← Джавами‘

Джавами‘ · id 7685

دروس للشيخ ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (354 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وسطية الإسلام في عيسى بن مريم فمثلاً: من كان قبلنا من الأمم منهم من غلا ومنهم من جفا، فجاء الله بالإسلام فجعله بين هؤلاء وهؤلاء، فاليهود يعتقدون في عيسى أنه: ولد بغي، وأن أمه زانية، حيث رموها بالبهتان كما قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٥٦]. وجاءت النصارى فغلوا فيه ورفعوه عن مكانه، وأعطوه ما لا يستحقه، فحكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، وحكى عنهم أنهم قالوا: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] وكذلك كفر من يقول إن الله ثالث ثلاثة -يعني: الله وعيسى وأمه- كما في قوله: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦]. فجاء دين الإسلام فتوسط، فلا إفراط ولا تفريط، فلا إفراط فيه حيث رد على الذين زادوا وقالوا: هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، ولا تفريط فيه حيث رد على الذين قالوا: إن المسيح ابن بغي، بل شهد بأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وجعلوه رسولاً كسائر الرسل، كما في قول الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، فشهد له بأنه رسول، وحكى كلامه في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف:٦]، فهو رسول كسائر الرسل، وهذا هو القول الوسط، فلا إفراط ولا تفريط.

стр. 142

وسطية أهل السنة بين الفرق وبعد أن عرفنا هذا في الأديان السابقة نأتي إلى أمثلة من العقيدة السنية لهذه الأمة؛ وذلك لأن الذين دخلوا في الشريعة الإسلامية قد ارتبط بهم وامتزج بهم من ليس بمحقق في الاتباع، ودخل في العقيدة وفي الإسلام ما ليس منه، وافترقت بهم الطرق وتفرقت بهم السبل، وأخبر النبي ﷺ بأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وسئل عن تلك الواحدة فقال: (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي). إذاً: فعقيدة أهل السنة والجماعة هي السيرة السلفية، وهي العقيدة السنية، وهي الشريعة المحمدية والملة الإبراهيمية، التي هدى الله إليها هذه الأمة.

стр. 143

وسطية أهل السنة في مسألة الأولياء وهكذا أيضاً توسطهم في غيره من الأولياء والصالحين، وذلك أن هناك طائفتين ضلتا في مسألة الأولياء: طائفة غلت، وطائفة جفت. فالطائفة الذين غلو هم الذين يعبدون الأولياء، والولي عندهم: هو الرجل الصالح الذي قد حصل من القرب ومن الصلاح في العمل ما جعله محبوباً عند الله، وأنه ولي من أولياء الله، يجري الله على يديه من خوارق العادات ما لم يجره على يدي غيره، فقالوا: هذا الولي يستحق منا أن نقدسه، فصاروا يغلون فيه في حياته، فيتمسحون به وبثيابه، ويتبركون بما مسه من ماء أو غيره، وبعد موته يعكفون عند قبره ويتمسحون بقبره، ويصلون عنده ويعتقدون أن للصلاة عنده مزية وفضيلة، وأنه يشفع لهم في تكفير سيئاتهم وفي قبول صلاتهم، وفي مضاعفة حسناتهم، فيعملون عند قبره من الأعمال ما لا يصلح أن تكون إلا لله وحده، فهؤلاء قد غلوا وتجاوزوا حدهم وقدرهم. والطائفة الثانية الذين لا يرون لعباد الله الصالحين قدراً، ولا يقيمون لهم وزناً، فلا يقتدون بهم، ولا يتبعون سيرتهم، ويحقرون شأنهم، ويحتقرونهم في أعمالهم، ويدعون أنهم -كما يعبرون- أهل تشدد، أو أهل جمود، أو أهل رجعية وتقهقر أو ما أشبه ذلك من عباراتهم السيئة، فهؤلاء قد فرطوا. وأهل السنة توسطوا فيما لأولياء الله تعالى، فقالوا: نحن نحبهم؛ لأن الله يحبهم، بل ونحب كل من يحبه الله من الصالحين والمؤمنين والأتقياء، ولكن محبتنا لهم لا تصل إلى أن نتمسح بتربتهم، ولا إلى أن نصير لهم شيئاً من حقوق الله، أو نذبح لهم من دون الله، أو نطوف بأضرحتهم، أو ندعوهم مع الله أو من دون الله، بل محبتنا لهم تحملنا على أن نقتدي بأفعالهم، فإذا كنا كذلك فإننا متوسطون بين هؤلاء وهؤلاء، لا إفراط ولا تفريط. هكذا جاء دين الإسلام، فالذين غلوا وزادوا وقعوا في الشرك؛ وذلك لأنهم عظموا هؤلاء المخلوقين، وجعلوا لهم شيئاً مما لا يصلح إلا لله، فإن التعظيم عبادة والعبادة لله وحده؛ لأن العبادة هي التذلل، فإذا كانوا يتذللون عند تلك الأضرحة، ويخضعون ويخشعون، فتلك عبادة، وإذا كانوا يذبحون لهم وينذرون فذلك تعظيم وهو من العبادة، وإذا كانوا يدعونهم ويهتفون بأسمائهم فإن الدعاء مخ العبادة، وإذا كانوا يتمسحون بهم ويطوفون بقبورهم ويطيلون الإقامة عندها فإن ذلك تعظيم، وذلك حقيقة العبادة، فأولئك الذين غلوا وقعوا في الشرك بالله سبحانه، مع أن هؤلاء الصالحين لا يرضون أن يشرك بهم، فالمسيح ﵇ بريء من شرك من أشرك به، وهكذا كل من عبد من دون الله ولم يرض فهو بريء من شرك من أشرك به. وفي يوم القيامة لابد وأن يتبرءوا منهم، ويقولوا: نحن برآء من أفعالكم، كما قال تعالى عن الملائكة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]، فأخبروا بأنهم عبدوا ولكنهم لم يرضوا بذلك، ولا أحبوا ذلك، وإنما الشياطين هي التي سولت لهم وزينت لهم أن يعظموهم وأن يعبدوهم، وإلا فأنبياء الله ورسله وأولياؤه والصالحون من عباده بريئون من شرك من أشركهم مع الله . وبالجملة: فإن المسلمين أهل العقيدة السلفية قد توسطوا في أولياء الله، فأحبوهم محبة قلبية، وحملتهم محبتهم على أن تتبعوا أخبارهم ودونوا سيرتهم، ونظروا في الأشياء التي كانوا يعملونها فعرفوا أنهم ما صاروا صالحين إلا بسبب زهدهم في الحرام وبعدهم عنه، وتقربهم إلى الله بأنواع القربات، فقالوا: هذا هو سبب صلاحهم، لماذا لا نفعل مثلما فعلوا حتى نكون مثلهم، فنصلح كما صلحوا، حتى نكون أولياء لله كما كانوا أولياء لله، يحبهم الله تعالى ويوفقهم ويعينهم، فنفعل الأفعال التي أحبهم الله لأجلها حتى يحبنا كما أحبهم، وحتى يعيننا كما أعانهم، ويهدينا كما هداهم.

стр. 144

وسطية أهل السنة في باب القدر وإذا نظرنا في هذه العقيدة فسنجدها وسطاً لا إفراط فيها ولا تفريط، فهي وسط بين العقائد الكثيرة، يقول شيخ الإسلام ﵀: إن أهل السنة وسط في فرق هذه الأمة، كما أن الأمة وسط بين الأمم، فهم وسط في باب القضاء والقدر بين المجبرة وبين القدرية، وذلك لأن هناك فرقتين زائغتين في باب القدر: إحداهما قد غلت وأفرطت وزادت، وإحداهما قد فرطت وجفت. ففرقة تقول: إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله، وليس لله قدرة على هداية ولا إضلال؛ فهؤلاء قد أشركوا. وفرقة جعلت العبد مجبوراً وليس له اختيار أبداً، وعرفته بذلك، فجاء أهل السنة فتوسطوا وجعلوا له اختياراً، ولكن اختياره مربوط بمشيئة الله؛ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، فهذا توسطهم في باب القدر.

стр. 145

وسطية أهل السنة في باب الإيمان وتوسطوا في أسماء الإيمان والدين؛ وذلك لأن هناك فرقتين منحرفتين، إحداهما قد فرطت والأخرى قد أفرطت، فمن المفرطين الذين يجعلون الأعمال ليست من الإيمان، وعندهم أن من صدق بقلبه ولو لم يعمل فهو مؤمن كامل الإيمان، وآخرون كفروا بترك الأعمال ونحوها. فجاء أهل السنة وتوسطوا، فلا إفراط ولا تفريط، فجعلوا الإنسان يستحق اسم الإيمان واسم الإسلام ولو كان معه شيء من الذنوب وشيء من المعاصي، فلم يخرجوه من الإسلام بالكلية كالخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بكل ذنب، فمن أذنب ذنباً أخرجوه من الإسلام، وخلدوه في النار والعياذ بالله، ولم يكونوا كطائفة أهل الإرجاء الذين يجعلونه كامل الإيمان، ويبيحون له الاستكثار من المعاصي، ويعتقدون أنها لا تضره. فأهل السنة هم الوسط فيقولون: إن المعاصي لا تخرج العبد من الإيمان، ولكن عليه منها ضرر؛ فإنها قد تجتمع على العبد فتهلكه، ولو لم يخلد في النار لكن يستحق دخولها ويعذب بقدر سيئاته إذا كان من أهل الإسلام، فتوسط أهل العقيدة السلفية، فلم يكفروا بالذنوب كالخوارج، ولم يجعلوا المذنب كامل الإيمان كأهل الإرجاء، بل جعلوه مؤمناً ناقص الإيمان، وقالوا: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.

стр. 146

وسطية أهل السنة في مسألة الصحابة وآل البيت ٍوتوسطوا في الصحابة، بل وفي غيرهم من أولياء الله، ونبدأ بالتوسط في الصحابة فنقول: قد ضل في باب الصحابة طائفتان: إحداهما فرطت، والأخرى أفرطت، وأهل السنة بينهما وسط لا إفراط ولا تفريط، وقد ضلت في شأن أهل البيت -خاصة- فرقتان: فرقة تكفرهم وتستبيح لعنهم، ويقال لهم: النواصب، وهم الذين نصبوا العداوة للصحابة، وأخرجوهم من الإسلام، وفرقة تغلو فيهم وتجعل عليا هو الله أو الرسول أو الأحق بالرسالة، وتعبده وتعبد أولاده وذريته من دون الله، وهذه الفرقة هي الرافضة، الذين يتسمون بأنهم شيعة علي، أي: أنصاره وكذبوا! فليسوا بشيعته بل هم أعداؤه وأعداء طريقته وسيرته. أما أهل السنة فتوسطوا، فلا إفراط ولا تفريط، وقالوا: إن عليا وأولاده وأهل بيته لهم حق الولاية والصحبة والإسلام والأسبقية والقرابة، ولكن لا نفضلهم على الخلفاء الذين قبلهم، ولا نغلو فيهم ونمدحهم بما ليس فيهم، بل لهم الشرف والقرابة، ولا يستحقون أن يوصفوا بما لا يستحقون من حق الله أو من حق الرسول ﵊، فلم يزيدوا ويغلوا كغلو الرافضة الذين جعلوا عليا إلهاً، حتى يقول بعضهم: أشهد أن لا إله إلا حيدرة: يعني: علياً، وبعضهم يدعي أنه أولى بالرسالة، ويزعم بأن جبريل ﵇ خان الأمانة، وقد كان أرسل إلى علي فصرف الرسالة إلى محمد. فهؤلاء قد زادوا وغلوا، وجاءت الطائفة الثانية الذين سبوا وكفروا، وأخرجوهم من الإسلام فجفوا، وجاء أهل السنة فصاروا وسطاً بين الغلو والجفاء بين الإفراط والتفريط، فجعلوه صحابياً جليلاً من السابقين الأولين، له قرابته وله نسبه وله صهره وله أفضليته، ولكن لا نعطيه حقاً من حقوق الله ولا من حقوق الرسول ﵊، ولا نغلو فيه فوق ما يستحقه هو أو غيره من خلق الله.

стр. 147

الوسطية في باب العبادات هذه عقيدة أهل السنة، وهذا كله فيما يتعلق بالعقيدة، وبعد ذلك لابد أيضاً أن نذكر أمثلة للأعمال، وذلك لأن هناك أعمالاً في الشريعة الإسلامية جاء الإسلام بها بطريقة حسنة فأدخل الشيطان على بعض الناس الغلو والإفراط والزيادة، وأدخل على بعضهم التقصير والتفريط والنقصان، وذلك كله وسوسة من الشيطان، وتسويل لهم حتى لا يفعلوا الدين الحق كما جاء.

стр. 148

الوسطية في الطمأنينة في الصلاة وهكذا أيضاً في العبادات كالصلاة مثلاً: فإذا نظرنا إلى بعض الأئمة الذين قد يزيدون في الصلاة ويطيلونها إطالة قد تكون مملة، في الأفعال أو في القراءة أو ما أشبه ذلك، فيملون ويضجر من معهم من المأمومين، ويستثقلون صلاتهم وينفرون منهم، فهؤلاء في طرف، وهم أهل إفراط وغلو وزيادة. وهناك طرف ثانٍ يقصرون ويخلون، وينقرون الصلاة نقراً، ولا يطمئنون في حركاتها ولا في أفعالها كما ينبغي، فلا تنقعد صلاتهم ولا تكون مجزئة، ويكونون سبباً في إبطال صلاة من صلى معهم، ولو كثر الذين يرغبون في الصلاة معهم، فهؤلاء في طرف وهؤلاء في طرف، ودين الله وسط، والصلاة المعتدلة المتوسطة بين هؤلاء وهؤلاء، فالإمام يراعي حال المأمومين فلا يطيل إطالة تملهم وتضجرهم، ولا يخفف تخفيفاً يخل بالعبادة، ولكن يطمئن فيها الطمأنينة الشرعية، ويحرص على الاقتداء بالصلاة النبوية في القراءة وفي الأذكار وفي غيرها، وبذلك يكون متوسطاً بين الغالي والجافي، فهذا أيضاً مما انقسم الناس فيه إلى طرفي نقيض، ثم توسط أهل الحق بين هذين الطرفين.

стр. 149

الوسطية في باب النوافل وهكذا لو تتبعنا كثيراً من الأعمال لوجدناها كذلك لوجدنا أن الكثير من الناس قد يشقون على أنفسهم في تحمل كثير من التطوعات ويحرمون الأنفس لذتها وراحتها. وآخرين يقصرون فلا يأتون بشيء منها أصلاً، ودين الله وسط بين ذلك. ونذكر قصة عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فإنه كان في أول شبابه كثير العبادة، فشق على نفسه، فكان يقوم الليل كله، ويختم القرآن في كل ليلة في تهجده، وهذا فيه غلو وفيه مشقة وفيه تعب، يؤدي إلى أن تفوت عليه حقوق واجبة، فبين له النبي ﷺ أن هذا غلو، وقال: (إن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لربك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه)، وهذا لا شك أنه زيادة تمل الإنسان من العبادة وتضجره. وهناك آخرون لا يعرفون مثل هذه العبادات -ولو كانت نوافل- فلا يصلي أحدهم في الليل أصلاً، ولا يصوم إلا ما فرض عليه، ولا يأتي بشيء من النوافل، ولا يتقرب بشيء من القربات، وكأنه مستغن عن هذه العبادات ونحوها، فلا شك أن هذا في طرف وذاك في طرف، فالذي كلف نفسه فشق عليها متطرف شديد التطرف، والذي تساهل في العبادات ولم يأت بشيء من العبادات إلا المفروضة، ولم يتقرب بشيء من نوافلها، هذا أيضاً متطرف غاية التطرف، ودين الإسلام وسط، وهو أن تتقرب إلى الله بقربات لا تكره بها نفسك، ولا تحرم بها نفسك من حقك، ومن الحقوق الواجبة عليك، وما أشبه ذلك، ولا تنس عبادة الله، ولا تشتغل بالملذات وبالشهوات عن حق الله، ولا تعط نفسك كل ما تشتهيه من لذة ونوم وشهوة بطن وشهوة فرج ومأكل ومشرب وملبس ونحو ذلك.

стр. 150

الوسطية في مسألة تصحيح نطق الأحرف وأوقع الشيطان كثيراً من الناس في الغلو في القراءة أثناء الصلاة، وأوقع آخرين في الجفاء، فأفرط في القراءة أناس، وفرط فيها أناس آخرون. وكذلك في الأذكار وغيرها، فإن أناساً وسوس لهم الشيطان بأنكم لا تحققون القراءة والحروف إلا إذا نطقتم بها على هذه الكيفية، فإذا لم تفعلوا فقد اختلت قراءتكم واختلت أذكاركم، وما إلى ذلك، حتى ذكروا أن بعضاً منهم يتكلف في النطق بل في القراءة، حتى إذا أراد أن ينطق بـ (الضاد) ونحوها أخرج بصاقه من شدة تكلفه وتشدده عندما يقول: (ولا الضالين) أو (المغضوب) يكلف نفسه حتى يخرج لعابه وبصاقه من شدة تكلفه! ولا شك أن هذا ما أنزل الله به من سلطان. وهكذا أيضاً تكلفهم في النطق بالتكبير ونحو ذلك، حتى ربما يخرج الكلمة عن وضعها الذي وضعت عليه، فيكرر الكاف ويشددها، ويقول: (الله أككبر) وما أشبه ذلك، وعند قراءة التشهد والتحيات يشدد التاء فيقول: (التتحيات) وما أشبه ذلك، حتى تخرج الكلمة عن وضعها وماهيتها التي وضعت عليها، ولا شك أن هذا تغيير للكلام عن وضعه، وعن ماهيته وما هو عليه. ولا شك أن الذين يفرطون في ذلك ويقصرون على خطر أيضاً، وذلك لأن هناك من لا يأتون بالتكبير كما ينبغي، فيأتي أحدهم بالكلمة دون أن يحقق حروفها، وكذلك في القراءة دون أن يحقق حروفها وتشديدها، والدين أمر بالتوسط في ذلك: التوسط في القراءة وفي التسليم وفي التشهد، وفي سائر أذكار الصلاة، لا إفراط أولئك ولا تفريط أولئك، لا غلو ولا تقصير، وهو أن تأتي بالقراءة بحروف بارزة ظاهرة يقرعها اللسان دون تكلف في التشديد، ودون تكلف في النزع، ودون تقعر وتشدق في تكلف الفصاحة، ودون تساهل في إدغام كثير من الحروف البارزة، ولا بعجلة وسرعة يختفي معها كثير من الحروف التي حقها الإبراز. إذاً: لا إفراط ولا تفريط، فإذا قرأها قراءة مفهومة مسموعة حروفها، ظاهراً شدها ومدها على ما ينبغي كان بذلك متوسطاً، لا إلى الجفاء ولا إلى الغلو الذي قد يضل ويوقع في تغيير الكلم وتحريفه عن مواضعه.

стр. 151

الوسطية في مسألة نية الصلاة وقد أوقع الشيطان كثيراً من الناس في الوسوسة في كثير من الأعمال، سواء كانت أفعالاً أو سلوكاً، ومن ذلك: الوسوسة في النية في الصلاة، فإن الشيطان يوسوس لبعضهم، فيقول له: أنت ما نويت، أو نيتك ليس سليمة وصحيحة، أو أنت ما استحضرت النية، فلا يزال يوسوس له أنه ما أتى بالنية المشترطة للعبادة من طهارة أو صلاة، حتى تفوت عليه الأوقات أو تفوته الصلاة أو يفوته فضيلة الوقت، وهذا بلا شك أنه زيادة على ما حده الله تعالى. وهناك من لا يبالي فيصلي أو يتوضأ بدون قصد صالح، وبدون نية حسنة، فيعتبر هذا مقصراً ومخلاً في أدائه للعمل، والوسط في ذلك هو أن ينوي الإنسان بقلبه الطهارة أو الدخول في الصلاة أو ما أشبه ذلك، فإذا فعل ذلك فإنه قد مضى، واعتبرت نيته صالحة كافية.

стр. 152

الوسطية في باب الاغتسال وهكذا نقول في الغسل، فإن الاغتسال أيضاً طهارة شرعية، أمر الله الإنسان بعد الجنابة ونحوها أن يغتسل كما في قوله تعالى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣]، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] فالاغتسال هو: تعميم البدن بالماء كله بالماء، وهذا يحصل فيه إفراط وتفريط، وغلو وجفاء على حد ما ذكرنا في الوضوء، فإن هناك من يتشدد فيقيم في الاغتسال ساعة أو أكثر، وربما دلك جسده وبالغ في دلكه، وقد أخبرني بعضهم أنه يدلك جسده ويحكه بأظفاره، ويعتقد أن الماء لم يبلغه، حتى يخرج الدم من حكه بأظفاره، وبمبالغته في حك جسده، وهذا -بلا شك- غلو وإفراط وزيادة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا شك أن قصد الشيطان وهدفه أن يمله من هذه العبادة حتى يضجر ويتركها كما ترك غيرها من العبادات. وهكذا الذي يغتسل ولا يدلك جسده، بل يمر الماء عليه دون أن يدلك جسده، وهذا أيضاً في طهارته خلل. وقد عرفنا أن السبب في ذلك هو الشيطان الرجيم الذي هو عدو للإنسان، فهو حريص على أن يضله ويبطل عليه أعماله كما يبطل عليه عقيدته، فالشيطان إذا رأى في الإنسان تصلباً ورأى فيه تشدداً جاءه من باب الغلو، وجاءه من باب الزيادة، وقال له: أنت لا يأتيك مثل ما يأتي غيرك، بل عليك أن تزيد وتبالغ، وإذا توضأ الناس للصلاة فلا تكتف بالوضوء، بل اغتسل للصلاة، وإذا توضأ الناس بالمد فلا تكتف به، بل توضأ بالصاع أو بالآصع، وإذا غسل الناس أيديهم ثلاثاً فلا تكتف بسبع ولا بعشر، بل زد عليهم حتى تكون أكثر، ويزين له أن الأجر على قدر النصب، وأنه كلما كثر العمل كان الأجر عليه أضعافاً مضاعفة، فهذه وسوسة من الشيطان. ودين الإسلام جاء بما فيه المصلحة، ونهى عما فيه مفسدة، فالاقتداء بأفعال النبي ﷺ وبسنته هو خير الهدي، فخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ ، وما زاد على ذلك فهو محدث، (وشر الأمور محدثاتها)، والذي لا يقتنع بما جاء به النبي ﷺ ، فكأنه يعتقد أن دين الإسلام ناقص، وأن الرسول ما بلغ البلاغ المبين، وأنه قصر في التعليم، حيث اقتصر على بعض الشرائع أو على بعض الطهارة أو نحو ذلك، وإذا اعتقد هذا الاعتقاد السيئ وقع -والعياذ بالله- في الانحراف والضلال، فإن اتهام النبي ﷺ أو أحد من الأنبياء بإخفاء شيء من الرسالة، أو بالنقص والتغيير في شيء من أمر الشريعة اعتقاد باطل وضلال مبين يوقع في الخروج من دائرة الإسلام.

стр. 153

الوسطية في باب إزالة النجاسات وهكذا أيضاً في باب إزالة النجاسات، فترى أحدهم إذا وقعت عليه نجاسة لا يكتفي بغسلها مرتين أو ثلاثاً مع زوالها، بل ربما غسلها عشر مرات أو أكثر، وهكذا في باب الاستنجاء الذي هو غسل أثر البول والغائط، أكثر ما قيل: إنه يغسل سبع مرات. ولكن تجد بعضهم يغسله عشرات المرات، ويصب على بوله عدداً من المرات، وكل ذلك من الغلو ومن الزيادة التي ما أنزل الله بها من سلطان. ولا شك أن هذا من وسوسة الشيطان ليمل العبد من العبادة، وذلك لأنه متى دام على هذا التطهر سنة أو سنتين مل وضجر، واستثقل العبادة، وربما ترك الصلاة لاستثقال الطهارة، وقد حدثني من وقع له هذا الأمر وأنه لا يكاد أن يتوضأ إلا لساعتين، فقال: كيف أصلي هذه الصلوات؟! فصار يجمع الصلوات الخمس في وضوء واحد: يتوضأ بعد العشاء ويصلي الصلوات الخمس، فيكون قد أفرط حيث ترك الصلاة في مواقيتها، بعد أن ثقل عليه الشيطان أمر الطهارة التي لا تستغرق إلا خمس دقائق ونحوها، ثقلها عليه حتى يغير العبادة عن وقتها. وكذلك في باب إزالة النجاسة فقد يوسوس له الشيطان أنه انتقض وضوءه وهو في الصلاة حتى يقطع صلاته، أو أن في ثوبه أدنى نجاسة ولو كانت قليلة، حتى ينوي أن صلاته بطلت؛ ليستثقل الصلاة فيمل منها بعد ذلك، وكثير منهم تركوا الصلاة لأجل هذه الوسوسة، فلما ثقل الشيطان عليهم الطهارة أصبحت الصلاة ثقيلة عليهم وشاقة أيما مشقة، فعند ذلك رأوا أن يتركوا الصلاة لأجل هذه المشقة، ولو رجعوا إلى تعاليم الإسلام وإلى ما شرعه لعرفوا أن هذا ليس من الدين في شيء، وأن الإسلام جاء بالسهولة وباليسر وبالسماحة وبالبعد عن كل المشقات وكل الصعوبات. فهؤلاء غلوا في باب الطهارة وقابلهم طرف آخر فرطوا في ذلك وتهاونوا. وأما الذين فرطوا فإنهم كثير، وسبب تفريطهم وسوسة الشيطان؛ ليبطل بذلك عملهم، فترى أحدهم إذا غسل وجهه لا يبالغ ولا يسبغه، فيبقى في وجهه بعض الأجزاء التي لم يأت عليها الماء، وإذا غسل يديه أو رجليه غسلهما بسرعة ومسحهما مسحاً ولا يبالي، فتبقى في عقبيه بقع لم يصلها الماء، وهؤلاء من الذين فرطوا وجفوا وقصروا في باب الطهارة، وكثيراً ما ننصح هؤلاء أن يسبغوا الوضوء وأن يتعاهدوا، حيث إن الشرع قد ورد بالأمر بالإسباغ في قول النبي ﷺ لما عدد الخصال التي ترفع بها الدرجات، ويمحو الله بها الخطايا قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط). وهكذا أيضاً حثنا على أن نتعاهد ما قد ينبو عنه الماء من الجسد ومن القدمين خاصة في قوله ﷺ : (ويل للأعقاب من النار)، وفي رواية: (ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار)، فالذين يغسلون غسلاً خفيفاً، ولا يتعاهدون أقدامهم، كثيراً ما ترى في مؤخرة أقدامهم بقعة لم يمسها الماء، فتبطل بذلك الطهارة، فهؤلاء مفرطون، حيث إنهم نقصوا في الطهارة، فأولئك زادوا وغلوا وتجاوزوا، وهؤلاء قصروا ونقصوا. ودين الإسلام جاء بالوسط، وهو أن الإنسان يتوضأ وضوءاً مسبغاً، فيكتفي بغسلة واحدة مسبغة كافية للعضو، وإذا زاد غسلة ثانية فهي أفضل، وإذا زاد غسلة ثالثة فهي أفضل من الثنتين، ولا تجوز الزيادة على ثلاث، والزيادة على الثلاث تعتبر إسرافاً وإفساداً وغلواً، فكيف بالذين يغسلون العشرات؟! هذا هو التوسط في هذا الباب.

стр. 154

الوسطية في باب الطهارة ونبدأ بمبادئ العبادة، وهي الطهارة، فإن الطهارة عبادة شرعية أمر الله تعالى بها، فيجب أن تؤدى كما أمر الله من غير إفراط ولا تفريط، ولكن هناك طائفتان متطرفتان في باب الطهارة إحداهما غلت والأخرى جفت، فالذين غلوا هم الذين زادوا في الطهارة ما ليس منها، وتشددوا فيها تشدداً زائداً حتى زهدوا فيما نقل لهم من أفعال النبي ﷺ وصحابته، وفي كيفية تطهره ووضوئه واغتساله، وما إلى ذلك، واعتقدوا أن ذلك لا يُطِّهر، فزادوا وغلوا. وطائفة أخرى جفت فتراهم لا يتوضئون ولا يتطهرون كما أمر الله، ولا يسبغون الطهارة ولا يتمونها، وكلا الطائفتين منحرفتان، فالطائفة الذين غلوا ترى أحدهم يغسل وجهه خمساً أو عشراً، ويرى أنه ما طهر، ويغسل يديه مراراً قد تتجاوز العشر، وكذلك في الاغتسال ربما يغتسل نصف ساعة وربما ساعة، وربما ساعتين، كما حدثني بعهضم أنه يطيل في مزاولته الاغتسال ساعتين، وكذلك في الوضوء مدة طويلة، ولا شك أن هذا غلو، والإسلام قد أمر بالتوسط في ذلك كله فلا إفراط ولا تفريط.

стр. 155

الإفراط والتفريط في اللباس ولك أن تقيس على ذلك في كل شيء، حتى مثلاً في الأمور العادية، كأمور المأكل والمشرب والملبس وما أشبه ذلك، فإن الإسلام جاء في هذا بالوسط، فمثلاً اللباس الذي أنزله الله زينة للناس، وامتن به على عباده بقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦]، هذا اللباس انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام، طرفان ووسط. الطرف الأول: وهم أهل البذخ والإسراف والإفساد، فقد يكون لباس أحدهم بمئات أو بما يبلغ الألف أو الألوف، وهذا بلا شك أنه إفساد وإسراف وتبذير للمال بغير حقه، ويعتبر إفراطاً وغلواً، ولو أنه اقتصد واستعمل ما يكفيه، وتصدق بهذا الزائد أو أنفقه في وجه من وجوه الخير لكان خيراً له. بينما هناك طرف آخر قد أنعم الله عليه ورزقه، ولكنه قصر على نفسه، فقد روي أنه ﷺ رأى رجلاً عليه ثيابٌ وسخة وممزقة، ثياب ذلة وهوان، فسأله فقال: (أليس قد رزقك الله مالاً؟ قال: بلى. قال: من أي أنواع المال. قال: من كل أنواع المال، من الإبل والبقر والغنم والرقيق والمال. فقال: إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته)، فكون الإنسان راغداً غنياً ومع ذلك يقصر على نفسه، فيقتصر على ثياب دنسة وسخة متمزقة، قد تبدو منها عورته، يعتبر هذا تقصيراً وإخلالاً. وخير الأمور أوسطها: فلا يسرف في اللباس، ولا يقصر في اللباس، إذاً: الوسط بين ذلك، لا إفراط ولا تفريط.

стр. 156

الإفراط والتفريط في المأكل ونقول مثل ذلك في المآكل، فتجد كثيراً من الناس يسرفون، فيحشدون عند الطعام أنواعاً من الأطعمة، وكلها تذهب ولا يأكل منها إلا نزر قليل، وآخرون يكون عندهم أموال ولكن يحملهم البخل والشح على أن يقصروا على أنفسهم وعلى أولادهم، فيبيتون طاوين جياعاً وعندهم أموال، أو لا يأكلون إلا شظفاً من العيش أو أرغفة من الطعام، فيقصرون على أنفسهم والأموال عندهم يكدسونها ويجمعونها، وقد أمر الدين بالوسط في ذلك فلا إسراف ولا تقتير، كما في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧].

стр. 157

الإفراط والتفريط في أمر الدنيا وأما الأمور المحرمة وكذلك المعاملات ونحوها فإن الناس فيها منقسمون إلى هذه الثلاث الطوائف وكذلك في السلوك والزهد ونحوه، بل في نفس أمور الدنيا انقسموا إلى ثلاث طوائف: فقسم أكبوا على الدنيا وعظموا شأنها، وركنوا إليها وأحبوها، وجعلوا دنياهم أكبر همهم ومبلغ علمهم، وشغلوا بها أوقاتهم كلها، ولا شك أن هؤلاء قد نسوا الآخرة، وأنهم قد زادوا في هذا الأمر وقد غلوا. بينما هناك آخرون قد زهدوا، ولكن زهادتهم أوقعتهم في أنهم تركوا مصالح أنفسهم، وانعزلوا عن الناس وما الناس فيه، وأضاعوا من تحت أيديهم من أهل وأولاد، فتركوا إيواءهم والإنفاق عليهم ونحو ذلك، وهؤلاء أيضاً مخلون ومقصرون، والأمر الوسط بين ذلك هو أن الإنسان يطلب من الدنيا الكفاف والقوت، كما في قول النبي ﷺ : (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً)، فلا إفراط ولا تفريط، فلا ينقطع عن الدنيا انقطاعاً كلياً بحيث يضيع نفسه، ويعرض نفسه للحاجة والتكفف وسؤال الناس، ويعرض أهله للجوع والضنك وضيق المعيشة ونحو ذلك، ولا يجعل همه كله منكباً على الدنيا صارفاً فيها هواه، وصارفاً فيها حياته، وصارفاً فيها أوقاته، وناسياً آخرته، وناسياً الأعمال التي تقربه إلى الله، لا هذا ولا هذا، بل يشتغل بدنياه بقدر، ويشتغل لآخرته بقدر، ولا يبالغ في محبة الدنيا المحبة التي تنسيه الآخرة، ولا يبالغ في التقتير فيها التقتير الذي ينسيه حظ نفسه الذي أخبر النبي ﵊ بأن لنفسه عليه حقاً.

стр. 158

الإفراط والتفريط في المعاملات وأيضاً هناك إفراط وتفريط في كثير من المعاملات، فكثير من الناس يتعاملون ولا يبالي أحدهم بالمحظور من المعاملات، فتجدهم يتعاملون بالغش والربا، وأخذ المال بالباطل، فهؤلاء قد زادوا وتوسعوا في بعض المعاملات، بحيث إنهم لا يعتقدون أن هناك معاملة محرمة، فعندهم الغش والزيادة على المسلم، وإيقاعه فيما يكتسبون من ورائه ونحو ذلك، كل ذلك يرونه جائزاً ومباحاً! فيبيحون لأنفسهم ما لم يبحه لهم الشرع. بينما هناك من يتشدد في بعض المعاملات، ويمتنع عن أشياء أباحها الله، فيمتنع عن البيع الذي أباحه الله، ويمتنع عن الإجارة التي أباحها الله، ويمتنع عن التكسب من العمل الذي أباحه الله، واعتقدوا أن ذلك ممنوع وأن فيه خطراً وأن فيه خطأ، فوقعوا في التقصير والنقص، وأولئك وقعوا في الزيادة والغلو والإفراط، وخير الأمور أوسطها، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. وبالجملة فإن السبب الذي أوقع هؤلاء وهؤلاء في الإفراط والتفريط هو الشيطان، فإن الشيطان يوسوس حتى يخرج هؤلاء من العبادة، ويخرج هؤلاء من العبادة، أو حتى تمل كثير من العبادات ويثقلها عليهم، ويثقل عليهم المكاسب ونحوها، ويوقع هؤلاء في المحرمات أو في المشتبهات التي تجر إلى المحرمات، فيحصل أنه أضل خلقاً كثيراً؛ ليصدق على الناس ظنه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠]. نسأل الله أن يبصرنا بالحق الذي هو دين الحق، والذي اختاره الله للأمة ديناً وحقاً، نسأله سبحانه أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبساً علينا أبداً، ونسأله أن يعيذنا من نزغات الشيطان وأوهامه ووساوسه، وأن يجعلنا من الذين أنار قلوبهم بطاعته، وبصرهم بالحق، ودلهم عليه، ورزقهم الهدى والاستقامة والسلوك إلى الصراط السوي الذي يؤدي بهم إلى النجاة في الآخرة، والله تعالى أعلم. وصلى الله على محمد.

стр. 159

العوامل المؤثرة في تربية الأسرة لقد انشغل كثير من الآباء عن أبنائهم وأهلهم، وقصروا في تربيتهم على الإيمان والعمل الصالح بسبب ما فتح عليهم من زهرة الحياة الدنيا، فشغلتهم الدنيا والشهوات والملذات عن ذلك، ولم يهتم بالأبناء والأهل إلا النزر اليسير من الناس الذين شعروا بعظم المسئولية أمام الله تجاه أبنائهم وأهلهم. فعلى المسلم أن يتقي الله تعالى فيمن ولاه الله تعالى عليهم، وليأخذ نفسه بالجد في تربيتهم، وليتزود لذلك بما طرح من وسائل وأساليب لها أثرها في تربية الأسرة.

стр. 160

الأسباب المعينة على تربية الأولاد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فالأسرة: هم من تحت تربية الإنسان، وتحت ولايته من أولاد ذكورٍ وإناث، ومن زوجات وإخوة وخدم، وكل من كان تحت ولايته، وهو مسئولٌ عنهم، سيسأله الله تعالى يوم القيامة عن تربيته وتعليمه لهم، وعن الأسباب التي بذلها، وهل استوفى ما يجب عليه نحو أسرته، ونحو ذريته، ومن تحت ولايته -أي: فعل الأسباب التي تكون مؤثرةً في صلاحهم واستقامتهم- أم أنه فعل ما يضرهم؟ فالناس ينقسمون في تربية أولادهم وذويهم إلى أقسام ثلاثة هي: قسمٌ: اهتموا بإصلاح أسرهم، وبذلوا كل ما في وسعهم. وقسمٌ: أهملوهم وتركوا تربيتهم لغيرهم. وقسمٌ: أفسدوهم، وجلبوا لهم ما يعينهم على الفساد أو ما يوقعهم في الفساد والشرور.

стр. 161

استماع الأولاد إلى الإذاعات التي تنشر الصلاح كذلك أيضاً: العادة أن الأولاد يحبون التطلع إلى الأخبار، وإلى الحوادث والنشرات، وما أشبه ذلك، فعلى الوالد المربي أن يحرص على أولاده أن يكونون من أهل الخير، فإذا رأى ميلهم إلى شيءٍ من الإذاعات، حرص على أنهم لا يستمعون إلا إلى الإذاعات الإسلامية: التي يذاع فيها الخير، ويقرأ فيها آياتٌ من كتاب الله، وأحاديث من أحاديث النبي ﵌، كإذاعة القرآن الكريم ونحوها. وبهذا يكونون -إن شاء الله- من أهل الخير؛ لأنهم شغفوا بهذه الإذاعة الإسلامية، وأحبوها وتابعوها، وانصرفوا عما سواها.

стр. 162

متابعة الأولاد للمجلات والصحف الإسلامية كذلك أيضاً: لابد أنهم يتطلعون إلى النشرات، وإلى الصحف والمجلات، فهناك -والحمد لله- صحفٌ إسلامية، ومجلاتٌ دينيةٌ تعتني بالتربية الصالحة، وتعتني بالنشرات والمقالات الدينية الإسلامية، فإذا رأى أولاده بحاجةٍ إلى شيء يقرءون فيه من هذه النشرات وهذه المجلات وما أشبهها؛ حرص على أن يقصرهم على المجلات الإسلامية، وهي كثيرةٌ -والحمد لله- ولو كان في بعضها شيءٌ من التسليةِ مما يكون الأولاد والأطفال الصغار بحاجةٍ إلى النظر فيها كالرسوم التي تقرب المعاني، وتوضح الأخطار الهدامة ونحوها، وتبين وسائل النجاة، فإن الأطفال بحاجةٍ إلى أن يطالعوا تلك الرسومات ونحوها، وتوجد هذه في كثيرٍ من المجلات الإسلامية، وهي معروفة.

стр. 163

اقتناء الكتب الإسلامية للأولاد كذلك أيضاً: لا شك أنهم بحاجةٍ إلى اقتناء بعض الكتب الإسلامية، وهي متوافرةٌ، ولم تكن متوافرةً من قبل كما في هذه الأزمنة، بحيث تمكنوا من نشرها وطبعها ونسخها وتصويرها، فأصبحت في متناول الأيدي، ولكن -وللأسف- زاحمتها كتبُ ضلال، وكتبٌ بدعيةٌ تدعو إلى الشر والفساد، فإذا وفق الله تعالى طالب العلم لاقتناء الكتب النافعة التي تتعلق بالعقيدة، أو تتعلق بالأحكام، أو بالآداب الدينية، أو بوقائع الإسلام والمسلمين التاريخية أو ما أشبه ذلك، فإن الله تعالى يحفظه ويحميه، وتسلم بذلك فطرته، فلا يتغيرُ عما هو عليه من الاستقامة، وكلما أهمه أمرٌ وجده في المرجع الفلاني، وجده في كتاب حديث، أو في كتاب فقهٍ، أو في كتاب عقيدة، أو أدبٍ أو أخلاقٍ أو تاريخٍ أو تفسير أو ما أشبه ذلك؛ فيتسلى بذلك، فيكون هذا من الوسائل التي إذا تربى عليها حفظه الله تعالى، وبهذا يتربى على التربية الصحيحة التي يبقى فيها على فطرته، وينشأ نشأةً صالحة. هذه بعضٌ من الوسائل التي تحفظ الأولاد في تربية الوالد لهم.

стр. 164

تشجيع الأولاد على حب المساجد والصالحين كذلك أيضاً: لابد أن الوالد يتفقد أولاده فيحرص على أن ينظر حالتهم، فإذا رأى أنهم يحبون العبادة والمساجد، ويحبون الصالحين، فيحرص على أن ينشطهم في ذلك، وعلى أن يشجعهم على ذلك، ليكون هذا كله سبباً في الاستقامة، والبقاء على الفطرة الدينية، ومن أسباب الصلاح في الحال والمآل. فهذه لا شك أنها اسبابٌ مؤثرةٌ في استقامة الأولاد، وفي تربيتهم التربية الصالحة.

стр. 165

تفقد الأولاد والنظر إلى من يجالسون كذلك من الأسباب: تفقد الأولاد -ذكوراً وإناثاً- والسؤال عن أصدقائهم، وجلسائهم، وزملائهم، وأصحابهم الذين يصحبونهم سواء في المدرسة أو في خارجها؛ وذلك لأن العادة أن الأولاد -ذكوراً وإناثاً- لابد لهم من أصدقاء يقتدون بهم، ويتعلمون منهم، ويجالسونهم، ويؤانسونهم، ويتصلون بهم، ويتزاورون فيما بينهم، ويحصل بينهم الاتصال ولو هاتفياً، والمكاتبات وما أشبهها، ولا شك أنهم إذا كانوا صالحين مستقيمين، استقام كل جلسائهم، فيسأل الوالد ولده: يا ولدي! من أصدقاؤك؟ فإذا قال: فلانٌ وفلان، قال: بماذا يأمرانك؟ وبماذا يحثانك؟ فإذا قال: إنهم يحثوني على ذكر الله، وعلى حفظ القرآن، وعلى تعلم العلم، فرح بذلك وسر، وشجعه على مجالستهم، وحثه على أن يكثر من الاقتداء بهم والتقرب منهم، وإذا ذكر له جلساء سيئةً أعمالهم، وسيئةً وجهتهم، حذره من أن يجالسهم أو يؤانسهم، هكذا يكون الوالد المربي.

стр. 166

إلحاق الولد بالمكتبات التي فيها كتب شرعية كذلك أيضاً: العادة أن هناك -والحمد لله- مكتبات خيرية، توجد فيها الكتب الموقوفة، فلابد أن يكون الولد بحاجة إلى شيءٍ من الثبات والخيرية، فإذا عرف أبوه أنه انتظم في إحدى المكتبات الإسلامية التي يوجد فيها جلساء صالحون، وتوجد فيها الكتب الإسلامية، وهي سليمةٌ أيضاً من الآفات والمحرمات، فإنه ينشطه ويشجعه على ذلك، هكذا يكون الأب المشفق.

стр. 167

إلحاق الأولاد بالمدارس الإسلامية الصحيحة كذلك من الأسباب: أن يلحقه المدارس الإسلامية، فيحرص على أن يتربى على دراسة دينية إسلامية، كأن يلحقه بالمدارس الحكومية أو نحوها، وهناك مدارس مأمونةٌ، والمشرفون عليها من أهل الصلاح والاستقامة والإخلاص، فيختار لأولاده -ذكوراً وإناثاً- المدارس الخيرية: التي أهلها -من ذكورٍ وإناثٍ- المشرفون عليها والمربون من الذين يوثق بدينهم، ويشعرون أنهم مؤتمنون على أولاد المسلمين، فينصحون لهم؛ وذلك لأن هناك كثيراً من المدرسين والمربين -ذكوراً وإناثاً- يعرفون هذه المسئولية، فيشعرون بأنهم مؤتمنون على أولاد المسلمين، فيحرصون على أن يعلموهم الدين الصحيح، والحلال والحرام، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد، وما يجب لهم وما يجب عليهم، فيؤدون ذلك بأمانة وإخلاص، وهؤلاء -والحمد لله- موجودون بكثرةٍ في هذه البلاد -في القرى وفي المدن- فيختار الوالد لأولاده من يكون صالحاً مصلحاً، ناصحاً مخلصاً، وإذا تيسر يلحق أولاده -ذكوراً وإناثاً- بالمدارس الخيرية التي تدرس فيها في المساء دروس دينيةٌ، مثل: حفظ القرآن، وحفظ بعض المسائل من السنة، وما إلى ذلك وهي الحمد لله متوافرةٌ في هذه البلاد في أنحاء المملكة، وقد نفع الله تعالى بها، وانتفع بها خلقٌ كثير، وحصل بها استقامة الكثير من الذين هداهم الله تعالى ووفقهم، وقد وفق الله كثيراً من الآباء حين ضموا أولادهم إلى هذه المدارس الخيرية سواءً كانت في المساجد -بالنسبة إلى الذكور- أو في المدارس -بالنسبة إلى الإناث- فانضم إلى هذه المدارس أولادٌ كثيرون يدرسون فيها، فبعضهم سنه في الخامسة من عمره ولم يتم الخامسة، وبعضهم سنه فوق العشرين إلى الثلاثين، فالصغار يملك آباؤهم غالباً إلزامهم بذلك، والكبار يدفعهم الدين والرغبة، وتدفعهم المحبة إلى أن ينضموا إلى تلك المدارس، يتحفظون كلام الله تعالى وكتابه، ويقرءونه، ويحرصون على أن يحفظوه، أو يحفظوا ما تيسر لهم منه، والمشرفون على تدريسهم من الثقات المأمونين، وكثيرٌ منهم متطوعون في عملهم، أجرهم على الله تعالى، وبعضهم له أجرةٌ يسيرةٌ أخذها لحاجته وفاقته، وبعض المحسنين الذين تبرعوا بهذه المدارس الخيرية قاموا بما يضمنها ويضمن استمرارها. فنقول: إن تربية الأولاد على كتاب الله وسنة رسوله فيها خيرٌ كثير، فالأولاد إذا ألفوا المساجد صاروا يترددون إليها يومياً، صباحاً ومساءً، فإذا كانوا في الإجازات صاروا يدرسون صباحاً ومساءً، وإذا كانوا في زمن الدراسة صاروا يدرسون آخر النهار وأول الليل، فألفوا المساجد وأحبوها، وعرفوا أنها أماكن الطاعة والعبادة، فكان ذلك سبباً في محافظتهم ومواظبتهم على هذه العبادات التي تؤدى في هذه المساجد، وإذا حافظوا على الصلاة حفظوا دينهم؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وإذا حفظوا كلام الله تعالى أو ما تيسر منه حفظهم الله تعالى، وحافظوا على ما يكون سبباً في صلاحهم واستقامتهم. فنقول: إنك -أيها المسلم- مسئولٌ عن تربية أولادك على الإسلام والقرآن، وإن أحسن ما تربيهم عليه: تعليم كتاب الله تعالى، فإذا انضموا إلى هذه المدارس حصلوا على خيرٍ كثير، وعليك بعد ذلك أن تتابعهم، وتتفقد أحوالهم، وتتأكد من موافقتهم على هذه الدراسة، وتتابع ما حفظوه، وما أشبه ذلك حتى تعلم محبتهم لهذه المدارس، وإقبالهم عليها، فهذا من أسباب التربية الصالحة والاستقامة على القرآن.

стр. 168

تعليم الأولاد العقيدة منذ الصغر من الناس من يهتم بصلاح أسرهم، فما هي الأسباب التي تعينهم، والتي ينبغي أن يفعلوها حتى ينجو كل فردٍ من أفراد الأسرة، وينشأ نشأةً حسنةً، ويتربى تربية صالحةً، ويكون قرة عين لوالديه، ويحفظه الله تعالى وذريته، ويكونون صالحين من بعده؟ أول تلك الأسباب: تلقين الأطفال في صغرهم العقيدة، فإن ذلك تنبيهٌ لهم على ما ينشئون عليه، وقد ورد أن النبي ﷺ قال: (كل مولودٌ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وقرأ قول الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، وورد أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى قال: إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، فحرمت عليهم ما أحللت لهم)، فأخبر تعالى أنه فطر عباده على الحنيفية التي تقتضي معرفتهم لأنفسهم، ومعرفتهم لربهم، ومعرفتهم لما خلقوا له، ولكن جعل هناك أسباباً ووسائل تكون سبباً في الانحراف: فأبواه اللذان يربيانه ويصرفانه عما فطر عليه إلى ما يتلقيانه من أسلافهم وآبائهم من عقائد منحرفة، وأديان منسوخةٍ وكفرٍ وفسوقٍ وما إلى ذلك، فإذا وفق الله تعالى الوالدان لقنوا أولادهم معرفة الله، ومعرفة دين الإسلام، ومعرفة النبي ﷺ ، منذُ أن يعقل الطفل في السنة الثالثة أو ما بعدها، فإذا تلقن، وعرف ربه، وعرف لأي شيءٍ خلقه الله، وعرف دينه الذي هو مكلفٌ به، وعرف أسباب النجاة والهلاك، وتربى وهو صغيرٌ على ذلك؛ فإن الله يحفظه في صغره، وينشأ بعد ذلك نشأةً صالحةً، وهذا بتوفيق الله تعالى وتسديده للأبوين، هكذا رأينا آباءنا وآباء إخواننا المسلمين يلقنون أولادهم العقيدة الصحيحة السليمة في صغرهم، فينشأ الطفل على هذه المعرفة، لا يشك في أنه مربوب، وأن ربه هو الخالق وحده، ولا يشك أن عليه لله حقوقاً، وأن من تلك الحقوق عبادة الله، ولا يشك أن هناك عبادات ومحرمات، وأن عليه فرضاً: أن يؤدي العبادات، ويفعلها تقرباً إلى الله، وأن يترك المحرمات ويبتعد عنها حتى يسلم من الإثم، ولا يشك بعد ذلك أن هناك جنةٌ ونار، وأن الجنة أعدها الله للطائعين، وأن النار أعدها الله تعالى للكافرين، وأن الكفر: هو الخروج من الإسلام، وأن الإسلام: هو الدين الصحيح إلخ كما هو معروفٌ، ينشأ الطفل من صغره من السنة الثالثة، وما بعد على هذه العقيدة.

стр. 169

متابعة المراحل الدراسية في مدارس التحفيظ كذلك أيضاً: لا شك أنهم سيقرءون في المراحل الدراسية عادةً -من مرحلة ابتدائيةٍ إلى مرحلة جامعية-، ولا شك أن هناك مدارس يوجد فيها الخير، ويوجد من يشرف عليها من الخيرين، فهناك مثلاً: المعاهد العلمية التي نشأت على العلم النافع والاستقامةِ والعمل الصالح، ولا شك أنها أيضاً من الوسائل المعينة على التربية الإيمانية. فإذا وفق الله الوالد، وضم أولاده إلى هذه المدارس والمعاهد العلمية، وتابعه على ذلك؛ رُجِيَ أنه يستقيم، ويستمر في الصلاح والاستقامة، حيث إنه يتربى على العلوم النافعة، فيقرأ القرآن وتفسيره والحديث وشرحه، والأحكام وشروحها وتفاصيلها، ويقرأ العقيدة والتوحيد وتفاصيل ذلك وأدلته، وكذلك يقرأ الآداب الإسلامية، فيقرأ ما هو بحاجةٍ إليه في حياته، فإذا قرأ هذه المواد كلها أثرت في استقامته وفطرته، فسلمت فطرته من الانحراف غالباً إلا من شاء الله، واستقامت عقيدته، ونشأ نشأة طيبة، وحصل من آثار ذلك بقاؤه على هذه العقيدة السليمة. وإذا اختار مدرسةً من المدارس غير هذه المعاهد العلمية، فإن والده إذا تعاهده وأوصى عليه من يشرف عليه من المدرسين كان ذلك أيضاً من الأسباب في استقامته، فيتعاهده أبوه، ويحثه على المواظبة على الدراسة الدينية التي فيها الخير والتعمق في أصول الدين، وفي العلوم الدينية النافعة كعلم العقيدة، حتى ترسخ في ذهنه وقلبه، وكعلم الحلال والحرام، والواجبات والمحظورات، والعبادات التي فرضها الله، والمحرمات التي حرمها الله، فيتابعه ويتفقده حتى يتأكد أنه على هذه الاستقامة؛ لأن هذه المدارس متوسطةً أو ثانويةً لا تخلو -والحمد لله- من مربين صالحين، ومشرفين مأمونين، وكذلك أيضاً: فيها العلوم الشرعية النافعة، ولو كانت قليلةً نسبياً، ولكنها لا تخلو من النفع، وإذا وفق الله تعالى طلبة العلم -صغاراً وكباراً- للاهتمام بالمواد الدينية العلمية، والحرص على تقريرها وترسيخها في قلوب الأطفال والطلاب كان ذلك من أسباب استقامتهم.

стр. 170

المهملون لتربية أولادهم وما جنوا منه من الناس من أهملوا أولادهم ومن تحت أيديهم ولم ينشغلوا بهم، فهؤلاء إذا وفق الله أولئك الأطفال لمن يعتني بهم ويتلقاهم حفظوا دينهم وحفظهم الله، وإلا فإنهم في سبيلهم إلى الهلاك والفساد، فكثير من الآباء -هداهم الله- منشغلون بدنياهم أو بشهواتهم وجلسائهم، وبملذاتهم الدنيوية، فتجد أحدهم يخرج من بيته في الصباح، ولا يأتي إلا في نصف الليل ليبيت، أو يأتي في وسط النهار ليأكل أكلته، ثم ينام، ثم يذهب في آخر النهار إلى أن يمضي ثلث الليل أو نصفه، وهو إما في تجارته أو حرفته وصنعته أو في وظيفته، أو مع أصدقائه وزملائه الذين يجالسهم، ويقضي معهم وقته في رحلاتٍ أو استراحاتٍ أو جلساتٍ أو اجتماعاتٍ، وأما أهله وأولاده وذريته فليس لهم نصيبٌ منه إلا قليلاً، ويتعلل بأنه منشغل، ويقول: يكفيني أني أُؤمن لكم ما تحتاجون إليه، اطلبوا مني ما تريدون من الدنيا، أُؤمن لكم المطعم والمشرب والملبس، وما تطلبونه من الحاجات الدنيوية، أما أنه يتفرغ لهم فلا، وليس لهم منه نصيب، ولا شك أن هذا كثير. والواجب على المسلم أن ينتبه لمن تحت يديه، وهؤلاء المعرضون عن أهليهم وأولادهم، لا يدرون ماذا يفعلون، وما يحل بهم، وما ينزل بهم؛ فيكلون أولادهم إلى من يربيهم، فيقول أحدهم: لقد نظمت الأولاد -الذكور والإناث- في تلك المدرسة، وقد وكلت تربيتهم وتعليمهم إلى هؤلاء المدرسين، وأما أنا فإني منشغل لا أتفرغ لمجالستهم، ولا لتفقد أحوالهم، وماذا يفعل؟ ينشغل في حاجاته وأموره الدنيوية، والأولاد إن وفقهم الله تعالى لمن يربيهم صلحوا، وإلا فهم في طريقهم إلى الانحراف والفساد؛ فقد يوفقون لجلساء صالحين، ومربين ومدرسين صالحين، فيعلمونهم ويربونهم، وينشئونهم نشأةً صالحةً؛ فيحيون حياةً سعيدة، ويعيشون على الخير والاستقامة، بسبب زملاء وأصدقاء ومعلمين ومدرسين ومدربين ومشرفين، وقد يكون ذلك بسبب بعض قراباتهم الذين يشفقون عليهم، يشفق على هذا أخوه أو عمه أو خاله أو قريبه أو صهره أو نحو ذلك. كذلك أيضاً: قد يكون للأمهات أثرٌ في التربية، وتفقد أحوال أولادها إذا كان الأب منشغلاً بأموره الخاصة، فتتفقد أولادها، وتحرص على أن يكونوا من أهل الخير، وأن يستقيموا على طاعة الله، وتحرص على الوسائل التي ذكرناها في القسم الأول، فلعل ذلك يكون وسيلةً من وسائل الصلاح، فأما إذا لم تكن الأم عارفةً بذلك، أو لم يكن هناك من يغار على هؤلاء الأولاد ولا يهتم بهم؛ فإنهم على خطر أن ينحرفوا، وأن يتربوا تربيةً سيئة إلا ما شاء الله، ونحن نعرف أن هذا كله ليس مطرداً، فقد رأينا أناساً عندهم نصح وإخلاصٌ لأولادهم، ومحبة لنجاتهم، وحرصٌ على استقامتهم ومتابعتهم، ومع ذلك قد خرج بعض الأولاد عن الاستقامة وانحرفوا، وابتلوا بما أفسد عليهم عقائدهم أو أفسد عليهم أعمالهم، أو أنهم بأنفسهم مالوا إلى الشر والفساد مع حرص الآباء، فليعلم الآباءُ والأولياء المسئولون أن هذا لا حيلةَ لهم فيه، وأن الله تعالى هو الهادي، وأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، من شاء أضله، ومن شاء أقامه، وأن من يضلل الله فما له من هاد، وهذا حقٌ. كذلك قد رأينا ورأيتم الكثير من الآباء المشتغلين بدنياهم، والمهتمين بأمورهم الخاصة، والمعرضين عن تربية أولادهم، ولكن وفق الله تعالى الأولاد إلى من رباهم تربيةً صالحة، فانتفعوا بما يسمعون من نصائح في إذاعاتٍ، أو خطبٍ، أو جلساتٍ، أو في مجلاتٍ وصحفٍ إسلامية، أو حلقاتٍ علميةٍ، أو جلساء صالحين؛ فانتفعوا انتفاعاً جلياً، فحفظهم الله تعالى واستقاموا، ولو لم يكن لآبائهم وأهليهم بهم عناية، فقد يوفق الله تعالى لهم من يعتني بهم، ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الأعراف:١٧٨]، ولكن لا شك أن هناك أسباباً يجب أن يعتنى بها، لأن هذه الأسباب لها تأثيرٌ بإذن الله، والله تعالى هو الذي جعلها أسباباً، وجعلها مفيدةً، وأمر بفعلها، وبالحرص على الإتيان بما يستطيع الإنسان من الأسباب التي تكون وسيلةً إلى الصلاح. فالذين لم يهتموا بصلاح أولادهم، لا شك أن الغالب على الأولاد أن يتولى تربيتهم من يفسدهم إلا ما شاء الله، فينشئون نشأةً سيئة، ويقعون في المشكلات والأخطار، ويصعب بعد ذلك تقويمهم، فيقال لمثل هؤلاء: إنكم مسئولون عمن تحت أيديكم، تذكروا هذا الحديث: (كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالرجلُ راعٍ على أهل بيته، ومسئولٌ عن رعيته)، فانشغالك بدنياك هذا الانشغال يصدك عن الخير، ويلهيك عمن أنت مسئولٌ عنه، ولابد أن تجعل لأولادك نصيباً من وقتك، ولابد أن تأتيهم في أول النهار أو في آخره، وإذا أقمتهم في أول النهار أقمتهم إلى الصلاة، وحرصت على أن تأخذ بأيديهم إلى المساجد إذا كانوا مكلفين. كذلك أيضاً: إذا أتيت إليهم في وسط النهار -في وقت راحتك- فلا يكن همك أن تنام، أو أن تنشغل بمن زارك ونحوه، بل عليك أن تجعل لأولادك نصيباً من وقتك، فتجمعهم في مثل هذا الوقت فتربيهم وتسألهم، وتحرص على أن يكونوا عارفين بمسئوليتك عنهم، وأنك مهتم بهم اهتماماً بليغاً. وكذلك أيضاً: تحرص على تفقد أحوالهم إذا أتيت إليهم في أول الليل، فتسألهم: ماذا فعلتم؟ وماذا استفدتم؟ وما أشبه ذلك. أما أن تنشغل بدنياك أو بشهواتك عنهم فإنك بذلك تكون ملوماً، وإذا رأيتهم قد انحرفوا لم تملك بعد ذلك استقامتهم، ولم تقدر على تقويمهم، وردهم إلى الحق، فنقول: عليك ألا تنقطع عنهم انقطاعاً كلياً، وعليك أن تربيهم بما تستطيعه ولو بأمرهم بالعبادة، وأمرهم بالصلاة التي هي عمود الدين، وإلزامهم بها، وإذا كنت من أهل الخير والاستقامة لابد أنك تؤدي الصلاة جماعةً، فأولادك الذكور تأخذ بأيديهم معك إلى المسجد، فيؤدون الصلاة معك في جماعة، ويتربون على هذا الفعل، وعلى محبةِ هذه الصلاة، ومحبة المسجد، ومعرفةِ فضله، وما إلى ذلك، فلو غبت مثلاً في أول الليل عن وقت المغرب والعشاء فإن الأولاد قد تربوا على أداء هذه الصلاة جماعةً، وإذا فعلوا ذلك فإن الله تعالى يحفظهم، ويقر عينك بصلاحهم.

стр. 171

أهمية تربية الولد حال صغره لا شك أن ربنا سبحانه فطر الإنسان على محبةِ ذريته محبةً طبيعية، وإن علم أنهم لا ينفعونه في حياته، فقد يكون عمره في الثمانين أو في التسعين، ويولد له أولادٌ صغار، ويعرف أنه سيموت قبل أن ينفعوه، ولكن مع ذلك يحبهم ويشفق عليهم، ويعطيهم ويبذل لهم، وينشئهم على ما يعرف أن فيه خيراً، فهذا دليل على أن الله تعالى جعل هذه الرحمةَ في قلوب الآباء للأولاد وقت حاجتهم؛ لأنهم في حالة الصغر بحاجة إلى عناية، فلو أن الطفل إذا ولد قذف به، ولم يعتنِ به أبواه، فهل يستقيم ويصلح؟ لابد أنه يحتاج إلى من يربيه، وإلى من يحضنه ويطعمه ويسقيه ويرضعه، وكذلك بحاجة إلى من يعلمه ويلقنه ما تستقيم به حالته، فإذا كان هؤلاء الآباء منشغلين، ويقولون: إنما تربيتنا للأجسام دون أن نعتني بالقلوب ولا بالفطر، فإنهم -بلا شك- ملومون على ذلك، محاسبون عليه حساباً شديداً، ولا شك أنه إذا أهمله وقت الصغر يقسو قلبه بعد ذلك، وإذا قسا قلبه بعدما يبلغ أشده يحاول أبوه بعد ذلك أن يرده فيصعب رده؛ وذلك لأنه قسا عوده، ولو اعتنى به في صغره لوجده ليناً: إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت ولا تلين إذا كانت من الخشبِ فإذا كان غصناً ندياً رطباً صغيراً فإنه يلتوي ويلين مع من يلينه، فأما إذا صلب ويبس فإنه لا يلين حتى يكسر، فعلى الوالدين أن يعرفوا أن إهمالهم لأولادهم في الصغر وإعراضهم عنهم وانشغالهم بالوظائف أو التجارات أو الأعمال وتركهم تربية الأولاد، وإسناد تربيتهم إلى من قد يفسدهم من معلمين أو نحوهم، فإن ذلك مما يحزنهم إذا فات الأوان، وقست قلوبهم، وصعب تقويمهم، فأسفوا وقالوا: هذا هو سببُ تفريطنا، ونشاهد أن كثيراً من الآباءِ يشتكون أن أولادهم قسوا عليهم، وخرجوا عن طواعيتهم، وعقوهم، وقطعوهم، وخرجوا عن الاستقامة والطاعةِ لآبائهم، فنسألهم: ما السببُ في ذلك؟ فيقولون: إنا كنا قد انشغلنا عنهم، ولم نعتنِ بهم، ووكلنا تربيتهم إلى معلمين، والمعلم عادةً إنما يعلمه ما قرر عليه من المناهج الدراسية، ولكن التعليم بالفعل قليل، ثم المعلمون يعلمونهم خمس ساعاتٍ أو ستِ ساعاتٍ كل يوم، فإذا خرجوا فهناك من يتلقاهم؛ فيحرفهم، ويصرفهم، ويفسدهم، فيكون الأبُ هو السبب، لماذا فسد أولادك؟ لأني لم أنتبه لهم، فبعدما انحرفوا عرفت أني فرطت، وقلت: يا حسرتا على ما فرطتُ في جنب الله! يا حسرتا على هذه الإضاعة! وعلى هذا الإهمال! وعلى هذا الانشغال! فالآن استقبل وقتاً جديداً، وقل: أولادي الصغار سأحتضنهم، وأعتني بهم اعتناءً كاملاً، وأربيهم على الصلاح والطهارة والصلاة والصيام، وعلى العبادات والقرآن، وعلى الذكر والدعاء، وعلى فعل الخير، وحضور حلقات العلم، ومحبةِ العلماء، وعلى كل ما يؤثر في استقامتهم وفطرهم، حتى لا يعصوني كما عصاني من قبلهم، فهذا قسمٌ وقع فيه كثيرٌ من الناس.

стр. 172

الآباء الذين سعوا في إفساد أولادهم من الناس من يسعون في إفساد أولادهم، لم يغفلوا عنهم، بل جلبوا إليهم ما يفسدهم، ويصرف فطرهم، ويحرفهم عن الاستقامة، وهؤلاء كثير -والعياذ بالله-، ولعل من أسباب ذلك أن الآباء أنفسهم ليسوا من أهل الاستقامة، ولا من أهل الالتزام بطاعةِ الله، وإنما هم من الذين فسدوا في صغرهم، فكانوا سبباً في فساد أطفالهم، ومن المعلوم أن الأطفال يقتدون بآبائهم فيما يفعلون. فهناك كثيرٌ من الآباء -هداهم الله- وقعوا في شرب الدخان، ولا شك أن الأبناء إذا شاهدوا والدهم صباحاً ومساءً يشرب هذه السجائر؛ هان أمرها عندهم، وسهل تعاطيها، وقالوا: لو كان فيها ضرر ما أصر عليها والدنا ومربينا، ولو أن الأب قد ينهاهم ويحذرهم عن الوقوع فيها، ولكن لا يقدر على أن يحذرهم تحذيراً دائماً وهو يتعاطى ذلك، وإذا قالوا له: إنا نراك تتعاطى هذا الدخان علناً، فقد يقول: إني مبتلىً به، فيقولون: إذا ابتليت به ولم تتركه كما نشاهد، فما المانع لنا أن نقتدي بك؟ ولا شك أنهم إذا وقعوا في هذه البلية -التي هي شرب الدخان- فسيحصل لهم من أسباب الانحراف الشيء الكثير. كذلك أيضاً: قد يكون الآباءُ ممن ابتلوا بالسهر على الحرام، يسهر كثيرٌ من الآباء على شرب المسكرات، وتعاطي المخدرات، فإذا كان الآباء على هذا، فماذا سيكون حال الأبناء؟ لا شك أنهم سيقتدون بآبائهم، ويفعلون كما فعلوا، فيكون ذلك من أسباب انحرافهم -والعياذ بالله- إذا وقعوا في هذه البلية، كذلك الكثيرُ من الآباءِ يكونون ممن ابتلوا بسماع الأغاني واللهو والباطل، والعكوف على سماعها من أشرطةٍ أو إذاعاتٍ مرئيةٍ أو مسموعةٍ، ويتلذذون بذلك، والغناء ينبت النفاق في القلب كما ورد ذلك في الأثر، وهو وسيلةٌ من وسائل الفساد، وذريعةٌ من ذرائع الفواحش، وإذا ابتلي به من يسمعه من ذكرٍ أو أنثى، لم يصبر -عادةً- عن أن يواقع الفواحش من الزنا أو مقدماته، وما أشبه ذلك، ولا شك أن هذا من الوسائل التي تصرف كثيراً من الأبناء عن الاستقامة إذا رأوا آباءهم يصغون إلى سماع هذه الأغاني والملاهي. كذلك ابتلي كثير من الآباء بإدخال أجهزةِ الفساد التي هي الدشوش إلى منازلهم، والتي هي من وسائل وأسباب الفحشاء والمنكر؛ لما يعرض فيها من المنكرات، فيرى فيها الناظرون النساء العاريات، والرجال العراة، واقتراف المحرمات، والحيل المحرمة، وسماع المنكرات والكفريات، والسخرية بأهل الصلاح والاستقامة وما إلى ذلك مما تقشعر من ذكره الجلود، وإذا ابتلي الآباء بمثل ذلك ألف هذا الأبناء، فمتى يتفرغون لأداء الصلوات؟ ومتى يتفرغون لقراءة القرآن؟ ومتى يتفرغون لذكر الله ودعائه؟ ومتى يعرفون أن لربهم عليهم حقوقاً؟ ومتى يعرفون أن الله حرم عليهم هذه المحرمات؟ لا شك أنهم ينشئون نشأةً سيئةً بسبب هذه المنكرات التي يشاهدونها في الصباح والمساء، ولا شك أن هذا من التربية السيئة.

стр. 173

أهمية تحذير الأولاد من الشر إن من أسباب الصلاح والاستقامةِ حفظ الآباءِ لأبنائهم عن هذه المحرمات. وإذا وفق الله تعالى الأب فإنه ينبه أولاده ويقول: يا بَنِيَّ! إياكم ومجالسة أولئك المدخنين أو نحوهم! لا تجالسوهم؛ فإن من جالسهم أوقعوه فيما يقعون فيه، فإنهم لما رأوا أنهم قد ابتلوا بذلك حرصوا على أن يكثر الذين يبتلون مثلهم. فمن أسباب الصلاح تحذير الآباء أبناءهم عن مجالسة أولئك المنحرفين، من شبابٍ أو كهولٍ أو شيوخٍ ونحوهم، فإن النبي ﷺ حث على الجلساء الصالحين، قال ﵌: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)، ويقول ﵌: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)، فإذا تفقد الوالد أبناءه مع جلسائهم، ورأى أن فيهم من يتعاطى شرب الدخان؛ حرص على إبعادهم عن ذلك حتى يسلموا من هذا الداء الدوي. كذلك أيضاً: يحرص على ألاَّ يجالسوا المفسدين الذين يوقعونهم في المسكرات وما أشبهها، وما أكثر وسائل ذلك! كثرت هذه المسكرات، وكثر تعاطيها، وأصبحت توجد في المقاهي، وفي الكثير من المطاعم والاستراحات وما أشبهها، فيوجد الذين يجلسون فيها على سماع النغمات الشيقة في نظرهم، وكذلك رؤية الصور الفاتنة التي يتلذذون بها في نظرهم، والوالد المشفق حريصٌ على إبعاد أولاده عن أمثال هذه المحرمات، فينصحه ألاَّ يدخل في تلك المقاهي التي تفسد عليه خلقه، والتي تغير فطرته. كذلك أيضاً: يبعد عن منزله هذه الوسائل، ويحذر أولاده أن يدخلوا بيوتهم هذه المنكرات من الدشوش ونحوها، وكذلك يحذرهم أن يزوروا أقاربهم إذا كانوا كذلك إلا إذا كانوا متحفظين، ويحذرهم أن يدخلوا تلك المقاهي التي يعرض فيها هذا الفساد، وهذا الشر الذي من وقع فيه ورآه اهتم به وألفه، وصعب بعد ذلك عليه أن يتركه، ويحذرهم من الكتب المضلة، والمجلات الخليعة، والإذاعات الماجنةِ الفاتنة وما أشبه ذلك، ولعله بذلك يكون قد ربح أولاده، ووفقه الله تعالى لأن يتربوا التربية الصالحة التي ينفعون فيها أنفسهم، وينفعون آباءهم. نقف عند هذا، ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين ونياتهم وذرياتهم، ونسأله أن يصلح أولادنا وذرياتنا، ونقول: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤]. اللهم! أصلح أحوال المسلمين، وأصلح ذرياتهم، وأصلح شبابهم، واجعلهم هداةً مهتدين، يقولون بالحق وبه يعدلون، واجعلهم خيرُ خلفٍ لخير سلف، واجعلهم قرةِ عينٍ لآبائهم وأجدادهم، وانفعهم بهم، وارزقهم الاستقامةَ والصلاح، وقهم أسباب الفساد، إنك ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم. وصلى الله على محمد.

стр. 174

الأسئلة

стр. 175

حكم الماء المستعمل إذا وقع على الملابس السؤال هل الماء الذي يغسل الرجل به رجليه إذا سقط على الملابس أو شيء من الجسم طاهر أم لا؟ الجواب الماء المستعمل لرفع حدث ليس بنجس، بحيث إنه إذا وقع على الثياب فلا ينجسها؛ وذلك لأن البدن طاهر، يعني: فوجهك ويداك ورجلاك طاهرة، ولكن هذا الحدث أمرٌ معنويٌ، فهذا الماء الذي استعملته وانصب من يديك أو من وجهك أو من رجليك ووقع على الملابس؛ نحن نقول: لا يستعمل في رفع حدثٍ آخر، يعني: لا يتوضأ به مرةً أخرى، كذلك ماء الغسل لا يغتسل به مرةً أخرى، ولا يعني هذا أنه نجس، بحيث إنه يغسل ما أصابه، ولكن لا يرفع به حدثاً، ولا يستعمل في رفع طهارة أخرى، لكن لا يغسل الثوب الذي أصابه. والله تعالى أعلم. وبالله التوفيق.

стр. 176

حكم تولي المرأة منصباً تخالط فيه الرجال السؤال لا يخفى على سماحتكم ما يحاك ويخطط للمرأة في هذا البلد المسلم من أعداء الإسلام، وكان آخر ذلك ما سمعنا به من تعيين إحدى النساء المنتسبات لهذا البلد في هيئة الأمم المتحدة، هل من كلمةٍ لسماحتكم حول هذا الموضوع، وبيان دور المرأة في المجتمع المسلم، ودور أولياء الأمور فيمن تحت أيديهم من النساء، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب هذا لا شك أنه مما يسوء كل مسلم، فالمرأة وظيفتها أنها تخدم زوجها وأولادها، وتربيهم التربية الصالحة، ولا شك أنه يجوز لها أن تتولى الأعمال المتعدية النافعة، فتتولى التعليم والتدريس إذا كانت ناصحةً، وكذلك تتولى العلاج والطب إذا كانت تحسن ذلك، وتتولى ذلك بالنسبة إلى النساء، وما أشبه ذلك، فأما ما ذكر من هذا فإنه مما يسوء كل مسلم، وعلى من سمع ذلك أن ينكره ويتبرأ من هذا الفعل، وإذا كانوا يعرفون هذه المرأة وأولياءها يتصلون بها وبأهلها، ويبينون بشاعةَ هذا الفعل، وأن هذا ينافي أنوثةَ المرأةِ، ويدل على رعونتها وقسوة وجهها وقلبها، وعتوها ونفرتها، وتعديها طورها الذي هو الأنوثة بتدخلها هذه المداخل مع الرجال والعياذ بالله، فينصح كل من يتساهل في مثل ذلك أو يستحسنه.

стр. 177

كيفية التعامل مع زوجة تتعاطى الدخان السؤال رجل زوجته تشرب الدخان، علماً بأنه نصحها، ولكن قالت: لا أستطيع تركه، ولكن لا أشرب أمامك وأمام الأطفال، علماً: بأن لديها أربعة أطفال، ماذا يفعل زوجها في مثل هذه الحالة؟ هل يطلقها، علماً: بأنه حاول معها كثيراً، ولا زالت على هذه الحال؟ الجواب هذا كذب وليس بصحيح، نعرف كثيراً ممن تركوا الدخان، وأقلعوا عنه، وتاب الله عليهم، ووفقهم، ولم يعودوا إليه، وإن كان يصعب عليهم تركه لأول مرة، ولكن إذا عزموا وتركوه تركاً كلياً -ليس تدريجياً- بل دفعةً واحدة، وصبروا عنه أسبوعاً أو أسبوعين، فإنهم بإذن الله ينفطمون عنه. فنقول: عليك أن تلزمها إلزاماً كلياً، فأولاً: بإمكانك أن تحجزها في بيتها، حتى لا يأتي إليها أحدٌ يشتريه لها أو تشتريه هي إذا خرجت، فإذا انقطع عنها تصبر مدةً طويلةً إلى أن تنفطم عنه، وكذلك تهددها بالطلاق إذا رأيت منها هذا الإصرار، فلعلها أن تخاف فترتدع وتتوب عنه، وإذا أصرت على ذلك فنرى أن بقاءها على هذه الحال بقاءٌ على خطر؛ لأنها قد تحسن ذلك لأولادها، وقد يشعرون بذلك، وقد يحسون برائحته وهم صغارٌ فيقعون في هذا المنكر، فالطلاق أولى -حينئذ- إذا أصرت.

стр. 178

كيفية التعامل مع أبناء يتأخرون عن الجماعة ويحلقون اللحى ويسبلون الثياب السؤال سائلة تقول: لي أولاد، وهم يعاندونني في الذهاب إلى المسجد في الوقت المناسب، ولا يذهبون إلا بعد الإقامة وقد تفوتهم بعض الركعات، الرجاء أن تنصحوني ماذا أفعل وجزاكم الله خير الجزاء؟ كذلك يكون بعضهم مسبلٌ الثوب، وقد أخذتُ تلك الثياب وقصرتها، وذهبوا وفصلوا أخرى، وبعضهم مُصِرٌ على حلق اللحية رغم معرفته بحرمةِ ذلك، الرجاء التوجيه وبيان ذلك بالدليل وفقكم الله. الجواب واجبٌ عليها وعلى أبيهم وأقاربهم نصيحتهم عن هذه المعاصي، ومع الأسف أن هذا واقعٌ فيه كثير سمن الناس، كبارٌ وصغار، كهولٌ وشيوخ، فكثير من الناس وقعوا في هذه المعاصي التي منها: أنهم لا يأتون إلى المساجد إلا بعد سماع الإقامة، يجلسون على سهوٍ ولهوٍ، أو على قيلٍ وقال، أو على مشاهدةٍ للأفلام، ونظرٍ للشاشات إلى أن يسمعوا الإقامة، وقد يكون بعضهم غير متوضئ، فيتوضأ بعد الإقامة، ويفوته جزءٌ من الصلاة، ويفوتهم التقدم إلى المسجد، وتفوتهم الراتبة القبلية، ويفوتهم الذكر وقراءة القرآن، ويفوتهم تسبيح الملائكة لهم، (الملائكة تستغفر لأحدكم مادام في مصلاه: اللهم! اغفر له، اللهم! ارحمه)، والأدلة على ذلك كثيرة، فعلى المسلمين أن ينصحوا كل من رأوه يتأخر عن الصلاة، فلا يأتيها إلا وقت الإقامة أو بعدها. كذلك المعصية الأخرى التي هي الإسبال: الأدلة كثيرة على تحريم الإسبال، وقد قال النبي ﷺ : (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) ومثله: الثوب والقميص والسراويل، والإزار إذا جرهُ إلى أن يصل إلى الأرض أو إلى قرب الأرض يعتبر ذنباً كبيراً، وقد ورد في الحديث: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء)، وفي الحديث الآخر: (ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم ولهم عذابٌ أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالكذب)، والأحاديث كثيرة، فانصحوا الذين ترونهم يجرون ثيابهم أو يسبلونها أو يرخونها إلى تحت الكعبين. كذلك المصيبة الثالثة وهي مصيبة عامة: وهي ما ذكرت أنهم يحلقون لحاهم، وهذه بليةُ هذا الزمان، ابتلي بها الكثير، وادعوا أن هذا لا بأس به، وأنه لا حرج فيه، ونسوا أنهم مخالفون لسنة نبيهم محمدٍ ﷺ ، ونسوا أيضاً: أن هذا الشعر جعله الله تعالى شعاراً للرجال، وفرقاً بين الرجال وبين النساء، ونسوا أن في حلقه تشبهاً بالنساء، وأن الذين يحلقونه هم الكفار، (ومن تشبه بقومٍ فهو منهم)، والأدلةُ على ذلك كثيرةٌ، فاحرصوا على تنبيه إخوانكم، وعلى تحذيرهم من المنكرات.

стр. 179

حكم حلق الأولاد القزع ولبس الخليع للبنات الصغار السؤال ما رأيكم فمن يحلق لأبنائه القزع، ويلبس بناته الصغار ألبسةً تكشف شيئاً من مفاتنهن وعوراتهن؟ الجواب هذا من التربية السيئة؛ لأنهم إذا تربوا على ذلك ألفوا هذه الأفعال، وصعب بعد ذلك تخليهم عنه، فيكون ذلك سبباً في انحرافهم وزيغهم، نسأل الله العافية، فلا شك أنهم إذا ألفوا هذه الأكسية القصيرة أو هذا اللباس الذي يسمى البنطلون صعب بعد ذلك تخليهن عنه، إذا كبرنَ، ومتى تصلحُ إذا نشأت وهي صغيرة على هذا اللباس القصير أو الضيق أو ما أشبه ذلك؟ كذلك أيضاً الأولاد: متى يصلحون إذا رباهم على هذا القزع، وعلى هذا الحلق الذي هو محرمٌ كما هو واردٌ في الحديث؟ وكذلك متى تصلح البنات إذا تربين على قصِ رءوسهن كما يسمى بمدرجات، أو على تغيير لون الشعر بما يسمى (الميش) وما أشبه ذلك؟ هذه الأمور من التربية السيئة، فنقول: على الوالدين أن يربوا أولادهم تربية حسنةً في صغرهم، وألا يعلموهم هذه المحرمات.

стр. 180

نصيحة لمن يتهاون في صلاة الفجر السؤال أحياناً لا أصحو لصلاة الفجر، وذلك بالرغم من وضع المنبه، وكذلك زوجتي تصحيني ولا أصحو لصلاة الفجر، ولا أصلي الفجر إلا الساعة السادسة صباحاً -أي: بعد طلوع الشمس- فما حكم ذلك؟ الجواب هذا لا يجوز، وأنت تعرف -أيها السائل- أنك مفرطٌ ومخطئٌ خطئاً كبيراً، فننصحك أنك إذا أوقظت أن تستيقظ وأن تنتبه، فإنه لو أيقظك أحدٌ من أقاربك لغرض لانتبهت وخرجت إليه، وكذلك لو كان عندك موعد سفر أو وعدك أحد في الساعةُ الثالثة أو الثانية فإنك تنتبه بسرعةٍ إذا جاء ذلك الوقت ولا تنام، فننصحك بأن تنام مبكراً لتعطي نفسك حظها من راحتها في النوم، وأن تجعل عندك ساعة تنبيه حتى لا تفوتك هذه الصلاة، فإنها أثقل الصلاة على المنافقين.
следующие страницы →