← Джавами‘

Джавами‘ · id 7685

دروس للشيخ ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (354 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حفظ الإسلام لحقوق المرأة في الآخرة وقد حفظ الإسلام حقوق المرأة في الأعمال الصالحة في الآخرة، فلما قالت عائشة: (يا رسول الله! لا أرى أن الله يذكر النساء! فأنزل الله آيات تتعلق بالنساء مع الرجال، مثل قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥]) فنص على الذكر والأنثى، وأن الله لا يضيع عمل عامل منهما. ومثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى آخر الآيات، حيث ذكر ثوابهم جميعاً بقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]. ولما تمنت إحدى النساء أن تكون مثل الرجال فيما يكتسبون وفيما يعملون من الأعمال؛ أنزل الله قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢] فلكل منهم نصيب مما اكتسب، ولا شك أنها تؤجر على نيتها، فإذا فاتها شيء من الأعمال التي يعملها الرجال، وهي تنوي أن تكون مثل الرجال في ذلك العمل؛ فلها نيتها، فإن الأعمال بالنيات. وقد سأل بعض السلف: هل للحائض والنفساء حظ في ليلة القدر إذا لم تتمكن من الصلاة فيها لحيضها؟ فقال: نعم، لها حظ منها بقدر النية إذا وافقت ليلة القدر وهي لا تقدر أن تصلي ولا أن تقرأ لهذا العذر، ولكنها تنوي وتعزم على المشاركة في الأعمال الصالحة بنيتها، وبما تقدر عليه من الذكر ومن الدعاء ونحو ذلك، فيكون لها نصيب مثل غيرها من المغفرة التي ذكرها رسول الله ﷺ بقوله: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). وبكل حال فالأحكام التي تتعلق بالمرأة ظاهرة ومشهورة، ونتوقف عند هذا، ونستقبل الأسئلة التي تختص بالنساء، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 72

الأسئلة

стр. 73

حكم ارتكاب مفسدات الصوم والصلاة مع الجنابة جهلاً بالحكم السؤال ما قول فضيلتكم فيمن يرتكب محظوراً من محظورات الصيام جهلاً منه منذ سنوات؟ وكذلك من لا يغتسل من الجنابة ويصلي وهو جنب، ما قولكم في ذلك؟ الجواب لا شك أنه مفرط، فإنه لا يجوز للإنسان أن يقدم على العمل الذي لا يدري ما عاقبته، والمسلم الذي نشأ بين المسلمين وفي بلاد الإسلام لا يمكن أن يجهل إلا عن تفريط، فكونه مثلاً يصلي بلا وضوء هذا تفريط منه؛ لأنه يرى المسلمين يتوضئون، ويرى أماكن مكتوباً عليها أنها أماكن للوضوء في كل مسجد مثلاً، وكذلك هو يقرأ القرآن ويسمع القرآن، وفيه التعليمات التي منها إزالة الأحداث كبيرها وصغيرها، مثل قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦]، فلا يجوز الإقامة على مثل هذه الحال. وهكذا في الصيام عليه أن يتعلم ما الذي يجب عليه تركه في هذا الصيام، وبكل حال لو قدر مثلاً أنه فعل شيئاً يفسد الصيام ولم يشعر كالاستمناء مثلاً كما يفعله كثير من الشباب في نهار رمضان، أو أن يباشر امرأته وينزل، ويعتقد أن ذلك لا يفسد الصيام مثلاً، أو أن يجامع ويعتقد أنه ليس عليه إلا مجرد أن يقضي ذلك اليوم، وليس عليه كفارة أو ما أشبه ذلك؛ فمثل هذا لا يعذر، لأنه لابد عليه أن يعرف الحكم ويعمل به، فإن كان عليه كفارة بالجماع بادر وأخرج تلك الكفارة، وإن كان عليه قضاء ذلك اليوم الذي أفسده بالاستمناء أو بتكرار النظر أو بالمباشرة ونحو ذلك بادر وقضى ذلك اليوم، وإذا كان قد مضى عليه سنوات سنة فأكثر أطعم مع القضاء مسكيناً عن كل يوم، وكذلك بقية الأحكام. أما بالنسبة للصلوات فإن كانت كثيرة بأن بقي مثلاً لا يغتسل من الجنابة لمدة أشهر أو لمدة سنوات جهلاً منه وإعراضاً وعدم اهتمام، فلعله يقال له: أصلح عملك في المستقبل، وتب إلى الله، وأكثر من النوافل؛ لأننا لو ألزمناه بقضاء الصلوات لسنة أو سنتين فإن في ذلك مشقة وتنفيراً له، ولكن لعله يكتفي بأن يكثر من النوافل، ويحافظ على الصلوات في بقية حياته، ويحافظ على الطهارة من الحدثين.

стр. 74

حكم من أخر قضاء رمضان حتى دخول رمضان بعده السؤال من أخر قضاء رمضان حتى رمضان الآخر، ما عليه؟ الجواب إذا كان لعذر كأن يكون مريضاً أحد عشر شهراً وهو على فراشه، ولم يستطع أن يصوم هذه المدة؛ فليس عليه إلا القضاء، وأما إذا كان تفريطاً وإهمالاً وهو قادر، فإن عليه مع القضاء إطعام مسكين كفارة عن التفريط.

стр. 75

حكم لبس الكعب العالي والعدسات الملونة والملابس الضيقة للمرأة بين النساء السؤال ما حكم لبس النساء للكعب العالي، والعدسات الملونة، والملابس الضيقة بحجة أنها بين النساء؟ الجواب ننهى عن ذلك، الكعب العالي لا شك أنه تقليد ما عرف إلا من النساء الكافرات أو المقلدات للكافرات اللاتي أخذن يلبسن هذا، فترفع المرأة كعبيها وليس لها قصد إلا أن تقلد هؤلاء، وقد يكون في ذلك خطر؛ وذلك لأنها إذا مشت بالكعب المرتفع قدر شبر أو نحو ذلك سبب لها ميلاً في المشي، وربما سقطت، وربما تعبت، وربما إذا خلعته وأرادت أن تمشي بقدميها تتأثران بسيرها على ذلك الكعب العالي، وبكل حال الأصل أنه لا يجوز؛ لكونه تقليداً بلا فائدة. وأما العدسات فلا شك أن فيها تغييراً لخلق الله، فلا يجوز استعمالها سواء كان لرجل أو امرأة، والمرأة قد تركب العدسات في حدقة العين وتقصد بذلك أن يظهر لون العينين مغايراً للون الطبيعي بخضرة أو بلون جذاب أو نحو ذلك، فنقول: لا يجوز لها ذلك ولو كان زوجها يستحسن ذلك منها. وكذلك لبس النساء للملابس الضيقة بين النساء، نقول: لا يجوز لها أن تفعل ما فيه هذا التقليد من الألبسة الضيقة التي تبين تفاصيل حجم أعضائها، أو الألبسة الشفافة، حتى ولو كانت بين نساء، فإن ذلك يصير ديدناً وعادة متبعة، فتألف ذلك وتستحسنه، وتستثقل اللباس الواسع الذي لم تتعود عليه، ولو كان ذلك اللباس الذي لبسته أمام النساء فقط أو أمام محارمها أو ما أشبه ذلك، بل المرأة إذا صلت وهي وحدها تؤمر بأن تستر نفسها، ولو لم يكن عندها أحد، فلا يظهر منها إلا وجهها، تستر حتى كفيها وحتى أظافر قدميها، وتلبس ثوباً واسعاً حتى لا يتميز شيء من أعضائها ولو كانت في بيت مظلم. وكذلك أيضاً لا تفرج عضديها كالرجل عند السجود يعني بإبعاد عضديها عن جنبيها بالتجافي في الصلاة، بل تضم نفسها؛ وكل ذلك حرصاً على ألا تتعود على العادة التي فيها شيء من التبرج أو فيها شيء من إظهار المحاسن أو نحو ذلك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 76

الطريقة المثلى للمرأة في طلب العلم السؤال ما هي الطريقة المثلى للمرأة في طلبها للعلم؟ الجواب وسائل العلم -والحمد لله- في هذه الأزمنة متوافرة، فالمدارس التي أسستها الحكومة فيها علوم متوافرة قائمة بالواجب، والذين تولوا المناهج وتقريرها ممن يوثق بهم، سواء كانت تلك العلوم مما يتعلق بالعقيدة أو مما يتعلق بالأعمال أو بالأحكام أو بالآداب أو نحو ذلك، فدراستها حتى مع دراسة الأمهات تزيد المرأة علماً، هذه طريقة. الطريقة الثانية: أن تقرأ في الكتب، فالكتب -والحمد لله- توافرت، فقد كانت قبل ستين أو سبعين سنة لا ينالها إلا القليل، لكنها -والحمد لله- في وقتنا توافرت وكثر طبعها ونشرها، وأصبح كل بيت فيه عدد من الكتب، ففي إمكان الرجل ومثله المرأة أن يقرأ ما تيسر من الكتب في أوقات فراغه، سواء في كتب الأحكام كالحلال والحرام والعبادات والمعاملات، أو في كتب الآداب التي هي الآداب الدينية والأخلاق ونحوها، أو في كتب العقائد كالتوحيد وما يتعلق به، أو في كتب الترغيب والترهيب والوعد والوعيد والجنة والنار والرقائق وما أشبه ذلك، فهي موجودة في إمكان المرأة كالرجل أن تتناول أي كتاب وتقرأ فيه، وستجد أبوابه مفصلة موضحة، فتستفيد من القراءة. الطريقة الثالثة: الاستماع إلى المحاضرات ونحوها، ففي إمكان المرأة كالرجل أن تحضر المحاضرات العامة التي يكون فيها أماكن مخصصة للنساء، وتستفيد كما يستفيد الرجل، والفائدة منها تبقى آثارها معها. والطريقة الرابعة: وهي الاستماع إلى الأشرطة؛ وذلك لأنها -والحمد لله- تيسرت، وحصل بها تأثير ونفع عظيم، فما دام أن المحاضرات والندوات ونحوها تسجل وتباع في الأماكن بثمن يسير، ففي إمكان المرأة أن تستمع حتى ولو كانت تشتغل في بيتها، حتى ولو كانت تغسل ثياب أولادها أو تصلح طعام أولادها وزوجها، أو تشتغل بكنس دارها أو نحو ذلك، تستمع وتستفيد. الطريقة الخامسة: الاستماع إلى الإذاعة التي فيها علوم موفقة كإذاعة القرآن؛ فإن فيها خيراً كثيراً، فيها سماع كلام الله، وسماع الكلمات التي تتعلق بكتاب الله، والتي تتعلق بالنصائح والمواعظ، فالطرق -والحمد لله- كثيرة.

стр. 77

حكم اقتناء التلفاز وكيفية التخلص منه السؤال جملة من الأخوات يسألن عن حكم وجود التلفاز في البيت، ويذكرن أنهن يحرصن على مقاطعته، ولكن يترتب على ذلك مقاطعة أهل البيت في أوقات طويلة، وقد يصبن بالملل، وفي النهاية قد تضطر إلى الجلوس أمامه، أفتونا أثابكم الله في ذلك؟ الجواب ننصح بالابتعاد عن الصور، وعما يحمل تلك الصور، ولا شك أن التلفاز في هذه الأزمنة يحمل صوراً قد تكون فاتنة، فتظهر فيه المرأة أمام الرجال وهي سافرة متبرجة متجملة؛ وذلك يفتن الرجال، ثم تتكلم أمامهم وهم ينظرون إلى صورتها، وكذلك يظهر الرجل أمام النساء وهو متجمل في غاية الجمال وفي غاية الشباب، وقد تكون النساء عزاباً لم يتزوجن بعد، فيكون هذا أيضاً سبباً للفتنة، زيادة على ما يكون فيه من التمثيليات التي هي ملهية وقاطعة للوقت بغير فائدة، زيادة على ما هناك من الأغنيات التي تحمل في كلماتها شيئاً مما يثير الغرام، ويدفع إلى التهاون بالشهوات المحرمة أو المكروهة. ولما كان كذلك فإننا ننصح بعدم اقتنائه وبالابتعاد عنه، فإذا كان موجوداً في البيوت فالمرأة أو الرجل الذي يريد نجاة نفسه يتجنب الجلوس أمامه، وإذا اضطر إلى الجلوس مع أهله فإن عليه أن يكلفهم أن يطفئوه، ولا يشغل وهو مقيم معهم، هذا بالنسبة إلى من لا يستطيع إخراجه، والأولى أن يحاول إخراجه وتطهير البيت منه؛ حتى يكون الخير بدلاً عن الشر واللهو واللعب، وإذا لم يستطع فعليه الاعتزال. والمرأة التي تريد نجاة نفسها تعتزل في حجرتها مثلاً، وكذلك الرجل يعتزل في حجرة له، ويتركهم بعدما ينصحهم.

стр. 78

حكم قص المرأة لشعر رأسها وصبغه بألوان متعددة السؤال ما حكم قص الشعر بالنسبة للمرأة، وما حد ذلك؟ وما حكم صبغ المرأة للشعر بألوان متعددة لتغيير صورته؟ الجواب لا يجوز قص الشعر للمرأة؛ وذلك لأن من تمام زينتها توفير شعرها، ولم يزل الأمهات والجدات وكذلك المسلمات في كل زمان حتى قبل الإسلام يمتدحن ويمدحن بطول الشعر وبتربية شعر الرأس، وذلك زينة لها وجمال، وورد نهي النساء عن حلق الشعر حتى في النسك الذي هو من جملة العبادات، فحلق الشعر عند التحلل من الإحرام عبادة من العبادات، ولكن منعت منه المرأة؛ لأنها مأمورة بإبقاء شعرها، وأمرت بأن تأخذ من كل ضفيرة قدر أنملة، وهذا دليل على أنها تجمع رأسها، وتوفر شعرها، ولا تأخذ منه شيئاً، وإنما عند التحلل تقص من كل قرن قدر أنملة، أي: رأس الإصبع، وشعرها يبقى حتى بعد موتها، ففي حديث أم عطية لما غسلت زينب بنت النبي ﷺ قالت: (فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، وألقيناه خلفها). وهذا دليل على أنهن كن يربين الشعر، وأنه يجعل ضفائر أي: قرون، كل ضفيرة تفتل وحدها وتلقيها، وقد يكون للمرأة عدة ضفائر، خمس ضفائر يعني: خمسة قرون أو أكثر أو أقل، ولا شك أن ذلك دليل على افتخار المرأة بهذا الشعر وبقائه، وأنه من كمال زينتها. لكن يرخص لها في ذلك إذا بلغت المشيب وأيست من النكاح، فقد ثبت أن أمهات المؤمنين بعد موت النبي ﷺ لما أيسن من النكاح كن يأخذن من شعورهن حتى يكون كالجمة، أي: أنها تقص من شعرها؛ لأنها أيست من أن تتجمل للأزواج، فتتركه إلى أن يكون كالجمة، يعني: إلى أن يصل إلى المنكب أو نحو ذلك. أما من هي في ذمة زوج أو ترجو النكاح فلا يجوز لها أن تقص منه، بل تتركه على حالته، ولو زين قصه لكثير من الأزواج الذين قلدوا الغرب واستحسنوا ما هو مستقبح، فكثير من الأزواج يظن أن جمال المرأة في أن تقص ناصيتها، أو أن تقص من جوانب رأسها أو ما أشبه ذلك، ولا شك أن هذا مخالف للجمال الفطري الصحيح، فلا يجوز أن يركن إليه. وأما صبغ الشعر فيجوز إذا كان الشعر أبيض فيصبغ بالحناء، فيجوز لها إذا كان قد شاب شعرها وانقلب أبيض أن تحمره بالحناء فقط، وأما الأصباغ الكثيرة التي تقلب الشعر الأسود فتجعله أحمر أو أزرق أو أخضر أو ملوناً فهذا لا يجوز؛ وذلك لأنه تغيير لخلق الله، والله تعالى قد ذم الذين يفعلون ذلك، وذكر أنه من عمل الشيطان، وذلك في قوله عن الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩]، وكذلك قول النبي ﷺ : (لعن الله المتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله).

стр. 79

حكم الإطعام أو ما يسمى بعشاء الوالدين وتثويبه لهما السؤال ما القول فيما يفعله بعض الناس من إطعام ويجعل ثواب هذا لفلان من الموتى، وهو معروف عند الناس بعشاء الوالدين أو نحوه؟ الجواب الصدقة لا شك أنها تصل إلى الميت، إذا تصدقت وجعلت أجرها لأبويك أو لأمواتك فلا بأس بذلك، سواء كانت تلك الصدقة مالاً؛ يعني: نقوداً تدفعها للفقراء الذين تحل لهم الصدقة، أو طعاماً بأن تدعوهم إلى طعام ليأكلونه وتقول: اللهم اجعل ثواب هذا الطعام الذي تصدقت به أو أطعمته لأبواي أو لأمواتي ونحو ذلك. وإطعام المساكين لا شك أن فيه أجراً، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨] فدل على أنهم بإطعامهم هذا يريدون الثواب، ولهذا يقولون: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:٩ - ١٠]. لكن إذا كان الإطعام لغير مساكين كالإخوة والأقارب والجيران ونحوهم، ولم يكن الذين تطعمهم أو تعشيهم أو تفطرهم أو تسحرهم من الفقراء الذين هم أهل للصدقة، وإنما هم أقاربك وعشيرتك وجيرانك وزملاؤك؛ ففي هذه الحال فأنت تطعمهم كرامة لا صدقة؛ لأن هذا إنما هو إكرام لأجل الإخوة ونحو ذلك، ويهون على كثير النفقة في ذلك، فتراه يستضيف زملاءه، ويخسر الآلاف في ضيافتهم وفي إطعامهم، وتراه يقدم لهم أنواع المشتهيات، وهذا معلوم أن القصد منه هو الكرامة لا الصدقة، فإذا كان كذلك فما هو الثواب الذي يجعله لوالديه؟ هو ما قصد الثواب، وإنما قصد الكرامة، والضيافة، والزيارة وما أشبه ذلك، وهذا لا يحتاج إلى أن يقول: اللهم اجعل ثوابه لأبوي أو نحو ذلك. أما ما يسمى: بعشاء الوالدين فهذا فيه أجر إذا كان يطعم من هم أحق بالإطعام أو من هم مستحقون، وكان هذا معروفاً في هذه البلاد منذ القدم إلى قرابة ثلاثين سنة أو عشرين سنة، كانوا كل أسبوع وبعضهم كل يوم إذا دخل رمضان يجتمعون عند أحدهم، فيجمع أقاربه ويجمع جيرانه، ويضيفهم، ويقدم لهم لحماً شهياً، ويقول: هذا عشاء الوالدين. يعني: أجره لوالديه، وكان اللحم في تلك السنوات قليلاً، إنما يأكله أحدهم في الأسبوع مرة أو في الأسبوعين مرة، وربما لا يتيسر لبعضهم إلا في أيام الأضاحي ونحوها، ففي تلك الحال لا شك أن الطعام كان له وقع، والنفوس تشتهي هذا الأكل، وكان الأغلب فقراء وذوي حاجة، فإذا نوى بإطعامه أقاربه وجيرانه الذين هم محتاجون، وجعل ثواب ذلك لوالديه نفعهم ذلك إن شاء الله. أما في هذا الأزمنة فما دام أن الغالب أن كل بيت فيه ثلاجة وفيها لحوم، وأن أهل كل بيت لا يأكلون غداءً ولا عشاءً غالباً إلا وفيه لحم، فما الصدقة فيهم؟ ماذا تؤثر فيهم وهم عندهم اللحوم وعندهم الأطعمة؟ فهذه لا يقال عنها: صدقة، ولكن يقال: كرامة وضيافة.

стр. 80

حكم استعمال حبوب منع الحيض في رمضان وغيره السؤال ما حكم المرأة التي تتناول حبوباً لإيقاف الحيض في رمضان أو في العشر الأواخر منه؟ وهل انحباس الدم بهذه الصورة يؤثر؟ الجواب ذكر الأطباء: أن احتباس الدم يؤثر على صحتها، وأن هذا الدم دم طبيعة وجبلة يخرجه الرحم في أوقات محددة، وخروجه على عادته وهيئته لا شك أنه خروج دم فاسد لا فائدة في بقائه، ولكن قد يكون هناك أدوية تحبسه في عروقه، وتمسكه في الرحم أو في البطن أو في أماكنه التي يتحلل منها، وهذه الأدوية أجاز العلماء استعمالها لمناسبة ولسبب ولحاجة، فأفتى كثير منهم بجواز استعمالها للمرأة التي تخاف الحيض في الحج، وتخشى أن تحبس رفقتها، فيجوز لها أن تتعاطى ما يمنع الحيض حتى لا تحبسهم وتؤخر الرفقة؛ فتسبب لهم ضرراً، هذا مسوغ وعذر، ولكن شرط ذلك: ألا يكون في استعمال هذه الحبوب أو هذا الدواء ضرر على صحتها. أما بالنسبة إلى استعمالها في رمضان إذا كانت تأتيها الدورة في رمضان، وتعرف أنها إذا أتتها أفطرت أياماً وثقل عليها القضاء، فنقول: إذا كان قصدها من حبس هذا الدم هو مجرد الصوم، وتقول: لا أريد أن أفطر؛ فإن القضاء يشق علي، وأريد أن أصوم مع أخواتي حتى يسهل الصوم معهم، فإن صومي وحدي فيه كلفة ومشقة، وصومي معهم أقوم معهم إذا قاموا، وأتسحر معهم، وأمسك كما يمسكون, وأبقى على صيامي بقية يومي كما يبقون، ولا يكون علي دين يثقل علي؛ فنشير بألا تفعل لهذا الغرض، بل تترك الحيض على عادته وتحيض كما تحيض غيرها، وتقضي كما يقضي غيرها. أما إذا كان لها قصد أعلى من ذلك فلا بأس، إذا كان قصدها من استعمال حبوب منع الحيض أن تصلي مع المصلين، أو أن تعتمر مع من يعتمر، أو أن تصوم وتقرأ القرآن في المصحف أو بدون المصحف، يعني: قصدها عبادات لا تفعل مع الحيض كقراءة القرآن ومس المصحف والعمرة والصلاة ودخول المساجد وحضور المحاضرات فيها وما أشبهها، وهذه تفوت عليها إذا كانت حائضاً، فتقول: أستعمل هذه الحبوب أو هذا الدواء حتى يمنع الحيض، وحتى أتمكن من فعل هذه العبادات، فلعل ذلك يكون مبرراً، ويجوز بهذه النية إن شاء الله.

стр. 81

حكم إفطار الحامل والمرضع خوفاً على ولديهما السؤال المشهور في مذهب الحنابلة أن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً ولا تقضي، ما قول فضيلتكم في ذلك؟ الجواب أما كونها تفطر وتكفِّر فهذا هو المشهور، وأما كونها لا تقضي فهذا ليس بصحيح، بل الصحيح أنها تقضي وتكفِّر، تقضي وتطعم، وهذا مروي عن ابن عباس، وعليه فسر الآية، وهي قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، روي عن ابن عباس وغيره من السلف أن هذه الآية باقية لم تنسخ، وأنها في حق الكبير الذي يشق عليه الصيام مع كونه يطيقه، فيطعم ولا صيام عليه، وكذا المريض الذي لا يرجى برؤه، وكذا المرأة الحامل أو المرضع التي تخاف على الجنين في بطنها، أو تخاف على رضيعها ألا يجد لبناً، وأن لا يجد قوتاً وغذاءً؛ فتفطر لأجل غيرها، فلكونها أفطرت من غير مرض تكفر، ولكونها تطيق الصيام بعد زوال ذلك العذر تصومه، أي: تقضي وتطعم، هذا هو المشهور. والرواية التي فيها أنها لا تقضي، وإنما تقتصر على الإطعام رواية ضعيفة، سواء كانت الرواية عن ابن عباس أو كانت عن الإمام أحمد، فهي لا تثبت، بل الثابت والمشهور أنه لابد من القضاء مع الإطعام.

стр. 82

حكم تمكين الخادم أو الخادمة الكافرين من مزاولة عبادتهما السؤال ما قول فضيلتكم فيمن يسمح للخادمة سواء كانت نصرانية أو وثنية أن تمارس عبادتها وصلاتها في بيت المسلمين، وبعيداً عن أنظار الأطفال؟ الجواب هذا خطأ؛ وذلك لأنه إذا احتيج إلى استقدام الكفار، سواء كانوا رجالاً كعمال، أو نساء كخدم يشترط عليهم ألا يظهروا دينهم، وألا يعلنوا كفرهم، ولا شك أن من إعلانهم مزاولة عباداتهم، فالنصارى مثلاً يعظمون الصلبان، فإذا كان معه صليب ينصبه ويتمسح به أو يرسمه على صدره منع من ذلك في بلاد الإسلام، وبالأخص في جزيرة العرب التي هي مهبط الوحي، فيمنع من ذلك، وكذا يمنعون من إحداث الأماكن التي يتعبدون فيها، فيمنعون من بناء الكنائس، وكذلك البيع والصوامع التي هي معابد لليهود والنصارى ونحوهم، وهكذا متعبدات غيرهم، فالبوذيون لهم عبادات يتعبدون بها، ولكن لا يمارسونها في البلاد الإسلامية، ولا يقيمون معابدهم، ولا يظهرون شعائرهم، وكذلك الهندوس الذي هم وثنيون لا يمكنون في بلاد المسلمين أن يظهروا شيئاً من عباداتهم وشركياتهم، بل يمنعون ذكوراً وإناثاً. فهذا الذي يمكن ذلك الخادم أو ذلك السائق مثلاً من أن يزاول عبادته أو صلاته أو شركه أو كفره في بيته مخالف للشروط التي تشترط على الوافدين وعلى جميع العمال الذين يأتون لهذا السبب؛ لأنهم ما أتوا إلا لحاجتهم، يعني: فاقتهم وفقرهم دفعهم إلى أن يذلوا أنفسهم، ويأتوك خداماً يخدمون بأجرة، فما دام أنهم أذلة فينبغي أن نزيد في إذلالهم، وأن نبعدهم عن دينهم حتى يشعروا بعزة الإسلام؛ وحتى يشعروا بذلهم هم وبهوانهم وحقارتهم. فالذي يمكن الخادمة من مزاولة عبادتها قد فعل خطأً، فعلينا أن ننتبه لذلك، وننبه الإخوة.

стр. 83

حكم بقاء النساء عند أزواجهن الذين لا يصلون السؤال ماذا عن النساء اللاتي لهن أزواج لا يصلون، وقد نصحوا مرات ومرات، ويقع منهم جماع وأولاد، فما الحكم في ذلك؟ الجواب هذا مما عمت به البلوى، وكثرت الشكايات منه، ولا نحصي النساء اللاتي يتصلن بنا هاتفياً تشتكي من زوجها أنه لا يصلي، أو إنما يصلي أحياناً، أو لا يصلي مع الجماعة، ومع ذلك تعظه وتنصحه، وتكثر من توبيخه وهجره، ولكنه مصر على ذلك، أو إذا أحسن المقال قال لها: ادعي الله أن يهديني، أو ما أشبه ذلك، ولا يفعل السبب الذي يدفع نفسه إلى العمل الصالح الذي أمر الله به، وفرضه على عباده! نقول لهذه المرأة: هذا الزوج الذي أصر على ترك الصلاة إصراراً كلياً لا يجوز البقاء معه، بل على المرأة أن تمنع نفسها منه، ونقول له: ما دمت على هذا الحال فإنه تحرم عليك امرأتك؛ لأنك مرتد بذلك، قد عملت عمل الكفار ونحوهم، فلا يجوز لك أن تجامع امرأة مسلمة ولو كانت زوجتك وأنت لا تصلي؛ لأن تركك للصلاة ردة أو كفر يسبب طلاق الزوجة منك إذا كنت مصراً على ذلك. ولكن كثيراً منهن تعتل وتذكر أشياء تبرر بقاءها معه إما كثرة أولادها منه، وإما أنها لم تعلم الحكم إلا بعد أن ولدت منه ولداً أو عدداً من الأولاد، وإما أنها رأت منه حسن خلق وحسن معاملة، وأنه يقوم بواجباتها، ويأتي لها بحاجاتها، ويعطيها ما تطلبه، ويحسن عشرتها، وينفق عليها، ويكسوها الكسوة التامة، ولكنه مخل بهذا الأمر الذي هو حق الله تعالى. فنقول: لا يكون هذا عذراً، بل عليها أن تطلب الخلع، وأن تفارقه مهما كانت الحالة، وسوف يجعل الله لها فرجاً ومخرجاً، وربما إذا أصرت على امتناعها منه، وذهبت إلى أهلها، أو تركت ولده عنده إذا كان لها ولد منه، أو نحو ذلك، أن يكون ذلك منبهاً له، ويقول: لماذا لا أراجع نفسي؟ لماذا لا أتوب إلى ربي؟ لماذا لا أعلن التوبة؟ ما الذي ترجوه هذه المرأة ولا أرجوه؟ ألست مكلفاً؟ أليس كلنا يخاف الله ويرجو ثوابه؟ ألست أولى بأن أكون مستقيماً؟ أنا أولى بأن أنصح امرأتي وأنصح أولادي وأعلمهم! فإني أنا الذي أرعاهم وهم في ذمتي، (وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل راع في أهل بيته وهو مسئول عن رعيته) فلعله ينتبه ويعود إلى نفسه، فإن أصر ولم يعد -والعياذ بالله- فلا يجوز لها البقاء معه، بل عليها أن تطلب الخلع. والطريق إلى ذلك أن تقدم شكاية إلى الشرطة أو إلى المحكمة، وتأتي بشهود معروفة حالهم من جيرانهم أو إمام المسجد القريب منهم أو مؤذن المسجد، ممن يعرفونه، ويشهدون لها أنهم لا يرونه يأتي إلى المسجد، مع مشاهدة سيارته عند بابه مثلاً، ويكون ذلك مصدقاً لقولها.

стр. 84

حكم اقتناء لعب الأطفال المجسمة والمجلات والملابس التي بها صور السؤال ما حكم اقتناء لعب الأطفال المجسمة، وكذلك المجلات التي للأطفال وبها رسوم وصور، وملابس الأطفال التي عليها صور؟ الجواب ننصح بالبعد عن لعب الأطفال التي هي صور حيوانات حقيقية، ولا يجوز للآباء شراؤها لهم؛ وذلك لدخولها في اسم الصور، وقد ورد الأمر بطمسها وإزالتها، وأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، فلا يجوز شراؤها لهم، ولو كانوا يأنسون بها، ونحو ذلك. ولا شك أنها صور حقيقية، فإنا نشاهدهم يصورون اللعبة التي هي صورة لطفل، فيصورون له يدين وأصابع وأنامل وأظافر، وقد يحمرون الأظافر تشبهاً بعمل النساء، وكذلك يصورون لها رأساً كاملاً، ويصورون لها عينين مفتوحتين وأهداباً وأنفاً ومنخرين وشفتين، ويحمرون الشفتين، ويصورون لها شعراً يمسكونه خلفها مثل الشعر الطبيعي، وكذلك عنقاً وكتفين وبطناً وظهراً، وكذلك أيضاً قدمين وساقين، فهذه صورة إنسان، فتدخل في الحديث الذي أمر فيه بطمس الصور وبالنهي عنها. وأما ما يحتجون به من أن عائشة لما كانت صغيرة كان عندها لعب، حتى أنها كانت تقتني لعبة هي صورة خيل لها أجنحة، فتلك الصورة ليست مثل هذه الصور؛ وذلك لأنها هي التي تعملها بيدها، وكانت عائشة صغيرة في التاسعة أو العاشرة، وهي بحاجة إلى شيء تلهو به، فكانت تعمل بيدها تلك اللعب التي تلعب بها وتعبث بها، فتأخذ عوداً عادياً، وتجعل عليه عوداً آخر معترضاً، وتشده بخيط، ثم تجعل عليه خرقة، فيخيل إليها أن رأسه هو رأس الحيوان، وأن يديه معترضتان، ولكن ليس فيه وجه، ولا عينان، ولا فتحة أنف، ولا فتحة فم، ولا أذنان، ولا تفاصيل الوجه، ولا شيء من تكملة الصورة، ولا شعر، ولا كف، ولا أصابع، ولا أظافر، ولا رجلان، إنما هما عودان تعرض أحدهما على الآخر، فهل يقال: إن هذه صورة ويحتج بها على إباحة هذه الصور الحقيقية؟! لا. فننهى أن يقتني أحد لأطفاله هذه اللعب، وعلى المرأة ألا تلزم زوجها أن يشتري هذه اللعب، ولو كان الأطفال يأنسون بها. يمكن أن يوجد صور ليس لها أرواح، فيمكن أن يجد صورة سيارة أو صورة طائرة أو صورة أسلحة كبندق أو مسدس أو دبابة أو غيرها، فله أن يشتري من هذه الصور ما يلعبون به، وهي مباحة؛ لأنه ليس فيها أرواح، ففيها ما يلهيهم ويشغلهم ويكفيهم عن الصور التي هي صور حيوان محرم الاقتناء، حتى ولو صورة ذباب أو بعوض أو أي صورة شيء فيه روح كدابة أو كعقاب أو كذئب أو نحو ذلك، فكل ما فيه روح لا يجوز أن تقتنى صورته، وأما ما لا روح فيه كالشجر أو الجبل، أو الصناعات الحديثة كآلات الرمي أو آلات الركوب الجديدة فلا مانع من اقتناء صورها؛ لأنه ليس فيها روح. وأما الصور التي في الصحف فلا شك أن فيها فتنة؛ وذلك لأن هذه الصور المرسومة تشتمل على صور نساء كاشفات، وهن نساء بالغات، فإذا رأتها الصبية أو رأتها الشابة وهي على هذه الحالة من التكشف، فإنها تقتدي بها، وتتهاون بأمر الحجاب، فلأجل ذلك ننهى عن شراء هذه الصحف. كذلك نظر الرجال في تلك الصور التي فيها نساء متكشفات لا شك أيضاً أنه فتنة. وهكذا أيضاً الأقمشة والثياب التي ترسم فيها صور من فانيلات أو سراويلات أو ما أشبهها، حيث تطبع عليها صورة إنسان برأسه وبوجهه وبأنفه وبيديه لاسيما على أكسية الأطفال، فهذا أيضاً لا يجوز، والذين وردوها قد أخطئوا في ذلك، والذين صدروها إنما أرادوا بذلك الدعاية إلى تلك الصور، أو أرادوا بذلك تسهيل أمر هذه الصور التي هي محرمة، فالناس إذا تهاونوا بها شيئاً فشيئاً سهلت عليهم بعد ذلك، فلا يجوز لك أن تشتري لأطفالك هذه الأكسية التي رسمت عليها هذه الصور التي هي صور حيوانات. وهكذا أيضاً صور معابد المشركين أو ما يعظمونه كالصلبان وما أشبهها، وفي إمكان الإنسان أن يشتري غير هذه الأكسية، ولو أن يشتري قماشاً ويأتي به إلى الخياط، ويأمره بأن يفصله على ولده، ويجعل تفصيله على كذا وكذا، وبهذا يسلم من اقتناء أو شراء هذه الأكسية التي عليها هذه الصور.

стр. 85

معنى قوله: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات السؤال يقول ﷺ : (نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها) ما هو التفسير الصحيح لهذا الحديث؟ الجواب هذا الحديث رواه مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ قال: (صنفان من أمتي لم أرهما بعد: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها). شرح العلماء هذا الحديث بما ظهر لهم، فالذي اختاره أكثر الشراح أن قوله: (كاسيات عاريات) محتمل أنهن كاسيات من نعم الله، عاريات من شكرها، فتكون الكسوة والعري بالمعنى دون اللفظ، كسوة بالمعنى، وعري بالمعنى أيضاً. والقول الثاني: أنهن كاسيات يعني: عليهن ألبسة، ولكن تلك الألبسة إما ضيقة وإما شفافة رقيقة، بحيث لا تستر ما تحتها، فتكون كاسية؛ لأن عليها ثوباً، ولكنها شبه عارية؛ لأن ذلك الثوب لضيقه يبين تفاصيل جسدها، فيتبين منه ثدياها وصدرها ومنكباها وعنقها وعضداها، ونحو ذلك، يعني: تتبين أعضاؤها لضيق ذلك الثوب فكأنها عارية، وإذا كان الثوب شفافاً رقيقاً، فإنه يشف عما تحته، فيرى جسدها، ويرى بياضه أو سواده أو حمرته أو نحو ذلك فكأنها عارية، فهي كاسية بهذا الثوب ولكنه ليس بساتر. وأما قوله: (مائلات مميلات) فالمراد أنهن مائلات إلى الباطل وإلى الهوى وإلى المنكر أو الفحش ونحو ذلك. مميلات لغيرهن، يعني: من رآهن مال إليهن، سواء كان من الرجال أو النساء، فالنساء يقلدنهن ويفعلن كفعلهن، فكأنهن سبب في ميلهن، وإذا رآهن من الرجال من هو قليل الإيمان مال إليهن للممازحة أو المعاكسة أو نحو ذلك، فيكون هنا الميل هنا ميلاً معنوياً. وقيل: إنه ميل حسي، بمعنى أنها إذا مشت فإنها تتمايل يمنة ويسرة، وذلك من صفات المتكبرين، أو من صفات الدعاة إلى الفحش وإلى المنكر، بمعنى: أنها تتمايل وتتلفت يميناً أو يساراً، أو تحني ظهرها أو جنبها حتى تميل غيرها، أو أن يقتدي بها غيرها. وأما قوله: (كأسنمة البخت) البخت: هي نوع من الإبل لها سنامان، أحدهما أصغر من الآخر، فهذا النوع معروف أنه يصلح لأن يركب، فالإبل التي لها سنامان تركب كما تركب التي لها سنام واحد، فشبه رءوسهن بأسنمة البخت، ولكن فيها ميل، فأحد السنامين أصغر من الآخر، فلذلك قال: كأسنمة البخت المائلة. وفسره بعض مشايخنا بأنه المرأة التي تجمع شعر رأسها خلفها، وتمسكه بحزام، ثم تلبس فوقه خماراً رقيقاً، فيخيل إلى من يراها أن لها رأسين: رأساً هو الشعر الذي خلفها، ورأساً هو الحقيقي، فيكون ذلك مثل أسنمة البخت. وعلى كل حال فالمرأة تبتعد عن الصفات التي تلحقها بمثل هؤلاء.

стр. 86

حكم زكاة حلي المرأة الملبوس للزينة السؤال ما حكم زكاة الحلي الذي تلبسه المرأة للزينة؟ وإذا كان عليه زكاة فكيف تخرج؟ الجواب قد اختلف فيها مشايخنا: فمنهم من يرى أن فيها زكاة، ومنهم من يرى أنه لا زكاة فيها، والمشهور عند الفقهاء أنه لا زكاة فيها؛ لأنها لا تنمو، وهذا اختاره شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد الله بن حميد رحمهما الله، وكانا يفتيان به. والقول الثاني: أنها تزكى، وهذا اختاره شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين، قالا: إنها تزكي إذا بلغت نصاباً، ويقدر النصاب بنحو أحد عشر جنيهاً ونصفاً، إذا كان هذا الذهب الذي عندها بهذا القدر فإنها تقومه وتزكي قيمته، وهذا هو الذي نفتي به؛ وذلك لقوة الأدلة، وهناك أحاديث مرفوعة تدل على هذا منها: حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (أن امرأة دخلت على النبي ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟! فألقتهما) فقوله: (أتؤدين زكاة هذا؟) المراد الزكاة الشرعية. كذلك حديث عن عائشة (أن النبي ﷺ رأى عليها فتخات من فضة، وقالت: إني أتحلى وأتجمل بهن لك، فقال: هل تؤدين زكاتهن؟ قالت: لا. قال: هما حظك من النار، فأخرجت زكاتهما) أو كما قال ﵊. فهذان حديثان ثابتان، والأصل أن الزكاة إنما تطلق على الزكاة المالية التي هي إخراج ربع العشر. وعلى كل حال فكل من المشايخ له نظره، وله اجتهاده، وقد كتب فيها كثير من المشايخ رسائل، وكل يختار الذي يميل إليه. أما كيفية إخراج الزكاة فإنها تقدر بقيمتها التي تساويها الآن، فالمرأة إذا كان عندها من الذهب ما يبلغ خمسمائة جرام سألت من يبيع الذهب بكم تشتري هذه الخمسمائة التي عندي وقد استعملتها، فإذا قال: قيمة الجرام كذا وكذا، قدرت كم عندها من الجرامات، وعرفت قيمتها، وأخرجت زكاة القيمة.

стр. 87

حكم من حاضت بعد غياب الشمس في رمضان قبل الإفطار السؤال ما قول فضيلتكم في المرأة تحيض بعد مغيب الشمس في رمضان وقبل أن تفطر؟ الجواب تم صيامها، فمعلوم أن تمام الصيام يكون بغروب الشمس ولو لم يؤذن المؤذن، فإذا تحقق غروب الشمس فقد تم الصيام، وجاز للصائم أن يفطر؛ لقول النبي ﷺ : (إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم) يعني: حكماً ولو لم يتناول، فإذا غربت الشمس وتحقق غروبها كمل صيام المرأة، فإذا حاضت بعد ذلك فلا تقضي ذلك اليوم لتمامه. أما إذا حاضت قبل الغروب ولو بدقيقة فإنها تقضي ذلك اليوم؛ لأنه لم يتم؛ ولأن الحيض مفسد للصيام.

стр. 88

حكم صيام من شكت في حدوث الحيض قبل المغرب أو بعده السؤال إذا شكت هل حاضت قبل المغرب أو بعده فما الحكم؟ الجواب إذا شكت في ذلك الخارج، هل خرج قبل الأذان أو بعده فالاحتياط لها القضاء.

стр. 89

من طهرت بعد العصر تقضي معها الظهر السؤال الحائض التي تطهر مثلاً بعد العصر هل تصلي الظهر والعصر؟ أو طهرت بعد العشاء هل تصلي المغرب والعشاء؟ الجواب نعم، إذا حاضت في آخر صلاة تجمع مع ما قبلها، فتصلي الصلاتين، وإذا كانت الصلاة لا تجمع مع ما قبلها قضت الصلاة، وإذا حاضت في غير وقت صلاة فلا تقضي شيئاً، فالظهر والعصر يجمعهما من له عذر كالمسافر والمريض ونحوهما، فإذا طهرت قبل العصر قضت الظهر، وإن طهرت قبل غروب الشمس ولو بدقيقة قضت الظهر والعصر، فإن طهرت بعد دخول وقت المغرب لزمتها المغرب، فإن طهرت في آخر الليل قبل طلوع الصبح لزمتها الصلاتان: المغرب، والعشاء؛ وذلك لأنها أدركت آخر وقت تجمع فيه الصلاتان، وإن طهرت قبل طلوع الشمس قضت الفجر وحدها، وإن طهرت بعد طلوع الشمس أو في الضحى فلا تقضي شيئاً. وهذا مأثور عن الصحابة كما رواه ابن أبي شيبة عن مجموعة من الصحابة كـ ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما، ولا يقولون ذلك إلا بدليل، هذا بالنسبة إلى الطهر. أما بالنسبة إلى الحيض: فإنها تقضي الوقت الذي أدركت أوله، فإذا حاضت بعد أذان الظهر قبل أن تصليها بقيت الظهر في ذمتها فتقضيها إذا طهرت بعد خمسة أو ستة أو سبعة أيام ونحوها، وإذا حاضت بعد دخول وقت العصر ولم تصل العصر بقيت العصر في ذمتها، وكذا إذا حاضت بعد أن غربت الشمس بقيت المغرب في ذمتها، فتقضيها بعدما تطهر، وكذلك إذا حاضت بعدما أذن للعشاء وغاب الشفق تقضي صلاة العشاء بعد أن تطهر. فالحاصل أنها تقضي وتحتاط، حرصاً على أداء العبادة التي هي فريضة ولازمة على المكلف.

стр. 90

حكم صلاة المستحاضة وصاحب السلس والقروح السؤال سؤال ورد حول ما يسمى: بسلس البول أو البول المتقطع الذي يصيب بعض الناس، فما حكم الصلاة مع ذلك؟ وهل يكتفى بالفريضة فقط؟ الجواب هذا المرض يصيب الرجال ويصيب النساء، وقد وقع لبعض الصحابة كـ زيد بن ثابت ﵁، فإنه لما أسلم أصيب بسلس البول، فكان يتأذى به وهو في الصلاة، ولكنه لا يقطع الصلاة، فذكر العلماء: أنه إذا كان به سلس البول ومثله القروح السيالة التي لا تتوقف، ومثله في النساء المرأة التي يسيل منها دم الاستحاضة؛ فهذا العذر يسمى: الحدث الدائم، فعلى صاحب هذا العذر أن يتوضأ لوقت كل صلاة، ولا يصلي فريضتين بوضوء واحد في وقتين، إلا أن تكونا مجموعتين في وقت، فإذا دخل وقت الظهر توضأ لها، وما دام لم ينتقض وضوءه فله أن يصلي نوافل، ويقرأ في المصحف، ونحو ذلك إلى أن يدخل وقت صلاة العصر، فيتوضأ لها وضوءاً جديداً ولو لم يحدث؛ هذا لمن كان به سلس في البول أو للمستحاضة، وهكذا إذا توضأ للعصر بقي على وضوئه يقرأ فإذا دخل وقت صلاة المغرب توضأ لها، ولا يكتفي بوضوئه لصلاة العصر، بل يتوضأ للمغرب بعد الأذان، وهكذا يتوضأ للعشاء، ويتوضأ للصبح. وإذا خرج البول وهو في نفس الصلاة فلا يضره، وإذا أصاب ثيابه أو أصاب جسده فلا يضره، ولكن عليه بعد ذلك أن يغسل ما أصابه للوقت الثاني أو أن يتحفظ. والمرأة في إمكانها أن تتحفظ بلبس ما يسمى: بالحفائظ التي تمسك ذلك الدم أو تلك النجاسة، والرجل بإمكانه أن يتحفظ أيضاً بأن يجعل ذكره في باغة أو نحو ذلك مما يمسك ذلك التقاطر حتى لا يلوث ثيابه أو بدنه، ثم بعد ذلك يزيل النجاسة ويجدد الوضوء والطهارة للصلاة الأخرى. وصاحب القروح السيالة بإمكانه أيضاً إذا دخل في الصلاة أن يجعل عليها قطنة أو شاشة تمسك ذلك الصديد الذي يسيل منها. الخلاصة: أن من شرط أصحاب هذه الأعذار أن يتوضئوا لكل صلاة.

стр. 91

حكم اشتراط البلوغ لمحرم المرأة في السفر السؤال تسأل بعض السائلات عن المحرم وتقول: هل يشترط فيه البلوغ أو التمييز، أفتونا مأجورين؟ الجواب المشهور أنه يشترط أن يكون المحرم في السفر بالغاً عاقلاً، ولكن كان هذا في الوقت الذي يطول فيه السفر، وتكون فيه الخلوة، كانت المرأة قديماً تسافر وتقطع المسافات الطويلة كعشرة أيام أو عشرين يوماً بين البلدين، وفي تلك الحال لا شك أنها تتعرض لقطاع الطرق، وتتعرض لمخاطر، وتتعرض لفلوات ومفازات طويلة، فيخاف عليها أن تضل، ويخاف عليها أيضاً أن يعتدى عليها إذا كانت خالية. ومع ذلك أجاز بعض العلماء إذا كان السفر قصيراً أن تسافر مع نسوة ثقات، وأجاز ذلك المالكية في الحج، مع أن السفر إلى الحج قد يستغرق أشهراً، وأغلبه في السفن، ولكن الجمهور على أنها إذا لم تجد محرماً في الحج فإنه يسقط عنها الحج. ولكن في هذه الأزمنة قربت المسافات، وقلت الأخطار، وكثر الأصحاب والمرافقون، وصار المسافرون أقرب إلى الأمان؛ فتساهل كثير من العلماء بالفتوى في ذلك، وأجازوا لها أن تسافر مسيرة ساعات مع صبي صغير ولو في العاشرة أو دونها إذا كان معها نسوة ثقات ورفقة مأمونون، سواء في الطائرة أو في السيارة، أجازوا ذلك من باب التسهيل على المسلمين؛ لأنها قد لا يتيسر لها أن تجد من يذهب بها، مثلاً تكون مضطرة إلى أن تسافر بالطائرة داخل المملكة ومعها نسوة ثقات، وكان محرمها قد أتى بها إلى المطار، والمحرم الثاني يتلقاها في المطار الآخر بعد الاتصال به، فإن هذا يتسامح فيه إذا كان هناك حاجة ماسة، فإن لم يكن هناك حاجة، أو استطاع المحرم أن يذهب معها؛ لزمه الذهاب معها. وأما السفر بالسيارات فإذا كانت المسافة ساعتين أو ثلاث ساعات أو نحوها، وكان معها نسوة ثقات، ومعها محرم لها دون البلوغ وفوق التمييز -أي: فوق السابعة-؛ فلعله أيضاً يكتفى بذلك؛ لقصر المسافة، ولأن الأحاديث التي وردت فيها ذكر اليوم كما في قوله: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاث ليال إلا مع ذي محرم) والرواية الثانية: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومين)، والرواية الثالثة: (مسيرة ليلة) فلما ذكر مسيرة يوم أو مسيرة ليلة أو يومين قدرت المسيرة باليوم، واكتفي في سفر نصف اليوم أو ثلث اليوم المحرم الذي دون البلوغ؛ لأن ذلك مما يتساهل فيه، مع الحرص على التحفظ.

стр. 92

أحكام المداينات لقد أباح الله تعالى جميع البيوع إلا ما كان بيعاً محرماً، فإنه لا يجوز تعاطيه، ومما أباحه الله جل وعلا الدين إلى أجل بشروطه، وقد توسع كثير من المسلمين في الديون اليوم حتى أصبحوا يرتكبون أشياء محرمة؛ كبيع العينة أو الربا، أو بيع ما لا يملكه الإنسان لأجل قضاء الدين، فعلى الدائن والمستدين أن يراقبا الله ويلتمسا طرق الحلال.

стр. 93

الاستدانة وحكمها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن الله تعالى أحل لنا الحلال وبينه، وحرم علينا الحرام وبينه، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١١٩]، ومن جملة ما بينه ما يتعلق بالمبايعات، فالأصل فيها الإباحة إلا ما دل عليه الدليل، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فجنس البيع حلال إلا ما دل الدليل على أنه محرم. ومن جملة المبايعات: البيع إلى أجل، وقد ذكره الله تعالى في قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، يدخل في هذا كون الثمن ديناً، وكون المثمن ديناً، وهو ما يعبر عنه بالسلم، وكلها لها أحكام لا بد من معرفتها؛ وذلك لأن الإنسان قد يحتاج إلى سلعة ولا يكون معه ثمن، فيشتريها بدين في ذمته، ويحدد له أجلاً مسمى، فيحل ذلك بشروطه، فمن هنا نحن بحاجة إلى أن نتكلم حول ما يباح من الدين: أولاً: كون الثمن ديناً. ثانياً: كون المثمن ديناً. ثالثاً: وسائل الدين. رابعاً: حكم الزيادة في الثمن إذا كان ديناً أو في المثمن. خامساً: شراء السلع التي لا تقصد، إنما يقصد بيعها والانتفاع بثمنها. فأولاً وقبل كل شيء: قد حذر كثير من العلماء عن أخذ الدين إذا لم يكن للمرء نية في وفائه، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) أي: من استدانهم ديناً وهو لا يقصد إلا أن يماطلهم وأن يؤخر الوفاء، فإن الله تعالى يتلف ماله، ويبقى كذلك الدين متعلقاً في ذمته، حيث أنه لم يقصد بهذه الاستدانة إلا إمطال أصحاب الأموال، وإتلاف أموالهم، وأخذها بغير حق. ثانياً: نقول: إن الإنسان عليه أن يتعفف عن الدين، ولا يستدين إلا لضرورة، وقد حفظ أن النبي ﷺ كان يستعيذ في آخر الصلاة من الدين.

стр. 94

تعوذ النبي ﷺ من المغرم وقوله: (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم) المغرم: هو الدين، فقيل له: (ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف). وهذا واقع كثيراً، فتجد أن الإنسان الذي يتحمل ديوناً يأتي إليه أصحابها يطالبونه بحقوقهم وبالوفاء، ولا يكون عنده، فيضطر إلى أن يكذب، فيقول: سأعطيكم بعد شهر، ولا يتيسر له ذلك، فيحدثهم حديثاً ليس بصحيح، وكذلك أيضاً يعدهم موعداً فيخلف وعده، ومعلوم أن ذلك من صفات المنافق: (إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف)، وقد يكون معذوراً حيث أنه لا يجد ما يوفي به ذلك الدين، فيضطر إلى أن يصرف صاحب الدين، وهذا مما ينفر عن أن يقع الإنسان في الدين إلا لضرورة، ويحسن نيته أنه سوف يوفيه إذا وجد ذلك، فهذا دليل على كراهة الاستدانة والحذر من أخذ أموال الناس بغير موجب ولا سبب. كثير من الناس في هذه الأزمنة يوقعون أنفسهم في هذا المغرم، وفي هذه الاستدانة، فتجد أحدهم يستدين لأي شيء، يستدين حتى يعمر له منازل شاهقة، ويستدين ليشتري له سيارات فارهة، وهو ليس بحاجة إلى أمثالها، وكذلك يستدين حتى يطعم من طرقه أو من استضافه بأنواع من الأطعمة التي فيها إسراف، وهو غير مضطر إلى ذلك، فهو يذهب يستدين له ذبائح وفواكه وما أشبه ذلك، وتتراكم تلك الديون في ذمته، حتى يعجز عن الوفاء، ثم يعتذر بعد ذلك بأنه عاجز وغارم. فالغرم هو: تحمل الدين في الذمة، كما قال تعالى حكاية عن بعض خلقه أنهم قالوا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة:٦٦ - ٦٧]، مغرمون يعني: مدينون ومحرومون مصابون بما أصبنا به، مما سبب تلف أموالنا، وبقاء الديون في ذممنا. كذلك نقول قبل الدخول في الأحكام: إنه يجب على الإنسان الحرص على وفاء الدين الذي تعلق بذمته، ويحرم عليه تأخير ذلك بغير سبب، فقد ثبت أنه ﷺ قال: (مطل الغني ظلم) والمطل هو: التأخير، يعني: إذا كان غنياً قادراً على الوفاء فمطله -يعني: تأخيره للوفاء- ظلم. وفي حديث آخر قال: (ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته) الواجد هو: الذي يجد ما يوفي به دينه، (ليه) تأخيره للوفاء. (يحل عرضه وعقوبته) أي: يبيح لأصحاب الديون أن يتكلموا في دينه ويسبوه، ويقولون: إنه مماطل وظالم، وإنه خاطئ بأخذ حقوق الناس، وعدم الوفاء لهم. كذلك تحل شكايته حتى يؤخذ على يديه، ولا يتعدى على أموال الناس فيأكلها بغير حق، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨]، وذم الله تعالى اليهود فقال تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦١]، فذلك كله يدخل فيه إذا استدان وهو ليس بحاجة، وأوقع نفسه في ذلك، وبقي الدين في ذمته.

стр. 95

الميت معلق بدينه حتى يقضى عنه كذلك أيضاً ننبه إلى ما ورد أنه ﷺ حث على وفاء الدين على الميت، وأخبر بأن الميت معلق بدينه حتى يقضى عنه، حتى أنه ﷺ كان إذا أُتي بجنازة ليصلي عليها سأل: هل عليه دين؟ فإذا كان عليه دين سأل: هل خلف له وفاء؟ فإذا لم يخلف وفاء لم يصل عليه إلا أن يتحمل دينه أحد الحاضرين. والقصة مشهورة، فإنه لما جيء بميت ليصلي عليه قال لرجل: هل عليه دين؟ قالوا: ديناران، فتأخر في الصلاة، قال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله! فقال: حق الدين، وبرأت ذمت الميت؟ قال: نعم، ولما كان بعد يومين سأل: هل أوفيت دينه؟ فلما قال: نعم، قال: الآن بردت عليه جلدته. فيتأكد على من توفي وعليه دين أن يبادر ورثته للوفاء عنه حتى تبرأ ذمته، وثبت أيضاً أنه ﷺ سأله رجل: (إذا قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال: نعم، ثم قال: إلا الدين)، يعني: أن القتل في سبيل الله لا يكفر الدين؛ وذلك لأن الدين حق آدمي، وحقوق الآدميين مبنية على المشاحاة والمقايضة، فكل ذلك يؤكد على أن يبتعد الإنسان عن الاستدانة إلا لضرورة، مع عزمه على الوفاء إذا تيسر ذلك له.

стр. 96

الدين إلى أجل وأحكامه وبعد أن عرفنا هذه المقدمة في النهي عن التسارع في الدين نذكر بعض الأمثلة، فمعلوم أن الدين في الأصل هو: تأخير الثمن للسلعة التي يشتريها، وتحديد أجل لوفاء الثمن، سواء كان الأجل واحداً أو عدداً، وهو ما يعبر عنه بالأكثر، والأصل في ذلك أنه مباح، والأصل كذلك أيضاً أن الثمن إذا لم يكن نقداً، فإن للبائع أن يزيد في الثمن مقابل الأجل، بمعنى: أنه إذا جاءه إنسان ليشتري منه مثلاً ثوبين أحدهما بنقد والآخر بدين، فإن له أن يقول مثلاً: الذي بنقد أبيعه بعشرين ريالاً، والذي بدين أبيعه بأربعة وعشرين ريالاً، فالزيادة مقابل الأجل، هذا شيء معروف ومعلوم بين الناس. ولا التفات إلى من منع من الزيادة في الثمن، فإن الناس أحرار في أموالهم، ولهم ألا يبيعوا إلا بما يناسبهم، ولكنا نقول: إن على المسلم الرفق بإخوته المسلمين، وعدم الإضرار بهم، بحيث يزيد عليهم زيادة ترهقهم، سيما إذا علم أن أخاه مضطر إلى هذه الاستدانة، ومستعد لأن يأخذ السلعة ديناً ولو كان بأضعاف الثمن، هذا نعتبره من الإضرار الذي منعت منه الشريعة، والله تعالى منع من الضرر مطلقاً، لقوله: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة:٢٨٢]، ولقوله: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق:٦] وأشباه ذلك، فكذلك ورد أنه ﷺ قال: (لا ضرر ولا ضرار). كثير من الناس إذا رأى المضطرين انتهز فرصة اضطرارهم، فضاعف عليهم الثمن، فبدل ما تكون السيارة بأربعين ألفاً نقداً يبيعها لهم بسبعين ألفاً أو نحوها، وبلا شك أن هذا الأصل فيه الإباحة، ولكن ليس له أن يضر أخاه ويضاعف عليه الثمن، وينتهز حاجته وشدة فاقته، وضرورته إليها؛ وذلك لأنه يسبب مضاعفة الدين على أخيه، ونعرف أناساً يتضاعف عليهم الدين أكثر مما كان يتضاعف عليهم الربا، فمن ذلك أن أحدهم -مثلاً- استدان سيارة لحاجته بسبعين ألفاً، وقيمتها نحو الخمسين أو الأربعين ألفاً، فمتى حلت السبعون عليه جاء إليه صاحبها وقال: إما أن تعطيني وإما أن أشتكي، فيحتاج إلى أن يشتري منه أو من غيره ما يساوي سبعين ألفاً بمائة ألف، فيوفيه السبعين، وتبقى في ذمته مائة ألف، ثم تحل بعد سنة المائة الألف فيحتاج إلى أن يستدين ما يساوي مائة ألف بمائة وخمسين، ثم تحل المائة والخمسون فيأتي إليه ويقول: أعطني، فيستدين ما يساوي مائة وخمسين بمائتين وعشرين مثلاً، ثم بعد ذلك بثلاثمائة، ثم بأربعمائة، وهكذا إلى أن يصل إلى عشرات أو إلى مئات الألوف، بل وإلى الملايين، وسبب ذلك الدين الأول. فنحن نقول: عليك أن ترفق بأخيك أولاً، فلا تضاعف عليه هذه الأضعاف الكثيرة، ثم عليك بعد ذلك ألا تشدد عليه في الطلب، ولا تكلفه على أن يستدين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] أي: إذا عرفت أنه ذو عسرة ليس عنده أي شيء فأنظره وأخره إلى أن يجد، (فنظرة) يعني: صبر وتأخير إلى أن يجد ولو بعد سنوات، ولا تكلفه أن يستدين فيتضاعف عليه الدين، ثم يعجز بعد ذلك، هذا هو الذي يجب من الرفق بالإخوان المسلمين، وأن المسلم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإن هذا شبيه بما كانوا في الجاهلية يفعلونه، وقريب منه، إذا جاء الدائن قال للمدين: أعطني ديني أو أبيعك بدين آخر وتوفي الدين الأول، وهو ما يعنونه بقولهم: إما أن تعطيه وإما أن ترضيه، فندعو إلى الرفق بالإخوة المسلمين، الذين هم بحاجة إلى الاستدانة ومضطرون إليها، ألا يشدد عليهم بهذه الزيادة التي تثقل كواهلهم.

стр. 97

مسائل محرمة ومشتبهة في البيوع وبعد أن عرفنا هذا الحكم نذكر الأشياء التي يمكن أن يكون لها حكم في المداينات:

стр. 98

الديون وحاجة الناس إلى الوثائق كذلك ذكرنا أن الديون عادة تحتاج إلى وثائق، الناس يتوثقون من ديونهم، وقد أبيح لهم أن يتوثقوا، ومن الوثائق الكتابة، قال الله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]؛ وذلك لأنهم إذا كتبوه توثقوا من عدم النسيان والزيادة وما أشبه ذلك. من الوثائق أيضاً الإشهاد، قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، والشهود أيضاً على المداينة؛ حتى لا يكون هناك اختلاف. ومن الوثائق أيضاً: الرهن؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]، فالرهن يعتبر وثيقة يتوثق بها. فإذا تبايع الناس وتوثقوا من ديونهم قلت الخلافات، أما إذا لم يتوثقوا فإنه يحصل خلاف في أحايين كثيرة، فترى هذا يقول: بعتك بكذا، وذاك يقول: بل بعتني بكذا، فتحصل المرافعات والمخاصمات التي تشغل أوقات القضاة، فعلى المسلمين أن يتقيدوا بالتعليمات الشرعية، ويبتعدوا عن الأعمال التي تخالفها. أما مسألة البنوك وما يحصل فيها، فإن الكلام فيها طويل، مثل: مسألة الإيداع عندهم، أو الاقتراض منهم لفائدة أو ما أشبه ذلك، وينبغي للإنسان أن يجتنب الأشياء المشتبهة. كذلك مسألة القرض الذي يجر منفعة سواء من البنوك أو من غيرها، فهذا يعتبر قرض ربا: (كل قرض جر منفعة فهو ربا)، ومن صور ذلك إذا قال مثلاً: أقرضك ألفاً على أن تبيعني هذه السلعة بثلثي الثمن، فيجعل القرض مقابل بيعه برخص، فهذا قرض جر منفعة، فيكون من جملة الربا، وقد بين الله تعالى تحريم الربا. نعود فنقول: إن التشديد على الضعفاء والغارمين، وتكليفهم بما يشق عليهم ينبغي أن يتجنبه المسلم، فإذا عرفت أن هذا الذي عليه دين معسر، فلا تكلفه أن يستدين مرة ثانية، بل عليك أن تتغاضى عنه، وأن تتركه إلى أن يتيسر له السداد، ولا تطالبه وأنت تعرف أنه معسر؛ لأنه إما أن يضطر إلى أن يستدين مرة ثانية، وإما أن يشتكى منه فيحبس، وقد ينقطع عن وظيفته أو عن شركته، ولا تستفيد أنت من سجنه وحبسه شيئاً. لعلنا نكتفي بهذا، ونجعل بقية الوقت للجواب عن الأسئلة، والله أعلم، وصلى الله على محمد.

стр. 99

حكم الحوالات وهناك ما يسمى بالحوالات، وهي أيضاً يقع فيها شيء من الربا، فالشخص -مثلاً- إذا أراد أن يحول خمسة آلاف ريال إلى مصر، معلوم أن العملة هناك تسمى الجنيه المصري، في هذه الحال بعضهم يعطي البنك خمسة آلاف ريال، ويقول: حولها لي جنيهات أستلمها منك في مصر، وهذا خطأ؛ لأن الصرف -بيع نقد بنقد- يشترط فيه التقابض، الجنيهات المصرية تكون نقداً والريالات السعودية تكون نقداً، والنقد بالنقد لا بد فيه من التقابض، فإذا كنت مضطراً إلى الحوالة فإنك تودع عندهم خمسة آلاف ويعطونك بها صكاً أن عندنا لك خمسة آلاف ريال سعودي، فإذا أتيت إلى فرع البنك في مصر تطالبهم بها، فإذا قالوا: لا يوجد عندنا نقد سعودي، فاتفق معهم على صرفها بسعر يومها، فيكون هذا صرفاً بعين وذمة. وهكذا يجوز -ولأنه الأقرب- أن تصرفها بجنيهات مصرية، وتستلم بالجنيهات المصرية، فإذا استلمتها جنيهات رددتها عليهم، وقلت لهم: حولوها لي إلى مصر، فإذا قالوا: لا بد أن نأخذ عليك أجرة التحويل فلا بأس في ذلك، فإذا صرفوها -مثلاً- بستة آلاف جنيه مصري، أخذوا على كل ألف -مثلاً- عشرة وأعطوك الباقي، يعني: أخذوا منها خمسين جنيهاً أجرة نقلهم، فمثل هذا جائز، فالحوالة تجوز في هاتين الحالتين: إما أن تعطيهم النقود السعودية وتطالب هناك بصرفها وبما تساويه، وإما أن تصرفها جنيهات ثم تردها عليهم، وتطلب منهم تحويلها أو إرسالها إلى بلادك التي تريد. أما واقع البنوك في هذه الأزمنة فإنه خاطئ، كثير منهم يقولون: ما عندنا دولارات -إذا طلبت منهم- الآن، ما عندنا إلا ريالات، ولكن نصرفها الآن بدولارات أو بجنيهات مصرية أو بليرات سورية أو بريالات قطرية أو بدنانير كويتية، ونحولها الآن مباشرة، وهم ما سلموك شيئاً، فأنا أرى أن هذا صرف من غير تقابض، والصرف لا بد أن يكون يداً بيد، وذكرنا دليله في قصة عمر مع أبي طلحة حين قال له: (لا تفارقه حتى تسلم له أو تعطيه نقوده)، وكذلك كلام ابن عمر لما تصارفوا بعين وذمة فقال النبي ﷺ : (لا بأس، ما لم تفترقا وبينكما شيء).

стр. 100

بيع النقد بالنقد ديناً من المداينات التي لا تجوز: بيع النقد بالنقد وأحدهما غائب، فهذا من الربا، وهو أكثر وأخطر ما يحدث في الدراهم وما قام مقامها مما يكون أثماناً للسلع، فهذه النقود بيع بعضها ببعض يسمى صرفاً، فالصرف هو: بيع نقد بنقد، ويشترط فيه التقابض قبل التفرق. ذكر أن أحد التابعين جاء إلى طلحة وقال: اصرف لي هذه النقود من الدنانير، فتفاوضا واتفقا على أن قيمتها من الدراهم -الفضة- كذا وكذا، ثم قال: انتظر حتى يأتيني خادمي أو جاريتي آخر النهار، وسمع ذلك عمر ﵁ فقال: كلا والله! لا تفترقان حتى تتقابضا أو تعطيه دنانيره، يعني: أن هذا الصرف -وهو بيع الدراهم بالدنانير- لا يصح حتى يكون هناك تقابض، ومعلوم أن الناس الآن يتعاملون بالأوراق النقدية، والأوراق قامت مقام الفضة، واعتبرت نقداً؛ فنزلت منزلتها، فلأجل ذلك إذا بيع نقد بنقد فلا بد من التقابض قبل التفرق، فإذا بيعت دراهم المملكة السعودية بجنيه استرليني فلا بد من التقابض قبل التفرق. إذا كان الجنيه -مثلاً- يساوي خمسمائة، فتفاوضا واتفقا على أن يصرف له هذا الجنيه بخمسمائة، فإنه يدفعها له نقداً، فإن لم يجد إلا بعضها لم يصح التفرق وبينهما شيء، وقد دل على ذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع، فنبيع بالدراهم ونأخذ الدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم، فسألنا النبي ﷺ فقال: (لا بأس ما لم تفترقا وبينكما شيء) أي: إذا صرف أحدهما بالآخر فلا يفترقا وبينهما شيء. وكذلك أيضاً بيع الذهب بدراهم أو ما يقوم مقامها، والذهب والفضة العلة فيهما الوزن أو الثمنية، فإذا قيل: العلة الوزن فإن الذهب الذي هو مصوغ وفي العادة أنه يوزن، والدراهم التي هي من الفضة والأصل أنها موزونة، فلا يجوز أن تباع الدراهم بالذهب ديناً، إذا اشتريت ذهباً فلا بد أن تنقد البائع الثمن، أو تأخذه كأمانة للتجربة، فإذا وجدت الثمن أديته وقلت: هذا ثمن الذهب الذي أخذته منك عارية أو للتجربة، ولا تتفقان على الثمن إلا عند إحضار القيمة. ومن الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس في المداينة: أن رجلاً يشتري الذهب بدين، وهذا غلط، سواء كان الذهب مما يسمى (بالغوائش) التي في الذراع وهي الأسورة، أو الخواتيم في الأصابع أو قلائد الرقبة، والواجب ألا يشتري الذهب إلا بثمن حال، ولا يشترى بدين، وأحياناً لا يكون معك الثمن كله، فلك أن تقترض من إنسان حتى تسلم ثمن هذا الذهب في مجلس العقد، وأجاز بعض العلماء أن تأخذه كأمانة ثم إذا حصلت على الثمن أتيت به، وحينئذ تحددان الثمن، فيكون البيع بنقد، مثال ذلك: إذا كان الذهب الذي أخذته قيمته في ذلك الوقت يساوي أربعين ألفاً، ولما لم يكن عندك أخذته كأمانة لتقيسه، ولما أتيت بالثمن بعد يومين أو بعد ثلاثة وجدت الثمن قد ارتفع، فهذا الذهب الذي أخذته بالأمس كانت قيمته أربعين، والآن يساوي خمسين، فإنه يطالبك بقيمته وقت الوفاء، وهكذا لو انخفض، أما شراؤه بدين فهذا لا يجوز لما ذكرنا من أن العلماء جعلوا العلة هي الوزن في هذا المذهب ومذهب أبي حنيفة.

стр. 101

بيع الدين بالدين بيع الدين بالدين من المسائل التي تتعلق بربا النسيئة، ومعلوم أن الأصل في الربا أنه يزيد في الدين الذي في الذمة، كما كانوا يقولون: إما أن تعطي وإما أن تربي، أما ربا الفضل فلا نتعرض له الآن، وليس التعامل به كثيراً، ولكن الواقع فيه الناس بكثرة هو ربا النسيئة، فمنه ما يسمى بيع الدين بالدين، ورد أنه ﷺ : (نهى عن بيع الكالئ بالكالئ) أي: بيع غائب بغائب، بيع دين بدين، لا يجوز بيع الدين بالدين، وصورة ذلك: إذا كان عندك مال لآخر غائب، كأن يكون دين سلم لا يحل إلا بعد أشهر، فتبيعه بثمن مؤجل، فيكون الثمن ديناً، والمثمن ديناً، فهذا داخل في بيع الدين بالدين، ويقع فيه كثير من الناس ولا ينتبهون. والسلم يجوز في كل شيء يرتبط بوصف، فيجوز أن تشتري من إنسان مثلاً مائة صاع أو ثلاثمائة كيلو من البر مؤجلة تحل بعد خمسة أشهر، لكن تسلمه الثمن نقداً حتى لا يكون البيع ديناً بدين، وتحدد مدة الأجل الذي يحل به الوفاء، فإذا بعت عليه أو على غيره بدين قبل أن يحل الوفاء فإن ذلك لا يجوز، مثل أن تقول: عند فلان لي مائة صاع من البر تحل -أي: يحل الثمن- بعد خمسة أشهر، أبيعكها الآن كل صاع بخمسة ديناً، فيكون الثمن غائباً والمثمن الذي هو البر غائباً؛ فهذا بيع دين بدين لا يجوز.

стр. 102

بيع ما لا يملك كذلك أيضاً مما يقع كثيراً بيع ما ليس بموجود عنده، ومثاله: يأتي المستدين ويقول: أريد سيارة أو أريد عوض عشرين ألفاً، وليست السيارة موجودة عنده، فيتفق معه على الفائدة قبل أن يملك السلعة، فيبيع شيئاً لم يملكه، فيدخل في قول النبي ﷺ : (لا تبع ما ليس عندك). الحيلة في مثل هذا: إذا كنت تريد سيارة ديناً، فإنك ستأتي إلى إنسان عنده مال فتقول: إنني بحاجة إلى سيارة ديناً، وتعجبني السيارة التي في المكان الفلاني، فيقول: لا بأس أنا أشتري السيارة لنفسي وأسلم ثمنها، وبعد ما تدخل في ملكي أخيرك في شرائها ديناً أو عدم شرائها، فيتصل بصاحبها ويتفاوض معه، ويتفقوا على الثمن ويرسل إليه ثمنها، ويرسل إليه من يقبضها ويستلمها بحيث ينقلها من مكانها، ثم بعد ذلك يقول: هذه السيارة اشتريتها مثلاً بخمسين ألفاً نقداً ولا أبيعها إلا بستين ألفاً ديناً، ولا ألزمك بشرائها، إن شئت أن تأخذها فخذها وقيمتها في ذمتك، وإن لم تناسبك فلا ألزمك، هذا هو الأقرب لمثل هذا، أما أنهما يتفقان على السلعة والدين قبل أن يشتريها، كأن يقول مثلاً: إن قيمتها خمسون ألفاً، وسأشتريها وأبيعكها لك بستين أو بسبعين ألفاً، ويتفقان على الثمن قبل أن يملكها فأرى أن هذا شبيه ببيع ما لا يملك.

стр. 103

مسألة بيع العينة فأولاً: يقع كثير من الناس في ما يسمى بالعينة: وذلك أن يشتري الشخص مثلاً سيارة ديناً بمائة ألف، ثم يبيعها على صاحبها بثمانين ألفاً مثلاً، فيبقى في ذمته دين مائة ألف وهو لم يستلم إلا ثمانين، فكأنه استدان ثمانين ألفاً بمائة ألف، ولا شك أن هذا داخل في الربا، وقد سئل ابن عباس ﵄ عن رجل باع حريرة بثلاثين ديناراً ديناً، ثم اشتراها بعشرين ديناراً نقداً، فقال ﵁: (دراهم بدراهم أكثر منها دخلت بينهما حريرة)، فننبه على أن هذا لا يجوز، وهذا يسمى ببيع العينة، فيحتالون حيلاً في مثل هذا، فيجعل صاحب المعرض أو صاحب المخزن واسطة بأن يبيع هذه السلعة ديناً بمائة ألف، ثم يشتريها بثمانين ألفاً نقداً ثم يبيعها عليه؛ لأنه صاحب المكان ويستفيد منها؛ ولأنها في معرضه أو مخزنه، فهذه حيلة في مسألة العينة، ولا عبرة بمن ترخص في ذلك أو أباحه؛ ذلك لأنه شبيه بدراهم أكثر منها إحداهما دين، وقد دل على ذلك أيضاً ما ثبت أنه ﷺ قال: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) أوكسهما يعني: أقلهما، صورة ذلك إذا باع سيارة بمائة ألف ديناً، ثم اشتراها بثمانين ألفاً نقداً، فقد باع السيارة بيعتين فنقول له: ليس لك إلا أوكس الثمنين وهو الثمانون، فإن أخذت المائة وقعت في الربا، فله أوكسهما وهو الأقل أو يقع في الربا إذا أخذ السلعة بالقيمة المرتفعة، فعلينا أن ننتبه إلى مثل هذه المسألة.

стр. 104

مسألة التورق وهناك مسألة أخرى تسمى: مسألة التورق، وقد منعها بعض العلماء، ولكن كثير من العلماء أباحوها للضرورة، وصورتها: أن يشتري السلعة وليس له غرض فيها، وإنما يريد بيعها والانتفاع بثمنها، وهذا يحمل كثيراً من الناس على أن تتراكم عليهم الديون، والتورق: هو أخذ الورق -الذي هو الدراهم- إذا باع السلعة، فيحتاج مثلاً إلى مائة ألف، فيشتري سيارة بمائة وخمسين ألفاً، ويبيعها بمائة ألف حتى ينتفع بهذه المائة، فالذين أباحوها أرشدوا إلى إرشادات لتكون أخف على المستدين فقالوا: إذا كنت محتاجاً إلى هذه المائة الألف، فعليك أن تشتري السلعة التي أنت بحاجتها ومضطراً إليها؛ حتى لا تبيع هذه السلعة، فمثلاً: إذا كنت تعمر داراً، واحتجت إلى ما تعمر به، ففي إمكانك أن تستدين مواد البناء، كالأسمنت، والحديد، والبلاط، وأدوات الكهرباء، ومواسير المياه، وما أشبه ذلك، فاشتريها بدين حتى لا تستدين مرتين، لكن بعض الناس يذهب ليشتري -مثلاً- أكياساً، ويبيعها في محلها، فيخسر! فيبيعها مثلاً نقداً: بخمسين ألفاً، وقد اشتراها بسبعين ألفاً، فيخسر من الجهتين من جهة شرائه بثمن عالٍ، ثم بيعه بأرخص وشرائه لمواد البناء، ومن هنا كان علينا أن ننصح إخواننا حتى لا يتضرروا مرتين، وبعض العلماء يقول: من الرفق بهذا المستدين أو من الأفضل له أن يشتري سلعاً بسعر الجملة، ثم يبيعها مفرقة ليربح فيها، بدلاً من أن يزاد عليه فيها مقابل الأجل، ولكن يعتذرون لهؤلاء بأنهم لا يحسنون بيع التفريق، وبأنهم مستعجلون كما يقولون، فنقول لأحدهم مثلاً: لو اشتريت ثياباً أو اشتريت عمائم بخمسين ألفاً، وقيمتها أربعون ألفاً، بعها مفرقة، فربما تبيعها بستين ألفاً إذا بعتها مفرقة، كما يبيع أهل المتاجر والدكاكين، فيكون ذلك أرفق بك حتى لا تخسر، وقد كتبت عليك بخمسين ألفاً وقيمتها نقداً أربعون ألفاً، فإذا بعت كما يبيع الناس، وربحت فيها وحصلت على فائدة، فإنك توفي ما عليك وتتاجر ببقيتها، هذا ما نقوله في مسألة التورق، فإذا كان محتاجاً ولم يجد إلا مسألة التورق -أن يشتري مثلاً سلعة ويبيعها؛ لأجل أن يوفي بها دينه مثلاً، أو يعطي مثلاً عمالاً يعملون عنده أو ما أشبه ذلك- فعليه أن يسلك الطريق الأرفق، ولا يكلف نفسه. هذه من مسائل المزايدات.

стр. 105

الأسئلة

стр. 106

حكم بيع التمر بالتمر السؤال يقع بعض المزارعين في مسألة وهي: أنهم يدفعون من التمور غير الجيد لمستحقي الزكاة، وعندما يحضر الفقير لاستلام التمر يقول: خذوا هذا النوع وأعطوني نصف مقداره من النوع الجيد، فما الحكم في هذه المسألة؟ الجواب لا يجوز بيع التمر بالتمر، لا بد أن يكون مثلاً بمثل، فنقول لهذا الفقير: اقبض هذا التمر الرديء واذهب به إلى الأسواق، وبعه بدراهم، ثم تشتري بالدراهم تمراً جيداً، هذا هو الذي أرشد إليه النبي ﷺ معاذاً لما جاءه بتمر ثمين فقال: إنا لنشتري الصاع من هذا بالصاعين، يعني: إن الصاع بالصاعين من الرديء، فقال له: (كفى بع الجمع) يعني: الرديء، بع الرديء بالدراهم ثم اشتر بالدراهم تمراً جيداً.

стр. 107

حكم تأخير باقي النقود عند صاحب البقالة السؤال دخلت بقالة، واشتريت بعض الأغراض، وأعطيته مائة ريال فأخذ المائة ليرد لي الباقي، فقال لي: لا يوجد عندي صرف الآن، ولكن ارجع لي بعد ساعة أو ساعتين وأعطيك الباقي، فما رأيكم في ذلك؟ الجواب لا بأس بذلك، وذلك لأن هذه النقود سعرها متفق، لو بعت مثلاً شاة بخمسمائة أو بعت خمس شياه كل شاة بخمسمائة، فأحد المشترين أعطاك ورقة واحدة، والثاني أعطاك خمس ورقات، والثالث أعطاك عشراً أعني: فئة خمسين، والرابع أعطاك من فئة العشرة أو فئة المائتين، فإنك لا ترد شيئاً من ذلك، فمثل هذا لا يسمى صرفاً؛ وذلك لأنها نقداً واحداً، قيمته لا تتغير.

стр. 108

لا يشترط سؤال الإمام أهل الميت هل عليه دين السؤال هل يشترط على الإمام أن يسأل أهل الميت هل عليه دين أم لا؟ الجواب كان النبي ﷺ يصلي عليهم، وصلاته فيها شفاعة لهم، وشفاعته بلا شك تسقط ما عليه من الحقوق، فخاف أنها لا تسقط ما عليه من الحقوق للآدميين، فلذلك لم يصل إلا على من لا دين عليه، إلا إذا تُحمل، فأما نحن فلسنا مثل النبي ﷺ ، فنصلي عليهم وندعو لهم، والديون التي عليهم يتحملونها إما في الدنيا وإما في الآخرة.

стр. 109

حكم الاحتيال في قضاء الدين عن المدين من الصندوق الخيري السؤال بعض المستدينين يتفق مع صاحب الدين أن يتقدم بشكوى ضده، ويدعي المدعي عليه الإعسار، ثم يحال للمحكمة، ويصدر بهذا الدين حكم شرعي بإلزام المدين، ثم يرفع عنه بالجهات التي تخص المعسرين ويسدد عنه، فما حكم ذلك؟ الجواب هذه من الأشياء المحرمة، لا يجوز ذلك، وما أخذوه فهو حرام؛ وذلك لأن الجمعيات الخيرية أو الصندوق الخيري إنما أنشئ للمستضعفين والغارمين العاجزين، فهذا الذي اتخذ هذه الحيلة أخذ ما لا يستحقه سواء هو أو الطرف الذي اتفق معه، كلاهما أكلا حراماً، فننصح من عرف شيئاً عن هؤلاء أن يرفع أمرهم إلى الجهات المختصة حتى يلاقوا جزاءهم.

стр. 110

حكم البيع والشراء في الأسهم السؤال ما حكم الشراء والبيع في الأسهم؟ الجواب يقع هذا كثيراً، ونقول: إذا كانت هذه الأسهم معلومة المقدار فلا بأس، وصورة ذلك: إذا كانت هناك شركة تجارية رأس مالها مثلاً مائة ألف، وكل سهم بعشرة آلاف، فباع أحدهم نصيبه من هذه الشركة الذي هو عشرة أسهم، فكأنه باع عشر هذه التجارة، فيقول: بعتك أسهمي في هذه التجارة التي هي مثلاً أكياس أو سيارات أو أقمشة أو ما أشبه ذلك، فهذا جائز، أما إذا كانت السهام نقوداً فأرى أنه لا يجوز، كالأسهم التي في البنوك أو ما أشبهها، فإذا كان رأس المال نقوداً فإنه يكون بيع نقد بنقد من غير تقابض، وأما إذا كانت الشركة مثلاً صناعية فلا مانع أيضاً من بيع الأسهم فيها، ويجوز أيضاً إذا كانت النسبة معروفة كأن يقول: إني أملك مثلاً ثلاثة في المائة من هذه الشركة من رأس مالها ومن أرباحها، وقد جعلت رأس مالها كله -مثلاً- في مصانع وفي أدوات وفي سيارات وفي معدات وفي آلات الصناعة، فتشتري نصيبه منها، وهو شيء معلوم.
следующие страницы →