← Фикх общий

Фикх общий · id 7686

اللقاء الشهري

ابن عثيمين

Полный текст (2 259 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

جواز تيمم المقعد العاجز للصلاة السؤال فضيلة الشيخ: رجل مقعد يشق عليه الوضوء، وهو رجل تستعمل له الحفائظ، فهل يتيمم؟ الجواب أقول: إذا كان هذا الرجل يشق عليه تكرار الوضوء فهنا طريقة: إذا أمكن أن يجمع بين الظهر والعصر جمع تأخير، وبين المغرب والعشاء جمع تقديم فيتوضأ في وقت العصر للظهر والعصر، ويكفيه ذلك للمغرب والعشاء، يقدم العشاء من حين يدخل وقت المغرب، يكفيه وضوءه واحداً لأربع صلوات؛ لأن المريض يجوز له الجمع، بالنسبة للفجر يكون وضوءه واحداً، فإذا لم يتمكن وشق عليه ذلك فله أن يتيمم؛ لأن الله جعل هذا الدين -والحمد لله- يسراً، قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] أو: هنا بمعنى الواو أي وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ وجَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة:٦] فنقول: تيمم وفضل الله واسع، ودين الله يسر.

стр. 1402

حكم بيع الأعضاء وعمليات التجميل السؤال فضيلة الشيخ: نحن الأطباء نعاني من شيئين آمل منكم الإجابة: أولاً: يطلب منا في بعض الأحيان أن نقنع ولي أمر المريض المتوفى دماغياً بالتبرع بأعضائه، فهل ذلك جائز؟ وهل التبرع بالأعضاء جائز؟ ثانياً: يطلب منا كذلك عمل بعض العمليات التجميلية كتعديل الأنف، شفط الدهون، تصغير أو تكبير الثديين. إلخ، فما حكم هذه العمليات؟ وما الضابط وفقك الله وجزاك خيراً ونفع بك؟ الجواب أما الأول -وهو التبرع بأعضاء الميت- فهذا حرام ولا يجوز؛ لأن الله جعل جسم الإنسان أمانة عنده، فقال : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] ولا فرق في التبرع بالأعضاء بين الحياة والموت، بمعنى: أن الحي لا يجوز أن يتبرع بشيء من أعضائه وأن الميت لا يجوز أن يتبرع بشيء من أعضائه، وأولياؤه ليس لهم الحق بالتبرع في شيء من أعضائه بعد وفاته، لأن الأولياء يرثون المال، أما أعضاء الميت فهي محترمة، حتى لو سمح الورثة أن تقطع أعضاء الميت للتبرع بها فإنه لا يجوز، بل قال الفقهاء ﵏ في كتبهم في كتاب الجنائز: لا يجوز أن يؤخذ شيء من أعضائه ولو أوصى به، حتى لو أوصى المريض بأن يؤخذ شيء من أعضائه فإنه لا يجوز تنفيذه؛ لأن جسم الإنسان أمانة، وقد قال النبي ﵊: (كسر عظم الميت ككسره حياً) فكما أنه لا يجوز أن تكسر عظم الحي فلا يجوز أن تكسر عظم الميت. وما أكثر الفساد الذي حصل من أجل التبرع بالأعضاء، سمعنا في بلاد أنهم يأتون إلى الصبيان في الأسواق ثم يخطفونهم ويذبحونهم، ويبادرون بأخذ الأكباد وأخذ الكلى، يبيعونها، سباع! فلذلك نرى أن هذا حرام، لا يجوز ولو أوصى به الميت، وإذا لم يوص به فهو أشد، حتى الحي لا يجوز أن يتبرع، لو أن ابنك أو أباك أو أخاك أو أختك احتاجت إلى كلية فلا يجوز أن تتبرع بكليتك له، حرام عليك؛ أولاً: لأنها قد تزرع الكلية التي أخذت من موضعها إلى موضع آخر فقد تنجح وقد لا تنجح، حتى وإن غلب على الظن النجاح فهو جائز ألا تنجح، وأنت الآن ارتكبت مفسدة وهي إخراج هذه الكلية من مقرها الذي أقرها الله فيه إلى موضع قد ينجح وقد لا ينجح، وإذا غلب النجاح فالمفسدة محققة. ثانياً: أعندك علم بأن الكلية باقية ستستمر سليمة إلى أن تموت؟ لا، ربما تمرض الكلية الباقية، فإذا مرضت فلا شيء يعوض، فتكون أنت سبباً لقتل نفسك، وعلى هذا فلا يجوز التبرع بالكلى مطلقاً، ولا بالكبد مطلقاً، ولا بأي عظم مطلقاً، لا في الحياة ولا بعد الممات. طيب فإذا قال قائل: فالدم؟ قلنا: الدم لا بأس بالتبرع به عند الحاجة بشرط ألا يحصل على المتبرع ضرر، والفرق بين الدم والعضو أن الدم يأتي خلَفه والعضو لا يأتي خلَفه، الدم بمجرد ما ينتهي أخذ الدم منه يعطى غذاءً ويرجع الدم بإذن الله ، لكن العضو إذا فقد لا يرجع. أما موضع التجميل الذي ذكر، فالتجميل نوعان: النوع الأول: إزالة عيب. والنوع الثاني: زيادة تحسين. أما الأول فجائز -إزالة العيب- فلو كان الإنسان أنفه مائل فيجوز أن يقوم بعملية لتعديله؛ لأن هذا إزالة عيب، الأنف ليس طبيعياً بل هو مائل فيريد أن يعدله، كذلك رجل أحول، الحول عيب بلا شك، لو أراد الإنسان أن يعمل عملية لتعديل العيب يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، ولا مانع، لأن هذا إزالة عيب. لو قطع أنف الإنسان لحادث هل يجوز أن يركب أنفاً بدله؟ يجوز؛ لأن هذا إزالة عيب، وقد وقعت هذه الحادثة في عهد النبي ﵊، قطع أنف أحد الصحابة في حرب من الحروب، فالرجل جعل عليه أنفاً من فضة، ركبه على الأنف، فأنتنت الفضة، الفضة تنتن، صار لها رائحة كريهة، فأذن له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب فاتخذ أنفاً من ذهب، إذاً هذا نقول: تجميل أو إزالة عيب؟ إزالة عيب، هذا جائز. كذلك لو أن الشفة انشرمت، فيجوز أن نصل بعضها ببعض لأن هذا إزالة عيب. أما النوع الثاني: فهو زيادة تحسين، هذا هو الذي لا يجوز؛ ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتفلجات للحسن، بمعنى: أن تبرد أسنانها حتى تتفلج وتتوسع للحسن، لعن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك، ولعن الواصلة التي تصل شعرها القصير بشعر وما أشبه ذلك. بقي أن ننظر العملية لتكبير الثدي أو لتصغيره يجوز أو لا يجوز؟ هذا تحسين، إلا إذا كانت المرأة الصغيرة الثدي تريد أن يكبر لأجل أن يتسع للبن، يعني: بحيث يكون ثديها صغيراً لا يروي ولدها، فهذا ربما نقول: أنه لا بأس به، أما للتجميل فإنه لا يجوز. فهذا هو الضابط يا أخي الطبيب لمسألة التحسين، التحسين إذاً كم؟ نوعان: الأول: لإزالة عيب وهذا لا بأس به، والثاني: لزيادة تجميل فهذا لا يجوز.

стр. 1403

تحمل المناجش لتبعة نجشه دون الشركاء السؤال فضيلة الشيخ: لنا أرض تركة تم تجزئتها وبيعها، وسيتم تقسيم ثمنها علينا، إلا أنه انتشر بين الناس أن في بيع القطع نجش من أحد الورثة، ولا نعلم صحة هذا الخبر، علماً أن الذي تدور حوله الشكوك قام بشراء مجموعة من القطع بالمزاد العلني أثناء البيع، فسؤالي يا فضيلة الشيخ: هل يحل لنا أخذ نصيبنا من التركة، أم ماذا نفعل جزاك الله خيراً؟ الجواب أقول أولاً: لا بد من أن نثبت أن هذا مناجش، لأنه قد يرى أن القطعة قيمتها قليلة فيشتريها. ثانياً: إذا ثبت أنه مناجش وصار الدور عليه بمعنى: أنه هو الذي اشتراها، فإن كان هناك زيادة فهي عليه ولا شيء عليكم أنتم، فصار لا بد من أمرين: أن نعلم أنه مناجش، والثاني: إذا علمنا أنه مناجش ووقف الدور عليه واشتراها فإن ذلك لا حرج عليكم فيه.

стр. 1404

الرد على الإمام في الصلاة السؤال فضيلة الشيخ: ما هي شروط الرد على الإمام إذا أخطأ في قراءته في الصلاة، علماً أن هناك من الأئمة من لا ينتظر ويعيد القراءة؟ الجواب الرد على الإمام في الصلاة لا بد منه سواء في الفاتحة أو غير الفاتحة، والإمام إذا سمع الرد يجب عليه أن يرجع للصواب، بعض الأئمة يقول: إنني إذا رد عليَّ الناس تلخبطت وعجزت أن أقرأ نقول: الحمد الله، فدواء هذا سهل، ما هو الدواء؟ أن يركع، وإذا ركع فلا بأس، هاهو النبي ﵊ قرأ مرةً في صلاة الفجر سورة المؤمنون ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] لما وصل قصة موسى وهارون أصابته سعلة -يعني: كحة- فوقف وركع، وكذلك للإمام إذا تلخبط فليركع، ولكل داء دواء -والحمد لله- أما أن يقول للناس: لا تردوا علي فهذا غلط، وإذا رد عليه يجب أن يعدل، فالقرآن كلام الله لا بد أن يكون كما أنزل.

стр. 1405

قضاء صوم الكفارة عمن مات وهو عليه السؤال فضيلة الشيخ: توفي والدي وقد قتل نفساً بغير عمد في حادث مروري، وقد أدى ما عليه من الدية وصام شهراً ونصف شهر لكنه لم يستطع أن يصوم باقي الشهر الثاني فأوصاني أن أصوم عنه البقية وذلك قبل أن يتوفى بسنين، وقد تصدق هو وتصدقنا عنه بعد وفاته، مع العلم أنه خلال هذه السنين لم نستطع أن نصوم الباقي، هل يجب علي أن أصوم عنه؟ أفدني جزاك الله خير. الجواب لا يجوز أن يصوم عنه، لأن الذي فهمنا من السؤال: أن أباه قد عوفي وتمكن من الصيام، ولكنه لم يفعل، وبناءً على ذلك فإنه لا يصح أن يصوم عنه، أرأيت لو قلت لواحد من الناس: يا فلان أنا اليوم تعبان، توضأ عني وأنا أصلي، يجوز أو لا يجوز؟ ما يجوز، أو قال: والله أنا اليوم تعبان وعليَّ قضاء من رمضان فصم عني، فهذا لا يجوز. فإذا كان هذا الرجل قد تمكن من بقية الصوم ولم يفعل فإنه لا يصام عنه ولا يصح أن يصام عنه، أما إذا امتد به المرض حتى مات فهذا لا بأس أن يصوم عنه، ولكن تكون الأيام متتابعة، يعني: لا يفطر بينها إلا لعذر شرعي.

стр. 1406

صلاة المستحاضة والضابط في ذلك السؤال أنا امرأة كبيرة كان عدد أيام الحيض في بداية الدورة سبعة أيام، ثم أصبت بمرض قبل مدة عشر سنوات فأصبح دم الحيض يستمر نزوله مدة ما يقارب الخمسة والعشرين يوماً أو العشرين أو الخمسة عشر يوماً، فكم يوماً أجلس بدون صلاة؟ وأحياناً قبل نزول الدم أرى خيوطاً حمراء بغزارة، فهل أصلي عند رؤية هذه الخيوط أما لا؟ أفدني أفادك الله. الجواب ما دام الدم يستمر معها إلى خمسة وعشرين يوماً أو عشرين يوماً فهذه استحاضة، ترجع إلى عادتها الأولى قبل أن تصاب بهذا المرض، ثم تجلس العادة وتغتسل وتصلي، هكذا أمر النبي ﷺ المستحاضة التي لها عادة سابقة أن ترجع إلى عادتها ثم تغتسل وتصلي ولو كان الدم يجري، ولا يضرها هذا الدم، وكذلك ما تراه المرأة من صفرة أو كدرة قبل ابتداء الحيض فلا عبرة به، قالت أم عطية ﵂: [كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً] وفي لفظ البخاري: [كنا لا نعدها شيئاً] بدون تقييد بعد الطهر.

стр. 1407

حكم كتابة القرآن على غير وضوء السؤال فضيلة الشيخ: أنا أدرس مادة القرآن في إحدى المدارس، ما حكم الكتابة بالطباشير وأنا غير متوضئ للقرآن؟ وما حكم غبار تلك الطباشير الممسوح من تلك الآيات المكتوبة الذي يسقط على الأرض بعد مسحه؟ الجواب هذا كله لا شيء فيه، أما إمساك الإنسان الطباشير والكتابة عليها فإنه لم يمس القرآن، كما لو أن الإنسان أخذ قلماً عادياً وكتب في ورقة سورة الفاتحة مثلاً لكنه لم يمس الورقة فلا شيء في ذلك. وكذلك ما يتناثر من الطباشير التي كتب بها القرآن لا يضر ولا يؤثر؛ لأن الممنوع هو أن يمس الإنسان المكتوب فيه لا الدواة ولا القلم.

стр. 1408

كيفية غسل الجنابة السؤال فضيلة الشيخ: آمل توجيهكم لي ودلالتي على الطريقة التي تخلصني من هذه المشكلة: فأنا أثناء الاغتسال من الجنابة أجلس تحت الدش فترةً طويلة قد تصل إلى الساعة أو الساعتين، وهذا أدخل عليَّ الحرج، وهذا بسبب كثرة الدلك، سؤالي يا فضيلة الشيخ: ما هي الأماكن التي يركز عليها في الدلك والتي لا يصل إليها الماء؟ الجواب أولاً: لا شك أن الرجل الذي سأل هذا السؤال مصاب بالوسواس -نسأل الله أن يرفعه عنه- لأن الاغتسال سهل: أمر يدك على جسمك بدون دلك يكفي، بل إن الإنسان إذا انغمس في بركة بنية رفع الحدث ثم خرج منها ارتفع حدثه، وليس عليه إلا أن يتمضمض ويستنشق، هذا في الجنابة، أما الوضوء فلا بد من الترتيب وأن يغسل الوجه أولاً ثم اليدين ثم يمسح الرأس ثم الرجلين. فنصيحتي لهذا الأخ: ألا يلتفت لهذا، يتوضأ أولاً وضوءه للصلاة، ثم يفيض الماء على رأسه حتى يرويه، ثم يغسل سائر الجسد، ويتعاهد الإبط لأنه يزل عنه الماء، وكذلك يتعاهد ما بين فخذيه، والباقي واضح، وهو إذا أمر يده على جسمه فقد حصل المقصود.

стр. 1409

حكم معالجة العقم وهل للمرأة الفسْخ ؟ السؤال فضيلة الشيخ: يعيش عدد من الأزواج بدون أولاد، وذلك لامتناع الإنجاب عنده، فهل الأفضل للرجل العلاج مع الصبر والاحتساب، أو أن يبحث عن بديل؟ أرجو التوجيه وفقك الله. الجواب لا شك أن تأخر الإنجاب قد يكون لكون الرجل عقيماً، وقد يكون لمرض يزول بالمعالجة، وحينئذٍ ننصح الذي تأخر إنجابه أن يعرض نفسه على الأطباء؛ لأن كثرة الأولاد أمر مطلوب للشارع، فليبحث فإن قالوا إنه عقيم فالحمد لله لا يعلم ما هو الصالح، وإن قالوا: إنه ضعيف فليستعمل المقويات، المهم أنه يعرض نفسه على الأطباء لعله يجد علاجاً، ولا ينافي ذلك أن يتوكل على الله، بل فعل الأسباب من التوكل. ولكن أنا فهمت من السؤال شيئاً آخر وهو: هل المرأة تصبر وتحتسب مع هذا الرجل أو لها أن تطالب بالفسخ؟ فنقول: تنظر للمصلحة، إن رأت المصلحة أن تبقى معه على حاله فهو خير، وإن قالت: إنها تريد الأولاد فلتستسمح منه ولتطلب منه أن يفسخ النكاح أو يطلقها.

стр. 1410

متابعة المأموم للإمام وكيفية المتابعة إذا أخطأ الإمام السؤال فضيلة الشيخ: سمعت منكم في إحدى خطب يوم الجمعة أنك تقول: يجب ألا يتابع المأموم الإمام إذا زاد في صلاته عن عدد ركعات الفرض كما لو زاد خامسة، فما صفة التنبيه للإمام؟ أرجو التوضيح، وإذا لم يجلس الإمام واستمر في صلاته في الركعة الخامسة فماذا يفعل المأموم، هل يقوم بمتابعة الإمام، أم يستمر في جلوسه؟ الجواب تنبيه الإمام بينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: (ليسبح الرجال ولتصفق النساء) فيقول الرجل: سبحان الله، لكن أحياناً يقول للإمام وهو قائم إلى الخامسة في الرباعية: سبحان الله. ولكن الإمام يستمر فماذا يصنع؟ نقول: يجلس ولا يتابع الإمام، ثم إذا سلم الإمام سلم معه، وذلك لأن بعض الأئمة يقوم إلى الخامسة لأنه نسي الفاتحة في إحدى الركعات، وإذا نسي الفاتحة في إحدى الركعات لغت الركعة وقامت الركعة التي تليها مقامها، فيأتي بالخامسة بدلاً عن الركعة التي نسي فيها الفاتحة، فتكون صلاة الإمام الآن غير باطلة لأنه أتى بالخامسة ليكمل صلاته التي نقصت بترك ركن من أركانها. أما لو علمنا أن الإمام قام إلى خامسة -أو إلى زائدة أعم- فإننا ننوي المفارقة ونسلم وحدنا وندعه، كما لو كان يصلي الفجر ونعلم أن الرجل قرأ الفاتحة والركوع والسجود تام والقيام من الركوع والجلوس تام والتشهد الأخير -أيضاً- نعلم أنه قرأه فإذا تيقنا أنه قام إلى زائدة فإننا لا نتابعه ونجلس ونسلم، أما إذا لم نتيقن فإننا نجلس ولكن ننتظر حتى يسلم ونسلم معه. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى، ونسأل الله تعالى أن نكون ممن قال الله فيهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] .

стр. 1411

اللقاء الشهري [٥١] في هذا اللقاء الشهري تكلم الشيخ عن التوبة والحث عليها، مع ذكر شروطها بالشرح والتفصيل، وتكلم أيضاً في هذا اللقاء عن أحكام الطهارة، من وضوء وغسل وتيمم، كما أجاب عن الأسئلة المقدمة إليه من المستمعين، والتي هي غنية بالفقه والفوائد.

стр. 1412

شروط التوبة الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا لقاؤنا معكم الثابتُ في كل شهر، في السبت الثالث من كل شهر ليلة الأحد، يتم هذا في شهر رجب عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف، وبما أننا في مستقبل الشتاء فإن حديثنا في هذه الليلة سينحصر فيما يتعلق بالطهارة، وقبل أن نبدأ بهذا الموضوع نحب أن نعلق بعض الشيء على ما جاء في سورة البروج في قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] هؤلاء الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات هم أصحاب الأخدود، الذين حفروا في الأرض أخاديد وأوقدوا فيها النيران العظيمة، وعرضوا عليها المؤمنين، فمن استمر على إيمانه ألقوه فيها، ومن كفر نجا منها لكنه لن ينجو من نار الآخرة والعياذ بالله. هؤلاء القوم يفعلون بالمؤمنين هذا الفعل الشنيع، وهم على هذه النار قعود يتفرجون عليها وكأن شيئاً لم يكن، وهذا يدل على قسوة قلوبهم -والعياذ بالله-، وعلى جبروتهم، وعلى شدة محاربتهم لدين الله ؛ هؤلاء الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات عرض الله عليهم التوبة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] وفي قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠] دليل على أنهم لو تابوا لقبل الله توبتهم ونجاهم من عذاب جهنم وعذاب الحريق. وعلى هذا نفهم من هذه الآية الكريمة: أن التوبة من الذنوب مهما عظمت فإن الإنسان ينجو من عقابها؛ لأن من صفات الله العظيمة أن رحمته سبقت غضبه، واعلم أخي المسلم أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة قال الله تعالى عنها: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر:٤٠] . إذا تاب العبد من الذنوب مهما عظمت فإن الله تعالى يتوب عليه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] واعلم أن قنوطك من رحمة الله، ويأسك من رحمة الله أعظم من ذنبك، كل الذنوب وإن عظمت فإنها في جانب عفو الله يسيرة سهلة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] . فإذا تاب العبد توبةً نصوحاً خالصةً لله -جعلني الله وإياكم من التائبين، اللهم اجعلنا من التوابين المتطهرين يا رب العالمين- فإن الله يتوب عليه. واعلم أن التوبة من الذنوب واجبة على الفور لا يجوز للإنسان أن يؤخر فيها، فيبقى على ذنبه وعلى جرمه ويعتمد على التسويف، فيقول لنفسه: إن الله غفور رحيم، ولكن يجب أن يعلم الإنسان أن الله غفور رحيم لكنه شديد العقاب لمن بارزه بالعصيان، استمع إلى قول الله : ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:٩٨] وبعدها: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٩٨] فبدأ بشدة العقاب، واتل قول الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ [الحجر:٤٩] يعني: أخبرهم ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر:٥٠] . فيجب على العبد أن يتوب إلى الله فوراً، إن كان فرط في واجب وهو مما يمكن قضاؤه وتداركه فليفعل، إن كان قد فعل محرماً فليقلع فوراً بدون تأخير؛ وذلك لأن للتوبة شروطاً لا بد من مراعاتها:

стр. 1413

من شروط التوبة: الإخلاص لله الشرط الأول: الإخلاص لله، أن يخلص العبد في توبته، فيقلع عن الذنب لأنه ذنب ومعصية لله؛ لا لأن الخلق يرونه بل خوفاً من عقاب الله، يقوم بالواجب لا لأن الخلق يرونه فيمدحونه ولكن لأن ذلك في رضا الله، فالإخلاص لله أهم أركان وأهم شروط التوبة، لو تاب الإنسان خوفاً من السلطان أتصح توبته؟ لا، ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّه﴾ [التحريم:٨] أي: توبوا إلى الله لا إلى غيره ﴿تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨] اللهم حقق لنا الإخلاص.

стр. 1414

من شروط التوبة: الندم على ما فات الشرط الثاني: أن يندم على ما فعل من الذنوب، لا بد أن يكون للذنب عنده انكسار وخجل من الله وخشية منه؛ فيتأسف يقول: يا ليتني لم أفعل، ولكن يقلع عن الذنب، لا بد من الندم، فلا تصح التوبة والإنسان في قلبه أن الذنب وعدمه سواء، ولكن اندم كأن شيئاً محبوباً إليك فاتك، أو كأن شيئاً حصل عليك وأنت تكرهه، اندم على ما مر من الذنب.

стр. 1415

من شروط التوبة: الإقلاع عن الذنب الشرط الثالث: الإقلاع عن الذنب في الحال، أن يقلع عن الذنب، إن كان معصية فليبتعد عنها، إن كان إخلالاً بطاعة فليقم بها، فلنضرب لهذا مثلاً: رجل علم أن غيبة الناس حرام، والغيبة: هي ذكر معائب الناس، وذكرك أخاك بما يكره، علم أن هذا حرام، بل هو من كبائر الذنوب على ما نص عليه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀، فعزم على أن يتوب، ندم على ما فعل، لكن مع ذلك متى حصلت له فرصة في الغيبة اغتاب الناس، فهل تقولون: إن هذا صحت توبته؟ لا. فلا بد أن يقلع في الحال. رجل آخر ترك صلاة جماعة مع قدرته على الجماعة، وقال: إنه تائب. ولكنه ما زال يدع صلاة الجماعة، أتقولون إن توبته صحيحة؟ لا. لماذا؟ لأنه لم يقلع عن الذنب، ومصر على ألا يصلي، كيف التوبة من شيء أنت مصر عليه؟! رجل ثالث كان يتعامل بالغش، لأنه صاحب معرض أو صاحب بسطة بطيخ أو غيره، فوبخته نفسه ذات يوم فقال: إني تبت من الغش والخيانة، لكن ما زال يغش، أتصح توبته؟ لا. لا تصح توبته، فلا بد أن يقلع. رجل رابع كان جاره يتأذى منه، يسمع أصواتاً تؤذيه إما أغاني في مسجل أو راديو أو تليفزيون أو غيرها، والجار يتأذى من هذه الأغاني أولاً: لأنها معصية لله ، ثانياً: لأنها تقلق راحته، فقال له: يا أخي، يا جاري! آذيتني بهذا، فلما علم أن جاره يتأذى قال: الآن أتوب إلى الله. ولكنه مصر على ذلك، لم يوقفه ساعةً واحدة في غير ما جرت به العادة، فهل هذا تائب؟ لا، هذا ليس بتائب، لا بد أن يقلع عن الذنب وإلا فلا توبة له.

стр. 1416

من شروط التوبة: العزم على ألا يعود الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود، يعني: أن يعزم في نفسه على أنه لا يعود للذنب، ويجعل بينه وبين نفسه عهداً قائماً ألا يعود إلى هذا الذنب، واستمر في قلبه على أنه متى سنحت له الفرصة عاد إليه، فهل تصح توبته؟ لا، لأنه ما عزم ألا يعود، هو في نفسه تركه الآن لكنه ليس عنده عزيمة على ألا يعود فلا تصح توبته.

стр. 1417

من شروط التوبة: أن تكون في وقتها الشرط الخامس وهو أشدها: أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه التوبة؛ لأنه ليس كل وقت تقبل فيه التوبة. وهنا وقتان لا تقبل فيهما التوبة جاء ذكرهما في القرآن، أما الأول: فإذا حضر الإنسان الموت فإنها لا تقبل توبته؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء:١٨] ليس هذا محل التوبة، إذا شاهدت الموت وعرفت أنك مفارق الدنيا قلت: تبت الآن، ما ينبغي. ولما أدرك فرعون الغرق في البحر قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] فآمن، فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ تؤمن ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] أي: لا يقبل منك، ولهذا قال الله فيه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] كأنك تشاهد رجلاً يمشي أمام قومه يهديهم إلى النار والعياذ بالله، وهو يقول لهم في الدنيا: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] هذا السبيل الذي يهديهم إليه، هداهم إلى النار والعياذ بالله. هذا الوقت الأول، إذا حضر الإنسان أجله فإن التوبة لا تنفعه، ولو سألت كل أحد منكم: هل تعلمون متى يحضر الأجل؟ لقلتم على لسان واحد: لا نعلم. ومن ادعى أنه يعلم فهو كاذب، وإذا كان كذلك كان وجوب التوبة على الفور؛ لأنك لا تدري أيها الإنسان، فإن كان عليك حق لأحد فبادر بوفائه، إن كان هناك شيء مقصر فيه: زكاة مال ما أخرجتها، كفارة يمين ما أخرجتها، كفارة ظهار، كفارة وطء في رمضان، أو غير ذلك فأخرجها، دين عليك ما قضيته فاقضه، فكم من إنسان عنده أموال كثيرة وعليه ديون ولم يقضها، فمات فجعل الورثة يلعبون بماله ونسوا الحق الذي نفسه معلقة به، فأد ما عليك قبل أن يفوت الأوان. أما الوقت الثاني: فهو إذا طلعت الشمس من مغربها، الشمس الآن كل من يشاهدها تطلع من المشرق وتغرب من المغرب منذ سخرها العزيز العليم ؛ إلى أن يأذن بخراب العالم وهي على سيرها، سبحان الله! لا تختلف ولا تزل عنه، ولا تسرع أكثر مما سبق، ولا تتباطأ أكثر مما سبق، ولا تطلع في الشتاء في مطلع الصيف، ولا في الصيف في مطلع الشتاء، بل هي بإذن الله مستمرة على أحسن نظام، فإذا أراد الله تعالى فناء العالم فإن الله يأمرها فتخرج من المغرب. سبحان الله! الشمس التي دائماً تطلع من المشرق تطلع من المغرب! من يقدر على هذا؟ الله ، لا يقدر غيره أحد، ولهذا لما سأل الصحابة ﵃ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند قوله ﵎: ( ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً﴾ [الإسراء:٩٧] قالوا: يا رسول الله! كيف يحشر على وجهه؟ قال: الذي أمشاه في الدنيا على قدميه يمشيه يوم القيامة على وجهه) الله أكبر! فالذي سخر الشمس أن تطلع من مطلعها شرقاً يسخرها أن تطلع من مغربها غرباً، إذا طلعت الشمس يقول الرسول ﵊: (إذا رآها الناس آمنوا أجمعون) كلهم يؤمنون، الكافر منهم والمؤمن، ولكن هل الكافر ينفع الإيمان؟ لا ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام:١٥٨] كل نفس لم تؤمن من قبل أو تكسب في إيمانها خيراً فإنه لا ينفعها ذلك بعد طلوع الشمس من مغربها، ولهذا جاء في الحديث: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها) . فيا أخي يا عبد الله! فكر في نفسك، فكر فيما أنت مقصر فيه، أنقذ نفسك ما دمت في زمن الإمكان، فكر في حق الله: هل ضيعته، هل فرطت فيه، هل حصل في قلبك رياء، هل حصل في قلبك عجب، هل حصل في قلبك كراهة للمؤمنين أو حب للكافرين أو إيثار للدنيا على الآخرة، أشياء كثيرة، سبل عظيمة، فتن كبرى نسأل الله أن يعصمنا وإياكم منها. داو قلبك، إذا كنت تداوي قلبك في اليوم مرتين أو ثلاثاً، وتأكل الحبوب للشفاء في اليوم مرتين أو ثلاثاً فداو القلب، ارجع للقلب، لا يمت قلبك، لا يقس قلبك ما دام الأمر بيدك، ووالله إن فناء الجسم أهون من فناء الدين؛ ولذلك الذين عرفوا الحقيقة أفنوا أنفسهم في دين الله ، يعرضون رقابهم لسيوف الأعداء؛ كل ذلك إقامة لدين الله، وإعلاءًَ لكلمة الله، فرضي الله عنهم وأرضاهم. المهم يا إخواني! أدعو نفسي أولاً وأدعوكم ثانياً إلى تفقد القلوب، وإلى صقلها ودوائها؛ قبل أن يرين عليها ما كسبت فيطبع عليها والعياذ بالله، أسأل الله لي ولكم الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى.

стр. 1418

الطهارة أما ما يتعلق بالطهارة -وهو الموضوع في هذا اللقاء- فإني أريد من أحدكم أن يقرأ آية الطهارة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦] . لكن هنا شيء ننبه عليه -والحمد لله- أن جرى الأمر على ما فيه الخير: أولاً: استمعتم إلى قرائته يقرأ: وأرجلِكم وأرجلَكم، والذي في القرآن بيننا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] بالنصب، ولا شك أن القراءة الثانية صحيحة (وأرجلِكم) قراءة سبعية ثابتة عن الرسول ﵊، لكن الإنسان الذي يقرأ للتعلم أو للتعليم يقرأ بكل القراءات، والذي يقرأ بين العامة في بلد لا يفهم فيه إلا قراءة واحدة لا ينبغي أن يخرج عن هذه القراءة الواحدة؛ لأن العامي لا يدرك، فإما أن ينتقد القارئ ويقول: لا يا أخي، وإما أن يحاول تقليد القارئ فيغلط؛ لأنه عامي، لذلك أنصح إخواننا الذين يعرفون عدة قراءات ألا يقرءوا في البلد إلا ما يعرفه عامهم وما كان موجوداً في مصاحفهم؛ لئلا يحصل البلبلة والشك. ثانياً: بعض الناس -مثلاً- يأخذه النفس فلا يستطيع أن يكمل الآية فيقف على جملة، ثم يعيد ما قبلها عند إرادة استئناف القراءة، يعيد ما قبلها بناءً على أن ما بعدها متعلق بها ولا يدري أن الذي قبلها متعلق بالذي قبلها -أيضاً- فمثلاً: لو قرأ قارئ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة:٦] فانتهى صوته إلى قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة:٦] هنا لا يحسن أن يعود فيقول: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة:٦] لو أعاد قلنا: أعد الشرط -أيضاً- حتى تعيد جواب الشرط مع الشرط، لكن الحمد لله ما دام وقفت لعذر فابدأ من حيث وقفت، ولا حاجة إلى أن تعيد ما قبله. أما الآية الكريمة فسمعتم أن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٦] ولو سألت أي واحد منكم: ما معنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٦] لقال: هذا خبر أو نداء؟ نداء، ينادينا ربنا : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٦] إذاً يجب أن نستمع، ماذا تريد يا ربنا؟ ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: [إذا سمعت الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأرعها سمعك -استمع- فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه] كل موضع في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٦] لا بد أن يكون هناك خير تؤمر به أو شر تنهى عنه، أو قصة نافعة ينفعك الله بها.

стр. 1419

صفة الوضوء في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦] قمتم: أي أردتم القيام، والصلاة هنا شاملة للفريضة والنافلة. ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] وهذا أول ركن من أركان الوضوء وما قبله سنة، ما هو الذي قبله؟ التسمية، غسل الكفين ثلاثاً، هذه سنة، إن جاء بها الإنسان فهو أكمل وإن لم يأت بها فلا حرج عليه ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] غسلاً بدون فرك، وإن دلكت فلا بأس لا سيما إذا كان على وجهك شيء من الدهن، فهنا يتأكد أن تدلك الوجه؛ لأن الدهن يزل معه الماء. والوجه من الأذن إلى الأذن، إذاً الشعر الذي بين الخد والأذن يعتبر من الوجه، هذا في العرض، في الطول: من منحنى الجبهة - سواء كان الشعر نازلاً عنه أو صاعداً عنه - من منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية، لا بد أن يغسل هذا كله، ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق، فلو قال قائل: إن الله لم يذكر المضمضة والاستنشاق، فالجواب سهل جداً: أين محل الأنف الذي هو محل استنشاق وأين محل الفم الذي هو محل المضمضة؟ الوجه، إذاً هما داخلان في غسل الوجه، وغسل الأنف بالاستنشاق وغسل الفم بالمضمضة. قال الله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] إلى المرافق معناه أين المبتدأ؟ أطراف الأصابع؛ لأنه لما قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] صار لا بد أن يكون من أطراف الأصابع إلى المرفق، والمرافق داخلة في الوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين ذلك، وهنا نقف لننبه على ما يغفل عنه كثير من الناس حيث كانوا يغسلون اليد من الكف إلى المرفق ظناً منهم أن غسلها قد تم قبل غسل الوجه، وهذا غير صحيح، ولا بد أن تغسلها من أطراف الأصابع إلى المرفقين. وإذا كان على الإنسان جبة يصعب أن يحلها، ماذا يصنع أيمسح عليها؟ أليس لباس الرجلين -الخفين- يمسح عليه؟ لماذا لا نقول: إذا كان عليه جبة وكان الكم ضيقاً امسح عليه؟ نقول: لا. لا يجوز، والدليل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة تبوك - وتبوك كما تعلمون باردة- كان عليه جبة ضيقة الأكمام، فلما تعسر عليه أن يخرج ذراعه منها أخرج اليد، وغسلها. إذاً لا بد أن تغسل يديك بكل حال، ولا يمكن المسح. قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] ولم يقل اغسلوا تخفيفاً على العباد؛ لأنه لو ألزمنا بغسل الرأس لقلنا: سمعاً وطاعة، ولكن الرب الرحيم جعل فرض الرأس المسح؛ لأن الرأس مترئس، ولو غسله الإنسان لساح الماء على جسده، وماذا يحصل من المشقة خصوصاً في أيام البرد؟ يحصل مشقة عظيمة، ولأن الرأس في الغالب مكسو بالشعر، والشعر إذا صببت عليه ماء أو غسلته متى ييبس؟ يأخذ مدة، فكان من حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن جعل فرض الرأس المسح. لم يذكر الله الأذنين، فنقول: أين محل الأذنين؟ الجواب في الرأس، وإذا كانتا في الرأس فهما داخلتان في عموم قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] والحمد لله على بيانه، فمهما حاول الإنسان أن يسقط مسح الأذنين لم يتمكن؛ لا من القرآن ولا من السنة، أما السنة فقد تواتر عن النبي ﵊ أو استفاض عن الرسول ﵊، أنه كان يمسح أذنيه مع رأسه، ولكن كيف يمسح الرأس؟ امسح الرأس كما شئت، بيد واحدة تبرمها على الرأس كله أو باليدين الاثنتين، والمسحة الواحدة تكفي، لكن الأفضل أن ترجع من مقدم الرأس من عند الجبهة (هكذا بيديك على رأسك) ثم تمرهما على الرأس إلى الرقبة ثم تعود إلى المكان الذي بدأت منه، ثم تمسح الأذنين كل أذن بيد، إلا إذا لم تستطع بإحدى اليدين فابدأ بالأذن اليمنى قبل اليسرى. كيف تمسح الأذنين؟ مسح الأذنين سهل، أدخل السبابة في الصماخ -في الفتحة- أدخلها إدخالاً فقط بدون أن تبرمها؛ لأن إبرامها يعني تكرار المسح، وأمر الإبهام على ظهر الأذن مرة واحدة؛ ولهذا قال العلماء: كل ممسوح فتكرار مسحه مكروه. انظر إلى الضابط: كل ممسوح فتكرار مسحه مكروه؛ الرأس، الخفين، الجبيرة في التيمم مسحة واحدة، لكن انظر الفقه في الدين لماذا كره العلماء أن يكرر المسح؟ قالوا: لأن الله خفف في طهارته فجعلها مسحاً، وتخفيف الكيفية يدل على أن تخفيف الكمية أفضل. الكمية ماذا تعني؟ العدد، والكيفية: المسح بدل الغسل، فإذاً نقول: لا تكرر مسح الرأس ولا مسح الأذنين. قال الله : ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] أي: اغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، والكعبان هما: العظمان الناتئان في أسفل الساق، وهما داخلان في الغسل. وينبغي أن يخلل الإنسان بين أصابعه لا سيما أصابع الرجلين المتلاصقة؛ لأن الناس يختلفون في أصابع الرجلين، بعضهم تكون أصابعه متلاصقة، وبعضهم منفرجة، وبعضهم الإبهام مع التي تليها منفرجة والباقي متلاصق، ومع ذلك كله نقول: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لـ لقيط بن صبرة: (خلل بين الأصابع) فالتخليل بين الأصابع سنة، والواجب أن تتيقن أو يغلب على ظنك أن الماء دخل من بين الأصابع. انتهى الوضوء.

стр. 1420

الواجب في الجنابة ما الواجب في الجنابة؟ اسمع قول الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] كلمة واحدة: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] فالذي عليه الجنابة ليس عليه إلا أن يطهر، ما عليه وضوء، عليه أن يطهر فقط؛ لأن الله ذكر الوضوء في مقابل الحدث الأصغر، الجنابة ما ذكر إلا كلمةً واحدة وهي: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] فلنسأل أولاً: من الجنب؟ الجنب: هو الذي أنزل المني بلذة، أو جامع زوجته وإن لم ينزل، فمتى جامع الرجل زوجته فقد أجنب سواء أنزل أم لم ينزل، ومن أنزل منياً لشهوة فقد أجنب سواء جامع أم لم يجامع، حتى لو فكر الإنسان وأنزل منياً فهو جنب يجب عليه الاغتسال. فلو أن الإنسان اغتسل فغسل أسفل جسمه قبل أعلاه فذلك يصح؛ كأن بدأ بغسل أفخاذه وسيقانه وأسفل بطنه، ثم أفاض الماء على أعلى جسده، أيجوز أو لا؟ يجوز. لماذا؟ لأن هذا يصدق عليه أنه تطهر؛ إذا عمم بدنه بالماء فقد تطهر، لكن لا شك أن الأفضل في الغسل أن يفعل الإنسان ما فعله الرسول ﵊، فماذا فعل الرسول ﵊ في الغسل؟ نظف فرجه من آثار الجنابة، ثم توضأ وضوءه للصلاة، أي: وضوءاً كاملاً بالمضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، ثم أفاض على رأسه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، ثم صلى، هذه كيفية الغسل المسنونة المستحبة. وأما إفاضة الماء على الجسد كله بدون هذا الترتيب فهو الغسل الواجب، وهو مجزئ ويكفي، وقد صلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم بأصحابه فإذا رجل منعزل لم يصل، قال له الرسول: (تعال، ما الذي منعك أن تصلي؟ قال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء؟) إذا أصابته جنابة يجب عليه؟ الغسل، والرجل لا يدري أن التيمم يكفي، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) يريد بذلك التيمم، (فإنه يكفيك) يعني: عن الاغتسال. والظاهر أن الرجل تيمم وصلى، ثم جيء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بماء في مزادة -قربة كبيرة- وكان القوم عطاشاً فاستقوا وسقوا الركاب، ومن توضأ توضأ، فبقي شيء فأعطاه الرجل وقال له: (خذ هذا فأفرغه على نفسك) أي: عن غسل الجنابة، ولم يقل له الرسول: توضأ أولاً وأفض على رأسك ثلاثاً، قال: (أفرغه على نفسك) فدل هذا على أن الإنسان إذا اغتسل من الجنابة فعم بدنه بالماء كفاه على أي صفة كان. وعليه فلو انغمس الإنسان في بركة أو في غدير -مجتمع ماء- بنية الغسل من الجنابة، ثم خرج وتمضمض واستنشق ومضى وصلى، فإن ذلك يجزئ؛ لأنه تطهر وتمضمض واستنشق، فارتفعت عنه الجنابة.

стр. 1421

أحكام التيمم يقول : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [المائدة:٦] إذا لم نجد الماء وعلينا وضوء أو غسل فعلينا بالتيمم، بأن نتيمم صعيداً طيباً، والمراد بالطيب هنا: ضد الخبيث، والخبيث يعني: النجس، أي صعيد نتيمم به؟ هل لا بد أن يكون الصعيد فيه تراب؟ الآية مطلقة: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّبا﴾ [المائدة:٦] المهم أن يكون طاهراً سواء كان فيه تراب، فيه غبار أم لا، فمثلاً: لو أن الأرض أمطرت وصارت ندية ليس فيها تراب، أيجوز التيمم عليها؟ نعم يجوز. أرض رملية ليس فيها إلا رمل نقي ليس فيه غبار، هل يجوز أن يتيمم عليها؟ نعم. أرض صخرية ليس فيها إلا حجارة نظيفة، الرياح قد أزالت عنها الغبار، يجوز التيمم عليها؟ نعم. لأن الله تعالى قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء:٤٣] ولم يقيده بشيء إلا أنه طيب، وجاءت السنة موافقةً للقرآن في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) . كيفية التيمم سهلة يا إخوان: التيمم تعبد لله بتعفير الوجه واليدين بالتراب أو بما هو مظنة التراب ليكون بذلك متطهراً، فكم أعضاء التيمم؟ التيمم له عضوان فقط هما: الوجه واليدان؛ لأن أهم شيء في التيمم التعبد لله ، وإلا فمن المعلوم أن الإنسان ليس يرى طهارةً حسية بالتيمم لكن والله فيه طهارة معنوية، ما هي؟ طهارة القلب والتذلل لله ﵎ بالتعبد له، لو أن أكبر ملوك الدنيا قال لك أو لأحد منكم: اضرب الأرض بيديك وامسح بهما وجهك تعظيماً لي، أتطيعونه؟ لا والله، والله لا نطيعه، لو يقطعنا لحما، لكن ربنا لما قال لنا هذا قلنا: سمعنا وأطعنا، سمعاً وطاعة؛ ولذلك لما كان المقصود التعبد اختص التطهير بهذين العضوين: الوجه؛ لأنه أشرف من الرأس، واليدين؛ لأنهما أشرف من الرجلين. والإنسان إذا تعبد لله بتعفير هذين العضوين الأكملين فتعفير ما دونهما من باب أولى، ولذلك اختص التيمم بهذين العضوين وهما: الوجه والكفان. كم مرة تمسحها؟ مرة واحدة؛ لأني أعطيتكم قبل قليل قاعدة مفيدة وهي: أن الممسوح لا يكرر مسحه. تبدأ بالتيمم بالوجه أو باليدين؟ بالوجه؛ لأن الله تعالى بدأه فقال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة:٦] ولقد أعطانا إمامنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاعدة مفيدة، لو وجدتها - أيها الإنسان - في كتاب لاتبعتها وقلت: ما أظرف صاحب الكتاب. ماذا أعطانا؟ (لما أقبل على الصفا بعد الطواف بالبيت ودنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] وقال: أبدأ بما بدأ الله به) سبحان الله! فأشار النبي ﷺ إلى قاعدة وهي البداءة بما بدأ الله به، هنا في التيمم بدأ الله بماذا؟ بالوجه، قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦] فلو بدأ المتيمم بيديه ثم وجهه أيكون ممتثلاً لأمر الله؟ بناء على القاعدة التي أصلها الرسول ﵊ لا يكون ممتثلاً، لكن العلماء ﵏ ولا سيما الفقهاء منهم أهل القياس قالوا: يجب أن نبني طهارة التيمم على طهارة الماء، فما يشترط فيه الترتيب من طهارة الماء يشترط فيه الترتيب في طهارة التيمم، أفيدوني ما الذي يشترط فيه الترتيب من طهارة الماء؟ الوضوء - يا إخواني - أن تغسل الوجه أولاً ثم اليدين ثم الرأس ثم الرجلين، لكن الغسل ليس فيه ترتيب، اغسل أي شيء منك قبل الثاني فلا يضر. العلماء من أهل القياس قالوا: نقيس طهارة التيمم على طهارة الماء، فالتيمم عن الجنابة لو أخل فيه بالترتيب لم يضر، والتيمم عن الوضوء لا بد فيه من الترتيب؛ لكن لا شك أن الأحوط للإنسان سواء في طهارة الجنابة أو في طهارة الوضوء أن يرتب فيبدأ بالوجه أولاً ثم باليدين ثانياً. هل يمسح اليدين من أطراف الأصابع إلى المرفقين؟ لا. لأن الله لما أراد المرفقين، لما أراد أن تكون غاية المرفقين قيد فقال في الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] في التيمم ما قال: إلى المرافق، إذاً التيمم إلى الكفين فقط بدون زيادة، لو أراد الإنسان أن يزيد ومسح الذراع بالتيمم قلنا: هذا بدعة، وإن قال به بعض العلماء لكن كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 1422

الحرص على الطهارة والحذر من الوسواس فيا أخي المسلم! احرص على الطهارة، ولكن لا يغلبك الوسواس وتشك في كل وهم يطرأ عليك؛ فإن بعض الناس يتوهم أنه أحدث إما بريح وإما بخروج شيء من ذكره، ثم يتذبذب هل يتوضأ أم لا يتوضأ؛ ثم بعض الناس يقول: لماذا أتذبذب؟ يحدث حالاً وينتهي الموضوع، وهل هذا حل؟ لا؛ لأنه لو تطهر ثانيةً فسوف يعود عليه الوهم، فهل يذهب ويحدث مرة أخرى؟ يبقى الذي في بطنه وهذه مشكلة! على كل حال: لا تنخدع بالوسواس، فإن نبيك ﵊ وجزاه الله عنا خيراً أعطانا راحة نستفيد منها، معنى الحديث قال: (إذا أحس أحدكم بشيء في بطنه فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) الحمد لله أنت معذور ما دمت لم تتيقن فلا يهمنك الوهم حتى لو كان عندك (٩٩%) أنك أحدثت (١%) أنك لم تحدث ماذا تفعل؟ خذ بالواحد وهو أنك لم تحدث، لو قال قائل ما ذكرته لكم قبل قليل: إنه سيحدث لكي يجزم بأنه أحدث ويتوضأ، وآخر قال: لا أحدث لكن أتوضأ احتياطاً، والثالث قال: أنا لا أتوضأ ولا أحدث. فأيهم أحق بالصواب؟ الثالث أحق بالصواب، الحمد لله نعمة؛ لأن الرسول ﵊ لو كان يعلم أن في كونه يحدث على اليقين خيراً لأرشد إليه، ولو كان يعلم أن غلبة الظن معمول بها هنا لأرشد إليها، لكنه ﵊ لم يرشد إلا إلى الشيء المتيقن الذي يدركه الإنسان بحسه، يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، فإياك أن تتوهم. حسن لو قال قائل: أحس بحركة ذكره فهل يلزمه أن يستبرئ ويخلع سرواله ويقول: أريد أن أرى؟ لا يلزمه، ولا يفعل؛ لأنه في العادة أن الإنسان إذا عصر ذكره سوف يخرج منه شيء، فليجتنب هذا، ولا يهتم به، وعليه بالصراط المستقيم، صراط النبي ﷺ (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) ، ولم يرشد -أيضاً- إلى الاستبراء، ما قال يعني: فكر، ابحث، ولكنه قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) . أسأل الله تعالى أن يوفقني وإياكم لاتباع سبيله، وأن يهدينا صراطه المستقيم إنه على كل شيء قدير. ولنأخذ الآن جزءاً يسيراً من الأسئلة؛ لأنه طال بنا الحديث، وما كنت أظنه أن يطول هذا الطول، لكن الأسئلة الآن بأيدينا، إذا شئنا زدنا خمس دقائق أو عشر دقائق أو ما تيسر.

стр. 1423

الأسئلة

стр. 1424

إحالة إلى كتب اللغة في الفرق بين المرفقين والكعبين والكوعين السؤال فضيلة الشيخ كثير ما يسمع المرء بهذه العبارات ويخلط بينها: المرفقين، الكعبين، الكوعين. ونحو ذلك، هل من بيان لها وفقك الله؟ الجواب لئلا نأخذ وقتاً في الجواب عليها أحيله على كتب اللغة، إن كان طالب علم وإلا المرفقان معروفان والكعبان معروفان وبيناهما، وهما أهم شيء يتعلق بالطهارة.

стр. 1425

مشكلة الشك في الوضوء وحلها السؤال هذه امرأة تقول: أنا امرأة أشك كثيراً في صحة الوضوء، تراني أعيده مرات ومرات حتى يصيبني اليأس من صحة الوضوء، فما الحل في رأيك يا فضيلة الشيخ؟ الجواب الحل أن كل إنسان يعرف كم غسل أعضاءه، فإذا غسلتها مرةً واحدة كفى، وإن أعادت الغسل مرة أخرى فهو أكمل، وإن أعادتها مرة ثالثة فهو أكمل، وإن أعادتها مرة رابعة فقد قال النبي ﵊: (فمن زاد على ذلك -يعني على الثلاث- فقد أساء وتعدى وظلم) فهل ترغب أن تتصف بهذه الثلاث: الإساءة والتعدي والظلم؟ لا أحد يرغب في هذا، فاقطع على الشيطان حبله، وإذا غسلت ثلاث مرات فاغسل من الميضأة واستعن بالله وصل، وإني واثق أن من ابتلي بهذا الوسواس -أجارنا الله وإياكم منه- أن الشيطان سيقول له: ما صليت، ما أديت الفريضة، ما أديت ركناً من الإسلام، لو مت على هذا مت على غير الفطرة، سيقول مثل هذه العبارات، لكن لا يهمك، أستعذ بالله وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وانته، وليعلم أن الله تعالى يعلمه وسيسأله: لماذا تجاوزت ما ورد عن رسولك، ما الذي ورد عن رسولك؟ ثلاث مرات أو عشرون مرة؟ ثلاث مرات. سيسأل يوم القيامة: ما الذي جعلك تزيد عما قال رسولك؟ أنت خير أم هو؟ هل قصر رسولي في إبلاغك؟ ما قصر، هو ﵊ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً حتى يبين لأمته أن كل ذلك جائز -والحمد لله-. فلذلك نقول لهذه المرأة: اتقي الله في نفسك، واقتصري على الثلاث، وقومي وأنت تقولين في نفسك: إن الوضوء لم يتم، وصل وأنت تقولين في نفسك: إن صلاتي لم تتم. ولا يهمنك وساوس الشيطان، وسيكون هذا شاقاً عليها لمدة أسبوع أو أسبوعين أو شهراً أو شهرين، سيكون العمل في هذا عندها أشد من حمل الأثقال، ولكن لتستعن بالله ولتصمد أمام عدو الله، ولتستعن بالله قبل كل شيء.

стр. 1426

حكم الجبيرة السؤال أنا شاب - يا فضيلة الشيخ - أعاني من جروح في يديَّ ورجليَّ، ووصول الماء إلى الجروح يضر بها، وقد تيممت فجر يوم الجمعة القريب، ثم لبست الخفين، ثم توضأت الظهر وضوءاً عادياً ومسحت على الخفين، وكذلك العصر والمغرب والعشاء وفجر السبت، فهل فعلي هذا صحيح أم لا؟ الجواب أما بالنسبة لليدين فالذي فهمت أن الرجل يستعمل الماء فيها، وأما الرجلان فالأمر فيهما خفيف إن لبس الخفين على أنهما خفان مؤقتان ليوم وليلة بعد أن توضأ وضوءاً كاملاً، فهذا يمسح أعلاهما ويكفي، وإذا تمت المدة خلعهما وغسل رجليه، وإن لبس ذلك لئلا يصل الماء إلى الجروح فهنا تكون جبيرة، تكون الخفان جبيرة، فلا تتوقت بوقت، ولا يشترط أن يلبسهما على طهارة، ويمسحهما في الجنابة والوضوء، ولكن يجب أن يمسح الجميع ظاهر الرجلين وباطنهما؛ لأن الجبيرة يمسح على جميعها بخلاف الخفين. وأما اليدان فالذي فهمنا من السؤال أنه يمكنه غسلهما، فإن قال: لا يستطيع أن يستعمل الماء نهائياً فالتيمم -والحمد لله- يقوم مقام الماء، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦] .

стр. 1427

الواجب على من يخرج من لثته دم أثناء الوضوء السؤال فضيلة الشيخ أنا لدي مرض في اللثة، وكلما أردت الوضوء بعد المضمضة يخرج الدم من اللثة، هل يجب علي أن أوقف الدم أولاً، أم أستمر في الوضوء ومثله الرعاف؟ أفدني جزاك الله خيراً. الجواب نعم، نقول: أكمل الوضوء، والدم لا يضرك ولا ينقض وضوءك مهما عظم، لكني أشير على الأخ السائل -وأسأل الله له العافية - أشير عليه أن يراجع الأطباء؛ لأن الإنسان مأمور بالتداوي دون أن يتداوى بحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له شفاءً؛ علمه من علمه وجهله من جهله) والرسول ﵊ أخبرنا ذلك لمجرد أن نطلع على هذا الكلام، أو لأن نسعى إلى ما فيه الشفاء؟ الثاني بلا شك، إذا أخبرنا الرسول بخبر فليس المقصود مجرد أن نعلم به، بل أن نعمل بمقتضاه، وكذلك جاء عنه: (أيها الناس تداووا ولا تداووا بحرام) . فنقول للأخ: راجع الأطباء لعل الله تعالى يجد لك شفاءً لم يحن وقته بعد، وكثير ما يعالج الإنسان معالجات كثيرة لكن لم يقدر الله الشفاء إلا في وقت معين، لم يأت بعد، قال الله ﵎: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] وإلى أجل مسمى، فلا تيئس.

стр. 1428

شرط التكليف السؤال هذه امرأة تقول: كنت أغتسل من الجنابة وأبلل بعض شعر رأسي لجهلي بذلك، والآن قد هداني الله وعرفت الحكم، فماذا علي في السنوات الماضية؟ الجواب الذي نرى في مثل هذا أن المرأة إذا كانت جاهلة -والرجل أيضاً- جهلاً مطلقاً ولا طرأ على باله أن هذا شيء واجب وأخل به فهو ساقط عنه غير مكلف به؛ لأن من شرط التكليف العلم، ومن لم يعلم كيف يكلف؟ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وليس من وسع الإنسان أن يكلف بما لا يعقل، صحيح أن الإنسان قد يكون مفرطاً في السؤال بمعنى: أنه يمكنه السؤال ولم يسأل، لكن أحياناً قد يكون الإنسان في بادية بعيداً عن الناس، بعيداً عن العلم، ماشياً على ما مشى عليه الناس، فهذا لا يلزمه شيء، ومن ذلك: لو فرض أن امرأةً بلغت بالحيض وهي بنت عشر سنوات، وهي في بادية ولا يرون البلوغ إلا ببلوغ خمس عشرة سنة، فبقيت خمس سنوات لا تصوم، ثم بعد ذلك علمت فلا يلزمها قضاء خمس سنوات، لماذا؟ لجهلها المطلق. امرأة ما تعرف هذا الشيء وفي بادية بعيدة عن العلم والعلماء، ولم يطرأ على بالها أنه يجب عليها، ولا سيما في الزمن السابق يوم لا تليفون ولا بريد ولا شيء. كذلك هذه المرأة التي تقول إنها تغتسل من الجنابة وتبل شعر رأسها ولا تغسله ظناً منها أن ذلك يكفي فنقول: ما دام لم يطرأ على بالها أنه يجب غسل الرأس ولا أحد ذكر ذلك لها فليس عليها قضاء.

стр. 1429

الواجب على المريض الذي صلى متيمماً مع قدرته على الوضوء السؤال أجريت لوالدي عملية جراحية، وكان يستطيع الذهاب إلى الماء، ولكن كان يتيمم ويجمع الصلاة لمدة ثلاثة أيام تقريباً، فماذا عليه علماً أنه جاهل بذلك العمل يظن أن ذلك جائزاً؟ أرجو توجيهه مع نصحه في هذا لفتح قلبه وترغيبه للخير. الجواب الذي أرى أن هذا يجب عليه الإعادة؛ لأنه ما دام في المستشفى، فالمستشفى -والحمد لله- في وسط أجواء يعرفون الحق، وعنده طلبة علم وعنده هاتف، فليسأل وهو في حال تدعو إلى السؤال؛ لأنه مريض، وكان عليه أن يسأل كيف يتطهر، كيف يصلي، وهل يستقبل القبلة أم لا، وهل يقوم أو يصلي قاعداً وما أشبه ذلك؟ لأنه مفرط، فأرى أن يقضي ما صلاه بغير وضوء، والحمد لله إن كان الأول قد أبرأ ذمته صار الثاني نفلاً، وإن كان لم يبرئ ذمته صار الثاني فرضاً والأول نفلاً، الأول نفل يثيبه الله على قدر عمله وإن كان خطأً.

стр. 1430

معنى قوله تعالى: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) السؤال فضيلة الشيخ ما معنى قول الله : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] ؟ وهل من توجيه للشباب الذين يتزينون بمخالفة السنة ووضع الشعر على الوجه والتكسر كما تتكسر النساء؟ الجواب معنى الآية الكريمة: أن الله تعالى ينكر على المشركين؛ لأن المشركين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، وقالوا: الملائكة بنات الله، فاختاروا لله تعالى ما يكرهون واختاروا لأنفسهم ما يشتهون، جعلوا البنين لهم والبنات لله، فيقول الله : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] يعني: كمن لا يحتاج إلى ذلك، من الذي لا يحتاج إلى ذلك؟ الإنسان الذكر. ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف:١٨] هذا وصف ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] وصف آخر، من الذي يتحقق فيه هذان الوصفان؟ المرأة الأنثى، الأنثى تنشأ في الحلية، ويستجلب لها أنواع الحلي لتتزين بها، وأنواع الثياب، ولهذا جعل الله تعالى لها من الثياب ما تتحلى به وحرمه على الرجال مثل الحرير، فالحرير حرام على الرجال حلال للنساء؛ لأن المرأة مسكينة، تحتاج إلى أن تتجمل به، تحتاج إلى شيء تتحلى به، الرجل رجل يكفيه وصف الرجولية عن كل شيء. ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] المرأة في الخصام هل خصامها مبين أو ضعيف؟ ضعيف؛ ويندر أن تلقى امرأة مثل الرجال في خصامها، فينكر الله على هؤلاء المشركين الذين جعلوا لله الناقص من الصنفين وجعلوا لأنفسهم الكامل. أما ما ذكره السائل مما ابتلي به بعض الشباب الفارغين الفارهين الذين أطغاهم الغنى والفراغ من كونهم يتحلون بحلي النساء، يلبسون الذهب؛ إما في الخواتم، وإما في الأزارير، وإما في القلائد أو ما أشبه ذلك، فإن نصيحتي لهم: أن يعرفوا قدر أنفسهم، وأن ينزلوا أنفسهم منزلتها، لا يهبطوا بها إلى منازل النساء لما في ذلك من الإثم لارتكاب ما حرم الله عليهم، ولما في ذلك من ظلم أنفسهم؛ حيث أنزلوها دون المستوى الذي يجب أن يكونوا عليه، ولما في ذلك -أيضاً- من الفتن؛ لأن من الذكور الآخرين من ابتلي بحب جنسه محبةً جنسية - والعياذ بالله - حتى أنه فيما مضى من الزمان كانت أمة عظيمة ابتليت بهذا، وأرسل من أجل ذلك رسول إليهم، وهم قوم لوط، وقد وبخهم فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء:١٦٦] . فالواجب على الشاب أن يعرف قدر نفسه، وألا يهضمها، وإني أنصح إخواني أو أبنائي من هؤلاء الشباب إلى أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يعلموا أن الشباب ما هو إلا فيء زائل، ما أسرع ما يندمون على ما فعلوا، ولقد صدق القائل: لا طيب للعيش ما دامت منغصةً لذاته بادكار الموت والهرم فأسأل الله لي ولهم الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى.

стр. 1431

الحفاظ على نعم الله السؤال فضيلة الشيخ في هذه الأيام -ولله الحمد- تكثر الغدران ومجتمعات المياه وجريان الأودية، فهل من نصيحة لإخواننا بحفظ أنفسهم وأولادهم من الهلاك، فإنه يؤلمنا ما نسمع من حوادث الغرق، وهل يلحق الأب أو الأم كفارة وإثم إذا هلك أحد أولئك الأطفال بسبب هذا التفريط؟ أرجو التوجيه وفقك الله تعالى. الجواب التوجيه في هذا أن النعم التي ينعم بها الله على العباد ينقسم فيها الناس إلى مؤمن وكافر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى بأصحابه في يوم من الأيام صلاة الفجر على إثر سماء كانت من الليل - أي: مطر نزل في الليل - فلما صلى الفجر أقبل على الناس وقال لهم: (هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب - أعوذ بالله - وأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب) ونص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذلك؛ لأن العرب في جاهليتهم ينسبون الحوادث الأرضية إلى الأحوال الفلكية، وهذا حرام، فليس بين الأحوال الفلكية والحوادث الأرضية أي علاقة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته) كانوا مثلاً إذا أمطروا في أول الشتاء قالوا: مطرنا بالوسم، الوسم بركة وخير، مع أنهم يعلمون أن الوسم أحياناً لا يأتي به ولا قطرة ماء. ومثل ذلك ما نسمع في بعض الصحف المنحرفة التي تريد لهذه الأمة أن تعود إلى الجاهلية الأولى من قولهم: إذا ولد فلان في نوء كذا أو في برج كذا فله السعادة، وإن ولد في نوء كذا أو في برج كذا فله الشقاء وما أشبه ذلك، كل هذا حرام ولا يجوز أن يصدق، والصحف المشتملة على مثل هذا يجب أن تهجر وألا تشترى، وأن يحذر منها، وأن يعلم أن هؤلاء إنما يأتون بهذه الصحف ليكسبوا بها مالاً ويفسدوا بها ديناً -والعياذ بالله- وإلا فنحن نجد الرجلين يولدان في برج واحد وفي نجم واحد وفي يوم واحد، بل وربما في ساعة واحدة يختلف أحدهما عن الآخر اختلافاً عظيماً في كل أمور الحياة وكل أمور الدين، ولا علاقة لحوادث الأرض بأحوال السماء، لا علاقة بينهما إطلاقاً، ويكفيك قول الرسول ﵊: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته) وقوله فيمن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا (إنه كافر بالله مؤمن بالكوكب) . أعود إلى موضوع السؤال: أنعم الله علينا -والحمد لله- بنعم كثيرة في هذا الأسبوع بالنسبة للمطر، كثرت الأمطار، وكثرت الغدران، وكثرت الوديان، وكان بعض الناس يتهاون في الأمور، فتجده يدخل الماء في الشعيب ولا يبالي، ولا يدري أن الماء إذا صار قوياً لم يستطع الإنسان أن يتخلص منه مهما بلغت من قوة؛ لأنه يدفعه بغير اختياره، وهو إذا غاص في الماء وانخنق ودفع نفسه بقوة إلى فوق سيثقل وزنه؛ لأن قوته تضعف وبطنه يمتلأ ماءً، وفي النهاية يموت، وحينئذٍ يكون عاصياً لله ؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] ويقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ [البقرة:١٩٥] . ولولا أننا نعتقد أن هذا الرجل حينما تجاوز الوادي وهو يمشي أو دخل في الغدير، لولا أنه يعتقد أنه سينجو لقلنا: إنه قاتل نفسه، وأي إنسان يقتل نفسه بشيء فإنه يعذب به في جهنم -والعياذ بالله- خالداً مخلداً نسأل الله العافية، لكن هؤلاء يخاطرون ويظنون أنهم سينجون ولكنهم لا ينجون. أما بالنسبة للصغار فالواجب أن يبتعدوا عن هذه الأماكن بعداً ساحقاً ولا يكونون حولها، يكفيه أن يخرج هو وأهله وينظر إلى الشعيب، يقفون جميعاً خمس دقائق أو عشر دقائق ثم ينصرف إلى موضع آخر؛ لأنه لا بد من الغفلة، فإنه: لو نزل على شفا الوادي فلا بد من غفلة من الكبار، الإنسان لا يجعل عينه في أولاده دائماً، لا بد أن يغفل. ثم إنه يجب ألا يخفى علينا جميعاً أن الأرض تطوى للصغار، فالصغير بينما هو عندك ما تمر لحظات إلا وهو بعيد عنك سبحان الله! يعني: يذهب بسرعة، تعجبت كيف مشى هذا المشي! فلذلك ننصح إخواننا فنقول: لا تنزلوا حول الأودية ولا حول الغدران، ولا في النقر -نقر النفود- إذا صارت متقاربة وصغيرة؛ لأن الصبي قد يرقى النفود وينزل في هذه النقرة ولا يفطنون له ويضيع، والأولاد أمانة في أعناقنا يجب علينا أن نحافظ عليهم محافظةً تامة؛ لأن الولد الذي لا يميز كالبهيمة سواء، بل يمكن أن البهيمة أحسن منه، فالبهيمة لو ذهبت يمكن أن ترجع إلى أهلها لكن هو لا يرجع.

стр. 1432

حكم الصلاة في الملعب إذا كان المسجد بعيداً السؤال فضيلة الشيخ نحن مجموعة من الشباب نجتمع في مكان للتسلية ولعب الكرة، ثم يؤذن المسجد ونسمع النداء، فهل يجوز لنا الصلاة جماعة في مكاننا أم ماذا نفعل؟ أرشدنا جزاك الله خيراً. الجواب أولاً قبل أن نتكلم عن جواب السؤال نقول: اللعب بالكرة رأيي أن لا بأس به أحياناً، بشرط ألا يكون اللباس قصيراً، أعني: لا بد أن يكون اللباس ساتراً ما بين الركبة والسرة، لا بد من هذا، ولا يجوز أن يكون قصيراً بحيث يبدو شيء من الفخذ لا لأن الفخذ عورة ولكن لأن الشباب فتنة، أمرهم صعب، فيجب أن تكون الألبسة ساترة، وأدنى ما يمكن أن يرخص فيه فيما أرى أن ما بين السرة والركبة يجب أن يستر والباقي لا بأس. ثانياً: ألا يلهي عن واجب، فإن ألهى عن واجب كترك الجماعة - مثلاً - كان حراماً؛ لأن الله تعالى أحل البيع في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] وحرم البيع بعد نداء الجمعة الثاني لئلا يصد عن ذكر الله فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] هذا البيع حلال بنص القرآن، ومع ذلك إذا ألهى عن الواجب صار واجب الاجتناب بنص القرآن. الكرة من الأشياء المباحة؛ لأننا لا نرى فيها منعاً من جهة الشرع، لكن إذا كانت تلهي عن واجب صارت حراماً؛ لأنها تلهي عن واجب. الشرط الثالث: ألا يحصل فيها ما يكون نابياً من الأقوال أو الأفعال، فأما من الأقوال فمثل: أن يسب بعضهم بعضاً، أو يسخر بعضهم من بعض، أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي قد لا نعرفها لكنها إذا اشتملت على محرم فهي حرام. ومن الأفعال النابية: أن اللاعب منهم إذا غلب قاموا يتراكضون عليه ويصعدون على كتفه، وما أشبه ذلك من الأفعال التي لا تليق بالإنسان، والمسلم لا ينبغي له أن يصل إلى هذا الحد. أما بالنسبة للجواب عن السؤال: فإذا كانوا يسمعون الأذان لولا مكبر الصوت بمعنى: أنهم يكونون قريباً من المسجد فإنه يجب عليهم أن يصلوا في المسجد، أما إذا كانوا بعيداً ولولا مكبر الصوت لما سمعوه فلا بأس أن يصلوا جميعاً في مكانهم، لكن عليهم أن يبادروا بصلاة الظهر، وصلاة العصر، والمغرب، أما صلاة العشاء فالأفضل أن يؤخروها إلى ثلث الليل.

стр. 1433

حكم استخدام الأدوية التي تخفف الشهوة السؤال فضيلة الشيخ ما حكم استخدام الأدوية التي تخفف من تأجج الشهوة؛ علماً أنها تكثر عند العزاب غير القادرين على الزواج؟ الجواب هذا يرجع إلى استشارة الطبيب، إذا كان استعمال ما يفتر الشهوة لا يضر الإنسان في المستقبل فلا بأس، وإن كان يضره فإنه يمنع؛ لأن كل شيء يضر الإنسان فإنه ممنوع، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) والإنسان محتاج إلى هذه الطاقة في المستقبل، الإنسان سيتزوج فيحتاج إليها، ويحب أن تبقى معه مخزونة حتى يأتي الوقت الذي ييسر الله له زوجة وتسهل أمره. ثم إن الرسول ﵊ أرشد الشباب إلى شيء فقال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) .

стр. 1434

الحل لمسألة التأخر عن صلاة الفجر السؤال تقول: أنا امرأة متزوجة وموظفة في نفس الوقت ولدي أطفال، وأعاني - يا فضيلة الشيخ - من تأخري في صلاة الفجر أحياناً بسبب وأحياناً بدون سبب، أرجو يا فضيلة الشيخ نصحي، وادع الله لي فإني أحبك في الله. الجواب أقول: أسأل الله تعالى أن يعيننا وإياها على ذكره وشكره وحسن عبادته. أما بالنسبة لثقل الصلاة عليها فأظن أن من أكبر الأسباب التأخر في النوم؛ لأن الإنسان يحتاج إلى نوم يستريح به، ولهذا كان النبي ﵊ يكره النوم قبل العشاء والحديث بعد العشاء، فهي لو أنها تقدمت في النوم وجعلت الشغل إن كان لها شغل إما مراجعة تحضير أو ما أشبه ذلك تجعله في آخر الليل، تقوم تتهجد ما شاء الله أن تتهجد ثم تراجع ما تجب مراجعته؛ لأن القيام بالواجب المدرسي أمر لا بد منه.

стр. 1435

حكم ركوب المرأة مع السائق مع وجود الأطفال السؤال ما حكم ركوب المرأة مع السائق بصحبة أطفالها وأعمارهم ما بين خمس وست إلى سبع سنوات؟ الجواب أرى أن هذا يختلف، فبعض السائقين مأمون لا يمكن أن يتكلم مع المرأة فضلاً عن أن يمازحها أو يضاحكها، فهذا ربما نقول: إن الذي بلغ من الأطفال إلى هذا السن تزول به الخلوة، لكن متى يحصل هذا السائق؟ والذي أفتي به المنع إلا أن يكون معها رجل بالغ أو معه امرأة من محارمه.

стр. 1436

حكم إدخال الدش إلى المنزل لإرضاء الأبناء السؤال امرأة عندها ولدان يذهبان إلى أصدقائهم لينظروا إلى الدش ويجلسان إلى الساعة الثالثة ليلاً، وهي تخاف أن تجلس في البيت وحدها، فهل يجوز لها أن تشتري لهم دشاً ليجلسوا في البيت؛ لأنهم يقولون لها: إذا اشتريت لنا ذلك جلسنا في البيت، وهي تخاف عليهم من الانحراف والحوادث؟ أجبنا وفقك الله. الجواب والله ما عندي جواب على هذا؛ لأن الدش نار تلظى، فهل يسوغ لي أن أفتيها بأن تحضر الدش لتفتتن هي وأولادها؟! هذا صعب عليَّ، وكونهم يذهبون إلى آخرين عندهم الدش تناصحهم وتبين لهم خطورته على دينهم وعلى أفكارهم، لكني لا أستطيع أن أقول بجواز اقتناء الدش؛ لأنه لو صح نصف ما أسمع عنه لكان كافياً للجزم بتحريم اقتنائه، لكن تسأل الله تعالى في آخر الليل أن الله يصلح لها الأولاد، والله قريب مجيب جل وعلا، وتناصحهم، ولا بأس أن تأتي بالتليفزيون ولكن تشترط عليهم ألا يكون إلا في الأمور النافعة كمشاهدة الحرمين في الصلاة والأخبار والعوالم الأرضية في كل مكان، ونسأل الله أن يعينها على تربيتهم.

стр. 1437

حكم بقاء الزوجة مع الزوج الذي لا يصلي السؤال هذه امرأة تقول: زوجي يتهاون بالصلاة مع الجماعة، وصلاته في البيت على غير وقتها إما أنه نائم أو يتشاغل بشيء غير مفيد، وأنا لم أتركه، أذكره في كل وقت لدرجة أنه يحصل بيني وبينه خلاف بسبب ذلك، ويقول: سوف يحاسبني الله على ذلك ولست أنت التي تحاسبينني، وفي بيتنا دش وأنا غير راضية ولا أجلس عنده، بل يجلس زوجي عنده ويتركني ويقضي وقته عند الدش، حتى النوم ينام عنده ولا يحضر لفراشه ولا يعطيني حقي كزوجة إلا أحياناً بعد ثلاثة أشهر أو أكثر، مع العلم أنه بصحة جيدة وشاب. الجواب أسأل الله له الهداية، وأن يعصمه من الشر، وأن يعينه على الخير والطاعة، عليها أن تسأل الله له الهداية وتكثر من ذلك، وهي في حل من إثمه ما دامت تنصحه أحياناً، فإن اهتدى فله ولها وإن لم يهتد فلها عليه إلا إذا ترك الصلاة بالكلية فإنه لا يجوز أن تبقى معه طرفة عين؛ لأنه إذا ترك الصلاة بالكلية صار كافراً مرتداً -والعياذ بالله- والكافر المرتد لا يحل له أن يجامع المرأة المسلمة بنكاح؛ لأنه وإن كان قد تزوجها بعقد صحيح قبل ألا يصلي، لكن إذا ارتد وصار لا يصلي وجب التفريق بينهما. وأنا لا أتكلم في هذه المسألة عن الشخص المسئول عنه الآن؛ لأنها لم تذكر أنه لم يصل، بل ظاهر حاله أنه يصلي لكنه متهاون، فنقول: لتحرص على سؤال الله له بالهداية، وإن اهتدى فذلك المطلوب، وإن لم يهتد فليس عليها من إثمه شيء.

стр. 1438

الكافل كفالة غرامية كالأصيل السؤال رجل كفل آخر بقرض زراعي، وبعد زمن رفض المكفول السداد، فطولب الكافل فسدد بعض الأقساط، ثم توفي والحال كذلك، والمكفول ما زال رافضاً والنظام الملزم كافله، فهل يجب على ورثته سداد هذه الأقساط؟ وهل يخرج من إرثه؟ أفتنا جزاك الله خيراً. الجواب أما المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ فإن الضامن أو الكافل كفالة غرامية كالأصيل، بمعنى: أنه إن أوفى المكفول حصل المقصود؛ وإن لم يوف فالكفيل مطالب بالدين في حياته وبعد مماته، وعلى هذا فإذا كان الكفيل عنده تركة ومات فإنه يوفى الدين من تركته، ويطالب الورثة المكفول بما غرموا من تركة الميت. وأنا قلت هذا لئلا يتسارع الناس في الكفالة؛ لأن بعض الناس يتسارع في الكفالة فتجده يكفل الشخص وهو لا يعرف عنه أو في هو أم لا، وهو يماطل أو لا، وأنت يا أخي في عافية، لا تكفله إلا لضرورة قصوى يحتاج معها إلى الكفالة، أما مجرد أن تكفله بدين يأخذه ويتنعم به تنعماً لا داعي له؛ فهذا ليس من البصيرة في شيء، وليس من الرشد في شيء، فانتبهوا لهذه القضية، وكم من سؤال يرد علينا حول هذا الموضوع يكون الكفيل قد كفل كفالة غرامية ثم إن المكفول لا يهتم بالدين، ويماطل فيؤذي الكفيل. وأما مسألة السداد من الإرث فالمشهور من المذهب كما قلنا سابقاً: أن الكفيل مطالب كمطالبة الأصيل، بمعنى: أنه يوفى حتى من تركته إن خلف تركة، ويقدم وفاؤه على وصيته - أيضاً - يعني: لو فرضنا أن رجلاً كفل إنساناً بعشرة آلاف وهلك، وأوصى بالثلث، ولم يجد في تركته إلا عشرة آلاف ماذا نصنع؟ نؤدي العشرة إلى صاحب الدين ونبطل الوصية، ونبطل الإرث حتى يستوفي الورثة عشرة آلاف من المكفول، وحينئذ نمضي الوصية ويستحقون الميراث.

стр. 1439

اللقاء الشهري [٥٢] هذا اللقاء هو عبارة عن توجيهات رمضانية تكلم عنها الشيخ -عليه رحمة الله- ومن هذه التوجيهات رسالة إلى المدخنين، مبيناً فيها كيف أنهم يستطيعون ترك الدخان في هذا الشهر وإلى الأبد، وحث الناس على اغتنام شهر رمضان المبارك بكثرة الأعمال الصالحة فيه، وكذلك تحدّث عن مسائل مهمة تحدُث غالباً في شهر رمضان موضحاً الحكم فيها.

стр. 1440

توجيهات رمضانية الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الشهري الذي يتم في ليلة الأحد الثالث من كل شهر، وهذه الليلة ليلة إحدى وعشرين من شهر شعبان عام ثمانية عشر وثمانمائة وألف، وهي أطول ليلة في السنة، ولهذا بعد يومين سيكر النهار على الليل ويأخذ من الليل ما أخذه منه، وهذا دليل على حكمة الله تعالى وقدرته، فهذه الشمس التي يختلف بها الليل والنهار تارة تكون في أقصى الجنوب وتارة تكون في أقصى الشمال، والذي يسيرها ويدبرها ويجريها إلى أجل مسمى هو خالقها ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص:٧١] ما الجواب؟ لا أحد يأتينا بضياء إذا جعل الله الليل سرمداً إلى يوم القيامة ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص:٧٢] ؟ الجواب لا أحد ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص:٧٢-٧٣] أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص:٧٣] أي: في النهار ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٣] نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر نعمته وحسن عبادته. نحن الآن في استقبال شهر رمضان، نسأل الله ﵎ أن يفيض علينا وعليكم من بركاته، وأن يجعلنا وإياكم ممن يصومه ويقومه إيماناً واحتساباً، ولكن كيف نستقبل هذا الشهر المبارك؟ إنه شهر لا نظير له في شهور السنة، إنه شهر خصه الله بخصائص لا توجد في غيره من شهور السنة، فهو الشهر الذي فرض الله صيامه، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام، وهو الشهر الذي أنزل الله فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، وهو الشهر الذي فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهو الشهر الذي أعز الله فيه هذه الأمة في بدر حيث كانت الغلبة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، وهو الشهر الذي فتحت به أم القرى وأنقذها الله تعالى من الشرك والمشركين، ففي هذا الشهر فضائل سابقة وفضائل لاحقة. ينبغي لنا أن نستقبل هذا الشهر بكل انشراح، وبكل سرور، وبكل عزم، وبكل نشاط على الأعمال الصالحة حتى نغتنم الفرصة، فكم من إنسان تمنى أن يدرك هذا الشهر ولم يدركه، وكم من إنسان أدرك هذا الشهر وفات عليه -خسره- ولم يعمل فيه شيئاً؛ لذلك أحث نفسي وإياكم على أن نستقبل هذا الشهر بالأعمال الصالحة المقربة إلى الله ، وأعظم ما فيه من الأعمال الصالحة الصيام؛ لأنه فرض، وركن من أركان الإسلام، ولكن هل الصيام أن نصوم عن الأكل والشرب والأهل؟ لا. هذا صيام ظاهري حسي، لكن الصيام المعنوي الحقيقي هو: أن يصوم الإنسان عما حرم الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] لم يقل: لعلكم تجوعون، لعلكم تعطشون، لعلكم تتشوقون للأهل، قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] . وبين النبي ﷺ هذا بقوله: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) إن الله تعالى لم يفرض علينا صيامه ليعذبنا به جوعاً وعطشاً وإمساكاً عن الأهل، إنما أراد منا أن ندع قول الزور والعمل به والجهل، فما قول الزور؟ قول الزور: كل قول محرم فهو قول زور، سواء شهادة زور، أو غيبة، أو نميمة، أو كذب، أو غير ذلك، كل قول محرم فهو قول زور؛ لأنه مأخوذ من الازورار وهو: الانحراف. والعمل به -أي بالزور- ويراد به كل عمل محرم، كالنظر في النساء، والنظر في الكتب البدعية، والنظر إلى الأفلام السيئة وغير ذلك. والجهل: العدوان على الناس، وليس ضد العلم؛ لأن الجهل هنا يراد به العدوان كما في قول الشاعر الجاهلي: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا معنى لا يجهلن أحد علينا أي: لا يعتد ويبغ علينا، فإن بغى علينا صرنا أشد منه. ولا شك أن مؤمناً يمر به شهر كامل يتأدب بآدابه؛ لا شك أنه سيتغير مسيره، سيرجع إلى الله بعد الهرب منه، وسيرجع إلى الطاعة بعد المعصية، وستتهذب أخلاقه؛ لأن شهراً كاملاً يعتكف فيه الإنسان على ما يرضي الله لا بد أن يؤثر فيه مهما كان.
следующие страницы →