← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الخوف من الرياء حكمه وأنواعه السؤال إني عند قيامي ببعض الأعمال: كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أخشى من الرياء والسمعة، فأرجو توضيح ذلك! مع العلم بأني أعاني نفسياً من أن تكون أعمالي فيها سمعة ورياء، وجزاكم الله خيراً. الجواب نعم النفس المؤمنة الخائفة التي تتهم نفسها بالتقصير دائماً! قال الحسن البصري ﵀: [لا يزال المؤمن الصالح يتهم نفسه]. فقول القائل: هذا العمل ما أردتُ به وجه الله، هذا القول: (ما أردتُ به وجه الله) يعني به أنه يتهم نفسه بالتقصير في الإخلاص. فإن كان شعورك بالتقصير يحول بينك وبين العمل فهذا من الشيطان، وإن كان شعورك بالتقصير يدفعك إلى المبالغة والصدق في الإخلاص فنِعْم والله الشعور! فهو شأن عباد الله الأخيار؛ ما فعلوا طاعة إلا احتقروها، قال بعض السلف: [المؤمن يحمل الهم في الأعمال الصالحة في مواقف حمل هم الصواب، فإذا وُفِّق للصواب حَمَل هم التوفيق لعمل الصواب] فكم من صوابٍ تعملُه ولا يوفِّقِ الله لفعله، فقيام الليل مَن منا يقوم الليل؟! وصيام الإثنين والخميس من منا يصومهما؟! وصيام يومٍ وإفطار يومٍ من منا يفعله؟! فأولاً: الصواب. ثم التوفيق لعمل الصواب. ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (أسألك العزيمة على الرشد) فإذا وُفِّقَ العبد لعمل الصواب، وتهيأ لعمله حَمَل هم الإخلاص فيه، وألا يريد به إلا وجه الله ﷻ ، فإذا وُفِّق للإخلاص وختم عملَه وكان صواباً خالصاً لوجه الله حَمَل هَمَّ القبول من الله جل وعلا، ولا يزال هَمُّ القبول في قلب المؤمن حتى يلقى الله، فتنكشف الحقائق له؛ هل عملُه مقبول فيهنأ، أو غير مقبول فيحزن، فإن العبد يُنْشَر له عمله، فيقول الله ﷻ : (قد جعلتها هباءً منثوراً) فتُنْشَر له الحسنات والأثقال؛ ولكن ما أراد بها وجه الله. وجاء في الخبر: (إن العبد تُنْشَر له الحسنات والأعمال الصالحة، فيقول الله له: اذهب فخذ أجرك ممن راءَيْتَ له) اذهب إلى جماعتك الذين كنت تريد منهم الفخر والرياء وتحب أن يمدحوك، اذهب وخذ منهم الأجر اذهب إلى قرابتك إلى الناس إلى مسئولك إلى مديرك إلى والدك إلى والدتك إلى ابنك إلى زوجك إلى كل من راءَيْتَه، فخذ أجرك منه، فإن هذا العمل لم يُرَدْ به وجهُ الله ﷻ . فأما إذا كان هذا الحديث يدعوكِ إلى ملازمة الإخلاص فهو حديثُ خير، يَحْمِل على الطاعة والبِر، وهو مَحمود غير مذموم. أما إذا كان يمنعكِ عن العمل الصالح، وأصبح الإنسان كلما أراد عملاً صالحاً جاءه الشيطان وقال له: أنت لا تخلص فيه؛ فهذا من الشيطان؛ ولكن اجتهدي واعملي العمل، فإن وجدتِ فيه الرياء فقولي: أستغفر الله وأتوب إليه. فإن الله يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]. والله تعالى أعلم.

стр. 947

حكم لبس الحجاب الذي فيه زينة السؤال صدَرَت فتوى من الشيخ ابن عثيمين -جزاه الله خيراً- عن لبس العباءة التي فيها زينة من (قيطان) و (كِلْف) بأنها لا تجوز؛ لأنها تجعل الحجاب زينة في نفسه، فهل ينطبق الحكم على الغطاء المسمى: شِيْلَة، حيث أني أرى كثيراً من الأخوات يلبسن غطاءً به (كِلْفٌ وقيطان) أرجو توضيح ذلك، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب جزى الله سماحة الشيخ الوالد محمد العثيمين ﵀ كل خير على هذه الفتوى، وهي قولٌ سَبَقَ أن نبَّه عليه العلماء، فقد ذكر أهل العلم ﵏: أن المرأة يحرم عليها أن تُظْهِر الزينة فيما ظهر من بدنها؛ لأن الله جل وعلا نهى عن إبداء الزينة: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فحرامٌ أن ترى هذه الزينةَ عينٌ غير عينِ الزوج. وتشمل تلك الزينة: الحلي. والخلاخل. والأسورة. ونحوها مِن التي تُكْشَف عند مشي المرأة، أو عند أخذها أو عطائها فهذه من الزينة. كذلك: الزينة الباطنة، كزينة الوجه من كحل ونحو ذلك، كل هذه من الزينة المحرمة. ومما ذكره العلماء من الزينة المحرمة: الزينة في اللباس، فقد نص العلماء على تحريم الزينة في اللباس؛ لأن المرأة إذا نُقِشَت عباءتُها قد ينظر الرجل إليها فيَرى النقوش، فينظر أولاً من أجل النقوش، فيجره ذلك إلى النظر إلى مفاتن المرأة، وقد تقول المرأة: إن وجود النَّقْش في العباءة ليس بزينة، فنقول: نعم، هو ليس بزينة في الظاهر؛ ولكنه يقود إلى استرسال النظر، وإلى الوقوع في المحظور، والوسائل آخِذَةٌ حكم المقاصد كما هو مقرر في قواعد الشريعة، والله تعالى أعلم، فلا يجوز وضعها في الحجاب، ولا في الشِّيْلات، ولا في كل لباس ظاهر. أما اللباس الباطن الذي لا يطَّلع عليه الرجل من الخارج فهذا لا حرج فيه، ولا عُتْبى على المرأة في وضعه على شرط أن لا تراه عينٌ ممن حرَّم الله رؤيتها إليه. والله تعالى أعلم.

стр. 948

الحث على الدعوة إلى الله السؤال يا شيخ! إني أحبك في الله، وأرجو يا شيخ أن تحث شباب الصحوة على الدعوة في هذه المنطقة بالذات؛ لأنهم يهتمون بأنفسهم فقط دون غيرهم من الشباب الغافلين عن ذكر الله، من حيث النصيحة ونشر الشريط الإسلامي وغيرهما من أساليب الدعوة! جزاكم الله خيراً. الجواب جزاك الله خيراً، وأسأل الله أن يكتب لك الأجر، ويعلمُ الله كم سُرِرْتُ حينما لقيتكم، ويعلم الله شوقي إلى لقائكم. وأسأل الله أن يكثر الخير فينا وفيكم، وأن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين وأوليائه المتقين، وأن يكثر فينا وفيكم الصالحات والصالحين. إخواني في الله: أفضل الأعمال وأحبُّها إلى الله: كلمةٌ تَهدي القلوب إلى الله كلمةٌ تدل بها على السبيل كلمةٌ تكون بها دليلاً ونعم الدليل! يوم تَهدي إلى الله العظيم الجليل. ولقد شهد الله في كتابه أنَّ أحبَّ الكلام إليه من أوليائه كلامٌ هَدَى إليه : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] فـ (مَنْ): بمعنى: لا، أي: ولا أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﷻ ! فأطيب الكلام بعد كلام الله وكلام رسوله ﷺ : كلام يهدي إلى الله ﷻ . تكلم فلعل كلمة تُذَكِّر غافلاً! تكلم فلعل كلمة تنبِّه وتوقظ نائماً! تكلم بالكلام الطيب ولو لم يكن لك شرف إلا أن تكون من خلفاء النبي ﷺ ، فإن نبوَّتَه وَرِثَها العلماء والصلحاء في كل زمان ومكان، فكُنْ من أولئك المشاعل للنور والهداية. أيها الأحبة في الله: أولُ ما ينبغي على الداعية: أن يكون قدوة في نفسه. فحاول قدر استطاعتك أن لا تسمع بأمر من أوامر الله إلا فعلته، وألا تسمع بنهي من نواهي الله إلا اجتنبته وتركته. وأن تكون فيك الأخلاق والآداب الإسلامية التي تدل على أنك مسلم حقاً ومؤمن صدقاً، فإذا أصبحتَ بهذه المثابة، فوالله إنك لداعٍ ولو لم تتكلم بلسانك. قال جعفر الصادق لأصحابه -ذلك الإمام من أئمة أتباع التابعين- قال لهم: [ادعوا وأنتم صامتون، قالوا: رحمك الله! كيف ندعو ونحن صامتون؟! قال: ادعوا الناس بأخلاقكم وآدابكم قبل أن تتكلموا بألسنتكم]. فالآداب والأخلاق والشمائل الحميدة لا يزال الشاب الصالح الوضيء المشرق وجهه من طاعة الله يدعو بها ولو لم يشعر. فالوصية الأولى: الأخلاق: أن تلتزم بآداب الإسلام، وتكون نفسك تواقة إلى معالي الأمور، فتسعى وتسمو إلى حب الله ورسوله ﷺ ، وتبيع نفسك في مرضاة الله، فتجلس في المجالس، وتشتغل بذكر الله، وإذا سمعت أحداً يغتاب آخر تقول له: يا أخي! اتقِ الله! وإذا سمعت أحداً ينقل نميمة تقول له: يا أخي! اتقِ الله! وإذا سمعت أحداً يتكلم فيما لا يعنيه تقول له: يا أخي! اتقِ الله! فلا تزال الكلمة تخرج منك تلو الكلمة، وتخط لك الأجور التي لا يعلمها إلا الله ﷻ . ولقد أخبرنا النبي ﷺ : (أن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يلقي لها بالاً يكتب الله له به رضاه إلى يوم يلقاه) فتَمُرُّ على رجل شاربٍ للدخان فتأتيه بالنصيحة الثمينة وتقول له: يا أخي! أي نفس تعذبها؟! وأي روح في مهدها تقتلها؟! أما تتقي الله في نفسك؟! يا أخي! اتقِ الله في هذا المال الذي أعطاك الله إياه، وحرمه الفقير غيرك! أما تتقي الله أن تسعى في هلاك نفسك؟! فقولك: (أما تتقي الله) وأنت لا تبالي بهذه الكلمة يَكْتُبُ الله لك بها رضاً لا سخط بعده إلى يوم القيامة: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ... ). وقد تجلس في البيت فترى المنكر، فتنصح النصيحة، وتخرج منك غيرة على دين الله وحدوده ومحارمه فيكتب الله لك بهذه الغيرة رضاً لا سخط بعده أبداً. فمَن بذل نفسه للدعوة إلى الله، واشترى رحمات الله بالكلام الصالح والتذكير بالله فأنْعِم به مِن رجل! وأنْعِم به مِن داعية ومِن متكلم! وما الذي يأخذه الناس من المجالس غير كلمة تقرب القلوب إلى الله؟! وما الذي نأخذه من الدنيا غير طاعة الله ﷻ ؟! ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. سبحانه! لا إله إلا هو! فالله لا يريد منا شيئاً إلا العمل الصالح، والذي بيننا وبين الله هو: العمل الصالح، وأفضل الأعمال وأحبها: الدعوة إلى الله. والوصية الأخيرة: لن يكون هناك شاب تائهٌ ضائع تعرفه وتقصر في دعوته، إلا كان لك خصماً بين يدي الله ﷻ :- فإذا مررتَ على جارك وعرفتَ أنه لا يصلي، فسكتَّ عنه، أتى يوم القيامة يتعلَّق بك وهو يقول: يا رب! سَلْ جاري، فإنه ما دعاني إلى الصلاة يوماً من الأيام! فإذا رأيت جارك على منكر أو معصية فقلت: ما لي وله، وما لي وللناس؟ فهذه كلمة يسيرة؛ لكنها عند الله عظيمة، فإذا وقفتَ بين يدي الله، علمتَ هل هذا من شأنك أو ليس من شأنك! كذلك تذكير الغافلين، فالناس فيهم خير، خاصةً في هذه البيئات المسلمة، الناس على الفطرة، واللهِ إن فيهم خيراً مهما عملوا من سيئات وذنوب، واللهِ إن العبد تجده على أشد ما يكون من معصية لله ﷻ ، وما إن تقرعه بآية من كتاب الله إلا ويطأطئ رأسه ذليلاً ويقول: جزاك الله خيراً. فهذا نعمةٌ وخيرٌ في الأمة المسلمة؛ لكن الإنسان إذا كان شاباً وبه طيش وغرور يحتاج منك إلى يد حانية، ونصيحة غالية، ثم إذا نصحتَ إياك أن تكون حجرة عثرةٍ عن سبيل الله وصراط الله، بل انصح بالتي هي أحسن، انصح باللين والرفق، وأشْعِر الذي تنصحه، كأنك يدٌ تريد أن تنتشل غريقاً، ولستَ بصاحب تشهير ولا أذيةٍ ولا تعيير؛ ولكن صاحب بِرٍّ ودعوةٍ وإحسانٍ وصلاح. نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. والله تعالى أعلم.

стр. 949

الأسباب التي تؤدي إلى لين القلوب السؤال السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته، فضيلة الشيخ: إني أحبك في الله. ما هي الطرق التي تؤدي إلى لين القلوب؟ جزاكم الله خيراً. الجواب باسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فأحَبَّكَ الله الذي أحببتني من أجله، وأُشْهِدُ الله العظيم رب العرش الكريم على حبكم فيه، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا بكم جميعاً في دار كرامته ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]. أخي في الله: أنت تسأل عن الأسباب التي تلين القلوب! أعظمُ هذه الأسباب وأجلُّها: أن تسأل الله أن يرزقك قلباً ليناً، وأن تستعيذ بالله من القلب القاسي:- فإن الناس لضعف قلوبهم وعقولهم يظنون أن قوة القلوب هي الرجولة والفحولة؛ ولكن أقول: لين القلوب هو الرجولة الكاملة، والإيمان الكامل. فسَلِ الله أن يعطيك، ولذلك كان النبي ﷺ يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاءٍ لا يُسْمع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع). سَلِ الله أن يعيذك من القلب القاسي، وسَلِ الله أن يرزقك قلباً ليناً رقيقاً رفيقاً بعباده، فإنه سبحانه وحده مقلِّب القلوب والأبصار، وهو وحده الذي يستطيع في لحظة واحدة وطرفة عين أن يقلِّبها فتصير أذل ما تكون لعباد الله المؤمنين، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. جعلنا الله وإياكم منهم. اللهم آمين. السبب الثاني الذي يعين على لين القلوب: كثرة ذكر الآخرة:- أن تتذكر أنها ستمرُّ عليك مثل هذه اللحظة وأنت ضجيع القبر والبِلَى، والله لَتَمُرَّنَّ عليك ولو بعد حين! وكم من ضاحكٍ منا قد نُسِجت أكفانُه وهو لا يدري! فكثرة ذكر الموت والدار الآخرة وقُرب المصير إلى الله يلين القلوب، ويجعل الإنسان في همٍّ وغمٍّ من الآخرة وحدها حتى يخلف جسر جهنم وراء ظهره. أما السبب الثالث -وهو داخلٌ في السبب الثاني-: زيارة المقابر: زُرِ القبور، وقِفْ بين أهلها، وانظر إلى حال أغنيائها وفقرائها! إنهم جيرانٌ لا يتزاورون! وسكانُ لَحْدٍ وشِقٍّ منه يبعثون! ينادُون ولا مجيب! ويَسْتَعتبون ولا مُعْتِبٌ ولا مستجيب! قد زالت فوارقهم! وذابت أنسابهم! وصاروا إلى الرفات. صاحِ هذه قبورنا تملأ الرحبَ فأين القبور من عهد عادِ؟! خفِّف الوطء! ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجسادِ انظر في الأمم التي مضت وانقضت وولَّت! كم بينها أناسٌ آكَلُوك! كم بينها أناسٌ شارَبُوك! كم بينها أناسٌ زاوَرُوك! كم بينها أناسٌ بينك وبينهم المودة والمحبة قد انقطعوا إلى الله، وصاروا إلى لقاء الله، وانقطعت عنهم الحيلة، وأصبحوا رهناء بما قالوا وما فعلوا! فمَن تذكَّرَ هذه المنازل هانت عليه الدنيا، وأصبح لَيِّن القلب يفكر في نجاته من لقاء ربه ﷻ . ومن الأسباب التي تعين على لين القلوب: زيارة المرضى وعيادتهم: واسمع إلى هذا يتأوه! واسمع إلى هذا يشتكي! واسمع إلى هذا قد كُسِرت ساقه! وهذا قد قُطِعت يده! وهذا قد كُفَّ بصره! وقل: الحمد لله الذي عافاني؛ لكي تحس أنك حقيرٌ ذليلٌ تحت سطوة الله ﷻ ، حتى يذهب الغرور الذي يرفع الإنسان عن قدره ومكانه، حتى تعرف من أنت تحت رحمة الله ﷻ وسطوته ونقمته، فإن العبد تراه قوي البدن صحيح الجسم ما أن يبتليه الله بسقمٍ خفيف في عضو من أعضائه حتى يَخِرَّ كالميت مجندلاً يتأوه من سقمه ومرضه. الله أكبر! ما أعظم سلطانه إذا أخذ! وما أعظم سلطانه إذا نزل! فهذا يلين القلب ويعرِّف الإنسانَ بقدره. ومما يلين القلوب: زيارة الصالحين، وحب الصالحين، وغشيان حِلَق الذكر، فهم القومُ لا يشقى بهم جليس:- فلا تزال تزور حِلَق الذكر، وتسمعُ المحاضرات والندوات، حتى يُلَيِّن الله قلبك؛ لأن الوحيَ وكلامَ الله وكلامَ رسوله ﷺ ، وكلامَ الصالحين وكلامَ الدعاة والهداة كالغيث للقلوب، يُلَيِّنها ذلك بإذن الله ﷻ . فأكْثِر من سماع الذكرى، وأكْثِر من سماع المواعظ، فإنها تقرِّبك إلى الله ﷻ . ومن الأمور التي تلين القلوب: البُعْد عن أهل الغفلة الذين يكثرون من ذكر الدنيا فإن عاشرتهم قسا قلبُك، وإن عاشرتهم نسيتَ ربَّك ولَهَوْتَ مع اللاهين، وجَرُّوك إلى ويلات، وأخَذْت ترتع في أودية الدنيا السحيقة، ولن يكون لك منها إلا ما قسم الله لك، ولن تخرج إلا بما كتب الله لك من الرزق، فلا تزال تلهث معهم، ولا يزال الإنسان يشتغل بأحاديثهم؛ باع فلانٌ، واشترى فلانٌ، وقَضَى فلانٌ، وعُمِّر فلانٌ، وهَدَم فلانٌ، حتى تأتيه قاصمة الله فلا يبالي الله به في أي أودية الدنيا هلك. نسأل الله السلامة والعافية. فإياك والجلوس مع أهل الغفلة! ابحث عن الصالحين، عن قومٍ إذا رأيتَهم ذكرت الله ﷻ . أما الوصية الأخيرة: فامسح على رأس اليتيم، وواسِ الأرملة والمسكين يلين الله قلبك، وصِلْ رحمك، واعفُ عمن أساء إليك، واتخذ من الصالحات سبيلاً: فإنك لا تزال تفعل الصالحات حتى تتغشاك الرحمة تلو الرحمة، حتى يصبح قلبك ليناً لله ﷻ ، حتى إنك لن تسمع آية إلا فاضت عيناك من الدموع لله . والناس في لين القلوب على مراتب، فمَن كَمُلَت له هذه الأسباب، فإن قلبه يلين. ألا وإن أعظم الأسباب وأجلها: تذكر كلام الله جل وعلا. وكثرة تلاوة القرآن. والاعتبار بمواعظه. والوقوف أمام مشاهده. فإن ذلك يلين القلوب. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يليِّن قلوبنا وقلوبكم، وأن يعيذنا وإياكم من القلب القاسي، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله تعالى أعلم.

стр. 950

رحمة الضعفاء إذا أراد الله أن يسعد عبداً من عباده ملأ قلبه رحمة، حتى يعظم خيره، ويضاعف أجره؛ فكم من رحماء توطنوا القبور وأمامهم بشرى ما قدموه من القول والعمل، فكم من أرملة ترفع كفها داعية بالخير لهم، وكم من يتيم ومحروم يسأل الله أن يملاً مضاجعهم مضاجع الروح والريحان. إنها الرحمة التي ينبغي للمسلم أن يتخلق بها، وأن يكون من أهلها.

стр. 951

من آثار الرحمة الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يليق بجلال ربنا وعظمته وكماله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبدٍ يخاف من لقائه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله، وعلى من سار على نهجه ومنواله. أما بعد: فأحييكم بتحية الإسلام: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١] السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وفي بداية هذا اللقاء أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي المشايخ الفضلاء الذين تسببوا في هذا اللقاء خيراً، وأسأل الله العظيم أن يكتب لكم الخطا، وأن يوجب بها الحب والرضا، فإن الدنيا فانية وكل ما عليها زائل، ولا يبقى إلا ما أريد به وجه الله، ومن ابتغى ما عند الله أقر الله عينه، والقليل من العبد في معاملته مع الله كثيرٌ عند الله بمنه وفضله وكرمه، فقد تكون الخطوة إلى طاعةٍ وبر موجبةً لمحبة الله للعبد محبةً لا يسخط بعدها أبداً، وقد تكون الكلمة من محبة الله لا يلقي لها العبد بالاً يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، فأسأل الله العظيم أن يجعل أعمالنا مقبولةً عنده، وهو أهل الفضل والتكريم. أيها الأحبة في الله: إن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة لعلمه سبحانه أن عباده أفقر ما يكونون إلى رحمته كتب على نفسه الرحمة وقسمها بين خلقه وعباده، فإذا أراد الله أن يسعد عبداً من عباده ملأ قلبه بالرحمة، حتى يعظم خيره، ويضاعف أجره، وتكفر خطيئته وترفع درجته. إنها الرحمة التي قام عليها الإسلام ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. إنها الرحمة التي لا تنزع إلا من شقي، قال: (يا رسول الله! إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحداً، قال: أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟!). إنها الرحمة التي إذا دخلت إلى القلوب اطمأنت وانشرحت، وإلى الخير سابقت وأسرعت ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] من دخلت في قلبه الرحمة صار ليّن القلب يهش لطاعة الله، ويبش في مرضاة الله، سباقاً إلى كل شيءٍ يشتري به رحمة الله. الرحمة هي: أمرٌ غيبي لا يعلمه إلا الله علام الغيوب، الله أعلم كم أسكن من رحمته في القلوب، فإذا أراد سبحانه بعبده خير الدنيا والآخرة جعل حظه من ذلك وافراً، فمن سكنت في قلبه الرحمة ﵀ في الدنيا والآخرة. ﵀ في الدنيا فلطف به في النكبات، وأحاطه بلطفه ورحمته، كما رحم المؤمنين والمؤمنات ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] ورحمه الله عند موته فلطف به في السكرات وأحسن له الخاتمة، قال بعض أهل العلم: أشهد أني ما علمت إنساناً رحيماً فساءت خاتمته. فغالباً ما يكون المرحوم الذي ملئ قلبه بالرحمة قرير العين عن ربه، حتى في آخر لحظات عمره، إذا أسكن الله الرحمات في قلب عبده رحمه في لحده، ورحمه في قبره حتى بدعوات المؤمنين والمؤمنات. فكم من رحماء توطنوا القبور وهم بشرى ما قدموه من القول والعمل، ماتوا وما ماتت مكارمهم، ماتوا وقد أتبعهم الله بصالح الدعوات، فكم من أرملة ترفع كفها إلى الله داعيةً بالخير له، وكم من يتيمٍ ومحروم يسأل الله أن يجعل مضاجعهم مضاجع الروح والريحان والنعيم والجنان. إنها الرحمة التي ينبغي للمسلم أن يتخلق بها، وأن يكون من أهلها.

стр. 952

المحتاجون إلى الرحمة

стр. 953

الأيتام من أشد المحتاجين إلى الرحمة أيها الأحبة في الله: أحوج الناس هم الضعفاء الأيتام، واليتيم قد انكسر قلبه بفراق أبيه، فهناك يتيمٌ لا يعرف أباه ألبتة، وهناك يتيم عاش مع أبيه أجمل اللحظات وقضى معه أفضل الساعات، وإذا به فجأة يختبئ عنه إذ صار في عداد الأموات، فأصبح منكسر القلب، مهموماً محزوناً يمضي مع الناس، فيرى كل ابنٍ مع أبيه، يمسح عليه ويحسن إليه، ويقف وحيداً فريداً كأنه يسائل أين أباه، وأين الرحمة التي أسدى إليه وأولاه، ولذلك إذا أراد الله بعبده الرحمة جاء إلى مثل هذا فمسح على رأسه، وجبر قلبه، وأحسن إليه بالقول والعمل، قال ﷺ : (إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة) فلليتيم حق ينبغي أن يحفظ، والله من فوق سبع سماوات يخاطب أفضل عباده وأشرفهم منزلةً عنده ويقول له: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩]. يقول العلماء: أعظم ما يكون القهر لليتيم إذا جاء في شدة الحاجة والمسغبة منكسر القلب، مهموماً محزوناً فصفعته على وجهه فخيبت أمله، أصعب ما يكون على اليتيم إذا جاء في شدة الحاجة والضيق ملتجئاً إليك بعد الله سبحانه أن تفرج كربته وأن تحسن إليه، والأمل منعقد بك، وإذا بك تخيب أمله -لا قدر الله- وترده، فذلك أعظم ما يكون من القهر وهو قادرٌ على أن يقوم بحاجته. وعلى المسلم أن يعلم أن الله تعالى لا يمكن أن يوفق للخير إلا من أحب، ولذلك قال العلماء: إن السعي في حوائج الناس لا يكون إلا بقوة الإيمان، ورجاء ما عند الله . لن تجد إنساناً حريصاً على إسداء الخير إلى الناس، وتفريج كرباتهم، والعطف عليهم، وإدخال السرور عليهم، إلا مؤمناً يرجو الله والدار الآخرة.

стр. 954

العصاة والمذنبون من أحوج الناس للرحمة وأحوج الناس إلى الرحمة هم العصاة والمذنبون، ولكنهم يحتاجون إلى رحمة التوجيه والهداية لطاعة الله، فإن الإسلام رحمة، والهداية والالتزام رحمة، وهناك أممٌ تنتظر منك أن تدلهم عليها، وأن تهديهم بإذن الله إليها، وأن تأخذ بمجامع قلوبهم إلى الله، فتحببهم في طاعة الله ومرضاته، قال ﷺ : (أنا رحمة مهداة). هذا الالتزام وهذه الاستقامة وهذه الهداية رحمة منحها الله لك، فإذا أردت أن ترحم بها عباده رحمك الله ، وبارك لك فيها، فما دعيت إلى هدىً إلا كان لك أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيء. الرحمة أفضل ما تكون بالدلالة على الخير، فكم من أناس هدوا إلى سواء السبيل، ودلوا إلى المَعلَم والدليل فأصابوا رحمة الله العظيم الجليل. والعصاة والمذنبون وإن أذنبوا وأخطئوا لكنهم ينتظرون الكلمة وينتظرون التوجيه والله يعينك ويسددك ويلهمك ويوفقك، ومن كان لله كان الله له، فقد تتكلم بالكلمة داعياً إلى رحمة الله، يكتب الله بها رضوانه إلى يوم أن يلقاه، قال ﷺ : (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه) قد تمر على العاصي، وهو في غفلته وشهوته وسكرته فتوقظه من الغفلة وتنبهه من المنام، وتأخذ بمجامع قلبه إلى الله، فتقول له: اتقِ الله، واعلم أنك صائرٌ إلى الله، وأن الله سائلك ومحاسبك ومجازيك، فترعد فرائصه من خشية الله، وقد تخرج منك لا تلقي لها بالاً ويكتب الله بها رضوانه.

стр. 955

الوالدان والأقارب أولى الناس أن يرحموا أحوج الناس إلى رحمتك أقرب الناس منك، وأولى الناس بذلك الوالدان ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤]. كان أبو هريرة ﵁ وأرضاه إذا دخل على أمه قال: [السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! رحمكِ الله يا أمي كما ربيتيني صغيراً، فكانت تقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته! رحمك الله يا بني كما بررتني كبيرة]. فأحوج الناس إلى رحمتك الوالدان، وذلك بقضاء حوائجهما، والسعي في تفريج الكربات عنهما، وإدخال السرور عليهما، حتى قال العلماء: من الرحمة أن لا تظهر لهما ما أنت فيه من الشجى والحزن، فإذا كنت مهموماً محزوناً فعليك أن تحرص كل الحرص ألا يريا منك الحزن وألا يريا منك الألم، فإنهما يتألمان أشد من ألمك. الرحمة بالوالدين تكون بقضاء الحوائج في الدنيا، وكثرة الدعاء لهما في الآخرة، فإذا كانا أمواتاً فإنهما أحوج ما يكونان إلى دعوة صالحة منك، أن تسأل الله أن يصب عليهما شآبيب الرحمات، وأن يجعل القبور لهم رياضاً من رياض الجنات، فتلك رحمة أودعها الله في قلوب الأبناء والبنات، لو أن الإنسان سبق والديه، فمات قبلهما لتفطر القلب من الوالدين، وللهجت الألسنة صباح مساء بالترحم عليه. ومن أحوج الناس إلى رحمتك أبناؤك وبناتك، وإدخال السرور على الأبناء والبنات واللطف بهم والتيسير لهم، وإدخال السرور عليهم من أجلِّ ما تشرى به رحمة الله، ولذلك ثبت بالحديث الصحيح عن النبي ﷺ ، أنه قصت عليه عائشة ﵂: (أن امرأةً دخلت عليها ومعها بنتان، فاستطعمت أم المؤمنين، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدةٍ منهما تمرة ثم أخذت الثالثة تريد أكلها، فاستطعمتها إحدى البنتين فأطعمتها، فعجبت أم المؤمنين ﵂ من صنيعها، فلما دخل رسول الله ﷺ قصت عليه الخبر، فقال ﵊: أتعجبين مما صنعت؟ إن الله حرمها على النار بتمرتها تلك). الرحمة بالأبناء والبنات حسنةٌ عظيمة، قال ﷺ : (من ابتلي بشيءٍ من هذه البنات فأدبهن فأحسن تأديبهن، ورباهن فأحسن تربيتهن، إلا كن له ستراً من النار). وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان إمام الرحماء بولده ﷺ ، ولذلك ثبت عنه (أنه كان يقبل الحسن والحسين، فدخل عليه الأقرع فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فقال: أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك). وتوفي ابنه إبراهيم ففاضت عيناه من الدمع ﷺ ، فقيل: (ما هذا يا رسول الله؟ قال: رحمة أسكنها الله في قلوب عباده). فمن أراد أن يكون رحيماً فليبدأ بأولاده، وليبدأ بأهله وزوجه، فإن الرحمة بالأقربين من أعظم الحسنات، ومن أجلِّ الطاعات، ولذلك قال ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). أحوج الناس إلى رحمتك إخوانك وأخواتك، فيتفقد الإنسان حوائج الإخوان والأخوات، ويدخل السرور عليهم ابتغاء رحمة الله، لا من باب القرابة، ولكن من باب الطاعة والقربة والمحبة وشراء مرضاة الله ، ولذلك قال ﷺ عن صدقة القريب: (إنها صدقةٌ وصلة) فكل ما تقدمه لإخوانك وأخواتك وقرابتك مما تُشْتَرى به رحمة الله، كل ذلك إنما يكون عن رحمة أسكنها الله في قلبك. وكم من أناس هدوا إلى سواء السبيل، ولكنهم في غفلة عن حقوق الإخوان والأخوات، فقد تجد الإنسان حليماً رحيماً بالغرباء، ولكنه فظٌ غليظ بالأقرباء، فأول ما يبدأ الإنسان بقرابته من أهله وولده ووالديه، وإخوانه وأخواته، فإذا انطلق المسلم من بيته حليماً رحيماً فتح الله له أبواب الرحمة مع المؤمنين والمؤمنات، من ابتدأ ببيته فكان والداً رحيماً، وكان أخاً رحيماً، وكان كذلك ابناً رحيماً بوالديه، فتح الله له أبواب الرحمة مع المؤمنين والمؤمنات، والله تعالى ييسر لليسرى من جاهد نفسه على ذلك.

стр. 956

الضعفاء والمساكين والأرامل من المتعطشين للرحمة ينبغي للمسلم أن يبدأ أول ما يبدأ بالقرابة، فإذا وفقه الله برحمة الأقرباء، نظر الإنسان إلى أحوج الناس للرحمة، وقد ثبتت الأحاديث عن رسول الله ﷺ في فضل الإحسان إلى الضعفاء وإدخال السرور عليهم، وكما أن المسلم يرجو رحمة الله في سجوده وركوعه، فإنه يشتري رحمة الله في اللطف والإحسان بضعفة المسلمين، وقد ابتلى الله الأغنياء بالفقراء، وابتلى الأقوياء بالضعفاء، ورفع درجات بعضهم على بعض ليبلوهم أيهم أحسن عملاً. فالسعيد العاقل من تزيده نعمة الله تواضعاً لعباد الله، ومن تزيده نعمة الله توطئة للكنف لعباد الله وإماء الله، يشتري رحمة الله بالإحسان إلى الضعفاء والفقراء والبؤساء، فيكفكف دموع اليتامى، ويجبر قلوب الأرامل والثكالى، يشتري بذلك رحمة الله. وقد أثر عن علي بن زين العابدين ﵀ أنه كان إذا جن عليه الليل حمل الطعام على ظهره إلى بيوت الأرامل والأيتام -وكان إماماً من أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام الدين ومع ذلك تواضع لله ؛ لعلمه أن الله يحب منه تلك الخطوة، ولعلمه أن جبر تلك القلوب يجبر الله به كسر العبد في الدنيا والآخرة- فخرج ﵀ في الظلام بعيداً عن الرياء والسمعة والثناء، يشتري بذلك رحمة الله سبحانه، فلما توفي ﵀ فقدت تلك البيوت من كان يقرع عليهم في جوف الليل، وفي بعض الروايات: كان ما يقرب من ثلاثين بيتاً من ضعفة المسلمين، كان يمشي إليها بخطواته، فمات ﵀ وما ماتت تلك الخطا، وسيراها بعينيه في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم. المشي إلى الضعفاء، والمشي إلى البؤساء له لذة يعرفها من يعرفها المشي إلى المحرومين البائسين له رحمة يجدها من وجدها، فهؤلاء الأئمة الأخيار الصفوة الأبرار، عرفوا مقدار المعاملة مع الله، فاختاروا لنهارهم العلم والعمل، واختاروا لليلهم جبر القلوب المكسورة، وإدخال السرور عليها، فلما أرادوا أن يغسلوه ﵀ خلعوا ثيابه فوجدوا ظهره متشحطاً من كثرة ما حمل عليه من الطعام، فرحمه الله برحمته الواسعة! كانوا أئمة في الإحسان وجبر القلوب، قد تمر على أرملة في ليلة ظلماء، وقد لا يكون عندها الطعام وهي في شدة الحاجة وشدة المسغبة، فتصيبها برحمة ساقك الله بها من طعام أو مال، فتقف حائرة لا تدري ما الذي تقدمه لك، فلا تجد إلا أن ترفع كفها إلى الله داعيةً لك بخيري الدنيا والآخرة، فترجع إلى بيتك قرير العين عن الله، تقول: ربي إني لما أنزلت إليّ من خيرٍ فقير. فجبر مثل هذه القلوب وإدخال السرور عليها عظيمٌ عند الله سبحانه: (مرت بغي من بغايا بني إسرائيل على كلب فرأته في شدة العطش والهاجرة يلهث -يأكل الثرى- فنزلت فملأت موقها من الركية -أي البئر- وسقت الكلب، فشكر الله لها -أي أن الله أعظم منها هذه الرحمة- فغفر لها ذنوبها) وفي رواية: (فشكر الله لها -أي أن الكلب لا يدري كيف يجازيها فاتجه إلى الله ﷻ الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً فسأل الله أن يشكرها- فغفر الله لها ذنوبها). الله أكبر! لن تجد ألذ من ساعة -بعد الإيمان بالله وحلاوة مناجاته- مثل ساعة تحس فيها أنك أدخلت السرور فيها على محزون، أو نفَّست كربة مكروب، أو قضيت ديناً عن مديون تشتت ذهنه وعظم همُّه وظنه فأصابه ذل النهار وهمُّ الليل، فجئت بكل عزيمة إيمانية صادقة، والله مطلعٌ على قلبك، وأنت ماضٍ إليه تشتري رحمة الله لا تريد ثناءً ولا سمعةً ولا رياءً ولكن تريده سبحانه، فيعظم الله لك الثواب والأجر، إنها رحمات يوفق الله لها من أحب، أعطى الله الدنيا لمن أحب ومن كره، ولم يعطِ الدين والرحمة إلا لمن أحب، فالإحسان إلى الناس خاصةً الضعفاء والبؤساء أمرٌ عظيم. ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ، أن الإحسان إلى الأرملة والقيام على حوائجها ينزل صاحبه منزلة الصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر، قال ﷺ : (الساعي على الأرملة واليتيم: كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر) وكان بعض العلماء يفضل السعي في قضاء حوائج المسلمين، حتى إن بعض أئمة السلف كان يفضل قضاء حاجة الأرملة على الاعتكاف في المسجد؛ لأنها إذا سألت ربها وابتهلت إلى خالقها سألت من قلب ودعت بصدق، فينال الإنسان بهذه الدعوة خيري الدنيا والآخرة.

стр. 957

أمور تعين على الرحمة

стр. 958

معاشرة الرحماء كذلك أيضاً مما يحرك القلوب إلى الرحمة والإحسان إلى الناس: معاشرة الرحماء، فانظر في إخوانك وخلانك، فمن وجدت فيه الرحمة ورقة القلب وسرعة الاستجابة لله، فاجعله أقرب الناس منك، فإن الأخلاق تعدي، فإذا عاشر العبد الصالحين أحس أنه في شوق للرحمة، وأحس أنه في شوق للإحسان إلى الناس، ودعاه ذلك إلى التشبه بالأخيار، فكم من قرينٍ اقترن بقرينه، كان من أقسى الناس قلباً، فأصبح ليناً لان قلبه بصحبة الصالحين.

стр. 959

قراءة سيرة السلف الصالح ومن أعظم الأسباب التي تعين على الرحمة: قراءة سيرة السلف الصالح، الأئمة المهديين من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، والوقوف على ما كانوا عليه من الأخلاق الجميلة والآداب الكريمة، كل ذلك يحرك القلوب إلى الرحمة، ويجعل فيها شوقاً إلى الإحسان إلى الناس، وتفريج كرباتهم، وقل أن تجلس في مجلس فيذكر فيه كريمٌ بكرمه، أو يذكر المحسن فيه بإحسانه إلا خشع قلبك. فسير الرجال وسير الصالحين وسير الأخيار تحرك القلوب إلى الخير، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠] فالله يثبت قلوب الصالحين على الصلاح والبر ما سمعوا بأمرٍ صالح وما سمعوا بسيرة عبدٍ صالح، نسأل الله العظيم أن يجعل لنا ولكم في ذلك أوفر العظة والعبرة.

стр. 960

قراءة كتاب الله فمن أعظم الأسباب التي تعين على الرحمة وتيسر للإنسان طريقها: قراءة كتاب الله ﷻ ، قال العلماء: إن الرحمة لا تدخل إلى قلبٍ قاسٍ، والقلوب لا تلين إلا بكلام الله، ولا تنكسر إلا بوعد الله ووعيده وتخويفه وتهديده، فمن أكثر تلاوة القرآن، وأكثر من تدبر القرآن كسر الله قلبه ودخلت فيه الرحمة.

стр. 961

تذكر مشاهد الآخرة كذلك من الأسباب التي تعين على رحمة الضعفاء: تذكر الآخرة، فإن العبد إذا تذكر مشاهد الآخرة، وصور نفسه كأنه قائمٌ بين يدي الله تجادل عنه حسنته، ويقف بين يدي الله وقد نشر له ديوانه، وبدت له أقواله وأفعاله، إذا تصور مثل هذه المواقف قادته إلى الله وحببت إلى قلبه الخير وجعلت أشجانه وأحزانه كلها في طاعة الله ومرضاته.

стр. 962

نماذج من سير السلف في الرحمة كان عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أشد الناس قلباً وأعظمهم صلابة، فلما كسر الله قلبه بالإسلام، كان من أرحم الناس بالمسلمين ﵁ وأرضاه؛ لأنه عاشر رسول الأمة وإمام الرحماء فتأثر به، حتى قال العلماء ﵏: كان أرحم الناس بالناس بعد رسول الله ﷺ الصحابة. عائشة ﵂ وأرضاها يأتيها عطاؤها من أمير المؤمنين معاوية رضي الله عن الجميع -وهي صائمة- ثلاثون ألف درهم وهي في أشد الحاجة، فتوزعها على الفقراء إلى فلان وآل فلان، ولم تبق منها شيئاً حتى غابت عليها الشمس، فالتمست طعاماً تفطر عليه فلم تجد. الله أكبر! إذا نزع الله الدنيا من قلب عبده وملأه من آخرته، صارت أشجان الإنسان وأحزانه وهمومه كلها لله سبحانه. أثر عن الحسن أنه خرج من ماله مرتين لله ، وخرج عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ وعن أبيه للجهاد في سبيل الله فأعد فرسه وفيه ألف دينار نفقته للجهاد، وعليه عدته وزاده، فجاءه رجلٍ يبكي، وقال: [يا ابن عم رسول الله ﷺ ابن سبيل منقطع، قال: دونك الفرس بما عليه]. وجاء رجل إلى عرابة وكان من الأجواد والأخيار ومن أهل البر والإحسان، وكان آية في الإنفاق والجود والكرم إذا ما راية رفعت لمجدٍ تلقاها عرابة باليمين وقد كان عرابة في آخر عمره فقيراً، أصابه العمى فكف بصره ﵀ برحمته الواسعة، جاءه رجل فقير مدقع، فقال له: يا عرابة! وهو ماضٍ إلى المسجد الحرام يتوكأ على عبدين من عبيده، وكانا آخر ما يملك، فقال: يا عرابة! ابن سبيل منقطع، قال: دونك العبدين، قال: إنما أردت أن أختبرك، قال: إن لم تأخذهما فهما حران لوجه الله، ثم رجع يتلمس البيت ويتلمس الجدار، ﵃ وأرضاهم، كانوا أئمة ومشاعل خيرٍ وبر، وما زال الخير في الناس. أثر عن بعض من سلف أنه كان محسناً كريماً لا يسمع بأرملة إلا تفطر قلبه على الإحسان إليها، ولا يسمع بأيتام إلا غشيهم وزارهم وأدخل السرور عليهم. جاءه خبر أن في طرف المدينة بيتاً فيه أيتام، وهم في شدة الجوع والظمأ والبرد، لا يجدون طعاماً ولا لباساً، فقام ﵀ وخلع ثياب الشتاء ولبس ثياباً رقيقة لكي يشعر بالبرد كما يشعرون، ونادى وكيله الذي يقوم على المال، وقال له: لقد بلغني أن بموضع كذا وكذا أيتاماً تعولهم أمهم، وهم لا يجدون الطعام ولا يجدون اللباس والكسوة، فاذهب إليهم وخذ شيئاً من مالي فأطعمهم واكسهم. فكانوا أئمة خير، وكانوا مشاعل طاعةٍ وبر، نسأل الله أن يبلغنا ما بلغوه.

стр. 963

وصايا للرحماء

стр. 964

الصبر والاحتساب عند رحمة الضعفاء الوصية الثانية: رحمة الضعفاء تحتاج إلى تعب ونصب وتضحية، ولابد للإنسان أن يصبر ويصابر، وأن يحتسب الأجر عند الله ، وكان بعض الأخيار ينشرح صدره إذا وجد في الطاعة تعباً ومشقة، حتى كان بعض العلماء يقول: يرجى القبول للإنسان إذا عظمت مشقته في الطاعة. فأعظم الناس في الخير من عظم بلاؤه فيه، ولذلك قال ﷺ في الحديث الصحيح لأم المؤمنين عائشة ﵂: (ثوابكِ على قدر نصبكِ).

стр. 965

الرحمة بالبهائم وكما أن الرحمة تكون للعباد، تكون كذلك للبهائم، فإن النبي ﷺ سئل: (يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال ﵊: في كل كبدٍ رطبٍ أجر) وقد (دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)، قال بعض العلماء: أخشى من هذا الحديث إنه ما نزعت الرحمة من قلب إنسان إلا ابتلي بالنار؛ لأنها كما قال النبي ﷺ : (لا تنزع إلا من شقي). فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يملأ قلوبنا بالرحمة، وأن يجعلنا من أهلها، وأن لا يجعلنا من الأشقياء والمحرومين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 966

ضرورة الإخلاص أيها الأحبة في الله: الرحمة في الضعفاء لا يقصد بها ثناء الناس، ولا مدح الناس، فإذا زكاك الله أغناك عن عباده، وإذا زكاك مولاك أغناك عن خلقه، فاجعل أعمالك بينك وبين الله، واجعل صفحات البر والإحسان التي تقدمها للضعفاء والفقراء أكره ما يكون أن يعلم بها أحد، فتكره أن تراها عين أو تسمع بها أذن، وليكن في قلبك الشعور أن أحب ما يكون: أن تعمل هذه الحسنة وتقضي وتسد هذه الخلة، ولا يعلم بك أحد إلا الله ﷻ ، أولئك الذين يرجون رحمة الله. وإذا كان الإنسان يريد الرحمة على أتم وجوهها وأكملها، فليخلص لوجه الله، فما كان لله فإنه باقٍ إلى لقاء الله، وما كان لغير الله فإنه يزول بزوال الدنيا، ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه يؤتى بالكريم الجواد يوم القيامة، فيقول الله له: عبدي ألم تكن فقيراً فأغنيتك) الله أكبر! ما أعظم مشاهد الآخرة! ما أعظمها من ساعة إذا أوقف الله عبده وحاسبه وسأله وذكَّره نعمته! فقال: (عبدي ألم تكن فقيراً فأغنيتك؟ ألم تكن وضيعاً فرفعتك؟ ألم تكن ألم تكن قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت لي؟ قال: أنفقت لوجهك، وفعلت وفعلت، ولم أترك باب خيرٍ إلا فعلته، فقال الله: كذبت، فقالت الملائكة: كذبت، إنما أنفقت ليقال فلانٌ جواد وقد قيل اذهبوا به إلى النار) نسأل الله السلامة والعافية. اللهم لا تفضحنا يوم العرض عليك، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وبصفاتك العلى، أن تجعلنا ممن قلت له: صدقت وبررت، وقالت الملائكة: صدقت وبررت (ويؤتى بالعبد الصالح فيعرفه الله نعمته، فيقول الله: ماذا عملت لي؟ فيقول: أنفقت لوجهك، وفعلت لوجهك، فيقول الله: صدقت، وتقول الملائكة: صدقت). فعلى الإنسان أن يحرص إذا فرج كربات الناس وأسدى للناس، ورحمهم وتولاهم أن تكون حسناته بينه وبين الله ﷻ ، ولا ينتظر من أحدٍ ثناء، ولكن ينتظر ثناء الله ، عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه (أن الله تعالى ينادي ويقول: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي: يا أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيوضع له القبول في الأرض) نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، فلا يحبك الله إذا قدمت مثل هذه الحسنات إلا إذا رجوت بها وجهه ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠].

стр. 967

الأسئلة

стр. 968

نصيحة لمن أراد ترك طلب العلم والدعوة بسبب الذنوب والمعاصي السؤال أنا طالب علم وعندي رغبة في تحصيل العلوم النافعة، لكن في بعض الأحيان أتذكر ذنوباً ماضية، فأندم عليها أشد الندم، وأقول في نفسي: أنا لا أصلح أن أكون داعية، فضلاً عن أن أكون من العلماء، فيدخلني اليأس وتراودني نفسي على ترك الطلب، فما توجيهك لي حفظك الله؟ الجواب والله كلنا ذاك الرجل، إذا ذكرنا ما سلف من التقاعس في طاعة الله والتفريط في جنب الله، أشفق الإنسان على نفسه، حتى إنه يخشى أن يكون مستدرجاً من حيث لا يحتسب، وهذا الذي سألت عنه شيء من الإشفاق والخوف والوجل، فإن العبد الصالح دائماً يبكي على ما مضى، ويخشى مما سلف وكان. يحق لي يا عين أن بكيت أبكي لعلمي بالذي أتيت أنا المسيء المذنب الخطاء في توبتي عن حوبتي إبطاء من منا لم يذنب؟ ومن منا لم يسئ؟ إذا كان هذا الشعور الذي تشعره من الذنب والإساءة فيما سلف، وكان يحرّك الله به قلبك للإحسان وكمال العمل فهي رحمة من الله أسكنها في قلبك لكي تحتقر نفسك، وإذا احتقرت نفسك رفعك الله، إذا كان أهل العلم وطلاب العلم دائماً يشعرون بأنهم في الدون تواضعوا لعباد الله، وخرجوا للأمة مشاعل خير مليئة بقلوبٍ رحيمة حليمة بعباد الله وأوليائه، فعظم خيرهم وبرهم. إن كريم الأصل كالغصن كلما ازداد من خيرٍ تواضع وانحنى فيكسر القلوب ما إن يتذكر الإنسان ما كان عليه ويقول: من أنا حتى أعلم الناس وأوجههم؟ فإذا صار هذا الشعور يمنعك من الزيادة في طلب العلم، ويريد منك عدو الله إبليس أن يخذلك عن مجالسة العلماء وطلاب العلم فاعلم أنه مكرٌ من عدو الله، وأنه استدراج منه يريد أن يخذلك، فقل له: اخسأ عدو الله، فإن رحمة الله فيما ضيقت عليَّ، وكم من إنسان أذنب وتاب وتفطر قلبه من الذنب فغفر الله له من أول لحظة، ثم جعل الله أشجانه وأحزانه على الذنب رفعة له في الدنيا والآخرة. ولذلك يقولون: إن الذنب قد يعود برحمةٍ على الإنسان، وقد ذكر هذا غير واحدٍ من الأئمة، إذا استصعب هذا الذنب، ودائماً يجعله نصب عينيه لا من باب القنوط ولا من باب اليأس، ولكن من باب الاحتقار للنفس والازدراء بها والمحاسبة لها؛ فهذا شيءٌ طيب، أما أن يصبح الإنسان بمثل هذه المشاعر يقصر في الدعوة ويقصر في مجالس العلم، ولا يريد أن يحمل مشعل الخير للناس فلا، ويأبى الله ذلك؛ لأن هذا الشعور مكرٌ من الشيطان، ورحمة الله واسعة وفضل الله عظيم ومن منا لم يذنب. وانظر إلى ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، في جاهليتهم ثم غفر الله لهم في طرفة عين، فأسلموا وأسلمت لله قلوبهم وقوالبهم، فأقر الله عيونهم بصحبة نبيه ﷺ ، وبرفعة الإسلام، وعوضهم الله في الفتوحات والغزوات مشاهد صدقٍ كان لهم فيها حسن البلاء وعظيم الأجر من الله سبحانه. فإياك ثم إياك أن يخذلك عدو الله، وكن مستصحباً هذا الشعور دائماً في مجالس العلم وتقول: يا رب كنت جاهلاً فعلمتني، وكنت ضالاً فهديتني، وكنت وضيعاً فرفعتني، فمن أنا لولا فضلك ولولا إحسانك؟! ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ، وتظهر ذلك لله، وقد قال بعض السلف: والله ما دخلت مجلساً ورأيت نفسي أصغر الناس إلا خرجت وأنا أعلاهم، ولا دخلت مجلساً وأرى نفسي أعلى القوم إلا خرجت وأنا أدناهم. وينبغي على طالب العلم دائماً أن يستصحب أنه وضيع إلا أن يرفعه الله، وأن يتواضع للناس، وأن يكون عنده مثل هذا الشعور الذي يحمله على مكارم الأخلاق وحسن المعاملة مع الله، والله تعالى أعلم.

стр. 969

كيفية الجمع بين طلب العلم وبر الوالدين السؤال قدمت لطلب العلم الشرعي وتركت والديَّ في منطقتي، فأيهما أفضل: طلب العلم أم بر الوالدين؟ الجواب الأفضل أن تطلب العلم وتبر الوالدين، فإن تيسر طلب العلم في بلدك مع بر الوالدين فهو أفضل، وأما إذا لم يوجد في بلدك من هو أعلم والناس بحاجة إلى علمك، فيجب عليك أن تخرج؛ لأنه تعلق بك حق أمة وأنت مسئول عنهم بين يدي الله، ولذلك قال الله في كتابه: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] والله سائلك عن أمتك وجماعتك وأهلك ووطنك وقريتك ومن أنت معهم، فهذه مسئولية عظيمة. فإذا تعين عليك طلب العلم فقد قال العلماء: هذا يستثنى من استئذان الوالدين، هذه من المواضع التي تستثنى ولا يجب فيها استئذان الوالدين، ولكن الأفضل والأكمل أن تتلطف في أخذ رضاهم، فهذا أمرٌ ينبغي عليك أن تسعى فيه وتحرص على الجمع بين الحسنيين. وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، ويعلم الله سروري بلقاكم في هذا المجلس، وأسأل الله العظيم أن يجزي المشايخ كل خير، وأن يجزي مكتب الدعوة بعنيزة كل خير، فقد كان له الفضل بعد الله في الدعوة إلى مثل هذه المجالس الطيبة المباركة، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله.

стр. 970

نصيحة لاغتنام الفرص في مواسم الطاعة السؤال قبل الختام نطلب من فضيلة الشيخ أن يوجهنا بنصيحة، ونحن نستقبل بعد أيامٍ إن شاء الله تعالى عشر ذي الحجة، وهي كما أخبر النبي ﷺ من أفضل الأيام التي يحب الله فيها العمل الصالح من عباده، كما أطلب منه كما هو هدي النبي ﷺ أن يخص بها أخواتنا النساء في معاشرتهن ومسلكهن ودعوتهن ولباسهن فجزاه الله عنا خير الجزاء ولو أثقلنا عليه؟ الجواب أيها الأحبة في الله: إن الله تعالى من واسع رحمته بهذه الأمة اختار لها أزمنة محدودة، ومواسم معدودة يتسابقون فيها للطاعات، ويشمرون فيها عن ساعد الجد في المرضاة؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، فينبغي على الإنسان أن يهيئ نفسه لهذه المواسم. وإذا أراد الإنسان أن يوفق في موسم الطاعة فليستقبله أول ما يستقبله بالتوبة، فيكثر من الاستغفار؛ لأنه غالباً يحال بين الإنسان وبين التوبة بسبب الذنوب، ولذلك كان النبي ﷺ يقول كما في الحديث الصحيح: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) فإن الذنب قد يحال بسببه بين العبد وبين الخشوع، وقد يحال بسببه بين العبد وبين منزلته في الجنة، فإياك ثم إياك أن تفتر عن ذكر الله بالاستغفار، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت:٦] فأكثر من الاستغفار والتوبة إلى الله عما سلف وكان. ثانياً: عليك أن تحس بقصر الأجل وقصر العمر، فهي من أعظم الأمور التي تعين على مواسم الخير، والإنسان ما بينه وبين الآخرة إلا قبض روحه، والموت يأتي الصغير فلا ينظر إلى صغره، ويأتي الكبير فلا ينظر إلى كبره، وكم من ممسٍ كتب عليه ألا يصبح، وكم من مصبح كتب عليه ألا يمسي، والله أعلم، فكم من إنسان يضحك وإذا به في طرفة عين قد صار في عداد أهل الآخرة، قال بعض السلف: كم من إنسان يضحك بملء فيه وقد نسجت أكفانه من حيث لا يدري. فالإنسان إذا استقبل مواسم الخير وهو قاصر الأمل، يقول: لا أدري هل أعيش إلى الغد أو لا أعيش. الأمر الثالث مما يعين على اغتنام مواسم الخير: دعاء الله، ولذلك كان النبي ﷺ يستفتح يومه فيسأله التوفيق للطاعة والبر، وكان يسأل الله خير يومه أوله وآخره وفتحه ونصره ونوره وبركته وهداه، والله إذا رآك تقف في بابه تسأله من رحمته وهو الكريم سبحانه لا يرد من سأله، فقد تكفل الله لك أن يعطيك سؤلك أو يرفع عنك من السوء مثلما سألت، أو يدخرها لك بالآخرة في منزلة قد لا تبلغها بكثرة صلاةٍ ولا صيام. يقف الإنسان بين يدي الله ويقول: اللهم إني أسألك التوفيق في الخير، وكلما دخلت في موسم خير وبر تسأل الله أن يجعلك أسعد العباد، تقول: يا رب لا تجعلني بذنبي شقياً ولا محروماً، ولا تحل بيني وبين المسابقة في هذا الخير بما كان مني، فإن كنت أنا المقصر وأنا المذنب فأنت الكريم الجواد، فتستشعر بأنك أحوج ما تكون إلى رحمة الله بالدعاء. ثم تصور أخي في الله مما يلهب مشاعرك، ودعاء الله وسؤالك أن تخشى أن تكون أشقى الناس فتقول: يا رب لا تجعلني شقياً، امنن عليَّ بالتوفيق والتسديد والتأييد، ونحو ذلك من مسائل الخير المباركة. الأمر الرابع: الاهتداء بهدي رسول الله ﷺ في المواسم، فأولى الناس بالرحمة والهدى والبر هو الحريص على التأسي بالكتاب والسنة، ولن تستطيع أن تنال الجنة ولا رحمة الله ولا محبته إلا من هذا السبيل الوحيد الفريد، صراط الذين أنعم الله عليهم، والذي اختاره الله لنبيه وختم به وأقفل جميع الأبواب، ولم يبق إلا باباً واحداً لا يدخله إلا من اتبع سنته وسار على نهجه وطريقته. وتحرص في كل موسم أن تسأل العلماء: ما هو هديه ﷺ في القول والفعل؟! فإذا علمت هديه التزمت هذا الهدي فلم تزد عليه ولم تنقص منه، فإذا فعلت ذلك هديت، قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] فمن أراد أن يحبه الله فليتبع رسول الله ﷺ فيما يكون من هديه. وقد ندبنا ﷺ إلى الاستكثار من الاستغفار في هذه العشر، فتستكثر من الخير في الأقوال والأفعال، فتبدأ أول ما تبدأ بعقيدتك، وهناك أعمال للقلوب من حب الله والخشوع والخضوع والبكاء من خشية الله، ونحو ذلك. ومن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، ما كان بين العبد وربه مما يزيد بتوحيد الإنسان وإيمانه بالله ، فهذه الأمور من أعظم الأمور وأحبها إلى الله، ولذلك ذكر غير واحد من العلماء وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية: أن أعمال القلوب تفضل كثيراً على أعمال الجوارح، وذلك لما فيه من توحيد الله وإخلاص العبادة لله ، والله تعالى ابتلى عباده بالإخلاص والتوحيد، وكلما كان القلب مستشعراً لمثل هذه المعالم من محبة الله والخوف والخشية كلما عظم الثواب عند الله . فعندما تدخل المواسم عليك حاول قدر استطاعتك أن تكون أكمل الناس خوفاً من الله. وقف بعض السلف في يوم عرفه فقال: والله لو نادى منادي الله: قد غفرت لأهل الموقف إلا واحداً لعددت نفسي ذلك الرجل، فالإنسان لما تدخل عليه مواسم الخيرات ويحس أنه حقير، وأنه مقصر، وأن الله له هيبته وله جلاله ﷻ ، وأنه ينبغي أن يهاب ويخشى، فمثل هذه الأمور من أحب الأعمال إلى الله وأعظمها ثواباً عند الله. الأمر الآخر: الأعمال الصالحة من الأقوال والأفعال، يحرص الإنسان عليها، فيبدأ كما ذكرنا بالوالدين والأقربين، ثم بضعفة المسلمين ليحسن إليهم ويتفقدهم ويقضي حوائجهم، ويحتسب الثواب عند الله ، ثم يجتهد في الطاعات من ذكر الله، وكثرة تلاوة القرآن، فكل ذلك مما يحبه الله ويرضاه. وأما نصيحتي لأخواتي المسلمات: فأوصيهن ونفسي بتقوى الله الذي يعلم السر والعلانية. أخواتي المسلمات: إن الله أدبكن فأحسن تأديبكن بكتابه وسنة رسوله ﷺ ، وأثنى على الصالحات في كتابه فقال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]. أختي المسلمة: سعادتك في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فقد تكفل الله لمن اتبع كتابه بما يسعده فلا يشقى أبداً، وتكفل لمن اتبع كتابه بالنور والرحمة والشفاء والهدى والسداد في الدنيا والآخرة. يا أَمَة الله: اسمعي لكلام الله فإن سمعتِه يناديكِ فبادري بالاستجابة وبادري بالتطبيق والعمل. يا أَمَة الله: أحب الأعمال إلى الله إخلاص العبادة، فاحرصي على الإخلاص، وإياك والرياء والسمعة وطلب ثناء الناس، فما عند الناس يذهب ويبلى، وما عند الله يدوم ويبقى، وما كان لله قرت به العين بين يدي الله في يومٍ يبعثر فيه من في القبور، ويحصل فيه ما في الصدور، إن ربهم بهم يومئذٍ لخبير يوم تبلى السرائر. يا أَمَة الله: إن الله فرض عليكِ حقوقاً لوالديك فقومي بها على الوجه الذي يرضي الله من البر والإحسان، فرض الله عليكِ حقوقاً لبعلكِ فأحسني المعاشرة له بالمعروف مستجيبةً لأمر الله، فإن أقر الله عينك بالزوج الصالح الذي يفي لكِ كما وفيت فاحمدي الله على فضله، واسأليه الثبات على طاعته، وإن رأيت غير ذلك من إساءة في العشرة أو إساءة في القول والعمل فاعلمي أن الله لا يضيع لكِ الثواب، وأنكِ تحتسبي عند الله الأجر والمآب، فلا تضعفي ولا تجبني ولا تسيئي إلى العشير. أدي الأمانة إلى من ائتمنكِ ولا تخوني من خانكِ، فإن رأيتِ البعل يكرمكِ فأكرميه، وإن رأيته يهينك فإن الله لا يهينك، واعلمي أن الصبر على البعل في أذيته وإهانته وإذلاله لك فيه ثواب ومرضاة، فاحتسبي عند الله أجرها، والله تعالى مطلعٌ على ما يكون فاحتسبي الأجر عند الله، وكما إنكِ ترجين الثواب في ركوعكِ وسجودكِ فإن صبركِ على البعل فيه ثوابٌ لكِ. يا أَمَةَ الله: إن الله فرض عليكِ حقوقاً لأبنائكِ وبناتكِ فاتقي الله في الأبناء والبنات، وأحسني تربيتهن والقيام على حقوقهن في الطعام والشراب والكسوة، وربيهن على طاعة الله ومرضاته، فكم من أمٍ صالحة هدت ودلت كتب الله لها ثواب ما هدت ودلت، وكم من عالم ثوابه في ميزان حسنات أمه، قالت أم سفيان الثوري وهو يتيم: يا بني اطلب العلم أكفك بمغزلي، رحمها الله برحمته الواسعة، كانت تشتغل بمغزلها وتطعم ابنها وهو يتيم حتى أصبح إماماً من أئمة المسلمين، وديواناً من دواوين العلماء العاملين، وكل ذلك في ميزان هذه المرأة الصالحة. يا أمة الله: إياك والنعرات والدعوات إلى السيئات والشهوات؛ فإن أهل الشهوة يريدون منكِ أن تميلي ميلاً عظيماً، يريد الله لكِ الطهر والعفاف، والخير والكفاف، فكوني لله يكن الله لكِ، اعلمي أن سعادتك في هذا الدين، فمهما رأيتِ من المهانة والمذلة فاعلمي أنها عزة وكرامة، وأن التمسك بالدين والاعتصام بحبل الله المتين قرة عينٍ لكِ في الدنيا والدين. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهدينا سواء السبيل، وأن يقيم لنا المعلم والدليل إنه المرجو الجليل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 971

حكم المزاح مع الوالدين السؤال إني أمازح والديَّ وأضحكهما وأرفع صوتي عندهما، وأعلم أنه يدخل السرور على قلبيهما، فهل عليَّ من حرج؟ وما ضابط المزاح مع الوالدين؟ الجواب من الحياء أن الإنسان لا يستطيع أن يمزح مع والديه، لكن إذا كان الوالد هو الذي يؤذي وهو الذي يمزح فتذل له فلا بأس، أما أن تأتي أنت وتمزح معه وتبدأه، فهذا أمر من الصعوبة بمكان، لكن إذا هجم عليك ومازحك وليس باليد حيلة فما حيلة المضطر إلا ركوبها، فعندئذٍ لا حرج أن تمازحه إذا ما غلبت على أمرك. وقد رخص العلماء في مزح الولد مع والده، وأنه لا حرج عليه في ذلك، لا سيما إذا علم أنه يدخل السرور عليه، ولكن الأفضل والأكمل أنه لا يبتدئ المزاح؛ لأن في ذلك إسقاطاً للهيبة، وذهاباً للحرمة، وقلَّ أن تمزح مع أحد كائناً من كان إلا وكان له بعض الأثر في نفسك. وقالوا: إن النبي ﷺ فعلها تشريعاً للأمة، فالأكمل والأفضل أن الإنسان يحفظ لوالديه الهيبة، ويحرص قدر المستطاع أن يعوض عن هذه الكماليات بما هو أكمل وأفضل من القيام بحقيهما والرعاية لهما، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا ذلك الرجل، والله تعالى أعلم.

стр. 972

حكم مساعدة الناس بقصد المجاملة السؤال أقوم في بعض الأحيان بتسليف بعض من يحتاج إلى المال، فيعرض عليَّ طلبه، فأقوم بتلبية حاجته، ولكن في بعض الأحيان أقوم بهذا العمل إما بقصد دعوي، أو بقصد المجاملة لهم، فهل أحصل على الأجر بالمجاملة لهم، مع العلم أن بعض المبالغ مضى عليها أكثر من ثلاث سنوات، وهل يجوز لي أن أنوي من الآن أنها تفريج ومساعدة، علماً إني أستطيع أن أذهب إليهم وأطلبهم ما سلفتهم إياه، وفقك الله ورعاك؟ الجواب يقول ﷺ كما في الصحيحين من حديث عمر ﵁ وأرضاه: (إنما لكل امرئٍ ما نوى) قال بعض العلماء: فيه دليل على أنه لا يكون للإنسان إلا ما نواه، إن كان للدنيا فللدنيا، وإن كان للآخرة فللآخرة، فإذا جاءك أحد وأحرجك فاجعل نية الآخرة هي الأصل، واجعل نية الدنيا تبعاً، أي: تعطيه ولكن تنوي أنك تحتسب أجرها وثوابها عند الله، وتجعل نية المجاملة تبعاً، وهذا لا يضر فيه، ولذلك قال الله : ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] قال بعض العلماء: إنهم فضلوا أن ينالوا العير والغنيمة من المال، ومع ذلك كانت نيتهم في الأصل إغاظة العدو، وكسب مرضاة الله ، فلم يؤثر ما كان تبعاً. فنية الدنيا إذا كانت تبعاً لم تؤثر، لكن الذي يظهر من السؤال أنك مجامل، وأنك مستحٍ منهم، فإذا كان الأمر كذلك فهي نية دنيا، ولكن إذا نويت من الآن أن تجدد النية، وندمت على ما مضى وسألت الله فإن الله كريم، وفضل الله عظيم، وكونك تقول: إنه بإمكانك أن تأخذ المال منهم الآن، ولكنك تحتسب عند الله التخفيف عليهم، فأنت كذلك مثاب، فاحتسب من الآن، واسأل الله أن يعوضك عما سلف وكان، والله تعالى أعلم.

стр. 973

ضرورة الصبر والاحتساب في الدعوة إلى الله السؤال من الرحمة أن أرحم أهلي وأن أعاملهم بالحسنى وأدعوهم إلى الله، ولكن كلما فعلت ذلك أجد منهم قسوة وعدم قبول، فماذا أفعل وفقك الله وفتح عليك؟ الجواب أسأل الله العظيم أن يسددك ويسدد أمثالك بالخير والبر، المؤمنة الصالحة إذا صلح حالها نشرت الخير والصلاح في أهلها، وأقرب الناس منها، ورأت عظيم حق قرابتها عليها، فقامت بذلك الحق على أتم وجه، فقد زكى الله الصالحات من فوق سبع سماوات: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]. المرأة الصالحة يحترق قلبها على أهلها وذويها، مع ذلك لا تمل ولا تسأم ولا تضعف أبداً، بل إنها تشعر بالقوة، فكلما رأت الصدود والإعراض تقول: الله أكبر! الله فوق ذلك وأعظم وأجل من أن يخيبني، فيبقى عندها الشعور بحسن الظن بالله، وسيريها الله الساعة التي تقر فيها العين بهداية أهلها وذويها، وما ذلك على الله بعزيز، فإن لله حكماً عظيمة، فقد ترى قرابتك يعرضون عنك ولكن لحكمته سبحانه يؤخر هدايتهم، حتى يبتلي صبرك، ويبتلي صدقك، ويعظم أجرك، ويرفع من قدرك في الدنيا والآخرة. فاحتسبي الأجر عند الله، وخذي من نهج رسول الله ﷺ في صبره، بماذا آذوكِ؟ غاية ما يكون من الكلمات، والرسول ﷺ كسرت رباعيته، وشج وجهه وسالت دماؤه، وقتل عمه وبقرت بطنه، فقال: (ربِّ اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون) فلا يخيب ظن الداعية بالله أبداً، بل إنه يتلقى مثل هذه المواقف بنفسٍ أبية وقلبٍ ثابت يحسن الظن بالله، ويعول في نجاحه على الله، والله مع عبده، والله مع الصابرين. فهذا من الصبر، بل قال بعض العلماء: ألذ ما وجدت من الصبر الصبر على الدعوة. بما فيه من استشعار أن الله يحب منك هذا الصبر من الكلمات الجارحة، والعبارات القاسية، والتذكير بالماضي المؤلم، وغير ذلك من التحقير والتسفيه، ومع ذلك لن تخيبي عند الله، ولذلك قال عروة: [والله ما قام عبدٌ في دعوته إلى الله مقام ذلٍ إلا أقامه الله مقاماً أعز منه] فلن تجد امرأة تهان بين أهلها، وهي تدعوهم حتى يأتي اليوم الذي تكون فيه درة بين من كان يهينها. وقف رسول الله ﷺ على الصفا فقال: (قولوا لا إله إلا الله) فقال له أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ فسفهه على رءوس الأشهاد، فمضت السنون تلو السنين، فوقف بأبي هو وأمي ﷺ على الصفا معه مائة ألف من أمته وأصحابه يفدونه بأرواحهم وأنفسهم، وقد أعاده الله مقام عزة وكرامة، وهذا هو دأب الله، ولكن الأمر يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى احتساب الأجر عند الله : ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠]. ومن كمال الإحسان: كمال الصبر واحتساب الأجر، فلابد للداعية من الرجال والنساء أن يكون محتسباً للأجر، وقد كان بعض العلماء يفرح بتأخر التوبة، يقول: ربما لو تابوا خدعت بنفسي، واغتررت بإنهم تابوا بحسن أسلوبي، ولكن الله قد يعصمني من فتنة، مع أن تذكيرك بالله واستدامة النصح له كله في ميزان حسناتك، فاثبتي ثبتكِ الله وثبت أمثالكِ على طاعته ومرضاته، والله تعالى أعلم.

стр. 974

نصيحة لمن أراد التوبة من الذنوب والمعاصي السؤال أنا شخصٌ عندي بعض المعاصي والذنوب وأريد أن أتوب منها، وأرجع إلى الله ، فما نصيحتك لي جزاك الله خيراً؟ الجواب أوصيك أخي في الله! أن تقبل على الله تعالى، وأن تعلم علم اليقين أن الله يفرح بتوبتك أشد من فرحك أنت بنفسك، فالله يفرح بتوبة عبده أكثر من فرح الإنسان نفسه بتوبة الله عليه، وهذا من كرمه وفضله، وهو أغنى ما يكون عنا: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً). أشهد لله بذلك، أنه ما نفعته طاعتنا ولا ضرته معصيتنا، فما عليك إلا أن تشعر أن الله يحب منك هذه الخطوة، ويحب منك هذا الإقبال، وأن الله تعالى يرضى عما تقدم عليه من الإنابة إليه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] علم أننا عباده وأننا أفقر ما نكون إليه، وأحوج ما نكون إليه، فهو يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل. اللهم لك الحمد على رحمتك، اللهم لا نحصي ثناءً عليك، كم من مسيءٍ مذنب إذا قال: أستغفر الله تلقاه الله بمغفرته، وكم من مخطئ عظمت عثرته وإساءته فقال: أستغفر الله من قلبه، فتلقاه الله برحمته، فليست هناك ساعة ألذ من ساعة التوبة والإنابة والشعور بالتقصير، فأبشر بخير. واعلم -أخي في الله- أن الشيطان سيحول بينك وبين الله بما يذكرك من المعاصي، فأقبل على الله فإنك سعيدٌ بربك، ولن يستطيع أحد أن يدخل بينك وبين الله ﷻ . نسأل الله العظيم أن يتوب علينا في التائبين، وأن يجعلنا من عباده المنيبين، والله تعالى أعلم.

стр. 975

كيفية معاملة الخادم والأجير السؤال فضيلة الشيخ طيب الله مسعاك، وكتب الله خطاك في موازين حسناتك، وقد قطعت الفيافي والقفار فجزاك الله خير الجزاء، كيف يعامل الإنسان منا خادمه وأجيره وعامله الذي أتى به من بلاده، خصوصاً وأن مقالةً نسمعها أن خفض الجناح لهم واللين معهم يجعلهم يتكاسلون ويتهاونون في أعمالهم، إجابةً منك تنفعنا وإرشاداً منك يرفعنا جزاك الله خير الجزاء؟ الجواب أشهد الله الذي لا رب غيره ولا إله سواه إني أحبكم جميعاً في الله، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا بهذا الحب في دار كرامته، ووالله ما قطعتها إلا وكأني بين أهلي وإخواني، والله أعلم مقدار سروري أن أراكم، وأن أجتمع بكم في بيتٍ من بيوته، وبعد فريضةٍ من فرائضه، وأسأل الله العظيم أن يمتعنا بكم في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر. أخي في الله: ما سألت عنه من الأجير، فإن النبي ﷺ يقول: (يقول الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم ومن كنت خصمه فقد خصمته: رجلٌ أعطي بي ثم غدر، ورجلٌ أستأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفهِ أجره، ... ) قال العلماء: في هذا الحديث دليل على عظم أمر الأجير، حتى إن الله صار هو الخصم لعبده، ومن كان الله خصمه فقد خصمه الله، ولذلك قال العلماء: السبب في هذا الحديث أن الأجير ضعيف، وغالباً إذا جاءه مستأجره، وقال له: افعل، أو اتفق معه على شيء لا يستطيع الأجير أن يقول له: أشهِد أو هلم نكتب؛ لأنه يخاف أن يذل أو يؤذى، ولذلك غالباً ما يجعل الله شهيداً وحسيباً على حقه، فتكفل الله ﷻ أن يأخذ له بحقه في الدنيا والآخرة. فإذا كان أخوك في الإسلام قد قدم إليك من بلادٍ بعيدة، فارحم غربته، وارحم ما فيه من الحزن والألم من فراق الأهل والأوطان والأحباب والخلان، والله تعالى إذا ابتلاك بمجرد أن تتعاقد مع أحد فاعلم أنها ساعة امتحان، قبل أن تكون ساعة كسبٍ وتجارة، فالدنيا بجميع حركاتها وسكناتها امتحانٌ وابتلاء للعبد، فما رزقك الله الحياة إلا: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] قال بعض العلماء: قال الله: ﴿أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] ولم يقل أيكم أكثر؛ لأن الإحسان لا يرزقه إلا السعيد. فإذا جئت تعامل الأجير فاتقِ الله أولاً في العقد الذي بينك وبينه؛ فإن الله يخاطبك من فوق سبع سماوات، ويوصيك ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] فبينك وبينه الله في كل كلمةٍ تقولها، وفي كل شيءٍ تضعه بينك وبينه من شروط وحقوق، فتوفي ذلك على أتم وجه، قال عمر بن الخطاب ﵁: [مقاطع الحقوق عند الشروط]. الأمر الثاني: إذا كلفته بالعمل فلا تكلفه فوق طاقته؛ فإن النبي ﷺ يقول في العبد المملوك وهو ملكٌ للإنسان: (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحته فليطعمه مما يطعم، وإذا كلفتموهم فأعينوهم) حتى إنه ندب أن تعينه إذا كلفته بالعمل، هذا وهو ملكٌ لك، وملكٌ ليمينك وتحت أمرك، فكيف بالأجير الذي ليس بينك وبينه إلا العمل. إياك ثم إياك أن تستطيل في عرض أخيك المسلم، إياك ثم إياك أن تظن أن كونه أجيراً يبيح لك عرضه؛ لأن الله حرم عليك ذلك، فلا تسبه ولا تشتمه ولا تهينه، ولا تخاطبه بالعبارة التي تحقره بها في لونه أو حسبه أو جنسه أو ذات يده، فإن الله مطلعٌ على ما في قلبك، والنبي ﷺ يقول: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) إياك أن تحتقره، أو تنظر إليه نظرة ازدراء وانتقاص، فإن الله يحاسبك، ولذلك يقول العلماء: هذه من أعمال القلوب التي يحاسب عليها العبد. لأنك إذا احتقرته في قلبك تأثرت في معاملته، ونظرت إليه ضعيفاً فغلبته لضعفه، أو فقيراً فأذللته بفقره. وعليك أن تعده أخاً لك في الإسلام، وتقوم معه على المعاملة التي بينك وبينه، وكن مسلماً كاملاً في إسلامك، قد سلم المسلمون من لسانك ويدك، إياك أن تمد يدك عليه بالسوء، أو تمد لسانك عليه بالسوء، فإن الله يأخذ الحقوق قصاصاً، وإن مما يهين ويدخل الرعب في قلوب الناس يوم القيامة ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (يجدون في صحائف الأعمال مثاقيل الذر من الأقوال والأفعال) أي: الأمور اليسيرة التي ما كانت تخطر لهم على بال، فلذلك يتقي الله الإنسان في مثل هذه الأمور. الأمر الرابع: أن الإنسان لا يلزم الأجير بشيءٍ لم يلتزمه، بل ينبغي عليه أن يتقيد فيما بينهما وبين العمل، وأيضاً على الإنسان أن ينظر إلى حال الأجير، فإذا وجده مهموماً محزوناً أدخل السرور عليه، ويرفق به ويرحمه، فإذا كان فيه شدة ظمأ أو شدة هاجرة جاءه بماءٍ بارد احتسبه شربة عند الله ، وكذلك طعام يدخل به السرور عليه. ولقد رأيت الوالد ﵀ يأكل مع عماله في المزرعة، وهو عالم يشار إليه بالبنان في المدينة، ولا يحس بغضاضة، بل يشعر بانبساط وبمحبةٍ وألفة، وما سقطت هيبته من قلوبنا؛ لأن الناس يظنون أن هذه المباسطة ذلة، ويقولون: القوة والعبوس والأذية والجفاء صفات الرجولة الكاملة، وكذبوا؛ لأن رسول الأمة ﷺ يقول: (ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً) ولذلك إذا عفوت عن أي مظلمة يقولون: هذا ضعيف، هذا جبان، هذا ليس عنده كمال رجولة، أو ليس برجل، ولكن النبي ﷺ يكذب هذا فيقول: (ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً) يعني هذا الذي يظنه الناس ذلة هو عزة وكرامة لك. ولذلك يخرج الأجير من عندك وهو شاهد عند خلق الله، وبين يدي الله أنك صاحب عزة وكرامة، (قال: يا رسول الله! كيف أعلم إني أسأت؟ قال: سل جيرانك)، فإن قالوا: أحسنت فقد أحسنت، وإن قالوا: أسأت فقد أسأت، لا تستطيع أن تعرف الرجل على الحقيقة في كمال أخلاقه وجمالها وبهائها وحسنها مثل معاملته للعمال. نعم، كونه يكون حسن الأخلاق، كريم المعشر مع إخوانه وزملائه، هذا أمرٌ طبيعي؛ لأن القرين مع قرينه قد يخافه ويهابه، ولكن أين المحن وأين الابتلاء الصادق أن تسمع عماله يعطرون ذكره بالذكر الحسن، فهذا هو الذي يدل على أنه مؤمنٌ كامل الإيمان إن شاء الله. نسأل الله أن يجعلنا ذلك الرجل، والله تعالى أعلم.

стр. 976

نصيحة للعاق لوالديه السؤال أنا طالب علمٍ ولكن بيني وبين والديَّ مشاكل، فتركتهم حتى إن أبي جاءني وبكى عندي فتركته، فما توجيهكم لي، وما الذي يكون عليَّ في هذه الحالة؟ الجواب باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد أخي في الله! اتق الله في أبيك، اتق الله قبل أن تحل بك نقمة من الله، فإن العقوق مفتاح للشر وسببٌ في سلب الخير والبر، وقد جاء عن النبي ﷺ في الحديث: (أنه لا يدخل الجنة عاق) أيأتيك أبوك الذي تربيت بنعمته بعد نعمة الله؟ أيأتيك أبوك الذي وصاك الله عليه من فوق سبع سماوات أن تخفض له جناح الذل من الرحمة، وأن تقول: رب ارحمه كما رباني صغيراً؟ أيأتيك أبوك ويقف عليك، والواجب أن تأتيه وأن تذل عنده، وأن تخفض له جناح الذل، تشتري بذلك رحمة الله. أخي في الله: تدارك نفسك ومن هذه الساعة تتوب إلى الله، ومن تاب إلى الله تاب الله عليه، وأحذرك من نقمة الله العاجلة، وعقوبته الآجلة أن تنزل بك، وعاهد الله من ساعتك هذه أن ترجع إليه، وأن تدخل السرور إليه، وأن تضحكه كما أبكيته، وأن تسره كما أحزنته، وأن تكرمه كما أهنته. اتقِ الله في والدك، وأحسن إليه كما أمرك الله، والله تعالى يبدل الإساءة بالإحسان لمن وقف في بابه يرجو الصفح والغفران. وأوصيك أخي في الله: أن تبادر بعد انتهاء الصلاة إلى والدك، وأن تجلس عند قدمه باكياً ذليلاً خاضعاً ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] (قال: يا رسول الله! أتيت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد وتركت والديَّ يبكيان قال: أترجو الجنة؟ قال: نعم. قال: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما، وأحسن صحبتهما) وفي الحديث الآخر: (قال: يا رسول الله! أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد قال: أحية أمك؟ قال: نعم. قال: الزم رجلها فإن الجنة ثم). فارجع إلى أبيك وتب إلى باريك وقل: يا رب! التوبة مما بدر مني وكان، وارجع إلى والدك فإن الله يتوب على من تاب، وكم من عاق كسر الله قلبه بالقرآن ومواعظ أهل الإيمان، فرجع إلى والديه فعادت عليه الرحمة من الكريم الرحمان، فالله كريم جواد، فتب إلى الله وارجع إليه، وصدِّق هذه التوبة بالإحسان إلى والدك وإلى والدتك. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقك لذلك. أخي في الله: فإن أردت أن تكون من العلماء فاعلم أنك لن تكون عالماً هادياً مهدياً إلى إذا هُدِيت في نفسك، ولن تكون هادياً مهدياً إلا إذا بدأت بأعظم حقٍ عليك وهو حق الله في توحيده والقيام بحقوقه وحدوده ورعاية محارمه سبحانه، ثم بِرُّك لوالديك، واعلم أنه لا علم بدون بر، وكم فتح الله لعلماء من الماضين -ممن عرفناهم من مشايخنا- من أبواب السعادة والخير والبركة في علمهم بفضله تعالى، ثم بدعاء الوالدين. وقد ذكر بعض العلماء حين كتب ترجمته بيده فقال: ما عرفت خيراً بعد الإيمان بالله أوصلني إلى هذا بعد توفيق الله مثل بري لأبي، فقد توفي وهو في النزع يدعو لي بالعلم والعمل، فبلغني الله فوق ما يرجو، وهو من العلماء الأفذاذ، وهذا لاشك أنه فضل. وأذكر رجلاً كان في ضعف وضيق، وفي شدة حال وبؤس، كان يذهب ويسعى لوالديه، فإذا جاء بالأجرة في يومه جاء ووضعها على الطاولة، ويستحي أن يمد يده لأبيه، فلما سألته وقلت: ولماذا؟ قال: أستحي أن أرفع يدي على يد أبي فتكون منة على والدي، قال: فكنت إذا وضعت له المال -يحكي لي ذلك وهو عالم من العلماء- بين يديه يدعو الله ويقول: اللهم ارزق ابني القرآن واجعله من أهله، فبلغ أكثر من عشرين عاماً وهو تائه في الأعمال، حتى شاء الله في يومٍ من الأيام وهو عائد من عمله، إذا به يلتقي بعالمٍ كان عمدةً في بلده في الفتوى، فقال: يا بني! ما هذا الذي أنت فيه؟ قال له: ما ترى إني أسعى للرزق، قال: هل لك أن تجعل لي يوماً من أسبوعك؟ قال: نعم، ونعمت عيني بذلك، فما زال يتردد على ذلك العالم، حتى جاء اليوم الذي يناقش فيه رسالته في الدكتوراه في تفسير القرآن العظيم، فلما دعي إلى المناقشة وجلس إذا بشيخه وأستاذه يقوم مهابةً له وإجلالاً لما كان فيه من العلم، وقال: تفضل يا شيخ فلان. ومن المعلوم أن الشيخ لا يتنزل لطالبه في الغالب، وإذا به أمام الجمع قال: هالني ما رأيت فيه من العلم والمعرفة بكتاب الله فعظمته وأجللته، فلما قال له: تفضل يا شيخ فلان جلس يبكي، فقال: تبكي ونحن نريد أن نجلك؟ قال: ذكرت دعوة أبي ﵀: اللهم ارزق ابني القرآن واجعله من أهله، فبلغه الله تفسير كتابه وبلغه الله هذه المنزلة العظيمة. بر الوالدين من فواتح الرحمة. فهذا من أعظم الأسباب ونحن في غفلةٍ عظيمة عنه، ولو لم نخرج من هذه المحاضرة إلا ونحن نعيد النظر في سلوكنا مع آبائنا وأمهاتنا، مع أمرٍ قرنه الله بتوحيده، وليس البر السكوت وأن تجلس مع الوالد والوالدة، إنما البر الذلة: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] ولا تنتظر من الوالد أو الوالدة أن يسألك حاجته، بل أنت الذي تمضي إليها وتقضيها وتدخل السرور عليه، ولا تعلم بشيءٍ يفرحه إلا كنت أسبق الناس إليه. أسأل الله العظيم أن يفتح لنا ولكم أبواب رحمته، والله تعالى أعلم.

стр. 977

وصية لصاحب القلب القاسي السؤال أنا شابٌ مبتلى بقسوة القلب ولا أستطيع القراءة في الكتب النافعة، ولا تدري -حفظك الله- مدى تأثير ذلك عليَّ، فأنا أتمنى أن أكون من أهل العلم ولكن لا أستطيع، فلعلك من الرحمة بي أن تدلني على ما أسأل الله أن ينفعني به، ولك مني الدعاء، ومن الله المثوبة بإذنه؟ الجواب باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فأما ما سألت عنه أخي في الله! من قسوة القلب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] والله لا يظلم العباد شيئاً، فأوصيك أخي في الله أن تنظر فيما بينك وبين الله، فقد يبتلى الإنسان بقسوة القلب بصلاةٍ أضاعها، أو زكاةٍ منعها أهلها، وقد يبتلى بقسوة القلب بأمٍ عقها أو أختٍ قطعها. وأوصيك أن تتفقد ما بينك وبين عباد الله من الحقوق والواجبات، فإذا أديتها فابشر برحمة الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. فأوصيك أن تتفقد أول ما تتفقد: حقوق الله عليك، وحقوق الناس وحقوق الأقربين خاصة، فإذا وفقك الله ببر والديك وإدخال السرور عليهما، وكذلك صلة رحمك، فإن الله يرحمك: (إني أنا الله، خلقت الرحم اشتققت لها اسماً من اسمي، فأنا الرحمان وهي الرحم، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته) فقد تكون هناك عمة لا تصلها وتصاب بقسوة القلب، وقد تكون هناك أخت محرومة من زيارتك، فتكون قطيعتها سبباً في قسوة قلبك، وما من إنسان يجد في نفسه أثر ذنب فيحس أنه مقصر فيبحث عن سبب ذلك إلا وفقه الله ودله على الذنب الذي بينه وبين الله أو بينه وبين عباده. ثم أوصيك أخي في الله! إذا قسى قلبك أن تكثر من ذكر الآخرة، وأن تصور نفسك وكأنك في القبر وضجعته، أو في الحساب وشدته، أو على الصراط وكربته وزلته، صوِّر نفسك في مشاهد الآخرة، فإنها تكسر القلوب إلى الله، وأكثر من عيادة المرضى والنظر في أحوالهم حتى يلين قلبك، وأكثر من زيارة المقابر، وعُدَّ نفسك كأنك ذلك الرجل الذي دل إلى قبره، فإذا أحيا الله قلبك إلى مثل هذه المشاهد فقم لطاعته واستجب لرحمته، وأسأل الله بعزته وجلاله أن يكتب لك ذلك. ثم أوصيك وأكرر الوصية أن تكثر من الابتهال والدعاء لله أن يكسر قلبك بالرحمة؛ فإن الله ﵎ كريم جواد لا يرد سائله: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) فنحن في ضلال إلا أن يهدينا الله، فلست أنا بالذي أهدي ولا بالذي يقوم على نفسه أو يقوم ببناية نفسه على الخير، إلا إذا هدى الله ووفق، فاستهدِ الله يهدك إلى الرحمة وإلى أبوابها وأسبابها ويجعلك من أهلها. وختاماً أوصيك أن تبحث عن قرين صالح تكن معه دائماً، لعل الله أن يحيي قلبك بصحبته. والله تعالى أعلم.

стр. 978

من أخلاق المؤمنات إن الله إذا أراد أن يتم نعمته وأن يكمل منته على عبده، كلله بالأخلاق الفاضلة، وزينه بالخلال الحميدة الجليلة التي طبع عليها أهل الإيمان؛ لذلك وجه الشيخ الفاضل حديثه في هذه المادة إلى النساء، حاضاً لهن على التمسك بأخلاق المؤمنات، حتى يكن خير خلف لخير سلف.

стр. 979

مكانة الأخلاق في الإسلام إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فالسلام عليكن ورحمة الله وبركاته. أخواتي المسلمات: أحمد الله ﵎ أن جمعنا بكن في هذا المجمع المبارك، وأسأله ﷻ أن يجعل الكلمات خالصة لوجهه الكريم، نافعة يوم لقائه العظيم، وأشكر بعد شكر الله اللجنة النسائية بالندوة العالمية على تفضلها بالدعوة إلى هذه الكلمات، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشكر مسعاكن، وأن يعظم في الآخرة أجوركن. أخواتي المسلمات: كم هي نعمة من الله عظيمة، ومنة من الله ﵎ جليلة، تلك النعمة التي أقبلت فيها أمة الله إلى الله، وأقبلت فيها على الله وأنابت إلى طاعة الله، أي ساعة تلك الساعة التي أنابت فيها القلوب إلى الله؟ أي ساعة تلك الساعة التي لبت فيها داعي الله واستجابت فيها لأوامر الله؟ تلك الساعة التي انبعثت فيها النفس اللوامة، وثارت في النفوس أشجان وأحزان تذكرها؛ فاستيقظت من منامها وانتبهت من غفلتها وأنابت إلى ربها، ما أعظمها من ساعة! لكن الله ﵎ إذا أراد أن يتمم نعمته وأن يكمل منته تممها بالأخلاق الفاضلة، وزينها بالأخلاق الحميدة الجليلة التي طبع الله عليها أهل الإيمان، فأهل الإيمان هم أهل الخصال الحميدة والخلال الكريمة المجيدة، إنها الأخلاق التي طالما وقف النبي ﷺ بين يدي ربه يناجيه ويناديه، يسأله أن يهديه لأحسنها، ففي الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه لما قام في الليل يناجي ربه قال في دعائه: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، وأنا عبدك ظلمت نفسي ظلماً كثيراً فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني شرها وسيئها فإنه لا يصرف عني شرها وسيئها إلا أنت). فسأله أن يهدي قلبه إليها وأن يدله عليها، وأن يكون هاديه إليها، سأله أن يرزقه كريم الخصال وجميل الخلال حتى يكون قريباً من الكريم المتعال، وهل نزل الكتاب ونزلت السنة على نبي هذه الأمة إلا لكي تتمم من الأخلاق مكارمها، ولكي تزان خلالها، فكان النبي ﷺ يقول كما روى أحمد في مسنده، كان يقول: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فلما أنزل الله ﵎ على النبي الكتاب، ودله على هذا المنهج الكريم من مناهج الصواب، تمم الله بجميع ذلك الأخلاق وجملها وزينها، فتمت نعمة الله على البشرية بالدلالة والهداية إليها، لذلك كان من أجلّ نعم الله على المؤمن والمؤمنة أن يزينه ويجمّله بالأخلاق الفاضلة. والمؤمنة إذا أضافت إلى إيمانها جمال قولها وحسن فعالها ازدانت عند بارئها وارتفعت عند الله درجتها، حتى أخبر النبي ﷺ أن من أكرم بالأخلاق الفاضلة فالله ﵎ يبلغه الدرجات العالية، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم). فكم من مؤمنة بالله زينها الله وجملها بالأخلاق، أدركت بكريم أخلاقها وجميل خصالها وجليل خلالها رحمة ربها، ففازت بعظيم الدرجات، وفازت بجميل الحسنات.

стр. 980

جملة من خصال المؤمنات لذلك أختي المسلمة خير ما يضاف إلى الإيمان وخير ما يزين به الإحسان أن تكون المؤمنة ملتزمة بدين الله بأخلاقه وآدابه، أن تتأدب بتلك الآداب التي دعا الله إليها، وحبب القلوب فيها، فكم أنزل الله في كتابه من آيات تدل المؤمنة على رحمة الله وعظيم فضله، حتى أدب الله بكتابه المؤمنة، وهي ترفع القدم وتضع الأخرى في مسيرها: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] وأدبها وهي تخاطب الرجال الأجانب: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢]. كم وقفت آيات الكتاب أمام هذه الجوهرة المكنونة والدرة المصونة؛ حتى تحفظ بهاءها، وتصون بالأخلاق جمالها وجلالها، فيالله من شريعة كمل الله بها أخلاق المؤمنات، وهداهن بها إلى كريم الخصال الموجبة لمحبة فاطر الكائنات. لذلك أيتها المؤمنة: خير ما يعنى به بعد الإيمان، تحقيق الإيمان بالأخلاق الكريمة، والالتزام بآداب الإسلام، حينما تلقي المؤمنة على نفسها لباس الحياء، وتكتسي بكساء التقوى، وتسير في طريق يوجب من الله الحب والرضا وتستمسك من الدين بعروته الوثقى.

стр. 981

التمسك بالآداب والأخلاق أما الخصلة الخامسة التي يكمل لله بها أخلاق المؤمنة فهي: الأخلاق والآداب التي يحصل بها الخير للناس، فمنها: الجود والسخاء والبذل والعطاء، ولقد كان من خطبة النبي ﷺ وموعظته للنساء أن قال: (تصدقن فإني أريتكن أكثر حطب جهنم، قلنَّ: ولِمَ يا رسول الله؟! قال: بكفركن للعشير) وفي الرواية الأخرى: (قلن: أيكفرن بالله؟ قال: لا. وإنما يكفرن العشير). فلما أراد النبي ﷺ أن يرسم طريق النجاة من تلك النار دعا نساء المؤمنين إلى الإنفاق والبذل والعطاء، كل ذلك كرماً منه وإشفاقاً، فقال: تصدقن، وقال ﵊: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) فمن كريم خِلال المؤمنة، ومن جميل خصالها كثرة الصدقات، ولذلك قال النبي ﷺ : (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) ولو كان المبذول قليلاً، فإنه عند الله عظيماً جليلاً، أنفقي من المال، واعلمي أنك موعودة بالإخلاف من الكريم المتعال، أنفقي فلا شلت يمين بذلت، أعطي لوجه الله وليكن ذلك الإنفاق ابتغاء مرضاة الله وما عند الله. ولقد ندب النبي ﷺ إلى النفقات، وأخبر أنها من أسباب رحمة الله بالعباد، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة). أختي المسلمة! إن الآداب والأخلاق أمانة عظيمة ومسئولية جليلة، أول من يسأل عنها هم الوالدان، فإذا حملتِ تربية الأبناء والبنات فربيهم على طاعة الله، ونشئيهم على الأخلاق الموجبة للحب من الله، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من ابتلي بشيء من هذه البنات، فأدبهن فأحسن تأديبهن، ورباهن فأحسن تربيتهن إلا كُنّ له ستراً من النار) فنشئي أبناء وبنات المسلمين على طاعة رب العالمين، وعلى كريم الخصال وجميل الخلال، وكما أنها مسئولية على الأبناء والأمهات، فإنه مسئولية على الداعيات والمربيات، فلتكن كل داعية قدوة حسنة في تعليمها وتوجيهها وتربيتها، فذلك من توفيق الله للمؤمنة. كم غرس في قلوب الطالبات من الخصال الكريمات حينما كانت المعلمات والمربيات على سمت ووقار، وحسن أدب وقرار، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتمم أخلاقنا، وأن يزين بها أقوالنا وأفعالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

стр. 982

الحياء والخجل أما الخصلة الرابعة: التي يكون بها جميل الخصال والأخلاق للمؤمنة، وهي من أعظم الخصال وأحبها إلى الله : إنها خصلة الحياء والخجل، الحياء الذي أخبر النبي ﷺ عنه أنه لا يأتي إلا بخير، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الحياء لا يأتي إلا بخير). أختاه! إن الحياء نعمة وجمال من الله، فما أجمل المرأة إذا اكتست بحيائها، وتمت لها مروءتها، وأصبحت في عفة من حالها! ولذلك كن النساء المؤمنات في عهد النبي ﷺ قد كمل حياؤهن، ويشهد لذلك أن النبي ﷺ لما أراد الصحابي وصفه قال: [كان أشد حياءً من العذراء في خدرها] فكوني على هذه الخصلة الكريمة. يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء فإذا ذهب الحياء ذهب الخير الكثير، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت) فمن الحياء البعد عن مواطن الريبة، ومخاطبة الرجال، وإذا وجدت الحاجة ألجمت المرأة بحيائها، وانكسرت من خجلها، وذلك كمال لها لا منقصة فيها، فاستديمي هذه الخصلة الكريمة. ومن الحياء: أن تكون المؤمنة حيية كريمة مع أحب الناس إليها، وأقرب الناس إليها وهم الوالدان، فلقد كانت نساء المؤمنين إلى عهد قريب لا تستطيع المرأة أن ترفع البصر في عين أبيها وأمها، وكانت البنت أشد ما تكون حياء من والديها، فمن نعم الله على المؤمنة أن يستتم حياؤها مع الوالدين، فذلك مما يحبه الله ويرضاه. ومن الحياء: الحياء مع الزوج والعشير، والأخ والقريب، والحياء في وسط النساء، وذلك بإظهار لبس يليق بالمرأة مما يدل على كامل مروءتها وكمال حيائها وخجلها، فلا تكون المؤمنة متتبعة للرخص التي تريق الماء من وجهها، البسي جلبابك وكوني على أكمل الحياء في ثيابك، وأعلمي أن الجمال كل الجمال في هذا الحياء الذي يظهر الله به الهيبة والجلال.

стр. 983

الاستجابة الصادقة لأوامر الكتاب والسنة الخصلة الأولى: أول هذه الخصال وأحبها إلى الكريم المتعال، خصلة تعلقت بسويداء قلب المؤمنة، خصلة دخلت إلى أعماق قلبها لا يعلمها إلا الله، تلك الخصلة التي تحقق بها إيمانها وتصدق بها التزامها بشريعة ربها، إنها الاستجابة الصادقة لأوامر الكتاب والسنة، فأعظم أخلاق المؤمنين والمؤمنات وأحبها إلى الله : الاستجابة الكاملة للكتاب والسنة، فمفتاح الخير كله في طاعة الله ورسوله ﷺ . ولقد شهد الله في كتابه أن من أطاعه وأطاع رسوله ﷺ فقد فاز فوزاً عظيماً، فقال سبحانه يهذب من المؤمن والمؤمنة أخلاقهم في الاستجابة للكتاب والسنة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨] فإن أحببت من الله الحب والرضا، يكون ذلك موجباً لكِ للتمسك بالعروة الوثقى؛ فخذي أوامر الكتاب، وسيري على منهجه لكي تهتدي إلى السنة والصواب، خذي بأوامر الدين وعضي عليها بالنواجذ دون تكذيب ولا ميل، خذي بأوامر الكتاب كما أخذته الفاضلات من الصحابيات الجليلات. أختاه: إن مقامك عند الله على قدر العمل بالكتاب والسنة، فإن الله لا ينظر إلى الأنساب والأحساب والجمال والكمال، ولكن ينظر إلى ذلك القلب الذي أقبلت به عليه، أن تسكنيه الاستجابة الصادقة لله ورسوله ﷺ ، ما أكملها وأجلها وأحبها لله من مؤمنة إذا قيل لها قال الله، قال رسول الله ﷺ ، قالت بلسان الحال والمقال: سمعت وأطعت غفرانك ربنا وإليك المصير. أختاه: حققي هذا الإيمان وحققي الالتزام بدين الرحمن، حينما تكوني أصدق المؤمنات استجابة للكتاب والسنة، واعلمي أن الله ﵎ سيسألك عن هذا الدين وعن هذا الكتاب وعن سنة سيد المرسلين، فأيما آية بلغتك فإنما هي حجة لكِ أو عليكِ، واعلمي أن الله ﵎ سيجعل هذا الكتاب بينك وبينه، فإن استجابت المرأة لمنهج ربها وأحبته والتزمته واتبعته؛ كتب الله لها السعادة، وتأذن لها بالفضل والزيادة. واعلمي أن الله ﵎ لا يغرس الاستجابة في قلب إلا أحب قالبه، فأحبي أوامر الدين، وخذيها دون تكذيب ولا ميل. ومن الاستجابة لأوامر الكتاب والسنة: فعل فرائض الله، وترك محارمه، وعفة الأقوال والأفعال، فبعد هذه الاستجابة الكريمة تظهر على المؤمنة في أقوالها وأفعالها وخصالها وآدابها آثار الاستجابة لربها. أختي المسلمة: إن هذه الاستجابة تظهر في الجوارح حينما تكون المؤمنة أكمل المؤمنات أخلاقاً في الأقوال والأفعال، تظهر هذه الاستجابة الصادقة في قلب عفيف عن الحسد والبغضاء، والسوء والشحناء، والظن بالمؤمنين والمؤمنات بما يوجب غضب الله وعدم مرضاته، فحققي هذه الاستجابة بسلامة القلب والقالب، فإذا أرادت المؤمنة أن تحقق التزامها بالآداب الفاضلة، فإن أول ما يظهر الأثر على لسانها الصادق، وقالبها المحقق لطاعة ربها جل وعلا. الخصلة الثانية: أختي المسلمة: إن في المؤمنة آداباً يحبها الله، وأخلاقاً توجب الرضا من الله، هذه الآداب وهذه الأخلاق الكريمة التي كان النبي ﷺ يحبب أصحابه فيها من أعظمها بعد الاستجابة ومن أهم ما يدعو إليها: أن تكون المؤمنة عفيفة في ظاهرها وباطنها، العفاف الذي يكون به الخير للمؤمنة في دينها ودنياها وآخرتها، فما كانت امرأة عفيفة إلا أقر الله عينها بالعفاف، كوني عفيفة في القول والعمل والقلب والقالب. ومن عفة اللسان: صونه عن أذية المسلمين، والتقرب به بذكر إله الأولين والآخرين، ولذلك قال العلماء: إن للسان خصلتين حبيبتين إلى الله، الخصلة الأولى: عفته عن أذية العباد، والخصلة الثانية: حرصه على ذكر رب العباد. أما الخصلة الأولى: أن تسلمي من أن تؤذي مؤمنة بهذا اللسان، فهو عضو صغير لكنه عظيم خطير، فكم أورد صاحبه المهالك، قال النبي ﷺ لما قال له معاذ: أو مؤاخذون بما نقول؟ قال له النبي ﷺ : (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم). كم أمست المؤمنة وقد اشترت رحمة ومرضاة الله بلسانها، ذلك اللسان العفيف عن أعراض المسلمين، والبريء عن أذية المؤمنين، ذلك اللسان المسخر في ذكر إله الأولين والآخرين، استخدمي هذا اللسان في محبة الله، واستكثري به من ذكر الله تفوزين برحمة الله. وإن من الآفات التي قد تتخلق بها بعض المؤمنات والمسلمات: كثرة وفضول الحديث فيما لا يرضي الله ، ولو كان من المباح، فإن العلماء ﵏ قالوا: إن استرسال اللسان في الأمور المباحة، قد يفضي به إلى الوقوع في الحرام. فصوني اللسان واحفظيه عن أذية بني الإنسان، فإن النبي ﷺ وصف المسلم الصادق في إسلامه بقوله: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فليسلم المسلمون من لسانك، إياكِ والغيبة والنميمة! وإياكِ وكلمة تؤذي بها مؤمنة بالله ! صوني اللسان واحفظيه، فإنه خير لك في الدين والدنيا والآخرة. وكان أبو بكر ﵁ وأرضاه يمسك بلسان نفسه، ويقول: [هذا الذي أوردني الموارد]. الحلم زين والسكوت سلامة فإذا نطقت فلا تكن مهذارا فإذا ندمت على سكوتك مرة فلتندمنّ على الكلام مرارا فمن جمال المؤمنة طول صمتها عما لا خير فيه من كلامها، فمن دليل كمال عقل المرأة، وحسن استقامتها وإيمانها أن تكثر الصمت مع حسن السمت، ولذلك قال النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ولقد أخبر النبي ﷺ عن عظيم الآفات التي تكون من اللسان والزلات، فأخبر أنه قد ينتهي بالمؤمنة إلى النار، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ (أنه قام يوم العيد فذكر النساء بالله، ولما أخبر ما أعد الله من عقوبته بالنار، سألته امرأة فقالت: ولم؟ فقال ﷺ : إنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) فإياكِ وكثرة السباب، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة). فمن أخلاق المؤمنة طول صمتها، ولا يعني هذا كثرة السكوت، وإنما المراد أن تصان الألسن عما لا يرضي الله ، فإذا حفظت اللسان كان ذلك اللسان نعمة لك لا عليك.

стр. 984

حفظ السمع والبصر الخصلة الثالثة من الخصال التي ينبغي للمؤمنة أن تتحلى وتتجمل بها: أن تحفظ السمع والبصر، فقد أخبر الله ﵎ في كتابه أن السمع والبصر محل السؤال، فقال ﷻ : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] صوني السمع وما حوى وما أصغى، والبصر وما رأى، فقد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر المؤمنات بآيات؛ فقال جل ذكره وتقدست أسماؤه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] قل يا محمد! قل يا نبي الأمة! قل يا من أرسلك الله رحمة للعالمين! قل للمؤمنات تلك الفئة المباركة التي صدقت والتزمت وآمنت وحققت، ليس لسائر النساء ولكن للمؤمنات، فلا تحفظ البصر كمال الحفظ إلا مؤمنة تخاف من الله، وتخاف من نظرة ترديها وتشقيها، فكم نظرة أورثت شهوة، وكم شهوة أورثت حزناً طويلا، ولله در القائل: كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتكت السهام بل قوس ولا وتر والمرء مادام ذا عين يقلبها في أعين الغيد محفوفاً على خطر يسر مقتله ما ضر مهجته لا خير في سرور قد جاء بالضرر لا خير في نظرة أتبعت شهوة، ولا خير في شهوة أتبعت فكرة، ولا في فكرة أتبعت عذاباً طويلاً. فالله الله في هذا البصر! فإن الله ﵎ سيسأل عن النظر فيما بذل، أفي محبته أم فيما لا يرضيه؟ فاتقِ الله في هذا البصر، فإياكِ والنظرة المسمومة، والنظرة الآثمة المحمومة، فإن للنظر عذاباً، ولقد أخبر النبي ﷺ عن رحمة الله للمؤمن والمؤمنة التي صانت بصرها وحفظت نظرها، فقال ﷺ : (كل العيون دامعة أو باكية يوم القيامة إلا ثلاثة أعين: عين بكت من خشية الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله). فإن أحببتِ ألا تكون عينك باكية يوم القيامة دامعة شاكية فصونيها عما لا يحل النظر إليه، إن المؤمنة الفاضلة التي زينها الله بالأخلاق الكاملة لا يعدو بصرها موضع قدمها، ولذلك كانوا يقولون: إن المرأة العفيفة الحرة لو ضربت على رأسها ما التفتت ولا نظرت من ضربها.

стр. 985

الأسئلة
следующие страницы →