه الأمور ينبغي التنبُّه لها. وأما ما ذكرتَه -أخي السائل- فإني أوصيك بشأنه أن تَعْرِض ما أنت فيه وتَعْرِضهم على كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، فإن وجدت منهم إعراضاً ووجدتهم قوماً لا يعتنون إلا بأذيتك، ولمست منهم الحسد فاصبر، فإن النبي ﷺ لك فيه أسوةٌ حسنة، فقد قيل عنه: الساحر، والأفاك الأثيم، والمجنون، والأبتر، والصابئ، ومات وهو سيد الأولين والآخرين. والله إن الله سيضعك في مرتبةٍ إذا أحبك، ولو أن الخلق كلهم أرادوا أن ينزلوك عنها شعرة واحدة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وإذا غضب الله على العبد وأراد الخلق كلهم أن يرفعوه درجة واحدة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فلا تأبه بهم. يقول الشاعر: إن يحسدوك فلا تعبأ بقائلهم هم الغثاء وأنت السيد البطلُ قيلت هذه في الإمام الحافظ/ عبد الغني المقدسي -رحمة الله عليه- واقرأ في التاريخ، وابدأ بصحابة النبي ﷺ . كنتُ أقرأ في سيرة أبي هريرة، فوقفتُ أمام عبارة عجيبةٍ مِن القِدَم! عجيبةٌ والله! أبو هريرة يُتْرَك بلا طعام ولا شراب -كما في صحيح مسلم- وكان يُصرع حتى يأتي الرجل ويضع قدمه عليه، ويظن أنه مجنون، وما به إلا الجوع، ﵁ وأرضاه، يُصرع من أجل ماذا؟! من أجل أن يصحب النبي ﷺ مُؤْثِراً به على ملء بطنه؛ لأنه يريد أن يحفظ لنا سنته ﵁ وأرضاه، وجعل أعالي الخلد مثواه ومأواه-. هذا الصحابي الجليل يلقبه الحافظ ابن حجر بحافظ الصحابة، أسلم يوم خيبر، ومع ذلك حفظ ما لم يحفظه مَن كان قبله في الإسلام مِن كثرةِ حفظه وملازَمَتِه للنبي ﷺ . هذا الصحابي لَمَّا حفظ أتعرفون ماذا جرى له؟! جاء في الخبر عنه ﵁ أنه في يوم من الأيام -تعرفون أنه كان يحدِّث بالأحاديث، فلما أَكْثَرَ أصبح الناس يشكِّكون في الكلام الذي يقوله- فقال ذات يوم: [يا أهل الكوفة! أنا أكذب على رسول الله؟! أنا أكذب على رسول الله؟! اللهُ الموعد] وقَبَضَ على لحيته! سبحان الله! نظرتُ إلى هذا فعلمتُ أن لطلاب العلم أسوة بهذا الصحابي الجليل، فأنت تحفظ العلم، وتتجند للدعوة إلى الله، ثم تجد فلاناً يطعن في رأيك، وفلاناً يطعن في منهجك، وفلاناً فيه -أقل ما فيه- أنه إذا وجدك صالحاً قال: فلانٌ ليس عنده علم؛ حَسَداً منه، المهم عنده أنك لا تأخذ أحداً، ولا يجلس معك أحد. فأقول لمثل هذا: لماذا يا أخي؟! ينبغي التآلف والتكاتف، وأن يحس الإنسان أنه يشد على يد أخيه! فنسأل الله العظيم أن يسلمنا من أمراض القلوب، وأن يصلح الحال، وأن يوجب لنا من عصمته فيما عند الله تعالى.

стр. 835

حكم الدخول في الجماعة الثانية والجماعة الأولى ما زالت في التشهد الأخير السؤال إذا دخلتُ المسجد ووجدتُ الجماعة في التشهد الأخير، وهناك جماعة أخرى تتوضأ، فهل أدخل في الجماعة الأولى أم أنتظر الجماعة الثانية؟ وهل لو دخلتُ في التشهد الأخير في الجماعة الأولى أكسب أجر الجماعة، أم الأفضل أن أنتظر الجماعة الثانية؟ الجواب هذه المسألة أحب أن أنبِّه عليها؛ لأن فيها سُنَّةً عن النبي ﷺ أضاعها كثير من طلاب العلم اليوم، وقد يوجد من يقول: إنه بهذا القول -الذي يُعْتَبر خلاف السنة- يقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (فإذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فقال ﵊: (فما أدركتم) أي: أيَّ شيءٍ أدركتموه، حتى لو أدركتم الإمام قبل السلام ولو بلحظةٍ واحدة فكبروا، ولا يجوز لأحد دخل المسجد أن ينفرد عن الإمام، ولذلك لما رأى النبي ﷺ الرجلين اللذين صَلَّيا مُفْرِدَين قال: (ألستما بمسلمَين؟! ما منعكما أن تصليا في القوم؟!)، والإسلام يحارب الشذوذ، هذا الشذوذ الذي ينفرد فيه عن جماعة المسلمين يحاربه، ولذلك قال: (ألستما بمسلمين؟! ما منعكما أن تصليا في القوم؟!)، فدل على أن كل من دخل إلى المسجد ينبغي عليه أن يدخل مع الإمام، حتى أنهما قالا: (صلينا في رحالنا، قال: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا؛ فإنها لكما نافلة) كل هذا من أجل ألا ينفرد الإنسان عن إخوانه؛ لأنه إذا انفرد ساءت به الظنون، وفُتح بابٌ لأهل الأهواء والبدع أن يتركوا أهل السنة ويحتجون بجواز ذلك في الشرع. فالمقصود: أنه لا يجوز لأحد دخل المسجد أن ينفرد عن الإمام، وإنما ينبغي الدخول معه. المسألة الثانية: إذا دخلتَ مع الإمام وأدركتَ التشهد، وكان أحد بجوارك، فقل له: إذا سلم الإمام فأْتَمَّ أنت بي. هذا لأنك منفرد، فإذا سلم الإمام قُم فكبِّر ويكبر معك، واقرأ وصلِّ به كأنكما لم تدركا شيئاً مع الإمام، أي: كأنكما منفردين، هذا إذا كنتما أدركتما الإمام في التشهد الأخير، أو أدركتماه بعد رفعه من الركعة الأخيرة، هذا كله تعتبر أنت فيه منفرداً يجوز للغير أن يأتم بك. فالمسألة التي ذكرتَها هي: أن تكبر معه. وذهب طائفة من العلماء إلى أن فضل الجماعة يُدْرَك بالتسليم، فمن أدرك الإمام في التشهد، فسلم الإمام وقد دخل في الصلاة، قالوا: فقد أدرك الفضل؛ فضلَ الجماعة؛ لأن النبي ﷺ بيَّن أن خمساً وعشرين ضعفاً من الأجر يكون على المشي إلى المسجد، فأنت مدركٌ لفضل الجماعة. وبناء ًعلى هذا فإنه لا يجوز الانفراد، ولا يجوز الوقوف إلى أن تدخل الجماعة الثانية، وإنما يكبر الإنسان ويدرك الإمام. أما أيهما أفضل: الجماعة الأولى أم الثانية؟ فأقول: تكبِّر؛ لأن تكبيرة الإحرام منك قد وقعت في وقتٍ سابقٍ للجماعة الثانية، ولذلك فإن العبرة بتكبيرة الإحرام، فمن كبر تكبيرة الإحرام -مثلاً- في الساعة الثانية، وصلى ولو مع واحدٍ جماعةً أفضل مما لو انتظر جماعةً كثيرةً إلى الساعة الثانية وعشر دقائق؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إن العبد ليصلي الصلاة، وما يصليها في وقتها، ولما فاته من وقتها خيرٌ له من الدنيا وما فيها) فقوله: (ولما فاته من وقتها) أي: قليلاً كان أو كثيراً. فاحرص على فضل الوقت، فإنه لا شك أن دخولك مع الجماعة الأولى مع إحداث جماعةٍ ثانية بعد السلام أفضل من بقائك وانتظارك. والله تعالى أعلم.

стр. 836

علاج من ابتلي بحب المردان السؤال كيف يفعل من ابتلي بحب المردان؟ وكيف يعالج نفسه من ذلك؟ الجواب عليه أن يدعو الله، ويأخذ بالأسباب: فيدعو الله أن يعافيه من هذا البلاء، ولا يجلس معهم، ولا يحرص على مجالسهم، وإذا وجد الفتنة يقوم، ولا يحل له أن يجلس في مجلس يجد فيه الفتنة مِن أمرد، وكان السلف الصالح ﵏ يحذرون من صحبتهم، والجلوس معهم. فعليه أن يدعو الله، ويأخذ بالأسباب، فإذا وفق الله الإنسان للدعاء والأخذ بالأسباب -التي مِن أعظمِها: أنه لا يكثر من مجالستهم ولا صحبتهم ما أمكن- فإن الله يعصمه. أيضاً القضية الثالثة: أن المحبة والتعلق سببها ضعف الإيمان، فالغالب أن الإنسان لا يتعلق ولا يحب محبة غير شرعية إلا بضعف الإيمان -والعياذ بالله-، والذي يريد من الله أن يشفيه من هذا عليه أن يعالِج هذا البلاء بقوة الحب لله ﷻ ؛ لأن القلب هو وعاء الحب، فإذا مُلِئ بمحبة الله وأصبح مليئاً بحب الله لم يجد حبُّ ما سواه مكاناً في ذلك القلب، ولذلك لا بد أن تحاول دائماً على هذا، فهو من أهم ما ينبغي أن يعتني به الشاب المهتدي، أول ما يعتني به بعد التوفيق للهداية أن يقوي الإيمان في قلبه، وذلك بمحبة الله المحبة الصادقة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. فالذي يريد أن يكون على كمال الإيمان عليه أن يملأ قلبَه حباً لله، فإذا جاءت محبة مَن سواه هانت عليه؛ لأن أمامه محبة الله ﷻ ، فإن كان يحبه لجمال؛ فإن الله جميل، لِمَا ثبت في الحديث الصحيح: (وإذا كشف الحجاب عن وجهه لأهل الجنة نسوا النعيم الذي هم فيه، وتركوه، واشتغلوا بذلك الجمال، ورؤية ذلك الجمال، ثم ينقلبون إلى أهلهم - كما في صحيح مسلم - فيقولون: لقد ازددتم بعدنا جمالاً، فيقولون: والله لقد ازددتم بعدنا جمالاً). من جمال النظر، يقول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] النضرة هذه كمال النعيم والبهجة والسرور الذي تراه في وجه الإنسان، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] لكن هذه النضرة بماذا؟ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]. فإذا كنت تحب الجمال فالله كمال الجمال والجلال ﷻ ، وتقدست أسماؤه. وإن كنت تحب المال فالله بيده خزائن السماوات والأرض، بيده سحاء الليل والنهار لا تُغِيضُهَا نفقة. تَفَكَّر في أي شيء أنت تحب من أجله أحداً، وانظر إليه في جوار الله ﷻ ، ستجده لا يُعَدُّ شيئاً، فالإنسان الذي يريد أن ينصرف قلبُه عن الخلق إلى الخالق ﷻ يُعَظِّم في قلبه حبَّ الله، فيصبح القلب مملوءاً بحب الله، فإذا امتلأ القلب بحب الله أتت المرحلة الثانية وهي أن القلب لا يتجه إلى حب شيء إلا من خلال حب الله، ولذلك بيَّن النبي ﷺ أن الولاء والبراء، وأن الحب في الله والبغض في الله مِن أوثق عُرَى الإيمان، لماذا؟! لأن معناه أن القلب قد امتلأ إيماناً إلى درجة أنه لا يتجه إلا إلى حبيب الله، ولا ينقبض إلا عن عدو الله، كما قال الله عن هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢] ثم انظر إلى تعبير القرآن! قال: ﴿كَتَبَ﴾ [المجادلة:٢٢] كأن الإيمان نُقِش في هذه القلوب، الله أكبر! ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢]. فالإنسان الذي يريد ألا يتجه قلبه إلى حب شيء غير الله عليه أن يملأ قلبه بحب الله، فحب المردان والتعلق بالمردان جاء من فراغ، وهذا الفراغ هو ضعف الإيمان، فنسأل الله العظيم أن يكتب لنا ولكم السلامة والعافية. ثم ماذا تستفيد؟! هب أنك نظرت إلى مَن جَمَّل الله صورتَه! ما الذي تستفيده؟! ما الذي تجده؟! ما هي الفائدة؟! ما هو الأثر؟! هل يزداد إيمانك؟! لا والله، حتى إن بعض السلف لما نظر إلى أحد الناس وهو ينظر إلى الأمرد قال: [والله لتَجِدَنَّ غِبَّةَ هذا ولو بعد حين]، فمكث عشرين سنة، وذات ليلةٍ أُنْسِيَ القرآنَ فيها -والعياذ بالله-. فالإنسان لا يأمن مكر الله ؛ ولكن يأخذ بالأسباب التي تعينه، فإذا نظر اللهُ إليك وأنت في معصية؛ ولكنك تأخذ بالأسباب التي تريد أن تنجو بها من هذه المعصية، وتفر من الله إلى الله، فأبشر بكل خير. ونسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياك السلامة والعافية. والله أعلم.

стр. 837

نصيحة لشارب الدخان السؤال إني أُشْهِد اللهَ العلي العظيم أني أحبك في الله. وسؤالي يقول: أنا إنسان منَّ الله عليَّ أن هداني منذُ سنوات ولله الحمد، إلا أنني أرتكب معصيةً في الخفاء، وهي شرب الدخان، ولا أستطيع تركه، فما توجيهكم لي جزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً: أُشْهِد الله على حبكم جميعاً فيه، وأسأل الله العظيم كما جمعنا في هذا المكان أن يجمعنا في مستقر رحمته ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] وأحبك الله الذي أحببتني من أجله. وأما ما سألتَ عنه من معصية الدخان، فأسأل الله العظيم -أمِّنُوا- أن ينزع من قلبك حبَّه، وأن يوفقك إلى تركه، وأن يعجِّل لك بالفرج. أخي في الله! إن كل شيء يشربه الإنسان أو يطعمه يحاسِبه الله عليه، ففي كل لحظة يشرب الإنسان فيها هذا البلاء يكوِي نفسه بنار؛ نار الدنيا قبل نار الآخرة، ولو كان الإنسان -والعياذ بالله- مبتلىً بالدخان، فإن هذه الصغيرة قد تكون وسيلة للكبيرة؛ لأن الإنسان -كما يقول العلماء- إذا داوم على الصغائر قد تنتهي به إلى الكبائر، والذي جعلك تهجر فراشك في جوف الليل إذا سمعتَ المنادي ينادي إلى الصلاة، والذي جعلك تخرج في شدة النهار، وفي شدة الحر والقَرِّ للعبادة والصلاة، وهذا الجهاد الذي جاهدت به نفسك، واهتديت والتزمت به، أهونُ منه تركُ الدخان؛ ولكن الشيطان خبيث، يقول لك: لن تستطيع، وهذا أمر صعب، فأنت داومتَ عليه سنوات؛ ولكن أقول: اعزم، فوالله الذي لا إله إلا هو ما من إنسان يصاب بذنب ويَصْدُق مع الله إلا صَدَق الله معه؛ لكن المهم الصدق؛ ولذلك قال النبي ﷺ في دعائه: (وأسألك العزيمة على الرشد). فالأمر يحتاج إلى عزيمة فقط: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه:١١٥] فالمشكلة في العزم، وإلا لو أنك عقدتَ العزم على ترك الدخان، فأول ما تجد المعونة والتوفيق مِن الله ﷻ ، وأول ما تجد الحب مِن الله؛ لأنه بمجرد ما تجد في نفسك الكراهية لهذا الشيء فإن الكراهية تعتبر من أعمال القلوب، وقُرْبَةٌ بينك وبين الله، يقول الله: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً﴾ [الأنفال:٧٠] فإذا علم الله في قلبك أنك تكره الدخان أعانك؛ لكن اصْدُق مع الله. وأوصيك بوصية ثالثة حتى تترك الدخان: إذا أصبحت فاجعل آخر عهدك بالدنيا غروب الشمس، وهذا أمر خطير جداً، حتى أن بعض العلماء قال: لا آمن على من شرب الدخان مسٌ -والعياذ بالله-، فهَبْ أنك ستموت عند غروب الشمس، واللهِ -بإذن الله ستجد معونة من الله في تركه، وهذا يكون في أي معصية، فاعتبر أن غروب الشمس هو آخر أمد لك، وهذا من أعظم العون الذي يعين على الطاعة، ويعين على ترك المعصية، فقصِّر الأمل في الدنيا، فالدخان مَن ابتلي بمرض من أمراضه ومات منه ربما يكون قاتلاً لنفسه -والعياذ بالله-، فلا آمَنُ عليه من ذلك، وهذا -حقيقة- فيه شبهة، أعني أن هذا الحكم ليس ببعيد؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] فإذا كان هو يعلم أنه سبيلٌ للسرطان، والسرطان سبيلٌ للموت -والعياذ بالله-، أو سبيل للأمراض الخطيرة في الرئة، فكأنه يعلم أن هذا السم الذي يتحسَّاه ينتهي به إلى نار جهنم، ولذلك ثبت الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (مَن تحسَّى سُمَّاً فمات منه فهو في نار جهنم يتحسَّاه خالداً مخلداً فيها) -والعياذ بالله-. فالأمر خطير جداً -يا إخوان-، فمسألة الدخان يقرر بعض العلماء أنه لا يُؤمَن على الإنسان إذا بُلِي بمرضٍ بسبب هذا الدخان أن يكون قاتلاً لنفسه! وتُحْكَى حول هذا الأمر عِبَرٌ عن الثقات، ينبغي للإنسان أن يعتبر بها: فقد بلغ ببعضهم أنه وُجِّه إلى القبلة ولم يتوجه -نسأل الله السلامة والعافية- وما عُرِفَ عنه إلا شرب الدخان. ومنهم من كان -والعياذ بالله- يشرب هذه البلاء التي تسمى الشيشة، فيقول مُلَحِّده: فلما وضعتُه في القبر وجدتُ رائحتها في قبره، نسأل الله السلامة والعافية. فالأمر خطير جداً؛ لأن هذه الأرواح أمانة، فالله يحاسب صاحبها عليها. فنسأل الله العظيم أن يسلمنا من ذلك، وأن يعافينا وإياكم وذرياتنا من هذا البلاء، فقد قال ﷺ : (إن لنفسك عليك حقاً). والله تعالى أعلم.

стр. 838

كيفية الوقاية من الشيطان السؤال إني أحبك في الله، ثم ما هي الوقاية من الشيطان؟ الجواب الله المستعان. أما الوقاية من الشيطان فقد بيَّنها الله في قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠]. فمِن أعظم الحرز، ومِن أعظم الحفظ، ومِن أعظم الحياطة: كثرةُ ذكرِ الله ﷻ . فالذي يريد أن يكون في مأمَن من الشيطان عليه أن يُكْثِر من ذكر الله، وألا يفْتُر لسانه عن الاستغفار، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، فإن ذكرتَ الله ذَكَرك الله، فإن ذكرته في نفسك ذكرك في نفسه، وإن ذكرته في مَلَأٍ ذكرك في مَلَأٍ خير من الملأ الذي ذكرته فيه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]. فالذي يريد من الله أن يعصمه من الشيطان ويحفظه من الشيطان: يكثر من ذكر الله، خاصة تلاوة القرآن، فإن العبد إذا كان تَلَّاءً للقرآن هابه الشيطان وخافه؛ ولذلك ذكر شيخ الإسلام ﵀: عن عمر ﵁ أنه قدم على امرأةٍ كان عندها ابنٌ به مس، وقال لها: [انظري إلى نجي صاحبك، فاسأليه عن أبي موسى -غاب عليه خبر أبي موسى، وكان أبو موسى من أكثر خلق الله تلاوةً للقرآن هو ومعاذ بن جبل كما هو معروف من سِيَرهم- قالت: أتسألني عنه؟! ذاك الذي يخرج منه كالشهب لا أستطيع أن أقربه؟!] تعني: لا أستطيع أن اقترب منه، والشهب هذا هو: القرآن؛ لأن القرآن على الشيطان مثل الشهب، لا يطيق كلام الله ، ولذلك لا يستطيع أن يمكث في البيت الذي تُقْرأ فيه سورة البقرة ثلاثة أيام، فهو في حرز من الله أن يدخله الشيطان. فالقرآنُ وكثرةُ تلاوتِه يورث انشراح الصدر، والذي يريد أن يكون من الصالحين والسابقين إلى الخيرات عليه أن يكثر من ذكر الله، واللهُ قد أثنى على هؤلاء فقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢] والله يا إخوان إن هاتين الآيتين ما يقرأهما الإنسان إلا ويتفطر قلبه حزناً، إن الله يوصيك من فوق سبع سماوات أن تذكره، وهو غنيٌ عن الذكر وأنت أفقر ما تكون إلى هذا الذكر؟! وإذا أمسى الواحد نظر في صحيفة عمله كم ذكر الله ﷻ ! فلا يجد إلا أذكار الصلاة، هذا إذا كان يحافظ على أذكار الصلاة، فأين تلاوة القرآن؟! كم جزءاً قرأ؟! ثم كم تسبيحه؟! كم استغفاره؟! كم تهليله؟! كم تحميده؟! كم تكبيره؟! لا يجد إلا القليل. هذا من الرزايا. ولذلك ليس غريباً أن تجد الشخص سَمْتُه سَمْتٌ صالح؛ لكن قلبه خاوٍ، وذلك لأن ذكر الله قليل. فلا تنشرح الصدور إلا بذكر الله: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ولا ترتاح النفوس، ولا تبتهج إلا بذكر الله ﷻ ، والذي يريد السعادة والأنس يأنس بالله، ولذلك واللهِ تجد إنساناً ولو كان وحيداً فريداً مع كتاب الله تجده كأن الدنيا بين يديه حقيرة؛ لكثرة ذكر الله، يقول ﷺ في صحيح مسلم في جبلٍ قريبٍ منَّا، هنا بجوار منطقة خليص اسمه: جمدان وهم مسافرون، يقول لأصحابه: (سيروا، هذا جمدان، سبق المفرِدون، قالوا: وما المفرِدون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) سبقوا، ولذلك تأتي يوم القيامة فتجد الصالحين قد سبقوك بمراحل كثيرة، وناساً كانوا يتقلبون أناء الليل وأطراف النهار مع كتاب الله، ومع الاستغفار، ومع الدعوة إلى الله، ومع الذكر، وفي الخيرات، يُشْغِلُون أنفسهم بطاعة الله. فالذي يريد أن يكون في عصمةٍ من الشيطان، وحفظٍ من الشيطان عليه أن يكثر من ذكر الله، فإن مَن ذَكَرَ الله ذَكَرَه الله، ومَن ذَكَر الله فنِعْمَ -واللهِ- الحالُ حاله، نسأل الله العظيم أن يعيننا على ذلك، وأن يجعلنا من أهله. والله تعالى أعلم.

стр. 839

كيفية نصح من لا يصلي السؤال في يوم من الأيام وأنا أتحدث مع أحد زملائي وأسأله عن أحواله قال لي: متضايق ومضطرب. فقلت له: صل ركعتين، وبإذن الله سيزول هذا الاضطراب. وكان هذا في وقت الضحى، فأريد أن أنصحه بفائدة ركعتي الضحى. فقال لي عبارة: لا تتعب معي، هل تعرف من متى أنا لَمْ أصلِّ؟! منذُ رمضان العام الماضي. فأُصِبْتُ بالذهول، فنصحته أن يبدأ من هذه الصلاة؛ من صلاة الظهر. فأريد منك يا فضيلة الشيخ! توجيهي كيف أبدأ مع هذا وهو زميلٌ لي؟! الجواب يقول الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣] فمِن أعظم الرزايا والبلايا على الإنسان: تركُ الصلاة، ولذلك لا يُؤمَن على الإنسان الذي يترك الصلاة غالباً، لا تُؤمَن له سوء الخاتمة؛ لأنها هي الصلة بين العبد وربه، وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: [إذا حضرت الصلاة فلا تشتغل بشيءٍ سواها؛ فإن من ضيعها فهو لما سواها أضيع] تأسياً بقول النبي ﷺ : (فإن صلحت صلح عمله، وإن فسدت فسد عمله). فالمقصود: أن ترك الصلاة مصيبة عظيمة، والذي أراه أن تداوم على نصح هذا الشاب. الأمر الثاني: أن تنقله من بيئته إلى بيئة صالحة، فكثيرٌ من الشباب يكون فيهم خير؛ ولكن الشر يأتيهم من البيئة الفاسدة، فخذه وانتشله من بيئة الضلالة إلى بيئة الهدى، وخذه إلى الأخيار ومجالس الأخيار حتى يدخل النور إلى قلبه؛ فينشرح صدره، ويطمئن فؤاده، وبإذن الله سيجد خيراً كثيراً. وإذا لم تتمكن من أخذه لانشغالك أو نحو ذلك فمن الممكن أن توصي أحد الأخيار أن يتعاهده، وتتعاهده أنت، وأوصيك أن تحتسب، فلعل هذا العبد إذا أنقذه الله على يديك أن يكون لك طريقاً إلى الجنة؛ لأنه ما من إنسان يهتدي على يديك إلا كانت صلاته وزكاته وعبادته وطاعته كلها في ميزان حسناتك، وهذا فضل عظيم. فأوصيك أن تجتهد، فهذه تجارة رابحة، ولذلك فإن الأخيار والدعاة الصادقين يفرحون لَمَّا يرون مثل هذه النماذج؛ لأنهم يعاملون الله ﷻ ، يفرحون؛ لأنها تجارة رابحة مع الله، صلاته وعبادته كلها في ميزان حسناتك. ولذلك ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (أن العبد إذا قام يوم القيامة جاءت أعماله كالغمامات، يُنشر له ديوانه، ثم تأتي أعماله كالغمامات يقول: يا ربِّ! ما هذا؟ فيقول: سننٌ هَدَيتَ أو دَعَيتَ إليها كان لك مثل أجور من عمل بها). فيحتسب الإنسان في هذا. ونسأل الله العظيم أن يشرح صدره على يديك، وأن يهدينا وإياه إلى سواء السبيل. والله تعالى أعلم.

стр. 840

حكم الخروج إلى الجهاد مع رفض الوالدين السؤال لا أجد في نفسي القدرة على الاستيعاب للعلم، وأنا طالب في الجامعة؛ ولكني أريد الجهاد، وأبي يرفض هذا الأمر! فكيف الحل؟ الجواب باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فَهْم العلم وضبطُه يحتاج إلى تفريغ القلب له، وقلبُك مشغولٌ بما أنت تحبه، وإذا تعلق القلب بحب شيء انصرف عن كل شيءٍ سواه، فلعل ضعف فَهمك وإدراكك سببه أنك لم تعطِ العلم ما يستحقه من الإقبال ومن العناية، ولذلك لم تجد له أثراً في نفسك، فأنت تحب شيئاً غير العلم، وقلبك منصرفٌ إلى هذا الشيء، و ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤]. فإذا كنت تريد العلم فأعطِ العلم كُلَّك يعطيك بعضَه، فكيف إذا لم تعطِه شيئاً؟! الأمر الثاني: قضية الجهاد: فلا يجوز لمن كان عنده والدان أو أحدهما أن يخرج إلى الجهاد إلا بعد استئذانهما، ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (أن رجلاً أتى إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، قال: أحيٌ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) هذا الحديث الصحيح فيه فوائد: أولها: أن الرجل جاء يبايع النبي ﷺ على الجهاد، كما ورد في الروايات الأخرى في السنن، وفي روايةٍ في السنن أيضاً صحيحة: (قال: يا رسول الله! أقبلتُ أبايعك على الهجرة والجهاد، قال: أفتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم، قال: أحيٌّ والداك أو أحدهما؟ قال: نعم، قال: ارجع إليهما فأحسن صحبتهما) رجل يأتي إلى النبي ﷺ فيقول: أريد أن أهاجر وأكون معك، وأجاهد، مِن أفضل ما يكون: عِلْمٌ وجهادٌ، فقال له: (أحيٌّ والداك أو أحدهما؟ قال: بل كلاهما، قال: أفتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم، قال: ارجع إليهما فأحسن صحبتهما). وفي الحديث الصحيح أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! أقبلتُ من اليمن -أكثر من ألف كم- أبايعك على الهجرة والجهاد، قال: أحَيَّةٌ أمك؟ قال: نعم، قال: الزم رجلها فإن الجنة ثَمَّ). فالذي يريد رحمة الله إذا وجد الوالدان فإن حقهما مقدمٌ على الجهاد، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (سألتُ النبي ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: بر الوالدين، قلتُ: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله). ثانيها: أخذ العلماء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم حُكْماً شرعياً، هو: أن النبي ﷺ لما سأل الصحابي: (أحيٌّ والداك؟ قال: نعم) لم يسأله: أهما كافرَين أم مسلمَين؟ أهما بحاجة إليك أو ليسا بحاجة إليك؟ أعندك إخوة أو ليس عندك إخوة؟ بل سأله: (أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد). والقاعدة في الأصول: أن (ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال). ترك الاستفصال، أي: لم يستفصل النبي ﷺ منه. في مقام الاحتمال، أي: في مقام يحتمل أن يكون الوالد بحاجة أو ليس بحاجة. ينزل منزلة العموم في المقال، أي: الْزَمْ والدَيك سواءً كانا بحاجةٍ إليك أو لم يكونا بحاجة إليك. السبب في هذا أنه ليست القضية قضاء حاجة الوالدين أبداً، القضية تقوم على حكم جليلة: منها: أن الوالد والوالدة لا يستطيعان فراق الابن، وهذا شيء لا يملكه الوالد ولا تملكه الوالدة، نبي من أنبياء الله، يعقوب ﵇ يعلم أن ابنه سيعود إليه، يقول تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] فهو نبي من أنبياء الله، ويعلم أن ابنه سيعود إليه وتبيضُّ عينه من البكاء، ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٤] فكيف بغيره؟! هذه نماذج وقصص ما ذكرها الله في القرآن عبثاً، ذكر لك نموذجين للأب والأم: الأب: في يعقوب. والأم: يقول تعالى عن مريم: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ ...﴾ [مريم:٢٣] أي: ألجأها ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] كأن الله يقول: إذا كان هذه التي يقال لها: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم:٢٤] فمع هذه العناية الإلهية تقول: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] فكيف بالأمهات الأخريات؟! هذه نماذج ذكرها الله من حنان الوالدَين وعطفهما وعظيم حقهما، حتى يعلم الإنسان أن القضية ليست قضية كونهما بحاجة إليك أو ليسا بحاجة، القضية قضية العاطفة، ولذلك قد يخرج الابن للجهاد دون استئذان والدَيه، فيبلغ استشهاده الوالدان، فيتسخطان على القدر، فينجو الابن ويهلك الوالدان، ويكون ذلك أعظم ما يكون من العقوبة، وهذا ذكره العلماء في الحِكَم المترتبة على استئذان الوالدَين. ولعل الله له حكمة؛ يعلم أن خروج الإنسان للجهاد في هذه الفترة فيه فتنةٌ له، أو أنه لا يخلُص، أو أن هناك أمامه أمورٌ تعيقه عن أن تكون شهادته مقبولة، فيبتليه الله بالوالدين، يقول له الوالد: لا، لا تخرج، وتقول الوالدة: لا تخرج، فيصبر ويحتسب حتى يبلغ رضا الوالدين، ثم يجمع الله له بين الحسنيين، فوالله ما أرضى أحدٌ والديه وترك الجهاد إرضاءً لهما إلا جعل الله له باب شهادة قريبة أو بعيدة، فيحتسب الإنسان، ما دام النص يقول: بالاستئذان، ما نخرج إلا بعد الاستئذان، لا اجتهاد مع النص، ولا آراء مع النصوص، ونقف مع قول الله وقول رسوله ﷺ . وبالنسبة للقضية الثانية وهي: قضية خروج الإنسان للجهاد: حبذا لو يسبقه علمٌ أو تسبقه درجة من العلم حتى يكون أرفع ما يكون؛ لأن: أعلى المراتب عند الله: مرتبة النبوة. ثم بعد مرتبة النبوة: مرتبة العلم. ثم بعد مرتبة العلم: الشهادة. ثم: الصلاح. أربع مراتب جمعها الله في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ. ﴾ [النساء:٦٩] هذه أعلى درجة من الجنة ﴿. وَالصِّدِّيقِينَ. ﴾ [النساء:٦٩] تعرفون مَن هم الصديقون؟ إنهم العلماء العاملون ﴿. وَالشُّهَدَاءِ. ﴾ [النساء:٦٩] بعدَهم ﴿. وَالصَّالِحِينَ. ﴾ [النساء:٦٩]. وإنما علت مرتبة العلماء؛ لأنها وراثة وخلافة تلي مقام النبوة، ولذلك كان مقامها أعلى من مقام الشهادة. المقصود: أن يحتسب الإنسان إذا أبى والداه، وينبغي أن يُعلم أنه ينبغي للإنسان إذا أبى والداه عن الاستئذان ألا يلح عليهما، ولذلك قرر طائفة من العلماء على أنه لو ألح على والديه وأحرجهما بالإذن أنَّ الإذن وجوده وعدمه على حدٍ سواء؛ لأنه لم يأخذ برضاهما، وإنما أَخذ بكُرهٍ لهما. فينبغي للإنسان أن يحتسب، إذا وجد الرضا فليعلم أن الله قد اختار له الرضا، وإن لم يجد فما عليه إلا أن يصبر والله يأجره، يقول ﷺ : (إن بالمدينة رجالاً ما سلكتم وادياً -يقول هذا وهو في طخوم الشام، في غزوة العسرة- ولا قطعتم شِعباً إلا كانوا معكم، إلا شاركوكم الأجر، قالوا: يا رسول الله، وكيف وهم في المدينة؟! قال: حبَسهم العذر). فإذا امتنع الوالدان من الإذن لك فقد حبَسَك عذرٌ شرعي، فاعلم أن الله يأجرك، وأن الله يبلغك مراتب المجاهدين. والله تعالى أعلم.

стр. 841

أهمية الحرص على الوقت وترتيبه لطالب العلم وحكم القول بالمجاز في القرآن السؤال ما هي وصيتكم لطالبٍ علم لا يقيم لوقته موعداًً محدداً، بل يجعل الظروف هي التي تحركه مع أنها تكون في مرضاة الله؟ وما حكم القول بالمجاز في القرآن؟ كما يطلب الدعاء منكم لنا! الجواب أما بالنسبة للمسألة الأولى: فإن ترتيب الوقت عاملٌ مهمٌ جداً في الاستفادة لطالب العلم، يُرتب طالب العلم الوقتَ، والأفضل والأكمل بل هو الأصل أن طالب العلم يلتزم بشيخ، ويكون شيخه عالماً عاملاً ملتزماً بالكتاب والسنة، يلتزم به، ويصحبه، ويرافقه، يتأسى بالسلف ﵏، فإذا لازم هذا العالِمَ كان معه، ورتب وقته على حسب دروس هذا العالم، وعلى حسب مجالسه. وأما بالنسبة لإضاعة الوقت فهذا من أعظم المصائب التي تكون على طالب العلم، أعز شيء يملكه طالب العلم: الوقت، والذي يريد العلم يحفظ وقته. وكان الوالد ﵀ إذا ذُكر عنده أحد -أعني: من طلاب العلم- يقول: نِعْم طالب العلم؛ لأنه يراه حريصاً على وقته، وإذا رأى إنساناً كثير الزيارة للناس، كثير الاشتغال بفُضول الدنيا لا يَعُدُّه طالبَ علم؛ لأن مفتاح طلب العلم: الحفاظ على الوقت. ولا أعرف مثله ﵀ في حرصه على الوقت، وأذكر أنه كان بمجرد ما يدخل البيت يستفتح بالصلاة، فيصلي ما كُتِب له، ولا أذكر أنه دخل وجلس على فراشه في حياته كلها معي، أو أنه دخل وجلس على فراشه قبل أن يصلي، إلا إذا كان وقتَ نهي، فيدخل، ثم ينقلب على كتبه، ويقرأ فيها ما شاء الله أن يقرأ، حتى إنه في بعض الأحيان يستمر إلى قرابة منتصف الليل، وإذا دعي إلى مناسبات أو ولائم يأخذ كتابه معه، فإن وجد في هذه المناسبة الفوائدَ أو مجلسَ ذكرٍ وعلمٍ جَلَسَ، فإن وجدهم فلانٌ قال وفلانٌ قال، أخذ كتابه وذهب في ظل شجرة يقرأ حتى يحضر وقت الغداء فيتغدى، ثم يمضي. فطالب العلم أعز شيء عنده الوقت، خاصة إذا كان خرج من مدينته لطلب العلم في مدينة ثانية، وما ترك والديه، ولا ترك إخوانه، ولا قرابته عبثاً، فينبغي للشخص الذي يسافر عن أهله أن يحترق في قرارة قلبه على كل ساعة؛ لأنه حَرَم والديه رؤيته، فينبغي أن يكون الشيءُ الذي من أجله فارقهم أعزَّ من الشيء الذي يكون من أجله موجوداً بينهم. فينبغي الحرص على الوقت، وإضاعةُ الأوقات في القيل والقال والتراهات من أعظم الآفات التي تُضَيِّع على طالب العلم الخيرَ الكثير. فأهم شيء: الحرص على الوقت. ومن الحرص على الوقت أيضاً: إذا جلس طالب العلم مع عالم أو مع طالب علم، فإنه يستفيد، أعني: إذا جلس مع طلاب العلم لا يجلس هكذا صامتاً، بل يسألهم مسألة إن كانوا دونه في العلم، ويطرح عليهم مسألة، ثم يفيدهم بها، وإن كانوا أعلى منه ذاكَرَهم وتواضَعَ للعلم، فهو دائماً يكون في مذاكرةٍ للعلم، فإن مذاكرة العلم عبادة، والإنسان يشتري رحمة الله في طلب العلم في كل لحظاته وحركاته، ويحتسب، حتى إذا جلس مع الناس فإنه يستفيد أو يفيد. هذه رسالة لطالب العلم. أما قضية المجاز في القرآن: فهذه مسألة خلافية: من العلماء من قال: لا مجاز في القرآن. ومنهم من قال: فيه المجاز. والصحيح: أن المجاز موجودٌ في القرآن في غير أسماء الله وصفاته، والدليل على وجوده: أنه لا يستطيع أحد أن ينكر وجود المجاز في اللغة، فالمجاز موجودٌ في اللغة، وهو بلسان العرب، قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان:١٠] فهل يوم القيامة يعبس على الحقيقة؟! وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] هل القلوب بلغت الحناجر حقيقة؟! لا، إنما هو كناية. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] تَمسوهن: كناية عن الجماع. فهذا كله تجوُّزٌ في العبارة. ولكن في أسماء الله وصفاته ليس هناك مجاز. والسبب الذي جعل العلماء يقولون: بنفي المجاز عموماً في القرآن إقفال باب التأويل على الأشاعرة؛ ولكن من الممكن أن نُقْفِل عليهم باب التأويل بأن نقر بوجود الأسلوب؛ ولكن في أسماء الله وصفاته نناقشهم بالطريقة التالية وهي: نقول لهم: إن مما اتفق العلماء عليه: أنه إذا تعارضت الحقيقة والمجاز، فإن الأصح حمل الدلائل في الكتاب والسنة على الحقيقة ما لم يدل الدليل على المجاز، فلما قال الله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: يديه، حملناها على الحقيقة، فلما لم يوجد دليل من الكتاب والسنة على صرف اللفظ عن الحقيقة بقينا عليها، فقلتم: بالصرف - أعني: الأشاعرة - بدلالة العقل، ولا نعتبرها دليلاً كافياً للعدول عن ظاهر القرآن، فمن الممكن مناقشة الأشاعرة -حينما قالوا بالمجاز في الأسماء والصفات- مناقشةً بهذا الأصل، وهذا الأصل قرره الأصوليون في باب تعارض الحقائق. وعلى العموم فإن القول بوجوده أو عدم وجوده يقرر بعض العلماء أنه خلاف لفظي؛ لأنهم يقولون: الأسلوب موجود؛ ولكن اختلفوا هل يُسَمى مجازاً أو أن العرب تكلمت به على هذه الصفة؟! لأن الكلام موجود، قال ﷺ لـ معاذ: (ثكلتك أمك) ما معنى ثكلتك أمك؟! معناها: فقدتك، هل يقصد النبي ﷺ الفَقد؟! (رَغِم أنف امرئ أدرك أحد أبويه أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة) هل رَغِم المراد به الرُّغام حقيقة؟! كل هذا كنايات؛ لأن اللغة العربية لغةٌ واسعة، وهذا هو الذي يعتبر من سماتها وهو: سعتها، فإنه قد يراد ظاهر اللفظ وقد يراد غير اللفظ. فالمقصود أن الأسلوب موجود، قال ﷺ : (عقرى حلقى! أحابِسَتُنا هي؟!) عقرى حلقى، معناهما: عَقَرَها الله، حَلَقَها الله، كناية عن مصيبة، هل يراد أن المصيبة تصيبها؟! ليس المراد ذلك، إنما المراد كناية، كل هذا كنايات، ويعتبر من التجوُّز في العبارة. والله تعالى أعلم.

стр. 842

علاج الفتور في مراجعة القرآن السؤال أحفظ شيئاً من القرآن؛ ولكني لا أراجعه، كلما بدأت في المراجعة فما أنتهي من جزءٍ حتى أنشغل ويصيبني الفتور في المراجعة، وهكذا كلما بدأت، فأعطني علاجاً بارك الله فيك؟! الجواب أكثر من الاستغفار، فهذا سببه ذنب، فمن وجد أنه في طلب العلم يحال بينه وبين العلم فليعلم أن هناك ذنباً حال بينه وبين العلم. فأكثِر من الاستغفار حتى يرحمك الله ، ولذلك قال تعالى: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦]. والأمر الثاني: أن تأخذ جدولاً مرتباً للمراجعة، فترتب ختمك للقرآن كل ثلاثة أيام أو عشرة أيام، كل ليلة ثلاثة أجزاء، أو كل يوم ثلاثة أجزاء، ثم تحافظ على هذا ولو بلغ الأمر مبلغه، فلو أنك كل يوم تقرأ جزءاً ولو حدث ما حدث فلا تترك هذا الجزء، وبإذن الله بعد فترة يقوى حفظك، ويسهل عليك القرآن، هذا مِن تَعاهُدِ القرآن، أقل شيء: أن تجعل لك في اليوم جزءاً، ولو حدث ما حدث لا تترك هذا الجزء، واللهِ إن الأمر يسير، فالآن لو خرجتَ من هذا المكان إلى البيت، جرِّب وابتدئ بجزء، فما تصل إلى نصف الطريق إلا وأنت خاتِمُه؛ لكن مَن يعمل؟! الأمر يسير؛ لكن مَن الذي يعمل؟! فلذلك الإنسان يجاهد، يجعل له برنامجاً أو يرتب له وقتاً معيناً لمراجعة القرآن، ويكون ترتيبه للمراجعة على قدْرٍ يتناسب مع ظروفه. هذا بالنسبة للمراجعة، أمْثَلُ طريقة: أن يحدد له جزءاً أو قدراً معيناً من القرآن يراجعه خلال شهر أو خلال عشرة أيام أو خلال ثلاثة أيام، وهذا أكمل. ولذلك الإمام الشافعي لما جاءته امرأة وسألته عن حجية السنة، قال: أنظريني ثلاثة أيام، لماذا؟! لأنه كان يختم القرآن كل ثلاث ليال، فلما كانت الليلة الثالثة كَبَّر في السحر؛ لأنه بلغ قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وهذا إنما يكون في الثلث الأخير من القرآن. فهكذا كان السلف، ولذلك لما تقرأ كتب السلف تجد عندهم شواهد عجيبة من القرآن، أحياناً يأتيك بآية يستنبط منها معنىً لطيفاً، تستعجب كيف استحضروا هذه المسألة! لماذا؟! لأنهم قوامون الليل بالقرآن، فيختم أحدهم كل ثلاثة أيام، فالمسائل التي تنزل به خلال الثلاثة أيام وهو مشغول بتلاوة القرآن تمر عليه الحجج، وكل شيء كان عندهم يعرضونه على كلام الله، وكان الإمام الشافعي يقول في كلامٍ معناه: أنه ما من معضلة إلا وقد جعل الله حلها في القرآن، فكانوا مع هذا القرآن. فالإنسان يجعل له برنامجاً معيناً يختم فيه القرآن، وبإذن الله يعينه على ذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 843

حكم ترك الدعوة بحجة قلة العلم السؤال كثير من طلبة العلم يقفون عن الدعوة بحجة أنه ليس لهم علم، فيقصِّرون في هذا الجانب، فما رأيكم؟ الجواب لاشك أنه لا بد للدعوة من العلم؛ ولكن -يا إخواني- ينبغي أن يُفَرَّق بين قضيتين: الدعوةُ إلى أصولِ الدين، والقواعدِ العامة، أو النهيُ عن المنكرات العامة الواضحة التي لا تحتاج إلى كثيرِ علم. والدعوة الخاصة. فالدعوة العامة: مثل الدعوة إلى التوحيد، شخصٌ أمامك يعبد الوثن، لا تقل: أنا لن أدعوه حتى أتعلم؛ لأن هذا أمر يستوي فيه عامة المسلمين وهو الدعوة إلى أصل الدين، ويعتبر فرض عين على كل إنسان رأى إنساناً يعبد غير الله أن يدعوه إلى توحيد الله جل وعلا، ولا يُعْذَر أحد بترك هذا الأصل؛ لأنه أمر من الواضحات، أعني: لا يقول أحد: لا، أنا لن أدعو أحداً كائناً من كان حتى أتسلح بالعلم الكامل! كذلك أيضاً: لو رأيتَ إنساناً على الزنا، أو على شرب الخمر -والعياذ بالله- فإن الزنا وشرب الخمر منكران واضحان لا يحتاجان إلى كثيرِ علم، فالنهي عنهما أو التحذير منهما لا يحتاج إلى كثيرِ علم، فهذان يستوي في الدعوة فيهما العلماء والعامة، ولا يُعذر أحدٌ بتركهما. الأمر الثاني: وهو الدعوة إلى خصوصيات الأحكام والمصائب التي تنزل بالناس، ويحتاج فيها إلى علم، وبصيرة، ونور، ومعرفة، فهذه للعلماء، ولا يقف أحد أمام الناس يتكلم في مسألة أو حكم شرعي إلا على بيِّنة: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [الأنعام:٥٧]. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] لا بد من نور الوحي. هذا في الدعوة إلى المسائل والأحكام الخاصة. أما بالنسبة للدعوة العامة، فهذه يستوي فيها كل أحد. ومن هنا ندرك خطأ بعض الناس، حيث يقولون: كل واحد يدعو، وإذا شئت تقول: تتكلم بما فتح الله عليك أمام الناس، فقد يأتي هذا الجاهل حديث العهد بالجاهلية ويقف أمام طلاب علم، وأناس لهم معرفة؛ لكي يتكلم بما فتح الله عليه، فيخبط خبط عشواء. هذا من التفريط ومن الإفراط. فأما التفريط: أن نجد -مثلاً- من يقول: نترك الدعوة حتى يكتمل علم الإنسان؛ فلا يزال الشخص قابعاً على الكتب وعلى العلم، تاركاً المنكرات عن يمينه ويساره، ومن أمامه وخلفه، قرير العين عليها يقول: لا بأس، حتى أنتهي من العلم كاملاً ثم أدعو الناس، لا. القضية وسطية، فالمسائل التي لا يُعذر أحدٌ بجهلها ومسائل أصول الدين مثل شخص لا يصلي فكل إنسانٍ مطالب بدعوته، شخص -مثلاً- لا يزكي كل إنسانٍ مطالب بدعوته. هذه أمور واضحة. أما المسائل الدقيقة فهذه تُعطى لطلاب العلم، وتترك للعلماء، ويُترك القول الفصل فيها لأهل العلم. والمقصود: أن كون طالب العلم يبقى ويقول: أنا لا أدعو حتى أنتهي من طلب العلم، فهذا تقصير، ويتحمل التَّبِعَة، بل يدعو على قدر علمه، ونحن لا نطالِب أن يدعو بما هو فوق علمه؛ ولكن نطالبه بالدعوة على قدر علمه، فطالب العلم -مثلاً- الذي تعلم هدي النبي ﷺ في مسائل، حتى ولو كان في أحكام العبادات، فيا أخي! لو قام بعد صلاة العصر كل يوم يتكلم عن هدي من هدي النبي ﷺ وهو طالب علم، أو يتحدث عن صفة وضوء النبي ﷺ ، هل هذا صعب؟! أو يتحدث عن صفة صلاة النبي ﷺ من خلال السنة! ويبين للناس، فما يتعلم أحد سنة منه إلا كان شريكاً له في الأجر، ولا يدل إنساناً على هدي إلا كان لك مثل أجره، ولو أن هذا الإنسان علم أبناءه وبناته وأهله أو جيرانه أو نطق بهذه السنة كان له مثل أجرهم، فهذا فضلٌ عظيم! فلذلك أقول: إن طالب العلم يعلِّم؛ ولكن على قدر علمه. القضية الثانية: أنه ينبغي أن يصحب هذا العلم شيءٌ من القدوة الحسنة ما أمكن. والله تعالى أعلم.

стр. 844

الألفة بين الزوجين إن من المهم في الحياة الزوجية دوام الألفة بين الزوجين، وذلك يكون بعدة أمور، منها: الشعور بالأمانة والمسئولية، مع وجود الرحمة والرفق بينهما، وأن يعي كل من الزوجين رسالته على الوجه الصحيح، يضاف إلى ذلك المحافظة على العهود التي بينهما، ثم أن يؤدي كل من الزوجين للآخر حقه، مع الغض عن الإساءة والتقصير الذي يقع.

стр. 845

الوصية الأولى: الشعور بالأمانة والمسئولية الحمد لله الذي خلق الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الجلال وله الأسماء الحسنى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده رسوله الذي اصطفي واجتبي، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أولي النهى، وعلى جميع من سار على نهجهم واقتفى. أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله العظيم الكريم في بداية هذا المجلس المبارك أن يبارك لأهل هذا الزواج في زواجهم. اللهم بارك لكلا الزوجين في زواجهما، اللهم بارك لهما وعليهما، واجمع بينهما في خير، اللهم ارزقهما الذرية الصالحة التي تقر بها الأعين. أيها الأحبة في الله: هذا الموضوع -موضوع الألفة الزوجية- موضوع عظيم، يحتاجه أهل الإسلام؛ لكي يعي المسلم عظيم هذه الرسالة النبوية، وهذه الشعيرة المحمدية التي بعثه الله بها رحمة للعالمين، ونعمة لخلقه إذا اتبعوه أجمعين. إن الحياة الزوجية تبتدئ رسالتها من أول لحظة يعقد فيها الإنسان على المرأة، حيث يحس فيها أنه قد تحمل المسئولية أمام الله، وأنه قد وضع في عنقه أمانة عظيمة يقف بها بين يدي الله ﷻ . إذا كتب عقد القران فمعنى ذلك أنها مسئولية وأمانة بين يدي الرحمن، فلذلك يحس الإنسان أنها حياة مبنية على أسس وواجبات شرعية، فليست هي اللذة والشهوة وقضاء الوطر، ولكنها مبادئ كريمة، وأسس عظيمة أرساها كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ لكي يسير المسلم في حياته الزوجية السيرة الحميدة، فيبني للأمة بيتاً يقوم على طاعة الله، وأسرة تحيا لمحبة الله ومرضاة الله. ففي هذه اللحظة الأولى يصبح الإنسان بسببها مسئولاً عن بيت كامل، وعن امرأة، إما أن تكون له طريقاً إلى الرحمة أو طريقاً إلى العذاب، فكم من عقود عقدت انتهت بأصحابها إلى محبة الله ومرضاة الله، وكم من زواجات انتهت بأهلها إلى الجنات والمرضاة، تلك القلوب التي دخلت بيوت الزوجية، وهي تحس برسالة ربها، وتعظيم الأمانة الملقاة على عاتقها، فقامت بواجباتها خير قيام، فربت الأسرة على محبة الله، ومرضاة الله، ودخلت الزوجة على زوجها لكي يقودها إلى رحمة الله، ولكي تقوده إلى مرضاة الله وعفوه. هذه الرسالة العظيمة التي رحمنا الله بها، فحصنت بها الفروج، ودلت بها على منهج العفاف والكفاف، هي منهج النبي صلى لله عليه وسلم، ومنهج الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وفي كتاب الله ، وفي سنة النبي ﷺ مناهج ربانية، وسيرٌ نبوية، تقود المسلم إلى الحياة الزوجية السعيدة. فقد بيَّن النبي ﷺ أساساً عظيماً ينبغي لكل زوج بعد أن يدخل بيت الزوجية أن يحسه ويستشعره. فأول شعور تحس به: الأمانة، وثاني شعور يرثه الإنسان بعد الشعور بالأمانة: أن يكون خير الأزواج لزوجه، ولذلك كم فاضل الله بين الأزواج، فكم من زوج خير بر كريم حليم رحيم أحبه الله بلطفه لأهله، وعطفه وشفقته على زوجه وولده، وكم من قلوب رحيمة بنت بيوت الزوجية على المحبة والمودة والرحمة فرحمها الله بتلك الرحمة، ولذلك صدق النبي ﷺ إذ يقول: (خيركم خيركم لأهله) كما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس بن مالك ﵁. خيركم أي: أعظمكم مقاماً عند الله، وأرفعكم قدراً عند الله، من كان خيراً على أهله، ومن كان رحمة لزوجته ولم يكن عذاباً عليها، ومن كان نعمة لها لا نقمة عليها، ومن كان حكيماً حليماً رحيماً يغزو قلب تلك المؤمنة بالمحبة فتهابه حباً لا كرهاً، وتهابه رغبة لا رهبة ولا أذى ولا إضراراً. ولذلك كان النبي ﷺ له تسع نسوة، ما اشتكت واحدة منهن يوماً من الأيام منه صلوات الله وسلامه عليه، تسع نسوة على محبة له وصفاء، وعلى إجلال له وكرامة ووفاء.
следующие страницы →