← Джавами‘

Джавами‘ · id 7683

دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 035 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

التمسك بالآداب والأخلاق أما الخصلة الخامسة التي يكمل لله بها أخلاق المؤمنة فهي: الأخلاق والآداب التي يحصل بها الخير للناس، فمنها: الجود والسخاء والبذل والعطاء، ولقد كان من خطبة النبي ﷺ وموعظته للنساء أن قال: (تصدقن فإني أريتكن أكثر حطب جهنم، قلنَّ: ولِمَ يا رسول الله؟! قال: بكفركن للعشير) وفي الرواية الأخرى: (قلن: أيكفرن بالله؟ قال: لا. وإنما يكفرن العشير). فلما أراد النبي ﷺ أن يرسم طريق النجاة من تلك النار دعا نساء المؤمنين إلى الإنفاق والبذل والعطاء، كل ذلك كرماً منه وإشفاقاً، فقال: تصدقن، وقال ﵊: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) فمن كريم خِلال المؤمنة، ومن جميل خصالها كثرة الصدقات، ولذلك قال النبي ﷺ : (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) ولو كان المبذول قليلاً، فإنه عند الله عظيماً جليلاً، أنفقي من المال، واعلمي أنك موعودة بالإخلاف من الكريم المتعال، أنفقي فلا شلت يمين بذلت، أعطي لوجه الله وليكن ذلك الإنفاق ابتغاء مرضاة الله وما عند الله. ولقد ندب النبي ﷺ إلى النفقات، وأخبر أنها من أسباب رحمة الله بالعباد، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة). أختي المسلمة! إن الآداب والأخلاق أمانة عظيمة ومسئولية جليلة، أول من يسأل عنها هم الوالدان، فإذا حملتِ تربية الأبناء والبنات فربيهم على طاعة الله، ونشئيهم على الأخلاق الموجبة للحب من الله، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من ابتلي بشيء من هذه البنات، فأدبهن فأحسن تأديبهن، ورباهن فأحسن تربيتهن إلا كُنّ له ستراً من النار) فنشئي أبناء وبنات المسلمين على طاعة رب العالمين، وعلى كريم الخصال وجميل الخلال، وكما أنها مسئولية على الأبناء والأمهات، فإنه مسئولية على الداعيات والمربيات، فلتكن كل داعية قدوة حسنة في تعليمها وتوجيهها وتربيتها، فذلك من توفيق الله للمؤمنة. كم غرس في قلوب الطالبات من الخصال الكريمات حينما كانت المعلمات والمربيات على سمت ووقار، وحسن أدب وقرار، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتمم أخلاقنا، وأن يزين بها أقوالنا وأفعالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

стр. 982

الحياء والخجل أما الخصلة الرابعة: التي يكون بها جميل الخصال والأخلاق للمؤمنة، وهي من أعظم الخصال وأحبها إلى الله : إنها خصلة الحياء والخجل، الحياء الذي أخبر النبي ﷺ عنه أنه لا يأتي إلا بخير، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الحياء لا يأتي إلا بخير). أختاه! إن الحياء نعمة وجمال من الله، فما أجمل المرأة إذا اكتست بحيائها، وتمت لها مروءتها، وأصبحت في عفة من حالها! ولذلك كن النساء المؤمنات في عهد النبي ﷺ قد كمل حياؤهن، ويشهد لذلك أن النبي ﷺ لما أراد الصحابي وصفه قال: [كان أشد حياءً من العذراء في خدرها] فكوني على هذه الخصلة الكريمة. يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء فإذا ذهب الحياء ذهب الخير الكثير، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت) فمن الحياء البعد عن مواطن الريبة، ومخاطبة الرجال، وإذا وجدت الحاجة ألجمت المرأة بحيائها، وانكسرت من خجلها، وذلك كمال لها لا منقصة فيها، فاستديمي هذه الخصلة الكريمة. ومن الحياء: أن تكون المؤمنة حيية كريمة مع أحب الناس إليها، وأقرب الناس إليها وهم الوالدان، فلقد كانت نساء المؤمنين إلى عهد قريب لا تستطيع المرأة أن ترفع البصر في عين أبيها وأمها، وكانت البنت أشد ما تكون حياء من والديها، فمن نعم الله على المؤمنة أن يستتم حياؤها مع الوالدين، فذلك مما يحبه الله ويرضاه. ومن الحياء: الحياء مع الزوج والعشير، والأخ والقريب، والحياء في وسط النساء، وذلك بإظهار لبس يليق بالمرأة مما يدل على كامل مروءتها وكمال حيائها وخجلها، فلا تكون المؤمنة متتبعة للرخص التي تريق الماء من وجهها، البسي جلبابك وكوني على أكمل الحياء في ثيابك، وأعلمي أن الجمال كل الجمال في هذا الحياء الذي يظهر الله به الهيبة والجلال.

стр. 983

الاستجابة الصادقة لأوامر الكتاب والسنة الخصلة الأولى: أول هذه الخصال وأحبها إلى الكريم المتعال، خصلة تعلقت بسويداء قلب المؤمنة، خصلة دخلت إلى أعماق قلبها لا يعلمها إلا الله، تلك الخصلة التي تحقق بها إيمانها وتصدق بها التزامها بشريعة ربها، إنها الاستجابة الصادقة لأوامر الكتاب والسنة، فأعظم أخلاق المؤمنين والمؤمنات وأحبها إلى الله : الاستجابة الكاملة للكتاب والسنة، فمفتاح الخير كله في طاعة الله ورسوله ﷺ . ولقد شهد الله في كتابه أن من أطاعه وأطاع رسوله ﷺ فقد فاز فوزاً عظيماً، فقال سبحانه يهذب من المؤمن والمؤمنة أخلاقهم في الاستجابة للكتاب والسنة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨] فإن أحببت من الله الحب والرضا، يكون ذلك موجباً لكِ للتمسك بالعروة الوثقى؛ فخذي أوامر الكتاب، وسيري على منهجه لكي تهتدي إلى السنة والصواب، خذي بأوامر الدين وعضي عليها بالنواجذ دون تكذيب ولا ميل، خذي بأوامر الكتاب كما أخذته الفاضلات من الصحابيات الجليلات. أختاه: إن مقامك عند الله على قدر العمل بالكتاب والسنة، فإن الله لا ينظر إلى الأنساب والأحساب والجمال والكمال، ولكن ينظر إلى ذلك القلب الذي أقبلت به عليه، أن تسكنيه الاستجابة الصادقة لله ورسوله ﷺ ، ما أكملها وأجلها وأحبها لله من مؤمنة إذا قيل لها قال الله، قال رسول الله ﷺ ، قالت بلسان الحال والمقال: سمعت وأطعت غفرانك ربنا وإليك المصير. أختاه: حققي هذا الإيمان وحققي الالتزام بدين الرحمن، حينما تكوني أصدق المؤمنات استجابة للكتاب والسنة، واعلمي أن الله ﵎ سيسألك عن هذا الدين وعن هذا الكتاب وعن سنة سيد المرسلين، فأيما آية بلغتك فإنما هي حجة لكِ أو عليكِ، واعلمي أن الله ﵎ سيجعل هذا الكتاب بينك وبينه، فإن استجابت المرأة لمنهج ربها وأحبته والتزمته واتبعته؛ كتب الله لها السعادة، وتأذن لها بالفضل والزيادة. واعلمي أن الله ﵎ لا يغرس الاستجابة في قلب إلا أحب قالبه، فأحبي أوامر الدين، وخذيها دون تكذيب ولا ميل. ومن الاستجابة لأوامر الكتاب والسنة: فعل فرائض الله، وترك محارمه، وعفة الأقوال والأفعال، فبعد هذه الاستجابة الكريمة تظهر على المؤمنة في أقوالها وأفعالها وخصالها وآدابها آثار الاستجابة لربها. أختي المسلمة: إن هذه الاستجابة تظهر في الجوارح حينما تكون المؤمنة أكمل المؤمنات أخلاقاً في الأقوال والأفعال، تظهر هذه الاستجابة الصادقة في قلب عفيف عن الحسد والبغضاء، والسوء والشحناء، والظن بالمؤمنين والمؤمنات بما يوجب غضب الله وعدم مرضاته، فحققي هذه الاستجابة بسلامة القلب والقالب، فإذا أرادت المؤمنة أن تحقق التزامها بالآداب الفاضلة، فإن أول ما يظهر الأثر على لسانها الصادق، وقالبها المحقق لطاعة ربها جل وعلا. الخصلة الثانية: أختي المسلمة: إن في المؤمنة آداباً يحبها الله، وأخلاقاً توجب الرضا من الله، هذه الآداب وهذه الأخلاق الكريمة التي كان النبي ﷺ يحبب أصحابه فيها من أعظمها بعد الاستجابة ومن أهم ما يدعو إليها: أن تكون المؤمنة عفيفة في ظاهرها وباطنها، العفاف الذي يكون به الخير للمؤمنة في دينها ودنياها وآخرتها، فما كانت امرأة عفيفة إلا أقر الله عينها بالعفاف، كوني عفيفة في القول والعمل والقلب والقالب. ومن عفة اللسان: صونه عن أذية المسلمين، والتقرب به بذكر إله الأولين والآخرين، ولذلك قال العلماء: إن للسان خصلتين حبيبتين إلى الله، الخصلة الأولى: عفته عن أذية العباد، والخصلة الثانية: حرصه على ذكر رب العباد. أما الخصلة الأولى: أن تسلمي من أن تؤذي مؤمنة بهذا اللسان، فهو عضو صغير لكنه عظيم خطير، فكم أورد صاحبه المهالك، قال النبي ﷺ لما قال له معاذ: أو مؤاخذون بما نقول؟ قال له النبي ﷺ : (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم). كم أمست المؤمنة وقد اشترت رحمة ومرضاة الله بلسانها، ذلك اللسان العفيف عن أعراض المسلمين، والبريء عن أذية المؤمنين، ذلك اللسان المسخر في ذكر إله الأولين والآخرين، استخدمي هذا اللسان في محبة الله، واستكثري به من ذكر الله تفوزين برحمة الله. وإن من الآفات التي قد تتخلق بها بعض المؤمنات والمسلمات: كثرة وفضول الحديث فيما لا يرضي الله ، ولو كان من المباح، فإن العلماء ﵏ قالوا: إن استرسال اللسان في الأمور المباحة، قد يفضي به إلى الوقوع في الحرام. فصوني اللسان واحفظيه عن أذية بني الإنسان، فإن النبي ﷺ وصف المسلم الصادق في إسلامه بقوله: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فليسلم المسلمون من لسانك، إياكِ والغيبة والنميمة! وإياكِ وكلمة تؤذي بها مؤمنة بالله ! صوني اللسان واحفظيه، فإنه خير لك في الدين والدنيا والآخرة. وكان أبو بكر ﵁ وأرضاه يمسك بلسان نفسه، ويقول: [هذا الذي أوردني الموارد]. الحلم زين والسكوت سلامة فإذا نطقت فلا تكن مهذارا فإذا ندمت على سكوتك مرة فلتندمنّ على الكلام مرارا فمن جمال المؤمنة طول صمتها عما لا خير فيه من كلامها، فمن دليل كمال عقل المرأة، وحسن استقامتها وإيمانها أن تكثر الصمت مع حسن السمت، ولذلك قال النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ولقد أخبر النبي ﷺ عن عظيم الآفات التي تكون من اللسان والزلات، فأخبر أنه قد ينتهي بالمؤمنة إلى النار، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ (أنه قام يوم العيد فذكر النساء بالله، ولما أخبر ما أعد الله من عقوبته بالنار، سألته امرأة فقالت: ولم؟ فقال ﷺ : إنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) فإياكِ وكثرة السباب، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة). فمن أخلاق المؤمنة طول صمتها، ولا يعني هذا كثرة السكوت، وإنما المراد أن تصان الألسن عما لا يرضي الله ، فإذا حفظت اللسان كان ذلك اللسان نعمة لك لا عليك.

стр. 984

حفظ السمع والبصر الخصلة الثالثة من الخصال التي ينبغي للمؤمنة أن تتحلى وتتجمل بها: أن تحفظ السمع والبصر، فقد أخبر الله ﵎ في كتابه أن السمع والبصر محل السؤال، فقال ﷻ : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] صوني السمع وما حوى وما أصغى، والبصر وما رأى، فقد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر المؤمنات بآيات؛ فقال جل ذكره وتقدست أسماؤه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] قل يا محمد! قل يا نبي الأمة! قل يا من أرسلك الله رحمة للعالمين! قل للمؤمنات تلك الفئة المباركة التي صدقت والتزمت وآمنت وحققت، ليس لسائر النساء ولكن للمؤمنات، فلا تحفظ البصر كمال الحفظ إلا مؤمنة تخاف من الله، وتخاف من نظرة ترديها وتشقيها، فكم نظرة أورثت شهوة، وكم شهوة أورثت حزناً طويلا، ولله در القائل: كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتكت السهام بل قوس ولا وتر والمرء مادام ذا عين يقلبها في أعين الغيد محفوفاً على خطر يسر مقتله ما ضر مهجته لا خير في سرور قد جاء بالضرر لا خير في نظرة أتبعت شهوة، ولا خير في شهوة أتبعت فكرة، ولا في فكرة أتبعت عذاباً طويلاً. فالله الله في هذا البصر! فإن الله ﵎ سيسأل عن النظر فيما بذل، أفي محبته أم فيما لا يرضيه؟ فاتقِ الله في هذا البصر، فإياكِ والنظرة المسمومة، والنظرة الآثمة المحمومة، فإن للنظر عذاباً، ولقد أخبر النبي ﷺ عن رحمة الله للمؤمن والمؤمنة التي صانت بصرها وحفظت نظرها، فقال ﷺ : (كل العيون دامعة أو باكية يوم القيامة إلا ثلاثة أعين: عين بكت من خشية الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله). فإن أحببتِ ألا تكون عينك باكية يوم القيامة دامعة شاكية فصونيها عما لا يحل النظر إليه، إن المؤمنة الفاضلة التي زينها الله بالأخلاق الكاملة لا يعدو بصرها موضع قدمها، ولذلك كانوا يقولون: إن المرأة العفيفة الحرة لو ضربت على رأسها ما التفتت ولا نظرت من ضربها.

стр. 985

الأسئلة

стр. 986

حكم زواج المرأة المسلمة بالكافر السؤال هل يجوز للمرأة أن تتزوج من رجل غير مسلم؟ وأرجو أن تدلها على تعلم القرآن وغيره من الأمور النافعة؟ الجواب أولاً: أهنئ هذه السائلة برحمة الله لها بالإسلام، وأسأل الله العظيم مقلب القلوب أن يثبت قلبها على طاعته، وأن يثبته على سبيل محبته ومرضاته، وأما ما سألت عنه أن كونها تريد الزواج بالكافر، فإن الكافرة إذا أسلمت وزوجها على الكفر فسخ النكاح بينهما، ولا يجوز بقاءها تحت عصمة الكافر، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١] فلا يجوز تزويج المرأة المسلمة من الكافر بل ينفسخ العقد بإسلامها، ولا ترد إلى ذلك الكافر: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١]. على خلاف الزواج من الكافرة، فإن الرجل إذا تزوج الكافرة علا عليها، وقد يكون ذلك سبباً في إسلامها، فالمقصود أنه لا يجوز بقاء المسلمة عند الكافر، وإنما تطلق منه طلقة بائنة بإسلامها وتبين منه. وأما ما سألته من معرفتها بالقرآن وتعلمها له بالطريقة الصحيحة، فإن هذا أمر ينبغي الأخذ بأسبابه، وذلك بالرجوع إلى بعض الكتب أو المؤلفات، وإذا تيسر الاتصال ببعض الإدارات الدينية كمكتب التوعية في جدة، فلعلها أن تجد بعض الرسائل القيمة، والله تعالى أعلم.

стр. 987

حكم مشاهدة أفلام الكرتون للأطفال مع وجود الموسيقى السؤال هل نأثم إذا تفرج الأطفال إلى أفلام الكرتون مع العلم أن بها موسيقى؟ الجواب أما الموسيقى فهي محرمة، ففي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يأتي في آخر الزمان أقوام يستحلون الحر والحرير والمعازف والقيان، ما هم بمؤمنين، ما هم بمؤمنين) فلا يجوز ترك أبناء المسلمين وبناتهم يستمعون إلى الغناء أياً كان، وأما بالنسبة إذا سلم المنظور أو المسموع من ذلك فلا حرج، لكن هذه الأفلام -بنقل الثقات- وجد أنها تشتمل على ما يهدم العقيدة، ويفسد الأخلاق، ويربي الطفل على الشرور والإجرام، فهي محرمة لما فيها من ذلك الفساد العظيم والبلاء الجسيم، والله تعالى أعلم.

стр. 988

ظاهرة انتشار العنوسة في المجتمعات السؤال انتشرت العنوسة في المجتمعات، والمشايخ جزاهم الله خيراً ذكروا أسباب هذه الظاهرة، ومنها: غلاء المهور، ومواصلة التعليم، ولكن ثمة أسباب غفل كثير من المشايخ عنها وهي: أن الآباء هم أيضاً سبب في هذه العنوسة، فأكثر الفتيات يتقدم إليهن شباب ملتزمون، ومن عائلات محترمة محافظة، ولكن الآباء يواجهون ذلك بالرفض، وذلك لأنهم يريدون أن يكون هذا الزوج من القبيلة، فهذه عادات وتقاليد موروثة من الآباء أو يكون سعودي الأصل، والرسول ﷺ كما تعلمون يقول: (إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه) فهل من نصيحة لعل الآباء يسمعون، جزاكم الله خيراً؟ الجواب أما هذه المسألة ففي الحقيقة قد كثرة الشكوى منها، ولقد وصلني عدد من الرسائل من النساء المؤمنات، ويعلم الله الذي لا إله إلا هو أنني لم أستطع إكمال بعضها من البكاء، لما فيها من الأشجان والأحزان والأمور المروعة والمؤسفة، وهذه من المظالم التي بلي بها كثير من النساء المؤمنات، سواء في الأسباب التي ذكرتها أو غيرها من الأمور التافهة، كالنظر إلى غنى الزوج وثرائه، وعلو مرتبته ومنصبه، فهذه كلها من المآسي التي بلي بها المجتمع في هذا الزمان، وذلك لضعف الإيمان في قلوب كثير من الرجال. والقصص في هذه المآسي كثيرة، ولاشك أنها تعتبر ظاهرة ينبغي فيها عدة أمور: الأمر الأول: العناية بها من أهل العلم والفضل ووجهاء المجتمع، وأن يكون هناك توجيه للآباء بتزويج بناتهم من الأكفاء، وأداء هذه الأمانة والمسئولية على الوجه الذي يرضي الله . إن موازين الإسلام ثابتة وأصوله بينة واضحة، وقد بين النبي ﷺ الأمور التي تنكح لها المرأة ويزوج لها الرجل، ولذلك قال ﵊: (إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). فلا مانع أن تزوج المرأة من قريبها، وشيء حسن إذا كان ابن العم كفوءاً كريماً صاحب دين وخلق، أو كان القريب ابن الخال أو نحوه كفوءاً كريماً، وزوجاً صالحاً فلا حرج، والأقربون أولى بالمعروف، وينبغي للمرأة أن يتسع صدرها للقريب وأن تحبه وتكرمه، وأن تنظر إلى حقه في القرابة، ولكن الحرج كل الحرج أن يُضحى بالمرأة لإنسان لا دين له ولا أخلاق ولا مروءة ولا كفاءة، فهذا من الظلم الذي يحرمه الله على العباد. ووالله ما من أب وولي يوقع موليته في إنسان ليس بكفء إلا حمل أوزارها، وسئل بين يدي الله عن همومها وغمومها، وما اكتحلت عيناها السهر في هم ولا غم إلا كان شريكاً لها في ذلك الإثم كله. فلذلك ينبغي للآباء أن يتقوا الله ، ويخافوا الله في هذه المسئولية العظيمة، والأمانة الجليلة، ونحن نقول: لا حرج من النظر إلى القريب الكفء، ولكن الحرج كل الحرج أن يزج بالنساء العفيفات الصالحات الطاهرات لمن لا خير فيه. الأمر الثاني والذي ينبغي أن يعمله كل من سئل عن امرأة: أنه لا مانع أن يمتنع من قريبها، ولكن يبحث عن كفء آخر لها، أما أن يبقي المرأة على عنوستها تراودها الأفكار، وتتعرض لمخالب الأشرار آناء الليل وأطراف النهار، فإنه سيبوء بغضب الله الواحد القهار. هذه جريمة عظيمة، ومسئولية كبيرة، فينبغي لكل من حمل أمانة الأبناء والبنات أن يتقي الله ، وأن يزوج بنته وكريمته من الكفء. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمن على المسلمين بصلاح الأحوال إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله.

стр. 989

حكم نتف الحواجب ولبس العباءات المطرزة السؤال أرجو تنبيه أخواتي إلى عدم جواز نتف الحواجب، ولبس العباءات المطرزة بالذهب، والرقص في الحفلات؟ الجواب أما بالنسبة لنتف الحواجب فهو النمص الذي لعن النبي ﷺ من فعله ومن فُعل به، فقال ﷺ : (لعن الله النامصات والمتنمصات). وأما لبس العباءات المطرزة بالذهب فهذا لا يجوز، ولذلك بين العلماء ﵏ أنه لا يجوز في لبس العباءة والملاءة أمور: الأمر الأول: أن تكون مطرزة، أو يكون فيها نقش ولو كان خالياً من الذهب؛ لأن هذه النقوش إذا رأيت جذبت الأنظار إليها، ثم جذبت الأنظار إلى من فيها، فحصلت الفتنة. الأمر الثاني الذي ينبغي أن تسلم منه العباءة هو: ضيقها. الأمر الثالث هو: أن لا تكون شفافة بحيث تصف ما وراءها. فلذلك ينبغي للمؤمنة أن تسلم من هذه الأمور، وأن تكون بعيدة من هذه الشرور، وتتقي الله في نظرات المؤمنين، وألا تكون داعية إلى النظر إليها بلبس هذه الملابس الفاتنة. وأما ما سألت عنه من لبس البناطيل أو القصير إلى الركبة، فقد سبق أنه خلاف المروءة، والمرأة التي تلبس القصير على ملأ من النساء تعتبر ساقطة المروءة، ومن سقطت مروءتها ردت شهادتها وسقطت عدالتها، والله تعالى أعلم.

стр. 990

حكم الرقص للنساء وأخذ الأجرة على ضرب الدف السؤال كثر في هذا الزمان الرقص في الأعراس الإسلامية، وقيل: إن الدف في الأعراس الإسلامية مقابل قليل من المال لا يجوز، فما حكم ذلك؟ الجواب أما بالنسبة للرقص فما كان منه مشابهاً للرقصات الغربية الوافدة فهذا مجمع على تحريمه لمشابهة الكافرات، وأما بالنسبة للرقص فأصح أقوال العلماء ﵏ المنع منه، ولذلك قال بعض العلماء في دليل تحريمه وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر:٧٥] قالوا: إن المرح هو الرقص، ولذلك قالوا: إن المرأة إذا رقصت هزت أكتافها، وأبانت شيئاً من سوءاتها، فكان ذلك فتنة لمن نظر إليها ولو كانت امرأة مثلها، كما أن الرجل يفتن بالرجل كذلك المرأة تفتن بالمرأة. ثم هو ليس من كريم الخصال، ولا من جميل الخلال، وإنما هو على العكس من ذلك، ولذلك نهى العلماء ﵏ عنه، وأفتى طائفة من أهل العلم ﵏ بتحريمه. وأما ما سئل عنه من الدف فإن الدف جائز ومشروع، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدفوف). أما ما سألت من أخذ الأجرة على الدف فإنه جائز ومشروع، ولا حرج في الإجارة على ضرب الدف؛ لأن أهل العلم ﵏ أجمعوا على أنه يجوز الاستئجار للمنفعة المباحة، وحيث إن ضرب الدف مباح في الزواج فلا حرج من أخذ الأجرة عليه، لكن إذا كان ذلك على وجه المبالغة، ويتكلف صاحبه أجراً كثيراً، فإن فيه سفه، ويعتبر ممنوعاً إذا كان زائداً عن حده، وتحريمه عند الزيادة عن حده لا يوجب تحريم أصله، كما لو اشترى الإنسان طعاماً أكثر من حقه فإنه سفه، والله تعالى أعلم.

стр. 991

حكم لبس الملابس القصيرة والفاضحة السؤال هناك ظاهرة شائعة في هذا الزمن في بعض الأفراح الإسلامية، حيث تأتي الكثير من النساء المدعوات بلباس قصير يصل إلى ما فوق الركبة، وقد يصل إلى نصف الفخذ دون حياء، علماً بأن هذه الظاهرة أصبحت شائعة جداً الآن، فنرجو النصيحة جزاك الله خيرا؟ الجواب لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والله المستعان! أما الذي ذكرته أختي السائلة من هذه الظاهرة فيعلم الله أننا كنا نتمنى ألا نعيش إلى زمان نسمع فيه مثل هذا، وأي زمان أشقى على المؤمنين إذا ذهب الحياء بين النساء، وأصبحت المرأة لا تستحي ولا تبالي أن تظهر مفاتنها أمام النساء، وأي بلاء وأي شقاء إذا تربت بناتنا من الصغر على هذا، فرأين النساء الكبيرات، ورأين منهن قدوة في المجتمع يلبسن القصير، أو يلبسن ذلك اللباس المثير، إنا لله وإنا إليه راجعون من موت القلوب، ومن عدم الحياء من الله علام الغيوب، فلقد سئل النبي ﷺ ذات مرة عمن يخلو لوحده عرياناً فقال جواباً لمن سأله: (الله أحق أن تستحي منه). فإذا كان الإنسان في خلوته لا يستطيع أن يتعاطى بعض الأمور حياءً من الله فكيف بين الناس؟ فلذلك كان من البلاء العظيم أن نسمع هذه الأمور في مجتمعات المسلمين. إن المرأة التي تكشف عن ساقيها، وتبدي فخذيها امرأة ناقصة العقل والشعور، وقد تحطمت الآداب في صميم قلبها، ولو كان عندها مسكة من العقل لما اختارت لنفسها أن تبدي المفاتن بين النساء، ما الذي تريده من النساء حينما تبدي بياض بشرتها، وجمال ساقيها؟ ما الذي تريده من النساء غير إثارتهن للمفاتن، وتذكيرهن بهذه المحن، وإيجاد القدوة السيئة في هذه المجتمعات الكريمة؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون! أما الوصية: فإني أوصي الخيرات الصالحات أن يذكِّرن هذه النماذج السيئات، وأن يقفن حجر عثرة أمام نشر هذه النماذج السيئة في المجتمع، فإذا رأت المؤمنة من تخلقت بهذه الأخلاق فلتذكرها بالله، فلعل قلبها أن يحيا من بعد موات، ولعله أن يستفيق من بعد منام، ذكروهن بالله وانصحوهن، وخذوا على أيديهن، وكذلك ذكِّروا بنات المجتمع بأخطائهن، وذلك بنشر ما ينبغي نشره من الوعي بين النساء، وتنبيه البنات حتى لا يتشبهن بهن، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهديهن إلى سواء السبيل، وأن يسلِّم مجتمعات المسلمين من هذا البلاء والعناء، والله تعالى أعلم.

стр. 992

صلاح الإنسان يدور مع صلاح حاله مع القرآن السؤال صلاح الإنسان كما هو معلوم يدور مع صلاح حاله مع القرآن -هذا حسب رأيي- لكن أشعر بعجزي عن الاستفادة من القرآن، وأن أشعر وكأنه نزل مخاطباً لي، فما هي الوسيلة التي يتم بها صلاح الحال مع القرآن، وبالتالي يكون الإنسان ذاكراً للآخرة بشكل دائم؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فما ذكرته أختي المسلمة من كون صلاح أمَة الله موقوفاً على القرآن تدبراً وعملاً، وتفكراً وتطبيقاً، لاشك أنه هو عين الصواب، فإن المؤمنة صلاحها موقوف على القرآن، كما أن المؤمن صلاحه موقوف على القرآن. وأما ما ذكرته واشتكته من وجود الفرقة بينها وبين كتاب الله ، وإحساسها بأنه لا يؤثر في أقوالها وأفعالها فلعل ذلك لذنب بينها وبين الله ، ولذلك قال العلماء: إن الإنسان يحرم التوفيق في الطاعة على قدر معصيته لله ، فاستكثري من الاستغفار، وسؤال الله أن يهبكِ القلب الحي الذي يتأثر بكلامه، وشرعه ونظامه، سليه فإنه كريم لا يرد سائله، وارجيه فإنه حليم رحيم لا يخيب راجيه، هذا الأمر الأول. أما الأمر الثاني: فما الذي يحول بينكِ وبين هذا الكلام الذي أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم خبير، أحسي وكأن القرآن يناديكِ، وأنكِ أنتِ المعنية بكل حرف فيه، وبكل كلام تقرئيه منه، أحسي أن هذا القرآن يناجيك، وأنه لرحمة الله يدعوك، فإذا وجد هذا الشعور، وكان هذا الإحساس منكِ فإنه سرعان ما يؤثر فيك، فأحسي أن كتاب الله يدعوكِ، وأن كلام الله موجه إليك، فذلك من أعظم الأسباب التي تقودكِ للعمل بما فيه، والله تعالى أعلم.

стр. 993

علاج ظاهرة الفتور في حياة المرأة الداعية السؤال نحن إن شاء الله داعيات إلى الله، ونحاول مجاهدة النفس باستمرار، ولكن في بعض الأحيان نصاب بنوع من الفتور، والرجوع إلى الوراء في طريق العبادة والدعوة، فما نصيحتك لنا حتى نحاول الارتقاء إلى الأعلى، وعدم التخاذل والرجوع إلى الوراء جزاك الله خيراً؟ الجواب أولاً: أسأل الله العظيم أن يكثر من أمثالكن في طاعة الله ، فأحب المقامات وأشرف المراتب والولايات ذلك المقام الذي يقوم فيه العبد والأمة بتبليغ رسالة الله، والهداية إلى الله، وتحبيب القلوب في مرضاة الله، كما أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣]. أختي المسلمة! أوصيكِ بأمر عظيم ينبغي لكل مؤمنة تقلدت الدعوة أن تتخلق به وهو: الصبر والتحمل، فإن هذا الفتور الذي تشتكين منه معشر الداعيات هو ابتلاء وامتحان من الله، ولكن صبر جميل، واستدمن ما أنتن فيه من الخير، فنعم العمل عملتن! ونعم القول قلتن! ونعم الدعوة دعوتن! فأحسنَّ الظن بالله. وأما ما ذكرتن من القهقرة والتأخر عن طاعة الله، فالله الله أن تكون المؤمنة يخالف قولها فعلها، فإن ذلك من أسباب المقت من الله، فاحرصي أختي الداعية إلى الله أن يتوافق القول مع العمل، وإذا شعرت بذلك الملل، فاسألي الله العافية، وخذي بالأسباب، فلعل هناك ذنباً بينك وبين الله، والله تعالى أعلم.

стр. 994

فضل العلم ومعلمه فضّل الله العلم وجعله ميراث الأنبياء، ورفع أهله وفضلهم وشرفهم وزكاهم، ولا يكون ذلك الشرف والفضل إلا بالإخلاص لله ، مع بذل الجهد في تعلمه وتعليمه. فعلى العالم أن يترسم هدي النبي ﷺ ، وأن يتعاطى الأسباب لقبول علمه، وعلى طالب العلم أن يحب العلم ويحب أهله، ويجلهم ويكرمهم ويقدرهم، مع مراعاة الأدب مع إخوانه طلاب العلم، وكذلك التضحية والبذل في تحصيله، وأن يعمل بما علم.

стр. 995

مكانة العلم الشرعي وفضل أهله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما جزى نبياً عن نبوته، وصاحب رسالة عن رسالته، صلى الله عليه وعلى آله ومن سار على نهجه ومنواله. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إخواني في الله: إن الله رفع في العلم قدر العلماء وفضلهم وشرفهم وزكاهم، فكانوا من الأتقياء السعداء. فضل الله هذا العلم فجعله ميراث الأنبياء، فضل الله العلم (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة). وفضل الله العلم: (فما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم فيمن عنده) العلم رحِمٌ بين أهله، فيه اجتمعوا، ومن أجله تآلفوا وتناصحوا، ولقد وجبت محبة ربنا للمتحابين فيه والمتزاورين فيه والمتآخين فيه. فضل الله العلم فرفع أهله الدرجات في الحياة والممات، مات الناس ومات العلماء فما ماتت مآثرهم: مات العلماء فما ماتت مآثرهم وذهبوا فما ذهبت فضائلهم نقشت على صفحات الصدور باقية في صحائف أعمالهم من أراد أن يعرف قدر العلم فليعلم أنه الحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] من أراد أن يعرف قدر العلم فليعلم أنه الخير والبر: (ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). من أراد أن يعرف فضل العلم: فليعلم أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع. سلامٌ على قومٍ عرفوا حقوق العلم وأهله، سلامٌ على كل من علَّم وعمل وعلم المسلمين فنفعه الله بعلمه ونفع به الخلق، قال ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

стр. 996

الأمور التي ينال بها فضل العلم أيها الأحبة في الله! لا يستطيع أحدٌ أن ينال فضل العلم إلا بأمور، إذا حصلها العبد كملت له فضيلة العلم:

стр. 997

الإخلاص في طلب العلم أولها وأعظمها: إخلاص العمل لله ﷻ ، العلم لله، ويُراد به ما عند الله، ولا يزال العبد بخيرٍ إذا قال: قال لله، وإذا عمل: عمل لله، اصطفى الله العلم للآخرة، واصطفى أهله للآخرة، فهم معنا في الدنيا بأجسادهم، وهم في الآخرة فيما هم فيه من علومها النافعة، وأجورها الباقية. إنه العلم الذي لا يمكن أن يجد أحدٌ حلاوته إلا بالإخلاص: (ومن تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله لينال به عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة) أهل العلم أغنى الناس بالله، وطالب العلم والعالم الذي ملأ الله قلبه بالآخرة تنصرف همته لله خالصة، أما طالب العلم الذي يريد وجه الله، مباركٌ له في علمه، وفيما يقوله ويسمعه ويكتبه، ومباركٌ له في كل خطوةٍ يخطوها، وفي كل كلمة يسمعها ويكتبها ويفهمها ويلقنها العباد، فالإخلاص مدار الأعمال كلها عليه، وما بقيت كتب السلف ﵏، وكأنها كتبت بالأمس القريب إلا بالله ﷻ ثم بإخلاصهم، نظر الله إلى قلوبهم فوجد فيها الإخلاص لوجهه وإرادة ما عنده ، فبارك فيما قالوا وما عملوا وما علموا ﵏ برحمته الواسعة. أيها الأحبة! من أخلص لله ﷻ جعل الله القناعة أمام عينيه، فاغتنى بالله، وافتقر إلى الله، وذاق حلاوة المعاملة مع الله، ولا يستطيع العالم ولا طالب العلم أن يُصلح الناس حتى يصلح ما بينه وبين الله بالإخلاص، ومن أصلح ما بينه وبين الله فنظر الله إلى قلبه أنه يريد وجهه، وأراد ما عنده، فتح الله عليه أبواب الرحمة، وإذا فتحت أبواب الرحمة فلا يغلقها. إذا أخلص العبد لله سبحانه سهل الله له طريق العلم، فجعله محبوباً عند العالم الذي يعلمه، موضوعاً له بالقبول حيثما كان وحيثما تكلم وحيثما سمع، ووضع الله له البركة في جميع ما يكون من أمره. الله أكبر إذا أخلص طالب العلم فخرج من بيته وليس في قلبه إلا الله، فكتب الله له الخطوات والحركات والنفس وما يكون من جميع حاله وشأنه. الله أكبر إذا خرج العالم من بيته، والداعية إلى الله والخطيب إلى مسجده، والواعظ إلى إخوانه وخلانه، يريد أن يعلمهم لله وفي الله وابتغاء ما عند الله ﷻ ، يتمنى من إخلاصه أن هذا العلم بينه وبين الله لا يطلع عليه أحدٌ سواه.

стр. 998

القيام بحقوق العلم أما الأمر الثاني فإن الله جعل للعلم حقوقاً عظيمة، من وفاها فإن الله سبحانه يبارك له في ذلك العلم. ولن يستطيع طالب العلم أن ينال العلم؛ من وجهه إلا إذا أدى حقوق العلم؛ ولن يستطيع العالم أن يجد لذة علمه فيكون علماً نافعاً مباركاً فيه إلا إذا أدى الحقوق التي عليه، فالحق الذي على العالم هو أن ينصح للأمة، وأن يكون صادقاً مع الله ﷻ ، مشفقاً على الخلق، فإن رسول الأمة ﷺ ملأ الله قلبه بالرحمة فكان ﷺ بالمؤمنين رءوفاً رحيماً ﷺ ، كان ﵊ رحمة للناس، فإذا كان العالم قد سكنت الرحمة في قلبه، وعرف حقوق الناس عليه، بذل لهم هذا العلم، وضحى وقدم الغالي والرخيص، والمهجة والنفس والنفيس؛ من أجل مرضاة الله ، إن العالم عليه حقٌ وهو أن يعلِّم الجاهل، وإذا وقف الجاهل على بابه وجب عليه أن يعلِّمه، وأن يرشده، وأن يدله، وأن يأخذ بمجامع قلبه إلى الله ، فإن كان مذنباً رغبه في التوبة والإنابة إلى الله، وإن كان مسيئاً رغبه في الإحسان وعمل أهل الإيمان حتى يفوز بالرحمة والجنان، وإن كان مخطئاً سدده وأرشده، ودله على ما فيه مرضاة الله ﷻ . إن العالم عليه أمانة عظيمة ومسئولية جليلة كريمة، أن يبذل كل ما يستطيع لتعليم الناس وتوجيههم، والله معه يسدده ويعينه ويوفقه، إن أهل الدنيا يعينون من وقف معهم في تجاراتهم وبيعهم وشرائهم فكيف بمن يتاجر مع الله، وابتغاء مرضاة الله. قد يخرج العالم إلى درسه وموعظته مشتت الفكر من هموم الدنيا وأحزانها، ولكن الله يحبه ويحب علمه فيجمع الله له الأمر في قلبه، فيزيح عنه همه وغمه فيوفقه ويسدده، ومن نظر إلى أحوال العلماء وجد أن معهم من الله عوناً وظهيراً، وأن هذه العلوم والكتب والدروس والمواعظ وهذا الخير الكثير، لن يكون بحول أحدٍ ولا قوته كائنٌ من كان؛ إلا بحول الله وقوته . العالم عليه أمانة عظيمة في توجيه الناس ودلالتهم للخير، وإن في قصص العلماء عظة وعبرة، خرجت ذات يوم مع الوالد ﵀ برحمته الواسعة، بعد درسه بعد صلاة الظهر، وكان يوماً شديد الحر في الصيف، فاستوقفه رجلٌ من العامة وهو منهكٌ بعد درسه ما يقرب من ساعة إلا ربعاً في عز الظهيرة والشمس على رأسه والرجل يسأل ويناشده ويكرر المسألة، وهو يراوح بين القدم والأخرى، والله ما كهره ولا شتمه ولا طرده ولا مله ولا أشعره بالسآمة حتى قضى له جميع أمره، فانطلق الرجل وهو يثني ويبتهل إلى الله ﷻ بالدعوات فلما ولى وانصرف كنت حديث السن قلت: يا أبي! إن هذا قد شق عليك -فضغط على يدي- وقال: والله يا بني لا يحل لي أن تبرح قدمي عن قدمه حتى أجيبه على سؤاله، إذا علم العالم أن الأمانة عظيمة والمسئولية كبيرة، بذل نفسه ووقته وعمره بالتجارة مع الله، فيسهر ليله وهو يعلم أن هذا السهر يخط في صحيفة عمله، ويضني جسده ويتعب فكره وهو يبحث عن المسائل، ويحل بإذن الله المعضلات والنوازل، والله يكتب أجرها لكي يراها أمام عينيه في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

стр. 999

حقوق الأمة على العالم

стр. 1000

تلمس القلوب وتبيين الحق لها إن مما ينبغي على العالم أن يلمس شغاف القلوب، فإن قلوب المؤمنين تنتظر من العالم أن يفتحها بإذن الله بكلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فيعد للأمر عدته، فيتسلح بسلاح العلم النافع الموروث من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، إذا قدم أحدٌ على العلم فواجبٌ عليه أن يضبط المسائل وأن ينصح للأمة في الجد والاجتهاد والعزيمة الصادقة للوصول إلى الحق، والبحث عن المسائل، ومعرفة أصول النوازل، حتى يكشف للأمة جلي الحق، فيعظم الله له الأجر والمثوبة، ولا بد للعالم من أن يضحي وأن يخرج للأمة هذا العلم النافع الموروث من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد ذكر العلماء هذا الحق في حق النصيحة فإن النصيحة الواجبة على العلماء تجاه الأمة: أن يبينوا الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والهدى من الضلال ويرشدوا العباد إلى صلاح الدنيا والمعاد، ولن يكون ذلك إلا ببصيرة ودليلٍ من كتاب الله وسنة النبي ﷺ .

стр. 1001

تعليم الأمة الأفضل والأحسن من الحقوق التي ينبغي للعالم أن يراعيها في علمه تجاه الناس وتجاه الخلق: أن يختار لهم أفضل ما يجده، وأحسن ما يجده، لكي يقدمه من العلوم النافعة، فكما أنه واجبٌ عليه أن يتقن العلوم، كذلك يختار أهمها وأولاها وأحقها، وهو: توحيد الله ، وبيان ما لله من حقوقٍ في إخلاص العمل لوجهه، وصدق المعاملة معه ، فيأخذ بمجامع القلوب لله بإخلاص العبودية لله ، فأفضل العلوم وأحبها إليه هو التوحيد، قال ﷺ لـ معاذ بن جبل: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله). كذلك عليه حقٌ عظيم وهو: أن يبين للناس الأحكام، والمسائل العملية المتعلقة بالعبادات والمعاملات، فيبين هدي رسول ﷺ في عبادته، في طهوره وصلاته، وكيفية أدائه للحقوق التي أوجبها الله وفرضها، فيصف للناس صلاة رسول الله ﷺ ، كأنهم ينظرون إلى نبي الأمة ﷺ في خشوعه وتذلله وخضوعه، وموقفه بين يدي ربه، كيف كان يركع، ويسجد، ويقف مع كل صغيرة وكبيرة من هديه صلوات الله وسلامه عليه، إذا فعل ذلك نصح للأمة، وبين لها دينها وأقامها على الهدى من سبيلها، فأصبحت على خيرٍ ورحمة وفضلٍ كثير. كذلك على العالم أن ينصح للأمة فيجمع القلوب على دين الله ﷻ ، فالنصيحة واجبة على العلماء فعليهم أن يجمعوا الناس ولا يفرقوهم، وأن يحببوا بعضهم إلى بعض ويؤلفوا بينهم ولا يشتتوهم، فإن الله جمعنا بالإسلام، وألف بين أرواحنا بالقرآن، الله ربنا والإسلام ديننا، وخير خلق الله ﷺ نبينا ورسولنا فلماذا نختلف، ونفترق فيدعوهم إلى الأصل الأصيل من كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، ويبين للناس هذا الأمر الذي عليه صلاح العباد، من اجتماع الكلمة وتآلف القلوب، فيكون حريصاً على ذلك أيما حرص؛ لأن الله امتن على نبيه ﷺ باجتماع الكلمة، وتآلف الأرواح، ولذلك يقول ﷺ ، مبيناً حقيقة الإسلام والإيمان: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد) لا يمكن للمسلمين أن يكونوا كمثل الجسد الواحد، إلا إذا كان العلماء والدعاة والهداة إلى الله على قلب رجلٍ واحد يقولون بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ ، ويعملون بذلك ويحتكمون إليه، هذا من أعظم الواجبات وآكد الحقوق والأمانات على العلماء؛ لأن الأمة إذا تشتت وتفرق جمعها؛ فإن القلوب تمتلئ بالضغائن فيتشتت الخلق ويصبح علم الإنسان في بعض الأحيان وبالاً عليه -نسأل الله السلامة والعافية- ينصح المسلم لإخوانه المسلمين ويجمع كلمتهم على الخير والبر. انظر إلى عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه صاحب السوادين والنعلين كان ﵁ وأرضاه، الصحابي الوحيد الذي يدخل على رسول الله ﷺ من دون استئذان، يقول له: (أذنت لك أن تسمع سوادي حتى أنهاك وأن ترفع الحجاب) فكان يدخل على النبي ﷺ في ليله ونهاره ﵁ وأرضاه، وجعل أعالي الفردوس مسكنه ومثواه، هذا الصحابي الجليل مع علمه وفضله يقول فيه حذيفة: [ولقد علم المحفوظون من أصحاب رسول ﷺ ، أن ابن أم عبد أعلمهم وأقربهم هدياً وسمتاً ودلاً برسول الله ﷺ ] كان أعلم الصحابة بالسنة وأعلمهم بهديه، ومع ذلك لما صلى عثمان رضي الله تعالى عنه بالمسلمين وذلك في حجته الأخيرة وأتم الصلاة، أتم الصلاة عبد الله بن مسعود وراءه فقيل له في ذلك، فقال ﵁: [الخلاف شر] فآثر أن تجتمع الكلمة على عثمان ﵁ وأرضاه وهذا من علمه وفقهه. وكذلك عمر بن الخطاب يراجع أبا بكر رضي الله عن الجميع وأرضاهم، فهو يراجعه في المسألة ويقول: (كيف تقاتل قوماً يشهدون أن لا إله إلا الله وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله). فقال له أبو بكر ﵁ وأرضاه: [والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة وإنها لقرينتها في كتاب الله]. قال عمر ﵁ وأرضاه: [فما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر لذلك فعلمت أنه الحق] اجتماع قلوب العلماء وائتلافها على الكتاب والسنة وعلى الهدي الصالح لسلف الأمة ﵃ وأرضاهم، ورحمهم الله برحمته الواسعة، أمرٌ مطلوب ومحببٌ ومرغوب، لن تجد الأمة في عز مكانتها ولا قوة شأنها إلا إذا اعتصمت بكتاب ربها وأتلفت أرواحها دفاعاً عن دينها، وأما الشتات والفرقة وغير ذلك مما لا تحمد عاقبته فإنه ضياعٌ للكلمة، وذهابٌ للهيبة، وسببٌ للفشل، قال الله : ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦].

стр. 1002

سكون رحمة الأمة في قلب العالم أما الأمر الثاني: فينبغي أن تسكن الرحمة في قلبه، فلن يستطيع العالم أن يبلغ رسالة الله، وأن ينصح للأمة إلا إذا أسكن الله الرحمة في قلبه، فإذا جاءه الحائر جاءه التائه جاءه مشتت الفكر جاءه السفيه بسفهه، والجاهل بجهله، تلقاه بالرحمة، التي يوفقه الله بها ويسدده بها لحسن العمل والتصرف، ولذلك قال الله لنبيه ﷺ يمتن عليه بنعمته: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] فأمره الله بالعفو والصفح والرحمة، فلا إله إلا الله إذا سكنت الرحمة في قلوب العلماء، لا إله إلا الله إذا أصبح العالم مشفقاً على الأمة رحيماً بها، إذا جاءه الجاهل تلقاه بالرحمة وتلقاه بالحنان والعطف، كوالد يعطف على ولده، وإذا جاءه المسيء وقد قنط من رحمة الله، ويئس من روح الله، وجد عنده الكلمات المضيئة والنصائح الغالية، ووجد عنده كلمات تدل على أن وراءها قلباً يخاف الله مليئاً بالرحمة يحتسب ثوابها عند الله سبحانه، اقرءوا في تراجم العلماء وستجدون فيها الآثار الكريمة والصفحات المضيئة التي تدل على الشفقة وحب الخير للأمة، ولن يُفلح العالم إلا إذا مُلئ قلبه بالرحمة وبقدر فوات هذه الرحمة، يفوت الخير الكثير. الرحمة: هي التي يقف فيها العالم للفقير، الرحمة: هي التي لا يمكن للعالم أن يميز فيها بين الناس فيرى الناس، في عينه سواسية لا فضل لأحدٍ على أحد إلا بتقوى الله ، إنها الرحمة التي أمر الله بها نبيه ﷺ ، بل وعاتبه من فوق سبع سماوات حينما جاءه الأعمى وهو يخشى يريد أن يتزكى، فكان ما كان من رسول الأمة ﷺ اجتهاداً في الخير فقال الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١ - ٤] فالرحمة لا بد منها، وبها يستطيع العالم بإذن الله أن يسع الناس بحلمه وعطفه وإحسانه وبره.

стр. 1003

التضحية لهذه الأمة أول ما ينبغي على العالم: أن يضحي لهذه الأمة، وأن يبذل من وقته وجهده وفكره وتعبه ما يرجو به رحمة الله .

стр. 1004

الحقوق التي ينبغي للعالم أن يلم بها هناك حقوق ينبغي على العالم أن يلم بها، وان يتفقد نفسه دائماً للوصول إلى مراتبها العالية ومنازلها السامية الغالية، ومن أعظمها وأجلها.

стр. 1005

ترسّم هدي النبي ﷺ في الأخلاق أن يترسم هدي النبي ﷺ في خُلقه وما كان عليه النبي ﵊، من الإلف والقرب من الناس، كان الصغير يحس كأن رسول الله ﷺ له، وكان الفقير يشعر كأن رسول الله ﷺ له، وكان الحقير من الناس وغيرهم من عامتهم الذين لا جاه لهم ولا قوة يحسون بقربه صلوات الله وسلامه عليه، كان موطأ الكنف، وكان ﷺ في أخلاقه وشمائله يجذب الناس إلى علمه، وما قذف الله في قلبه من النبوة والرسالة، يقول جرير بن عبد الله ﵁ وأرضاه واصفاً النبي ﷺ وما كان عليه من طلاقة الوجه، وديمومة السرور قال ﵁ وأرضاه: (ما لقيت النبي ﷺ إلا تبسم في وجهي) فإذا تبسم العالم فإن هذه الابتسامة كريمة وثقيلة في قلوب الناس؛ لأنها تدل على التواضع والكمال والفضل، وتدل على أنه قريبٌ من الناس، فالعالم يحمل هموماً لا يعلمها إلا الله ﷻ ، ولكنه إذا تبسم تبسمَ الواثق بما عند الله سبحانه، يتبسم كتبسم النبي ﷺ ليشتري بها رحمة الله ومرضاته، لا يتبسم للدنيا، ولا يتبسم للجاه ولا للسمعة ولا للرياء، ولكن لله وفي الله وابتغاء ما عند الله ﷻ : كان ﷺ يأتيه الرجل -بطيشه وخفته وحمقه- فيجذبه من ردائه صلوات الله وسلامه عليه، فما هو إلا أن يصرف وجهه إليه فيتبسم -ولا يلقى العنف بالعنف، ولا يرد السيئة- بالسيئة صلوات الله وسلامه عليه إذا كملت فضائل العالم وكملت أخلاقه، طابت أقواله وأحس من كان قريباً منه بفضله ونبله، قال أنس بن مالك ﵁ وأرضاه، وهو يبين لنا هديه ﵊، وخلقه الكامل الفاضل: [لقد صحبت رسول الله ﷺ عشر سنين والله ما قال لي يوماً قط أف] ﷺ . إذا كمل العالم كملت أخلاقه وآدابه، وشمائله وفضائله، فقد أوصى العلماء وأهل العلم أن يكونوا كذلك، فإذا تواضع العلماء ملكوا قلوب الناس، وكان ذلك من أعظم الأسباب التي تعين على حب الدين والقرب منه وإلف العلماء والقرب منهم يعين على خيرٍ كثير. إن كريم الأصل كلما ازداد من خيرٍ تواضع وانحنى وينبغي على العالم أن يترسم هدي النبي ﷺ في خلقه، سواءً كان مع العدو أو الصديق، مع الصغير أو الكبير، فقد كان ﷺ إذا سمع بكاء الصبي في الصلاة أشفق على أمه فخفف في صلاته، ولما تكلم معاوية بن الحكم ﵁ في الصلاة، قال معاوية: (فبأبي وأمي ما رأيت معلماً كرسول الله ﷺ والله ما كهرني ولا شتمني ولكن قال: من الذي قال كذا وكذا آنفاً؟ فقلت: أنا يا رسول الله قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ... ) الحديث فكان ﷺ يتعاطى أسباب التأثير في الناس، فالتواضع خلق لا بد للعالم أن يتخلق به، وإذا تواضع العالم استطاع المهموم والمغموم والمحزون والمكروب أن يبث حزنه، وأن يبدي ما عنده من الهم والغم، فإذا وجد العالم موطأ الكنف أحس أنه كوالده، وأنه سيشفق عليه ويرحمه أكثر من رحمة الأم بولدها؛ لأن رحمة العالم نابعةٌ من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فهي نابعة من الدين، وأما حنان الأم وعطفها فنابعٌ من الدنيا، وشتان ما بينهما، ولذلك كان بعض أهل العلم يقول: أستحب للعالم ألا يبالغ في لباسه، فلا يبالغ في التجمل؛ لأنه إذا بالغ في التجمل والزينة ولبس غالي الثياب، احتقر الفقير نفسه إذا جلس بين يديه، وأستحب له أن لا يتبذل في ثيابه، فإذا جاء الغني ترفع عن سؤاله، ولكن يكون بينهما واسطة، حتى إذا رآه الفقير ألفه، وإذا رآه الغني ألفه فالوسط خيرٌ ومحمودٌ في الأمور كلها.

стр. 1006

تعاطي أسباب قبول العلم ينبغي للعالم أن يتعاطى الأسباب لقبول علمه حيث أن الكلمة الطيبة من العالم طيبة ومؤثرة ومقبولة عند الناس، ومن رفع الله قدره بالعلم فطيب كلامه وأصبح يوجه الناس بالكلمات المؤثرة فإن الله يعظم أجره بعلمه، ولذلك كان ﷺ لا يجرح الناس، وكان ﷺ لا يؤذي الناس بلسانه، جعل نبوته ورسالته مليئة بالعطف والحنان حتى في الكلمة التي يلقيها ناصحاً ومؤثراً، كان ﷺ إذا رقى منبره يقول وهو يثرِّب على أقوامٍ فيما أخطئوا فيه: (ما بال أقوام) ما كان ﷺ صخاباً ولا لعاناً، ولما قنت يدعو على رعل وذكوان وعصية التي عصت الله ورسوله أنزل الله عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] وفي السير: أنه أوحي إليه إننا لم نبعثك صخاباً ولا لعاناً إنما بعثناك رحمة للعالمين، فكان ﷺ في إلفه وتواضعه نموذجاًَ لكل عالم. أتى عدي بن حاتم الطائي ﵁ وأرضاه، وهو على النصرانية، أتى يريد أن يرى حال النبي ﷺ ، وحال هذا المعلم الفاضل الكامل ﷺ وذلك بعد أن كتبت له أخته سفّانة تصف له ما كان عليه ﷺ ، فلما أتى عليه قال: [فمضيت معه، فاستوقفته امرأة وهو في الطريق] استوقفت المعلم المربي وهادي الأمة ودالها على الخير، قال: [فوقف لها حتى قضى حاجتها، فقلت: والله ما هذه إلا أخلاق الأنبياء؛ قال: ثم انطلق فاستوقفه صبي فوقف معه، والله ما نزع يده من يده حتى قضى له حاجته، فقلت: والله ما هذه إلا أخلاق الأنبياء، قال: فلما دخلت البيت رمى لي بعرض الوسادة إكراماً لـ عدي؛ لأن الضيف يكرم ضيفه وهذه من شيم المسلم، فقلت والله ما هذه إلا أخلاق الأنبياء أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله] فأسلم ﵁ وأرضاه. وأسر ثمامة بن أثال وربطه في المسجد ثلاثة أيام؛ لكي يرى النبي ﷺ مع أصحابه، ويرى مدرسة الإسلام الأولى، ورسول ﷺ يوجه ويعلم ويسدد ويدل على الخير، فلما مضت الثلاثة الأيام وفي كل يوم يقول: (ما وراءك يا ثمامة؟ فقال له: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعفو، تعفو عن كريم -أي: من لا ينسى الفضل- فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق ثمامة ﵁ إلى الحائط) انطلق لا مجبراً على الإسلام ولا مكرهاً عليه، انطلق بمحض اختياره، لكن قلبه مأسور بمحبة رسول الله ﷺ فاغتسل بالحائط ثم جاء ووقف على رسول الله ﷺ وقال: [يا محمد: لقد كان دينك أبغض الأديان إلي، ووجهك أبغض الوجوه إلي، فأصبح دينك أحب الأديان إلي، ووجهك أحب الوجوه إلي] حينما رأى الشمائل والفضائل والآداب، حينما رأى التعليم على أكمل ما يكون من رسول الأمة ﷺ . إن القلوب تُملك بالأخلاق وبالآداب، فإذا تحلى العالم بالخلق الكريم أحبته القلوب وألفته واقتربت منه وأحست أنه خليقٌ بالحب والود والإجلال والإكرام. إن العالم إذا سعى فإن للناس عليه حقوقاً فيجعل من يجلس معه أنه يحبه ويريد له خيراً فيتواضع له، وكأنه يشعر أن الفضل للناس وليس له، فإذا شعر بذلك تواضع للناس، وكان حليفاً قريباً من الناس، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا لذلك، وأن يجعلنا من أهله إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1007

حقوق ينبغي على طالب العلم حفظها كما أن على العلماء حقوقاً كذلك على طلاب العلم عليهم حقوق ينبغي عليهم أن يحفظوها ولا يضيعوها، ويؤدوها إلى أهلها كاملة على الوجه الذي يرضي الله، وأعظمها كما ذكرنا حق الإخلاص. ثم على طالب العلم أن يعلم أن أول ما ينبغي عليه أن يقذف حب هذا العلم في قلبه، فإذا أحببت العلم أحببت أهله، وأحببت من حمل كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ووقعت محبتك لله، فأظلك الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، من أحب لله فإن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فتحب العلماء، فإذا أحببت قوماً حشرت معهم، قال: (يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، قال ﷺ : أنت مع من أحببت) فمن أحب العلماء فإنه سيبحث عن علمهم، ومن أحب العلم طلبه وجدَّ واجتهد حتى يحصله، لقد ملك الدينار والدرهم قلوب أناس فسهرت عيونهم، وتعبت أجسادهم، وذلوا وأهانوا كرامتهم ومع ذلك لم يشعروا بتعبٍ ولا نصب، الله أكبر! ترى التاجر في موسمه الذي يبيع فيه التجارة الغالية، تراه يسهر ويتعب ويأتيه أرذال الناس، فيقف معهم ويتحمل ما يكون منهم من زلة وخللٍ وخطأ لعلمه بشرف الدرهم في نفسه، فمات قلبه وتعلق بالدينار والدرهم، فبذل كل ما يجده من أجل الوصول إلى ما يحب، ولله المثل الأعلى.

стр. 1008

مراعاة حقوق إخوانه من طلاب العلم على طالب العلم أن ينتبه لحقوق إخوانه من طلاب العلم، فإن العلم رحمٌ بين أهله، فعلى طلاب العلم أن ينتشر بينهم الحب والود وأخلاق الإسلام، فإنه إذا كان طلاب العلم قريبين من هذا الهدي الذي أدب الله عليه المؤمنين وجدت الرحمة بينهم، ووجدتهم متعاونين متعاطفين متآلفين متكاتفين، فإذا وجدتهم كذلك حمدت الله سبحانه، ولا يزال الإسلام بخير ما تراحم طلاب العلم، أما إذا انتشر بينهم الحسد والبغضاء، والعداوة والشحناء تفرقوا وتشتتوا وشغلوا عن طلب العلم، إياك أن تطعن في العلماء، وتشتت عنهم طلاب العلم، فبعض طلاب العلم يقدح في شيخ غيره، وبعضهم يريد أن طلاب العلم عند شيخه، وعند العالم الذي يتعلم على يده لا وألف لا، ويأبى الله ويأبى رسوله ﷺ أن تشتت شمل إخوانك، وأن تطعن في علمائك بدون وجه حق، إن كنت تتعلم العلم على عالم وضع الله له الخير والبركة، ووضع الخير والبركة في غيره من العلماء فكلٌ له حقٌ عليك، فاحفظ حقوق العلماء، وإياك أن تصرف همة طلاب العلم الذين أحبهم مشايخهم وعلماؤهم إلى شيخك فقط، هذا من الغلو الذي لا يأذن الله به، ولا يأذن به رسوله ﷺ ، قال ﷺ : (إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) فلا تغلُ في شيخك ولا تبالغ في تعظيمه، بحيث تحتسب أن الأمة مفتقرة لعلمه وحده دون غيره، فإن الله سبحانه وضع فضله حيث شاء، فاعترف لأهل العلم بفضلهم، وعلو مكانتهم، عندما كان طلاب العلم يثنون على العلماء، ويمجدونهم ويوقرونهم كان الناس بخير، ولكن لما أصبح طلاب العلم يتكلم بعضهم في مشايخ البعض، ذهبت هيبة العلماء، وأصبحت عورات العلماء مكشوفة، فكل من يتحدث عن عالم يذكره بعورة، ولم يذكر عالم إلا وذكرت له لمزة أو زلة وإنا لله وإنا إليه راجعون، والله لا خير في الأمة إذا أصبحت تكشف عورات علمائها، ولا تتقي الله في علمائها، ولا تحفظ لهم كرامة، ولا ترعى فيهم إلاً ولا ذمة، على الإنسان إن يتقي الله، وأن يعلم أن أهل العلم حملة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لهم علينا حقوق عظيمة. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يسلمنا ويسلم منا، وأن يرزقنا الإخلاص، ويتقبل منا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1009

البذل والتضحية على طالب العلم أيضاً أن يعلم أن عليه أن يجد ويجتهد، فإن العلم يحتاج إلى تضحية ويحتاج إلى تعبٍ وعناء، وأعز ما يملكه الإنسان في طلب العلم وقته، فإذا رأيت طالب العلم حريصاً على الوقت ألا يذهب سدىً، وألا يذهب هدراً، فاعلم أنه طالب علمٍ موفق، وأما إذا هان عليه وقته لكي يلتقي بهذا ويسهر مع هذا ويحادث هذا ويمزح مع هذا، فذهب وقته في اللقاءات والزيارات ذهب عليه من العلم خير كثير، ولذلك قالوا في الحكمة: "أعط العلم كلك يعطك بعضه" فكيف بمن أعطى العلم بعضه، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يلهمنا السداد والرشاد في القول والعمل، وأسأله تعالى أن يجعل علمنا نافعاً، وعملنا صالحاً خالصاً لوجهه الكريم.

стр. 1010

مراعاة الأدب مع العلماء كذلك أيضاً ينبغي أن يراعي الأدب مع العلماء، ومن كمل أدبه في الطلب كمل تحصيله، ولذلك جبلت القلوب على حب من كملت أخلاقه، فإذا نظرت إلى طلاب العلم، فانظر إلى ذلك الطالب الذي تأثر في قوله وفعله فظهر ما خفي في قلبه من الحب للعلماء على لسانه وجوارحه وأركانه، والله ما أخفيت في قلبك من سريرة تريد بها رحمة الله إلا أظهرها الله في جوارحك، ولذلك من ملأ قلبه بمحبة العلماء وجدت آثار ذلك في تعامله معهم، كان ابن عباس ﵁ وأرضاه طالباً من طلاب العلم، توفي رسول ﷺ وهو راضٍ عنه فدعا له بالعلم فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) فلما توفي رسول الله ﷺ أقبل على زيد بن ثابت عالم الكتاب الذي كان آية في العلم في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فكان يأتي في شدة الظهيرة فينام على عتبة زيد، ينام مع علو نسبه ومكانته وشرفه، ينام على تلك العتبة لعلمه بما عند الله من الثواب والأجر، فكان زيد ﵀ ورضي عنه يقول: [هلاَّ أيقظتني] وكان لا يوقظ عالماً من علماء الصحابة رضوان الله عليهم، ويقول: [لو شئت أن أقول للأمة التي تخدمه: أيقضيه لأيقظته] وكان ذلك من أحب ما يكون لأصحاب رسول الله ﷺ ، ومع ذلك لا يوقظه ولا يزعجه، فطالب العلم لا بد أن يقدم الثمن والتضحية في الأدب، وإذا رأى العالم منك خصلتين الأولى: الأدب والخلق الحميد، والثانية: صدق الرغبة، أحب أن ينفعك، وجد واجتهد على أن يبذل لك. ومن عجائب ما ذكروا أنه نزل بدمشق عالم من علماء الحديث، فجاءه طالب علم، فرأى كثرة الناس حوله فلم يستطع الوصول إليه، فاختار ساعة السحَر وهي في جوف الليل قبل الفجر بما يقرب من ساعة، فجاءه فقرع الباب على العالم فلما خرج ذلك العالم قال: ماذا تريد؟ قال: أريد أن تعلمني مما علمك الله يرحمك الله، فما كان من ذلك العالم إلا أن أخذ الباب وصكه في وجهه بقوة، فما كان من هذا الطالب الموفق إلا أن فرش عمامته، وتلحف رداءه في شدة البرد، وانتظر خروج العالم لصلاة الفجر، فلما خرج العالم ورآه أخذه وضمه إلى صدره وقال: لقد أردت أن أختبر صدق رغبتك في العلم. كانوا يؤذون الطلاب قبل الطلب حتى يعلموا هل هم صادقون، وأذكر بعض المشايخ الكبار رحمة الله عليهم، أنه كان إذا جاءه الطالب في أول مجلسه أغلظ عليه قليلاً، حتى ينظر هل هو صادق في إرادة العلم؟ وهل هو من أولي القوة والعزم؟ لأن العلم ثقيل والله يقول: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل:٥] والثقيل لا يحمله إلا أولي العزم وأهل القوة الذين لهم صبرٌ وجلد على طاعة الله ومرضاته، فقد كانوا يختبرونهم بالقرع والتوبيخ لينظروا مدى تحملهم؛ لأنهم غداً سوف يأتيهم السفهاء والجهلاء، فإذا رأوا أمامهم من هو قوي الشكيمة صادق العزيمة، علَّموه وأعطوه من العلم مما علمهم الله، فينبغي لطالب العلم أن يظهر للعالم هاتين الخصلتين، وأفضلهما وأكرمهما: حسن الخلق؛ لأن النبي ﷺ ، فضل حسن الخلق وقال: (خيركم خيركم لأهله) وقال: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) وقال ﷺ : (ما من شيءٍ أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من تقوى الله وحسن الخلق) نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا التقوى، وأن يرزقنا كمال الخلق إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1011

محبة العلم وأهله إذا أحب طالب العلم العلم تذلل له، وطلب هذا العلم وبحث عنه، ولذلك لما ملكت محبة العلم العلماء والسلف الصالح من هذه الأمة والتابعين لهم بإحسانٍ طلبوا هذا العلم، وضحوا من أجله، فأسهروا ليلهم، وأتعبوا أجسادهم، وخطت أيديهم فما ملت ولا تعبت ولا سئمت، والله إن قرأت سير العلماء وتأملت تراجم النبلاء عجبت مما كان عليه القوم، كان بعض طلاب العلم يجلس لتهيئة الطعام وهو في شدة الجوع، وشدة الحاجة إلى الطعام فيُقال له: إن مجلس العلم بمسجد كذا قد عقد فيترك الطعام ويذهب إليه، الله أكبر! إذا ملكت محبة العلم شغاف القلوب، وأصبح الإنسان يحب هذا العلم، إذا أحبه محبةً كاملة نفعه الله نفعاً كاملاً، فينبغي على طالب العلم: أن يحس أن محبة العلم فرضاً عليه حتى يقوم بحقه كما ينبغي. كذلك إذا أحببت العلم أحببت أهله، ومن أحب العلماء حشره الله مع العلماء، ومن أحب العلماء تأثر بأقوالهم وأفعالهم وما يكون من مواعظهم، ومن أحب العلماء انتفع بعلمهم.

стр. 1012

مزج المحبة بالهيبة والإجلال والإكرام والتقدير كذلك أيضاً: على طالب العلم أن يمزج هذه المحبة بالهيبة والإجلال والإكرام والتقدير، فإن لأهل العلم حقاً عظيماً على الناس كلهم عامتهم وخاصتهم، وإذا رأيت الرجل يقدر العالم ويرفع من مكانته ويعظم من شأنه في حدود الشرع دون غلوٍ ولا تنطع علمت أن وراء ذلك قلباً يخاف الله ﷻ ؛ لأنه يعلم أن الله ملأ قلب هذا العالم بالحكمة وهو يريد به الخير قال ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فإذا علمت أن الله قذف هذا العلم في صدور العلماء لخيرٍ يريد بهم فإن هذا يدعوك إلى كمال محبتهم وتقديرهم وإجلالهم.

стр. 1013

الأسئلة

стр. 1014

نصيحة للشباب بضرورة ملازمة العلماء الأجلاء السؤال نخبركم يا شيخ بحب الشباب لكم واستماعه لكم وكثيرٌ من الشباب يأتي إلى مدينة رسول الله ﷺ لزيارة المسجد النبوي، ونعلم أن لكم دروساً في الحرم النبوي فما هي هذه الدروس ومتى تكون؟ الجواب الله المستعان! قال: أتسألوني وفيكم صاحب السوادين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، ما شاء الله أنتم عندكم الشيخ عبد العزيز إمام العلماء، وقدوتهم نسأل الله أن يحفظه، وأدام عليه العفو والعافية، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وإخوانه من العلماء الأجلاء الذين أتمنى أنني والله عند قدم أحدهم أطلب عنده علماً من الكتاب والسنة، والله أقولها من قلبي، والله لا نفاقاً ولا رياءً، وأقولها وإذ أقولها وهو حقٌ من حقوقي، عندكم النعمة العظيمة أنتم تغبطون عليها، وينبغي عليكم أن تحرصوا على هذا الخير والله يسألكم عن هذا خاصة طلاب العلم، عليهم أن يحرصوا على دروس الشيخ حتى ولو كان الشيخ في بعض الأحيان يراعي مستويات الناس، قد يكون هذا العلم الذي تريد أن تتوسع فيه أكثر قد يضع الله لك البركة في هذه الكلمة التي خرجت من هذا العالم الرباني العامل، تنتفع بها وتنفع بها أمماً، العلم مداره على النشر، وقد تأخذ من عالمٍ صادق قليلاً فيضع الله منه من الخير ما لا يحصى، يقول بعض العلماء ﵏: إن الصحابي كان يجلس مع رسول الله ﷺ الساعة والساعتين، فيخرج بعلمٍ كثير من هذا الحديث أو الحديثين لو سمعهم ووعاهم لوضع الله بهم البركة فتنتفع بها أمم، لا إله إلا الله ، ويوجد الأفراد والأحاديث القليلة لبعض الصحابة، ولكن اشتهروا بها، لأنها جمعت مسألة ملازمة، أو حكماً مهماً، فإذا بالله يضع البركة فيها، فأقول: أهم شيء يُبنى عليه من هو أحق وأولى. متى تصل العطاش إلى ارتواء إذا استقت البحارُ من الركايا فأنتم على خير كثير، وأحبب دائماً أن يكون بيننا وفي قلوبنا الإشادة بمثل هؤلاء، لا نشيد بفضلهم وندعو دائماً إلى مجالسهم والتأكيد على الاستفادة منهم ونحن نمنُّ بذلك لا والله، إنما هو قليل من حقوقهم علينا، إن حقهم علينا أكبر، نسأل الله العظيم أن يجزيهم عنا خير الجزاء، اللهم بارك في أعمالهم، وأعمارهم، وانفع بهم الإسلام والمسلمين، وافتح عليهم فتوح العارفين بك، وأحسن لنا الختام، وأدخلنا وإياهم دار السلام إنك أنت الله ذو الجلال والإكرام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 1015

الطريقة المثلى في طلب العلم السؤال جميع الإخوة يقولون لشيخنا نحبك في الله، ونسأل الله أن يجمعنا في دار الكرامة، وهنا أسئلة كثيرة حول الطريقة المثلى لطلب العلم، وما هي الكتب التي تنصحونا بها في بداية الطلب؟ الجواب باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد: فأشهد الله العظيم رب العرش الكريم على حبكم فيه، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا بهذا الحب في دار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أما الطريقة المثلى في طلب العلم فأول ما ينبغي على طالب العلم كما ذكرنا: أن يصلح ما بينه وبين الله بالإخلاص. ثانياً: أن يحرص على وجود عالم صادقٍ قد ورث العلم عن أهل العلم، فإذا وجدت العالم العامل الذي هو على منهج الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح لهذه الأمة فإنه يدلك على ما فيه صلاح دينك ودنياك وآخرتك، فإذاً لا بد من الكتاب والسنة وطبيب هو العالم الرباني، والتوفيق في الطريقة المثلى، والطريقة التي ينبغي أن يسلكها طالب العلم تختلف من شخصٍ إلى آخر، أي: لا أستطيع أن أحدد لك طريقاً سرت أنا عليها مثلاً؛ لأنها قد تنفعني ولا تنفع لك، وقد يكون الإنسان مشغولاً فللمشغول طريقة تتلاءم مع شغله، وللفارغ له طريقة تتلاءم مع فراغه ووقته الواسع، فلا يستطيع الإنسان أن يرسم للناس منهجاً معيناً في الطلب. لكن هناك قواعد عامة وهي: أولها أن تهيئ من نفسك ما يعينك على ضبط العلم، من صدق الرغبة -كما ذكرنا- وقوة العزيمة في طلب هذا العلم والتضحية من أجله. ثانياً: أن تبحث عن عالمٍ صادق وتجلس بين يديه، فينظر إليك، وينظر ما هي حدود إمكانياتك ووقتك وجهدك، وما الذي ترغبه من العلوم، وما الذي هو حريٌ أن يعلمك إياه، فهذا هو الذي يمكن أن يحدد من خلال المنهج والطريقة، هذا بالنسبة للأشخاص وطريقة تناولهم للعلم. أما بالنسبة للعلوم فإن أهم العلوم وأعظمها والأساس التي ينبغي العناية به علم التوحيد والعقيدة؛ لأن ضبط هذا الثغر بلاؤه عظيم وأجره كبيرٌ عند الله ، خاصة إذا كان الإنسان في بيئته وقومه وجماعته وهم يحتاجون إلى هذا العلم؛ لأنه يتأكد عليه أكثر، أما إذا كانت عقائد الناس الذين يعيش بينهم على صلاحٍ واستقامة لكنهم يخلطون في معاملاتهم يتبايعون في الحرام، ويشترون الحرام ويقعون في الآثام فحينئذٍ تركز على المعاملات مع العناية بالأصل، لأن العناية بالأصل سواءً وجد من يحتاجه أو لا يوجد في بيئة الإنسان، لكن يعتني الإنسان بحاجة الناس في أحكامهم أيضاً إذا كانوا على استقامة في عقيدتهم وأصول دينهم، فيقرأ فقه العبادات: من صلاة وزكاة وصيام وحج، وما يتبع ذلك من سائر العبادات، ثم بعد ذلك يقرأ فقه المعاملات المالية: من بيعٍ وشراء وإجارة ورهن وشركات وغير ذلك من المعاملات التي تعم بها البلوى، ثم يدرس المعاملات التي يعيشها قومه، ويتعاملون بها، فيسأل أصحاب السوق عن معاملاتهم وتجارتهم فيكون على خلفية وإلمامٍ وضبط وإتقان حتى يسد هذه الثغرة من الناس. كذلك أيضاً: ينظر الإنسان إلى العلوم المساعدة التي يتمكن بها من ضبط هذا العلم كعلم الأصول، وكذلك علم قواعد العربية التي يضبط بها دلالات الكتاب ودلالات السنة؛ لأن الله جعل القرآن عربياً وبلسانٍ عربيٍ مبين، وبين أن ذلك لكي يعقل ويفهم الناس ما في هذه اللغة من أسرار وحكمٍ عظيمة فعلم اللغة وضبطها والإلمام بها ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣] فهذا علمٌ عزيز، وعلمٌ له مكانته فإنه يساعد على فهم الكتاب وفهم السنة. كذلك أيضاً: يلم بالأمور التي تساعد على ضبط العلوم المتفرقة التي يمكن أن يستعان بها على ضبط الأصول وجماع الخير كله تقوى الله، ومن اتقى الله جعل له من أمره يسرا، ومن اتقى الله جعل له من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، والله تعالى أعلم. أما بالنسبة للكتب فالكتب قد رتبها العلماء، فإنه إذا جاء إلى أي فن يجد هناك كتباً مبسطة يبدأ بها، فالعلم المنضبط أن تبدأ بصغائر العلم قبل كباره، قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩] قيل في تفسير هذه الآية: أن يتعلم صغير العلم قبل كبيره فتأخذ الكتب المطولة بعد إتقانك للكتب المختصرة، وفي كل فن مطولات، وفي كل فن مختصرات، فيبدأ بالكتب المختصرة ويتدرج فيها حتى يلم ويصل إلى معالي الأمور في طلب العلم، والله تعالى أعلم.

стр. 1016

الرحلة في طلب العلم السؤال كان العلماء وطلاب العلم الأولون يتنقلون في البلدان لطلب العلم وتعليمه، والآن ولله الحمد المواصلات والتنقلات أسهل بكثير من ذي قبل، ومن نعم الله أن العلماء أمثالكم يتنقلون ليعلموا الناس فهل من كلمة مناسبة في الرحلة لطلب العلم؟ الجواب الله المستعان، ما أنا إلا طالب من طلاب العلم، وأسأل الله العظيم ألا يغرني بما تقول، وأن يجعلنا خيراً مما تظنون بنا، وأما ما ذكرته من الرحلة في طلب العلم، فإن الرحلة في طلب العلم لا تكون إلا من عبدٍ يريد الله والدار الآخرة، فمن خرج من بيته لله وفي الله وابتغاء مرضاة الله، وهو يحس أن عليه مسئولية أن يبقى مع هذا العلم، وأن يلم به فقد طاب وطاب ممشاه، وتبوأ من الجنة منزلاً، ومن خرج من بيته يريد هذا العلم، ويريد كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، ويريد أن يجلس بين يدي العالم فقد تشبه بالسلف الصالح من صحابة رسول الله ﷺ يوم اغبرت أقدامهم مهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، وهي الهجرة الأخيرة وهي هجرة الوفود؛ لأن الهجرة تنقسم إلى أنواع ومنها هجرة الوفود، فهجرة الوفود: هي التي جاء الناس فيها أفواجاً إلى رسول الله ﷺ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:٢ - ٣] فهاجروا إلى رسول الله ليتعلموا، فإذا وفق الله طالب العلم للهجرة فقد تشبه بالصحابة رضوان الله عليهم، وأرى أن على طالب العلم أن يضحي من أجل هذه الهجرة، إذا كنت لا تستطيع أن تمضي أشهراً فهاجر أسابيع مثلاً في الإجازة، بدلاً من أن يذهب الوقت سدى فسافر إلى المدن التي فيها علماء أجلاء، وتأخذ عنهم العلم، وتضبط على أيديهم العلم، وتحتسب عند الله غربتك، فإن الغربة إذا كانت لله عظم أجرها، وثقل في الميزان ثوابها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. لا إله إلا الله! والله إني لأعجب أن أرى بعض السائقين يسافرون بعض الأحيان مرتين ينتقلون من موضع إلى آخر ويرجعون خلال اليوم، ويقطعون المسافات الشاسعة لأمرٍ: وهو أن يطلبوا الكسب الحلال الطيب في سفرهم بهذا الكد والتعب، ويريدون به المال الحلال عسى الله أن يبارك لهم مما يكون من رزقٍ حلال، فتعجب ألا ترى من سفرهم وغربتهم لا يسأمون ولا يملون ويحسون بالنزهة والراحة فكيف بطلاب العلم، كيف بمن يتاجر مع الله وفي الله، نسأل الله العظيم أن يرزقنا ذلك. الله أكبر! إذا غابت عليك شمس ذلك اليوم وقد غبرت قدمك مهاجراً وطالباً للعلم. الله أكبر! إذا غابت عليك شمس ذلك اليوم من أوله إلى آخره وأنت غريب عن أهلك وولدك لطلب العلم، يكتب لك ذلك اليوم كاملاً في صحيفة عملك، وأنت مغترب لله وفي الله، فنسأل الله العظيم أن يرزقنا صدق العزيمة، وأن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، وعلى طالب العلم إذا تغرب ألا يشكو السآمة والملل، فإن مما يذهب الأجر في الطاعة الشكوى، لا تشتك أبداً، وإن لم تكن ذا همة صادقة، كان الوالد إذا جئت وأنا أشتكي من شيء، يقول: هذا عيبٌ عليك، فأنت في خيرٌ كثير، مثلك يتحدث عن نعمة الله ولا يشتكي، لأن هذا من الضعف والخور، وإذا كان الإنسان في طلب العلم فينبغي أن يكون قوياً جلداً صابراً حتى يكون ذلك أكمل في ميزانه قال موسى بن عمران: ﴿لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ [الكهف:٦٠] ما معناها؟ معناها إلى الأبد ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ [النبأ:٢٣] أبد الأبد، فقال: لا أبرح لا أستقر ولا يمكن أن يهنأ لي عيش حتى أدرك هذا العالم الذي أوحى الله إليه أنه بمجمع البحرين من هو أعلم منك، فعظمت همة موسى بن عمران إلى لقاء الخضر وسؤاله والاستفادة من علمه فقال: ﴿لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ [الكهف:٦٠] هذه هي الهمة الصادقة في أن يغبر الإنسان قدمه في طلب العلم، نسأل الله العظيم أن يجعلنا ذلك الرجل، والله تعالى أعلم.

стр. 1017

نبذة مختصرة عن والد الشيخ وعن منهجه في التعلم والتعليم السؤال فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو إعطاءنا نبذة عن والدكم رحمه الله تعالى ومنهجه في التعلم والتعليم؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: ففي الحقيقة دائماً إذا سئلت عن منهج عالم أو شيخ فالأفضل أن تصرف الهمة لمن هو أكمل وأفضل وهو: نبي الأمة ﷺ ، ينبغي دائماً لطلاب العلم وأهل العلم أن يتذكروا هدي رسول الله ﷺ ، ومهما وجدت من العلماء فإنك سترى البون شاسعاً بينهم وبين ما كان عليه النبي ﵊، فهم على خير وعلى مكانة، لكن ينبغي دائماً أن يكون حديثنا عن هذا الهدي الكامل والداعية إلى الله صلوات الله وسلامه عليه، الذي أثنى الله عليه من فوق سبع سماوات ﷺ تسليماً، ولكن قد يكون ذكر بعض المعاصرين أو بعض من هم قريبون في هذا الزمان فيه عظة وعبرة خاصةً أن بعض طلاب العلم إذا ذكر له العلماء الأوائل يقول: تلك أمة قد خلت وكان الزمان فيه خير، وكان الناس فيهم الخير والبركة، ولكن في زماننا هذا قد يستبعد ذلك، فإذا ذكرت لهم نماذج قريبة فهذا له وقعٌ كبير، لكن مما أتذكر والسؤال مفاجئ، وكثيراً ما أحرج إذا فوجئت بالسؤال عن الوالد ﵀، لكن أشهد لله أنني رأيت ما أقول، وسمعت ما أقول، والله شهيدٌ عما أحدث به، فأشهد لله أنه ما كانت الدنيا تزن عنده شيئاً، ومن أعظم ما وجدت فيه أنه لما انصرف قلبه عن الدنيا، بارك الله له في علمه، والعالم إذا وجدته قد صرف قلبه عن الدنيا فأخذ منها حاجته وانصرف إلى نفع الناس ونفع المسلمين فنعم والله العالم، فكان ﵀ لا يبالي بقليل المال أو كثيره، ويأتيه الراتب، والله لا يمضي نصف الشهر -وهذا يسأله الله عنه ويحاسبه- بل ثلث الشهر إلا وهو يقترض رحمة الله عليه، هذه المائة لفلان، وهذه لفلان وهذه لفلان فيفرق ماله رحمة الله عليه، وكنت أتولى له الصدقات وهذا شيء رأيته بنفسي حيث أنه لا يبقي من راتبه شيئاً. كانت الدنيا لا تسوى عنده شيئاً، حتى أنه ذات مرة من عجائب ما رأيت فيه: أنه كانت له مزرعة فحفر فيها بئراً بأكثر من مائة ألف، فلما حفر البئر وانتهى منه الحافر، جاء يقول له: إن البئر ليس فيها ماء، وهذه مصيبة عظيمة وليس بالشيء الهين، مائة ألف ولا يجد الإنسان فيها ماء فقال: هذا الرجل -يريد أن يهون على الوالد رحمة الله عليه- يقول: إن شاء الله مستقبلاً الماء سيكثر، وكان يريد أن يمهد، فقال له الوالد: حسبك يا بني -يخاطب هذا الرجل- والله لو ذهبت هذه المزرعة كلها فإني راضٍ عن الله، يعني لا تظن أن الأمر، أو الخطب كبير، إن جاء شيء فالحمد لله، ونريدها من مرضاة الله، وإن لم يأت شيء فما عند الله أعظم مما عندنا. الشيء الثالث أنا أذكر نماذج دنيوية وقعت له، تترجم عما قلته. أولاً: أن الدنيا لا تسوى عنده شيء، كان ﵀ كثيراً ما يوصيني في المزرعة بأن أتصدق بثمر البستان، وأذكر أنه لا يأخذ من هذه المزرعة إلا قدر ما يحتاج لإصلاح المزرعة، فكنت استعين بعد الله برجل، كان من حفظة كتاب الله ، ومن خيار من عرفتهم من الجماعة ديناً وخلقاً واستقامة، وكان زميلاً للوالد في طلب العلم، فكان يعرف الأيتام والأرامل، فهذا الرجل رحمة الله عليه كان يتولى الصدقات، فلما تولى صدقات الوالد ﵀ توفي الوالد قبله، فأكثر من مرة يراه في بستانٍ عظيم وثمار وجنات ويقول: هذا كله لي، فكان من عاجل البشرى له ﵀ بعد الموت، الرجل الذي كان يتصدق بدنيا الوالد، ويقيمها للفقراء والضعفاء إذا به يبشر بعد موته من عاجل البشرى بالرؤية الصالحة، كان يبشر ويقول: رأيته وهو في جنة، وتارةً يقول: أراه في بساتين خضراء، وفيها ثمار عجيبة فأقول: ما هذا؟ فيقول: هذا كله لي ﵀ رحمةً واسعة. ومما رأيته في العلم أنه كان ﵀ لا يمكن أن يتكلم في مسألة إلا وهو يعلمها، أما الشيء الذي لا يعلمه لو يأتي الخلق على أن يدفعوه للتكلم فيه، لا يمكن أن يتكلم فيه بحرفٍ واحد، وما أعلمه تكلم فيه، ﵀ برحمةٍ واسعة، يقول: هذا شيء لا أعلمه فلا يستحي أمام الناس والجمهور في الملأ والخاصة أن يقول لك: لا أدري لا أدري، وهذا لا شك أنه نعمة من الله على العالم أن يكون عفيفاً صادقاً ينبئ عن علمٍ صادق، وهذا هو العلم الموروث عن النبي ﷺ ، أن يتكلم الإنسان عن علمٍ ومعرفة. أما الأمر الثاني: فكان لا يضيع وقته، ولا يرضى لأحد أن يضيع وقته في القيل والقال، وهذا مشهود له ﵀ حتى بين الجماعة لو خرجوا في نزهة أو طلعة، فإذا وجدهم في علم ومذاكرة جلس معهم، وإذا لم يجدهم في علمٍ انتحى جانباً وقل أن يخرج لنزهة أو مع الجماعة إلا ومعه الكتاب، فإذا رآهم على ذكر الله جلس معهم، وإن رأى غيبةً أو نميمة نصح، فإن لم يُنتصح انسحب وجلس تحت شجرة حتى يطيب خواطرهم فيتربع ثم ينصرف ﵀ وهو راشد. أما الأمر الثالث: فكان شديداً في علمه، لا يسمح لجاهل أن يستطيل على العلم، كان متواضعاً وقريباً من الناس، لكن أن يأتي الجاهل لكي يستطيل على دين الله وشرع الله فلا، فكان إذا جاء العقلاني يدخل عقله في النصوص السمعية إذا بذلك الوالد الأليف القريب من الناس ينقلب كالأسد ولا يجامل الكبير ولا الصغير، ويقول له: اسكت هذا شيءٌ لا علم لك به، ولا تخض فيما لا علم لك به، ولو كان من أعلم الناس يتكلم في الدين أو الشرع بدون بينة ولا علم يرد عليه في وجهه، ولا يسمح لأحدٍ أن يتكلم بحضرته بعلمٍ لا يحسنه، فإذا جاء أحد يخوض بالعقلانيات في وسائل السمعيات كهره، وهكذا لو جاء الطالب يبحث ويتكلف في العلم ويتنطع في السؤال عن الأمور الغيبية وكيف يحدث هذا وكيف يقع كان ﵀ يتغير ومن عجائب ما كان يفعله! كان في تفسيره ﵀ إذا فسر، وقيل له: لِمَ ختمت بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦]؟ ولماذا ختمت ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٠]؟ كان يمنع من هذا، ويقول: لا يُسأل عما يفعل، ولا يمكن للناقص أن يدرك الحكمة التي ختم الله بها الآية على هذا الوجه، فكان يمنع أن يقال: ما هي الحكمة في ورود هذه الآية على كذا؟ يقول: هذا شيء لا تدركه العقول، لا يمكن أن يصل الإنسان إلى درجة معرفة هذه الأمور، وإنما يقول: من الفوائد المستفادة كذا، نعم من يجزم أنها حكمة، أو أنها هي التي من أجلها ورد النص؟ كذلك أيضاً مما كان ﵀ يتحلى به في تعليمه للناس، أنه كان يحب طالب العلم الصادق، ويفتخر به، ويعطيه من وقته وجهده، وكان ﵀ إذا رأى الصدق في الطلب أقبل عليك، وهذا يشجع كثيراً من طلاب العلم الصادقين في الطلب، ولا يحب من طالب العلم الكسل ولا الخمول، ولا يحب منه التعب ولا السآمة ولا الملل، ﵀. كان له درس بعد صلاة الفجر في التفسير، ودرس بعد الظهر في صحيح البخاري، ودرس بعد المغرب في السنن الصحاح، وختمها ﵀ بسنن الترمذي وسنن أبي داود وابن ماجة، وكذلك أيضاً موطأ مالك ختمه، ثم بعد العشاء كان له درسه في الصحيحين وفي السنن، فكان ﵀ طيلة هذه الأوقات يضحي ويبذل في العلم، لكن أن تأتي وتشتكي له الضعف والخور في طلب العلم فإنك تنزل من عينه، فلا يحب طالب العلم ولا يجله إلا إذا رآه صادقاً قوي العزيمة، فربما طرأت مسألة فآتيه بعد العشاء وهو مجهد -منهك والله يشهد على ما أقول هذه أشياء عايشتها بنفسي- فآتيه بالمسألة فأسأله، وكان منهجه معي في آخر حياته ﵀ أنه ما كان يفتيني، ويقول لي: اذهب وأت بكتاب كذا ثم اقرأ من صفحة كذا، أو اقرأ من باب كذا، فإذا قرأت يقول: ماذا تفهم كأنه يدربني على الاستفادة من الكتب مباشرة، فكان ﵀ آتيه بالكتاب والكتابين والثلاثة والأربعة، وهو منهك مجهد وآتيه بالكتاب فيقول لي: هذا ما يكفي اذهب إلى كتاب كذا، وأتِ بشرح كذا، ورد هذا وأتِ بكذا، أنا بنفسي أمل وأتعب وأجد نوعاً من الثقل ومع ذلك الرجل لا يسأم ولا يمل، وأقول له: انتهيت؟ يقول: لا حتى تنتهي، ﵀ رحمة واسعة. إذا أتقن العالم علمه فإنه يجد لذة العلم وفضله وبركته، نسأل الله العظيم أن يرزقنا من فضله، فضل الله لا يتوقف على عصر من العصور كما قال ابن المنير: وفضل الله واسع، فمن ظن أنه محصور في بعض العصور فقد حجَّر واسعاً والليالي حبالى، يلدن كل غريبٍ، وكم ترك الأول للآخر. إذا ذكرنا تراجم العلماء أو تراجم الفضلاء، أو قرأت سير أعلام النبلاء ورأيت هذه النماذج الكريمة، فاعلم أن الكل بفضل الله ﷻ ، وأن الأمر كله يعود على الإخلاص، وأن الله قد يعطيك مثلهم ويزيدك من فضله، متى؟ إذا أخلصت لوجهه وأحسنت الظن معه، قال ﷺ : (من يصدق الله يصدقه) كان ابن عباس ﵄ قليلاً في العلم، ولكن لما صدق مع الله في طلب العلم وجدَّ واجتهد فعندما دفن أبو هريرة زيد بن ثابت ﵁ بكى أبو هريرة وقال: [لقد دفن الناس اليوم علماً كثيراً، ولعل الله أن يجعل لنا في ابن عباس خلفاً] كان في البداية لا شيء، لكن لما جد واجتهد أعطاه الله، فأنت إذا صدقت مع الله، وأخلصت لوجه الله فإن الله يرزقك، نسأل الله العظيم أن يبلغنا ذلك الفضل بفضله وهو أرحم الرحمين، والله تعالى أعلم.

стр. 1018

جيل القرآن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته؛ لأنه كلام الله العظيم، وقد اختار الله نبيه لتبليغه لأمة وعته وصدقته وعملت بمقتضاه، حيث كانت قلوبهم كالأرض الطيبة أصابها الغيث، فكانوا يقفون عند كل آية منه، ويعرضون أنفسهم عليه، فحري بنا أن نقتدي بهم، فإن من تمام حقوق القرآن علينا أن نغرس حب القرآن في الأهل والأبناء والزوجات؛ لأنه سيأتي يوم القيامة إما حجة لنا أو حجة علينا.

стр. 1019

فضل القرآن على الجيل الأول وتأثرهم به إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سلامٌ على جيران بيت الله الحرام، وسكان أرض الحطيم والحِجر والحَجر والمقام، سلامٌ عليكم إذ أكرمكم الله بنعمه، فجاورتم بيته، وكنتم على أرضه، فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم حسن الجوار، وحسن المقام. أيها الأحبة في الله: ما أطيب المجالس إذا طيبت بذكر الله، وما أطيب المجالس إذا طابت بطاعة الله، وما الذي يأخذه المؤمن من هذه الدنيا غير كلمةٍ تدله على الله، أو نصيحة تثبته على طاعة الله ومرضاته. أو ما الذي يأخذه العبد من هذه الدنيا غير أمرٍ بينه وبين الله، في طاعةٍ يحبها أو قربةٍ يرضاها، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعمر مجالسنا ومجالسكم بذكره، والإنابة إليه وشكره، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الأحبة في الله: أطيب ما طيبت به المجالس من ذكر الله، وأحسن ما عمرت به الأوقات من طاعة الله: أن يكون الكلام عن كلام الله، هذا الكلام الذي أنزله الله ﵎ هدايةً ونوراً يقود إلى دار السلام، هذا الكلام الذي لا تنتهي عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، الجد لا الهزل، والقول الحق الفصل، كلام رب العالمين، وموعظة إله الأولين والآخرين. كم قادت إلى الله قلوباً، وأنارت في سبيل محبته مناهجاً ودروباً، كم هدى الله به الضالين؟ وكم أيقظ به من النائمين؟ وكم دل به إلى رحمته الحائرين؟ كلام رب العالمين، الذي ختمت به الرسالات، وقطعت به الحجج والبينات، كلام الله الذي منه مبتدؤه وإليه منتهاه، كلام الله الذي سمعته الجن فآمنت، وأقرت وصدقت، فقالت: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ [الجن:١ - ٢]. هذا الكلام الذي أنزله الله نوراً ودليلاً إلى دار السلام، أوجد به الرحمات، وأعد لأهله علو الدرجات، وكفر به الخطيئات، وجعله موجباً للرحمات. هذا الكلام العظيم والنور الكريم، الذي اصطفى الله له الأخيار، فقلب قلوبهم على أوامره وزواجره آناء الليل وأطراف النهار، كلام الله الذي اصطفى الله له رجالاً، واختار له على مر العصور أجيالاً، كلام الله الذي أحل به الحلال، وحرم به الحرام، فكان به صدق المقام، وحسن الفعال وكريم الخصال، فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا من أهله، وأن يحشرنا في زمرة أهله.

стр. 1020

التخلق بالقرآن ومحبته من مزايا السلف أيها الأحبة في الله: إن الله اختار لكتابه أمةً وعته، وأحبته وصدقته، فنزل القرآن إلى جذور قلوبها، ففتحت قلوبها للقرآن واطمأنت لموعظة الرحمن، حتى إذا تغلغلت تلك الآيات في الجنان، قادت أهلها إلى المحبة والرضوان. وإذا نزلت الآيات إلى تلك القلوب، نزلت كالغيث إذا أصاب الأرض الطيبة، فكلام الله مع أحباب الله وأوليائه، يطهرهم لطاعته، ويؤهلهم لمرضاته ومحبته، إذا سمعوا القرآن وجلت قلوبهم لسماعه، فبكيت عيونهم من عظاته، وتحركت أشواقهم لجناته. كم سمعوا فيه من الآيات التي تفطر القلوب لطاعة رب الأرض والسماوات، سمعوا تلك الآيات فاستقرت في قلوبهم فترجموها في الحياة، حتى أصبح القرآن دليلاً أمام أعينهم. القرآن الذي أحب الله أهله، واصطفى أولياءه فاختار له رجالاً وأمماً وأجيالاً أحبته من قلوبها وحققته بقوالبها. فهذه الأمة التي عاشت ليلها مع كتاب الله، ونهارها في تحقيق العبودية لله، ما أفضت إلى الله إلا والقرآن شاهدٌ لها لا شاهدٌ عليها، نزل هذا القرآن على النبي ﷺ يوم نزل، فافترق العباد إلى فريقين وطائفتين ونحلتين: طائفةٍ كذبت ولم تؤمن به، ولم ترض به، فأعرضت عنه وأنكرته وكفرت به، فأذاقها الله الهوان، وألبسها الذل في سائر الأزمان. وطائفة أحبته واقتربت منه وارتضته، هذه الطائفة المنصورة، أعلامها مشهورة، وفي الخير مشهودة. أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، الذين أحبوه بقلوبهم وطبقوه بقوالبهم، وهذه الطائفة المحبوبة، والفرقة الناجية المنصورة، يطيب الحديث عنها وعن أخلاق وصفات أهلها، هذه الصفات التي تترجم القرآن في الحياة، أعلاهم وأشرفهم قدراً هم أصحاب النبي ﷺ ، فجيل القرآن أول شواهده وأعظم دلائله: أصحاب النبي ﷺ ، نزل القرآن يوم نزل، ففتحوا قلوبهم لآياته، وفتحوا قوالبهم لعظاته، فقادهم القرآن إلى الله، فحققوه وطبقوه، حتى أخذوا أرواحهم في أكفهم، يجاهدون في سبيل الله، ويقاتلون أعداء الله، ويوالون أولياء الله بكلام الله. أصحاب النبي ﷺ ، الذين اصطفاهم الله واجتباهم لرؤية منازل القرآن وحوادثه ومعاركه، فكان القرآن ينزل على النبي ﷺ والكل يراه، والكل يعلمه ويشاهده، فحققوا القرآن بالعمل، وما توفي رسول الله ﷺ إلا وكل واحدٍ من أصحابه قرآنٌ يمشي على وجه الأرض، فكانت هذه الأمة مع كتاب الله، التي سهرت ليلها وأظمأت نهارها، رهبان الليل وفرسان النهار، بقال الله وقال رسول الله ﷺ . وإذا أحب الله العبد رزقه أن يسير على نهجهم، فما مات أصحاب رسول الله ﷺ إلا وخلفوا أشباههم من التابعين، ومن الأئمة المهديين المحبين لكلام رب العالمين، توفي أصحاب النبي ﷺ بعد أن تحكم القرآن في قلوبهم، وترجم في قوالبهم، فغرسوا هذا القرآن في أتباعهم، والسائرين على نهجهم بإحسان. غرس الصحابة رضوان الله عليهم كلام الله في قلوب التابعين، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، حتى أحبت القلوب القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ ، لأن الله ﵎ جمع للصحابة في القرآن خصلتين، قل أن تجتمع لإنسان في الدنيا: خصلة العلم بالقرآن والعمل به وتطبيقه أمام العيان. كان أصحاب النبي ﷺ مع القرآن بقلوبهم، سهروا معه، فكان الواحد منهم تبكيه الآية وتفرحه الآية، يعيش الوعد والوعيد والشوق والتهديد، فكانوا مع القرآن على الحقيقة، عاشوا مع هذا القرآن، إذا تليت عليهم آيات الجنان طارت قلوبهم شوقاً إلى الروح والريحان، إذا تلا الواحد منهم آيات الجنان كأنه يقطف من ثمارها، ويتكئ على أرائكها، وينظر إلى أشجارها وثمارها وأنهارها، فما أعظمها من أمة، وإذا تلا الواحد منهم الآية التي فيها ذكر النيران، وغضب الواحد الديان، صعق كأن زفير النيران بين أذنيه. أمة أحبت كتاب الله صدق المحبة، فلما رأت رسول الله ﷺ يذكرهم به، ويعظهم به، علموا أنه القول الفصل، وأنه الجد لا الهزل الذي يحتاج لمن يحمل همومه وغمومه، ويبادله مشاعره وأشجانه وأحزانه، فإذا أردت أن تنظر إلى جيل القرآن في أبهى صوره، وأجمل حُلله، فانظر إلى تلك الأمة المصطفاة، واقرأ عن سيرة أصحاب المصطفى ﷺ . إذا قرأت في سيرتهم لا تدري أتعجب من علمهم بالقرآن! ومعرفتهم لكلام الرحمن! إذا قرأت سيرتهم لا تدري أتعجب من عملهم بكلام الله، أم بمعرفتهم بأحكام الله وشرائع الله، أم بوقوفهم عند حدود الله وزواجر الله، تعطرك السيرة، وتنفحك السريرة، فتجد الصدق الذي لا كذب فيه، والحب الذي لا شائبة فيه.
следующие страницы →