← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

علاج مرض الشبهة والشهوة السؤال كيف نعالج قلوبنا من مرض الشبهات والشهوات خاصة بالقرآن الكريم أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب أما مرض الشبهة فإنه مرضٌ يأتي بسبب ضعف الإيمان، فالشبهات ترد على الإنسان بضعف إيمانه، فيغذي إيمانه، أولاً: بسؤال الله أن يصرفها عنه وأن يثبته على الإيمان الذي يحول بينه وبين هذه الشبهات، فأول علاج لمن بلي بالشبهات والشكوك والوساوس والأذية في قلبه وفي صدره، أن يستعيذ بالله جل وعلا، لأن الله يقول في كتابه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦] فأمر الله بالاستعاذة إذا حصلت الشبهة، فأكثر من الاستعاذة فإن الله يعيذ من استعاذ. أما الأمر الثاني: فأن تأخذ بالأسباب التي تبعد الشبهة عنك، فإذا كانت الشبهة من جليس سوء فابتعد عنه وإياك أن تجلس معه؛ لأن الله أمرك أن تقوم إذا ذكر الله بما لا يليق به في مجالس الظالمين ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]؛ فلا يجوز للإنسان أن يجلس في المجالس التي تثار فيها الشبه ويضعف فيها الإيمان. أما الأمر الثالث من الأسباب التي تعين على انصراف الشبهة: أن تأخذ بالأسباب التي تزيد في الإيمان، ومن أعظم ذلك تلاوة القرآن وتدبره، أن تختار لتلاوة كتاب الله أنسب الأوقات، وأن تقبل على كلام الله وأنت تحس كأن الله يخاطبك، وكأن الله يناديك، وكأن الله يوصيك، فإذا استشعرت بهذا الشعور دخلت الآية إلى سويداء قلبك وتغلغلت إلى جنانك وكان لها أطيب الأثر على جوارحك وأركانك، وكف الله بها عنك الوساوس والشكوك، القرآن فيه الحجج وفيه الآيات، وهذه الحجج والآيات تقوي القلب، وتجعل فيه الحصانة والقوة من هذه الشبهات التي ترد على القلب. أما مرض الشهوة فابتدئ بأسبابها، فما كان من أسباب تثير الشهوة فابتعد عنها، غض البصر عن الحرام، وعن استماع الفحش والآثام، واجعل جوارحك سليمة عن مظان الريب والفتن؛ فإن ذلك يعصم الله به قلبك، فإن الإنسان إذا حفظ سمعه وبصره صانه الله عن الشهوات، ولم يجد الشيطان عليه سبيلاً أن يعلق قلبه بها، ثم خذ بالأسباب التي تزيد في إيمانك حتى تقوى على البعد من الشهوات، وقال بعض العلماء: إن عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم من أعظم الأسباب التي توقع الإنسان في الانتكاسة بشهوة أو شبهة، فيبتعد الإنسان عن عقوق الوالدين وأذية الوالدين, وقطع الأرحام، لأن الله يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣] قال: أصمهم فلا ينتفعون بموعظة، وأعمى أبصارهم فلا يهتدون ببصيرة -نسأل الله السلامة والعافية- وكل ذلك بسبب قطيعة الرحم، فأكثر ما يقع الإنسان في شهوة أو شبهة إما بذنب بينه وبين الله وإما بذنب بينه وبين عباد الله. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجيرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، والله تعالى أعلم.

стр. 912

الرياء وحب الشهرة السؤال فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا طالب علم وعندي رغبة شديدة في الطلب -ولله الحمد- إلا أنني أجد ميلاً إلى الشهرة وأن يشار إلي بالبنان، ويعلم الله أني أكره هذا الشعور؛ لأنه ينافي الإخلاص، وحاولت دفعه عن نفسي فلم أستطع فهل من نصيحة ينفعني الله بها؟ أعظم الله لكم الأجر. الجواب الشهرة مصيبة، وحب النظر فتنة، فإن الرسول ﷺ يقول: (من تعلم العلم ليماري به السفهاء أو ليجادل به العلماء -وفي رواية: أو ليصرف وجوه الناس إليه- فليتبوأ مقعده من النار). فالعلم يراد به وجه الله، ولا يراد به أي شيء سواه، وكان بعض السلف إذا أراد أن يحُدث قيل له: حدثنا، قال: حتى تأتي النية، كانوا يخافون من النيات وحب الشهرة وحب الظهور، وقال سفيان الثوري ﵀: [ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي، إنها تتقلب علي] وهو إمام من أئمة السلف في الصلاح والورع. فحب الظهور، وحب الشهرة، وحب التفاف الناس ونظر الناس فتنة، ويأتي صاحبها يوم القيامة بين يدي الله وقد عمل الصالحات والأعمال الطيبات، (فيقول الله: ماذا أردت بهذا، فيقول: يا رب أردت وجهك، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة كذبت، إنما تعلمت وليقال فلان عالم وقد قيل، اذهبوا به إلى النار) نسأل الله السلامة والعافية. وكان أبو هريرة ﵁ إذا حدَّث بهذا الحديث غشي عليه ولربما يغشى عليه ثلاث مرات، يغشى عليه فيفيق، ثم يغشى عليه فيفيق، ثم يغشى عليه فيفيق ﵁ وأرضاه من شدة أمر الإخلاص في العلم. لذا ينبغي على الإنسان أن يوطن نفسه بالإخلاص قبل العلم، وقد يصاب طالب العلم في بداية طلب العلم بحب الشهرة، ولكن إذا أراد الله به خيراً كسر قلبه في آخر العلم، ولذلك قالوا: أول العلم طفرة وغرور وآخره إنابة إلى الله جل وعلا وخشية. فالعلم قد يكون في أوله شيء من الزهو، فينبغي على طالب العلم ألا يسترسل مع هذه الآفات؛ لأنه ربما يجد من يزكيه ويثني عليه، فلا تغتر بهذا، تعلق بالله فإنه نعم المولى ونعم النصير، والله! إذا رضي الله عنك، وسخطت عنك الخليقة كلها لم يضرك سخطها، وإذا سخط الله عنك ورضيت عنك الخليقة كلها، لم ينفعك شيء أن تكون راضية عنك، تعلق بالله، فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه، والغرور والزهو لا فائدة فيه، تصوَّر لو أن الأنظار رفعت إليك والأسماع أصغت إليك ثم انتهى كل شيء، ما الذي تجنيه من نظر الناس واستماعهم والتفافهم حولك إلا أجرٌ ترجوه لآخرتك، فالإنسان العاقل الحكيم لا يلتفت إلى مثل هذا، فالغرور والشهرة وحب الظهور والعجب بالنفس من آفات القلوب، ولذلك قال مطرف بن عبد الله الشخير وهو من أئمة السلف: [لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إلي من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً]. فالإنسان الحكيم العاقل لا يلتفت إلى الدنيا فمتاعها قليل وما عند الله خير وأبقى، إن العمل القليل الذي يراد به وجه الله أعظم لأجرك، والعمل الكثير الذي لا يراد به وجه الله لا خير فيه ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] فالله الله أن تجعل علمك وتعليمك هباءً منثوراً، الله الله أن تذهب عليك ساعات ليلك وساعات نهارك دون أن تجني بها حسنة عند ربك، نسأل الله العظيم أن يسلمنا من هذه الفتن وأن يعيذنا منها، والله تعالى أعلم.

стр. 913

الإحسان إلى الوالدين واجب مع الصبر عليهما السؤال أنا شاب أحب الخير لنفسي وللناس، ولكن والدي يسرف على نفسه بالمعاصي من استهزاء بالدين وإطلاق القبيح من السباب والألفاظ ولا يتورع عن ذلك، ومع ذلك فأنا أخاف عليه خوفاً شديداً حتى أنه أحياناً يأمرني بأشياء لا ترضي الله، فماذا أفعل تجاه هذا الأب، رغم أني إنسان مقصر في جنب الله أيضاً؟ وجزاك الله خيراً. الجواب أما ما ذكرته -أخي في الله- من تذكيرك بالله ودعوتك إلى الله؛ فلا خرس لسان منك داعياً إلى الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] لا أحسن مما تقول ما دام أنه ذكر لله، ولا أطيب مما نطقت به ما دام أنه دعوةٌ إلى الله، فلا أحسن من هذا الكلام الذي تتكلمه، فأسأل الله العظيم أن يعظم به الأجر لنا ولك ولجميع المسلمين. فالدعوة إلى الله عماد الدين، وهي الخير لعباد الله المؤمنين، فاستدم على ما أنت عليه ثبت الله قلبك ولسانك. أما الوصية الثانية: فلا يضعفك تقصير الأب في جنبك وجنب الناس، وإياك أن يأتيك شيطان الإنس والجن ويقول: أنت تعظ الناس وأبوك في غفلة، فما ضر عكرمة كفر أبيه، ولا ضر الصحابة رضوان الله عنهم ما حصل من تقصير من عشيرتهم ومن قرابتهم، عليك نفسك والله حملك أمرها، فإن استجاب الناس لك فالحمد لله، وخير من الله، وإن لم يستجيبوا؛ فألق الأحمال وأعذر إلى الله الكبير المتعال، وسر إلى الآخرة وقد بلَّغت رسالة الله، وأديت شريعة الله إلى عباد الله، فلا تضعف بتقصير الوالد. وأما ما كان من أذية من أبيك؛ فاصبر رحمك الله على أذيته، واصطبر على ما كان من بليته، فإن الله يعظم أجرك، ولا تقصرنَّ في بره، فإن أبلغ البر إذا آذاك أبوك، ولعلك من التزامك وطاعتك لربك وهدايتك سلط الله عليك أباك؛ لكي يرفع من درجاتك ويعظم من حسناتك، ويكفر ما كان من خطيئاتك وزلاتك، فاصبر رحمك الله، وكثير من الأخيار إذا التزموا أوذوا من الآباء وأوذوا من الأمهات ومن الإخوان والأخوات وهذه الأذية كلها ابتلاء من الله جل وعلا، فاصبر واصطبر ولا يمنعك أذية الوالد لك أن تبره، فإن سعداً ﵁ وأرضاه لما عصت أمه ودعته إلى الكفر وامتنع من ذلك أنزل الله عليه: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥]. فبر أباك وأحسن إليه ولعل الله أن يجعل من برك له سبباً في هدايته وصلاحه، نسأل الله له ولجميع المسلمين التوبة والإنابة والله تعالى أعلم.

стр. 914

حكم كشف الطبيبة على الرجال والطبيب على النساء ونصيحة للنساء السؤال نريد منك نصيحة للنساء أو موعظة. وهل يجوز للطبيب أن يكشف على المرأة؟ وهل يجوز للطبيبة أن تكشف على الرجل؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فأما ما ورد في السؤال من حكم كشف المرأة على الرجل وكشف الرجل على المرأة فإنه إذا وجدت الحاجة فلا حرج في ذلك، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه أقر النساء بخروجهن معه في الغزوات، قالت أم عطية ﵂ كما في الصحيح: (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ نداوي الجرحى ونسقي المرضى). لا حرج في كشف الرجال على النساء والعكس إذا وجدت الحاجة، أما إذا وجد الطبيب من الرجال للرجال، ووجدت الطبيبة من النساء للنساء، فحرام على المرأة أن تذهب إلى الرجل، وحرام على الرجل أن يذهب إلى المرأة، فلا يجوز كشف الرجال على النساء، ولا كشف النساء على الرجال إلا من ضرورة وحاجة، وتتحقق الضرورة أولاً بوجود المرض، وبوجود الشكوى من المريض، أما إذا لم توجد الشكوى وكان الفحص فحصاً فضولياً أو كمالياًَ فإنه لا يجوز لها أن تكشف ولو لم تجد رجلاً. الأمر الثاني بعد وجود الحاجة: أن تؤمن الفتنة من ذلك الكشف، فيكون الكشف بالوجه المعروف الذي أذن الله فيه، فيكشف الطبيب عن المحل المحتاج لعلاجه، ويتقيد بالنظر على قدر الحاجة دون زيادة في الزمان ودون توسع في المكان، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة إذا كشفت على الرجل، أما إذا وجد البديل فإنه كما قلنا يحرم على الرجال أن يكشفوا على النساء ويحرم على النساء أن يكشفن على الرجال. أما ما سألتيه من تذكير أخواتك المسلمات فاعلمي أختي المسلمة أن الله يرضى لك الطاعة ويكره لك المعصية، استقيمي على طاعة الله فإن الله يحب المطيعين، وأكثري من ذكر الله فإن الله يحب الذاكرين، وخذي بخصال الخير التي توجب رحمة الله وأعظمها بر الوالدين وصلة الأرحام، والإحسان إلى ما عندك من الأبناء والبنات، قال ﷺ : (من ابتلي بشيء من هذه البنات فرباهن فأحسن تربيتهن، وأدبهن فأحسن تأديبهن إلا كن له حجاباً من النار) فأحسني إلى أبنائك وبناتك، واتقي الله في ليلك ونهارك، وأحسني إلى بعلك، كما قال ﷺ في حديث أم سلمة: (فأيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ؛ دخلت الجنة) فأحسني إلى البعل وأكرمي العشير، فما رأيت من خير فاحمديه، واشكري الله على ما كان منه من خير، وما رأيت من شر وسوء فاستريه لعل الله أن يسترك في يوم تنكشف فيه السرائر والفضائح. أحسني إلى الجيران فقد قال ﷺ : (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) أحسني إلى الجيران بالإحسان إليهم بالمال بالإحسان إليهم بالدعوة إلى الخير بستر عوراتهم وتفريج كرباتهم، واحتسبي عند الله الجميل. الوصية الأخيرة: أن تكفي اللسان، فإن اللسان مطية إلى النيران: (قال: يا رسول الله! أو إنا مؤاخذون بما نقول؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟!) أمسكي عليك اللسان، وإياك والقيل والقال، وما اشتمل عليه من الغيبة والنميمة، ولا تلمزي إماء الله، واتقي الله في أخواتك المسلمات وثبتي القلوب على الطاعات تستوجبي من الله جزيل المكرمات والله تعالى أعلم.

стр. 915

قسوة القلب رقة القلوب مهمة في حياة الداعية وطالب العلم وغيرهما؛ لذلك جاءت هذه الكلمات النيرة لتوضيح وتفصيل الأمور التي تيسر السبيل إلى رقة القلوب، فلتلتزم علّ الله أن ينفع بها.

стр. 916

أهمية القلوب التي في الصدور الحمد لله علام الغيوب، مفرج الهموم والغموم ومنفس الكروب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مقلب الأبصار والقلوب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي بعثه بالهدى ودين الحق فأنار به السبل والدروب، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته والتابعين، ومن سار على نهجهم المبارك، ما آذنت شمس بغروب. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: إخواني في الله: في الجسد مضغة، أخبر النبي ﷺ عنها أنها (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) هذه المضغة هي محل نظر الرحمن، ومنزل التوحيد والإيمان، اختارها الله ﵎ لكي تكون محط الإيمان به، الذي هو أعز وأشرف صفة يتخلق بها عبد الله في هذه الحياة، وما قامت السماوات والأرض ولا كان الحساب والسؤال والعرض إلا لأجل الإيمان. هذه المضغة: هي محل هذا الأمر العزيز عند الله ، ولو وجد الله في الجسد مضغة أعز عليه منها لجعلها مسكناً للإيمان والتوحيد. لذلك أحبتي في الله كم نظر الله إلى هذه القلوب، فأحبها وأحب أهلها، وكم نظر إلى هذه القلوب، فآذنها بغضب منه وعذاب.

стр. 917

القلوب محل نظر الرحمن القلوب هي محل نظر الرحمن، فكم من أمة اجتمعت على طاعة بينها كما بين السماء والأرض صلاحاً وفلاحاً بسبب القلوب، كم من أناس جمعتهم المساجد، وقاموا مع كل قائم وركعوا مع كل راكع وسجدوا مع كل ساجد، ولكن بينهم كما بين السماء والأرض؛ لأن القلوب اختلفت والأفئدة تباعدت، فأفئدة لا تعرف إلا الله، وقلوب ما سجدت إذ سجدت إلا لوجه الله، وقلوب ما انتصبت أقدامها إلا وهي ترجو رحمة الله، وقلوب ما نطقت بذكره ولا لهجت بشكره إلا وهي ترجو رحمة الله، إنها قلوب المخلصين، إنها قلوب المتقين العابدين، التي استقر فيها الخوف والخشية من إله الأولين والآخرين. القلوب وما أدراك ما القلوب! هي الميزان عند الله ، حتى ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه جلد شارب الخمر الذي عصى الله ورسوله فطفق الصحابة يسبونه، فقال ﷺ : (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم إنه يحب الله ورسوله) إنه يحب الله ورسوله، فظاهره الفسوق، وباطنه المحبة لله ، فكم من ظواهر تبطنت جواهر لا يعلمها إلا الله ، ورب أشعث أغبر ذي طمرين، إذا رأيته احتقرته في ملبسه، واحتقرته في منظره وهيئته، تبطن قلباً وأي قلب! له عند الله مكان وجلال وهيبة، لو أقسم على الله لأبره، ولو كاده أهل السماوات والأرض لأعزه الله وما أذله. إنها القلوب التي اختارها الله لكي تكون معادن الإيمان والإخلاص للرحمن، لذلك كم تنزلت على رسول الله ﷺ من آيات، وكم حذرت في الكتاب والسنة وعلى المنابر من عظات باللغات، تقود هذه القلوب إلى الله وتدلها على رحمة الله، وتريد منها استكانة وخشوعاً وخضوعاً وذلة لله .

стр. 918

القلوب هي الميزان في صلاح العمل أحبتي في الله: القلوب هي الميزان في صلاح العمل، هي الميزان في القرب من الله والتعلق في الله ، حتى ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال في أبي بكر الصديق، الإمام الجليل، والصحابي الكريم، أفضل الصحابة وأعلاهم عند الله مكاناً وشأناً، فدى رسول الله بروحه وماله، ﵁ وأرضاه، وجعل أعالي الفردوس مثواه، هذا الصحابي الجليل نال هذه المرتبة العظيمة بفضل الله، ثم بشيء وقر في صدره، وبإيمان ثبت في قلبه، حتى قال ﷺ : (أما إنه لم يسبقكم بكثير صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في القلب) وما هو ذاك الشيء سوى اليقين والتعلق بالله رب العالمين، والاستكانة والذلة والإخلاص في العبودية لله إله الأولين والآخرين. وليس هناك قضية يحتاج المؤمن إلى علاجها وصلاحها وإصلاحها مثل قضية قلبه وفؤاده، نحتاج إلى وقفة مع هذه القلوب، نحتاج إلى وقفة مع هذه الأفئدة التي طال بعدها عن الله وعظمت غربتها عن الله، فكم من شابٍ اهتدى واستمسك بسبيل المحبة والرضا، ولكن في قلبه من القسوة ما لا يشتكى إلا إلى الله جل وعلا، كم من شباب تفطرت قلوبهم وأفئدتهم حزناً يتمنون قلباً رقيقاً، يتمنون من الله أن يرزقهم قلوباً تذل لوجهه وترق لجلاله وعظمته، حتى إذا ذكرت بالله اطمأنت وإذا بصرت بالخير اهتدت، فهي أمنية عزيزة عند عباد الله الأخيار. صلاح القلوب ولينها ورقتها وخشوعها لله علام الغيوب، أعز أمنية وأشرف مطلوب.

стр. 919

ضرورة الاعتناء بترقيق القلوب لذلك أحبتي في الله! قسوة القلب ولينه، رقة القلب وغلظه، أمر عظيم، حتى إن الله أخبر نبيه، أن صلاح أمور الدعوة إلى الله تقوم على رقة الداعية إلى الله، قال : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ولو كان قلبك قاسياً لانفضت هذه الجموع الرقيقة الرفيقة من حولك يا رسول الله. لذلك أحبتي في الله! رقة القلوب يحتاجها أحب العباد إلى الله وهم أنبياؤه والهداة والدعاة إلى الله، وطلاب العلم، وعامة الناس وخاصتهم، وإذا لم تلن القلوب لله فلمن تلين القلوب؟ وإذا لم تذل القلوب لله فلمن تذل القلوب؟ وإذا لم ترق القلوب لكلام الله فلمن ترق القلوب؟ فبأي شيء تلين تلك القلوب؟ أحوج ما نحتاجه أن تكون هذه القلوب رقيقة، حتى إذا قيل لها: قال الله، خشعت واطمأنت وخضعت وأذعنت لله ، نحتاج إلى رقة القلوب حتى إذا وقف المؤمن تلك الوقفة التي تحتاج إلى القلب الرقيق عل الله أن يرفق به كما رفق بعباده، فيجد من الله نفحة من رحماته. ولذلك أخبر النبي ﷺ كما في حديث السنن: (أن الراحمين يرحمهم الله) وهل رحمة القلوب إلا بلينها؟!! بل ثبت في الحديث الصحيح عن المصطفى والحبيب المجتبى ﷺ : (أنه مر عليه الأقرع بن حابس وقد وضع صبيه في حجره يقبله صلوات الله عليه وسلامه من حنان قلبه وفؤاده ولينه، فقال له: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت واحداً منهم، فقال ﷺ : أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك) أي أيُ شيء أملكه ما دام الله قد نزع الرحمة من قلبك. فلين القلوب يحتاجه الوالد مع ولده، وتحتاجه الوالدة مع ولدها، أمنية عظيمة وغاية سامية كريمة، لا تصلح الأحوال إلا بها بإذن الله ، ومتى وجدت الأب ذا حنانٍ ورحمة بابنه وبابنته، وجدت ذلك البيت ترفل فيه السعادة، ومتى وجدته حليماً رحيماً بأهله وزوجه ﵀، فجعل بيته تضفي عليه السعادة خيراً كثيراً. وكذلك إذا وجدت تلك الأم المسلمة المؤمنة الحقة تضفي على أبنائها حنان القلب النابع من رقة الفؤاد وجدت صلاح ذلك البيت وفلاحه، ومن هذا كله نعلم أن رقة القلوب وذلتها لله، نحتاجها في جميع شئوننا وفي جميع أحوالنا، حتى مع أهلينا وبناتنا. يحتاجها الداعية إلى الله في دعوته، حينما يكون رحيماً بالناس رفيقاً بهم كما كان المصطفى ﷺ ، يحتاجها طالب العلم، حتى إذا جلس في مجالس العلماء، جلس بقلب يجل كلام الله ورسوله ﷺ ، وهل توجد حلاوة طلب العلم إلا بعد ذلة القلوب ورقتها؟ ومتى وجدت طالب العلم يجلس في مجالس العلم، بقلب خاشع رقيق ذليل لله ، وجدت فيه سكينة ووقاراً وبهاء. ولذلك قال الحسن البصري ﵀: [كان الرجل إذا طلب العلم ظهر ذلك في وجهه وفي يده وفي لسانه وفي تخشعه] أي: أصبح خاشعاً لله . إذاً: لا بد من رقة القلوب، ولذلك إذا عزبت هذه الخصلة الكريمة وغابت هذه الصفة التي هي صفة رحيمة عن الإنسان وأصبح قلبه بخلاف ذلك تدمرت حياته، وتنغص عيشه، وتكدر خاطره، وكان من العناء والبلاء ما لا يعرفه إلا رب الأرض والسماء، فما الذي أفسد الدعوة على الداعية إلا غلظه على العباد، وما الذي أفسد الزوجة على زوجها والزوج على زوجته إلا القلوب القاسية التي لا تراقب الله في المعاشرة الزوجية. وكذلك ما أفسد الأبناء وجعل أبناء المسلمين يعيشون ليلهم في حيرة وقلق، حتى ضاع الأبناء وضاعت البنات عن الحنان والرقة والرحمة الأبوية، إلا فوات هذه الخصلة الكريمة، خصلة الكرام وأهل الإسلام: رقة القلوب وإنابتها إلى الله . أحبتي في الله: إذا غابت عظم البلاء واشتد العناء، وشهد الله من فوق السماء، أنها سبب في البلاء وأي البلاء، بل إنه توعد من فقد هذه الخصلة بوعيد شديد، وعذاب من الله أكيد، فقال وهو الحميد المجيد: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢] ويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، ويل لقلوب تسمع القرآن ولا تخشع عند سماعه، ويل لعيون ذكرت بكلام الله فلم تسح بالبكاء من خشيته، وويل لأسماء ذكرت بوعد الله ووعيده فلم تصغ لكلامه، ويل في الدنيا وويل في الآخرة. ولذلك تجد أصحاب القلوب القاسية في عذاب من الله وعناء، ولو كان الواحد منهم على الفراش الوثير وفي العز والنعمة والخير والجاه والغنى، لكنه يحس أنه في قلق نفسي واضطراب شخصي، لا يقر قراره ولا ترتاح نفسه بسبب هذه الخصلة التي لا يحبها الله. إذا قست القلوب وعد الله أهلها بنكد العيش ونغصه وعذابه. لذلك -أحبتي في الله- صفات القلب الحبيبة إلى الله، من أجلها ذلتها ورقتها وخشوعها لله، ولذلك ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه سأل الله وضرع إلى الله أن يعيذه من قلب لا يخشع لوجهه، فقال: (اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع).

стр. 920

الأسباب التي تعين على رقة القلوب متى بلي الإنسان بقسوة القلب، تنغص عيشه بوعد من الله . لذلك -أحبتي في الله- يحتاج المؤمن إلى من يذكره بما يعين على رقة قلبه وفؤاده وما لانت القلوب بشيء مثل سؤال الله ملك القلوب أن يقلبها على الرحمة والرقة، فلذلك كلنا يسأل: كيف السبيل إلى رقة القلوب؟ وكيف السبيل حتى تكون القلوب رقيقة حليمة رفيقة، قريبة من الله، ترجو رحمة الله، وتخشع عند كلام الله، علها تفوز برضوان الله.

стр. 921

السبب الأول: الدعاء إن أعظم الأسباب التي تعين على رقة القلوب وذلتها لله: الدعاء، وما شرح الله صدر عبد بالدعاء إلا أعطاه مسألته، حتى قال بعض السلف: إني لأعرف متى يجيب الله دعائي، إذا شرح صدري لدعائه. فالله من كرمه لا يشرح صدرك لدعائه إلا وهو متفضل عليك، فليكن أول ما يراه الله من العبد الذي يريد رقة قلبه وفؤاده أن يرفع الكف الصادقة إلى الله، ويسأله أن يهبه قلباً رقيقاً، فكم من أقوام كانت قلوبهم أقسى من الحجارة، ولكن ضرعوا إلى الله فلانت، وما أعظم لينها! ولقد كان الرجل في الجاهلية الجهلاء من أعتى الناس وأشدهم فسقاً وفجوراً واعتداءً لحدود الله، ولكن ما إن ﵀ برحمته ونفحه بفضله إلا وأصبح من أرق الناس قلوباً. عمر بن الخطاب، كان ﵁ في الجاهلية شديداً على الإسلام قوياً على رسول الله ﷺ وأصحابه، وجاءت لحظة واحدة قلب الله قلبه، فأصبح من أرق الناس قلوباً، وكان ﵁ إذا قام في الصف يتلو آيات الله خنقته العبرة حتى يُسمع نشيجه من ثالث الصف أو آخر القوم، وما ذلك إلا بفضل الله. فأول ما يفعله الإنسان الذي يريد أن يكرمه الله برقة قلبه وفؤاده أن يدعو الله في صباحه ومسائه، وفي مظان الإجابة أن يرقق قلبه لذكره ويهبه القلب الرقيق الذي تستدر به رحمات الله، وتنال به الدرجات من عند الله ، قل: اللهم إني أسألك قلباً رقيقاً، واستعذ بالله من قلب لا يخشع.

стр. 922

السبب الثاني: تذكر منازل الآخرة أما السبب الثاني الذي هو من الأسباب التي تعين على خشوع القلوب وذلتها لله ﵎: أن يتذكر الإنسان منازلاً لا بد من نزولها، ومواطن لا بد من حلولها، أن يصير الإنسان من هذه الدنيا إلى دار قريبة ومنازل عجيبة، يعيش أشجانها وأحزانها، وبين أهلها في أتراحها وأفراحها، أن يزور المقابر وأن ينظر إلى أهل تلك المقابر بعين متفكرة متأملة، في تلك القبور المتدانية، والمنازل المتقاربة، والتي بينها من النعيم والجحيم ما لا يعلمه إلا الله. كم من قبور تقاربت بينها وبين الرحمة والعذاب ما لا يعلمه إلا الله، قبور في أعالي النعيم، وقبور في دركاتٍ من الجحيم ينادون ولا مناد، ويستغيثون ولا مغيث، ويستجيرون ولا مجير، فينظر في أحوالهم ويتذكر كيف لو صار إليهم، وزف بين العباد إلى منازلهم، كم من قبور في الظلمات، وفي الكهوف ملئت أنواراً ورحمات، وكم من قبور حولها الناس يضحكون ويلعبون، ويسرحون ويمرحون، فيها العويل والصراخ، وفيها الفزع الذي لا يعلمه إلا الله . ما نظر المؤمن إلى هذه المنازل ولا تفكر في هذه المواطن إلا جاءه قلبه خاضعاً وفؤاده من خشية الله ذليلاً خاضعاً والعين من خشية الله دامعاً. أحبتي في الله: ما دخل ذكر الآخرة إلى قلب إلا لان لله ، فالمؤمن الصادق لزيارة المقابر حظ عنده، يزورها ما استطاع زيارتها، ويقف عندها وكأنه من أهلها، ينظر إلى الإخوان والأخوات، ينظر إلى الأحباب، والأصحاب والخلان، والآباء والأجداد، والأبناء والأحفاد، وينظر إلى ما هم فيه، ويتفكر كيف هم فيه، عله أن يكسر الله قلبه من خشيته، فوالله ما استقر ذكر الآخرة في قلبٍ إلا أناب إلى الله، وما الذي أقض مضاجع الصالحين فكانوا ﴿قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] غير ذكر الآخرة، تذكروا منازلها، وعاشوا بين أهلها، فكان حظهم من الليل قليلاً، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة:١٦] تتجافى جنوبهم عن المضاجع؛ لعلمها أنها ستضطجع في تلك المضاجع. لذلك أحبتي في الله: فإن كان القلب قد وجد الرقة في هذا المشهد وتذكر هذه المنازل وعاش بين أهلها في السرور وفي الشرور، عندها يجد الإنسان رحمة الله بلين قلبه، فإن أصر القلب على العناد واستمر في القسوة عن ذكر رب العباد فخذه إلى منزلة من هذه المنازل، وذكره بصيحة تفزع فيها تلك القبور، وتبتدأ عندها معالم الهول والنشور، ذكره بتراب ينفض عن الأجساد، وبخروجهم من بين تلك الأحجار والأشجار والأعواد فرادى إلى الله، مرتهنين بالأقوال والأعمال، عله أن يرق من خشية الله ويخضع وينيب إلى الله، فإن أبى وأصر! فذكره بمقام طويل وشمس تدنو على الرءوس، ويذكر الجسد بحر شمس الدنيا علَّه أن يحس ببعض لهيبها، لعله أن يتذكر طول القيام بين يدي الملك العلام، فعندها يأبى ذلك القلب إلا خضوعاً وذلةً لله ، فإن أبى فذكره بالصراط وزلته، والحساب وشدته، والسؤال ومؤنته، وذكره بذنوب خلت في أزمنة مضت، لا يدري المؤمن هل كفي حسابها، وهل ستر عقابها. ذكره بالخطايا والذنوب والرزايا، عله أن يعي مكانه عند الله، ويعلم أن المقام بين يدي الله شديد عليه، فيذل لله وينطرح بين يديه، ذكره هذه المشاهد، وأقم له هذه المواقف، عله أن ينكسر من خشية الله، ووالله ما استقر خوف الآخرة في قلب عبدٍ إلا أناب إلى الله . وما أخبار السلف وأخبار من مضى من الصالحين هذه الأخبار العجيبة ما كانت ولن تكون بشيء أعظم من توفيق الله ثم ذكر الآخرة.

стр. 923

السبب الثالث: تلاوة القرآن مع التدبر وأما السبب الثالث الذي يعين على رقة القلوب: فـ ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، كتاب لو نزلت آياته على الجبال لاندكت ولو نزل على الرواسي من خشية الله لانهدت، عرضت أماناته وعباداته ومعاملاته على ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢]. هذا الكتاب الذي سمعته الجن فقالت: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ [الجن:١ - ٢]. هذا الكتاب ما إن تصغي أذن إليه وتستحضر مجلساً يذكر به العبد بآياته وعظاته إلا وأثر في الفؤاد، ولذلك أخبر الله عن حال من تدبر هذا القرآن وتفكر به، وأنه يجني ثماره الخيرة في دينه ودنياه وآخرته، فقال تقدست أسماؤه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣] ما استطاع الواحد منهم أن يتمالك دمع عينه؛ بسبب ما وقر في قلبه من كلام الله ، كتاب الله حبله المتين، الذي ما تمسك به أحد إلا نجا، جعله الله شفاء لما في الصدور، وموعظة من الله الجليل الغفور. هذا الكتاب إذا أردت أن يخشع قلبك ويلين لله فأكثر من تلاوته، وإذا تلوت القرآن فاعمل ما يأتي: أولاً: تتلوه وأنت ترجو رحمة الله ، إذا وضعت القرآن في حجرك فضعه وليس في قلبك إلا الله، ضعه وأنت تحس أن الله يخاطبك، ضعه وأنت تحس بأنها رسالة جاءتك من ملك الملوك، حتى إذا وضعته بذلك القلب المخلص الذي لا يريد إلا رحمة الله، لو أن الخلق أمامك فإنك تتمنى لو قرأت القرآن بينك وبين الله من إخلاصك وعمارة قلبك بالإخلاص. فأول خصلة لمن يريد أن يخشع قلبه لذكر الله أن يكون مخلصاً في تلاوته. ضع القرآن وأنت تتفكر وتستشعر عظمة هذه الرسالة وعظمة من أُرسل بها وعظمة من أرسله، حتى إذا جلست بهذا الشعور وقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أحسست أنك بحاجة أن يعصمك الله من عدوك اللدود، فجاءك من الله التيسير والفتح، فأصبحت في حرز وحصن من الله، تستفتح الآية الأولى وأنت تتدبرها وتتفكر فيها، وتستشعر معانيها، والله إن الآية من كتاب الله، إذا تليت بقلب يستشعر معناها ويحس ما فيها، والله قد تبقى مع الإنسان سنين عديدة، آية واحدة من كتاب الله: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:٩ - ١١]. كل الآخرة يجمعها لك في آية واحدة، وكل الدنيا خيراً وشراً نفعاً وضراً في آية واحدة، فإذا قرأتها وأنت تستشعر عظمة هذا الكتاب وتتفكر في هذه الآية التي تتلوها، فإنه في بعض الأحيان إذا كان الإنسان يستشعر لذة هذا القرآن وحلاوة آياته لا يستطيع أن يجاوز آية واحدة. والله لو أن القلوب صادقة في تلاوة كتاب الله، لما استطاعت أن تجاوز آية من الوعد والوعيد من كلام الله ، ولذلك كان بعض السلف يستفتح قيام الليل بآية لا يزال يرددها والبكاء يغلبه. عمر بن الخطاب ﵁ استفتح قيام الليل فقال: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ:١] فما استطاع أن يكملها وهو يرددها من البكاء ويغلبه النشيج ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ:١] عن أي شيء يتساءلون، فسمت نفسه إلى عالم غير العالم الذي هو فيه ﴿عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ:٢ - ٥] من يقرأ هذه الآيات؟ كيف يكون أثرها في قلبه؟ ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:١ - ١١]. أبان لك عاقبة الجماد والحي؟ ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:١ - ٤] هذا هو الشخص المطلوب ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة:٤] الأمة المحشورة والمنشورة، أول قضية هي قضية العبد المسئول. ثم كأن سائلاً يسأل: عرفنا مصير الخليقة فما مصير هذا الجماد؟ قال: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٥] ولذلك ما نظرت عين إلى الجبال فنظرت طولها وارتفاعها في عنان السماء إلا احتقرتها عند عظمة الله ، حينما تتذكر هذه الآية: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٥] كالعهن المنفوش أي: كالصوف المنفوخ الذي لا يستقر حاله. هذه الجبال الراسيات حينما يتذكر الإنسان في هذه الآيات اليسيرة كيف لا يرق قلبه، وكيف لا يخشع فؤاده، والله إن قلباً يقرؤها ولا يجد أثرها إنه من القسوة بمكان، إذا قرأها الإنسان ولم يجد لها أثراً في فؤاده فليبك والله على قلبه وفؤاده.

стр. 924

الاستكثار من الصالحات وذكر رب البريات وأما السبب الرابع الذي يعين على رقة القلوب وقربها من الله : الاستكثار من الصالحات وذكر رب البريات، فوالله ما أدمن عبد طاعة الله إلا شرح الله صدره لطاعته، وكم من أناس اهتدوا وابتدءوا طريق الالتزام وهم في قسوة وبعد عن الله، وما زالوا يتدرجون في الصالحات حتى أصبح الواحد منهم إذا تلا الآية لا يتمالك عينه، ولذلك يستكثر الإنسان من خصال الخير، فإن الاستكثار منها تنشرح به الصدور، وتطمئن بها للحليم الشكور. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا وإياكم رقة القلوب وخشوعها، وإنابتها لوجهه وخضوعها. اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع، ومن علم لا ينفع، نعوذ بك من هؤلاء الأربع. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].

стр. 925

الأسئلة

стр. 926

أفضل الكتب المرققة للقلوب السؤال ماذا تنصح من الكتب في أحوال القلوب جزاك الله خيراً؟ الجواب هناك كتاب حبذا لو أن الإخوان يكتبونه وينتبهون إليه ويحصلون عليه وهو القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي أضعناه يا عباد الله! نبحث عن كتب القصص والأحداث والأخبار وكلام العباد، ولدينا: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]. يا ليتنا نحس بقيمة هذا الكتاب، وبأثره، الذي إذا لقيت الله وقد أوصيتك به وأنا أحس أني أوصيتك بركن شديد وأمر رشيد، وأسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من أهله. إذا كنت من أهل القرآن فأبشر، يصلح حال قلبك، ويصلح حال قالبك، فلا نعطيك حال القلوب فقط، بل نعطيك ما يصلح القلوب والقوالب، وذاك في كتاب الله عز جل. وأما كتب السلف فهي كثيرة، وقصص السلف وأخبار السلف، تعين أيضاً على رقة القلوب وسير أهل الصلاح والفلاح وتقوى الله فيها خير كثير، وكلما كان الإنسان حريصاً على قراءتها وتدبرها كلما كان أحظ الناس بالانتفاع بها، والله تعالى أعلم.

стр. 927

كيفية استغلال الوقت السؤال ما هو البرنامج العملي للمسلم حتى يكون مستغلاً وقته في كل وقت وفي كل حين؟ الجواب أما البرنامج العملي الذي إذا فعله الإنسان كان من أسعد الناس وأحظ الناس كسباً لوقته وحاز رضا الله فهو يتلخص في جملتين: الأولى: لا يراك الله حيث يحب أن يفقدك. الثانية: لا يفقدك الله حيث يحب أن يراك. أمران: لا تكن في موضع يحب الله أن لا يراك فيه، وتحب أن تقدم على الله في الآخرة وأنت سالم من هذا المرض، ولا يفقدك في موضع يحب أن يراك فيه. أما أن أضع لك برنامجاً عملياً في الأقوال والأعمال، فهذا من الصعوبة بمكان، فالناس يختلفون، فالعامي ليس كطالب العلم، وطالب العلم ليس كالعالم، ثم العامة أنفسهم على مراتب، فوضع برنامج معين من الصعوبة بمكان، ولكن كلمة واحدة: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها). واحفظ وصايا الله التي أوصاك بها فيما بينك وبينه، ووصايا الله التي أوصاك بها فيما بينك وبين عباده، ووصايا الله التي أوصاك بها سراً وعلناً، ليلاً ونهاراً، إذا فعلت ذلك فهذا هو البرنامج الذي يرضي الله عنك، وكله ينحصر في هاتين العبارتين التي عبر بها بعض السلف في تحصيل التقوى فقال: لا يفقدك حيث يحب أن يراك، ولا يراك حيث يحب أن يفقدك. وكل ساعة مرت عليك تذكر لو أنك واقف بين يدي الله هل يسرك أو يسوءك أنك جالس هذا المجلس، فإن كان يسرك فاجلس رحمك الله وطاب مجلسك، وإن كان يسوءك فقم عن ذلك المجلس لوجه الله، خائفاً من عذاب الله، والله تعالى أعلم.

стр. 928

كيفية الخشوع في الصلاة السؤال ما هي أفضل الطرق لجعل قلوبنا خاشعة وخاصة إذا تليت عليها آيات الله في الصلاة؟ الجواب يذكرون ذات مرة أن رجلاً حكم القاضي عليه بالحجر؛ -الحجر: أن يمنعه من التصرف في ماله- وكانوا إذا حكم القاضي بالحجر على أحد، يدورون به في السوق، ويقولون: لا أحد يدين هذا ولا يعامل، أي لا يعامله مالياً، فإن عامله أحد بعد ذلك فلا يلوم إلا نفسه، واستأجروا له -أكرمكم الله- حماراً، وداروا به يومه كله، ينادون ويناد المنادي: لا أحد يقرض فلاناً فإن القاضي قد حجر عليه، فلما أمسى المساء جاءه صاحب الحمار وقال له: أين الأجرة؟ قال: ما أجهلك! ما الذي كنا فيه من الصباح؟! حاشاك أخي في الله! لا والله لا أقول: ما أجهلك! ولكن أقول: ما أحبك في الخير! وما أرجاك لرحمة الله والمزيد من ذكر الله! بارك الله فيك وكثر الله أمثالك، ولكن العلاج الذي كنا فيه، وقد يكون الأخ معذوراً، بأن يكون جاء متأخراً ويريد أن نعيد المحاضرة، ولكن على كلٍ هذا الذي كنا فيه وهو ما تنشرح به الصدور وتنيب به إلى الغفور الشكور، فإن الإنسان إذا وفقه الله إلى تحقيق الخصال التي ذكرناها والآداب التي أشرنا إليها، فإنه بتوفيق الله سيكون قلبه خاشعاً. أما مسألة الصلاة فذكر العلماء ﵏: أن الخشوع في الصلاة لا يكون بشيء مثل التدبر في نفس الآيات التي تتلى، عجيب أمر إنسان لا يخشع في الصلاة! إذا قال الإمام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] تذكر العالمين، هذا الوصف الذي وصف الله به نفسه، رب العالمين الأولين والآخرين الذي رباهم وغذاهم وأولاهم تفضلاً منه وتكرماً، فإذا قال القائل أو قلت بلسانك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] أحسست بعظمة هذا الذي يحمد وأحسست بجلال هذا الذي يحمد، فإذا قيل: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] تذكرت من يرحمك وأنت على معصيتك، فيسترك ولو أذن للأرض أن تنخسف بك لانخسفت، ولو أذن للسماء أن ترسل عليك قاصفاً لأرسلت، فتقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] بقلب يستشعر معنى هذه الآية. وعندما تقول ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] وإذا بك تنتقل إلى عالم آخر ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ذاك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، ولا أحساب ولا أنساب، ولا إخوان ولا خلان ولا أحباب ﴿فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]. فإذا قيل: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] خرجت إلى ذلك العالم، وأحسست بعالم الآخرة، من الذي يملك الأمر فيه، من الذي يأمر وينهى فيه، من الذي إذا قال: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] لن يستطيع أحد أن يقف بين هذه الكلمة وبين تنفيذها، في طرفة عين لا يمكن أن يرد حكمه، أو يعقب قضاؤه، يحكم ولا معقب لحكمه، وإن قال: خذوه إلى درجات النعيم صدق عبدي، فما أسعدها من لحظة وما أبهجها من ساعة! لن يستطيع أحد أن يحول بينك وبين ذلك النعيم المقيم، الذي نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله. ولذلك أخي: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] لو كان في الصلاة ما يقال إلا: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فإنه يكفى والله. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] لك نذل وبك نستعين ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] من الذي تشكو إليه إذا جاءتك الهموم والغموم في ظلمات الليل يكون بجوارك الناس فلا تستطيع أن توقظ زوجتك التي بجوارك على الفراش، ولم تستطع أن تشكو بثك وحزنك إلى ابنك القريب منك، من الذي تناديه؟! ومن الذي ترجوه لتفريج الآلام التي تعانيها والأشجان التي تجدها غيره ؟! وكيف تجده حينما تناديه؟ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] بالاستغاثة والاستجارة وسؤال خيري الدنيا والآخرة ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ونعم والله المعين. كم من وقفة وقفت فيها وحيداً فريداً كان الله معيناً لك وكان الله سنداً لك، فكيف وجدته جل شأنه، ضاقت بك الدنيا في أموال فسخرها الله لك من حيث لا تحتسب، وضاقت عليك في هموم وغموم، فاستعنت به فكان نعم المعين، فأعانك وأولاك. فإذا قلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] تذكرت ديوناً لله ما قضيتها، وهموماً وغموماً لله ما شكرتها، فتقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وأنت تحس بعظمة الله تعالى رب العالمين. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] فتذكر أن بلاءك وعناءك يقف على شيء واحد: صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، والله لو كتب الله للعبد الضلال لن يستطيع أن يهتدي، ولو كان من أصلح العباد قلباً فيختم له في آخر لحظة بخاتمة السوء، ولو أراد الله الهداية وكان العبد في دركات الجحيم والغواية، لانتشله الله منها فختم له بخاتمة السعادة والفوز العظيم. إذاً: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] هي سعادتك في الدنيا والآخرة، وهي التي من أجلها نزل القرآن. الهداية إلى الصراط المستقيم، من أجلها نزلت الكتب، وأنزلت الرسل. وإني أفسر هذه الآيات حتى أدلك كيف تخشع في الصلاة، تخشع لأن ما عندنا قلوب نتفكر، كتاب الله يتلى ولا أحد يعي، نعم هذه الآيات لو تليت بقلوب تتفكرها وأفئدة تتدبرها وجدت حلاوتها، وسرعان ما تخشع لله. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] من هم يا رب الذين أنعمت عليهم؟ هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، قل لي بربك: لو شرح الله صدرك، فأصبحت تسير على نهج الرسول في قولك وفعلك وعملك واعتقادك: أي سعادة أعظم من هذه السعادة؟! اللهم إنا نسألك هذا المقام وهذه المكانة العظيمة، فلذلك تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وقلبك كله أمل في الله أن يبلغك هذا الأمر، صراط أولياء الله وأحباب الله حتى تكون أطيب الناس كلاماً وأطيبهم فعلاً وأكملهم استقامة في الظاهر والباطن لله رب العالمين. ثم تقول: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] وقلبك يرجف من خشية الله ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] هم اليهود الذين لعنهم الله في الدنيا والآخرة فأصمهم وأعمى أبصارهم، فكانت الآيات تنزل عليهم وما تفيدهم شيئاً، قال الله عنهم: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] (أو) هنا بمعنى (و) فهي تأتي في لغة العرب بمعنى الواو أي: وأشد، فالله تعالى قال: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٩] والله تعالى لا يشك، فمعنى قوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٩] أي: وأدنى، ومعروف في لغة العرب أن (أو) تأتي بمعنى: (و) فقال تعالى: ﴿كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] فتقول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] وأنت تتعلق بالله أن لا يبتليك بما ابتلاهم من الضلال. ثم تقول: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] الذين فرطوا وغلوا، وكم من أمة غلت في أنبيائها وفي الصالحين من أهلها حتى أصابهم غضب الله وسخطه -والعياذ بالله- ولذلك قال الله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:١ - ٥] نسأل الله السلامة والعافية. وقف عمر ﵁ على عابدٍ راهبٍ في كنيسة يتعبد فدمعت عينه، فقالوا له في ذلك وعتبوا عليه الدمعة، يظنون أنه رق لعبادة النصراني، قال: لم أرق لعبادته، ولكني ذكرت قول الله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:١ - ٤]. فلذلك يقول الإنسان: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] والضالين الذين زين لهم سوء أعمالهم فكانوا على الضلال: ضلال في الهدى، وفي الأهواء، فالضلال يكون أكمل ما يكون على الكفر والزندقة، ويكون على ما دون ذلك، وهو مراتب منها: البدعة والأهواء، فتجد الشخص يعمل البدعة وهو يظن أنه أقرب الناس إلى الخير، نسأل الله أن لا يطمس لنا ولكم بصيرة، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاهتداء بهدي السلف الذي هو صراط الذين ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩]. فإذا تدبرت هذه الآيات ووقفت مع هذه العظات لان قلبك، ثم ما جاء بعد ذلك من فضل، وجاء من الزيادة من كلام الله، زادك خشوعاً إلى خشوعك. ويحاول الإنسان الذي يريد أن يخشع في صلاته قدر استطاعته أن يتعاطى الخشوع، ولو أن يتكلف ذلك بالضغط على نفسه. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم كمال الخشوع بين يديه، والله تعالى أعلم.

стр. 929

أسباب زيادة الإيمان ونقصانه السؤال ما هي أسباب زيادة الإيمان ونقصان الإيمان؟ الجواب مذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فإذا كان الإنسان من الله قريباً محافظاً على حدوده ومحارمه، ازداد إيمانه وقوي في الله يقينه. وأما إن كان بعيداً عن الله مضيعاً لحقوق الله منتهكاً لمحارم الله ضعف إيمانه -نسأل الله السلامة والعافية-، ومن ثم ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) قال بعض العلماء: لأنه لا يفعل ذلك إلا وقد انتقص الإيمان من قلبه -والعياذ بالله-، فإذا أردت أن يزداد الإيمان في قلبك فلا طريق أمثل من تلاوة كتاب الله وتدبره، ولذلك أخبر الله في كتابه: أن القرآن يزيد الذين آمنوا إيماناً ويزيد الذين اهتدوا هدىً وصلاحاً، فإذا أحببت أن يزيد الله في إيمانك فاتل كتاب الله مع التفكر والتدبر. أما الأمر الثاني: فهو فعل فرائض الله وترك محارم الله، تحرص كل الحرص إذا جاءك أمر عن الله أن تفعله، فإذا كنت من أسبق الناس وأحرص الناس على فرائض الله، ازداد إيمانك، وجرب من الليلة كلما دعيت إلى خصلة من خصال الخير كنت من أسبق الناس إليها وإذا بك بعد فترة معلق بطاعة الله ، وبالإيمان شعلة تضيء في قلبك، لا ترتاح إلا للخير، حتى تبلغ المنزلة التي نسأل الله العظيم أن يبلغنا جميعاً إياها، أن تذوق حلاوة الإيمان، فيكون الإيمان أحب إليك من نفسك التي بين جنبيك، ولا تكون إلا بحفظ أوامر الله وترك محارم الله. من الليلة إذا دعيت إلى أي فريضة، تحرص على أن تكون أسبق الناس إليها، تدعا إلى الصلاة فتبكر إليها، تحافظ على وضوئها وطهارتها وخشوعها وركوعها وخضوعها وأذكارها وسننها وآدابها، بقدر ما تحرص على هذه الأوامر كلما كنت أقرب الناس إلى الإيمان، وأعظمهم حظاً في الإيمان. وكذلك حقوق الله التي أمرك الله بها في العباد من صلة الأرحام، وأداء حقوق الموظفين والعمال الذين تحت يدك تؤديها على أكمل ما يكون عليه الأداء، إنك إن فعلت ذلك لم تمض فترة إلا والإيمان تخالط بشاشته قلبك، ولذلك ما من إنسان يحافظ على فرائض الله إلا كان أقرب الناس إلى طاعة الله. الأمر الثاني: أن تكون أعف الناس عن الحرام، وأبعدهم عن معصية الله ، إذا أردت الإيمان أن يكمل في قلبك، وأن تكون ممن ذاق حلاوته ووجدت أثره في فؤادك فكن أبعد الناس عن الحرام. إياك أن ينظر الله إليك يوماً من الأيام وقد نظرت ومتعت النظر في حد من حدوده أو عورة من العورات التي لا يجوز لك النظر إليها. إياك إياك أن ينظر الله إليك يوماً من الأيام وقد أصغيت بسمعك إلى أمر لا يأذن الله لك أن تصغي إليه. إياك أن ينظر الله إليك يوماً من الأيام وقد خبطت قدمك على الأرض إلى حد من حدوده أو حرمة من محارمه. إياك أن ينظر الله إليك يوماً من الأيام وقد امتدت يدك بمال لا يحل لك تمدها به، أو قبضتها على مال لا يحل لك أن تقبضها عليه. إياك إذا أردت حلاوة الإيمان تكون على عفة عن الآثام والحرام، فما أطفأ الإيمان شيء مثل المعصية، ولا أظلم الإيمان في القلوب مثل المعصية، ولا تزال المعصية تلو المعصية حتى يستدرج العبد فيسلب الإيمان كله -والعياذ بالله-. لذلك كان السلف يخافون من المعصية، ونبه النبي ﷺ إلى ذلك فقال: (إياكم -أي احذروا، وهذا أسلوب عند العرب يعتبرونه أسلوب التحذير- ومحقرات الذنوب) ذنب وراء ذنب، حتى يهلك الإنسان بتراكم الذنوب عليه. تشرب شيئاً يسيراً من الحرام، وتقول: هذه واحدة، وإذا بالواحدة تدعو إلى أختها، ثم الأخت إلى أختها، ثم إلى كأس من حد من حدود الله، وبعد الكأس سفك للدماء وانتهاك للأعراض، واسترسال في حدود الله ومحارمه، وعندها لا يبالي الله بك في أي أوديته هلكت. فلذلك يحذر الإنسان الذي يريد الإيمان أن يبقى في قرارة قلبه فليحرص على هذين الأمرين: التزام الفرائض ويكون أسبق الناس إليها وأحرص الناس في فعلها وتطبيقها على هدي الشرع، فتعلم سنن النبي ﷺ وآدابه وأخلاقه رجلاً كان أم امرأة، ويكون الرجل وتكون المرأة على أكمل ما يكون عليه المؤمن وتكون عليه المؤمنة، فالإيمان يحتاج إلى هذا العمل. الأمر الأخير في الإيمان: اعلم أن الإيمان يريد رجالاً صادقين، يريد أمة تعرف قيمة المعاملة مع الله ، أهل الإيمان لا يعرفون الخور والضعف والوهن، يبقى الإنسان أسيراً أمام معصية يقال له: اتركها لوجه الله. يقول: ما أستطيع، هذا ليس بإيمان؛ فالإيمان رجولة كاملة، والله تعالى يقول: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣] قالبه في الأرض وقلبه في السماء، يدور مع أوامر الله ، إن تكلم كان أصدق الناس كلاماً، وإن سمع كان سمعه أعف ما يكون عن محارم الله، وإن تقدم أو تأخر أو أقبل أو أحجم على خير ما يكون عليه حال المرء. هذه هي خصال الإيمان مع دعوة الرحمن وسؤال الواحد الديان، أن يجعلك من أهل الإيمان، ونسأل الله العظيم أن يبلغنا وإياكم كماله، وأن لا يسلبنا وإياكم حلاوته إلى لقائه، والله تعالى أعلم.

стр. 930

ويؤثرون على أنفسهم الأخوة في الله من أجل القربات إلى الله، لذلك حرص النبي ﷺ على غرس هذه الأخوة في مطلع دعوته، فكان أصحابه خير قدوة لنا في هذا الأمر، ثم سار على ذلك النهج التابعون وتابعوهم بإحسان إلى يوم الدين، وتظهر أعلى مراتب الأخوة بالإيثار الذي هو علامة على صلاح المجتمع.

стр. 931

فضل الأخوة في الله وصفات المتآخين فيه الحمد لله الذي اصطفى لمحبته الأخيار، وصرف قلوبهم في طاعته ومرضاته آناء الليل وأطراف النهار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مقلب القلوب والأبصار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأطهار، وعلى جميع أصحابه الأخيار من مهاجرين وأنصار، وعلى جميع من سار على نهجهم واقتفى آثارهم ما أظلم الليل وأضاء النهار. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إخواني في الله: الحمد لله الذي جمعني معكم في هذا البيت من بيوت الله، وبعد هذه الفريضة من فرائض الله. الحمد لله الذي شرح بالقرآن صدورنا، وأنار بالإسلام قلوبنا. الحمد لله حمداً وهو أهله، والشكر لله جميعه وكله. يعلم الله حبي لكم في الله وشوقي إلى هذا المجلس من مجالس ذكر الله، شَكَرَ الله مسعاكم، وقرن بالجنة طيب خطاكم. وأسأل الله العظيم أن يجمعنا بكم في جنان النعيم حيث الحفاء والتكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. إخواني في الله: إن الأخوة في الله والدين من أوثق عرى الإيمان بالله رب العالمين. إنها الأخوة بكل ما تدل عليه من معاني الحب والوفاء والود الصادق والإخاء. إنها الأخوة التي سار عليها سلف هذه الأمة من الماضين من العلماء العاملين، وطلاب العلم الصادقين، والأخيار والصالحين، ساروا على نهجها متحابين متآلفين، ساروا على نهجها متعاطفين متراحمين، ساروا على نهجها متناصرين متآزرين، يوم كان المسلمون كما وصفهم النبي ﷺ بقوله: (كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)! يوم كان الإسلامُ وكان أهلُه! يوم كان القرآن وكان جيله! يوم كانت عيون المسلمين تسح بالبكاء والدموع لدموع إخوانهم في مشارق الأرض ومغاربها! يوم جمع الله القلوب على هذا الكتاب العظيم، وعلى هذا النور الكريم! فسبحان من جمع شتاتها! وسبحان من ألَّف بينها! وسبحان من وحَّد كلمتها! سبحانه! ما أعظم شأنه! يوم كان الإسلام وكان رجاله! يوم كان القرآن وكان رعيله وأجياله!

стр. 932

صور من أخوة الصحابة وإيثارهم على أنفسهم ولقد غرس النبي ﷺ هذه الأخوة الصادقة في قلوب المهاجرين والأنصار، يوم وقف الأنصاري أمام أخيه المهاجر فقال: أخي! هذا مالي بيني وبينك، هذه دنياي! نصفُها لي ونصفها لك، هاتان زوجتاي! انظر إلى أحسنهما أطلقها وهي لك. فالله أكبر! ما أعظم سلطان الإيمان على القلوب! والله أكبر! ما أعظم سلطان القرآن على القلوب! والله أكبر يوم استجابت! والله أكبر يوم أذعنت وأسلمت! يوم كان المسلم مسلماً مستسلماً لله منقاداً ذليلا طائعاً! يوم كان ذليلاً على المؤمنين، عزيزاً شديداً على الكفار وأعداء الدين، يوالي في الله رب العالمين، إخوته على نهج الإيمان والدين! يوم كان أولئك الأجيال يوم كان أولئك الأبطال يوم كان أولئك الرجال الذين زكاهم الكبير المتعال من فوق سبع سماوات. وقف رجل من الأنصار على النبي ﷺ بعد صلاة العشاء في ظلام الليل، في زمانٍ شديدٍ أَمْرُه فقال: يا رسول الله! إني مجهود -أي: بلغ بي الجوع والظمأ ما بلغ- فأرسل النبي ﷺ إلى أم المؤمنين وزوجة من أزواجه ﵅ أجمعين-: هل عندكم طعام؟ فأرسلت إليه: والله ما عندنا شيء إلا الماء، فلما رجع رسولُها أرسله إلى زوجة ثانية، فقالت: والله ما عندنا من شيء إلا الماء، فأرسله إلى الزوجة الثالثة، فقالت: والله ما عندنا شيء إلا الماء، حتى انتهى أزواج النبي ﷺ -فصلوات ربي وسلامه عليه يوم خلا بيته من الطعام، ومُلِئ حكمةً وإيماناً من القرآن- فلما جاء الرسول من عند آخر زوجة وأخبره بأنه لا طعام، قام في أصحابه فقال: مَن يستضيف هذا أو يطعمه ﵀؟ فقام أبو طلحة، وأخذ بضيف النبي ﷺ بيده إلى طعامه وطعام أهله وزوجه، وقرع الباب على تلك المؤمنة الصالحة فقال: هذا ضيف رسول الله ﷺ -فرحَّبَتْ وابتهَجَتْ وسُرَّت- وقالت: والله ما عندنا من طعام إلا طعامي وطعامك وطعام الصبية، فقال لها: أطفئي السراج ونوِّمي الصبية، فلما أُطْفئ السراج ودنا الضيف إلى الطعام جعل أبو طلحة ﵁ وأرضاه يتظاهر بالأكل، كأنه يأكل حتى أتى الضيف على الطعام كله، وبات أبو طلحة جائعاً، وباتت زوجه جائعة فلما غدا إلى النبي ﷺ -غدا إليه جائعاً، غدا إليه مُقْفِر الأحشاء طاوياً؛ ولكن غدا إليه بقلب يحب الله ورسوله، غدا إليه بإيمان، وببر وطاعة وإحسان، غدا إليه بالإيثار- ووقف أمام النبي ﷺ ، تهلَّل وجه النبي ﷺ بالبشر والسرور فقال لـ أبي طلحة تلك البشارة العظيمة: (عجب الله من صنيعكما بضيفكما البارحة!) الله أكبر! ملك الملوك وجبار السماوات والأرض يعجب من الإيثار! يعجب من الأخوة الصادقة من الأنصار! يوم جاعت الأحشاء والأمعاء؛ ولكن مُلِئت القلوب بحب الله فاطر الأرض والسماء! عجب الله -والعجب صفة من صفاته كما يليق بجلاله وكماله- عجب الله من الإيمان! وعجب من التسليم والإذعان! وعجب من الصدق والبر والإحسان من أبي طلحة ﵁ وأرضاه! وما هي إلا لحظات حتى ينزل جبريل من السماوات بثناء الله جل وعلا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها على ذلك الصادق الطاهر، وذلك الذي تبطن في قلبه الجواهر من تلك المعاني السامية، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّئُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. هنيئاً بهذه الشهادة! هنيئاً بمن شهد الله له بالإيثار! وشهد له بالصدق في المحبة والعبودية لله الواحد القهار! طبتَ وطاب غناك! وطبت وطاب ممشاك! وطبت وطاب بذلك لله ﷻ ! إنها المعاني الكريمة التي غرسها النبي ﷺ في قلوبِ الصحابة؛ قلوبِ أولئك الأخيار من المهاجرين والأنصار، قال يوماً من الأيام للأنصار: (هلمُّوا أعطيكم مالاً من البحرين، فقالوا: لا والله حتى تقسمه بيننا وبين المهاجرين) يميناً وطئت بها الدنيا بالأقدام المؤمنة، أولئك الذين آمنوا، أولئك الذين صدقوا، وما توفي رسول الله ﷺ ولا خرج من الدنيا إلا والصحابة قد تغلغل في قلوبهم هذا المعنى الكريم، تغلغل في قلوبهم حب المؤمنين، والتذلل لعباد الله المتقين، تغلغل في قلوبهم ذلك المعنى الذي أخبر الله بحب أهله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. فما توفي رسول الله ﷺ إلا والأخ يشد أزر أخيه، وفي طاعة الله يثبته ويواسيه. توفي النبي ﷺ وهم محافظون على الأخوة وعَهْدِها، محافظون على الأخوة وبِرِّها وودادِها، هذا أبو الدرداء ﵁ وأرضاه يقول: [والله إني لأدعو لسبعين من أصحابي؛ أسميهم رجلاً رجلاً في سجودي] هذا هو الحب الصادق، والحب في الله، والموالاة في الله يوم أن كانت الدنيا تحت أقدامهم. قال عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه: [أُهْدِي إلى رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ رأسُ شاة وهو جائع ومحتاج، فلما وضع الرأس بين يديه قال: اذهبوا به إلى فلان، فوالله إنه لأحوج إليه مني، فحُمِل ذلك الرأس إلى أخيه، فلما وُضِع أمامه نظر إليه والجوع يكويه فقال: اذهبوا به إلى فلان فوالله إنه لأحوج إليه مني، ثم انتقل إلى الرجل حتى عاد إلى الصحابي الأول، قال ﵁ وأرضاه: سبعة من أصحاب النبي ﷺ يتداولونه]. كانوا -يوم كانوا- يؤثرون الآخرة! كانوا وكأنهم في السفينة الماخرة إلى لقاء الله والبرزخ والدار الآخرة، فقد هانت عليهم الدنيا، وكان الإيمان في قلوبهم أسمى وأسنى وأعلى وأبهى من حطام الدنيا الزائل، ومتاعها الفاني الحائل.

стр. 933

صور من الأخوة والإيثار عند التابعين ولقد غرس أصحابُ النبي ﷺ هذه المعاني الكريمة، والمعاني الجليلة في قلوب التابعين الأخيار، فهذا إمام من أئمتهم يقول: [والله لو جُمِعَت لي الدنيا في لقمة واحدة، وجاءني أخ في الله لوضعتها في فمه ولا أبالي]. وهذا علي زين العابدين؛ إمام من أئمة التابعين، وسيد من سادات العلماء المجتهدين، كان ﵀ طيباً بن طيب بن طيب؛ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين؛ عنه وعن أبيه وعن جده ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:٣٤]. يسمونه: زين العابدين؛ لِزَيْنِ عبادته، وكمال خشوعه بين يدي ربه. كان إذا توضأ احمرَّ وجهُه واصفرَّ وتغيَّر، فقيل له ذات مرة: [ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ قال: ألا تدرون مَن أناجي؟! ألا تدرون مَن أقف بين يديه؟!] وهو الله ﷻ . وكان إذا أراد الحج والعمرة ولبس إحرامه فقال: [لبيك] خرَّ مغشياً عليه، وذات مرة قال: [لبيك! ثم خرَّ مغشياً عليه، ثم أفاق، فقال: لبيك! ثم خرَّ مغشياً عليه، فلما كان في الثالثة قيل له: ما هذا يا ابن بنت رسول الله ﷺ ؟ فقال: أخشى أن يقال لي: لا لبيك ولا سعديك!]. وكان حَيَّ القلب، نقيَّ العبادة، نقيَّ الجوهر ﵁ وأرضاه. هذا الإمام الجليل كان إذا جنَّ الليل، حمل الطعام على ظهره إلى بيوت الأرامل والأيتام في شدة الظلام؛ ليشتري به رحمةَ الله ﷻ ، وكان يتَلَثَّم فلا يعرفه أحد، فلما توفي ﵀ فَقَدَ أكثرُ مِن ستين بيتاً من بيوت المسلمين وضعفائهم رجلاً كان بالليل يطرق عليهم بالطعام. هذا الإمام كان وحده ﵀ يحمل الطعام على ظهره، فلما أُرِيْدَ تغسيلُه وتكفينُه جُرِّدَ من ثوبه، فانكشف ظهرُه، فإذا فيه أثر الأكياس التي كان يحملها في الظلام، رحمة الله على تلك القلوب المؤمنة، وسلامٌ على قلوب ضمَّت أشلاؤهم! وسلامٌ على قبور ضمَّت أجسادهم! يوم أن صدقوا مع الله ﷻ ، وباعوا الدنيا من أجل إخوانهم المسلمين، وكانوا أحبةً في الله والدين، فكانت الدنيا عندهم حقيرة ذليلة مهينة. كان الواحد إذا لقي أخاه تلقاه والبشر على صفحات وجهه، والسرور على ظاهره، يشعره بالأخوة في الدين، وكان الإمام والعالم منهم لا يستطيع الواحد أن يعرفه بين الناس من التواضع وترك الرياء، رحمة الله عليهم أجمعين، وكانوا إذا دخل بعضهم على بعض أَكْرَموا وتنافسوا للخير وتسابقوا. فهذا عبد الرحمن بن أبي ليلى، أدرك أكثر من مائة من أصحاب النبي ﷺ ، يقول عنه ابن أبي زياد: والله ما دخلنا عليه إلا حدثنا بأطيب الحديث، وأطعمنا بأحسن الطعام. وكان الحسن البصري ﵀ سيداً من سادات التابعين، فقد كان ﵀ إذا دخل عليه أخوه قام فأكرمه بنفسه، وهو الإمام في العلم والورع. كانوا مؤثِرِين للأخوة في الله والدين، وأحبة في الله متراحمين متواصلين متباذلين، يوم كان الإسلامُ وكان أهلُه، يوم كان القرآن دليلَهم، وكان هدي رسول الله ﷺ إمامَهم وأمامَهم، يوم كانوا عاملين بكتاب الله، ثابتين بكلام الله، يوم وَصَفَهم الله بأنَّهم ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] فكم من عيون منهم سَحَّت بالبكاء لبكاء عيون من المسلمين! أين هذه النماذج الكريمة؟! أين هذه الأمة الطاهرة البَرَّة الرحيمة؟! أين هذه القلوب العظيمة؟! أين هي من نماذجِ اليوم؛ يوم صاح الأيتام، وصاحت الأرامل، فلم تجد لها مغيثاً غير الله ﷻ ؟! أين هذه القلوب الرحيمة؟! أين هذه الأمة الكريمة؛ يوم قَطَّعَت الأرحام، فضلاً عن أخوة الإسلام، حتى اقتتل الرجلان على شبر من الأرض، ولا حول ولا قوة إلا بالله! يوم سَبَّ المسلمُ أخاه، وانتهك عرضَه، واستباح غَيْبَتَه على متر أو مترين من الأرض، وإنا لله وإنا إليه راجعون! يوم أصبح الإسلام اسماً على الظواهر، بعيداً عن القلوب والجواهر، وأصبح العبد يوالي في الدنيا، ويعادي في الدنيا، فالناس بها عنده مراتب، نسأل الله السلامة والعافية من حال أهلها.

стр. 934

حقيقة الإيثار وأسبابه أيها الأحبة في الله: الإيثار! وما أدراك ما الإيثار! رحمةٌ من الله الكريم الغفار رحمةٌ أسكنها قلوب المؤمنين، فبذلت وضحت لوجه الله رب العالمين، اقتحم أصحابُها العقبة، ففكوا الرقبة، وأطعموا في كل يومٍ ذي مسبغة، يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة، قلوبُ أهلها رقيقة لينة حليمة رحيمة، لا تحتمل فواجع المسلمين، بل تهتز لدعاء المصابين والمنكوبين. الإيثار! وما أدراك ما الإيثار! أن تجعل القبر أمام الأنظار، فتسعى إلى رحمة الله الكريم الغفار، في إجابة دعوةٍ مِن أرملة، أو دعوةٍ مِن بائسة، أو دعوةٍ مِن مكروب، أو دعوةٍ مِن مهموم أو مغموم، أو كربة تفرِّجها على مديون ومعسر. الإيثار! وما أدراك ما الإيثار! رحمة الله الكريم الغفار، يوم تُخَطُّ في الدواوين الحسنات، ويوم تُرْفَع به لأصحابه الدرجات، ويوم يستوجب من الله عظيم المغفرات، فكم مِن أيدٍ لهم سَخَتْ آناء الليل وأطراف النهار، فغُفِرَت معها ذنوبُ العمر، ومُحِيَت بِها سيئاتٌ وخطيئات! فالله أكبر! ما أعظم فوز أهله! يوم خلفوا الدنيا وراء ظهورهم، واستقبلوا الآخرة أمام عيونِهم!

стр. 935

الإيمان بالله وإخلاص العمل له لا إيثار إلا بأمور: أولها وأعلاها وأسماها وأشرفها وأبهاها: الإيمان بالله، وإخلاصُ العمل لله: حينما يسعى العبد حثيثاً إلى الله مُجِدَّاً لا متريثاً، حين يسعى إلى الآخرة، فلا يفتُر عن حسنة يبذلها، أو قُرْبَة بإذن الله يكسب بها إيماناً.

стр. 936

الرحمة واللين ثانيها: الرحمة: فلا إيثار إلا برحمة، ولذلك لا يمكن أن يكون الإنسان مؤثراً إلا إذا رزقه الله قلباً رقيقاً ليناً رحيماً، وإذا ﵀ من قسوة القلوب، فأصبح قلبُه يتفطر للأشجان والأحزان، فلا إيثار إلا بهذه الرحمة التي سماها الله: رحمة، وهي لين القلوب. فما أَبْعَدَ مَن قَسا قلبُه عن الإيثار! وقاسي القلب لا يعرف الإيثار إلى قلبه سبيلاً ولا دليلاً. أما لَيِّن القلب فما أحراه بالإيثار! فلِيْنُ القلب الذي هو رحمةٌ من الله علام الغيوب امتنَّ الله بها على نبي الهدى ﷺ ، فقال ﷻ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. إن الإيثار يحتاج إلى قلبٍ رقيق، يحتاج إلى صاحبٍ صِدِّيق رفيق، وإلى ذلك القلب الذي ما إن يبثُّ إليه المهموم هَمَّه حتى يتفطر حزناً وألماً، يحتاج إلى قلبٍ يتسع لهموم المسلمين وغمومهم، وإلى قلبٍ صاحبُه إذا ابتدره المصاب بشكواه دَمَعَت قبل النهاية عيناه، فالإيثار يحتاج إلى قلبٍ رقيقٍ رفيق. فاسألوا الله لين القلوب؛ فَبِهِ يُرْحَم الإنسان، وبه يُكْرَم بالله الكريم المنان. سلوا الله لين القلوب، فبه يُكْسَى العاري، وبه يُطْعَم الجائع، وبه يُمْسَح على رأس اليتيم، وبه يغدو العبد إلى المسكين، وبه يُفَرِّج كربات المنكوبين والمعسِرين بإذن الله رب العالمين. سَلِ الله القلب الرقيق، فإن الله إذا أكرمك بهذا اللين، وأكرمك بهذا القلب الرفيق فتح لك أبواب رحمته، وفتح لك أبواب الخير منه، فلا ترى منكوباً إلا أعنته، ولا ترى مهموماً مغموماً إلا واسَيته، كن رحيماً بعباد الله، كن ليناً بعباد الله المؤمنين، فإن الله وصف المؤمنين بقوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]. فلا إيمان إلا برحمة، وإذا انتُزِعت الرحمة من القلوب فمَن يسمع ويُصغي لشكوى الأيتام والأرامل والبائسين؟! إذا نُزِعت الرحمة من القلوب، فمن يسمع صيحات المتأوهين ونكبات المفجوعين؟! سل الله أن يجعلك رحيماً، فإن الله يرحم الرحماء. سل الله أن يجعلك رحيماً فإن الله يعطف على الرحماء. سل الله أن يجعلك رحيماً فكم لَطَفَ اللهُ بالرحماء! وكم صرف عنهم من شدائد الدنيا وأهوالها ونكباتها لَمَّا رحموا عباده وما ينتظرهم في الآخرة من رحمات القبور، ورحمات هول البعث والنشور أجلُّ وأسمى وأسنى. فالرحمة واللين إذا دخلتا إلى القلب أصبح صاحبهما يتوهج حنيناً وشوقاً إلى الأعمال الصالحة، يريد مرضاة الله، يبيع نفسه لله مبتغياً الأجر والمثوبة من الله، قال الله في هؤلاء: ﴿وَمِنَ النَّاسِ. ﴾ [البقرة:٢٠٧] أي: ليس كل الناس ﴿ومَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧]. ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة:٢٠٧] أي: يبيع نفسه. ﴿ابْتِغَاءَ﴾ [البقرة:٢٠٧] أي: طلب مرضاة الله. يبيع نفسه ويبيع ليله ويبيع نهاره ويبيع تجارته فيأتيه الشيطان فيقول له: هذا مالٌ سعيتَ عليه آناء الليل والنهار، فهو تجارتك وأموالك التي كدحت عليها ونصبت من جمعها، ثم تعطيها لخامل لَمْ يسعَ في تحصيلها؟! فجاهد وصابر واصطبر، وأعطِ لوجه الله ﷻ إيماناً وتسليماً، فإذا سكنت الرحمة في القلوب فسل الله أن يرزقك القلب الرحيم، فإن الله إذا رزق العبد قلباً رحيماً عَفَّ وكَفَّ عن أذية المسلمين، وكان صاحبه أحرص ما يكون على نفع عباد الله المؤمنين. بهذه الرحمة تصغي إلى من أراد أن يحدِّثك. وبهذه الرحمة يألفك الكبير ويألفك الصغير، حتى إن المهموم يأتيك، ولا يجد بينك وبينه حاجزاً برحمتك به. الرحمة هي الطريق للإيثار.

стр. 937

ذكر الموت السبب الثالث، وهو من أعظم أسباب الإيثار، ومن أعظم الأسباب التي تعين المسلم على أن يحفظ نفسه عن أذية المسلمين، وأن يسعى بكل حرص في بذل الخير إليهم طلباً لمرضاة الله رب العالمين، هذا السبب الذي تفطرت به قلوب الصالحين: ذكرُ الموت والبِلَى، وقرب المصير إلى الله جلَّ وعلا: أن يذكر العبد أنه إلى الله صائر، وأنه مغموم بين الْجَنادل والْحَفائر، فما ذُكِر الموت في كثيرٍ إلا قلله، ولا في جليلٍ إلا حقَّره. أن يذكر العبد أنه إلى الله صائر، وأنه مضموم بالأجداث والبلى والجنادل، حتى إذا ذُكِر ذلك هانت عليه دنياه، وعَظُم عليه ما هو مستقبلٌ له من أخراه. تذكر الموت وسكرته! تذكر القبر وضجعته! تذكر القبر وضغطته! بكيتُ لما علاني الترب منجدلاً صار التراب فوقي فآلمني في ظلمة القبر لا أم هناك ولا أب ولا أخ ولا صديق يؤنِّسني يوم أن يصير الإنسان وحيداً، قد سار إلى الله ذليلاً حقيراً فريداً، يومئذٍ تهون عليه تجارته، وتهون عليه أمواله، ويهون عليه أولاده، يريد الفكاك، والنجاة، والخلاص! فمَن ذَكَرَ هذه المنازل، وذَكَرَ هذه الجنادل هانت عليه الدنيا، وسَخَت يدُه بالإنفاق لوجه الله، وأخرج المال العزيز على قلبه ليشتري به رحمة الله، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:٩ - ١٢]. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا منهم. فمَن أكثر مِن ذكر هذه المنازل هانت عليه الدنيا التي قَطَع من أجلها رحمه، ومن تذكر هذه المنازل هانت عليه هذه الدنيا التي والى من أجلها وعادى! ما الذي يأخذه الإنسان من تجارته؟! وما الذي يجنيه من سوقه وعمارته؟! وما الذي يخرجه من الدنيا غير زاده وكفنه؟! إنا إلى الله صائرون، وإنا إليه راجعون، وبين يديه مختصمون: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣٠ - ٣١] يوم يتعلق بك الذليل الذي أذللته، ويتعلق بك أخوك في الإسلام فيقول: يا رب! سَلْ أخي، إنه أهانني يا رب! سل أخي، إنه ما عَظَّمَ أخوة الإسلام التي بينه وبيني، يومها يحس الإنسان بحقارة نفسه وذله بين يدي الله ربه. تذكروا هذه المنازل، فإنها تعين على الجود والسخاء، وتعين على الأعمال الصالحة المقربة إلى الله فاطر الأرض والسماء. تذكَّرْ يوم تَقْرَع القوارع، وتَفْزَع الفوازع، ويُبَعْثَر ما في القبور، ويُحَصَّل ما في الصدور، يوم أن ينادي عليك منادِ الله أن تخرج من قبرك حافياً عارياً إلى لقاء الله، فتخرج ذليلاً حقيراً يوم تخرج إلى الديان وحيداً فريداً يوم أن تصير إلى الله بلا حسبٍ ولا نسب يوم أن تصير إلى الله بلا مالٍ ولا ولد، يومئذٍ تهون عليك تجارتك، وتصغر في عينك عمارتك، يومها تعرف حقارة الدنيا، وذل مقامك بين يدي الله جل وعلا.

стр. 938

ضرورة الحذر من الاعتداء على حقوق المؤمنين أيها الأحبة في الله: ما ذكر العبد هذه المواقف إلا هانت عليه الدنيا، وأحب لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه، وسعى في خلاص نفسه وفكاكها من ذنوب العباد، فما أشقى مَن عَظُمت مَظالِمُه! وما أشقى مَن عَظُمت مآثِمُه! فويلٌ لمن كثرت خصومته بين يدي الله ﷻ ! وويلٌ لمن آثر الدنيا على الإخوان، فظلم هذا، وأكل مال هذا، وانتهك عرض هذا! وويلٌ لمن أطلق لسانه في غِيبة فلان وعلان، فجاء يوم القيامة وحيداً فريداً بين يدي الله الواحد الديان، وتعلق به صاحبه وقال: يا رب شتمني هذا، يا رب اغتابني ونَمَّني هذا. فالفكاك الفكاك من هذه الحقوق العظيمة، ومن هذه المواقف الجليلة يوم لا حسب ولا نسب ولا جاه إلا الجاه عند الله يوم لا مقرِّب إلا التقوى يوم تنفصم الأمور فلا تبقى إلا العروة الوثقى. اللهم الطف بنا إذا صرنا إلى ذلك المصير، اللهم الطف بنا إذا صرنا إلى ذلك المصير. ما أعظم النجاة إذا خرجتَ من قبرك وقد سترتَ عورات المسلمين، وفرجتَ كربات عباد الله المنكوبين! يوم أن تخرج إلى الله بتلك الصحائف المشرقة يوم أن تخرج إلى الله بحسناتك للأيتام والأرامل يوم أن تخرج إلى الله بتلك الحسنات العظيمة والأجور الكريمة! فكم لك من يدٍ عند الله ﷻ ، إذا نادى منادِ الله فقمتَ إلى تلك المشاهد في ظل صدقتك التي تصدقتَ بها! فما أطولها! وما أعرضها! وما أنعمها! وما أبركها! يوم أن تتلقاكَ الملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]. فيا أيها الأحبة في الله: ما أعظم الخصومة بين يدي الله في المظالم، يوم يحشر الإنسان من سبع أرضين، قد اختنق حاله في شبر من الأرض ظَلم أخاه فيه! يوم يتعلق به الخصوم، ويُنْصَف منه المظلوم، ويُعطى منه المحروم! ويقول الله كما في الحديث القدسي: (يا عبدي! ألم أنعم عليك؟ ألم أتركك ألم أسوِّدك؟ ألم أرفعك؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ماذا عملت لي؟) ثم يقول ﷻ : (يا بن آدم! استطعمتُك فلم تطعمني، قال: يا رب! كيف أطعمك وأنت ربي؟! قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمتَ أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا بن آدم! استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب! كيف أسقيك وأنت ربي؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقِه، أما علمت أنك لو سقيته لوجدتَ ذلك عندي؟ يا بن آدم! مرضتُ فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت ربي؟! قال: مرض عبدي فلان فلم تعدْه، أما علمت أنك لو عدته لوجدت ذلك عندي؟). الله أكبر من يومٍ عظُمَت حسناتُه! الله أكبر من مشاهد قَرَعَت قلوب المؤمنين فـ ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]. الله أكبر من مواقف أقَضَّت مضاجع الصالحين! الله أكبر من مواقف وقوارع حفَّزَت همم عباد الله مِن السلامة من ظلم عباد الله! فمن أراد السلامة فليبتعد عن المظالم. اتقِ الله في لسانك الذي تطلقه في أعراض إخوانك. اتقِ الله يوم تلمز فلاناً في نسبه؛ فتقول: فلان فيه كذا، وفلان من بني كذا، وتعيِّره وأنت ضاحك باسمَ الثغر، فوالله لك يومٌ موعود، ولقاء مشهود، يبدو إلى الله جل وعلا ما لفظه لسانك: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. إن عورات المسلمين محرمة، واللهُ يغار عليها، فلا يسمعنَّ اللهُ منك كلمة تؤذي بها مسلماً غائباً أو حاضراً، احفظ لسانك، فكم من لسانٍ كبَّ صاحبَه على وجهه في النار، قال معاذ: (يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نقول؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم -أو قال: على مناخِرهم- إلا حصائدُ ألسنتهم؟!) حصائد هذه الألسنة: يوم افتخرتَ بقبيلتك، ويوم افتخرتَ ببني عمومتك، فجئت يوم القيامة لم تنفعْك الأرحام، ولا الأحساب، ولا الأنساب، ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:٣] فلا جاه إلا جاه أهل التقوى، ولا عز إلا عز أهل الدين والهدى. جعلنا الله وإياكم منهم. اللهم آمين. من أحب أن يُسَلِّمه الله من هذه المواقف العظيمة، ومن هذه المشاهد الجليلة فليحفظ لسانه وسِنانه وجوارحه وأركانه عن أذية المؤمنين، إذا سَلِم المسلمون من أذيتك، واجتهدتَ في طاعة الله على قدر وسعك، فأنْعِمْ عند الله وأكْرِمْ بها حياة! ولتخرُجَنَّ من هذه الحياة طيباً مطَيَّباً، فلا تُذْكَر إلا بخير. عُفَّ لسانك عن أعراض المسلمين، عُفَّ لسانك عن إثارة العداوة والبغضاء بين المؤمنين، فمِن أشد الجرائم وأعظمها أن تُقْطَعَ هذه الأخوة وتُقْطَعَ أواصرُها بكلمة من عبدٍ لا يخاف الله ولا يتقيه، يوم أن يُخْرِج تلك الكلمات التي يوغر بها صدور عباد الله بعضِهم على بعض، فهم يصلُّون في المسجد الواحد أمة واحدة يؤمنون جميعاً ويركعون جميعاً ويسبحون ويمجدون ويستقبلون قبلة واحدة ويدْعون رباً واحداً وما إن يخرجوا من باب المسجد حتى يتلقفهم هذا الشرير بشره؛ لكي يبث إلى هذا كلمةَ عداوة، ولكي يبث إلى هذا ما يوجب البغضاء والشحناء. فويل له إذا حمل بين يدي الله وزرها، وويل له ثم ويل له إذا طُبِع عليه، فصار هَمَّازاً مهيناً مَشَّاءً بنميم، لا مكانة له عند الله رب العالمين، والله يقول في كتابه: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١٠ - ١١] أي: لا تطع أهل النميمة، ولا تصغ بسمعك لهم، واحفظ جوارحك عنهم، فإن الله يسلمك من هذه المشاهد العظيمة. احفظ جميع ما وهبك الله من حولٍ وقوة، واستغله في طاعة الله ﷻ . فإن سَلِمْتَ من ذنوب الناس، وأصبحتَ خفيف الحمل من ذنوب الناس فأنْعِمْ برحمة الله ﷻ .

стр. 939

العفو والصفح عن المسيء من موجبات رحمة الله الوصية الأخيرة: أن نشتري مرضاة الله ﷻ بخصلة من خصال أهل الإيمان: وهذه الخصلة ما حافظ عليها أخٌ مع أخيه إلا عامله الله بها في الدنيا والآخرة! أتدرون ما هي؟! إنها العفو عن المظالم، العفو عن المسيء، العفو عمَّن أساء، فإنها موجبةٌ لرحمةَ الله ﷻ ، يوم أن تقف أمام أخيك الذي يزِلُّ عليك بلسانه، أو يزِلُّ عليك بجوارحه وأركانه، فيأتيك ابن عمك فيقول: يا أخي! خذ بحقك، إنك ذليلٌ إن عفوتَ، وإنك حقيرٌ إن صفحتَ، وإنك كذا، وإنك كذا، فيخذِّلك عن طاعة الله ﷻ ؛ لكن يأبى إيمانُك، ويأبى يقينُك وعلمُك بلقاء الله ربِّك إلا العفوَ والصفحَ لوجه الله ﷻ . دخل النبي ﷺ يوم فتح مكة فطأطأت له رءوسُ الكفار، وذلَّت له أعناقُ الأشرار، وأصبح يومَها المُلْكُ لله الواحد القهار! وقف ﷺ يوم الثاني من الفتح وقريش تحته كلُّها، وجاء وقتُ الثأر، وجاء أخذ الحق والقصاص يوم سُفِكَت دماء أقاربه، يوم قُطِّعت أشلاء أصحابه وأحبابه! وقف ﷺ على رءوسهم والماضي ماثل بين يديه بما فيه من الفجائع، وبما فيه من الأمور التي تُقِضُّ المضاجع! فوقف ﷺ ساعة الثأر، وأخذ بعضادَتَي باب الكعبة وقال: (يا معشر قريش! ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟! -ما الذي يخطر ببالكم الآن بعد أن أعزني الله وأذلكم، ورفعني ووضعكم، وجبرني وكسركم؟! - فقالوا: أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍِ، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء). الله أكبر ما أوسع صدور المؤمنين في الحلم والرحمة! الله أكبر ما أوسع قلب المؤمن! لأنه رجل كامل، والرجل الكامل: هو الذي يعفو ويصفح، ولذلك قال الله عن أهل العفو: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]. فعندما يَزِلُّ عليك أخوك في الإسلام بكلمة، فيأتيك الشيطان، وتأتيك حمية الجاهلية أن ترد عليه بعثراتها، وأن تُخْرِس لسانه بأسوأ منها؛ عند ذلك اذكُر الله ﷻ ، وتذكَّر أن هذا اللسان ما يلفظ بكلمة إلا وهي مخطوطة في الديوان، وأنك ستَلْقَى الله جل وعلا؛ لتنتهي بك إما إلى جنانٍ أو إلى نيران، وقل: أستغفر الله لي ولك. جاء رجل إلى الحسن فقال: [إن فلاناً يشتمك، قال: والله لَأُغِيْظَنَّ مَن أَمَرَه بذلك: اللهم اغفر لي ولأخي]. وجاء آخر إلى الحسن فقال له: [فلانٌ يقول فيك كذا وكذا، فقال: أما وَجَدَ الشيطان رسولاً غيرك؟!]. أي: أما وجد الشيطان رسولاً ينقُل الأحاديث على لسانه غيرك؟! فلا بد أن يحاول الإنسان أن يكون سمحاً، وأن يكون حليماً. فإن مَن رَحِمَ الناسَ وعفا عنهم عفا الله عنه، وأنت أحوجُ ما تكون إلى عفوه! ولَئن رحمتَ الناسَ لَيَرْحَمَنَّك الله، وأنت أفقر ما تكون إلى رحمته! فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (الراحمون يرحمهم الله). وقال: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). وبرحمة الإنسان وعفوه عمَّن أساء تَعْظُمُ الخيرات، وتَنْزِل من السماء البركات، ويكون للناس خيرُ الدين والدنيا في الحياة وبعد الممات. فليحاول الإنسان أن يشتري رحمة الله بالعفو والصفح، إياك أن تأخذك حمية النفس للانتقام! فإنك إن عفوت عن إنسان لوجه الله عفا الله عنك في عرصات يوم القيامة. ولذلك ورد في الحديث أنه: (إذا جُمِع الناس في عرصات يوم القيامة نادى منادٍ على رءوس الأشهاد: من كان أجره على الله فليَقُم، فتقول الملائكة: ومن هذا الذي أجره على الله؟! يقول النبي ﷺ : فلا يقوم إلا مَن عفا عن ذُلٍّ). فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم منهم. ألا وإن من أفضل العفو وأطيبه وأكرمه: أن تعفو عن المديون المعسر إذا جاء يريد سداد دينه، فإذا نظرتَ إلى أخيك المكروب المعسر، وتجاوزت عنه لوجه الله، تجاوز الله عنك في عرصات يوم القيامة، قال ﷺ : (كان فيمن كان قبلكم رجل يداين الناس، وكان يقول لغلمانه: إذا وجدتم رجلاً معسراً فتجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فلما لقي الله قال الله: يا ملائكتي، إن عبدي تجاوز عن عبادي، ونحن أحق بالعفو عنه، تجاوزوا عن عبدي). فمن تجاوز عن المعسر والمديون والمكروب كان أحرى أن يرحمه الله، وهو المكيال الأوفى الذي يوفي اللهُ لصاحبه الأجر بغير حساب. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن ترزقنا إيماناً يرضيك عنا. اللهم انزع من قلوبنا الشحناء، والبغضاء لعبادك المؤمنين. اللهم هب لنا قلوباً تقيةً نقية. اللهم سلِّمنا وسلِّم منا، وتب علينا وتجاوز عنا. اللهم آمِنَّا يوم الوعيد، اللهم أمِّنْ في يوم الوعيد رَوْعَنا، اللهم استُر فيه عوراتنا، اللهم أمِّنْ فيه روعاتنا، اللهم اغفر لنا فيه، ولآبائنا، وأمهاتنا، ومن حضر مجلسنا، وغاب عنا. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه، وآله.

стр. 940

الأسئلة

стр. 941

حكم تغيير لون الشعر بالأصباغ السؤال ما حكم وضع المرأة لشعرها ما يسمى بـ (الميش)؛ وهو صبغ الشعر بألوانٍ مختلفة، الأشقر منها والبني وغيرهما، مع العلم بأنها مواد كيميائية؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب الميش لا يجوز؛ لأنه تغيير للخلقة، وقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه: (لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشرة والمستوشرة، والمتفلجات بالحُسْن المغيرات خلق الله). فعَلَّل النهي بتغيير خلق الله تعالى، وهذه مواد كيميائية لا تُؤْمَن، فحتى لو لم تُحَرَّم بهذا اللعن لَحُرِّمت من جهة الإضرار؛ فإن الخِلْقة إذا كانت سوداء وجاءت المرأة وقالت: أريده أشقر أو أسود أو نحو ذلك فتغير الخلقة فكأنها بذلك التغيير لم ترضَ عن عطاء الله ﷻ ، ولذلك استحقت اللعنة. لماذا ورد اللعن؟ لأن الذي يغير لون الشعر لا يرضى بقسمة الله عزوجل، فيقول: لا. الأصفر أجمل، والأشقر أبهى، يعني: أن الله ما أعطاه الأجمل، وما أعطاه إلا القليل، فيطلب الكثير؛ فاستحق اللعن والعياذ بالله من هذا الوجه. فلا يجوز استخدام (الميش)، ومن فعله سابقاً فليتُب إلى الله جل وعلا، بل ينبغي دائماً الحفاظ على نساء المؤمنين، وخاصة طالبات العلم والخيِّرات والصالحات، فيبتعدن عن هذه الأمور التي لا تليق بهن. والله تعالى أعلم.

стр. 942

السنة في العقيقة السؤال فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجوز أن أذبح العقيقة وأدعو إليها بعض الأصدقاء، أو أتصدق بثلثها وأهدي ثلثها وآكل ثلثها؟ الجواب أما العقيقة فالأصل فيها حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وحديث سمرة بن جندب ﵄ وأرضاهما- أن النبي ﷺ قال: (كل غلامٍ مرهونٌ بعقيقته تُذْبَح عنه يوم سابعه) وجاء في حديث عائشة: (تُقََطَّع جدولاً) وجدولاً بمعنى: لا يُكسَر فيها عظم، قال بعض العلماء: وردت السنة بذلك حتى يكون تفاؤلاً بسلامة المولود، والفأل يحبه الله كما أخبر النبي ﷺ : (إن الله يحب الفأل، ويكره الطِّيَرَة والتشاؤم) فالفأل الحسن محمود وغير مذموم؛ لأن فيه حُسْن ظن بالله ﷻ ، فلا يُكْسَر فيها عظم وإنما تُقَطَّع من مفاصلها، ثم أنت بالخيار بين أمور: الخيار الأول: إن شئت طبختها وأحسنتها وهيأتها:- فإذا فعلت ذلك فادعُ إليها الفقير والغني، وخُصَّ بالدعوة قرابتك، فإن أحق مَن يُدْعَى إليها الأقرباء، فيدعو الإنسانُ إليها قرابته من النسب، وقرابته من الأصهار، والأرحام كأقارب الزوجة. وهذا مِن أفضل ما يكون كونك تهيئها للمساكين والمحتاجين وتدعوهم وتكرمهم؛ ولكن لا تدعوهم فتهينهم، فيجلسون في أضعف المجالس، فهذا لا ينبغي، إنما ادعُهم واحمد نعمة الله جل وعلا، قال بعض السلف: ما كان أعز الفقراء في مجلس سفيان! سفيان إمام عالم، كان إذا حضر عنده الفقراء أجلسهم في صدر المجلس، فكانوا يشعرون بالعزة والكرامة وهم ضعاف يحتقرهم الناس. فإذا أعطاك الله نعمة ودعوتَ لها فادعُ إليها الفقراء، وأنا أنبِّه على هذا الأمر؛ لأنه يحصل فيه خطأ شائع ذائع، حيث يُنْزِل الإنسانُ أقرباءه وأبناء عمومته ويجعلهم في الصدر، ويأتي بالفقير لكي يَكْسِر خاطره ويهينه فيجلسه في أضعف المجالس ويحتقره وربما رمى له بالكلمة الجارحة، فبئس والله ما فعل! ولربما عاد بذنوبٍ أكثر من الأجور. فاتقِ الله، وليكن عندك من حب الله والولاء في الله ما يردعك عن هذه الأمور التي لا ترضي الله من حمية الجاهلية وضعف العقول، نسأل الله السلامة والعافية. الخيار الثاني: أن تقطِّعها جَدْولاً وتقسِّمها: قال بعض العلماء: اقسمها ثلاثاً فتعطي الأغنياء الثلث، وتعطي الفقراء الثلث، وتعطي أهلك الثلث، كما قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] فالقانع: هو الغني الذي فيه قناعة، والمعتر: هو المُعْتَوِر السائل الذي يَعْتَوِرُك بالحاجة. قالوا: فاقسمها إلى ثلاثة أقسام: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٣٦] الثلث. ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ [الحج:٣٦] الثلث. ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] الثلث. وهذا هو الهدي، فألحقوا العقيقة به بجامع أن كلاً منهما دم لازم القول بالوجوب. والله تعالى أعلم.

стр. 943

وصايا في غض البصر عما حرم الله السؤال لقد انتشر في هذا البلد ما يسمى: بالبث المباشر. أرجو منكم نصح أهل هذه البلاد جزاكم الله خيرا. ً الجواب ما أظن -إن شاء الله- أنه موجود، وأسأل الله أن لا يوجد هذا الشيء. وأوصي بأمور: الأمر الأول: تقوى الله الذي لا إله غيره:- وأن يعلم كل إنسان أن ﴿السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦]، وأن البصر بريد الزنا، وطريقٌ إلى الحرام، وأنه لا يزال العبد يُمَتِّع بصره بالمناظر الخليعة حتى يَمْقته الله جل وعلا، ويطفئ نور الإيمان من وجهه، ولذلك قال العلماء: الغالب أن صاحب النظرات المسمومة والمحرمة لا يأمن الفتنة في دينه. وأُثِر عن بعض السلف: أنه رأى رجلاً من حفاظ القرآن ينظر إلى شابٍّ أمرد نصراني فقال له: والله لتجدن غِبَّ هذه النظرة ولو بعد حين! أي: لا تَخْرُج من الدنيا حتى يعاقبك الله على هذه النظرة المسمومة، فمكث عشرين سنة، وبعد عشرين سنة نام ليلته، فأصبح لا يحفظ من القرآن حرفاً واحداً، نسأل الله السلامة والعافية. كل الشرور مَبداها من النظرِ ومُعْظَمُ النار من مُسْتَحْقَر الشررِ كم نظرة فتكت بقلب صاحبها فتك السهام بلا قوسٍ ولا وتَرِ والمرء ما دام ذا عينٍ يقَلِّبُها في أعين الغِيْد محفوفاً على خطرِ يَسُرُّ مُقْلَتَه ما ضَرَّ مُهْجَتَه لا خير في سرور قد جاء بالضررِ ويلٌ لهم من الله إذا نشرت بين يدي الله النظرات! ويلٌ لهم من الله ﷻ يوم تُكْشَف بين يدي الله تلك النظرات! ويَحْمِل صاحب ذلك البث المسئوليات والتَّبِعات عن الأبناء والبنات! ويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ لمن أدخل البلاء على أهله وولده ففُتِنَت تلك القلوبُ البريئةُ عن صراط الله وطريقه! ويلٌ له من الله يوم يحمل بين يدي الله وزرهم! ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦]، يفر مخافة هذه المظالم التي جناها عليهم! ولا حول ولا قوة إلا بالله! وأعظم بلاء يُدْخِله الإنسانُ على أهله: ما فيه فتنةٌ لهم. الأمر الثاني: كل من أَدْخَل فتنةً فاقتدى به غيره فإنه يحمل وزر كلِّ من جاء بعده إلى يوم القيامة:- فلو أن شخصاً كان الأول في إدخال الفتنة، فاقتدى به أحدٌ، فوالله ما مِن أحد يُدْخِل إلى هذا البلد أو إلى هذا المكان من هذا شيء إلا حَمَل إثمه ووزره بين يدي الله إلى يوم القيامة والعياذ بالله: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا يَنْقُص من أوزارهم شيء). ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣]. ثم يا أخي: اتقِ الله في البصر! الله نوَّر لك نور البصر! كم من أعمى كفيفٍ لا يرى، واللهُ قد أعطاك هذا النور الذي والله لو قُبِض هذا النور لا يستطيع أطباء الدنيا أن يعيدوه لحظة من اللحظات! هل سمعت أن إنساناً كفَّ بصرُه فاستطاع الأطباء أن يردوه إلا إذا كان مرضاً عارضاً؟! إذا سلب الله البصر، وإذا ختم الله على السمع والقلب والفؤاد فلا يستطيع أحد أن يغني لصاحبه من الله شيئاً: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣] نسأل الله السلامة والعافية. هذا البصر أعطاه الله لك، وكلُّ لحظة مكتوبة، وكل ثانية محسوبة، لم يعطِه الله لك عبثاً، بل أعطاه لك لكي تتقرب إليه، وتشتري رحمته! فتنظر في ملكوته فتقول: لا إله إلا الله! وتنظر إلى السماء فتقول: سبحان مَن ﴿بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٢٧ - ٢٩]! وتنظر إلى الأرض فتقول: سبحان مَن ﴿دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات:٣٠ - ٣١]! وتنظر إلى ملكوته وجبروته وعزِّه! وتمر على الديار الخالية فتقول: لا إله إلا الله! سبحان مَن جعلها خراباً بعد أن كانت عزاً وجاهاً. وتمر على ديارٍ كانت خرِبة، فأصبحت عُمراناً وخيراتٍِ وحساناً فتقول: لا إله إلا الله! مخرج الحي من الميت! سبحانه لا إله إلا هو! كل هذا حتى تشتري رحمات الله بهذه النظرات. هذا هو الذي تشترى به الرحمات، فالصالحون يفوزون برحمات الله بالأبصار، والفاسد يتهاوى ببصره في الجحيم ودركات العذاب المقيم، اللهم سلِّمنا وسَلِّم مِنَّا. ثم الأمر الثالث والوصية الأخيرة: قلَّ إنسان ينظر إلى هذه المحرمات فيرجع إلى دينه سالماً والعياذ بالله:- فالغالب فيمن يشاهد الأفلام الخليعة والمناظر الفاتنة ألا يرجع إلى دينه سليماً إلا أن يرحمه الله، ويحتاج إلى توبة وبكاء وتضرع صادق، وهذا بالتجربة. فسل الله العافية، فإذا عافاك الله إياك أن تقترب منها! فإنها السم القاتل للدين لا للدنيا، إياك أن تقترب ولو للحظة، فإذا قال لك الشيطان: انظر لحظةً. فقل: الله الله أخشى أن تمتد بي هذه العين إلى أن أسَقط! وإن قال لك: انظر لِلَحظة. فقل: أخشى العماية في الحشر: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. فالله الله في هذا البصر! واتق الله، فإن الإنسان إذا نظر إلى هذه المفاتن الغالب أنه لا يَسْلَم، وإذا حفظتَ البصر حفظ الله دينك، فإنك إذا غضضتَ فإن العين لا تبكي يوم القيامة، يقول ﷺ : (كل العيون باكيةٌ أو دامعةٌ يوم القيامة إلا ثلاث أعين: عين بكت من خشية الله ... ) إذا جلستَ بعد العشاء فتذكرتَ ذنوبك وأنت خالٍ وحيدٌ في غرفتك فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون! ما أعظم ما فعلتُ! أحسنَ اللهُ إليَّ وأسأتُ! وأكرمني وأهنتُ! واستغفر وتُب، وفِضْ بالدمع، حتى يظلك الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، (. إلا ثلاث أعين: عين بكت من خشية الله. وعين سهرت في سبيل الله. وعين غضت عن محارم الله). حتى وأنت في الطريق إذا مرَّتْ عليك عورة من عورات المسلمين فقل: أستغفر الله العظيم! فإن هذا الغض يُكْتَب لك حسنات عند الله، فلا تزال هذه في صحيفة عملك حتى توافى بها يوم القيامة، فالناس يبكون في عرصات يوم القيامة، وعينك لا تبكي بهذا الغض. نسأل الله أن يحفظ أبصارنا، وفروجنا، وجوارحنا. والله تعالى أعلم.

стр. 944

حكم الإيثار في القربات السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فضيلة الشيخ: هل الحديث: (لا إيثار في الطاعة) صحيح أو ضعيف؟ الجواب هذه قاعدة من قواعد أهل العلم: (لا إيثار في الطاعة) وبعضهم يقول: (لا إيثار في القُرْبة) ومعنى هذه القاعدة: أن الإنسان لا يفضل غيره في الدين. توضيح ذلك: أن الصف الأول -مثلاً- قُرْبة وطاعة، فلا يحق لك أن ترجع عن الصف الأول وتدخل غيرك ولو كان أخاً لك في الله؛ لأنه زُهْدٌ في الأجر، ولا يجوز للمسلم أن يزهد في الأجر. واختلف العلماء في هذه المسألة: فقال بعض العلماء: يجوز الإيثار في الطاعات، ولهم أصلٌ في ذلك. ولكن الصحيح والأقوى: أنه (لا إيثار في القُربة) وأن الإنسان ينبغي عليه أن يحرص على القربة، وقد دل على ذلك دليل السنة: فإن ابن عباس كان يوماً من الأيام جالساً عن يمين النبي ﷺ ، وعن يساره الأشياخ، فأُتِي بشرابٍ إلى النبي ﷺ ، فلما انتهى منه أعطاه للذي عن يمينه وهو ابن عباس وقال قبل أن يعطيه: (يا غلام! أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟ فقال ابن عباس ﵁ وأرضاه -النبراس، والقبس الوهاج علماً وحكمة-: ما كنتُ لأوثر بنصيبي منك أحداً -أي: لا أفضِّل في الدين، هذا محل الشاهد- فأخذه فتله بيمينه صلوات الله وسلامه عليه) فهو أقرَّه، واعتبرها قربة؛ لأنه لم يؤثِر بهذا الأمر الذي هو طاعةٌ وقربةٌ لله ﷻ . فأصح الأقوال: أنه (لا إيثار في القربة). والله تعالى أعلم. ولكن استثنى بعض السلف مسألة، منها: استثناء الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس؛ إمام دار الهجرة، في قوله: أحب لأهل المدينة إذا حضر الحجاج أن يتقاصروا عن الروضة. الحجاج من الآفاق يقدمون وساعاتهم وأيامهم قليلة، فأحَبَّ لهم التقاصر، ففَهِم بعض أصحابه رحمة الله عليه: أن هذا يدل على أنه يجيز الإيثار في القربة؛ ولكنها مسألة خاصة لا تقتضي التعميم. والله تعالى أعلم.

стр. 945

حكم صيام التطوع في السفر السؤال أنا أدرس بكلية البنات بالخرج، وأصوم يومي الإثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، فهل يُعَدُّ صيامي هذا من التكلف والمشقة، لأنني سمعتُ بأن هذا فيه مشقة على النفس، أرجو توضيح ذلك، مع العلم أن الخرج تبعد عن الحوطة بـ (٨٥) كيلو متراً. وجزاكم الله خيراً؟ الجواب باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فأنتِ تسألين عن حكم صيام التطوع في السفر، وهل يعتبر صيامكِ للإثنين والخميس من الغلو والكلفة والمشقة أو لا يعتبر؟ فأصح أقوال العلماء ﵏ في هذه المسألة: أن الناس يختلفون: فمن كان منهم مُطِيقاً للصوم ولو كان مسافراً فإنه يُشْرع له أن يصوم، ولذلك أجاز النبي ﷺ لصحابي أن يصوم وذلك في السفر. قال العلماء: لأنه يطيق السفر. وأما قوله ﵊: (ليس مِنِ امبر امصيام في امسفر) فهو محمول على المشقة، ولذلك قال: (اكلفوا من الأعمال ما تطيقون). فإذا كان صيامك في السفر يلحق بك المشقة، وقد يحول بينك وبين الواجبات، ويحصل به تعذيبٌ للنفس وعناءٌ فإن الأفضل تركه. وقال بعض العلماء بكراهيته في هذه الحالة؛ لقول النبي ﷺ : (ليس مِنِ امبر امصيام في امسفر). وأما إذا كان صيامكِ قد ألِفْتِيه واعتدتيه، ولم يؤثر عليكِ في السفر، ولا يؤثر على طاعةٍ واجبةٍ عليكِ، فهنيئاً لهذا الفضل والخير الذي حباك الله به، واستديمي الصيام على خير. والله تعالى أعلم.

стр. 946

الخوف من الرياء حكمه وأنواعه السؤال إني عند قيامي ببعض الأعمال: كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أخشى من الرياء والسمعة، فأرجو توضيح ذلك! مع العلم بأني أعاني نفسياً من أن تكون أعمالي فيها سمعة ورياء، وجزاكم الله خيراً. الجواب نعم النفس المؤمنة الخائفة التي تتهم نفسها بالتقصير دائماً! قال الحسن البصري ﵀: [لا يزال المؤمن الصالح يتهم نفسه]. فقول القائل: هذا العمل ما أردتُ به وجه الله، هذا القول: (ما أردتُ به وجه الله) يعني به أنه يتهم نفسه بالتقصير في الإخلاص. فإن كان شعورك بالتقصير يحول بينك وبين العمل فهذا من الشيطان، وإن كان شعورك بالتقصير يدفعك إلى المبالغة والصدق في الإخلاص فنِعْم والله الشعور! فهو شأن عباد الله الأخيار؛ ما فعلوا طاعة إلا احتقروها، قال بعض السلف: [المؤمن يحمل الهم في الأعمال الصالحة في مواقف حمل هم الصواب، فإذا وُفِّق للصواب حَمَل هم التوفيق لعمل الصواب] فكم من صوابٍ تعملُه ولا يوفِّقِ الله لفعله، فقيام الليل مَن منا يقوم الليل؟! وصيام الإثنين والخميس من منا يصومهما؟! وصيام يومٍ وإفطار يومٍ من منا يفعله؟! فأولاً: الصواب. ثم التوفيق لعمل الصواب. ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (أسألك العزيمة على الرشد) فإذا وُفِّقَ العبد لعمل الصواب، وتهيأ لعمله حَمَل هم الإخلاص فيه، وألا يريد به إلا وجه الله ﷻ ، فإذا وُفِّق للإخلاص وختم عملَه وكان صواباً خالصاً لوجه الله حَمَل هَمَّ القبول من الله جل وعلا، ولا يزال هَمُّ القبول في قلب المؤمن حتى يلقى الله، فتنكشف الحقائق له؛ هل عملُه مقبول فيهنأ، أو غير مقبول فيحزن، فإن العبد يُنْشَر له عمله، فيقول الله ﷻ : (قد جعلتها هباءً منثوراً) فتُنْشَر له الحسنات والأثقال؛ ولكن ما أراد بها وجه الله. وجاء في الخبر: (إن العبد تُنْشَر له الحسنات والأعمال الصالحة، فيقول الله له: اذهب فخذ أجرك ممن راءَيْتَ له) اذهب إلى جماعتك الذين كنت تريد منهم الفخر والرياء وتحب أن يمدحوك، اذهب وخذ منهم الأجر اذهب إلى قرابتك إلى الناس إلى مسئولك إلى مديرك إلى والدك إلى والدتك إلى ابنك إلى زوجك إلى كل من راءَيْتَه، فخذ أجرك منه، فإن هذا العمل لم يُرَدْ به وجهُ الله ﷻ . فأما إذا كان هذا الحديث يدعوكِ إلى ملازمة الإخلاص فهو حديثُ خير، يَحْمِل على الطاعة والبِر، وهو مَحمود غير مذموم. أما إذا كان يمنعكِ عن العمل الصالح، وأصبح الإنسان كلما أراد عملاً صالحاً جاءه الشيطان وقال له: أنت لا تخلص فيه؛ فهذا من الشيطان؛ ولكن اجتهدي واعملي العمل، فإن وجدتِ فيه الرياء فقولي: أستغفر الله وأتوب إليه. فإن الله يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]. والله تعالى أعلم.

стр. 947

حكم لبس الحجاب الذي فيه زينة السؤال صدَرَت فتوى من الشيخ ابن عثيمين -جزاه الله خيراً- عن لبس العباءة التي فيها زينة من (قيطان) و (كِلْف) بأنها لا تجوز؛ لأنها تجعل الحجاب زينة في نفسه، فهل ينطبق الحكم على الغطاء المسمى: شِيْلَة، حيث أني أرى كثيراً من الأخوات يلبسن غطاءً به (كِلْفٌ وقيطان) أرجو توضيح ذلك، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب جزى الله سماحة الشيخ الوالد محمد العثيمين ﵀ كل خير على هذه الفتوى، وهي قولٌ سَبَقَ أن نبَّه عليه العلماء، فقد ذكر أهل العلم ﵏: أن المرأة يحرم عليها أن تُظْهِر الزينة فيما ظهر من بدنها؛ لأن الله جل وعلا نهى عن إبداء الزينة: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فحرامٌ أن ترى هذه الزينةَ عينٌ غير عينِ الزوج. وتشمل تلك الزينة: الحلي. والخلاخل. والأسورة. ونحوها مِن التي تُكْشَف عند مشي المرأة، أو عند أخذها أو عطائها فهذه من الزينة. كذلك: الزينة الباطنة، كزينة الوجه من كحل ونحو ذلك، كل هذه من الزينة المحرمة. ومما ذكره العلماء من الزينة المحرمة: الزينة في اللباس، فقد نص العلماء على تحريم الزينة في اللباس؛ لأن المرأة إذا نُقِشَت عباءتُها قد ينظر الرجل إليها فيَرى النقوش، فينظر أولاً من أجل النقوش، فيجره ذلك إلى النظر إلى مفاتن المرأة، وقد تقول المرأة: إن وجود النَّقْش في العباءة ليس بزينة، فنقول: نعم، هو ليس بزينة في الظاهر؛ ولكنه يقود إلى استرسال النظر، وإلى الوقوع في المحظور، والوسائل آخِذَةٌ حكم المقاصد كما هو مقرر في قواعد الشريعة، والله تعالى أعلم، فلا يجوز وضعها في الحجاب، ولا في الشِّيْلات، ولا في كل لباس ظاهر. أما اللباس الباطن الذي لا يطَّلع عليه الرجل من الخارج فهذا لا حرج فيه، ولا عُتْبى على المرأة في وضعه على شرط أن لا تراه عينٌ ممن حرَّم الله رؤيتها إليه. والله تعالى أعلم.

стр. 948

الحث على الدعوة إلى الله السؤال يا شيخ! إني أحبك في الله، وأرجو يا شيخ أن تحث شباب الصحوة على الدعوة في هذه المنطقة بالذات؛ لأنهم يهتمون بأنفسهم فقط دون غيرهم من الشباب الغافلين عن ذكر الله، من حيث النصيحة ونشر الشريط الإسلامي وغيرهما من أساليب الدعوة! جزاكم الله خيراً. الجواب جزاك الله خيراً، وأسأل الله أن يكتب لك الأجر، ويعلمُ الله كم سُرِرْتُ حينما لقيتكم، ويعلم الله شوقي إلى لقائكم. وأسأل الله أن يكثر الخير فينا وفيكم، وأن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين وأوليائه المتقين، وأن يكثر فينا وفيكم الصالحات والصالحين. إخواني في الله: أفضل الأعمال وأحبُّها إلى الله: كلمةٌ تَهدي القلوب إلى الله كلمةٌ تدل بها على السبيل كلمةٌ تكون بها دليلاً ونعم الدليل! يوم تَهدي إلى الله العظيم الجليل. ولقد شهد الله في كتابه أنَّ أحبَّ الكلام إليه من أوليائه كلامٌ هَدَى إليه : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] فـ (مَنْ): بمعنى: لا، أي: ولا أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﷻ ! فأطيب الكلام بعد كلام الله وكلام رسوله ﷺ : كلام يهدي إلى الله ﷻ . تكلم فلعل كلمة تُذَكِّر غافلاً! تكلم فلعل كلمة تنبِّه وتوقظ نائماً! تكلم بالكلام الطيب ولو لم يكن لك شرف إلا أن تكون من خلفاء النبي ﷺ ، فإن نبوَّتَه وَرِثَها العلماء والصلحاء في كل زمان ومكان، فكُنْ من أولئك المشاعل للنور والهداية. أيها الأحبة في الله: أولُ ما ينبغي على الداعية: أن يكون قدوة في نفسه. فحاول قدر استطاعتك أن لا تسمع بأمر من أوامر الله إلا فعلته، وألا تسمع بنهي من نواهي الله إلا اجتنبته وتركته. وأن تكون فيك الأخلاق والآداب الإسلامية التي تدل على أنك مسلم حقاً ومؤمن صدقاً، فإذا أصبحتَ بهذه المثابة، فوالله إنك لداعٍ ولو لم تتكلم بلسانك. قال جعفر الصادق لأصحابه -ذلك الإمام من أئمة أتباع التابعين- قال لهم: [ادعوا وأنتم صامتون، قالوا: رحمك الله! كيف ندعو ونحن صامتون؟! قال: ادعوا الناس بأخلاقكم وآدابكم قبل أن تتكلموا بألسنتكم]. فالآداب والأخلاق والشمائل الحميدة لا يزال الشاب الصالح الوضيء المشرق وجهه من طاعة الله يدعو بها ولو لم يشعر. فالوصية الأولى: الأخلاق: أن تلتزم بآداب الإسلام، وتكون نفسك تواقة إلى معالي الأمور، فتسعى وتسمو إلى حب الله ورسوله ﷺ ، وتبيع نفسك في مرضاة الله، فتجلس في المجالس، وتشتغل بذكر الله، وإذا سمعت أحداً يغتاب آخر تقول له: يا أخي! اتقِ الله! وإذا سمعت أحداً ينقل نميمة تقول له: يا أخي! اتقِ الله! وإذا سمعت أحداً يتكلم فيما لا يعنيه تقول له: يا أخي! اتقِ الله! فلا تزال الكلمة تخرج منك تلو الكلمة، وتخط لك الأجور التي لا يعلمها إلا الله ﷻ . ولقد أخبرنا النبي ﷺ : (أن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يلقي لها بالاً يكتب الله له به رضاه إلى يوم يلقاه) فتَمُرُّ على رجل شاربٍ للدخان فتأتيه بالنصيحة الثمينة وتقول له: يا أخي! أي نفس تعذبها؟! وأي روح في مهدها تقتلها؟! أما تتقي الله في نفسك؟! يا أخي! اتقِ الله في هذا المال الذي أعطاك الله إياه، وحرمه الفقير غيرك! أما تتقي الله أن تسعى في هلاك نفسك؟! فقولك: (أما تتقي الله) وأنت لا تبالي بهذه الكلمة يَكْتُبُ الله لك بها رضاً لا سخط بعده إلى يوم القيامة: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ... ). وقد تجلس في البيت فترى المنكر، فتنصح النصيحة، وتخرج منك غيرة على دين الله وحدوده ومحارمه فيكتب الله لك بهذه الغيرة رضاً لا سخط بعده أبداً. فمَن بذل نفسه للدعوة إلى الله، واشترى رحمات الله بالكلام الصالح والتذكير بالله فأنْعِم به مِن رجل! وأنْعِم به مِن داعية ومِن متكلم! وما الذي يأخذه الناس من المجالس غير كلمة تقرب القلوب إلى الله؟! وما الذي نأخذه من الدنيا غير طاعة الله ﷻ ؟! ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. سبحانه! لا إله إلا هو! فالله لا يريد منا شيئاً إلا العمل الصالح، والذي بيننا وبين الله هو: العمل الصالح، وأفضل الأعمال وأحبها: الدعوة إلى الله. والوصية الأخيرة: لن يكون هناك شاب تائهٌ ضائع تعرفه وتقصر في دعوته، إلا كان لك خصماً بين يدي الله ﷻ :- فإذا مررتَ على جارك وعرفتَ أنه لا يصلي، فسكتَّ عنه، أتى يوم القيامة يتعلَّق بك وهو يقول: يا رب! سَلْ جاري، فإنه ما دعاني إلى الصلاة يوماً من الأيام! فإذا رأيت جارك على منكر أو معصية فقلت: ما لي وله، وما لي وللناس؟ فهذه كلمة يسيرة؛ لكنها عند الله عظيمة، فإذا وقفتَ بين يدي الله، علمتَ هل هذا من شأنك أو ليس من شأنك! كذلك تذكير الغافلين، فالناس فيهم خير، خاصةً في هذه البيئات المسلمة، الناس على الفطرة، واللهِ إن فيهم خيراً مهما عملوا من سيئات وذنوب، واللهِ إن العبد تجده على أشد ما يكون من معصية لله ﷻ ، وما إن تقرعه بآية من كتاب الله إلا ويطأطئ رأسه ذليلاً ويقول: جزاك الله خيراً. فهذا نعمةٌ وخيرٌ في الأمة المسلمة؛ لكن الإنسان إذا كان شاباً وبه طيش وغرور يحتاج منك إلى يد حانية، ونصيحة غالية، ثم إذا نصحتَ إياك أن تكون حجرة عثرةٍ عن سبيل الله وصراط الله، بل انصح بالتي هي أحسن، انصح باللين والرفق، وأشْعِر الذي تنصحه، كأنك يدٌ تريد أن تنتشل غريقاً، ولستَ بصاحب تشهير ولا أذيةٍ ولا تعيير؛ ولكن صاحب بِرٍّ ودعوةٍ وإحسانٍ وصلاح. نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. والله تعالى أعلم.

стр. 949

الأسباب التي تؤدي إلى لين القلوب السؤال السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته، فضيلة الشيخ: إني أحبك في الله. ما هي الطرق التي تؤدي إلى لين القلوب؟ جزاكم الله خيراً. الجواب باسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فأحَبَّكَ الله الذي أحببتني من أجله، وأُشْهِدُ الله العظيم رب العرش الكريم على حبكم فيه، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا بكم جميعاً في دار كرامته ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]. أخي في الله: أنت تسأل عن الأسباب التي تلين القلوب! أعظمُ هذه الأسباب وأجلُّها: أن تسأل الله أن يرزقك قلباً ليناً، وأن تستعيذ بالله من القلب القاسي:- فإن الناس لضعف قلوبهم وعقولهم يظنون أن قوة القلوب هي الرجولة والفحولة؛ ولكن أقول: لين القلوب هو الرجولة الكاملة، والإيمان الكامل. فسَلِ الله أن يعطيك، ولذلك كان النبي ﷺ يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاءٍ لا يُسْمع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع). سَلِ الله أن يعيذك من القلب القاسي، وسَلِ الله أن يرزقك قلباً ليناً رقيقاً رفيقاً بعباده، فإنه سبحانه وحده مقلِّب القلوب والأبصار، وهو وحده الذي يستطيع في لحظة واحدة وطرفة عين أن يقلِّبها فتصير أذل ما تكون لعباد الله المؤمنين، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. جعلنا الله وإياكم منهم. اللهم آمين. السبب الثاني الذي يعين على لين القلوب: كثرة ذكر الآخرة:- أن تتذكر أنها ستمرُّ عليك مثل هذه اللحظة وأنت ضجيع القبر والبِلَى، والله لَتَمُرَّنَّ عليك ولو بعد حين! وكم من ضاحكٍ منا قد نُسِجت أكفانُه وهو لا يدري! فكثرة ذكر الموت والدار الآخرة وقُرب المصير إلى الله يلين القلوب، ويجعل الإنسان في همٍّ وغمٍّ من الآخرة وحدها حتى يخلف جسر جهنم وراء ظهره. أما السبب الثالث -وهو داخلٌ في السبب الثاني-: زيارة المقابر: زُرِ القبور، وقِفْ بين أهلها، وانظر إلى حال أغنيائها وفقرائها! إنهم جيرانٌ لا يتزاورون! وسكانُ لَحْدٍ وشِقٍّ منه يبعثون! ينادُون ولا مجيب! ويَسْتَعتبون ولا مُعْتِبٌ ولا مستجيب! قد زالت فوارقهم! وذابت أنسابهم! وصاروا إلى الرفات. صاحِ هذه قبورنا تملأ الرحبَ فأين القبور من عهد عادِ؟! خفِّف الوطء! ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجسادِ انظر في الأمم التي مضت وانقضت وولَّت! كم بينها أناسٌ آكَلُوك! كم بينها أناسٌ شارَبُوك! كم بينها أناسٌ زاوَرُوك! كم بينها أناسٌ بينك وبينهم المودة والمحبة قد انقطعوا إلى الله، وصاروا إلى لقاء الله، وانقطعت عنهم الحيلة، وأصبحوا رهناء بما قالوا وما فعلوا! فمَن تذكَّرَ هذه المنازل هانت عليه الدنيا، وأصبح لَيِّن القلب يفكر في نجاته من لقاء ربه ﷻ . ومن الأسباب التي تعين على لين القلوب: زيارة المرضى وعيادتهم: واسمع إلى هذا يتأوه! واسمع إلى هذا يشتكي! واسمع إلى هذا قد كُسِرت ساقه! وهذا قد قُطِعت يده! وهذا قد كُفَّ بصره! وقل: الحمد لله الذي عافاني؛ لكي تحس أنك حقيرٌ ذليلٌ تحت سطوة الله ﷻ ، حتى يذهب الغرور الذي يرفع الإنسان عن قدره ومكانه، حتى تعرف من أنت تحت رحمة الله ﷻ وسطوته ونقمته، فإن العبد تراه قوي البدن صحيح الجسم ما أن يبتليه الله بسقمٍ خفيف في عضو من أعضائه حتى يَخِرَّ كالميت مجندلاً يتأوه من سقمه ومرضه. الله أكبر! ما أعظم سلطانه إذا أخذ! وما أعظم سلطانه إذا نزل! فهذا يلين القلب ويعرِّف الإنسانَ بقدره. ومما يلين القلوب: زيارة الصالحين، وحب الصالحين، وغشيان حِلَق الذكر، فهم القومُ لا يشقى بهم جليس:- فلا تزال تزور حِلَق الذكر، وتسمعُ المحاضرات والندوات، حتى يُلَيِّن الله قلبك؛ لأن الوحيَ وكلامَ الله وكلامَ رسوله ﷺ ، وكلامَ الصالحين وكلامَ الدعاة والهداة كالغيث للقلوب، يُلَيِّنها ذلك بإذن الله ﷻ . فأكْثِر من سماع الذكرى، وأكْثِر من سماع المواعظ، فإنها تقرِّبك إلى الله ﷻ . ومن الأمور التي تلين القلوب: البُعْد عن أهل الغفلة الذين يكثرون من ذكر الدنيا فإن عاشرتهم قسا قلبُك، وإن عاشرتهم نسيتَ ربَّك ولَهَوْتَ مع اللاهين، وجَرُّوك إلى ويلات، وأخَذْت ترتع في أودية الدنيا السحيقة، ولن يكون لك منها إلا ما قسم الله لك، ولن تخرج إلا بما كتب الله لك من الرزق، فلا تزال تلهث معهم، ولا يزال الإنسان يشتغل بأحاديثهم؛ باع فلانٌ، واشترى فلانٌ، وقَضَى فلانٌ، وعُمِّر فلانٌ، وهَدَم فلانٌ، حتى تأتيه قاصمة الله فلا يبالي الله به في أي أودية الدنيا هلك. نسأل الله السلامة والعافية. فإياك والجلوس مع أهل الغفلة! ابحث عن الصالحين، عن قومٍ إذا رأيتَهم ذكرت الله ﷻ . أما الوصية الأخيرة: فامسح على رأس اليتيم، وواسِ الأرملة والمسكين يلين الله قلبك، وصِلْ رحمك، واعفُ عمن أساء إليك، واتخذ من الصالحات سبيلاً: فإنك لا تزال تفعل الصالحات حتى تتغشاك الرحمة تلو الرحمة، حتى يصبح قلبك ليناً لله ﷻ ، حتى إنك لن تسمع آية إلا فاضت عيناك من الدموع لله . والناس في لين القلوب على مراتب، فمَن كَمُلَت له هذه الأسباب، فإن قلبه يلين. ألا وإن أعظم الأسباب وأجلها: تذكر كلام الله جل وعلا. وكثرة تلاوة القرآن. والاعتبار بمواعظه. والوقوف أمام مشاهده. فإن ذلك يلين القلوب. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يليِّن قلوبنا وقلوبكم، وأن يعيذنا وإياكم من القلب القاسي، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله تعالى أعلم.

стр. 950

رحمة الضعفاء إذا أراد الله أن يسعد عبداً من عباده ملأ قلبه رحمة، حتى يعظم خيره، ويضاعف أجره؛ فكم من رحماء توطنوا القبور وأمامهم بشرى ما قدموه من القول والعمل، فكم من أرملة ترفع كفها داعية بالخير لهم، وكم من يتيم ومحروم يسأل الله أن يملاً مضاجعهم مضاجع الروح والريحان. إنها الرحمة التي ينبغي للمسلم أن يتخلق بها، وأن يكون من أهلها.
следующие страницы →