Полный текст (354 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
حكم بيع التمر بالتمر
السؤال
يقع بعض المزارعين في مسألة وهي: أنهم يدفعون من التمور غير الجيد لمستحقي الزكاة، وعندما يحضر الفقير لاستلام التمر يقول: خذوا هذا النوع وأعطوني نصف مقداره من النوع الجيد، فما الحكم في هذه المسألة؟
الجواب
لا يجوز بيع التمر بالتمر، لا بد أن يكون مثلاً بمثل، فنقول لهذا الفقير: اقبض هذا التمر الرديء واذهب به إلى الأسواق، وبعه بدراهم، ثم تشتري بالدراهم تمراً جيداً، هذا هو الذي أرشد إليه النبي ﷺ معاذاً لما جاءه بتمر ثمين فقال: إنا لنشتري الصاع من هذا بالصاعين، يعني: إن الصاع بالصاعين من الرديء، فقال له: (كفى بع الجمع) يعني: الرديء، بع الرديء بالدراهم ثم اشتر بالدراهم تمراً جيداً.
стр. 107
حكم تأخير باقي النقود عند صاحب البقالة
السؤال
دخلت بقالة، واشتريت بعض الأغراض، وأعطيته مائة ريال فأخذ المائة ليرد لي الباقي، فقال لي: لا يوجد عندي صرف الآن، ولكن ارجع لي بعد ساعة أو ساعتين وأعطيك الباقي، فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
لا بأس بذلك، وذلك لأن هذه النقود سعرها متفق، لو بعت مثلاً شاة بخمسمائة أو بعت خمس شياه كل شاة بخمسمائة، فأحد المشترين أعطاك ورقة واحدة، والثاني أعطاك خمس ورقات، والثالث أعطاك عشراً أعني: فئة خمسين، والرابع أعطاك من فئة العشرة أو فئة المائتين، فإنك لا ترد شيئاً من ذلك، فمثل هذا لا يسمى صرفاً؛ وذلك لأنها نقداً واحداً، قيمته لا تتغير.
стр. 108
لا يشترط سؤال الإمام أهل الميت هل عليه دين
السؤال
هل يشترط على الإمام أن يسأل أهل الميت هل عليه دين أم لا؟
الجواب
كان النبي ﷺ يصلي عليهم، وصلاته فيها شفاعة لهم، وشفاعته بلا شك تسقط ما عليه من الحقوق، فخاف أنها لا تسقط ما عليه من الحقوق للآدميين، فلذلك لم يصل إلا على من لا دين عليه، إلا إذا تُحمل، فأما نحن فلسنا مثل النبي ﷺ ، فنصلي عليهم وندعو لهم، والديون التي عليهم يتحملونها إما في الدنيا وإما في الآخرة.
стр. 109
حكم الاحتيال في قضاء الدين عن المدين من الصندوق الخيري
السؤال
بعض المستدينين يتفق مع صاحب الدين أن يتقدم بشكوى ضده، ويدعي المدعي عليه الإعسار، ثم يحال للمحكمة، ويصدر بهذا الدين حكم شرعي بإلزام المدين، ثم يرفع عنه بالجهات التي تخص المعسرين ويسدد عنه، فما حكم ذلك؟
الجواب
هذه من الأشياء المحرمة، لا يجوز ذلك، وما أخذوه فهو حرام؛ وذلك لأن الجمعيات الخيرية أو الصندوق الخيري إنما أنشئ للمستضعفين والغارمين العاجزين، فهذا الذي اتخذ هذه الحيلة أخذ ما لا يستحقه سواء هو أو الطرف الذي اتفق معه، كلاهما أكلا حراماً، فننصح من عرف شيئاً عن هؤلاء أن يرفع أمرهم إلى الجهات المختصة حتى يلاقوا جزاءهم.
стр. 110
حكم البيع والشراء في الأسهم
السؤال
ما حكم الشراء والبيع في الأسهم؟
الجواب
يقع هذا كثيراً، ونقول: إذا كانت هذه الأسهم معلومة المقدار فلا بأس، وصورة ذلك: إذا كانت هناك شركة تجارية رأس مالها مثلاً مائة ألف، وكل سهم بعشرة آلاف، فباع أحدهم نصيبه من هذه الشركة الذي هو عشرة أسهم، فكأنه باع عشر هذه التجارة، فيقول: بعتك أسهمي في هذه التجارة التي هي مثلاً أكياس أو سيارات أو أقمشة أو ما أشبه ذلك، فهذا جائز، أما إذا كانت السهام نقوداً فأرى أنه لا يجوز، كالأسهم التي في البنوك أو ما أشبهها، فإذا كان رأس المال نقوداً فإنه يكون بيع نقد بنقد من غير تقابض، وأما إذا كانت الشركة مثلاً صناعية فلا مانع أيضاً من بيع الأسهم فيها، ويجوز أيضاً إذا كانت النسبة معروفة كأن يقول: إني أملك مثلاً ثلاثة في المائة من هذه الشركة من رأس مالها ومن أرباحها، وقد جعلت رأس مالها كله -مثلاً- في مصانع وفي أدوات وفي سيارات وفي معدات وفي آلات الصناعة، فتشتري نصيبه منها، وهو شيء معلوم.
стр. 111
حكم بيع السلعة بزيادة عما حدده صاحبها وأخذ الزيادة
السؤال
شخص وكل آخر لبيع سيارته، وحدد له الثمن بأن يبيعها له في المعارض بأربعين ألف ريال، ولكن السيارة استحقت أكثر من ذلك، فباعها الوكيل بخمسين ألف ريال، فأخذ الوكيل العشرة ألف وأعطى صاحبها الأربعين ألفاً، فما حكم ذلك؟
الجواب
لا تحل له إلا برضا صاحب السيارة؛ لأنها قيمة سيارته ولو أنه قال لموكله: ما زاد على الأربعين فهو لك لجاز للوكيل أن يأخذ الزيادة، فنقول: هذه العشرة ألف ملك صاحب السيارة، وعلى الوكيل أن يخبر صاحب السيارة فيقول: بعتها بخمسين، فإذا سمح بالعشرة كلها وإلا فصاحب السيارة أحق بها، ويعطيه منها ما يستحقه كأجرة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 112
حكم من طلق الرابعة من نسائه ثم تزوج الأخرى مباشرة
السؤال
رجل متزوج أربع نساء، فطلق الرابعة وهي حامل وتزوج رابعة أخرى، فهل للأولى طلاق وهي حامل، وما حكم زواجه من الأخرى؟
الجواب
هذا لا يحوز، عليه أن يفارق الجديدة ويجتنبها، إلى أن تضع الحامل التي طلقها حملها، فإذا وضعت حملها فعليه أيضاً أن يجدد العقد على الزوجة الرابعة الأخرى، ولا يستجيب لذلك العقد الأول فإنه باطل؛ ولا يصح له أن يجمع بين خمس.
стр. 113
حكم شراء المزرعة ديناً عن طريق غني ديناً
السؤال
شخص أراد أن يشتري مزرعة فذهب إلى شخص مليء، وطلب منه أن يشتري المزرعة له بدين، حيث أن الذي عنده المال لم يملك المزرعة مثلاً، بل عن طريق الذي يريد الدين، فما حكم الدين جزاك الله خيراً؟
الجواب
لا بأس في ذلك، على صاحب المال أن يشتري المزرعة بنقد، وبذلك يملكها، فإذا اشتراها مثلاً بمائتي ألف ونقد الثمن، وكتب بينهما البيع وتم العقد، له بعد ذلك أن يبعها على ذلك الذي يريد ملكيتها بدين، فيقول: اشتريتها بمائتي ألف وأبيعكها ديناً مثلاً بمائتين وخمسين أو ما يتفقان عليه أقساطاً أو أجلاً واحداً أو نحو ذلك، وعلى الذي اشتراها أن يستغلها ويحرص على أداء ثمنها.
стр. 114
حكم أخذ نعال أخرى بدلاً عن نعاله التي أخذت في المسجد
السؤال
يسأل سائل عما يقع عند التجمعات الكبيرة، حيث يخرج أحدهم فلا يجد نعليه، ولكنه يجد مكانها نعالاً أخرى، فهل يأخذها؟
الجواب
ذكر العلماء أنه إذا أُخذ نعله ووجد غيرها مكانها أنها لقطة، لكن قالوا: يأخذ قيمة نعله منها، ويعرفها إذا كانت تحتاج إلى تعريف، لكن إذا كانت مثل نعاله أو دونها، وتحقق أن صاحبها أخذ نعله، وأنه لا يردها فلا بأس أن يأخذها لأنها دون حقه.
стр. 115
حكم توكيل المستدين لمن دينه في بيع السيارة
السؤال
هل يجوز لي بعد بيع السيارة أن أتوكل عن المشتري ببيعها له أو توكيل أحد أولادي بذلك؟
الجواب
لعل الأولى أن يوكل غيرك، لأنك -ولو كنت مثلاً قد بعتها ديناً- قد تتساهل أو نحو ذلك، ومع ذلك يمكن لو أنه مثلاً قبضها، وغير موضعها، ولم يجد من يشتريها منه بنقد، ففي هذه الحال لا بأس أن يوكل المديِّن مثلاً أو غيره ليبيعها.
стр. 116
حكم من استدان مالاً مع تعليق شرط الزيادة إذا تأخر عن السداد في وقته
السؤال
ما حكم من تدين خمسين ألف ريال، ثم شرط عليه أن يزيد في كل سنة يتأخر عن السداد فيها ألف ريال؟
الجواب
لا أجوز ذلك، ويعتبر هذا ربا الجاهلية، وهو أيضاً ربا البنوك، حيث أنه إذا تأخر من اقترض منهم عن السداد فإنهم يزيدون عليه، وذلك عندما يحل الدين، ففي آخر السنة التي عليه فيها عشرون ألفاً مثلاً، إذا تأخر سنة أخرى جعلوها اثنين وعشرين ألفاً، فإن تأخر سنة ثالثة جعلوها ثلاثة وعشرين ألفاً، وهذا هو الربا الصريح.
стр. 117
حكم من استدان البضاعة ثم باعها ديناً من آخر
السؤال
هناك بعض التجار يستدين البضاعة ثم يقوم هو ببيعها ديناً على شخص آخر، فما حكم ذلك؟
الجواب
لا بأس إذا استدان البضاعة بعد قبضها فإنه يملك التصرف فيها، فيبعها إما على صاحب المعرض أو المخزن وإما على غيره، بشرط ألا يبيعها على الذي باعه، أي: على الذي دينه.
стр. 118
نصيحة في الرفق بالمعسرين
السؤال
يوجد بعض الناس يدينون العشرة بخمسة عشر، ويطلبون كل شهر ألفين وخمسمائة ريال للسداد، ومرتب بعضنا ثلاثة آلاف وهو يريد الزواج، فهل من نصيحة لمثل هؤلاء؟
الجواب
لا شك أن في هذا إضرار، وذلك حينما يستدين الإنسان ليتعفف ويتزوج، فيتراكم عليه دينه ثلاثين ألفاً أو خمسين ألفاً، ثم إن أهل الدين يقتسمون مرتبه فلا يبقى له إلا خمسمائة أو أربعمائة، وبما أن لديه زوجة وعنده مسكن وقد يكون مستأجراً، فنرى الرفق بمثل هؤلاء وعدم التشديد عليهم، فإذا تأخر أحد الأقساط فلا يضايقونه بل يخففون عنه في الأقساط، ويتركون له ما يسد حاجته وفاقته.
стр. 119
حكم إعارة الذهب
السؤال
ما حكم اقتراض الحلي من امرأة أخرى ثم إعادته إليها؟
الجواب
هذا لا يسمى قرضاً وإنما يسمى عارية، يعني: إذا احتاجت مثلاً إلى حلي تتجمل به، فتستعيره وتتجمل به ثم تعيده؛ لأن القرض يملكه المقترض وله أن يتصرف فيه، ويرد مثله، وأما إذا أعيد نفسه فيسمى عارية ولا بأس بذلك.
стр. 120
حكم الزيادة في الدين دون شرط
السؤال
تدينت مني قريبتي مبلغاً من المال لمدة ستة أشهر، وبعد ذلك قامت بردها وزادت عليها ثلاثمائة ريال، فقلت لها: هذه الزيادة ربا، فقالت: اعتبريها هدية من عندي، فهل تجوز هذه الزيادة لي أم أردها إلى صاحبتها؟
الجواب
لا بأس إذا كانت اعتبرتها هدية، ولم تشترطيها عند الاستدانة، وإنما رأت أن تكافئك بها على الجميل، لقوله ﵊: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه).
стр. 121
أفضلية قضاء الدين المقسط بأقرب وقت
السؤال
اقترضت مبلغاً من الصندوق العقاري فبنيت منزلاً لي، وأنا الآن منتظم في تسديد أقساط الصندوق العقاري، فهل يعتبر هذا المبلغ المتبقي من الدين؟ وهل من الأفضل تسديد المبلغ كاملاً إذا كنت قادراً على ذلك؟
الجواب
يعتبر من الدين، وإذا كانت عندك ثروة وقدرت على أن تسدده دفعة واحدة فهو أفضل، ويسقط عنك أيضاً بعضاً من الدين.
стр. 122
لزوم نقل السيارة من مكانها بعد بيعها
السؤال
عندما أقوم بعملية المداينة أقوم بإحضار السيارة، وبعد بيعها بالدين هل ألزم الذي اشترى السيارة بنقلها من مكانها قبل التصرف فيها وبيعها، أم يكفي أن أعطيه مفاتيح السيارة وأوراقها، ويقوم بتحريكها من مكانها وعدم نقلها؟
الجواب
نرى أنه لا بد أن ينقلها، وبعض العلماء يقول: ينقلها بما يسمى بالاستمارة، ولعل الصواب أن الاستمارة هذه إنما هي من الأنظمة، فإذا اشتراها ودخلت في ملكه، وغير مكانها وقبضها القبض الكامل جاز له أن يبيعها ولو بدون الاستمارة، وذلك لأنها قد تكلفه وقد تنقص قيمتها إذا أخرج لها رقماً وما أشبه ذلك، فنقول: إنها دخلت في ملكه بمجرد دفعه للثمن، وبمجرد تحريكها وقبضها، بحيث أن غلاءها له ورخصها عليه، ولو تلفت لذهبت عليه، فصح له أن يتصرف فيها.
стр. 123
من تعامل بالربا هل يأخذ المبلغ على ما اتفقا عليه مع الزيادة ؟
السؤال
شاب أراد الزواج، فذهب لشخص لكي يعطيه سيارة ديناً، فقال البائع: خذ هذه ستون ألف ريال، اشتر بها سيارة، وهي عليك بمائة وعشرين ألف ريال، فذهب هذا ولم يشتر بها سيارة، بل أخذ الستين وصاحب الدين لا يعلم فما الحكم؟ لأنه عنده الآن أولاد وقد تزوج بذلك المال، فماذا يفعل؟
الجواب
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩]، فنقول لذلك الذي أعطاه الستين: ليس لك إلا الستون الألف التي هي رأس مالك، وإذا أخذت أكثر منها فإنه ربا، وإذا كان ذلك قد مضى عليه سنين، فلعل ذلك داخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥].
стр. 124
مسألة: ضع وتعجل
السؤال
رجل اشترى بضاعة بخمسين ألف ريال ديناً، ثم اتفق مع البائع على أنه إذا سدد خلال شهرين تكون القيمة قيمة بيع نقد، أي: أربعين ألفاً مثلاً، فهل يصح هذا الشرط؟
الجواب
أرى أنه يدخل في مسألة (ضع وتعجل) أعني: أنه إذا حصل على الأربعين ألفاً جاء بها وقال له: أنا أعطيك الأربعين ألفاً -التي هي بيع نقد- على أن تسقط عني الزيادة، فيدخل هذا في مسألة (ضع وتعجل)، فيجوز للإنسان إذا كان له دين يحل مثلاً في ذي الحجة، فاحتاج إليه وقال: أعطني ديني فإني محتاج، فيقول المستدين: ضع وتعجل، يعني: دينك قيمته في الوقت الحاضر عشرون ألفاً وقد جعلته بخمسة وعشرين ألفاً، ضع الخمسة وتعجل العشرين، لعله بذلك يصلح.
стр. 125
حكم بيع السلع قبل أن تنقل من مكانها
السؤال
استدنت من أحد الناس سيارة وهي في أحد معارض السيارات، وبعد أن ذهبنا للمعرض وكتبت الأوراق المطلوبة في ذلك وسلم لي الشخص مفتاح السيارة، عرض علي صاحب المعرض أن يشتريها مني بأقل من الثمن المحدد لها، فهل في بيعها على نفس المعرض شيء؟
الجواب
في مثل هذه الحالة لا تبعها في موضعها، فأنتم الآن ثلاثة أطراف: أنت الطرف المستدين، والذي باعك هو الذي يملك الدين، وصاحب المعرض هو صاحب السلعة، فرفيقك الذي اشتراها اشتراها بنقد، سلم ثمنها مثلاً أربعين ألفاً، وباعها عليك بخمسين ألفاً، وصاحب المعرض يريد أن يشتريها منك بتسعة وثلاثين ألفاً، فينقصك ألفاً، والحيلة في هذا أولاً: أنه إذا اشتراها من المعرض فلا بد أن يقبض مفاتيحها وأوراقها، ولا بد أن يخرجها من هذا المعرض أو ينقلها إلى معرض آخر أو إلى بيته، ويجوز أن ينقلها من مظلة إلى مظلة، ثم بعد ذلك يعرضها عليك ويقول: هذه السيارة اشتريتها بأربعين ألفاً وأبيعك إياها بخمسين ألفاً ديناً، ثم إذا التزمت واشتريتها بخمسين ألفاً فإنه بعد الكتابة يأخذ وثيقته التي هي الكتابة، وأنت لا تبعها أيضاً في موضعها حتى تغير موضعها، وتنقلها إلى مكان آخر، فإذا نقلتها جاز لك أن تبيعها على صاحب المعرض أو على غيره.
стр. 126
حكم استبدال الذهب بالذهب
السؤال
عندنا ذهب قديم بعته على صاحب المحل، ووزنه وعرف قيمته، ثم اشترينا ذهباً جديداً بقيمة الذهب القديم، فما رأي فضيلتكم؟
الجواب
لعل ذلك جائز إذا لم تفترقا وبينكما شيء، يعني: سواء اشترى منك الذهب ودفع ثمنه أربعة آلاف مثلاً، ثم اشتريت منه الذهب الجديد بخمسة آلاف وزدته بألف، أو لم تطلب الأربعة آلاف، بل تقول مثلاً: أنا أشتري بها وأزيدك على ثمن هذا الذهب القديم بعد ما تحدد قيمته، وأزيدك معها ألفاً -مثلاً- وأشتري بخمسة آلاف ذهباً جديد.
стр. 127
حكم السلف إلى أجل بشرط الزيادة
السؤال
رجل يسلف ألفاً وخمسمائة ريال، ويأخذ ألفي ريال -زيادة خمسمائة ريال- فما حكم ذلك؟
الجواب
هذا هو الربا، فلو أعطاك -مثلاً- عشرة ريالات وقال: تردها علي اثني عشر ريالاً بعد شهر أو بعد سنة، فإنه يكون قد وقع في الربا، فليس له إلا رأس ماله، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩].
стр. 128
حكم بيع البضاعة في مكانها أكثر من مرة
السؤال
هل طريقة المداينة المتبعة هذه الأيام مباحة، خصوصاً أنه يتم الاتفاق مثلاً: العشرة بأربعة عشر أو بخمسة عشر، وكذلك كون البضاعة تباع في مكانها أكثر من مرة، فما رأي فضيلتكم؟
الجواب
هذا أيضاً من الخطأ، يعني: كون البضاعة تباع -قبل أن تنقل- مراراً فهذا من الخطأ؛ لأنه ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، وقد يقال: إن في ذلك مشقة إن طلبنا منه أن ينقلها إلى دكانه، ولكن نقول: عليه أن يغير مكانها، بأن ينقلها إلى مكان آخر ولو كان قريباً.
ثانياً: الاتفاق على الثمن قبل أن يشتري السلعة، هذا أيضاً أرى أنه لا يجوز، نسمع أن المستدين يأتي إلى التاجر أو يأتي إلى من عنده نقود ويقول: أريد مالاً، فيقول الدائن: كم تريد؟ فيقول: أريد عشرين ألفاً، فيتفق معه على أن يزيد في الألف أربعمائة أو خمسمائة أو ثلاثمائة، ثم يذهبون إلى أحد التجار فيقولون: أعطنا عوض عشرين ألفاً، فكونهم يتفقون على الفائدة قبل ملك السلعة هذا من الخطأ، فإنه شبيه ببيع ألف بألف وأربعمائة، ألف نقداً بألف وأربعمائة ديناً، ولو جعلوا هذه السلعة في البيعة كحيلة، والعلة في تحريم ذلك أولاً: أن هذا من الإجحاف والإضرار، كونه يبيع ما يساوي ألفاً بألف وأربعمائة، وسبب لتراكم الديون على الضعفاء والغارمين.
ثانياً: فيه تحديد للفائدة قبل أن تملك السلعة، أما لو اشترى السلعة مثلاً، أو قال لصاحب المتجر: أريد أن أشتري منك مائة كيس، ثم يشتريها ويودعها عنده أو عند غيره، فإذا جاءه المستدين، أتى به إلى هذه السلعة وقال: هذه مثلاً عشرون كيساً قيمتها ألفان، وأبيعكها بألفين وأربعمائة أو ما أشبه ذلك ديناً، اقبضها وتصرف فيها، فمثل هذا لا بأس به؛ لأنه لم يبع شيئاً إلا بعد أن ملكه، ولم يحدد الفائدة إلا وقد وقف عليها المستدين، وبهذا يتجنب المسلم إضرار إخوانه المسلمين.
стр. 129
بيع العينة وتحريمه في الشرع
السؤال
احتجت إلى مال، وذهبت إلى دائن فاشترى ستين كرتوناً من الصابون، فاشتريتها منه بثمن مؤجل، فقمت أنا ببيعها على صاحب المحل، والبضاعة لم تتغير من مكانها، واستلمت المال، فما حكم ذلك؟
الجواب
ذكرنا أن هذا داخل في المنهي عنه، وهذه هي مسألة العينة؛ وذلك لأنه لم يبع شيئاً، وإنما أعطاك الدراهم، وكراتينه بقيت عنده، فكأنه أعطاك عشرين ألفاً وكتبها ثلاثين ألفاً مؤجلة، فهذه هي مسألة العينة، وتجري هذه عند القضاة ويكتم المتقاحنون فيها الحيل، وذلك بأن يكتب أن عنده ثلاثين ألفاً قيمة ستين كرتوناً من الصابون، كل كرتون بثمن كذا وكذا، ثم يكتب أنه استلم السلعة وتصرف فيها، مع أنه لم يستلم ولم يتصرف في السلعة التي هي كراتين الصابون، بل هي باقية في مكانها، وصاحبها هو الذي اشتراها، أعني: باعها واشتراها دون أن يحصل هناك قبض، فهذا نرى أنه ربا؛ لقوله في الحديث: (من باع بيعتين في بيعه فله أوكسهما أو الربا) يعني: أنه باعك كراتين -مثلاً- بثلاثين ألفاً، ثم اشتراها منك بخمسة وعشرين ألفاً، وأعطاك الخمسة والعشرين ألفاً، وكتب في ذمتك ثلاثين ألفاً، فقل له: لا يحل لك إلا الخمسة والعشرون أو تقع في الربا.
(فله أوكسهما) أي: الأنقص، والقصد: أنهم إذا جاءوا إلى القاضي وقد كتب أنك استلمتها وتصرفت فيها، فالقاضي يحكم بما يراه وظهر له من أنك استلمت وتصرفت.
стр. 130
حكم بيع ما لا يملك
السؤال
رجل أتى إلينا يريد أن يستدين مبلغاً من المال، واتفقنا وتفاهمنا على السعر، ولكن السلعة ليست موجودة عندي، فذهبت واشتريت السلعة وقبضتها، ثم قبضها المستدين، ثم كتبناها عليه، فما رأيكم؟
الجواب
أخطأتم في تحديد الثمن قبل تملك السلعة، وكذلك تحديد الزيادة، فقد كره كثير من العلماء أن يقول: بعتك على أن أربح في كل عشرة ريالاً أو ريالين؛ لأن هذا شبيه بقوله: بعتك العشرة بإحدى عشر أو باثني عشر، وكان الواجب أن تقول: أنا سوف أشتري السلعة، وبعدما أشتريها وتدخل في ملكي نتفق وإياك على بيعها بثمن مؤجل كما يبيع الناس بالمؤجل، فأما تحديد الثمن قبل أن تملكها فأرى أن ذلك داخل في بيع ما ليس عندك، وداخل فيما ذكروه، ولكن إذا قبضها وتصرف فيها لم يملك بعد ذلك المطالبة بالنقص.
стр. 131
لا إفراط ولا تفريط
شريعة الإسلام هي شريعة الوسطية، فهي وسط بين التشريعات في المعاملات، ووسط بين التشريعات في العبادات، وهي وسط في سائر الأحكام.
ولما تفرق المسلمون وظهرت الفرق تغيرت هذه الوسطية عند كثير من الفرق، فجانبوا الوسطية إلى الإفراط أو التفريط، ولكن الله حفظ هذا الدين وحفظ وسطيته على أيدي أهل السنة والجماعة، فهم وسط بين الفرق كوسطية الإسلام بين الملل.
стр. 132
دين الإسلام وسط بين الأديان
بسم الله الرحمن الرحيم نحمد الله ونشكره، ونثني عليه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، ولا رب لنا سواه، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
وبعد: فإن دين الإسلام وتعاليمه وسط بين الإفراط والتفريط؛ وذلك لأن الإسلام جاء منتظماً لمصالح العباد، وكمله الله تعالى وأتمه على أحسن ما يرام، وضمنه كل مصلحة وأمر بها، ونهى عن كل مفسدة، فلا جرم أن هذا الدين هو الدين الذي فطر الله العباد على استحسانه والميل إليه، وقد ارتضاه الله تعالى لنا ديناً، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] يعني: اختاره ورضيه ديناً للعباد يدينون به ويتقربون به إلى ربهم، وأخبر بأنه الدين الحق لا سواه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، أي: هو الدين الصحيح، وما سواه من الأديان فإنها منسوخة، فالأديان السماوية السابقة قد نسخها هذا الدين، وحل محلها، وتضمن ما فيها من العبادات والمعاملات الملائمة، فقام مقام كل ما سبقه من الأديان، وزاد على ذلك بما هو مناسب وملائم لحال العباد والبلاد.
وأخبر سبحانه بأن من تركه وخالفه فهو خاسر تائه ضائع، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، وذلك لأن هناك أدياناً يدين بها من يعتنقها ويعتقدها من عباد الله، وزين لهم الدعاة إلى تلك الأديان أنها أديان حقة صحيحة ملائمة مناسبة، ولكن عند التأمل والتعقل يتضح أنها باطلة، وأن الذي شرعها ودعا إليها هو الشيطان الرجيم.
стр. 133
كمال دين الإسلام ووجوب اتباعه
وبعد أن بعث النبي محمد ﷺ ، وكمل الله له هذا الدين أصبح الدين السماوي الذي لا يناسب ولا يلائم العباد سواه، وأصبح الدين الباقي.
وأما ما سواه من الأديان الباطلة المضلة، فقد نهى عنها دين الإسلام وحذر منها، فإن الإسلام جاء وهناك دين أهل الوثنية الذين يعبدون الأصنام والأوثان من دون الله، ويعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم عند الله، ويصرفون لها خالص حق الله، فلما جاء الإسلام نهاهم عنها نهياً صريحاً، وحذرهم عن التعلق بتلك الأوثان، وأمرهم أن يعبدوا الله وحده، فجاء الإسلام بإبطال ونسف عبادة ما سوى الله من نبي أو ولي أو صالح أو قبر أو حجر أو مدر أو صخرة أو شجرة أو بقعة، أو غير ذلك مما يعظم ويصرف له شيء من خالص حق الله، فهذا دين باطل، يعني: دين الوثنية، جاء الإسلام بنسفه وبالقضاء عليه.
وهناك أديان انتشرت في هذه الأزمنة، وكثر الذين يعتنقونها، مع كونها باطلة، فتجد هناك ديناً يتسمى أهله بالبوذيين، وهم على عقيدة رجل يسمى بوذا زينت له نفسه فابتدع واخترع أشياء ما أنزل الله بها من سلطان: في العقائد وفي الأعمال، ومع ذلك استمرت عقيدته وانتشرت منذ عدة قرون، ولا تزال تلك العقيدة الباطلة منتشرة، وهناك من يدين بها، ويقدسها ويعظم معلوماتها وما تضمنته! وهناك ديانات منتشرة في كثير من البلاد كالهندوس ونحوهم الذين يعبدون أوثاناً أو معبودات سوى الله تعالى، فهؤلاء يدخلون في الوثنية.
وهناك أديان منحرفة زين الشيطان لأربابها أنهم على خير، فصاروا يدينون بها ليل نهار، كأنها مسلمة لكل عاقل كعقيدة القاديانيين السيئة المنتشرة في المشرق.
هذا من حيث الأديان الباطلة التي تخالف الإسلام كلياً.
стр. 134
انحراف بعض الفرق عن الإسلام
وهناك من ينتسب إلى الإسلام ولكن لم يتحقق به وصف الإسلام، ولا الحقيقة المطلوبة من دين الإسلام، وهؤلاء على خطأ وضلال، مع كثرتهم وكثرة من يدين بدياناتهم، والإسلام براء منهم، وهم بعيد عن تعاليم الإسلام، كالباطنية الذين يجعلون للأعمال باطناً غير ظاهرها، فللعبادات وللعقائد عندهم بواطن يعتقدون أنها هي المعنى الشرعي ويريدون أشياء غير هذه الظواهر، وهذه العقيدة الباطنية من أكفر الكفر وأضل الضلال؛ لأنهم يخالفون الشرع بتعاليمه وباعتقاداته، وقد بقي على معتقدهم كثير من الفئات لا تزال موجودة إلى اليوم، يدينون بتلك العقيدة السيئة كعقيدة الدروز الذين يوجدون في كثير من البلاد العربية المجاورة، وعقيدة النصيرية الذين يدينون بالعقيدة الباطنية السيئة.
ومثل هؤلاء ولو تسموا بأنهم مسلمون فإنهم ليسوا من المسلمين المطبقين لشعائر الإسلام، ولأجل ذلك نقول: إن الإسلام الحقيقي هو الاعتقاد بالله إلهاً ورباً وخالقاً، والديانة له بالعبادة كما فسره الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، حيث يقول: الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله.
فيبين ﵀ أن المسلم حقاً هو المذعن المنقاد المتذلل، الذي متى علم بأن هذه الخصلة من الإسلام جاءنا بها واتبعها ولم يتخلف عنها، ومتى علم أن الإسلام حرم أو نهى عن هذه الخصلة ابتعد عنها، ودان لله تعالى بتركها، هذا هو المسلم حقاً.
ونحمد الله أن حفظ علينا شعائر ديننا، فجميع المحرمات أدلتها موجودة في الشريعة من الكتاب والسنة، وجميع العبادات والواجبات المشروعة أدلتها موجودة في الكتاب والسنة، فلسنا بحاجة إلى تحكيم العقول، ولا إلى أن نزن بأهوائنا ما يلقى إلينا، وما يسوغه لنا أولئك الأعداء الذين يجعلون أهواءهم هي الميزان الحق، فما وافق أهواءهم اتبعوه وشرعوه.
стр. 135
كمال الإسلام وحرمة الزيادة فيه
وإذا كان الإسلام قد تضمنته الشريعة، وأدلتها واضحة صحيحة، فليس للمسلم أن يدين بأي قربة أو طاعة إلا بعد أن يثبت له دليلها، وليس له أن يحرم أي خصلة إلا بعد أن يتحقق دليلها من كتاب الله أو من سنة رسول الله ﷺ ، ولقد تكفل الله سبحانه ببيان هذا الدين، وجعله كاملاً، فأنزل على نبيه ﷺ في آخر حياته: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣].
وكماله: احتواؤه على كل خير، ونهيه عن كل شر، ولقد بين وكمل تعاليمه وتفسيره وإيضاح معانيه النبي الكريم ﷺ ، الذي كلفه الله بأن يبين للناس هذا الدين، فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، أي: لتوضح لهم بالأمثلة وبالإيضاح التام ما أجملت أحكامه في القرآن، فإذا بينه النبي ﵊ بأفعاله كان هذا البيان من الله تعالى؛ لأنه وحي وتشريع.
فجاء هذا الإسلام -بحمد الله- بكل ما فيه خير ومصلحة، ونهى عن كل ما فيه شر ومضرة كما روي عن بعض العقلاء من الأعراب لما دخل في الإسلام لأول ما عرض عليه، فقال: إني تأملت ما جاء به محمد فرأيته ما أمر بشيء وقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عنه شيء وقال العقل: ليته أمر به.
والمراد هنا: العقول السليمة والفطر المستقيمة، فإنها تشهد بحسن هذا الدين، وباحتوائه على كل خير، وتنزيهه عن كل شر، وتشهد بمطابقته وملاءمته للمصالح، واحتوائه على كل ما ينظم الحياة تنظيماً كاملاً صحيحاً، فكان ذلك هو السبب الذي اختاره الله لهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، ومن ظلمات الجهل والظلام إلى نور الحق والإيمان، فكان حقاً على عباد الله الذين هداهم الله وأقبل بقلوبهم إلى اعتناقه، وصدقوا الرسول الذي جاء به، يطبقوه أتم تطبيق، وأن يعملوا به، وأن يكونوا في العمل به عارفين بأهدافه ومقاصده، غير زائدين فيه ولا مضيفين إليه ما ليس منه، وغير مقصرين في شيء منه ولا مخلين وناقصين بشيء من تعاليمه.
стр. 136
الإسلام نسخ كل ما تقدمه من الأديان
فهناك من يدين الآن بدين النصارى، ولا شك أن دين المسيح كان ديناً سماوياً، ولكنه مؤقت، حيث إن المسيح ابن مريم ﵇ كانت رسالته مؤقتة بنبوة وبإرسال محمد ﷺ ، وهو الذي بشر به في قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦].
وقد أخذ الله الميثاق عليه بل وعلى كل الأنبياء أن يتبعوا نبينا محمداً ﷺ متى بعث، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران:٨١]، قال ابن عباس: ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد وهم أحياء أن يتبعوه ويؤمنوا به وينصروه.
وثبت أيضاً أن دين موسى الذي يدين به أتباعه من اليهود سابقاً كان ديناً سماوياً اختاره الله وفضله في ذلك الوقت، ولكنه مؤقتٌ أيضاً ببدء إرسال هذا الرسول الكريم، فمنذ أن بعث وذلك الدين منسوخ، مع أن تلك الأديان التي هي دين اليهودية والنصرانية قد دخلها بعد أنبيائها الكثير من التحريف والتغيير والتبديل، وما ذاك إلا أن الله استحفظهم كتبها ومراجعها، وضمن حفظ شريعتنا بنفسه، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، تكفل الله بحفظ هذه الشريعة أن يدخلها شيء من الزيادة والتغيير، وأما الشرائع التي قبلها فقد وكل حفظها إلى أولئك الحملة كما في قوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة:٤٤]، فجعلهم وكلاء على حفظه ولم يتكفل بحفظه، فكان ذلك سبباً في وقوع تلك التحاريف والتغييرات والتبديلات في الشرائع السماوية مما جعلها غير ملائمة وغير مناسبة.
стр. 137
أمثلة على وسطية الإسلام بين اليهود والنصارى
هذا معنى كون دين الإسلام وسطاً بين الأديان، فإنه وسط بين الأديان السابقة، وعقيدته السلفية وسط بين العقائد، وعباداته وقرباته أداؤها وسط بين الإفراط وبين التفريط، فلما علم الله أن بعضاً من أهل تلك الأديان قد غلوا وزادوا وتجاوزوا الحد، وأن البعض منهم قصروا وجفوا، جاء الإسلام في موضع متوسط لا إفراط ولا تفريط.
ولنأتي على ذلك بأمثلة في الأديان وفي العقائد وفي الأعمال؛ حتى يعرف بذلك كون دين الإسلام وسطاً، لا إفراط فيه ولا تفريط.
стр. 138
وسطية الإسلام في القصاص
وكذلك فإن اليهود يرون أن القصاص حتماً، وليس هناك مجال للعفو، والنصارى يرون العفو حتماً، فجاء الإسلام بتخيير ولي المقتول بين القصاص، وبين العفو وأخذ الدية، أو العفو مطلقاً، فصار متوسطاً، لا إلزاماً بالعفو، ولا إلزاماً بالقصص، بل متوسط بينهما.
стр. 139
وسطية الإسلام في المجازاة
وهكذا توسطه أيضاً في المجازاة ونحوها، فالله أباح لنا المجازاة على الأعمال بمثلها في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦]، فأباح للإنسان أن يعاقب من اعتدى عليه كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، أي: بالمثل فقط لا بالزيادة، ولكنه فضل الصبر بقوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦].
أما دين النصارى فيأمرهم بأن يعفو، وأن لا ينتصروا وأن لا ينتقموا لأنفسهم أبداً، ودين اليهود يحكم عليهم بالاستيفاء والقصاص، فالإسلام جاء بهذا الدين الذي لا إفراط فيه ولا تفريط.
стр. 140
وسطية الإسلام في الطلاق
وهكذا أيضاً في الأعمال، فدين اليهود ودين النصارى بينهما تفاوت، ففي بعض الأديان الإفراط، وفي بعضها التفريط.
ومن أمثلة ذلك: أن اليهود يرون الطلاق ولا يرون الرجعة، فمن طلق زوجته فلا رجعة له عليها، وأن النصارى يرون أن لا طلاق، فمتى عقد للإنسان فلا طلاق ولا يحق له الطلاق، فجاء الإسلام فتوسط وجعل للإنسان أن يطلق متى شاء، وأن يراجع بعد الطلقة الأولى وبعد الثانية؛ وذلك لأن الإنسان قد يستعجل في أمر له فيه أناة فيتلافى ذلك بعد حين، فتوسط الإسلام بين هؤلاء وهؤلاء.
стр. 141
وسطية الإسلام في عيسى بن مريم
فمثلاً: من كان قبلنا من الأمم منهم من غلا ومنهم من جفا، فجاء الله بالإسلام فجعله بين هؤلاء وهؤلاء، فاليهود يعتقدون في عيسى أنه: ولد بغي، وأن أمه زانية، حيث رموها بالبهتان كما قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٥٦].
وجاءت النصارى فغلوا فيه ورفعوه عن مكانه، وأعطوه ما لا يستحقه، فحكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، وحكى عنهم أنهم قالوا: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] وكذلك كفر من يقول إن الله ثالث ثلاثة -يعني: الله وعيسى وأمه- كما في قوله: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦].
فجاء دين الإسلام فتوسط، فلا إفراط ولا تفريط، فلا إفراط فيه حيث رد على الذين زادوا وقالوا: هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، ولا تفريط فيه حيث رد على الذين قالوا: إن المسيح ابن بغي، بل شهد بأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وجعلوه رسولاً كسائر الرسل، كما في قول الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، فشهد له بأنه رسول، وحكى كلامه في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف:٦]، فهو رسول كسائر الرسل، وهذا هو القول الوسط، فلا إفراط ولا تفريط.
стр. 142
وسطية أهل السنة بين الفرق
وبعد أن عرفنا هذا في الأديان السابقة نأتي إلى أمثلة من العقيدة السنية لهذه الأمة؛ وذلك لأن الذين دخلوا في الشريعة الإسلامية قد ارتبط بهم وامتزج بهم من ليس بمحقق في الاتباع، ودخل في العقيدة وفي الإسلام ما ليس منه، وافترقت بهم الطرق وتفرقت بهم السبل، وأخبر النبي ﷺ بأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وسئل عن تلك الواحدة فقال: (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي).
إذاً: فعقيدة أهل السنة والجماعة هي السيرة السلفية، وهي العقيدة السنية، وهي الشريعة المحمدية والملة الإبراهيمية، التي هدى الله إليها هذه الأمة.
стр. 143
وسطية أهل السنة في مسألة الأولياء
وهكذا أيضاً توسطهم في غيره من الأولياء والصالحين، وذلك أن هناك طائفتين ضلتا في مسألة الأولياء: طائفة غلت، وطائفة جفت.
فالطائفة الذين غلو هم الذين يعبدون الأولياء، والولي عندهم: هو الرجل الصالح الذي قد حصل من القرب ومن الصلاح في العمل ما جعله محبوباً عند الله، وأنه ولي من أولياء الله، يجري الله على يديه من خوارق العادات ما لم يجره على يدي غيره، فقالوا: هذا الولي يستحق منا أن نقدسه، فصاروا يغلون فيه في حياته، فيتمسحون به وبثيابه، ويتبركون بما مسه من ماء أو غيره، وبعد موته يعكفون عند قبره ويتمسحون بقبره، ويصلون عنده ويعتقدون أن للصلاة عنده مزية وفضيلة، وأنه يشفع لهم في تكفير سيئاتهم وفي قبول صلاتهم، وفي مضاعفة حسناتهم، فيعملون عند قبره من الأعمال ما لا يصلح أن تكون إلا لله وحده، فهؤلاء قد غلوا وتجاوزوا حدهم وقدرهم.
والطائفة الثانية الذين لا يرون لعباد الله الصالحين قدراً، ولا يقيمون لهم وزناً، فلا يقتدون بهم، ولا يتبعون سيرتهم، ويحقرون شأنهم، ويحتقرونهم في أعمالهم، ويدعون أنهم -كما يعبرون- أهل تشدد، أو أهل جمود، أو أهل رجعية وتقهقر أو ما أشبه ذلك من عباراتهم السيئة، فهؤلاء قد فرطوا.
وأهل السنة توسطوا فيما لأولياء الله تعالى، فقالوا: نحن نحبهم؛ لأن الله يحبهم، بل ونحب كل من يحبه الله من الصالحين والمؤمنين والأتقياء، ولكن محبتنا لهم لا تصل إلى أن نتمسح بتربتهم، ولا إلى أن نصير لهم شيئاً من حقوق الله، أو نذبح لهم من دون الله، أو نطوف بأضرحتهم، أو ندعوهم مع الله أو من دون الله، بل محبتنا لهم تحملنا على أن نقتدي بأفعالهم، فإذا كنا كذلك فإننا متوسطون بين هؤلاء وهؤلاء، لا إفراط ولا تفريط.
هكذا جاء دين الإسلام، فالذين غلوا وزادوا وقعوا في الشرك؛ وذلك لأنهم عظموا هؤلاء المخلوقين، وجعلوا لهم شيئاً مما لا يصلح إلا لله، فإن التعظيم عبادة والعبادة لله وحده؛ لأن العبادة هي التذلل، فإذا كانوا يتذللون عند تلك الأضرحة، ويخضعون ويخشعون، فتلك عبادة، وإذا كانوا يذبحون لهم وينذرون فذلك تعظيم وهو من العبادة، وإذا كانوا يدعونهم ويهتفون بأسمائهم فإن الدعاء مخ العبادة، وإذا كانوا يتمسحون بهم ويطوفون بقبورهم ويطيلون الإقامة عندها فإن ذلك تعظيم، وذلك حقيقة العبادة، فأولئك الذين غلوا وقعوا في الشرك بالله سبحانه، مع أن هؤلاء الصالحين لا يرضون أن يشرك بهم، فالمسيح ﵇ بريء من شرك من أشرك به، وهكذا كل من عبد من دون الله ولم يرض فهو بريء من شرك من أشرك به.
وفي يوم القيامة لابد وأن يتبرءوا منهم، ويقولوا: نحن برآء من أفعالكم، كما قال تعالى عن الملائكة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]، فأخبروا بأنهم عبدوا ولكنهم لم يرضوا بذلك، ولا أحبوا ذلك، وإنما الشياطين هي التي سولت لهم وزينت لهم أن يعظموهم وأن يعبدوهم، وإلا فأنبياء الله ورسله وأولياؤه والصالحون من عباده بريئون من شرك من أشركهم مع الله .
وبالجملة: فإن المسلمين أهل العقيدة السلفية قد توسطوا في أولياء الله، فأحبوهم محبة قلبية، وحملتهم محبتهم على أن تتبعوا أخبارهم ودونوا سيرتهم، ونظروا في الأشياء التي كانوا يعملونها فعرفوا أنهم ما صاروا صالحين إلا بسبب زهدهم في الحرام وبعدهم عنه، وتقربهم إلى الله بأنواع القربات، فقالوا: هذا هو سبب صلاحهم، لماذا لا نفعل مثلما فعلوا حتى نكون مثلهم، فنصلح كما صلحوا، حتى نكون أولياء لله كما كانوا أولياء لله، يحبهم الله تعالى ويوفقهم ويعينهم، فنفعل الأفعال التي أحبهم الله لأجلها حتى يحبنا كما أحبهم، وحتى يعيننا كما أعانهم، ويهدينا كما هداهم.
стр. 144
وسطية أهل السنة في باب القدر
وإذا نظرنا في هذه العقيدة فسنجدها وسطاً لا إفراط فيها ولا تفريط، فهي وسط بين العقائد الكثيرة، يقول شيخ الإسلام ﵀: إن أهل السنة وسط في فرق هذه الأمة، كما أن الأمة وسط بين الأمم، فهم وسط في باب القضاء والقدر بين المجبرة وبين القدرية، وذلك لأن هناك فرقتين زائغتين في باب القدر: إحداهما قد غلت وأفرطت وزادت، وإحداهما قد فرطت وجفت.
ففرقة تقول: إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله، وليس لله قدرة على هداية ولا إضلال؛ فهؤلاء قد أشركوا.
وفرقة جعلت العبد مجبوراً وليس له اختيار أبداً، وعرفته بذلك، فجاء أهل السنة فتوسطوا وجعلوا له اختياراً، ولكن اختياره مربوط بمشيئة الله؛ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، فهذا توسطهم في باب القدر.
стр. 145
وسطية أهل السنة في باب الإيمان
وتوسطوا في أسماء الإيمان والدين؛ وذلك لأن هناك فرقتين منحرفتين، إحداهما قد فرطت والأخرى قد أفرطت، فمن المفرطين الذين يجعلون الأعمال ليست من الإيمان، وعندهم أن من صدق بقلبه ولو لم يعمل فهو مؤمن كامل الإيمان، وآخرون كفروا بترك الأعمال ونحوها.
فجاء أهل السنة وتوسطوا، فلا إفراط ولا تفريط، فجعلوا الإنسان يستحق اسم الإيمان واسم الإسلام ولو كان معه شيء من الذنوب وشيء من المعاصي، فلم يخرجوه من الإسلام بالكلية كالخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بكل ذنب، فمن أذنب ذنباً أخرجوه من الإسلام، وخلدوه في النار والعياذ بالله، ولم يكونوا كطائفة أهل الإرجاء الذين يجعلونه كامل الإيمان، ويبيحون له الاستكثار من المعاصي، ويعتقدون أنها لا تضره.
فأهل السنة هم الوسط فيقولون: إن المعاصي لا تخرج العبد من الإيمان، ولكن عليه منها ضرر؛ فإنها قد تجتمع على العبد فتهلكه، ولو لم يخلد في النار لكن يستحق دخولها ويعذب بقدر سيئاته إذا كان من أهل الإسلام، فتوسط أهل العقيدة السلفية، فلم يكفروا بالذنوب كالخوارج، ولم يجعلوا المذنب كامل الإيمان كأهل الإرجاء، بل جعلوه مؤمناً ناقص الإيمان، وقالوا: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.
следующие страницы →