Полный текст (354 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الحض على تدريس الأبناء في حلقات تحفيظ القرآن
السؤال
تعلمون وتدركون ما للقرآن الكريم من دور هام يتضح جلياً في سلوك الأسرة المسلمة والمجتمع، فهل من توجيه في هذا المجال المبارك، وخصوصاً أن كثيراً من المسلمين لا يحرصون على تدريس أبنائهم في حلقات جماعة تحفيظ القرآن؟
الجواب
أحسنت أيها السائل! وسمع ذلك الإخوان، ولا زيادة على ما ذكر هذا السائل أو هذا المقترح جزاه الله خيراً.
ولا شك أن القرآن هو كلام الله، وفي تلاوته للاحتساب الأجر، قال ﷺ : (من قرأ حرفاً من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن (ألف) حرف، (ولام) حرف، و (ميم) حرف) فإذا كان كذلك فإن على كل مسلم أن يهتم بالقرآن، يهتم بقراءته، ويهتم بتجويده، ويهتم بمعرفة النطق بكلماته وآياته، ويهتم أيضاً بكثرة تلاوته، حتى يكون من الذين يتلونه حق تلاوته، وينبغي له أن يجعل للقرآن وقتاً يومياً، حتى لا يمضي عليه يومه ولم يقرأ شيئاً، فمثلاً يحدد وقتاً بعد الفجر أو بعد العشاء، يأخذ مصحفاً -إذا كان لا يحفظ- ويقرأ جزءاً أو ما تيسر يومياً، فبذلك يكون قد استعد لهذا القرآن ولم يهجره، والله تعالى قد ذم الذين يهجرونه في قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠] يعني: معرضين عنه، فمن هجره: الإعراض عنه، وعدم تلاوته حق التلاوة، وما أشبه ذلك، هذا بالنسبة إلى العامة.
كذلك أيضاً: نوصي كل ناصح لنفسه محب للخير أن يربي على ذلك أولاده منذ الصغر، يحبب إليهم كتاب الله، ويدرسهم إياه وهم صغار حتى يتربوا على معرفته، وحيث إن الجماعات الخيرية -جزاهم الله خيراً- قد توسعوا في نشر المدارس الخيرية في هذه البلاد، فنجد في كل محل مدرسة ومدرسون يدرسون القرآن، وحيث إن الأولاد -غالباً- عندهم وقت فراغ في آخر النهار في مثل أيام الدراسة، فليس عندهم -غالباً- حاجة بعد العصر، فإن من الواجب أو من المؤكد على الوالد أن يأتي بأولاده ويضمهم في هذه المدارس، ويرغبهم ويشجعهم على ذلك، ولو أن يعطيهم جوائز على الحضور أو على الحفظ أو ما أشبه ذلك، فبذلك ينفعهم الله تعالى، وبذلك أيضاً ينفعون آباءهم، والكلام على هذا معروف، وليس هذا مجال التوسع.
стр. 37
حكم رش الماء على القبور
السؤال
يقوم بعض الناس بعد الفراغ من دفن الميت برش الماء على القبور المجاورة، ويقول: اسقوا جيرانه.
أو نحو هذا الكلام، سؤالي: هل لهذا العمل أصل في الشرع أم أنه بدعة؟
الجواب
هذا لا أصل له، ورش قبر الميت بعدما يدفن هو حتى ييبس ظاهر القبر الذي هو من تراب، فنرشه ونجعل عليه الحصباء حتى ييبس، وحتى لا تذروه الرياح، فقد تأتي الرياح مثلاً والتراب متفرق فتثير ذلك التراب، وقد تحمل تراب القبر حتى ربما يظهر بعض القبر، فلأجل ذلك نرشه، أما الجيران الآخرون فقد يبست قبورهم، وقد تصلبت، ولا حاجة إلى أن ترش، وليس ذلك سقياً كما يقول هؤلاء: اسقوا جيرانه.
ولا أصل لذلك.
стр. 38
التوسعة في كيفية الاصطفاف خلف الإمام
السؤال
إذا صلى اثنان جماعة ثم أتى ثالث، فهل المشروع في حق الثالث أن يكبر خلف الإمام ثم يجر المأموم، أم يجر المأموم أولاً ثم يكبر، أم يكبر بجوار الإمام ثم يدفع الإمام إلى الأمام؟
الجواب
يتشدد الناس في مثل هذا والكل جائز، فجائز أن تصف إلى جانبه ولو كنتم ثلاثة في صف، والإمام في الطرف، فلو صليتم الثلاثة في صف واحد فهذا جائز، وجائز أن يكون الإمام هو الوسط، والمصلون عن يمينه وعن يساره، فلو أتيت وهم يصلون وصففت عن يمين الإمام أو عن يسار الإمام أو في جانب المأموم وصليتم كذلك فلا بأس بذلك، ويجوز مثلاً أن تصف إلى جنبه، ثم بعدما تكبر للإحرام أو تصلي ركعة أو نصف ركعة؛ يتقدم الإمام أو يتأخر المأموم، كل ذلك جائز، ولا يشترط أن تكبر قبل أن يتقدم الإمام أو بعدما يتقدم الإمام، ولو أنك -مثلاً- قدمت الإمام قبل أن تكبر ثم كبرت مع المأموم جاز ذلك إن شاء الله، وكذلك لو كبرت ولم يتقدم الإمام إلا بعدما كبرت جائز ذلك، فالكل جائز وفيه سعة.
стр. 39
العدل بين الذكور والإناث من الأولاد
السؤال
رجل يهدي لأولاده في العيد هدايا، لكن تكون قيمتها للذكر ضعف قيمة هدية البنت، فهل يجب عليه أن يعدل في قيمة الهدية؟
الجواب
لا بأس بذلك، بعض العلماء قالوا: الرجل إذا أعطى أولاده فإنه يقسم بينهم على كتاب الله كالإرث، فيعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، ومنهم من يقول: إنه يسوي بينهم فيعطي الذكر كالأنثى، ويستدل بالحديث الذي يقول فيه النبي ﵊: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) والصحيح القول الأول: أنه إذا أعطى الذكر زاده وجعل له مثل حظ الأنثيين، فإن ذلك هو غاية العدل، سواء كانت هدايا في وقت خاص كالعيد، أو عطايا عامة.
لكن معلوم أن الرجل الذي عنده أولاد ذكور وإناث أنه في العادة يعطي كلاً منهم ما يحتاج، فالذكور يحتاجون حوائج، والإناث يحتجن أشياء لا يحتاجها الذكور، فمثلاً: الإناث بحاجة إلى الحلي، والحلي من الذهب ثمنه كثير، وليس بحاجة إليه الرجال، والذكر بحاجة إلى سيارة يتنقل عليها، وليس كذلك الأنثى، فكل منهم يعطيه ما هو بحاجة إليه، أما العطية التي للتمليك فيجعل للذكر نصيبين، وللأنثى نصيباً.
стр. 40
استعمال القلم الذي فيه ذهب
السؤال
أهدى إلي أحد الإخوة قلماً سائلاً ريشته من ذهب عيار ثمانية عشر، وهي صغيرة أقل من حجم ظفر الإصبع، ما حكم استعمال هذا القلم؟
الجواب
قد منع العلماء من استعمال الذهب في كل شيء، ولكنهم أباحوا الأشياء الطفيفة التي لا يؤبه لها، فمثل هذا القلم الذي ريشته من ذهب يمكن أن يتسامح فيه؛ فما دام أنه أقل من الظفر فيمكن أن يتسامح فيه، والأولى له إذا تيسر أن يغيره فهو أفضل، والاستعمالات المعروفة للذهب في كل شيء لا تجوز للرجل، وقد أنكر النبي ﵊ على من لبس خاتماً من ذهب وقال: (أيعمد أحدكم إلى جمرة من النار فيضعها في يده!) فقاس العلماء على الخاتم الساعة اليدوية أو نظارات العينين أو الأدوات التي تستعمل كسكين من ذهب أو سيف من ذهب أو حزام من ذهب أو بندقية أو ما أشبه ذلك من الأسلحة، فضلاً عن الأواني التي تستعمل كإناء للشرب حتى ولو فنجان قهوة أو شاي أو ما أشبه ذلك، قالوا: هذا كله داخل في النهي.
والنهي ورد عن الأكل والشرب: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما) ولكن العلماء ألحقوا بذلك سائر الاستعمالات.
стр. 41
حكم أهل الفترة في الآخرة
السؤال
ورد عن النبي ﷺ ما يفيد بأن أهل الفترة يختبرون، وورد عنه ﷺ أنه قال لرجل عندما سأله عن أبيه: (هو في النار)، وحكم ﷺ على أبيه عبد الله بأنه في النار، كيف نجمع بين ما سبق، ومنهم أهل الفترة؟
الجواب
حديث: (إن أبي وأباك في النار) قد صححه بعضهم؛ لأنه في صحيح مسلم، وبعضهم لم يصححه، وبكل حال فالحكم على أهل الفترة أنهم تحت مشيئة الله تعالى، فمنهم من تكون قد قامت عليه الحجة بأن وجد الحق ولكنه لم يشتغل به، فهؤلاء على ما حكم عليهم.
ومنهم من لم يبلغه شيء من الشريعة، ولم يسمع بشيء أصلاً عن الإسلام، فهؤلاء هم الذين ورد أنهم يختبرون.
وعلى كل حال نقول: الأحاديث التي فيها أنهم يختبرون أكثر، والحديث الذي فيه أنه حكم على بعضهم بأنه في النار محمول على أنهم قامت عليهم الحجة، أو أنهم عرفوا الدليل، أو أنهم كانوا في بلادهم عندهم ما يعرفون به الحق وما يحكم به عليهم، ويمكن أيضاً أن يحكم عليهم بأنهم تبع لآبائهم وأسلافهم الذين أضلوهم، وهذا أيضاً عليه الأدلة الكثيرة مثل قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] فيكون الأتباع مثل أسلافهم كلهم في النار، وكقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ [القصص:٦٣]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٧ - ٢٨] إلى قوله: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ [الصافات:٣٢]، ومثل قول بعضهم لبعض: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [ص:٦٠] أي: قدمتم الكفر لنا ونحن تبعناكم، ومثل قولهم: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٣]، فهذه الأدلة تدل على أن الأتباع مأمورون بأن يقولوا الحق، وألا يقلدوا آباءهم، ولا يتمسكوا بأقوال أسلافهم، وإذا فعلوا ذلك فإنهم ملومون.
стр. 42
آداب زيارة المريض
السؤال
ما هي آداب زيارة المريض؟
الجواب
قد وردت الأدلة في استحباب زيارة المريض، والمريض هو الذي حبسه المرض، سواء في بيته أو أحد المستشفيات، والذي يزوره قد أحسن إليه؛ وذلك لأنه أخ لنا مسلم حبسه المرض وأقعده، وهذا المرض الذي حبسه معلوم أنه عاقه عن أن يخرج، وأن يظهر، وأن يتمتع بالصحة، وأن يتمتع بالطيبات، فيرى أن له حقاً عليك، وحقاً على فلان وفلان أن يزوروه، فإذا زرتموه فإن من آداب الزيارة السلام، ثم بعد ذلك أن تفسح له في أجله، فتبشره بالشفاء وبالعافية، وبأنك إن شاء الله سوف تقوم وسوف تشفى، وسوف تنفع وتنتفع، وذلك لا يرد من القدر شيئاً.
وإن رأيت أنه يحب أن تطيل الجلوس عنده فلا مانع من أن تطيل وتجلس معه بقدر ما تقدر عليه ساعة أو نصف ساعة أو نحو ذلك، وإن رأيت أنه يضجر من طول البقاء فلا تجلس عنده إلا قليلاً وهو قدر الزيارة، وقال بعضهم في الزيارة العامة التي ليست زيارة مريض: زيارة الصداقة قدر احتلاب الناقة، يعني: الزيارة العامة، وأما عيادة المريض فعلى قدر ما يأنس به المريض.
وقد ثبت أنه ﵊ رغب في ذلك فقال: (زائر المريض في خرفة الجنة) يعني: كأنه في ذلك المكان أو في تلك الحال يقتطف من ثمار الجنة، فهذا يدل على أن عيادة المريض لها فضيلة عظيمة.
стр. 43
الحكمة في إنكار المنكر
السؤال
أرى منكراً يرتكبه بعض الأشخاص ولا أستطيع نهيهم عن ذلك، فما هو الطريق السليم لإبعادهم عن هذا المنكر؟
الجواب
لا يخلو الحال إما أن يكون هؤلاء عدداً كثيراً أو قليلاً، فإذا كانوا عدداً قليلاً فبالإمكان إقناعهم واحداً بعد واحد حتى يتركوا هذا المنكر، وإذا كانوا عدداً كثيراً فليس في الإمكان إلا النصح في الأماكن العامة كخطب الجمع، والأماكن التي تجمعهم كالوظائف والأسواق وما أشبهها، فتحرص على إقناعهم وبيان الحق لهم، هذا من حيث بيان أنه منكر.
وأما من حيث التغيير وردع الناس عنه فهذا يختلف أيضاً باختلاف ذلك المنكر، ويختلف باختلاف العاملين له، فالمنكرات تتفاوت، منها ما قد يصل إلى الكفر، ومنها ما هو معصية، ونحو ذلك.
والذين يفعلون ذلك منهم من يفعله لعذر، ومنهم من يكون متأولاً، ومنهم من يكون مقلداً، ومنهم من يكون معانداً، فأنت عليك أن تنظر إلى ذلك المنكر، فإن استطعت علاجه فعالجه ولو كان من الصغائر كشرب الدخان، أو حلق اللحى، أو إسبال الثياب، أو التخلف عن صلاة الجماعة، أو سفور النساء، أو سماع الأغاني، أو شرب بعض المسكرات، وبعض المخدرات أو ما أشبه ذلك.
وأيضاً تعالج الوسائل التي تؤدي إلى ذلك، وعليك أن تنصح من يفعل ذلك بالتي هي أحسن، وتجادلهم بالمجادلة التي تردعهم أو تبين لهم خطأ ما هم عليه.
وكذلك أيضاً عليك أن تستعين بأهل القوة وبأهل المعرفة رجاء أن يقنعوهم أو يأخذوا على أيديهم، وأن تبين للمسئولين خطر هذه المنكرات، وآثارها السيئة على أفراد وجماعات، وذلك إن شاء الله طريق إلى حلها أو طريق إلى تخفيفها.
стр. 44
قراءة (ملك يوم الدين)
السؤال
هل يجوز أن يقول الإمام: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] في فاتحة الكتاب؟
الجواب
يجوز ذلك؛ فإنها قراءة سبعية قرأ بها كثير من القراء السبعة، فلا ينكر على من قرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] أو ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤].
стр. 45
سماع الغناء وكشف وجه المرأة
السؤال
انتشرت هذه الأيام فتاوى عدة في مسائل الحجاب والغناء من بعض المشايخ تبيح السماع إلى الغناء وكشف الوجه، وهناك من أخذ بهذه الفتاوى واعتبرها صحيحة، وإذا أنكرنا عليهم هذا الشيء قالوا: هذا موضوع اختلف فيه العلماء، فلا حرج فيها، ويقولون: ما الذي يدريك لعل الفتوى التي تبيح سماع الغناء أو التي تبيح كشف الوجه هي الصحيحة؟ فكيف نرد على هؤلاء وفقكم الله؟
الجواب
لا شك أن هؤلاء ممن يتبعون الهوى وما تميل إليه نفوسهم، فلما كانت نفوسهم مائلة إلى هذه الملاهي أو هذه المعاصي آثروا ذلك القول الذي يبيحها ولو كان قولاً ضعيفاً، فنقول: أولاً: مسألة الغناء: ما هناك أحد من العلماء أباحها إلا ابن حزم من الظاهرية، وابن حزم لا يُعد مع الأئمة الأربعة؛ حيث إنه انفرد عنهم بأشياء لا يقبلها العقل، تمسكاً بمسألة الظاهر، ولكنه هنا خالف الأدلة، والأئمة الأربعة وأتباعهم من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وأئمة السلف كلهم يقولون بتحريم الغناء، والأدلة عليه واضحة -ولا مجال لسردها- من الكتاب ومن السنة، ومن أرادها فليقرأ كتاب ابن القيم إغاثة اللهفان، فإنه توسع في ذلك، حيث كتب فيه ثنتين وثلاثين صفحة فيما يتعلق بالغناء، وتبعه على ذلك كثير من العلماء فكتبوا في تحريم ذلك، وردوا على من قال بجواز ذلك.
وفي هذه الأزمنة كان ممن انتصر لـ ابن حزم رجل يقال له: أبو تراب الظاهري في الحجاز، حيث أباح الغناء، وآخر أخفى نفسه، وأخذ ينشر إباحة الغناء، ويتشبث بأشياء لا أصل لها ولا دلالة فيها، وقد رد عليه العلماء، ومن أفضل من رد عليه الشيخ حمود التويجري في كتاب اسمه "فصل الخطاب في الرد على أبي تراب " حيث ناقش أدلته، وبين بعدها عن الصواب، وكذلك الشيخ أحمد محمد باشميل ناقش الاثنين، وبين الصواب في ذلك.
فعلى هذا نحن نرجع إلى أدلة هؤلاء، وإلى أدلة هؤلاء، وسنجد أن الأدلة واضحة على التحريم، أما الذين استباحوا ذلك فليس لهم دليل صحيح، لا آية ولا حديث إلا مجرد عمومات، وقد تكلف ابن حزم في رد الأدلة تكلفات تبعد عن العقل.
ثانياً: مسألة حجاب النساء، لم يكن بين السلف فيها خلاف، بل ولا بين الأئمة، وكلهم يقولون: على المرأة أن تتحجب، وألا تبدي شيئاً من زينتها، فقط روي عن ابن عباس رواية شاذة أنه فسر قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] بأنه الوجه والكفان، ولكن تبين من رواية أخرى أن ابن عباس كغيره يقول: إن المرأة تستر وجهها إذا دخلت الأسواق، ولا تبدي إلا عيناً واحدة فقط تنظر بها، تستر عيناً وتنظر بعين، وتستر بقية وجهها، وكذا سائر السلف الذين فسروا القرآن وفسروا الآيات.
فهؤلاء الذين أباحوا في هذه الأزمنة ذلك، ما الذي حملهم على تجويزهم للمرأة أن تكشف وجهها، وأن تكشف يديها؟ إنما هو الواقع، لما رأوا الناس قد تفسخوا، ورأوا النساء قد خلعن جلباب الحياء تقليداً لمن وثب على البلاد من الأجنبيات من كافرات أو عاهرات أو غيرهن، ولما رأوا أن صور النساء قد انتشرت سواء في الأفلام أو في الصحف أو نحو ذلك، ورأوا أن نساء المسلمات في هذه الدول قد قلدنهم، وتوسع الأمر عليهم؛ قالوا: ما لنا إلا أن نتلمس لهم عذراً، فنبيح للنساء ذلك أحسن من أن يعصين علينا، فالمرأة إذا قلنا لها: تحجبي، قالت: لا أتحجب، وما دام أن هؤلاء يدعين الإسلام من البلاد الفلانية والبلاد الفلانية، ويأتين وهن على هذه الحال، فما الفرق بيننا وبينهن؟ قالوا: فنلتمس لهن عذراً حتى يفعلن شيئاً بديلاً بفتوى، فهؤلاء الذين التمسوا ذلك أمثال الطنطاوي وأشباهه، ما هو دليلهم؟ ليس لهم من الأدلة ما يصلح أن يكون دليلاً، ولو كان المجال واسعاً لتتبعناها وعرفنا بعدها عن الدليل، فهم فقط اعتمدوا على الهوى، واعتمدوا على ما ينظر إليه الناس، ولما رأوا النساء يملن إلى هذا أرادوا أن يتساهلوا معهن، ويفتوهن بالجواب الذي يناسبهن ويصلح لهن، وما هكذا يكون العالم، العالم يقول بالحق ولو لم يوافق أهواء الناس، هذا هو الواجب.
стр. 46
حكم الصندوق التعاوني (الجمعية بين أفراد معينين)
السؤال
ما رأيكم في قضية ما يسمى بالصندوق التعاوني، وهو أن يكون هناك مجموعة أشخاص يؤخذ من كل واحد منهم -على سبيل المثال- ألف ريال كل شهر، ثم تعطى واحداً منهم، وهكذا يدور الدور على باقيهم، والزكاة على من تكون؟
الجواب
هذه تسمى الجمعية بين الموظفين في دائرة واحدة، وهذه كثر البحث فيها، والسؤال عنها، ثم لكثرتها وشدة الحاجة إلى معرفة الحكم فيها رفعوا فيها أسئلة متعددة، وعرضت على مجلس كبار العلماء في جلسته الأخيرة في شهر صفر، وأصدروا في ذلك فتوى، واجتمع رأي أكثريتهم وأكابرهم على إباحة ذلك وجوازه، وأصدروا في جوازها فتوى من هيئة كبار العلماء، ورأوا أن فيها مصلحة، وليس فيها شيء من الأسباب التي تقتضي التحريم، وقالوا: أولاً: كل منهم ينتفع، وليس أحد منهم نفعه أكثر من الآخر.
ثانياً: الذي يرجع إليه قرضه لا يكون قد زيد فيه، فليس لهذا زيادة على هذا، فيعتبر هؤلاء أقرضوك ثم رددت عليهم قرضهم مفرقاً، أقرضوك في الشهر الأول مثلاً عشرين ألفاً، ثم أخذت ترد عليهم في الشهر الثاني ألفين، وفي الشهر الثالث ألفين، حتى توفيهم، فليس في ذلك إلا أنك أعطيتهم.
وبعض المشايخ تشددوا في هذا، ونهوا عنه، وقالوا: إنه قرض جر نفعاً، وقد بين العلماء أنه ليس قرضاً جر نفعاً، فإن القرض الذي جر نفعاً هو أن تنتفع من ذلك المقرض بشيء غير رد القرض، وأما هذا فإنما هو رد القرض فقط، فإنه رد عليك قرضك بدون زيادة، فالصحيح إن شاء الله أنه لا بأس بها.
стр. 47
حكم الجماعة الثانية في المسجد
السؤال
بعض المصلين إذا دخلوا المسجد وقد قضيت الصلاة لا يصلون جماعة، ويقولون: إنه لا ينبغي أن تقام جماعة أخرى بعد انتهاء الجماعة الأولى من الصلاة، فهل فعلهم هذا صحيح؟
الجواب
هذا من جملة ما وقع فيه الاختلاف، ذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنهم إذا دخلوا بعد انتهاء الجماعة صلى كل واحد منهم فرادى، وعللوا ذلك بتعليلات، منها أنهم قالوا: ما دام أنها قد صليت الجماعة فإنا لا نعيد جماعة أخرى؛ مخافة أن الناس يتوانون ويتأخرون عن الجماعة الأولى، ويقول أحدهم: إذا فاتتني جماعة حصلت على جماعة، فيحصل لي الأجر، وليس لهم في ذلك إلا مجرد التعليل.
وهذا القول -وهو أنهم يصلون فرادى- تجدونه كثيراً في البلاد التي تعتنق مذهب الحنفية كبلاد الهند وباكستان وتركيا، وكثير من أهل مصر وسوريا على هذا المذهب، وهو أيضاً مذهب الشافعية، فعندهم أنها لا تعاد الجماعة، وأن المتأخرين يصلون فرادى.
والقول الثاني: أنهم إذا جاءوا وقد انتهت الجماعة الأولى صلوا جماعة ثانية، وإذا جاءوا وقد انتهت الجماعة الثانية صلوا جماعة ثالثة، وهكذا، وهذا هو الصحيح إن شاء الله، ونذكر بعض الأدلة ليقنع بعض من يسمع منهم، أو لتقنعوهم بالأدلة: الدليل الأول: قوله ﷺ : (اثنان فما فوقهما جماعة) وهو حديث ترجم به البخاري، ورواه ابن ماجة، فجعل الاثنين جماعة، فإذا دخل اثنان بعد الصلاة فإنهما يصليان جميعاً، فتكون لهم جماعة.
الدليل الثاني: قوله ﷺ : (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة)، ومعلوم أنك إذا دخلت أنت وصاحبك وصلى هو وحده، وأنت وحدك، فقد صليت فرداً وصلى هو فرداً، وفاتتك هذه المضاعفة.
الدليل الثالث: قوله ﷺ : (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) أو كما في الحديث، وهذا حديث صحيح، فجعل صلاتك وحدك أنقص، وصلاتك مع واحد أكثر أجراً، وصلاتك مع اثنين ومع ثلاثة ومع أربعة أفضل، فكلما زاد العدد فهو أكثر أجراً، وهذا دليل واضح يرد قول الحنفية والشافعية.
الدليل الرابع: الحديث الذي فيه (أن رجلاً دخل بعدما صلى النبي ﷺ ، فقال: من يتصدق على هذا فيصلي معه، فقام أبو بكر فصلى معه)، فهذا دليل على أنه يجوز أن يقوم مع المتأخر ولو إنسان قد أدى الصلاة جماعة فيصلي معه ليحيز على فضيلة الجماعة.
فنحن نقول: إذا رأيتم هؤلاء فاقنعوهم، وقولوا لهم: هذه الأدلة لو بلغت أبا حنيفة أو بلغت الشافعي لما تركاها، فأنتم لا تتركون هذه الأدلة؛ فقد قامت الحجة عليكم.
стр. 48
جمع الصلاتين للضرورة
السؤال
هل يجوز للطبيب في غرفة العمليات أن يجمع صلاتين في وقت إحداهما وذلك لضرورة مواصلة العملية التي ربما لو قطعها لتضرر المريض، ومثله الحارس والعسكري في ميدان عمله؟
الجواب
المفروض أنهم يتناوبون، هذا هو الواجب، أن يكون هناك طبيبان أو ثلاثة أو أربعة إذا قام أحدهم للصلاة اشتغل الباقون في العملية، فإذا رجع المصلي قام الثاني، ثم إذا رجع قام الثالث، حتى يصلي الثلاثة في وقتها، وكذلك يقال أيضاً في الحارس: يكون هناك حارسان أو أكثر، يذهب أحدهما فيصلي الصلاة في وقتها، ثم إذا رجع قام مقام الثاني وذهب الحارس الأول حتى يؤدي الصلاة في وقتها.
ولكن قد يتعللون بأنهم لا يستطيعون، ولا يقوم أحد مقام هذا الطبيب في هذه العملية، وهذه العملية قد تكون خطرة إذا لم يسرع ويواصل فيها أدى إلى موت ذلك المريض، أو ما أشبه ذلك، ففي هذه الحال -لأجل الضرورة- له أن يؤخر الصلاة إلى أن تنتهي العملية، والتخيير واسع: أن يؤخر الظهر إلى آخر النهار، إلى أن يبقى من الليل نصف ساعة أو نحوها ويصلي الظهر والعصر في آخر وقت العصر، وكذلك لو دخل عليه وقت المغرب، وقد بدأت العملية قبل أن يصلي المغرب، فله أن يؤخرها مع العشاء ولو إلى نصف الليل فيصليهما معاً؛ لأن الصلاتين يجمعان في وقت الأخيرة منهما، فالظهر والعصر يجمعان في وقت الآخرة، والمغرب والعشاء يجمعان في وقت الأخيرة.
وقد أجاز بعض العلماء تقدميهما، يعني: لو علم أنه سيستمر معه العمل، وقد دخل وقت الظهر؛ جاز أن يقدم العصر مع الظهر ويصليهما، ثم يبدأ في العملية مثلاً.
стр. 49
حكم الغبن في البيع
السؤال
غُبنت في شراء سلعة غبناً فاحشاً، اشتريتها بمائة ريال وهي تباع بخمسين ريالاً، فهل لي الرجوع على البائع؟ وهل هناك نسبة للربح لا يجوز أن يتجاوزها البائع؟
الجواب
الراجح أن البائع يبيع كما يبيع الناس، إذا جاءه إنسان مماكس عارف بالسلع، وعرف أنه سوف لا يشتري إلا بما يبيع به غيره باعه بخمسين، فإذا جاءه إنسان جاهل بالسلع، ولا يحسن المماكسة ولا المراجعة فقال له: السلعة بمائة، واشتراها ذلك الجاهل بمائة؛ لم يجز له أن يبيعه بها، بل يقول: ثمنها خمسون، كما بعت على غيرك أبيع عليك ولا أظلمك، فإذا باع لهذا بمائة، ولهذا بخمسين، وهو يعرف أن هذا جاهل، وهذا عارف؛ فإنه يعتبر ظالماً آخذاً ما لا يحل له، والواجب أن يخبرهما بسعر واحد، وهو السعر المعتاد.
وإذا وقع هناك غبن لا يتهاون به فله الخيار، وهذا الغبن حدده بعضهم بالثلث أو بالنصف، يعني: إذا كانت تساوي بمائة فاشتراها مثلاً بمائة وخمسين، فهذا غبن الثلث، أو اشتراها بمائتين فهذا غبن النصف، فله الخيار.
والغبن له أسباب، منها: تلقي الركبان، أن يتلقى الجالبين خارج البلد، ويشتري منهم رخيصاً فيخدعهم، فلهم الخيار.
ومنها: زيادة الناجش، إذا عرضت السلعة في المزاد العلني، وهناك رجل لا يريد شراءها، ولكنه ناجش، يزيد فيها لما رأى أنك ترغب فيها، فيزيد فيها حتى ترتفع، فتباع بأكثر من ثمنها.
ومنها: زيادة المسترسل، وهو الجاهل الذي لا يحسن المماكسة، فإذا قال مثلاً: بكم تشتري؟ قال: بعشرة.
قال: لا أبيع، فقال: بثلاثين، قال: لا أبيع، ولا يزال يزيد عشرة عشرة حتى يزيد في السلعة أكثر من ثمنها، فيسمى هذا مسترسلاً، فإذا ثبت أنه مغبون فله الخيار.
стр. 50
حكم إنشاء جماعة ثانية والأولى في التشهد
السؤال
وهذا سؤال مكمل للسؤال الأول: إذا دخل عدد من الناس المسجد والجماعة الأولى ما زالوا في التشهد الأخير، فهل يدخلون معهم أم ينتظرون ويصلون جماعة؟
الجواب
المختار أنهم ينتظرون، والمسألة فيها خلاف: هل إذا جلست معهم في التشهد تكون قد أدركت الجماعة، أو لا تدرك الجماعة إلا إذا صليت معهم ركعة كاملة؟ قولان للعلماء، وأنا أختار ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنك لا تدرك فضيلة الجماعة إلا إذا لحقت معهم ركعة بركوعها وسجدتيها، يعني: ركعة تعتد بها، فإذا جئت وقد رفعوا من الركوع في الركعة الأخيرة فاتتك الصلاة، فإذا كنت تؤمل أن هناك جماعة متأخرين سيأتون ويصلون جماعة فانتظرهم، وإذا كنت لا تؤمل بل تظن أنك آخر واحد فادخل مع هؤلاء ولو في التشهد حيث إن بعض العلماء يقول: من دخل معهم ولو في التشهد أو قبل السلام والتحلل أدرك فضيلة الجماعة؛ لأنه دخل معهم في جزء من الصلاة، وإن كان ذلك الجزء لا يعتد به.
وعلى كل حال: المختار أنك تنتظر، ثم إذا دخلتم اثنان أو ثلاثة فانتظروا حتى يسلم الإمام، ولا تكبروا قبل أن يسلم حتى لا تجتمع في المسجد جماعتان.
стр. 51
السلف الصالح بين العلم والإيمان
لقد جاء محمد ﷺ بهذا الدين نقياً، وتلقاه عنه أصحابه الكرام، ففقهوه ونقلوه إلى من بعدهم، فحفظ الله دينه بهم وحفظهم بدينه، فكانوا بحق خير هذه الأمة علماً وعملاً، ثم خلفت من بعدهم خلوف خالفوا هديهم، واستنوا بغير سنتهم، فأصيبوا بضعف الإيمان وقلة اليقين، فابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، فحري بالمؤمن أن يتبع السلف، وأن يتخذ طريقهم نهجاً وسلوكهم قدوة.
стр. 52
فضل السلف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فسلام الله عليكم أيها الإخوة ورحمة الله وبركاته! وها نحن قد اجتمعنا على غير أرحام كانت بيننا، وعلى غير معرفة أو صداقة سابقة، وإنما جمعنا المحبة الدينية لله وفي الله، ونرجو أن تكون هذه المحبة دائمة إلى الممات، ونرجو أن تكون محبتنا خالصة لوجه الله، وذلك بأن نحب الله، ونحب من يحبه الله ونبغض من يبغضه الله؛ وذلك لأن المؤمنين يحبون الله، ومحب المحبوب محبوب، ومبغض المحبوب مبغوض.
ونحن في هذه الليلة سنتكلم حول هذا الموضوع: (السلف الصالح بين العلم والإيمان).
فأولاً: نتكلم قليلاً عن المراد بالسلف وسبب تسميتهم.
وثانياً: على سبب فضلهم.
وثالثاً: على حقيقة علمهم.
ورابعاً: على ثمرة علمهم الذي تعلموه.
стр. 53
سبب تفضيل السلف على من بعدهم
وأما البحث الثاني فهو: لماذا فضلوا على من بعدهم؟ والسبب أنه قد ورد الشرع بتفضيلهم ووردت السنة بأفضليتهم، فذكر الإمام أحمد في رسالته في الصلاة أن النبي ﷺ قال: (أنتم خير من أبنائكم، وأبناؤكم خير من أبنائهم، وأبناؤهم خير من أبنائهم)، يعني: أن الخيرية تكون للأول، ولا شك أن الأولين حازوا قصب السبق وهو صحبة النبي ﷺ ، فكانوا أفضل ممن بعدهم، ولهذا اتفقوا على أن الصحابة ﵃ عدول تقبل روايتهم، ولم ينقل على أحد منهم ضعف ولا كذب ولا رد في رواية ولم يجرح أحد منهم في الرواية، بل قبلت روايتهم كلهم، واتفقوا على أنهم كلهم عدول، فهذه من ميزاتهم.
وثبت أيضاً في الصحيح قول النبي ﷺ : (خير الناس قرني -أي: القرن الذي بعثت فيهم- ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويقولون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن)، أي: السمنة؛ فهذا دليل على أفضليتهم، وعلى أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الوجود، فأفضلهم القرن الأول الذي انقضى بسنة مائة، ويليه القرن الثاني الذي انقضى بسنة مائتين، ويليه القرن الثالث الذي انقضى بثلاثمائة.
هذا إذا عبر عن القرن بأنه مائة سنة، ومنهم من يقول: إن القرن هم الجماعة الذين يتواجدون في زمان واحد وتتقارب أعمارهم ثم يفنون، فآخرهم هو آخر القرن.
وعلى هذا يحمل حديث: (أنتم خير من أبنائكم)، أي الصحابة خير من أبنائهم (وأبناؤكم خير من أبنائهم)، أي: أبناء الصحابة خير من أولادهم.
ولا شك أنهم في ذلك الزمان أو في تلك القرون كان فيهم الفضل والشرف والعقيدة السليمة، ولم تظهر فيهم البدع والمحدثات، وإذا ظهرت بدعة كانت مضطهدة وأهلها أذلة، فكانوا بذلك أفضل من غيرهم.
وكانوا مع ذلك قدوة لمن بعدهم، ولهذا تتخذ أقوالهم حجة لا سيما علماؤهم وعبادهم الذين تبصروا في دين الله، وعبدوا الله على نور وبرهان؛ وذلك لأن العلماء حسنوا الظن بهم، بحيث جعلوا الأصل فيهم أنهم لا يعملون إلا عن دليل، ولا يقولون إلا عن توقيف، ولا يروون إلا عن تثبت، ولذلك تقبل مراسيل الصحابة بالاتفاق، ومراسيل كبار التابعين فيها خلاف، ولكن يترجح أنها تقبل إذا دلت القرائن على صحتها ولو لم تثبت مسندة.
وهكذا أيضاً أقوالهم التي يذهبون إليها تتخذ دليلاً، فيقال: هذا القول قد سبقنا إليه فلان الصحابي، أو قد قال به قلبنا من التابعين فلان وفلان، وهم من العلماء الأجلاء الذين لا يقولون إلا عن توقيف.
стр. 54
من هم السلف وما سبب تسميتهم
فالبحث الأول يتعلق بالسلف من هم؟ كثيراً ما نسمع: قال السلف، وهذا مذهب السلف، وعند بعض السلف.
اصطلح العلماء على أن أهل القرون الثلاثة المفضلة يسمون السلف، ومن بعدهم يسمون الخلَف إذا كانوا على الإسلام، أما المغيرون والمنحرفون فيقال لهم: خلَفْ، بمعنى: خالف بسوء.
فالخلَفَ معهم الإيمان ولكن هم أنقص من السلف، والخْلَف خلف سوء كما في قول الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩] فالخلفُ: هو الذي يأتي مخالفاً لمن قبله مخالفة كاملة، ونحن موضوعنا عن السلف، وذلك لأن الكلام على الخَلَف والخَلْف يحتاج إلى وقت آخر.
فالسلف: هم أهل القرون المفضلة، وهم: الصحابة والتابعون وتابعو التابعين.
فالصحابة: هم الذين رأوا النبي ﷺ وآمنوا به وماتوا على الإيمان ذكوراً وإناثاً، وقد حازوا قصب السبق؛ وذلك لأنهم فازوا وسبقوا غيرهم بالصحبة لكونهم صحبوا النبي ﷺ وأخذوا عنه وسمعوا منه، ولا شك في فضلهم.
ثم جاء بعدهم تلامذتهم الذين هم التابعون، والتابعي: هو من رأى أحداً من الصحابة وعقل رؤيته، ولو من أصاغر الصحابة، وسمي كذلك لأنه تابع لمن قبله.
وتابعو التابعين: هم الذين رأوا أو أدركوا أحداً من التابعين، ولو من المتأخرين.
وقد ذكر العلماء أن الصحابة انقضوا في القرن الأول، قيل: إن آخرهم أنس بن مالك الذي مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل: إن منهم من أدرك المائة كـ أبي الطفيل.
أما التابعون فاستمروا، حتى بقي بعضهم إلى أواخر القرن الثاني، ولكنهم يتفاوتون، فمن أكابرهم من أهل المدينة الفقهاء السبعة الذين أدركوا أكابر الصحابة: كـ سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود والقاسم بن محمد بن أبي بكر ونحوهم من أولاد الصحابة الذين أخذوا عن كبار الصحابة وأدركوا الخلفاء أو بعضهم.
ومن أصاغر التابعين من رأى بعضهم، حيث ذكروا أن الأعمش رأى أنس بن مالك فكتب له رؤية فأصبح من التابعين.
أما تابعو التابعين: فهم الذين ما أثر أنهم رأوا أحداً من الصحابة، ومنهم بعض كبار الأئمة كـ مالك بن أنس وأبي عبد الرحمن الأوزاعي ومن في طبقتهما، فهؤلاء من أكابر تابعي التابعين.
وفيهم أيضاً أكابر حملة العلم ممن أثر عنهم علم عظيم، فتابعو التابعين بقوا إلى قرب القرن الثالث أو أواسطه.
ثم جاء بعدهم أتباعهم الذين ما أدركوا أحداً من التابعين فهؤلاء أتباع تابعي التابعين، ومنهم الأئمة البخاري ومسلم والشافعي وأحمد ونحوهم، فهؤلاء من أكابر أتباع تابعي التابعين.
ونقول: إن أهل القرون الثلاثة ومن في طبقتهم هم السلف؛ وذلك لأنهم سلفوا، أي: مضوا قبل من بعدهم، فالسلف معناه المضي، يقال: سلف الشيء إذا مضى وانقضى وانقرض، فهذا هو سبب تسميتهم بالسلف.
ثم إنهم سلفوا على الاستقامة، أي: مضوا على عقيدة سليمة مستقيمة، ليس فيهم من هو منحرف ولا مبتدع إلا من هو شاذ لا يؤبه له، ومن اضطهد وأذل وأهين في هذه الفترة التي هي فترة السلف الأجلاء، حيث كان من بينهم علماء الصحابة الذين حفظوا العلم، وعلماء التابعين، وعلماء تابعي التابعين، وكذلك منهم العُبَّاد والزهاد من رجال ونساء، ولا شك أنا إذا اعتقدنا أنهم على الصواب كانت أقوالهم قدوة.
стр. 55
حقيقة علم السلف
نقول: إن المراد بالعلم هنا العلم الصحيح الموروث عن الرسل، الذي هو ميراث رسل الله وميراث أنبياء الله، كما قال النبي ﷺ : (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء، لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
стр. 56
فضل اتباع علم السلف
ولا شك أن علوم السلف التي تلقوها عن نبيهم وتلقوها عن مشايخهم وأكابرهم، علوم جمة فيما يتعلق بالأمر والنهي من الله ، فتعلموا منه ما يقولونه بألسنتهم وما يعتقدونه في قلوبهم وهو أمور العقيدة، وتعلموا منه ما يتقربون به إلى الله وهو أمور العبادة، وتعلموا منه ما يلزمهم في هذه الحياة من الأعمال وما يلزمهم تركه من المحرمات ونحو ذلك، كل ذلك تحملوه وبلغوه، فهذا من العلم.
ولا شك أن من اقتدى بهم في هذه العلوم ممن جاء بعدهم ولو بعدة قرون أنه يحشر في زمرتهم، وذلك أن اقتداءه بهم وإرثه لعلومهم وحرصه على الاقتداء بهم وتخصيصهم بالاقتداء؛ دليل على أنه يفضلهم وعلى أنه يحبهم ويقدرهم قدرهم، ولا شك أيضاً أنه سيتبعهم في الإيمان وسيتبعهم في العمل، فيكون من نتيجة ذلك أن يعمل كأعمالهم، ثم هو يوم القيامة يحشر في زمرتهم فإن: (من أحب قوماً حشر معهم)، كما ورد بذلك الحديث.
نحن نحث على علم السلف ونقول: إن واجبنا أن نتعلم العلم الصحيح الذي ورثه السلف عن نبيهم ﷺ ، ونقدمه على العلوم الأخرى التي تزاحمه، والتي متى اشتغلنا بها فاتنا من العلم الخير الكثير، وفاتتنا المسابقات التي تقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، وإذا اشتغلنا به قطعنا السير ووصلنا إلى الله تعالى ونحن على طريق مستقيم، وسرنا سيراً سوياً ليس فيه انحراف ولا اعوجاج، وإذا اقتدينا بمن بعدهم وأخذنا الطرق المنحرفة، خيف علينا أن نقع في المهالك، وخيف علينا أن نبتدع في دين الله ما لم يأذن به الله.
стр. 57
نشأة علم السلف
علم السلف متلقى عن الرسول ﵊، أخذه صغيرهم عن كبيرهم وكبيرهم عمن فوقه إلى أن ثبتوا ذلك وأوصلوه إلى مصدره ومعينه وهو النبي ﷺ .
وقد قيضهم الله وقيض علماء الأمة من بعدهم لحفظ هذا العلم الصحيح ولتصفيته وحمايته مما يدخل فيه من الأكاذيب ومما ليس منه، ولهذا اشتغلوا بترتيب الأسانيد وتصفيتها، وهذه الأسانيد التي توجد في كتب الحديث ما هي إلا للتثبت، حتى لا يقبل قول إلا بعد التثبت من صحته.
ذكر بعض العلماء أن السلف لم يكونوا يسألون عن الإسناد، ولكن رأوا من بعض الناس التساهل في الرواية، فقالوا للرواة: سموا لنا رجالكم، حتى نعلم ممن أخذتم، فإذا سموا رجلاً موثوقاً عرفوا أن الحديث وثابت، وإذا سموا من هو ضعيف أو من ليس من أهل الصناعة عرفوا أن ذلك ليس بثبت، وهذا دليل على حرص السلف ﵏ على حفظ السنة وعلى حمايتها عما هو دخيل فيها.
علمهم الذي تميزوا به هو: حفظهم للسنة النبوية التي رووها عن النبي ﷺ ، وكذلك حفظهم لكلام الله سبحانه وحرصهم على حمايته عن أيدي العابثين، ولهذا اهتموا بتدوين كتاب الله وكتابته بعد موت النبي ﷺ بعدة أيام، فأثبتوه في صحف حتى لا يذهب ولا يفقد منه شيء، ثم كتبوه في مصاحف ونشروه إلى الأمة حتى يقرءوه ويحفظوه، ويعرف أن هذا هو القرآن المنزل عليهم.
ثم من علمهم أيضاً أنهم اشتغلوا ببيانه وبإيضاحه، وذلك بتفسيرهم لمعانيه التي قد تخفى على من بعدهم، وذلك لأنهم شاهدوا التنزيل، ولأنه نزل بلغتهم وبلسانهم، ولأنهم أعرف بأسبابه وأعرف بما يراد به، فلأجل هذا تُقدَّم تفاسير الصحابة وتفاسير تلاميذ الصحابة على من بعدهم من أهل الأزمنة المتأخرة الذين يفسرون القرآن بالآراء أو بالتخرصات أو يطبقونها على الوقائع والحالات أو ما أشبه ذلك، فيقدم على الصحيح تفسير أولئك على غيرهم.
وإذا تجدد شيء يدخل في عموم الآية فلا مانع من قبوله ولكن نقدم التفاسير السلفية، ولأجل هذا فإن علماء الأمة الذين اشتغلوا بعلم التفسير يستشهدون بالأحاديث أو الآثار التي لها صلة بالقرآن؛ وذلك لأنها بيان له.
стр. 58
تبليغ السلف للعلم والدعوة
نحن نعلم أولاً أن الله تعالى أنزل هذه الشريعة وهذه الرسالة على محمد ﷺ ، وكلفه بأن يبلغها للناس بقوله: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨]، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٦٧]، ونحن بلا شك نعرف ونعتقد ونتحقق أنه بلغ الرسالة، ثم بعد ذلك لم يقتصر على مجرد إلقائها عليهم، بل بينها لهم ووضحها بالعمل وبالقول، فشرح لهم ما خفي منها ووضح لهم ما يحتاجون إلى إيضاحه قولاً وعملاً بأمر الله له، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
لما أنزل الله عليه هذا الكتاب ليبينه للناس شرع في بيانه؛ فبيانه هو بيانه بالفعل كالصلاة والحج والزكاة وما أشبه ذلك من الأشياء المجملة، وكالحدود والعقوبات والتعزيرات المجملة في القرآن التي أوضحها وبينها.
وبينها أيضاً بالقول وذلك فيما فسره وأوضحه من الآيات التي بين المراد منها كما استشهد بذلك المفسرون.
ولا شك أن الصحابة الذين بينها لهم قد تحملوها، ولما تحملوها لم يسكتوا عندها بل بلغوها وبينوها لتلامذتهم؛ وذلك لأن النبي ﵊ كلفهم بأن يبلغوها، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (ليبلغ الشاهد الغائب)، وقال فيما ثبت عنه: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).
فلما سمعوا ذلك منه عرفوا أنه سوف ينتقل إلى الرفيق الأعلى، وأنهم سيقومون بعده بحمل هذه الشريعة وبحمل نصوصها وحمل معانيها وحمل كيفياتها، فما سكتوا، بل بلغوا ذلك وأخبروا من بعدهم بما علموه وبما حفظوه، فالنصوص التي حفظوها حدثوا بها وما تركوا شيئاً، والنصوص التي حفظوا معناها ذكروا معانيها فمثلوا لهم الأمثلة، وفعلوا الأفعال أمامهم ليبينوا لهم أن هذا هو ما حفظوه وتلقوه عن النبي ﷺ ، ولأجل هذا ظهرت أعمالهم طبقاً لذلك العلم، وذلك أن العلم إذا كان سليماً وكان علماً صحيحاً فإنه يتبعه العمل لأنه ثمرته.
стр. 59
أقسام علوم السلف
ونقول: علم السلف يتكون من علم النصوص، وهوحفظ الآيات وحفظ الأحاديث، ويتكون أيضاً من فهمها وشرحها وبيان معانيها ومدلولاتها، ويتكون من العمل بها وتطبيقها، ويتكون من إظهارها وإعلانها والعمل بها، فهذه أربعة أمور: أولاً: الحفظ، والثاني: الفهم، والثالث: التطبيق، والرابع: البيان، هذه هي مراجع علومهم.
وتنقسم علومهم إلى أقسام: علم الآيات ومعانيها وما يتعلق بها، ويسمى التشريع.
وعلم الأحاديث وتفريعها وتقسيمها وتوزيعها إلى مواضيع وما أشبه ذلك، وكذلك ما يتعلق بها دراية من معرفة صحيحها وسقيمها ومقبولها ومردودها، وتجريح الرواة وما يتصل بذلك، ويسمى هذا علم السنة.
وكذلك جاء قسم ثالث وهو: علم التفقه فيها والتعقل، ويسمى علم الفقه.
وكذلك قسم رابع هو: علم الاعتقاد وهو أهم.
فقسموها إلى علوم أصولية وعلوم فروعية.
فالأصولية التي تتعلق بالعقيدة، وقد أوضحوها وبينوها أحسن بيان، والتي تتعلق بالفروع أوضحوها كذلك، ولما علموا أن هناك ما يكفر به أفردوا ذلك بالتأليف، فكتبوا مؤلفات كثيرة فيما يتعلق بعلم العقيدة وبعلم السنة، وذلك أنهم رأوا أو شاهدوا بعض المبتدعين الذين يخاف أن يفسدوا في الأرض، فردوا عليهم بدعهم وكتبوا ما يناقض تلك الشبهات التي يشبهون بها على ضعفاء البصائر.
وقد حفظ الله تعالى لنا تلك المعتقدات التي كتبها لنا علماء سلف الأمة، فمثلاً توجد مؤلفات ألفت في العقيدة في القرن الثاني، وأكثر منها في القرن الثالث موجودة ميسرة، إذا اقتناها العالم وأراد قراءتها والتقيد بها، عرف أن السلف ﵏ كانوا على عقيدة راسخة، وكانوا على علم غزير، وكان منبع علمهم وأصله هو الكتاب السنة.
أما الفروع التي كتبوا فيها والتي تناقلوها فهي أيضاً كثيرة؛ وذلك لأنهم احتاجوا إلى أن تحفظ على الأمة سنة نبيهم وعلمهم الموروث عنه، فكتبوا في ذلك مؤلفاتهم التي في الفروع، وضمنوها أحاديث ثابتة عن نبيهم ﵊، رووها بالأسانيد المتصلة، وضمنوها آثاراً عن الصحابة وآثاراً عن التابعين تبين ما يقولونه وما يذهبون إليه، وكل ذلك لأجل أن يحفظ ذلك العلم ولا يضيع منه شيء.
وذلك لأن الله سبحانه تكفل بحفظ هذه الشريعة، فقيض علماء السلف الذين حفظوها بالأسانيد وحفظوها في صدورهم، ثم لما أنهم خافوا أن يضيع منها شيء بسبب النسيان الذي يطرأ على الحفظ، سارعوا في تدوينها وكتابتها، فألف خلق كثير في القرن الثاني فيما يتعلق بالفروع، كالإمام مالك وأبي حنيفة، فإنه كتب عنه علم جمّ فيما يتعلق بالفروع، وكذلك صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وكذا أهل ذلك الزمان كـ ابن جرير وعبد الرزاق بن همام ومعمر بن راشد ونحوهم من علماء ذلك القرن.
ثم جاء بعدهم تلاميذهم، فألفوا في ذلك مؤلفات كثيرة كأهل كالصحيحين والسنن وغيرها مما كتب في القرن الثاني والقرن الثالث، أي: في القرون المفضلة، وجاء في القرون التي بعدهم من ألف في ذلك ونفع الله تعالى بعلومهم، ولكن العلم السلفي هو العلم الصحيح، وهو أقرب إلى الثبوت وأقرب إلى الصحة.
стр. 60
أقسام السلف في حفظ العلم
ولا شك أن اشتغالهم وحرصهم على كتابة وإثبات هذا العلم هو مما فتح الله تعالى به عليهم؛ وذلك لأنهم لما ورثوا العلم اشتغل بعضهم بحفظه في الصدور بحيث لا ينسى منه، ورزق الله كثيراً منهم الحفظ الثاقب، حتى روي عن الشعبي عامر بن شراحيل أنه قال: (ما كتبت سوداء في بيضاء)، يعني أنه كان يقتصر على الحفظ، فكل شيء يعرض له فإنه يحفظه ولا يحتاج إلى تدوينه، وأنت تشاهد ما روي عنه من الآثار وما روي عنه من الأحاديث.
وقسم ثان اشتغلوا بالتفقه فيه والتفهم له واستنباط الأحكام منه.
وقسم ثالث: يسر الله لهم الأمرين فجمعوا بين الحفظ وبين الفهم.
وقد ثبت أن النبي ﷺ ضرب مثلاً لحملة هذا العلم بالغيث الذي يقع على الأرض، وأخبر بأن الغيث إذا وقع على الأرض انقسمت الأرض أربعة أقسام: القسم الأول: يحفظ الماء حتى يزرع منه الناس ويسقون دوابهم، هؤلاء بمنزلة الحفظة الذين رزقهم الله حفظاً وإن لم يكن معهم نوع تفقه.
والقسم الثاني: الأرض التي يصيبها الماء أو المطر ولكنها لا تحفظ الماء ولكن تشربه، ثم تنبت النبات فينتفع الناس بذلك النبات ويرعون منه، فهذا القسم بمنزلة الفقهاء الذين رزقهم الله الفهم واستنباط الأحكام، وإن لم يكن معهم مقدرة على الحفظ.
والقسم الثالث: الأرض التي تجمع بين الأمرين: تحفظ الماء لنيل الشرب وللسقي، وتنبت الكلأ والعشب الكثير، فهؤلاء بمنزلة من جمعوا بين الحفظ وبين الفهم والفقه.
وهناك قسم رابع: وهو أرض سبخة لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، وهم الذين لم يشتغلوا بشيء من العلم، بل هم معرضون عنه.
نقول: إن هذا هو العلم الصحيح الذي هو ميراث النبي ﷺ ، ونص الحديث: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ، فسقى الناس منها ورعوا وشربوا، وأصاب منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به من الهدى والعلم، فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).
стр. 61
البدع التي ظهرت في القرن الأول
نحن لا نشك أن عهد السلف وجد فيه مبتدعة، ووجد فيه محدثات ومعاص ونحو ذلك، ولكن كان هناك من يقاومها ومن يرد على أهلها، ومن يبطل شبههم وحيلهم ولا يبقى لهم أثراً فلم يحصل ضرر على الأمة، وذلك لكثرة الحق وقوة أهله، فلم يكن للمبتدعة شيء من التأثير.
стр. 62
انتشار بدعة الجهمية وانتقاص مذهب السلف
ومع الأسف أن بدعة المعتزلة وبدعة الجهمية وبدعة القدرية انتشرت فيما بعد القرون الثلاثة، وبالأخص بدعة الجهمية التي هي إنكار الصفات، فقد تمكنت في القرن الرابع وما بعده حتى صار مذهب السلف لا يعرف، بل صاروا يتنقصون السلف ويرمونهم بأنهم جهلة، بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، كما أخبر الله بذلك عن أهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا مجرد تلاوة لا يفقهون من معانيه شيئاً.
فالخلف الذين هم أهل القرون المتأخرة الرابع والخامس والسادس وما بعدها فكانوا يزعمون أن السلف إنما يؤمنون بألفاظ مجردة لا يدرون ما معانيها، بل يؤمنون بها ألفاظاً ويفوضون معانيها ولا يعرفونها، ولا شك أن هذا تنقص لهم، حتى زعموا أن علم السلف هو مجرد التفويض، ويستدلون بقولهم في أحاديث الصفات: (أمروها كما جاءت بلا كيف)، ولا شك أن هذا تنقص لهم وعيب لهم، وذلك لأنه قد نقل عن السلف ﵏ أشياء كثيرة تدل على إيمانهم بالله وإيمانهم بصفات الله، وإيمانهم بما جاءهم عن الله عز وحل، وتقبلهم للشريعة، وتطبيقهم النصوص، واعتقادهم بمدلولاتها، ووصفهم الله تعالى بصفات الكمال وإثبات الصفات كما جاءت.
كما أنهم نهوا عن التكلف في السؤال عن الكيفية وما أشبه ذلك، وهذا معنى قولهم في آيات الصفات: (أمروها كما جاءت بلا كيف)، أي: لا تسألوأ عن الكيفية لأنها مجهولة، وكما يقول مالك بن أنس وهو من علماء تابعي التابعين لما سئل عن الاستواء؛ فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)، وروي هذا أيضاً عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهو أحد أكابر التابعين من أهل المدينة، فإنه سئل عن الاستواء فقال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم).
فهذه المقالة تدل على أنهم يعرفون معاني الآيات ويعرفون معاني النصوص ويؤمنون بها، إلا أنهم يعرفون أن لها كيفية وتلك الكيفية هي المجهولة، وهي التي لم تصل علوم الخلق إلى معرفتها.
стр. 63
ضعف حجج المبتدعة
نقول: إن السلف ﵏ لما حصلوا على هذا العلم الموروث، كان من آثار ذلك أن عملوا به في باب الاعتقاد وفي باب العمل، وكذلك حصل أن ردوا على المبتدعة فيما جاءوا به من شبهات، وأنكروا تلك البدع التي حدثت في زمانهم حتى بقي أهلها لا يؤبه لهم، ولم تتمكن بدعهم إلا في قرون متأخرة.
وقد ذكر علماء الأمة كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن عقيدة السلف وعقيدة أتباعهم، هي ما كان عليه الصحابة ﵃، وما بلغه لهم رسول الله ﷺ ، وما أخذ عن الوحيين الكتاب والسنة، وأن هذا هو الواجب اعتقاده، وأنه هو الهدى الذي بعث الله تعالى به رسوله في قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣].
ولا شك أن من اتبعه فإنه على هدى، ومن تركه وحاد فإنه على ضلال، ولا شك أيضاً أنه الصراط السوي الذي أمرنا الله تعالى باتباعه في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فذكر أن من سار عليه فإنه بمنزلة من يسير على الصراط المستقيم، وثبت أنه ﷺ وضح معنى هذه الآية (فخط خطاً مستقيماً وقال: هذا صراط الله.
وخط خطوطاً عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)، يعني أن من سار على هذا السبيل السوي فإنه يؤدي به إلى النجاة، ومن انحرف عنه إلى بنيات الطريق فإنه يؤدي به إلى الهلاك، والصراط وصف بالاستقامة لأنه ليس فيه اعوجاج ولا انحراف، وإنما هو سبيل الله الذي من سار عليه فلا خوف عليه، ثم هو واضح المعالم لا يخفى على أي إنسان.
стр. 64
بدعة القدرية
ثم حدث في أواخر عهد الصحابة بدعة أخرى هي بدعة إنكار القدر السابق، كما قال يحيى بن يعمر: (كان أول من قال بالقدر في البصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب النبي ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء، فوفق لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي وظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد خرج قبلنا أناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم، وإنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برءاء مني، والذي نفسي بيده لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره).
هذه الطائفة أنكروا العلم السابق وقالوا: إن الله لا يعلم الأشياء حتى تقع، وأنكروا أن يكون الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق، وأنكروا أن يكون الله قدر على العباد ما هم فاعلون، وعلم ما عمل الشقي والسعيد وما أشبه ذلك، وقد أنكروا النصوص الصريحة في ذلك، ولكن رد عليهم السلف وبينوا خطأهم، وبينوا أن هذا قول باطل، وأن هذا تنقص لعلم الله تعالى، ولهذا يقول الشافعي ﵀: (ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا)، أي: سلوهم: هل تقرون أن الله بكل شيء عليم؟ وبأن الله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؟ فإن اعترفوا بأن الله بكل شيء عليم انقطعت حجتهم ولم يبق لهم ما يتعلقون به، وإذا أنكروه وقالوا: لا نقر بأن الله بكل شيء عليم كفروا، وذلك لأنهم تنقصوا الله تعالى ووصفوه بالجهل، فإنّ من نفى العلم عن الله يلزمه أن يثبت له الجهل.
فهذه بدعة خرجت ولكن كان هناك من يقاومها ويردها، فلم تكن متمكنة في ذلك العهد، وذلك لقوة أهل الحق وكثرتهم ولقوة الأدلة التي جادلوا بها، فانقطعت الشبه: ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٤٨].
стр. 65
بدعة الجهمية
وفي أول القرن الثاني خرجت بدعة الجهمية، وهم الذين أنكروا أن يكون الله تعالى متكلماً وأنكروا أن يكون القرآن كلام الله، وأنكر أن يكون الله يحب من يشاء من خلقه، وأن يكون الله كلم موسى أو اتخذ إبراهيم خليلاً، ولما أظهر ذلك الجعد قتل في عهد السلف، قتله أمير العراق خالد بن عبد الله القسري يوم العيد وجعله بمنزلة الأضحية حيث قال: (أيها الناس؛ ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عما يقول الجعد)، ثم نزل وذبحه، كما روى ذلك البخاري في أول كتابه (خلق أفعال العباد).
ولما ظهر الجهم أنكر عليه السلف، وهو الذي نسبت إليه هذه البدعة، أعني بدعة إنكار الصفات، وهو الذي نشرها وتلقاها عن الجعد بن درهم، ولكن كان السلف ﵏ على جانب من العلم وعلى جانب من الإيمان، فلأجل ذلك ردوا عليه وأنكروا بدعته وشنعوا على الجهمية الذين هم أتباعه، فلم يكن في عهد السلف بدع متمكنة.
стр. 66
بدعة الخوارج
قد وجد بعض البدع في القرن الأول، فوجدت بدعة الخوارج في عهد الصحابة، وقاتلهم علي ﵁ وقاتلهم بعده الصحابة إلى أواخر القرن الأول، وبدعة هؤلاء هي من أخس البدع، حيث إنهم جعلوا العفو ذنباً والذنب كفراً فكانوا يكفرون بالذنب، ويخرجون المذنب من الإسلام، ويحكمون بأنه حلال الدم والمال ويحكمون عليه في الآخرة بأنه من أهل النار، هكذا عقيدتهم، وقد جاءت الأحاديث بذمهم وبيان ما هم عليه من العقيدة السيئة، ورويت تلك الأحاديث واشتهرت.
ولما كان الخوارج كذلك لم يتبعهم أحد من الصحابة ولا من علماء الأمة، وإنما تبعهم بعض العوام وبعض المتأولين ممن لم يكن لهم قدم راسخ في العلم المعروف عن الصحابة ﵃.
стр. 67
رسوخ الإيمان عند السلف
كذلك مما يبحث فيه مسألة الإيمان (السلف بين العلم والإيمان) فنقول: ما المراد بالإيمان؟ لاشك أن الإيمان في الأصل هو العقيدة الراسخة في القلب، وأن تلك العقيدة لا بد أن يكون لها مستند، فإن الشيء الذي له مستند يعتمده يكون راسخاً راسياً لا يخاف عليه أن يتزعزع ولا أن يسقط، فإن حيطان المسجد أو غيره من البنايات أو الأعمدة تعتمد عليها السقوف، إذا قامت على أساس قوي عميق، فإن البناء يثبت وينتفع به، وأما إذا لم يكن لها أساس بل كانت على وجه الأرض ولم تكن على أصل تعتمد عليه، فإنه لا تلبث أن تسقط أو تتصدع الحيطان أو ما أشبه ذلك.
فكذلك علم السلف الذي ذكرنا لا شك أنه أثر في قلوبهم، فصار من آثار ذلك العلم الإيمان الذي هو عقيدة راسخة، وسبب رسوخها هو قوة الدليل الذي اعتمدوه، وهو تلك النصوص الواضحة التي لا غموض فيها ولا التباس، وذلك لأنهم بنوا عقائدهم على أصول عقلية تؤيدها أدلة وأصول نقلية سمعية، فالأدلة النقلية هي ما ورثوه عن نبيهم ﷺ من الآيات ومن الأحاديث، والأدلة العقلية هي ما شهدت به الفطر السليمة المستقيمة التي لم تتغير بالبدع ولا بالخرافات ولا بغيرها، بل صانها ربها عن أن تركن إلى تلك الشبهات وتلك الخرافات، فكان ذلك سبباً من أسباب بقائها على هذه العقيدة ورسوخها وعدم تزعزعها، ولهذا لم تؤثر فيهم تلك الشبهات، التي أدلى بها المبتدعة، فعند الخوارج شبهات يستدلون بها، وعند المعتزلة شبهات يعتمدونها، ولكنها شبهات لا يلتفت إليها وليست راسخة، بل بعض الشبهات التي يتشبثون بها يحطم بعضاً، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام في بيت مشهور في آخر العقيدة الحموية فقال: حجج تهافت كالزجاج كأنها حق وكل كاسر مكسور أي: حججهم أو شبهاتهم في منزلة ما إذا كان معك زجاجتان إحداهما في يدك اليمنى والأخرى في اليسرى، ثم ضربت إحداهما بالأخرى فتنكسران معاً، فكذلك حجج المبتدعة: فحجج المعتزلة عقلية تنقضها حجج الجهمية، ومثلهم بعض العلماء كـ ابن القيم في الصواعق بمثال نظمه أيضاً في أبيات بقوله: واضرب لهم مثلاً بعميان خلوا في ظلمة لا يهتدون سبيلا فتصادموا بأكفهم وعصيهم ضرباً يدير رحا القتال طويلا حتى إذا ملوا القتال رأيتهم مشجوجاً ومفجوجاً او مقتولا وتسامع العميان حتى أقبلوا للصلح فازداد الصياح عويلا فهذا أيضاً مثل لحججهم وأنهم مثل العميان إذا اصطدم بعضهم ببعض، وذلك أنهم لا يهتدون ولا يدري أحدهم بالآخر، فإذا تصادموا وظن أحدهم أن الآخر تعمده، فإنه سيضربه بكفه وبعصاه، ثم كل منهم يضرب الآخر، فهكذا شبهات هؤلاء لما كان الحق واضحاً لم تؤثر فيه تلك الشبهات ولما كانت تلك الشبهات مبنية على تخرصات وظنون لم تقبل، بل أبطل بعضها بعضاً.
ولهذا كثيراً ما يذكرون أن بعضهم يرد حجته بنفسه، فبعض أولئك المبتدعة يبتدع حجة ويتخذها دليلاً، ثم يأتي إلى نقضها بنفسه أو ينقضها شيخه أو تلميذه، وهذا دليل على أن تلك الشبهات ليست على علم راسخ، وأما حجج الصحابة والتابعين ومن بعدهم فإنها عن دليل راسخ، فلهذا لم تؤثر فيها تلك الشبهات، لأنهم لما اعتقدوا هذه العقيدة وآمنوا هذا الإيمان ورسخ في قلوبهم، لم تزعزعه تلك الشبهات.
стр. 68
فتاوى عن المرأة
لقد رفع الإسلام من مكانة المرأة، وحفظ لها حقها، ولم ينقصها من حقها شيئاً، سواءٌ أكانت أماً أم أختاً أم بنتاً أم زوجة أم غيرها، وجعل لها من الأجر والثواب كما للرجل إن أحسنت واتقت، وهي تجتمع مع الرجل في غالب الأحكام الشرعية، وتختص بأحكام شرعية قد بينها الله في كتابه وبينها الرسول ﷺ في سنته.
стр. 69
مكانة المرأة في الإسلام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فإن شريعة الإسلام شريعة واسعة، وشريعة كاملة، اشتملت على كل ما تمس إليه حاجة البشر، من الذكور والإناث في الدنيا وفي الآخرة، وقد ذكر الله تعالى في القرآن نساء الدنيا، وجعل لهن أحكاماً، وذكر ثوابهن في الآخرة كثواب المؤمنين من الرجال.
وقد كانت المرأة قبل الإسلام لا قدر لها عند الجاهليين، بل كانوا يحتقرونها ولا يعطونها شيئاً من المال؛ لأنها في زعمهم لا تقاتل ولا ترد الأعداء ونحو ذلك، فجاء الإسلام وجعل لها حقاً، وجعل لها مالاً، وجعل لها ملكاً، وعلق بها أحكاماً كثيرة، وألزمها بعبادات كما ألزم الرجال بعبادات، وجعل لها من الأحكام مثل ما للرجال، وجعل النساء شقائق الرجال.
ولا شك أنا بحاجة إلى معرفة تلك الأحكام، ولو كانت تختص بالنساء، كأحكام الحيض والنفاس، وما يتصل به مما تختص به المرأة، فالرجل بحاجة إلى معرفة ذلك؛ لأن لديه نساء من زوجات أو بنات أو أخوات أو محارم، فهو بحاجة إلى أن يعرف الأحكام التي تتعلق بالنساء حتى يعلم من تحت يده، وكذلك المرأة بحاجة إلى أن تعرف الأحكام التي تختص بالنساء، حتى تعرف كيف تعمل في تلك الأحكام.
وقد استثنيت المرأة من بعض الأمور التي تختص بالرجال، وذلك لا شك أنه كرامة لها وحفاظ عليها، فثبت في الحديث أن عائشة ﵂ قالت: (يا رسول الله! هل على النساء جهاد؟ فقال: عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) فأسقط عنهن الجهاد الذي هو قتال الكفار، وجعل عليهن هذا الحج، حيث إنه جهاد للنفس، وقام مقام القتال، مع أنه إذا احتيج إلى المرأة فإنها تشارك في خدمة المجاهدين، فقد ثبت أن عائشة ﵂ هي وامرأة من الأنصار في غزوة أحد كانتا تخدمان الغزاة، فكانتا تأتيان بالماء وتفرغاه في أفواه القوم الذين أصيبوا، وكل ذلك خدمة للمجاهدين، فيكون ذلك جهاداً، وهكذا كان بعض النساء تغزو مع المسلمين، ومنهن أم سليم أم أنس بن مالك وغيرها، كن يغزون فيداوين الجرحى، وينقلن المرضى، ويخدمن الغزاة، ويقمن بأي عمل يحتاجوا إليه، فكان ذلك مما دعت إليه الشريعة.
стр. 70
حفظ الإسلام لكرامة المرأة وعرضها
لقد جاءت الشريعة بحفظ كرامة المرأة وصيانتها، ومن صيانتها أن تقر في البيوت، وألا تبرز للرجال الأجانب، وأن تحتفظ بجمالها وبزينتها؛ ليكون ذلك أحفظ لها عن أن تمتد إليها الأنظار، وأن تطمع فيها النفوس المريضة، فحجاب المرأة وسترها وتسترها عن الرجال لا شك أنه كرامة لها، وليس كما يقول دعاة الضلال: إنه تحجر وتضييق على المرأة، وأن المرأة كالرجل، وأنها وأنها كما يهذي به هؤلاء الذين لهم أغراض نفسية، يريدون أن يشبعوا أغراضهم، ويريدون أن ينالوا مشتهياتهم، فلم يجدوا بداً من أن يتكلموا بهذا الكلام الدنيء الذي يحاولون به أن تبرز المرأة، وأن تخرج إلى جانب الرجل، وأن تشتغل معه سوياً، وهو غير محرم لها، وأن تبدي زينتها وجمالها ليتمتعوا بما يريدونه منها، هذه ادعاءاتهم كما يقول بعض المتأخرين: يرون أن تبرز الأنثى بزينتها وبيعها البضع تأجيلاً وتنقيدا يرون أنها حرة في نفسها، وأن لها أن تبذل نفسها لمن تريد بعوض أو بغير عوض، ولا شك أن هذا إهانة لها، وأن كرامتها في تطبيق الشريعة، والعمل بما جاءت به، وأن تقتصر على ما أمرها الله به، فما يتعلق بالتستر والتحجب قد بينته الشريعة، فأمر الله تعالى بتستر النساء، وأمر بغضهن للأبصار، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] لا شك أن هذا تعليم من الله تعالى للمرأة أن تحفظ زينتها، وألا تبديها ولا تبرزها لكل أحد، بل عليها أن تحفظ زينتها، وألا تبدي زينتها إلا لمحارمها وأهليها وأقاربها الذين حرمت عليهم، الذين هم أقارب لها ومحارم لها.
كما أن من كرامتها ومن الحفاظ على صيانتها ألا تسافر إلا مع ذي محرم؛ وذلك لأن الأطماع تمتد إليها، فالنفوس الرديئة متى رأت المرأة متبرجة أو خالية فإنها قد تطمع فيها، حتى في الأماكن المقدسة، كما ذكروا أن امرأة من السلف كانت تطوف وحدها في البيت الحرام، فلما رآها أحد الفسقة جاء إليها، وصار يطوف إلى جانبها، ويعاكسها ويتكلم معها، وهي لا تصغي إليه، فلما كان في اليوم الثاني قالت لأخيها أو لأحد محارمها: هلم فطف معي حتى تريني المناسك، فلما رآها ذلك الفاجر تطوف ومعها محرمها ابتعد عنها، فقالت: تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي حرمة المستأسد الضاري تقول: إنه لما رآها خالية جاء إليها، وأخذ يغازلها، فلما رآها مع محرم ابتعد عنها، ومثلت ذلك بمن له غنم وعنده كلاب ضارية تحميها من الذئاب، فالذئاب إنما تعدو على الأغنام التي ليس عندها كلاب تحميها، وأما إذا كان عندها كلب مستأسد ضارٍ فإنه يذود تلك الذئاب ويبعدها ويحمي الغنم منها، فتمثلت بهذا المثل.
وبكل حال فلا شك أن من حفظها ألا تسافر إلا مع ذي محرم وأن ذلك من كرامتها؛ وذلك لأن المحرم عنده غيرة على محارمه، وأنفة وحمية، فحتى لا يطمع فيهن طامع -لأنها قد تضعف عن مقاومة أولئك المعتدين- لا جرم أن الشرع اشترط لها هذه الشروط.
وأما ما يتعلق بأحكامها الشرعية فلا شك أنها مثل الرجل في غالب الأحكام، فتجب عليها الصلاة كما تجب على الرجل، وكذا الطهارة بأنواعها، وتختص بأمور تتعلق بها كنجاسة دم الطمث ودم النفاس، وما يتعلق بذلك، وتختص أيضاً بأشياء تتعلق بالمناسك ككونها تلبس ما شاءت من اللباس، والرجل لا يلبس في الإحرام إلا إزاراً ورداءً، ويكشف رأسه، وذلك كله دليل على أن الشرع كما بين الأحكام التي تتعلق بالرجال فقد بين كذلك ما يتعلق بالنساء.
стр. 71
حفظ الإسلام لحقوق المرأة في الآخرة
وقد حفظ الإسلام حقوق المرأة في الأعمال الصالحة في الآخرة، فلما قالت عائشة: (يا رسول الله! لا أرى أن الله يذكر النساء! فأنزل الله آيات تتعلق بالنساء مع الرجال، مثل قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥]) فنص على الذكر والأنثى، وأن الله لا يضيع عمل عامل منهما.
ومثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى آخر الآيات، حيث ذكر ثوابهم جميعاً بقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥].
ولما تمنت إحدى النساء أن تكون مثل الرجال فيما يكتسبون وفيما يعملون من الأعمال؛ أنزل الله قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢] فلكل منهم نصيب مما اكتسب، ولا شك أنها تؤجر على نيتها، فإذا فاتها شيء من الأعمال التي يعملها الرجال، وهي تنوي أن تكون مثل الرجال في ذلك العمل؛ فلها نيتها، فإن الأعمال بالنيات.
وقد سأل بعض السلف: هل للحائض والنفساء حظ في ليلة القدر إذا لم تتمكن من الصلاة فيها لحيضها؟ فقال: نعم، لها حظ منها بقدر النية إذا وافقت ليلة القدر وهي لا تقدر أن تصلي ولا أن تقرأ لهذا العذر، ولكنها تنوي وتعزم على المشاركة في الأعمال الصالحة بنيتها، وبما تقدر عليه من الذكر ومن الدعاء ونحو ذلك، فيكون لها نصيب مثل غيرها من المغفرة التي ذكرها رسول الله ﷺ بقوله: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وبكل حال فالأحكام التي تتعلق بالمرأة ظاهرة ومشهورة، ونتوقف عند هذا، ونستقبل الأسئلة التي تختص بالنساء، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 72
الأسئلة
стр. 73
حكم ارتكاب مفسدات الصوم والصلاة مع الجنابة جهلاً بالحكم
السؤال
ما قول فضيلتكم فيمن يرتكب محظوراً من محظورات الصيام جهلاً منه منذ سنوات؟ وكذلك من لا يغتسل من الجنابة ويصلي وهو جنب، ما قولكم في ذلك؟
الجواب
لا شك أنه مفرط، فإنه لا يجوز للإنسان أن يقدم على العمل الذي لا يدري ما عاقبته، والمسلم الذي نشأ بين المسلمين وفي بلاد الإسلام لا يمكن أن يجهل إلا عن تفريط، فكونه مثلاً يصلي بلا وضوء هذا تفريط منه؛ لأنه يرى المسلمين يتوضئون، ويرى أماكن مكتوباً عليها أنها أماكن للوضوء في كل مسجد مثلاً، وكذلك هو يقرأ القرآن ويسمع القرآن، وفيه التعليمات التي منها إزالة الأحداث كبيرها وصغيرها، مثل قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦]، فلا يجوز الإقامة على مثل هذه الحال.
وهكذا في الصيام عليه أن يتعلم ما الذي يجب عليه تركه في هذا الصيام، وبكل حال لو قدر مثلاً أنه فعل شيئاً يفسد الصيام ولم يشعر كالاستمناء مثلاً كما يفعله كثير من الشباب في نهار رمضان، أو أن يباشر امرأته وينزل، ويعتقد أن ذلك لا يفسد الصيام مثلاً، أو أن يجامع ويعتقد أنه ليس عليه إلا مجرد أن يقضي ذلك اليوم، وليس عليه كفارة أو ما أشبه ذلك؛ فمثل هذا لا يعذر، لأنه لابد عليه أن يعرف الحكم ويعمل به، فإن كان عليه كفارة بالجماع بادر وأخرج تلك الكفارة، وإن كان عليه قضاء ذلك اليوم الذي أفسده بالاستمناء أو بتكرار النظر أو بالمباشرة ونحو ذلك بادر وقضى ذلك اليوم، وإذا كان قد مضى عليه سنوات سنة فأكثر أطعم مع القضاء مسكيناً عن كل يوم، وكذلك بقية الأحكام.
أما بالنسبة للصلوات فإن كانت كثيرة بأن بقي مثلاً لا يغتسل من الجنابة لمدة أشهر أو لمدة سنوات جهلاً منه وإعراضاً وعدم اهتمام، فلعله يقال له: أصلح عملك في المستقبل، وتب إلى الله، وأكثر من النوافل؛ لأننا لو ألزمناه بقضاء الصلوات لسنة أو سنتين فإن في ذلك مشقة وتنفيراً له، ولكن لعله يكتفي بأن يكثر من النوافل، ويحافظ على الصلوات في بقية حياته، ويحافظ على الطهارة من الحدثين.
стр. 74
حكم من أخر قضاء رمضان حتى دخول رمضان بعده
السؤال
من أخر قضاء رمضان حتى رمضان الآخر، ما عليه؟
الجواب
إذا كان لعذر كأن يكون مريضاً أحد عشر شهراً وهو على فراشه، ولم يستطع أن يصوم هذه المدة؛ فليس عليه إلا القضاء، وأما إذا كان تفريطاً وإهمالاً وهو قادر، فإن عليه مع القضاء إطعام مسكين كفارة عن التفريط.
стр. 75
حكم لبس الكعب العالي والعدسات الملونة والملابس الضيقة للمرأة بين النساء
السؤال
ما حكم لبس النساء للكعب العالي، والعدسات الملونة، والملابس الضيقة بحجة أنها بين النساء؟
الجواب
ننهى عن ذلك، الكعب العالي لا شك أنه تقليد ما عرف إلا من النساء الكافرات أو المقلدات للكافرات اللاتي أخذن يلبسن هذا، فترفع المرأة كعبيها وليس لها قصد إلا أن تقلد هؤلاء، وقد يكون في ذلك خطر؛ وذلك لأنها إذا مشت بالكعب المرتفع قدر شبر أو نحو ذلك سبب لها ميلاً في المشي، وربما سقطت، وربما تعبت، وربما إذا خلعته وأرادت أن تمشي بقدميها تتأثران بسيرها على ذلك الكعب العالي، وبكل حال الأصل أنه لا يجوز؛ لكونه تقليداً بلا فائدة.
وأما العدسات فلا شك أن فيها تغييراً لخلق الله، فلا يجوز استعمالها سواء كان لرجل أو امرأة، والمرأة قد تركب العدسات في حدقة العين وتقصد بذلك أن يظهر لون العينين مغايراً للون الطبيعي بخضرة أو بلون جذاب أو نحو ذلك، فنقول: لا يجوز لها ذلك ولو كان زوجها يستحسن ذلك منها.
وكذلك لبس النساء للملابس الضيقة بين النساء، نقول: لا يجوز لها أن تفعل ما فيه هذا التقليد من الألبسة الضيقة التي تبين تفاصيل حجم أعضائها، أو الألبسة الشفافة، حتى ولو كانت بين نساء، فإن ذلك يصير ديدناً وعادة متبعة، فتألف ذلك وتستحسنه، وتستثقل اللباس الواسع الذي لم تتعود عليه، ولو كان ذلك اللباس الذي لبسته أمام النساء فقط أو أمام محارمها أو ما أشبه ذلك، بل المرأة إذا صلت وهي وحدها تؤمر بأن تستر نفسها، ولو لم يكن عندها أحد، فلا يظهر منها إلا وجهها، تستر حتى كفيها وحتى أظافر قدميها، وتلبس ثوباً واسعاً حتى لا يتميز شيء من أعضائها ولو كانت في بيت مظلم.
وكذلك أيضاً لا تفرج عضديها كالرجل عند السجود يعني بإبعاد عضديها عن جنبيها بالتجافي في الصلاة، بل تضم نفسها؛ وكل ذلك حرصاً على ألا تتعود على العادة التي فيها شيء من التبرج أو فيها شيء من إظهار المحاسن أو نحو ذلك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
следующие страницы →