← Фикх общий

Фикх общий · id 7686

اللقاء الشهري

ابن عثيمين

Полный текст (2 259 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

حكم إدخال الدش إلى المنزل لإرضاء الأبناء السؤال امرأة عندها ولدان يذهبان إلى أصدقائهم لينظروا إلى الدش ويجلسان إلى الساعة الثالثة ليلاً، وهي تخاف أن تجلس في البيت وحدها، فهل يجوز لها أن تشتري لهم دشاً ليجلسوا في البيت؛ لأنهم يقولون لها: إذا اشتريت لنا ذلك جلسنا في البيت، وهي تخاف عليهم من الانحراف والحوادث؟ أجبنا وفقك الله. الجواب والله ما عندي جواب على هذا؛ لأن الدش نار تلظى، فهل يسوغ لي أن أفتيها بأن تحضر الدش لتفتتن هي وأولادها؟! هذا صعب عليَّ، وكونهم يذهبون إلى آخرين عندهم الدش تناصحهم وتبين لهم خطورته على دينهم وعلى أفكارهم، لكني لا أستطيع أن أقول بجواز اقتناء الدش؛ لأنه لو صح نصف ما أسمع عنه لكان كافياً للجزم بتحريم اقتنائه، لكن تسأل الله تعالى في آخر الليل أن الله يصلح لها الأولاد، والله قريب مجيب جل وعلا، وتناصحهم، ولا بأس أن تأتي بالتليفزيون ولكن تشترط عليهم ألا يكون إلا في الأمور النافعة كمشاهدة الحرمين في الصلاة والأخبار والعوالم الأرضية في كل مكان، ونسأل الله أن يعينها على تربيتهم.

стр. 1437

حكم بقاء الزوجة مع الزوج الذي لا يصلي السؤال هذه امرأة تقول: زوجي يتهاون بالصلاة مع الجماعة، وصلاته في البيت على غير وقتها إما أنه نائم أو يتشاغل بشيء غير مفيد، وأنا لم أتركه، أذكره في كل وقت لدرجة أنه يحصل بيني وبينه خلاف بسبب ذلك، ويقول: سوف يحاسبني الله على ذلك ولست أنت التي تحاسبينني، وفي بيتنا دش وأنا غير راضية ولا أجلس عنده، بل يجلس زوجي عنده ويتركني ويقضي وقته عند الدش، حتى النوم ينام عنده ولا يحضر لفراشه ولا يعطيني حقي كزوجة إلا أحياناً بعد ثلاثة أشهر أو أكثر، مع العلم أنه بصحة جيدة وشاب. الجواب أسأل الله له الهداية، وأن يعصمه من الشر، وأن يعينه على الخير والطاعة، عليها أن تسأل الله له الهداية وتكثر من ذلك، وهي في حل من إثمه ما دامت تنصحه أحياناً، فإن اهتدى فله ولها وإن لم يهتد فلها عليه إلا إذا ترك الصلاة بالكلية فإنه لا يجوز أن تبقى معه طرفة عين؛ لأنه إذا ترك الصلاة بالكلية صار كافراً مرتداً -والعياذ بالله- والكافر المرتد لا يحل له أن يجامع المرأة المسلمة بنكاح؛ لأنه وإن كان قد تزوجها بعقد صحيح قبل ألا يصلي، لكن إذا ارتد وصار لا يصلي وجب التفريق بينهما. وأنا لا أتكلم في هذه المسألة عن الشخص المسئول عنه الآن؛ لأنها لم تذكر أنه لم يصل، بل ظاهر حاله أنه يصلي لكنه متهاون، فنقول: لتحرص على سؤال الله له بالهداية، وإن اهتدى فذلك المطلوب، وإن لم يهتد فليس عليها من إثمه شيء.

стр. 1438

الكافل كفالة غرامية كالأصيل السؤال رجل كفل آخر بقرض زراعي، وبعد زمن رفض المكفول السداد، فطولب الكافل فسدد بعض الأقساط، ثم توفي والحال كذلك، والمكفول ما زال رافضاً والنظام الملزم كافله، فهل يجب على ورثته سداد هذه الأقساط؟ وهل يخرج من إرثه؟ أفتنا جزاك الله خيراً. الجواب أما المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ فإن الضامن أو الكافل كفالة غرامية كالأصيل، بمعنى: أنه إن أوفى المكفول حصل المقصود؛ وإن لم يوف فالكفيل مطالب بالدين في حياته وبعد مماته، وعلى هذا فإذا كان الكفيل عنده تركة ومات فإنه يوفى الدين من تركته، ويطالب الورثة المكفول بما غرموا من تركة الميت. وأنا قلت هذا لئلا يتسارع الناس في الكفالة؛ لأن بعض الناس يتسارع في الكفالة فتجده يكفل الشخص وهو لا يعرف عنه أو في هو أم لا، وهو يماطل أو لا، وأنت يا أخي في عافية، لا تكفله إلا لضرورة قصوى يحتاج معها إلى الكفالة، أما مجرد أن تكفله بدين يأخذه ويتنعم به تنعماً لا داعي له؛ فهذا ليس من البصيرة في شيء، وليس من الرشد في شيء، فانتبهوا لهذه القضية، وكم من سؤال يرد علينا حول هذا الموضوع يكون الكفيل قد كفل كفالة غرامية ثم إن المكفول لا يهتم بالدين، ويماطل فيؤذي الكفيل. وأما مسألة السداد من الإرث فالمشهور من المذهب كما قلنا سابقاً: أن الكفيل مطالب كمطالبة الأصيل، بمعنى: أنه يوفى حتى من تركته إن خلف تركة، ويقدم وفاؤه على وصيته - أيضاً - يعني: لو فرضنا أن رجلاً كفل إنساناً بعشرة آلاف وهلك، وأوصى بالثلث، ولم يجد في تركته إلا عشرة آلاف ماذا نصنع؟ نؤدي العشرة إلى صاحب الدين ونبطل الوصية، ونبطل الإرث حتى يستوفي الورثة عشرة آلاف من المكفول، وحينئذ نمضي الوصية ويستحقون الميراث.

стр. 1439

اللقاء الشهري [٥٢] هذا اللقاء هو عبارة عن توجيهات رمضانية تكلم عنها الشيخ -عليه رحمة الله- ومن هذه التوجيهات رسالة إلى المدخنين، مبيناً فيها كيف أنهم يستطيعون ترك الدخان في هذا الشهر وإلى الأبد، وحث الناس على اغتنام شهر رمضان المبارك بكثرة الأعمال الصالحة فيه، وكذلك تحدّث عن مسائل مهمة تحدُث غالباً في شهر رمضان موضحاً الحكم فيها.

стр. 1440

توجيهات رمضانية الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الشهري الذي يتم في ليلة الأحد الثالث من كل شهر، وهذه الليلة ليلة إحدى وعشرين من شهر شعبان عام ثمانية عشر وثمانمائة وألف، وهي أطول ليلة في السنة، ولهذا بعد يومين سيكر النهار على الليل ويأخذ من الليل ما أخذه منه، وهذا دليل على حكمة الله تعالى وقدرته، فهذه الشمس التي يختلف بها الليل والنهار تارة تكون في أقصى الجنوب وتارة تكون في أقصى الشمال، والذي يسيرها ويدبرها ويجريها إلى أجل مسمى هو خالقها ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص:٧١] ما الجواب؟ لا أحد يأتينا بضياء إذا جعل الله الليل سرمداً إلى يوم القيامة ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص:٧٢] ؟ الجواب لا أحد ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص:٧٢-٧٣] أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص:٧٣] أي: في النهار ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٣] نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر نعمته وحسن عبادته. نحن الآن في استقبال شهر رمضان، نسأل الله ﵎ أن يفيض علينا وعليكم من بركاته، وأن يجعلنا وإياكم ممن يصومه ويقومه إيماناً واحتساباً، ولكن كيف نستقبل هذا الشهر المبارك؟ إنه شهر لا نظير له في شهور السنة، إنه شهر خصه الله بخصائص لا توجد في غيره من شهور السنة، فهو الشهر الذي فرض الله صيامه، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام، وهو الشهر الذي أنزل الله فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، وهو الشهر الذي فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهو الشهر الذي أعز الله فيه هذه الأمة في بدر حيث كانت الغلبة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، وهو الشهر الذي فتحت به أم القرى وأنقذها الله تعالى من الشرك والمشركين، ففي هذا الشهر فضائل سابقة وفضائل لاحقة. ينبغي لنا أن نستقبل هذا الشهر بكل انشراح، وبكل سرور، وبكل عزم، وبكل نشاط على الأعمال الصالحة حتى نغتنم الفرصة، فكم من إنسان تمنى أن يدرك هذا الشهر ولم يدركه، وكم من إنسان أدرك هذا الشهر وفات عليه -خسره- ولم يعمل فيه شيئاً؛ لذلك أحث نفسي وإياكم على أن نستقبل هذا الشهر بالأعمال الصالحة المقربة إلى الله ، وأعظم ما فيه من الأعمال الصالحة الصيام؛ لأنه فرض، وركن من أركان الإسلام، ولكن هل الصيام أن نصوم عن الأكل والشرب والأهل؟ لا. هذا صيام ظاهري حسي، لكن الصيام المعنوي الحقيقي هو: أن يصوم الإنسان عما حرم الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] لم يقل: لعلكم تجوعون، لعلكم تعطشون، لعلكم تتشوقون للأهل، قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] . وبين النبي ﷺ هذا بقوله: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) إن الله تعالى لم يفرض علينا صيامه ليعذبنا به جوعاً وعطشاً وإمساكاً عن الأهل، إنما أراد منا أن ندع قول الزور والعمل به والجهل، فما قول الزور؟ قول الزور: كل قول محرم فهو قول زور، سواء شهادة زور، أو غيبة، أو نميمة، أو كذب، أو غير ذلك، كل قول محرم فهو قول زور؛ لأنه مأخوذ من الازورار وهو: الانحراف. والعمل به -أي بالزور- ويراد به كل عمل محرم، كالنظر في النساء، والنظر في الكتب البدعية، والنظر إلى الأفلام السيئة وغير ذلك. والجهل: العدوان على الناس، وليس ضد العلم؛ لأن الجهل هنا يراد به العدوان كما في قول الشاعر الجاهلي: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا معنى لا يجهلن أحد علينا أي: لا يعتد ويبغ علينا، فإن بغى علينا صرنا أشد منه. ولا شك أن مؤمناً يمر به شهر كامل يتأدب بآدابه؛ لا شك أنه سيتغير مسيره، سيرجع إلى الله بعد الهرب منه، وسيرجع إلى الطاعة بعد المعصية، وستتهذب أخلاقه؛ لأن شهراً كاملاً يعتكف فيه الإنسان على ما يرضي الله لا بد أن يؤثر فيه مهما كان.

стр. 1441

رسالة إلى المدخنين وإنني بهذه المناسبة أزجي رسالة إلى الذين ابتلاهم الله بشرب الدخان: شرب الدخان حرام، وقد تبين للعلماء كثيراً الآن أنه حرام، وأن الشارب عاص لله ورسوله، وأنه إذا أصر على شربه انتقل من دائرة العدالة إلى دائرة الفسوق، فيكون فاسقاً، وشهر رمضان ميدان فسيح لمن أراد الله هدايته؛ فأمسك عن الدخان؛ لأنه سيمر به اليوم كاملاً وهو لا يدخن، فليتحمل وليصبر ليلته ثم يأتي اليوم الثاني، وبعد مضي أسبوع تتغير الأحوال، قد يكون في أول الأسبوع يشق عليه هذا كثيراً؛ لكن فيما تتبعنا وسبرنا وجدنا أن الأمور التي يريد الله أن تتغير تتغير في أسبوع، ولهذا كانت العقيقة -الذبيحة عن الولد- في اليوم السابع، يمر به الأسبوع، وهذا يطور الشيء، كثير من المرضى يحسون بالمرض ويصبرون عليه، وبعد أسبوع تتغير الحال إما إلى أسوء وإما إلى أصح. فأقول: إن هؤلاء الذين ابتلوا بشرب الدخان سيجدون في أول الأسبوع مشقةً عظيمة شديدة، لكن عليهم أن يتحملوا ويصبروا؛ لأنه وإن كان الثمن باهظاً فالسلعة غالية، الثمن باهظ سيتكلفون ويشق عليهم، لكن السلعة غالية، وهي أن يعصمهم الله من هذا الدخان الخبيث، وإذا مضى أسبوع تتغير الأحوال، والأسبوع الثاني تتطور إلى أحسن، وهلم جرا، فلا يخرج هذا الشهر المبارك إلا وقد عصم الله تعالى من شاء من عباده من شرب هذا الدخان الخبيث، لكن يبقى عليه أن يتعاهد هذه العصمة بحيث يبتعد عن الذين يشربونه حتى لا ينتكس بعد الاستقامة.

стр. 1442

الحث على اغتنام شهر رمضان إنني أحث نفسي وإياكم على اغتنام الفرصة في هذا الشهر المبارك، ولقد جرت العادة لكثير من الناس أن يسافروا إلى مكة لأداء العمرة وللمكث فيها ما شاء الله، ثم منهم من يرجع ومنهم من يكمل الشهر، ولا حرج في هذا، ولكن إذا كان الإنسان إذا ذهب إلى مكة يضيع الواجبات عليه فإنه يكون بذلك آثماً، لو فرضنا أنه ذهب إلى مكة وترك وظيفته، إن كان مؤذناً ترك الأذان، وإن كان إماماً ترك الإمامة، وربما ينيب عنه من لا يرضاه أهل المسجد، أو من لا ترضاه إدارة الأوقاف أو ما أشبه ذلك، يكون هذا الإنسان كالذي هدم مصراً وعمر قصراً، وبإمكانه إذا كان يحب أن يعتمر في رمضان أن يذهب في خلال ثلاثة أيام ويرجع، وإذا كان في الطائرة في خلال يوم واحد. كذلك -أيضاً- بعض الناس يذهب إلى مكة ويبقى كل الوقت هناك ويضيع أهله وأولاده، يسفهون ويتسكعون في الأسواق ليلاً ونهاراً، ويضيعون الواجب؛ لأن بعض الناس في رمضان يحيون الليل وينامون النهار، ويتركون الصلاة مع الجماعة؛ فيضيعهم وهو مسئول عنهم، فيكون هذا الرجل فعل مستحباً وترك واجباً، وكل إنسان عاقل لا يمكن أن يفضل المستحب على الواجب. وشر من ذلك من يذهب بعائلته إلى مكة ويدع العائلة الشباب والشابات يتسكعون في مكة، ويسفهون مع من يسفه ولا يبالي، تجده في المسجد الحرام يمكن في أول صف ويرى أنه حصل على أجر كثير وخير عميم، ولم يدر المسكين أنه بإضاعته أهله على إثم كبير؛ لذلك يجب علينا -يا إخواني- إذا أردنا عبادة أن نستشير أطباء العبادة، فمنهم أطباء العبادة؟ العلماء، فنستشير العلماء: هل هذا خير أو غير خير؟ هل هو شر أو خير؟ وأما أن يتعبد الإنسان لربه بعاطفته فهذا خطأ عظيم، قال الله : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ [المؤمنون:٧١] أي: بالقرآن الذي فيه تذكرهم ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٧١] .

стр. 1443

بحوث في الصيام ينبغي إلالمام بها في الصيام بحوث ينبغي أن نلم بها:

стр. 1444

حكم تعليق النية في الصوم البحث الأول: رجل نام -أو امرأة- نام ليلة الثلاثين من شعبان قبل أن يثبت الشهر فقال بقلبه: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، ولم يقم إلا بعد طلوع الفجر، وإذا الناس قد صاموا، فهل يجزئه صوم ذلك اليوم أو لا؟ الجواب يجزئه؛ لأنه نوى شيئاً محتملاً، يعني: ليلة الثلاثين من شعبان يمكن أن تكون هي أول يوم من رمضان، أليس كذلك؟ وقد استثنى: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم فصار غداً من رمضان، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) هذا الرجل له ما نوى أو لا؟ نعم. له ما نوى، وقد نوى إن كان غداً من رمضان فهو صائم. فإذا قال إنسان: هذا شرط في العبادة، والشرط في العبادة ليس بصحيح، فلابد من الجزم بالعبادة. قلنا: بل الشرط في العبادة صحيح، الدليل: أن ضباعة بنت الزبير أرادت الحج فأتت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقالت: (يا رسول الله! إني أريد الحج وأنا شاكية -أي: مريضة- فقال لها: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني، فإن لك على ربك ما استثنيت) الله أكبر! حجي واشترطي، ما دمت مريضة تخشين ألا تكملين النسك فاشترطي، قولي: (إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ثم قال: إن لك على ربك ما استثنيت) .

стр. 1445

حكم من أكل وشرب ظاناً بقاء الليل أو دخوله ثم تبين خطؤه ثانياً: رجل قام في ليلة من ليالي رمضان ونظر إلى الساعة فأخطأ في نظره وظن أنه في ليل فجعل يأكل ويشرب، وإذا بالإقامة تقام للصلاة فأمسك، من حين ما سمع الإقامة أمسك، لكن الإقامة أولَّها شك هل هي إقامة أو أذان؟ فلما قال: قد قامت الصلاة عرف أنها إقامة فأمسك، أيصح صومه؟ يصح صومه، نعم يصح صومه وإن كان قد أكل في النهار؛ لأنه أكل جاهلاً، لا يدري أنه في النهار، بل يظن أنه في ليل، فصومه صحيح. فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أن صومه صحيح؟ قلنا: لأنه أخذ برخصة الله، وقد قال الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [البقرة:١٨٧] إذاً هو أكل برخصة من الله؛ لأنه ما تبين له، فليس عليه قضاء وصيامه صحيح، والدليل هذه الآية: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] . أيضاً دليل آخر: قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ماذا قال الرب ؟ قال: قد فعلت. أي: لن أؤاخذكم إن نسيتم أو أخطأتم، وهذا الرجل مخطئ أو متعمد؟ مخطئ، فليس عليه شيء ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] هذا مخطئ وقد قال الله : قد فعلت فالحمد لله. أيضاً: رجل سمع المؤذن يؤذن للمغرب وهو صائم، سمع المؤذن يؤذن والدنيا مظلمة فأكل وشرب، ثم تبين أن المؤذن أخطأ، الساعة مقدمة والشمس لم تغرب، هل يلزمه القضاء أو لا يلزمه والصوم صحيح؟ الصوم صحيح يا إخواني، كيف يكون صحيحاً وقد تبين أنه أكل قبل أن تغرب الشمس؟ نقول: نعم. هذا الرجل هل هو متعمد أن يأكل قبل أن تغيب الشمس أو مخطئ؟ مخطئ، فإذا كان مخطئاً فهذا كلام الله : ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فقال الله: قد فعلت. وقال جل وعلا: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] الحمد لله، فهو كريم تكرم على العباد جل وعلا، أفلا يليق بنا أن نقبل كرمه؟ بلى والله، نقبل كرمه. ثم نقول: هذه المسألة بعينها وقعت في زمن البشير النذير محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قالت أسماء بنت أبي بكر ﵄: [أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم طلعت الشمس] أفطروا في يوم غيم بناءً أن الشمس غربت، ثم طلعت الشمس ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقضاء مع أنهم أكلوا قبل غروب الشمس، ولو كان القضاء واجباً عليهم لبلغهم الرسول ﷺ ذلك؛ لأنه إذا كان القضاء واجباً كان من شرع الله، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم مأمور أن يبلغ شرع الله، وإذا بلغه فلا بد أن ينقل إلينا؛ لأن الشرع إلى يوم القيامة، فلما لم ينقل إلينا أنهم قضوا يومه، علمنا أن الرسول لم يأمرهم بذلك وأن صيامهم صحيح.

стр. 1446

حكم من أكل أو شرب في نهار رمضان ناسياً رجل صائم نسي فشرب فنجاناً من القهوة، ثم ذكر بعدما شرب الفنجان، ماذا نقول له؟ صيامه صحيح أو عليه الإعادة؟ صيامه صحيح، الدليل: قول الله ﵎: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وهذه يا إخواني قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام: رفع الإثم والجناح عن كل مخطئ أو ناسي، والذي قالها الله ، ما قالها فلان وفلان حتى نقول يمكن يخطئ، قالها الرب : ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . إذاً ليس عليه القضاء؟ نعم. فيه دليل خاص في الموضوع وهو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) الفعل ليس فعله في الواقع، لأنه ناسٍ، فكأنه لم يفعل، ولهذا قال: فإنما أطعمه الله وسقاه.

стр. 1447

حكم من جامع أهله في رمضان بعد أذان الفجر ظناً منه أنه لم يؤذن إنسان حديث عهد بالزواج، وأتى أهله في آخر الليل ظناً منه أن الليل باق، وإذا بالإقامة تقام فما تقولون؟ هل عليه شيء؟ الجواب لا. ما عليه شيء، لا إثم، ولا كفارة، ولا قضاء؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: النساء ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فالثلاثة كلها سواء: مباشرة النساء والأكل والشرب، ولا دليل على التفريق بينها، كلها من محظورات الصيام، وإذا وقعت على وجه الجهل أو النسيان فلا شيء. هذا الرجل الذي هو حديث عهد بعرس يقول: إنه يعلم أنه حرام، لكن لا يدري أن عليه هذه الكفارة المغلظة، ولو علم أن عليه هذه الكفارة المغلظة ما فعل -والكفارة هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت- وهو يعلم أنه حرام لكن لم يعلم أن عليه هذه الكفارة، ولو علم ما فعل، فهل نلزمه بالكفارة أو لا؟ الجواب: نعم. نلزمه بالكفارة، ولدينا على ذلك دليل وتعليل، الدليل: ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: (يا رسول الله! هلكت هلكت، قال: ما الذي أهلكك؟ قال: أتيت أهلي في رمضان وأنا صائم) الرجل يعلم أنه حرام ولهذا قال: إنه هلك، قال: (أتيت أهلي في رمضان وأنا صائم، قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اعتق رقبة، قال: لا أجد. قال: صم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع. قال: أطعم ستين مسكيناً، قال: لا أجد) كم الخصال الآن؟ الخصال ثلاث، عتق، فإن لم يجد فصيام، فإن لم يستطع فإطعام، لكن ما عنده شيء (فبينما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جالس إذ جيء إليه بزنبيل فيه تمر، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهذا الرجل: خذ هذا فتصدق به قال: يا رسول الله! أعلى أفقر منا؟ والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا) سبحان الله! رجل قد أتى خائفاً هالكاً وطمع هذا الطمع، قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أطعمه أهلك) فرجع إلى زوجته بتمر يكفيهم إلى ما شاء الله. فلم يعذره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بجهله في وجوب الكفارة؛ لأنه عالم. التعليل: هو أن هذا الذي يعلم التحريم قد انتهك حرمة الزمن وحرمة الصيام فلا عذر له؛ لأنه انتهك الحرمة.

стр. 1448

حكم من سافر في نهار رمضان صائماً ثم أراد أن يفطر رجل صام في بلده، ثم سافر في أثناء النهار، فهل يجوز له أن يفطر وقد صام ونوى الفرض، فهل يجوز أن يفطر أو لا؟ قال بعض أهل العلم: لا يجوز؛ لأنه لما تلبس بالفرض صار إتمامه واجباً، والقاعدة الفقهية: أن من دخل في فرض لزمه إتمامه. فلا يجوز أن يفطر. وقال بعض العلماء: بل يجوز أن يفطر، وهذا القول هو الصحيح، أن من سافر في أثناء اليوم وهو صائم فله أن يفطر سواء شق عليه الصيام أم لم يشق، الدليل: لأن التعليل الذي ذكره المانعون تعليل قوي، دخل في فرض ولا يمكن أن يخرج منه إلا لضرورة، لكن نقول لدينا دليل: وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفطر في السفر وكان صائماً. ولا شك أن لنا في رسول الله أسوة حسنة ﵊ فعليه: إذا سافر في أثناء اليوم وهو صائم فله أن يفطر ولا حرج عليه. لو قدرنا أن معه أهله هل يجامع أو لا؟ نعم يجامع؛ لأنه متى جاز الأكل والشرب جاز الجماع، هما قرينان في القرآن الكريم: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] ولذلك لو دخل وقت الصلاة وأنت في بلدك ثم سافرت قبل أن تصلي، فهل تصلي أربعاً أو ركعتين؟ تصلي ركعتين؛ لأنك الآن مسافر، فلو قال قائل: هذا وجبت عليه الصلاة أربعاً؛ لأنه أذن وهو في البلد، قلنا: نعم. وجبت عليه أربعاً؛ لكن الآن هو في سفر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] فيصلي ركعتين. كما لو أنه كان بالعكس، لو قدم من السفر وقد دخل عليه وقت الصلاة وهو في السفر ثم وصل بلده كم يصلي؟ يصلي أربعاً، العبرة بفعل الصلاة. لو سألنا سائل: الصائم الذي سافر للعمرة هل الأفضل أن يؤدي العمرة في النهار ولكنه لا يستطيع إلا أن يفطر ويتقوى على الأكل والشرب، أو الأفضل إذا وصل إلى مكة أن يبقى إلى آخر النهار فإذا أفطر وتقوى أتى بالعمرة؟ أيهما أفضل؟ الأول أفضل، نقول: أفطر وأد العمرة منذ أن تصل إلى مكة؛ لأن المعتمر لا ينبغي أن يقدم شيئاً على العمرة من حين أن يصل إلى مكة، حتى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ينيخ راحلته عند المسجد قبل أن يذهب إلى رحله ويؤدي العمرة، فنقول: هذا أفضل. هذا المثال الذي ذكرته الآن قد لا نحتاج إليه اليوم؛ لأن اليوم النهار بارد ويمكن للإنسان أن يأتي بعمرته من حين أن يصل بدون مشقة، لكن قبل سنوات كان الإنسان يشق عليه جداً أن يؤدي العمرة وهو صائم، والأمر والحمد لله واسع.

стр. 1449

التفصيل في مسألة ضرب الإبر في رمضان رجل احتاج إلى إبرة لأنه مريض، وقال الأطباء: لا بد من الإبرة وهو صائم، فهل يمكنهم من ذلك أو لا؟ الجواب يمكنهم من ذلك، ويضرب الإبرة سواء في العضلات أو في الوريد، وسواء وجد طعمها في حلقه أم لم يجد؛ لأن الإبرة ليست أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب، والأصل أن هذا الصيام صحيح ولا يحل لنا أن نبطل عبادة عباد الله إلا ببرهان من الله، رجل متلبس بعبادة الله نأتي ونقول: والله عبادتك فسدت؟! حرام علينا إلا بدليل (برهان واضح) . نعم. لو فرض أنه ضرب إبرة تغني عن الطعام والشراب ويتغذى عليها الإنسان فهذا نقول: إنه يفطر لكنه لا يحتاج إليها غالباً إلا لمرض ونقول: أفطر من أجل المرض، الأمر واسع -والحمد لله- ومن ذلك من يصابون بالفشل الكلوي يحتاجون إلى إبر تخرج الدم وينظف ثم يعود، هؤلاء نقول: أفطروا والأمر واسع، أفطروا وأجروا هذه العملية، وإن كان المرض مستمراً لا يرجى برؤه فأطعموا عن كل يوم مسكيناً، وإن كان يرجى برؤه فانتظروا حتى يعافيكم الله وتقضون لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] .

стр. 1450

قيام رمضان وننتقل الآن من الصيام إلى القيام، قيام رمضان مندوب إليه ولا ينبغي للإنسان أن يفرط فيه لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) والتراويح الآن تعتبر من قيام رمضان لا شك، فالذي ينبغي هو ألا نفرط فيه، وأن نبقى مع الإمام من صلاة العشاء إلى أن ينتهي؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قالوا له: (يا رسول الله! قم بنا بقية ليلتنا -نود أن نبقى إلى الفجر- قال: من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) اللهم لك الحمد، تقوم مع الإمام لمدة ساعة أو ساعة ونصف ويكتب لك قيام ليلة كاملة، فلا ينبغي للإنسان أن يفرط في هذه التراويح. بالنسبة للأئمة يجب عليهم أن يتقوا الله فيمن وراءهم، وأن يؤدوا الصلاة على وجه يطمئن الناس فيه، ويتمكنون من الدعاء في الركوع والسجود، والدعاء في السجود أوكد من الدعاء في الركوع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن -أي: حري- أن يستجاب لكم) فليعط المأمومين فرصة للدعاء والتسبيح والثناء على الله ، ولا يكن همه أن يخرج مبكراً؛ لأن بعض الأئمة يلاحظ هذا، يسرع في التراويح لأجل أن يخرج هو الأول، ولا يغره أن الناس يكثرون وراءه؛ لأن الناس يحبون العجلة، لا يغره هذا، ليكن أكبر همه أن يؤديها على الوجه المطلوب، هذا هو المهم. والتراويح اختلف فيها السلف، بعضهم يقول: ثلاثة وعشرون، وبعضهم يقول: إحدى عشرة، وبعضهم يقول: ثلاث عشرة، وبعضهم يقول: تسع عشرة، اختلفوا فيها على أقوال كثيرة، فمن أتى بوجه من الوجوه الواردة عن السلف فلا لوم عليه أبداً حتى لو أتى بثلاثة وعشرين فإنه لا لوم عليه، ولذلك نرى أن من الغلط ما يفعله بعض المجتهدين إذا صلوا وراء إمام يكمل ثلاثة وعشرين وصلوا معه عشر ركعات تركوه وانصرفوا، هؤلاء مساكين حرموا أنفسهم أنهم يقومون مع الإمام حتى ينصرف فضاعت عليهم الليلة، ثم خالفوا الجماعة ويد الله مع الجماعة، ثم إن بعضهم ولا سيما في المسجد الحرام يجلس يشرب القهوة والناس يصلون، أو يتحدث والناس يصلون، وهذا من الغلط الذي يغلط فيه كثير من الناشئين في العلم. وكذلك -أيضاً- بلغنا أن بعض الأئمة يوتر بالناس التسع، والتسعة إذا أوتر الإنسان بها لا يسلم إلا في آخرها، السنة إذا أوترت بالتسع ألا تسلم إلا في آخرها، تجلس في الثامنة وتقرأ التحيات وتقوم وتأتي بالتاسعة، سمعنا أن بعض الأئمة يفعل ذلك، وهذا من الغلط، هل جاءهم أن الرسول ﵊ يصلي بالناس تسع ركعات؟ إذا جاء عن الرسول فعلى العين والرأس، وإذا لم يأت عن الرسول فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الضعيف والمريض وذا الحاجة) وهل هذا إيجاز أنه يبقى يصلي بالناس لمدة ساعة أو ساعة ونصف لا ينصرفون؟ قد يكون بعضهم محصور في بول أو غائط أو ريح أو للشغل. ثم الذين يدخلون المسجد يجدونه يصلي التراويح يصلي هذا الوتر، ماذا ينوون؟ يريدون نية التهجد فتختلط عليهم النية، فلا يدرون ما ينوون، يقول بعض الذين يصنعون هذا: إننا نريد أن نبين السنة. فنقول: أثابكم الله على هذه النية، وتؤجرون عليها، لكن لا بالفعل، وبينوا للناس السنة بالمقال، قولوا: إذا أوترتم بالثلاث فإن شئتم اجمعوها وإن شئتم صلوا ركعتين ثم سلموا، وفي الخمس اجمعوها، وفي السبع اجمعوها. وهلم جرا، أما أن تشقوا على الناس فهذا خلاف ما أمر به الرسول ﵊ بقوله: (أيكم أم الناس فليخفف، ومن صلى بنفسه فليصلي كيف شاء) .

стр. 1451

الزكاة ننتقل بعد ذلك إلى شيء من الزكاة: رجل له أخ فقير وهو غني، هل يجوز أن يعطي أخاه من زكاته؟ الجواب نعم. وإعطاء أخيه من زكاته أفضل من إعطاء البعيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (الصدقة على القريب صدقة وصلة) ولما أمر بالصدقة وكانت زينب امرأة عبد الله بن مسعود تريد أن تتصدق، فقال لها زوجها عبد الله بن مسعود: تصدقي علي أنا وأولادي -لأنه قليل ذات اليد- فقالت: أنت زوجي وهؤلاء أولادي، كيف أتصدق عليك؟ قال: نحن أحق من الأباعد، قالت: أبداً لا أتصدق عليك حتى أسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: (نعم. زوجك وولدك أحق من تصدقت عليه) فإذا كان لك أقارب فقراء من أهل الزكاة فأعطهم من زكاتك وهم أفضل من الأباعد. كذلك لو كان لك أب عليه دين، وأنت قد أغناك الله وعندك مال كثير، هل يجوز أن تقضي دين والدك من زكاتك؟ نعم. يجوز، أليس والدي غارماً؟ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠] . لك ولد له سيارة صدمت وأصلحها بدراهم، هل تقضي دينه إذا لم يجد ما يوفي به؟ نعم. يجوز، إلا إذا استدان للنفقة الواجبة عليك فهنا لا يجوز أن تعطيه من زكاتك؛ لأنك إذا أعطيته من زكاتك مع وجوب الإنفاق عليه وفرت مالك، لكن شيء يلزم الولد وهو لا يجب على الوالد فله أن يقضيه من زكاته (يوفي عنه من الزكاة) . وإنني أبين للإخوان أن الأوصاف الثمانية التي ذكر الله الأصل أن الزكاة تصرف فيهم على أي حال كانوا إلا بدليل، اقرأ الآية، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] . هذه الأوصاف الثمانية إذا وجدت في أي أحد من الناس فهو من أهل الزكاة إلا بدليل. رجل عنده خادم مسلمة وزوجها كذلك، ولهما أولاد في بلادهما، وهما فقيران (الخادم والخادمة) أيجوز أن يعطيهما من زكاته؟ الجواب: نعم. يجوز أن يعطيهما من زكاته؛ لأنهم فقراء والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠] . رجل عنده عامل لكنه غير مسلم، هل يجوز أن يعطيه من زكاته؟ الجواب: لا يجوز أن يعطيه حتى وإن كان فقيراً إلا إذا كان يشعر أن هذا الرجل له اتجاه إسلامي، يحب الإسلام ويرى أنه إذا أعطاه من الزكاة تألفه وقبل الإسلام، فهنا يعطيه على أنه من المؤلفة قلوبهم. رجل عنده سيارة مرسيدس كبيرة، يكدها ويتعيش عليها، هل فيها زكاة؟ الجواب: لا. ما فيها زكاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) فليس فيها زكاة. وأجرتها؟ أجرتها إن تمت الحول عنده يزكيها؛ وإن كانت الأجرة يصرفها على السيارة وعلى أولاده فلا زكاة فيها؛ لأن من شرط الزكاة تمام الحول، وهذا الرجل لا يبقى عنده المال إلى سنة، فهو يصرفه في مصالح السيارة وكذلك في أهله فليس عليه زكاة. ولعلنا نقتصر على هذا القدر لنجيب بما تيسر على الأسئلة إن شاء الله تعالى، ونسأل الله التوفيق للصواب، لكنني أحث نفسي وإياكم على الجد والنشاط في الأعمال الصالحة لا سيما في شهر رمضان المبارك.

стр. 1452

الأسئلة

стр. 1453

الأصل في الإمساك بزوغ الفجر وفي الإفطار غروب الشمس السؤال فضيلة الشيخ أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلني وإياكم وجميع المسلمين ممن يصومون شهر رمضان ويقومونه على الوجه الذي يرضيه عنا، يا فضيلة الشيخ كما تعلمون الآن الفطر والإمساك حسب التقويم، وهذا مبني على الحساب وليس على رؤية الصبح وغروب الشمس، فسؤالي يا فضيلة الشيخ: هل إذا سمعت المؤذن وفي يدي اللقمة هل آكلها أم أتركها؟ أفتني جزاك الله خيراً. الجواب لا شك أن الله ربط الإمساك والإفطار بعلامات محسوسة أفقية، الإمساك بطلوع الفجر، فمتى طلع الفجر ورأيته فأمسك سواء أذن أم لم يؤذن، ومتى أذن ولم يتبين الفجر فلك الأكل، لكن من المعلوم أننا الآن لا يمكن أن نشاهد الفجر؛ لأن البلد مضيئة بالأنوار، والناس أكثرهم في الحجر لا يشاهدونه، فمن باب الاحتياط أنك إذا سمعت المؤذن فأمسك، ولكن لا حرج عليك أن تأكل اللقمة التي في يدك أو تشرب الكأس الذي في يدك. أما بالنسبة للغروب فكذلك، فالإفطار مقرون بغروب الشمس، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا أقبل الليل من هاهنا -وأشار إلى المشرق- وأدبر النهار من هاهنا -وأشار إلى المغرب- وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) فإذا قدر أنك في مكان مرتفع وشاهدت الشمس قد غربت فأفطر؛ سواء أذن أم لم يؤذن، وإذا قدر أنك سمعت الأذان وأنت في مكان مرتفع لكنك تشاهد الشمس حرم عليك الإفطار؛ لأن المدار على غروب الشمس وعلى تبين الفجر في الإمساك.

стр. 1454

الواجب على المريض مرضاً مزمناً السؤال فضيلة الشيخ هل يصوم من فيه فشل كلوي ومرض السكر وكل مرض مزمن؟ أرجو التفصيل وفقك الله. الجواب هذه الأمراض بعضها شديد ولا يستطيع أن يصوم ولا يرجى زوالها، فهذه الأمراض يباح لمن ابتلي بها أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكيناً، إن شاء أطعم كل يوم ليومه وإن شاء جمعها في آخر الشهر وأطعم على عدد الأيام، ثم إن شاء أطعم عشاءً أو سحوراً وإن شاء فرق لكل يوم كيلو من الرز على كل مسكين. أما الإنسان الذي يقدر على الصوم ولا يلحقه ضرر ولا مشقة فيجب عليه أن يصوم، والصيام ليس كالسفر، السفر يباح لك فيه الفطر وإن لم تجد مشقة، وأما المرض فلا يباح لك الفطر إلا إذا وجدت مشقة.

стр. 1455

استخدام حبوب منع الدورة من أجل صيام رمضان السؤال فضيلة الشيخ ما حكم استعمال المرأة لحبوب منع الدورة الشهرية حتى تصوم جميع شهر رمضان؟ الجواب لا تستعمل هذه الحبوب؛ لأنها ضارة كما ثبت ذلك عندنا بقول الأطباء، والأطباء في هذه الأمور هم مرجعنا، فيذكرون عنها أضراراً كثيرة؛ ولذلك كثرت التشوهات في الأجنة -أي: في الأحمال- ما أكثر اللاتي يقلن: إن الولد ما له جمجمة، ما له يد، ما له رجل وما أشبه ذلك، قال لي بعض الأطباء الموثوقين: إن من أسبابها أكل هذه العقاقير؛ لذلك نقول: لا تأكل المرأة شيئاً من ذلك. فإذا قالت: يفوتني الصوم والصلاة. نقول: بأمر من فاتك الصوم والصلاة؟ بأمر الله ، وقد دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على عائشة وهي تبكي في حجة الوداع قبل أن يصلوا إلى مكة، وكانت عائشة ﵂ محرمة بالعمرة وحاضت بسرف في الطريق، ودخل عليها النبي ﵊ وهي تبكي قال: (ما لك؟ فأخبرته أنها لا تصلي، قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) . والواجب على المرأة أن ترضى بقضاء الله وقدره، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) تسليةً لها، يعني: ليس خاصة بك، فكل بنات آدم يأتيها الحيض، لذلك أقول: لا تستعملي هذه الحبوب، والحمد لله إن صمت فبأمر الله وإن أفطرت فبأمر الله.

стр. 1456

أنواع النذر السؤال فضيلة الشيخ هل يلزم قضاء صيام النذر قبل صيام شهر رمضان أم لا يلزم، فإذا كان يلزم ولم يصم إلا بعد صيام شهر رمضان فماذا عليه؟ الجواب الواجب لمن نذر الصيام إذا كان معلقاً بشرط أن يوفي به من حين أن يوجد الشرط ولا يتأخر، مثال ذلك: قال: إن شفاني الله من هذا المرض فلله عليَّ نذر أن أصوم ثلاثة أيام. فشفي من المرض، فالواجب أن يبادر الإنسان بالصوم ولا يتأخر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة:٧٦-٧٧] أعوذ بالله ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٧] . أما النذر الذي ليس معلقاً بشرط، إنسان أراد أن يحمل نفسه على الصوم فقال: لله علي نذر أن أصوم ثلاثة أيام. من غير سبب، فهذا يجب عليه أن يبادر لكن ليس كوجوب الأول، فإذا أتاه رمضان وهو لم يصم فمن المعلوم أنه يبدأ برمضان، وإذا انتهى رمضان صام النذر، لكن لو أنه صام النذر في رمضان لم يصح صوم نذره ولا صوم رمضان. إنسان عليه نذر ثلاثة أيام فصام من رمضان ثلاثة أيام للنذر، فماذا عليه؟ لا ينفعه عن النذر ولا عن رمضان، أما كونه لا ينفعه عن النذر فلأن رمضان وقته مضيَّق لا يصح أن يصوم غيره فيه، وأما كونه لا يجزئ عن رمضان فلأنه لم ينو عن رمضان، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) .

стр. 1457

الواجب على من نذر صوماً ولم يستطع إكماله لعذر السؤال امرأة كبيرة في السن نذرت على نفسها الكفارة المغلظة من صيام شهرين متتابعين أو عتق رقبة، والآن هي فقيرة ومريضة بمرض السكر وبدأت الصيام ولكن لم تستطع إكماله، فماذا عليها؟ الجواب الظاهر أنه يجب عليها أن تطعم ستين مسكيناً؛ لأن الكفارة المغلظة عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فعليها أن تطعم ستين مسكيناً، وإني أقول لكم: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن النذر وقال: إنه لا يرد القضاء، وإنه لا يأتي بخير. فليس فيه مصلحة شرعية ولا قدرية، بعض الناس إذا مرض ونذر ظن أنه إذا نذر أن الله سيشفيه، وهذا غلط، إذا كان الله أراد أن يشفيك شفاك بدون نذر، وإن كان الله لم يرد ذلك لم ينفع النذر. كذلك يستخرج به من البخيل؛ لأن البخيل شحيح بالمال، فمن أجل أن يحمل نفسه يقول: لله علي نذر أن أتصدق من أجل أن يحمل نفسه، وهذا غلط، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور:٥٣] الجواب: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور:٥٣] أطيعوا الله بدون قسم. ، كذلك نقول: أطع الله بدون نذر، فالنذر مكروه، بل إن بعض العلماء حرمه، ولهذا تجد الذين ينذرون يندمون ندماً عظيماً، ويأتون إلى فلان ماذا تقول في النذر، خفف عني، يأتون الثاني: ما تقول في النذر خفف عني. وبعضهم -والعياذ بالله- يعطيه الله تعالى ما نذر عليه ولكن لا يفي، هذا خطره عظيم، خطره: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة:٧٧] ربما يجعل الله في قلبه هذا نفاقاً إلى أن يموت، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

стр. 1458

حكم من نذر على نفسه أن يؤدي جميع الرواتب السؤال فضيلة الشيخ رجل رأى من نفسه تهاوناً في السنن الرواتب فأراد أن يعزم على نفسه في أدائها كاملة، فنذر لله تعالى ألا يترك أي سنة راتبة، فألزم نفسه بشيء لم يلزمه الله عليه، وهو الآن يجد في نفسه تقصيراً فما الخلاص لهذا الرجل الذي تسبب في تكلفة نفسه ما لا تطيق؟ الجواب هذا شيء يطاق، الرواتب كل إنسان يطيقها، لكن إذا سافر سقطت عنه؛ لأنه إنما نذر صلاة الرواتب والرواتب في السفر تسقط إلا راتبة الفجر، انتبه لقول الرواتب من النوافل! النوافل في السفر لا تسقط، ومن قال: إن السنة في السفر ترك السنة فقد أخطأ. الذي يسقط من الرواتب في السفر ثلاث: الظهر والمغرب والعشاء؛ لكن لو سافر لأجل أن يسقط الرواتب الثلاث هل تسقط عنه؟ لا. هذه حيلة لا تنفع، ولهذا قال العلماء: المسافر لا يلزمه صيام، لكن لو سافر لأجل أن يفطر حرم عليه السفر وحرم عليه الفطر. المهم أن أقول للأخ: هذا شيء يطاق، وقوله: أنه لا يطيقه ما هو صحيح، كل يستطيع أن يصلي ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر، ما في صعوبة، فليستعن بالله وليوف بنذره، ولينصح غيره عن النذر.

стр. 1459

حكم صوم المكلف إذا أتى بما يبطل صومه جاهلاً السؤال فضيلة الشيخ شخص في بداية تكليفه كان يصوم صوماً صحيحاً لكن كان يفعل العادة السرية، وكان يجهل جهلاً تاماً أنها مفسدة للصوم، وأنها توجب الغسل فكان يصلي ويصوم ويفعل هذه العادة، وهذا كان في بداية تكليفه وهو دون الخامسة عشرة، فماذا عليه بعد أن علم الحكم وتاب إلى الله فلا يعلم عدد الأيام التي كان يفعل فيها تلك العادة وكذلك الصلاة؟ الجواب في ملاحظة على هذا السؤال يقول: قبل تكليفي وهو يستخرج المني! فهل يصح هذا التعبير؟! لا. لأنه إذا خرج منه المني بلذة فقد بلغ وإن لم يكن له إلا عشر سنوات، لكن نحن نقول في الجواب: ما دام يفعلها في الصيام وهو لا يدري أنها حرام فصيامه صحيح؛ لأننا ذكرنا أن هذه قاعدة. أما بالنسبة للصلاة التي كان يصليها ولا يغتسل وهو لا يدري أن ذلك موجب للغسل فكذلك -أيضاً- لا يلزمه القضاء؛ لأنه جاهل، ولهذا لم يلزم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرجل الذي كان يترك الأركان في الصلاة، رجل دخل المسجد وصلى صلاة لا يطمئن فيها، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ارجع فصل فإنك لم تصل) فرجع وصلى كالأولى فعاد فأعاده الرسول ﵊ ثلاث مرات ولم يأمره بقضاء صلواته السابقة، مع أنه قال له: (لم تصل) . فأقول لهذا السائل: ليس عليك قضاء صلاة ولا قضاء صيام، ولكن أوصيك بكثرة الأعمال الصالحة والإنابة إلى الله .

стр. 1460

حكم حمل الطفل في الصلاة دون معرفة ما إذا كان نجساً أم طاهراً السؤال فضيلة الشيخ أنا امرأة أصلي وولدي يبكي فأحمله ولا أدري أفيه نجاسة أم لا وهو متحفظ، فماذا علي؟ الجواب ليس عليها شيء، يعني: لا بأس أن تحمل المرأة ولدها إذا صاح وهي لا تدري هل فيه نجاسة أو لا؛ ودليل ذلك: أنه وقع نظير هذا من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يصلي وهو حامل بنت بنته - أمامة بنت زينب - وأبوها أبو العاص بن الربيع، كانت هذه الجارية صغيرة، فجعل الرسول ﵊ يصلي بالناس وهو يحملها، إذا قام حملها وإذا سجد وضعها، ومعلوم أن الأطفال في الغالب لا تخلو ثيابهم من نجاسة، لكن هل الرسول يعلم أن فيها نجاسة؟ لا نعلم، لكن الذي يظهر أنه لا يعلم، بدليل أنه لما صلى بنعليه وفيهما قذر جاءه جبريل فأخبره في أثناء الصلاة فخلعهما ومضى في صلاته. فأقول لهذه المرأة: ما دامت هذه الطفلة محفظة، ولا تدري هل خرج منها شيء نجس أو لا فالأصل الطهارة ولا بأس أن تحملها وتسكتها. لكن إذا كان تسكيت الطفلة هذه يحتاج إلى ضرب خفيف على الظهر من أجل تسكيتها فهل يجوز أم لا؟ نعم. يجوز أن تضرب على ظهرها، لأن هذه حاجة، إلا أنها لا تكثر؛ لأنها إن أكثرت ربما تبطل الصلاة، لكن هل لها أن تقول: اسكتي يا بنية ماذا بك، أو لا؟ الجواب: لا، لأن هذا كلام، والصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الناس.

стр. 1461

نصيحة تتعلق بصلاة الفجر السؤال فضيلة الشيخ ما نصيحتكم لإمام مسجد راتب لا نتمكن من صلاة راتبة الفجر معه في شهر رمضان إلا نادراً، فمعظم الجماعة يصلون راتبة الفجر بعد الصلاة، حيث أنه لا ينتظر بعد الأذان إلا خمس دقائق تقريباً مع قصر القراءة في الصلاة، وقد نصحته فقال: هذه رغبة الجماعة. فهل هو على خطأ في تفويت المأمومين بطول الصلاة وسنة الفجر أم أن هذه سنن لا شيء عليه فيها؟ الجواب الذي أرى أنه يجب عليه مراعاة الشريعة دون مراعاة الخلق، الخلق لا ينفعون أحداً ولا يضرونه، افعل الشريعة يرضى عنك من شرعها وهو الله ، وإذا رضي الله عنك أرضى عنك الناس، فأولاً: كونه يقيم بعد أذان الفجر بخمس دقائق هو مخاطر؛ لأن كثيراً من الإخوة شاهدوا الفجر ورأوا أن التوقيت في التقويم يتقدم على الفجر؛ فهذا مخاطر جداً، ومسألة الصلاة أهم من الصيام. ثانياً: أن الفجر لها سنة قبلية وإذا بادر بالإقامة فاتت الجماعة كلهم أو أكثرهم هذه السنة القبلية التي قال عنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) سنة الفجر الراتبة خير من الدنيا وما فيها، الدنيا من أولها إلى آخرها بملوكها ورؤسائها وزخارفها (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) والله نعم يا إخوان، نِعم، نِعم! يعني: أنت إذا صليت راتبة الفجر كأنما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها قد حصلت عليها، بل حصلت على خير منها (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) . فنصيحتي لأخي الإمام هذا: أن يتأنى قليلاً أولاً مراعاةً للفجر لما فيه من الخطورة؛ لأنك لو قلت: الله أكبر قبل طلوع الفجر (تكبيرة الإحرام فقط) ما صحت صلاتك، لا بد أن تكون الصلاة من أولها إلى آخرها في الوقت. ثالثاً: أعطهم مهلة لمن أراد أن يصلي الراتبة. رابعاً: بالنسبة للتخفيف فهو خلاف هدي الرسول ﵊ في الفجر، كان هدي الرسول في الفجر ﵊ أن يقرأ من طوال المفصل، وطوال المفصل من ق إلى عم.

стр. 1462

الواجب على من وجد شيئاً يعرف صاحبه السؤال فضيلة الشيخ أنا عمري أربع عشرة سنة قد وجدت مائة ريال ساقطة في ظرف مكتوب عليها صاحب المائة، فأخذتها، فهل أعيدها لصاحبها؟ الجواب معلوم أنه يجب، يجب على من وجد ضالة أو لقطة يعرف صاحبها أن يبلغه عنها، فإما أن يوصلها إليه أو يبلغ بها، لا بد من هذا، وهذه المسألة ليست في اللقطة، اللقطة إذا وجد الإنسان شيئاً لا يهتم الناس به فهو له، لكن هذا إذا عرف صاحبه ولو كان قرشاً واحداً، فيجب أن تنتبهوا لهذا، إذا وجدت شيئاً لشخص تعرفه لا تقل: هل هو كثير أو قليل، ولو كان ريالاً واحداً يجب أن تسلمه له، أو على الأقل تبلغه به وهو يأتي ليأخذه منك. فعلى هذا نقول للأخ الذي وجد مائة ريال يعرف صاحبها: يجب عليه أن يبلغ صاحبها، أو هو بنفسه يذهب إليه ويسلمه له.

стр. 1463

الابن المعاق كالابن السليم في الإرث السؤال أنا امرأة زوجي متوفى، ولديَّ أملاك عبارة عن عدد من الأراضي وقيمتها المالية مرتفعة، وهذه المرأة ترغب في توزيع هذه الأراضي على أبنائها في حياتها، ومن بين هؤلاء الأبناء ابن معوق إعاقة كاملة قد تجاوز الثلاثين عاماً من عمره -الله يعافيه- وهو متخلف عقلياً منذ ولادته، ولا يتكلم ولا يدرك أي شيء من أمور الدنيا، بمفهوم الطب (إعاقة كاملة) سؤالي يا فضيلة الشيخ: ماذا أفعل تجاه هذه القسمة فيما يتعلق بالابن المتخلف عقلياً؟ وماذا يجب على الوصي على هذا الابن وهو أحد إخوته؟ الجواب الذي أشير به عليها ألا تقسم مالها على أبنائها؛ لأنها لا تدري في المستقبل لعلها تحتاج إلى هذا المال، وإذا كانت قد فرقته لا يمكن أن ترجع فيه؛ لأن الأم ليست كالأب، الأب إذا وهب ابنه شيئاً له أن يرجع فيه، لكن الأم إذا وهبت ابنها شيئاً وقبضه ليس لها حق الرجوع، فلا أشير عليها أن تقسم مالها بين أبنائها، تبقيه ومن احتاج من أبنائها تعطيه، وإذا أعطت الابن لحاجته لم يلزمها أن تعطي الآخرين؛ لأن دفع الحاجة مطلوب، فمن احتاج منهم لزواج أو لشيء يحتاجه حقيقة فلها أن تعطيه دون إخوته. هذا المعاق في حال إعاقته لا يحتاج لشيء؛ لأنه يأكل ويشرب مع أهله وليس محتاجاً إلى سيارة يركبها أو ما أشبه ذلك، فتعطيه من النفقة ما يحتاج والباقي تدخره لنفسها، فإذا قضى الله أمره عليها بالموت ورثوه على حسب فريضة الله.

стр. 1464

نصيحة لمن يستقبلون رمضان بالدش السؤال فضيلة الشيخ حفظك الله ما نصيحتك لمن يستقبل شهر رمضان بالاستعداد لشراء طبق الاستقبال- يعني الدش- حتى لا تفوته برامجه التي يعرضها، وما نصيحتك للذين في بيوتهم ذلك الجهاز؟ أرجو التوجيه وفقك الله. الجواب والله التوجيه -في الحقيقة- مني ومن غيري من العلماء -والحمد لله- ومازال المشايخ يحذرون من طبق الاستقبال هذا، وأنا ظننته طبق طعام لاستقبال رمضان، هذا أول ما سمعته، على كل حال: هذا الطبق في رمضان وفي غيره لا شك أنه دمر الأخلاق وأفسد العقائد وأضل كثيراً من عباد الله، وفي رمضان سيكون إثمه أشد؛ لأن رمضان موسم خير فإذا أضاعه الإنسان بمشاهدة هذه المنكرات أضاع شيئاً عظيماً، وأضاع فائدة الصيام التي قال عنها الرسول ﵊: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) . والذي ينبغي للمسلم أن ينتهز فرصة رمضان بتلاوة القرآن؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يدارسه جبريل القرآن في رمضان حتى يكمله، وفي السنة التي مات فيها دارسه مرتين، وإذا لم يحسن القرآن فالذكر: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٤٦] فسر كثير من العلماء الباقيات الصالحات، بأنها التسبيح والتحميد والتكبير. وليعمره -أيضاً- بصلاة الضحى والليل، ليغتنم هذا الشهر المبارك بالأعمال الصالحة.

стр. 1465

نصيحة للنساء اللاتي يتطيبن عند خروجهن لصلاة التراويح السؤال فضيلة الشيخ هل من توجيه للنساء اللاتي يحرصن على صلاة التراويح ولكن ربما تتطيب أو تلبس ملابس غير متحشمة؟ الجواب نصيحتي لها: أن تصلي في بيتها فهو خير لها، ولا يحل لها أن تخرج متعطرة أو متبرجة، أو تمشي مشية الرجال أو تضحك إلى أختها وتضحك إليها في الأسواق؛ لأن المقام خطر، والفتنة تدب إلى القلوب كالنار في الهشيم، فأولاً أقول: صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد. ثانياً: إذا خرجت فلتخرج تفلة، أي: غير متطيبة ولا متبرجة بزينة، فإن خرجت متطيبة فإنها على خطر عظيم؛ لأنها عصت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا صلاة العشاء) هذا وهو بخور، أقل من دهن العود وشبهه.

стр. 1466

مسألة التقصير والتطويل في صلاة التراويح السؤال فضيلة الشيخ ما هو الضابط لمقدار القراءة في كل ركعة في التراويح، هل يكفي أن يقرأ الإمام نصف القرآن في الشهر أو ثلثيه؟ الجواب إذا كان الناس محصورين فعلى رغبتهم إن شاء طول وإن شاء قصر، وأما إن كانوا غير محصورين فلا ينبغي أن يطول القراءة، أي: فليس بلازم أن تكمل القرآن، لا تطل به فتمله، لكن أهم شيء هو الركوع والسجود، والقيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين والتشهد، كثير من الذين يصلون التراويح مع الأسف إذا وصلوا "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد" سلموا، وهذا غلط، لقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا تشهد أحدكم التشهد الأخير فليقل: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) .

стр. 1467

التفصيل في مسألة الصفوف والأفضل فيها السؤال فضيلة الشيخ مسألة وقع فيها النزاع هذه الليلة في وسط الصف، فهل وسط الصف أفضل أم أيمنه، ففي الطابق العلوي -أعني: مصلى النساء- يمين الصف مليء جداً وأما يساره فلا يوجد فيه نساء، أرجو توضيح الحكم. الجواب هذا من الغلط أن نكمل الصف الأيمن والأيسر ما فيه شيء، والأيمن أفضل عند التساوي أو التقارب، وأما إذا كان الأيمن بعيداً فالقريب من الإمام في اليسار أفضل، فلذلك نقول: إنه ينبغي أن يكون اليمين واليسار متساوياً أو متقارباً؛ لفائدتين: الفائدة الأولى: القرب من الإمام. والفائدة الثانية: أن الإمام يكون وسطهم. ولا أظن أن أحداً يتصور أن الصحابة كان يقف الرجل منهم خلف الرسول ﵊ ثم يكملون الأيمن كله ثم يبدءون مع اليسار، لا أظن أن هذا يقع من الصحابة، ولذلك ذكر كثير من العلماء ومنهم ابن مفلح في كتابه الفروع: أن قولهم اليمين أفضل يعني مع التقارب أو التساوي، وإلا فاليسار القريب أفضل من الأيمن البعيد لا في الرجال ولا في النساء.

стр. 1468

الاعتكاف في المسجد الحرام أفضل من المساجد الأخرى لكن ليس على إطلاقه السؤال فضيلة الشيخ أيهما أفضل: الاعتكاف في المسجد الحرام، أو في المساجد الأخرى مع بيان السبب؟ الجواب معلوم أن الأفضل الاعتكاف في المسجد الحرام، إلا إذا كانت المساجد الأخرى أخشع له؛ لأن بعض الناس مع الكثرة والضوضاء ما يكون عنده خشوع فنقول: اعتكف في مسجد آخر أخشع لك، أما في غير مكة فالمساجد والجوامع التي فيها الجُمع أفضل.

стр. 1469

اللقاء الشهري [٥٣] رقم (١، ٢) الأيام العشر من ذي الحجة العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من سائر الأيام، حتى إن العمل في هذه الأيام أفضل من الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء، ويأتي في هذه الأيام الحج الذي هو ركن من أركان الإسلام، والذي من أهم شروطه القدرة والاستطاعة، ولابد لمن أراد الحج أن يكون ملماً بأحكامه حتى يكون حجه صحيحاً وتبرأ ذمته.

стр. 1470

فضل العشر من ذي الحجة الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإننا في هذه الليلة ليلة السابع عشر من شهر ذي القعدة عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف نلتقي بإخواننا كجاري العادة في اللقاءات الشهرية التي نسأل الله أن ينفعنا بها وينفع كل من بلغته من الناس. وبما أن شهر ذي الحجة قد قرب والمسملون يتهيئون إلى الحج إلى بيت الله الحرام رأيت من المناسب أن يكون لقاؤنا هذه الليلة حول هذين الموضوعين: الموضوع الأول: عشر ذي الحجة. هذه العشر قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) وبناءً على هذا الحديث الشريف: ينبغي لنا أن نجتهد في الأعمال الصالحة في هذه الأيام العشر من الصيام والذكر وقراءة القرآن، وكثرة الصلاة والصدقة والإحسان إلى الخلق، وغير ذلك مما يقرب إلى الله ﵎، فإن العمل الصالح في هذه الأيام العشر أفضل من العمل الصالح في الأيام العشرة الأخيرة من رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عمم تعميماً مؤكداً بمن فقال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) . وينبغي لطلاب العلم أن يبثوا الوعي بين الناس في فضائل هذه الأيام العشر؛ لأن الناس عنها غافلون، وبفضلها جاهلون، فيحتاجون إلى التذكير وإلى المعرفة والعلم، وآكد أيامها في الصيام يوم عرفة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) . وأما ما يفعله بعض الناس من تخصيص السابع والثامن والتاسع بالصوم ظناً منهم أن لذلك مزية، فهذا غلط، لكن من كان من عادته أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وصام السابع والثامن والتاسع عن الأيام التي كان يعتادها فلا بأس، أما أن يقول: إنه من السنة صوم السابع والثامن والتاسع، فهذا لا أصل له، فبالنسبة للعشر إما يوم عرفة فقط وإما العشر كلها، أما من كان من عادته أن يصوم ثلاثة أيام من الشهر وجعل السابع والثامن والتاسع هي الأيام فلا حرج عليه.

стр. 1471

الأضحية ومما يتعلق بهذا الأضحية، الأضحية التي شرعها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله وفعله، فقد أمر بها وقام بها ﵊، وكان من عنايته بها أنه يخرج بأضحيته إلى مصلى العيد ليشهرها ويعلنها، فيذبحها هناك ويأخذ منها ما يريد أن يأكل ويتصدق بالباقي، فالأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، وليس المراد منها أن يتصدق الإنسان بلحمها على الفقراء، لكن هذا من بعض ما يقصد بها. والمقصود الأعظم بها -أي بالأضحية- التقرب إلى الله تعالى بالذبح، وبهذا نعرف أن ما يصدر من بعض الناس من الدعوة إلى جلب الدراهم ليضحى بها في بلاد بعيدة أن ذلك صادر عن جهل؛ لأنه ظن أن المقصود بالأضحية ما يؤكل من لحمها، ولكن الله في القرآن يقول: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] . ولهذا أقول لإخواني: إذا كنتم تريدون تطبيق السنة بالأضحية فعليكم أن تضحوا في بلادكم، لا تخرجوا بها إلى بلاد أخرى؛ إظهاراً للشعيرة، وتبياناً لها بين الأهل والأولاد، ولتباشروا أنتم ذبحها في بيوتكم إذا أمكن، فتذكروا اسم الله عليها، وتأكلوا منها؛ حتى توافقوا هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج:٣٦] فبدأ بالأكل وهذا يدل على أنه ليس المقصود الصدقة بها ولكن المقصود التعبد لله تعالى بنحرها تعظيماً له جل وعلا، وهذا يفوت بلا شك إذا أعطيت دراهم يضحى بها في بلاد بعيدة. ثم إنك إذا أعطيت هذه الدراهم لا تدري أيضحى بشيء مجزئ أو غير مجزئ، ولا تدري -أيضاً- هل يذبحها من يوثق بمعرفته في الذبح وبدينه، ولا ندري أيمكن أن تذبح في أيام الأضحية أم لا؛ لأن الأضاحي التي تبذل قد تكون كثيرة جداً، لا يستوعبها الناس في ثلاثة أيام أو أربعة، وربما لا يصل الخبر إلا بعد، والمقصود: أن إعطاء الدراهم ليضحى بها في بلاد ولو كانت أفقر البلاد لا يحصل به المقصود الشرعي من الأضحية. أما إخواننا في البلاد الأخرى من الفقراء فالباب واسع -ولله الحمد- يرسل إليهم دراهم، يرسل إليهم أطعمة، يرسل إليهم ألبسة، يرسل إليهم فرش، وغير ذلك من أنواع المنافع، أما أضحية شعيرة نسيكة قرنها الله تعالى بالصلاة فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] وقال: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] وأمرنا أن نأكل منها وأن نذكر اسم الله عليها، فلا ينبغي أبداً أن تذبح خارج البلد، والذي أحث عليه أن تذبح في نفس البيت إذا أمكن ولم يتيسر أن تذبح في مصلى العيد. الله الله -أيها الإخوة- لا تعصف بكم العاطفة حتى تغفلوا عن مقاصد الشريعة.

стр. 1472

الحج وأهم شروطه ومما نريد أن نبحث فيه في هذا اللقاء: مسألة الحج. الكثير من المسلمين يعلمون أن الحج أحد أركان الإسلام التي لا يتم إلا بها ولكن بشروط أهمها: القدرة والاستطاعة، لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] فمن كان فقيراً فلا حج عليه، ومن كان مديناً فلا حج عليه، ومن كان عاجزاً ببدنه فلا حج عليه لكن يقيم من يحج عنه، وبهذا نعرف قلة فقه الذين يكون عليهم الدين فيذهبون ويحجون، أو ربما يستدينون ليحجوا، فهذا خطأ، احمد الله على العافية، إذا كان الله قد أوسع عليك ولم يوجب عليك الحج إلا بعد أن تقضي دينك فاحمد الله على ذلك، أنت مطالب بالدين ولست مطالب بالحج ما دام عليك دين، أرأيتم الفقير هل نلزمه بالزكاة؟ لا. من ليس عنده مال أو عليه دين لا نلزمه بالحج، وإذا لقي الله يلقى الله تعالى وهو غير ناقص الإسلام، لماذا؟ لأن الله لم يوجبه عليه، إنما يجب على من استطاع إليه سبيلاً. يقول بعض الناس: أنا أستأذن من الدائن وأحج. نقول: ماذا ينفعك الاستئذان؟ هل إذا استأذنت يسقط عنك شيء من الدين؟ الجواب لا يسقط، إذاً ما هي الفائدة؟ أنت إذا كان عليك عشرة آلاف دين وحججت بألفين اجعل الألفين في قضاء دينك، كم يبقى عليك؟ ثمانية، احمد الله على العافية. لو أذن لك الدائن وقال: لا بأس حج، فحججت هل تكون العشرة ثمانية؟ لا. إذاً لا فائدة، لكن الذي عليه دين ويعرف أنه كلما حل منه شيء فإذا هو واجد لوفائه فهذا إذا توفر عنده مال للحج فليحج، وأضرب لذلك مثلاً للذين في ذمتهم دين لصندوق التنمية العقاري، يقول: أنه إذا حل علي القسط فأنا واجد، لكن الآن عندي مال أستطيع أن أحج به، وإذا حل القسط أديت ما علي. نقول: نعم، حج، لأن هذا الدين لا يمنع من وجوب الحج، لكن إنساناً ليس عنده شيء ولا يثق بنفسه أن يوفي إذا حل الدين فلا يحج حتى لو أذن له صاحب البيت.

стр. 1473

أهمية معرفة أحكام الحج والذي يجب على الإنسان إذا أراد الحج أن يفقه أحكام الحج قبل أن يحج؛ لأن من شرط العبادة: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يمكن المتابعة إلا بمعرفة كيف كان الرسول يحج، إذاً تعلم أحكام الحج قبل أن تحج، وبهذه المناسبة أحث إخواننا أئمة المساجد أن يقرءوا على الناس أحكام الحج ويفهموهم بقدر الاستطاعة، والكتب -والحمد لله- موجودة، وهناك كتب في الحج خاصة، من ذلك على سبيل المثال: كتاب الشيخ عبد العزيز بن باز " التحقيق والإيضاح " وكتابنا " المنهج لمريد العمرة والحج " أو " مناسك الحج والعمرة " ومناسك أخرى للعلماء الموثوقين، تقرأ على الناس، ويفسر لهم المشكل. ولهذا أقول: ينبغي لمن كان معهم حملة حملوا فيها كثيراً من الناس أن يكون معهم طالب علم يبين للناس، إذا جلسوا للفطور أو جلسوا للغداء أو جلسوا للعشاء يقرأ عليهم ويعلمهم، ما أكثر الذين يأتون بعد سنة أو سنتين يقصون علينا ما فعلوا في حجهم وإذا بهم قد تركوا ركناً من أركان الحج، وهذا شيء عظيم، يأتيك إنسان ويقول: والله أنا في اليوم الفلاني طفت طواف الإفاضة -وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج- يقول: طفت طواف الإفاضة واحتجت إلى أن أنقض الوضوء وذهبت ونقضت الوضوء ثم رجعت وأكملت الطواف، ما بدأت من جديد. هذا لا يصح طوافه، نقول: يلزمك الآن أن تذهب إلى مكة وتحرم بعمرة من الميقات وتطوف وتقصر للعمرة ثم تطوف طواف الإفاضة، وربما يكون هذا المسكين قد تزوج ونكاحه غير صحيح عند كثير من العلماء؛ لأنه لم يحل التحلل الثاني، فالمسألة خطيرة، ولهذا أكرر وأقول: ألا يحج أحد حتى يعرف أحكام الحج.

стр. 1474

من أحكام الحج وأحكام الحج تخفى على كثير من الناس حتى على بعض طلبة العلم؛ لأن الحج ليس كالصلاة يتكرر كل يوم ويعرف، أو الصيام الذي يتكرر كل سنة ويعرف، لكنه في العمر مرة واحدة؛ لذلك يتأكد على الإنسان أن يتعلم أحكام الحج قبل أن يحج. فلنبدأ الآن بشرح أحكام الحج وكأننا سافرنا من بلادنا إلى مكة: ينبغي للإنسان عند السفر أن يتأهب للسفر، وذلك بأن يوفر معه النفقة -الدراهم- والطعام والشراب والفرش في أيام الشتاء، لأنه ربما يحتاجه هو في أمر لم يكن طرأ على باله، وربما يحتاجه أحد من رفقته فيحسن إليه بالصدقة، أو الهدية، أو القرض، فينبغي لمن أوسع الله عليه أن يتأهب بأكثر مما يتصور أنه يحتاجه حتى ينفع غيره. ثم ليحافظ على الصلوات بواجباتها وشروطها، يتطهر بالماء إذا أمكن فإن لم يمكن فبالتيمم، ويؤديها في وقتها، ويصليها قصراً من حين أن يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه ولو طالت المدة، اقتداءً بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال أنس بن مالك ﵁: (لم يزل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي ركعتين منذ خرج من المدينة حتى رجع إليها) وقال لما سئل: (كم أقام في مكة؟ قال: عشرة) يعني: عشرة أيام. أما الجمع فالجمع إن كان سائراً -يعني: يمشي- فالأفضل أن يجمع إما جمع تقديم أو جمع تأخير حسب الأيسر له، وإن كان نازلاً فالأفضل ألا يجمع وإن جمع فلا بأس؛ لأنه مسافر، لكن إذا كان في مكة أو غيرها من البلاد مقيماً فإنه يلزمه أن يصلي مع الجماعة، فإن فاتته صلى ركعتين. فإذا وصل إلى الميقات اغتسل كما يغتسل للجنابة، وتطيب بأطيب ما يجد على رأسه ولحيته، ثم لبس ثياب الإحرام إزاراً ورداءً، والأفضل أن يكونا أبيضين نظيفين، ثم يلبي، والمرأة ليس لها لباس مخصوص في الإحرام، تلبس ما شاءت، إلا أنها لا تلبس ثياباً يعتبر زينة؛ لأن الناس سوف يشاهدونها، بل تلبس ثياباً بذلة، تلبس العباءة، وتلبس الثياب التي لا تلفت النظر. ثم يقول -ونحن الآن نريد أن نجعل نسكنا تمتعاً- يقول: لبيك عمرة، ولا يحتاج أن يقول: متمتعاً بها إلى الحج؛ لأنه قد نوى بقلبه أنه سيحج: لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شرك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ويرفع الرجل بها صوته، وليعلم أنه لا يسمعه شجر ولا حجر ولا مدر إلا شهد له يوم القيامة بهذه التلبية، ومضمون التلبية: إجابة الله ؛ لأن لبيك بمعنى: أجبتك، قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] يعني: أعلمهم به ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج:٢٧] أي: على أرجلهم ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] أي: ويأتونك ركباناً ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] أي: على كل ناقة ضامر ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] الله أكبر! الآن لا يوجد ناقة (ضامر) وإنما طيارة أو سيارة، لكن كلها سواء. وليستمر في تلبيته إلى أن يشرع في طواف العمرة فيدخل المسجد الحرام ويقدم رجله اليمنى عند الدخول ويقول كما يقول إذا دخل غيره من المساجد، وليقصد الحجر الأسود يستلمه ويقبله إن تيسر فإن لم يتيسر أشار إليه، ويقول: باسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك, واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويجعل البيت عن يساره، ويقول في طوافه ما شاء من ذكر ودعاء وقراءة قرآن، وفيما بين الركن اليماني والحجر الأسود يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. في هذا الطواف يضطبع الرجل بردائه في كل الأشواط السبعة، ويرمل في الأشواط الثلاثة فقط، ويمشي في الباقي. والرمل: هو إسراع المشي، وهذا إذا تيسر أما إذا لم يتيسر الرمل لكون الزحام شديداً فالأمر واسع -ولله الحمد- فإذا أتم سبعة أشواط صلى ركعتين خلف المقام إن تيسر، وإن لم يتيسر ففي أي مكان من المسجد، يقرأ في الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] مع الفاتحة، ويخفف هاتين الركعتين، وينصرف بعد السلام مباشرة بدون دعاء، فيتجه إلى الصفا، فإذا قرب من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به. فيرقى على الصفا ويتجه إلى القبلة، ويرفع يديه داعياً وذاكراً فيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد هذا الذكر مرة ثانية، ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثالثة، ثم ينزل متجهاً إلى المروة؛ يمشي مشياً معتاداً حتى إذا وصل إلى العمود الأخضر سعى -يعني: ركض ركضاً شديداً- فإن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يسعى حتى إن إزاره ليدور به من شدة السعي. وإذا كان المسعى زحاماً فالأمر واسع -والحمد لله- يمشي حسب القدرة، وإذا كان معه نساء يخاف عليهن لو سعى فيمشي؛ لأن المرأة لا تسعى. ثم إذا تجاوز العلم الأخضر الثاني مشى على عادته حتى يصل إلى المروة، إذا دنا من المروة فلا يقول شيئاً، العامة إذا دنوا من المروة قالوا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] وهذا غلط، لا يقول شيئاً، بل يبقى في ذكره الذي كان يذكر الله به حتى يصعد على المروة ويتجه إلى القبلة ويرفع يديه داعياً وذاكراً بما فعل على الصفا، ويسعى سبعة أشواط. كيف يسعى سبعة أشواط؟ الأشواط هنا -في السعي- ليست كأشواط الطواف، أشواط الطواف من الحجر إلى الحجر، وأشواط السعي من الصفا إلى المروة هذا واحد، ومن المروة إلى الصفا هذا ثاني. يكمل سبعة أشواط وحينئذٍ نعرف أنه يبتدئ بـ الصفا وينتهي بـ المروة، فإذا رأيت أنك ختمت السعي بـ الصفا فاعلم أنك مخطئ، إما أنك زدت أو نقصت. إذا أتم السعي بقي عليه الآن الحلق أو التقصير، فأيهما أفضل؟ الأفضل هنا التقصير لوجهين: الوجه الأول: أنه الذي أمر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه حين قدم في اليوم الرابع وأمرهم أن يقصروا، أمر من لم يكن معه هدي أن يحل ويقصر. الوجه الثاني: أنه لو حلق وقد بقي مدة يسيرة للحج لم يبق للحج شعر، فنقول: وفر الشعر للحج واقتصر على التقصير، فإن قال قائل: هل التقصير يعم جميع الرأس أو جوانب الرأس؟ الجواب إنه يعم جميع الرأس، المهم أنه يبقى الرأس وقد تبين وظهر أنه مقصر لا أنه غير مقصر، وبذلك يحل التحلل كله. بذلك -أي: بالطواف والسعي والتقصير- يحل الحل كله، حتى لو كان أهله معه جاز له أن يباشر أهله، انتهت العمرة، ثم يحرم بالحج في اليوم الثامن من مكانه الذي هو نازل فيه، إن كان نازلاً في مكة فمن مكة، أو في منى فمن منى، أو في أي مكان من مكانه، يحرم بالحج فيغتسل كما سبق في العمرة ويتطيب ويلبس ثياب الإحرام ويقول: لبيك حجاً ثم يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. هذا يكون ضحى اليوم الثامن، ويذهب إلى منى فينزل بها، فيصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، كل صلاة في وقتها مقصورة، أي: الظهر والعصر والعشاء تكون على ركعتين، فإذا طلعت الشمس في اليوم التاسع سار إلى عرفة، فينزل بـ نمرة إن تيسر وإن لم يتيسر ذهب رأساً إلى عرفة ونزل في مكانه، فإذا زالت الشمس صلى الظهر. وينبغي لإمام الحجيج أن يخطب فيهم خطبة قبل أذان الظهر، يقرر فيها أصول الإسلام وحقوق الإسلام، ويبين أحكام النسك، ثم يؤذن لصلاة الظهر والعصر جمع تقديم قصراً. لكن لو صادفت الحجة يوم الجمعة يصلي الجمعة أو لا؟ لا يصلي الجمعة، السفر ما فيه جمعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صادف يوم عرفة في حجة الوداع يوم الجمعة ولم يصل الجمعة، صلى الظهر والعصر. ثم إذا فرغ من صلاة الظهر والعصر يتفرغ للدعاء والذكر، ويكثر الابتهال إلى الله في آخر النهار، فإن الله تعالى يباهي الملائكة بأهل الموقف، فإذا غربت الشمس سار من عرفة إلى مزدلفة ملبياً؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، ويؤخر الصلاة إلى أن يصل إلى مزدلفة فينزل بها، ويصلي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً ويبيت في مزدلفة إلى أن يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر أذن وصلى الركعتين الراتبة ثم صلى الفجر، ثم جلس يدعو الله بما أحب إلى أن يسفر جداً. وليعلم أن عرفة كلها موقف وأن مزدلفة كلها موقف، ولكن ليتحرى أشد التحري في حدود عرفة؛ لأن بعض الناس يقصُر عن عرفة وينزل قبل أن يصل إلى حدودها، ويبقى في مكانه حتى تغيب الشمس ثم ينصرف إلى مزدلفة، وهذا لا حج له، بل رجع بدون حج؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الحج عرفة) . كذلك مزدلفة كلها موقف، لا يلزم أن تذهب إلى المشعر الحرام، بل أي مكان وقفت فيه أجزأك. ثم تنصرف من مزدلفة إذا أسفر جداً إلى منى، وبعد الانصراف من مزدلفة إلى منى ستفعل ما يأتي: أ

стр. 1475

مسائل تتعلق بالحج وهنا مسائل:
следующие страницы →