Полный текст (2 259 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء وتقبيل اليدين
السؤال
ما حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء وتقبيل تلك اليدين؟
الجواب
أما تقبيل اليدين بعد الفراغ من الدعاء ومسح الوجه بهما فإنه بدعة لا أصل له، وأما مسح الوجه ففيه أحاديث ضعيفة قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: إنها لا تقوم بها حجة وأنَّ مسح الوجه بعد الدعاء باليدين بدعة.
وذهب بعض العلماء إلى أن الأحاديث بمجموعها تصل إلى درجة الحسن وتكون حجة، وأنه يسن مسح الوجه باليدين، والأمر في هذا واسع، إن مسح فلا يُنهى، وإن ترك فلا يؤمر، ولكن الذي ينهى عنه ويقال لفاعله: إنه بدعة هو تقبيل اليدين بعد مسح الوجه بهما.
стр. 212
واجبنا نحو الظروف القاسية التي تحيط بالمسلمين
السؤال
فضيلة الشيخ: كما أشرتم بأن شهر رمضان المبارك قادم ونحن نعيش أحوال المسلمين في كل مكان سواء في البوسنة أو فلسطين أو مصر أو غيرها، والأعراض تنتهك وأهل الإسلام يذبحون ويقتلون كالذبائح، فإلى متى يكون الصيام عن التكلم عن مذابح المسلمين؟ وماذا نفعل ونحن نشاهد هذه الظروف القاسية تحيط بالمسلمين؟ أرجو حثي والإخوة على العمل الذي ترونه تجاه ذلك؟
الجواب
العمل الذي نراه تجاه هذه المصائب أن نلجأ إلى الله في نصرة كل مخذول خذله أهل الباطل، والله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦] أما بالنسبة لهؤلاء الذين يؤذون أو يقتلون ويذبحون فإن الله قال في حقهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] ويقول : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] ونحث إخواننا المسلمين على مساعدة هؤلاء على قدر المستطاع بالمال البدن بالجاه؛ لأن في ذلك تفريجاً لكرباتهم، وإشعاراً بأن إخوانهم المسلمين معهم في أي مكان.
وأما بالنسبة لما يلقاه الدعاة في البلدان التي ذكرها السائل، فإنه قد يكون ذلك فتحاً مبيناً؛ لأنه إذا حصل للدعاة في تلك البلاد هذا التضييق فإن الناس يجتمعون حولهم، ويحصل بذلك النصر، ولهذا سمى الله صلح الحديبية (فتحاً) مع أن ظاهره أن فيه غضاضة على المسلمين، لكن صارت عاقبته حميدة، فهؤلاء الذين يؤذون في تلك البلاد لعل الله أن يجعل ذلك فتحاً مبيناً لهم فيلتف الناس حولهم وينتصرون على من يؤذيهم.
стр. 213
حكم إفطار من وصل إلى البلد المسافر إليه
السؤال
فضيلة الشيخ! هل يجوز للمسافر إذا حضر إلى بلدة أن يواصل الإفطار ولو كان هذا يشق عليه؟ وهل الأجر يضاعف للمسافر الصائم علماً أن في الوقت الحاضر كل شيء ميسر؟
الجواب
إذا وصل الإنسان إلى البلد الذي سافر إليها وهو صائم فلا بأس أن يفطر؛ لأن الصائم مخير إن شاء استمر في صيامه وإن شاء أفطر، أما إذا وصل إلى بلده وهو صائم فإنه يجب عليه البقاء على صومه، ولا يحل له الفطر، فإن وصل إلى بلده وهو مفطر في السفر فإنه لا يلزمه الإمساك، لأن هذا الإمساك لا ينفعه إذ أنه قد أفطر أول النهار، وهذا ليس بصوم، فله أن يأكل ويشرب إلى أن تغرب الشمس، ولكنه إذا خاف من اتهامه أو ما أشبه ذلك فليأكل ويشرب سراً.
стр. 214
حكم الصيام في السفر مع المشقة
السؤال
فضيلة الشيخ: من المعلوم أن الإنسان إذا أراد السفر إذا وافق شهر رمضان خصوصاً في النهار نعلم أن له رخصة في الإفطار، ولكني أتحرج للأخذ بهذه الرخصة حتى لو كلفني ذلك مشقة، وأيضاً أشعر أني أعطل ما أمر الله به، والله قد أمر أن تؤتى رخصه، فأجدني أريد أن آخذ بالرخصة وأجهر بها حتى أبين للناس أن هذه رخصة في هذه المسألة فهل أنا على صواب على الرغم من الحرج الذي يعتريني؟
الجواب
الذي فهمت من هذا السؤال أن هذا الرجل يصوم في السفر مع مشقة الصوم عليه وهذا خطأ، إذا شق على الإنسان الصوم في السفر فإنه يفطر: (رأى النبي ﵌ زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم يا رسول الله، قال: ليس من البر الصيام في السفر) وهذا الذي يصوم وهو مسافر مع مشقة الصوم عليه مخالف لمراد الله منه؛ لأن الله يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وإني أقول: إن جملة من علماء الأمة قالوا: إذا صام المسافر فصيامه مردود وعليه القضاء؛ لأن الله قال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] فجعل فرض المسافر عدة من أيام أخر، فإذا صام في سفره فكأنه صام رمضان في شعبان -أي: قبل دخول وقته- وهذا مذهب الظاهرية لكنه مذهب ضعيف؛ لأنه ثبت عن النبي ﵌ أنه صام في السفر في رمضان، وثبت أن الصحابة معه منهم الصائم ومنهم المفطر، ولم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، لكني ذكرت ذلك من أجل ألا يتنطع المتنطع ويتعمق المتعمق، فيقول: لا بد أن أصوم مع مشقة الصوم عليه، نقول: لا تصم.
إذا شق عليك الصوم فشرع الله أن تفطر.
стр. 215
حكم الجهر بالفطر في نهار رمضان
السؤال
هل لي أن أجهر بالفطر حتى أبين للناس هذه الرخصة في هذه المسألة؟
الجواب
نعم وأنت مأجور على هذا، إذا أعلنت فطرك في السفر من أجل أن يعلم الناس أن هذا هو الأفضل مع المشقة، فأنت مأجور على هذا، وهذا من دعوة الناس إلى الهدى والرشاد.
стр. 216
حكم السائل الذي يخرج من المرأة بصورة مستمرة
السؤال
ما حكم السائل الذي يخرج من المرأة إذا كان هذا السائل بصورة مستمرة؟ وإذا كان نجساً فهل يستدعي ذلك الوضوء لكل صلاة؟ وإذا لم تشعر به المرأة هل تتوضأ لكل صلاة؟
الجواب
الذي أرى أن السائل العادي الذي يخرج من المرأة ليس بنجس، بل هو طاهر إلا أنه ينقض الوضوء، وعلى هذا إذا خرج من المرأة وهي متوضئة؛ فليس عليها إلا أن تتوضأ فقط، أي: تجدد، ولا يجب عليها غسل فرجها، ولا ما أصاب ثوبها من هذا السائل، وفي هذه الحالة إذا كان يخرج منها باستمرار فإنها تتوضأ لوقت كل صلاة، ولا حرج عليها أن تجمع الظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء إذا شق عليها أن تتوضأ لكل صلاة.
أما بالنسبة للصيام فإنه لا يؤثر على صيامها شيئاً.
стр. 217
الراجح في عدد ركعات صلاة التراويح
السؤال
فضيلة الشيخ: ذكرتم أن النبي ﷺ كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، ولكن نرى أن بعض الناس ربما يصلون ثلاث عشرة ركعة، فما الذي تنصحون حفظكم الله في فعله؟ وما هو الأفضل: هل هي ثلاث عشرة أو إحدى عشرة، أو ثلاث وعشرون، وإذا قام الإمام ليصلي ثلاث وعشرون ركعة فهل نقوم معه أو نقتصر على السنة، أرجو التبيين والتوضيح، وفقكم الله؟
الجواب
أما الإحدى عشرة ركعة فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره: أن عائشة ﵂ سئلت: كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: (ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة) وأما الثلاث عشرة ركعة فقد ثبتت عن النبي ﵌ من حديث عبد الله بن عباس ﵄ حين بات عند خالته ميمونة، وسبر صلاة النبي ﷺ تلك الليلة فصلى ثلاث عشرة ركعة، وعلى هذا فيكون: الإحدى عشرة ركعة، والثلاث عشرة ركعة كلها من السنة.
وأما إذا زاد الإمام على هذا العدد فالسنة متابعته، وألا يتأخر الإنسان عن متابعته من أجل أن يحصل على قيام الليلة كما أشرنا إليه في حديثنا عن قيام الليل بأن الإنسان إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة.
ومن انصرف إذا أتم الإمام عشر ركعات وانصرف لأنه لا يريد الزيادة على إحدى عشرة ركعة، فقد خالف هدي الصحابة ﵃، فإن الصحابة تابعوا عثمان بن عفان حيث زاد الصلاة الرباعية على ركعتين في منى، فالسنة في منى أن يصلي الإنسان الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين، صلى ذلك رسول الله ﷺ ، وصلى ذلك أبو بكر، وصلى ذلك عمر، وصلى ذلك عثمان ثمان ينين من خلافته، ثم صلى أربعاً، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود ﵁، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ورأى أن ذلك مصيبة أن يخرج عثمان عن هدي الرسول ﷺ وأبي بكر وعمر وعن فعله هو نفسه، ومع ذلك كان يصلي مع عثمان أربعاً لئلا يخرج عن الجماعة، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن! كيف تصلي أربعاً مع عثمان -أي: وأنت تنكر عليه-؟ فقال: الخلاف شر، أي: خروجي أو تأخري عن الصلاة شر، فهؤلاء الإخوة الذين يظنون أنهم متبعون للسنة هم مخالفون للسنة، فالسنة أن يتابعوا الإمام وألا ينصرفوا حتى ينصرف.
стр. 218
توجيه إلى أئمة المساجد
السؤال
فضيلة الشيخ: نرى أن بعض أئمة المساجد يتركون مساجدهم ويسافرون للعمرة وخاصة في العشر الأواخر من رمضان، وقد يبقى أحدهم في مكة جميع العشر يقول: لأصلي التراويح والقيام في الحرم وأصوم في مكة، مع حاجة الناس له في تلك الأيام في بلده أو مسجده الذي يجب عليه الصلاة فيه، وهم باستطاعتهم السفر للعمرة قبل العشر الأواخر، فما توجيهكم للأئمة وخاصة أن بعض المساجد تعاني كثيراً من ذلك؟ وهل من توجيه لأولئك أن يرتبوا أوقاتهم قبل العشر التي يحتاج الناس إليهم فيها؟
الجواب
الذي نرى أن هؤلاء الذين يذهبون إلى العمرة وهم أئمة ويضيعون مساجدهم أنهم كمن عمر قصراً وهدم مصراً، وذلك لأن بقاءهم في مساجدهم قيام بواجب عليهم، وذهابهم إلى العمرة غاية ما فيه أنه سنة، والسنة لا يمكن أن تفعل مع ترك الواجب، لكن إذا ذهبوا يوماً أو يومين فأرجو ألا يكون في هذا بأس، أما أن يذهبوا جميع العشر في الأيام التي يحتاج الناس إلى وجودهم فيها، فإن ذلك خطأ ظاهر، وهم إلى الإثم في هذه الحال أقرب منه إلى السلامة.
стр. 219
حكم استعمال حبوب منع نزول الحيض في رمضان
السؤال
فضيلة الشيخ: إلى كتابة هذا السؤال لم يرد شيء عن استعمال حبوب منع نزول دم الحيض للضرورة، فإذا كانت المرأة تنزل دورتها في العشر الأواخر من رمضان وهي تحب ألا يفوتها فضل العشر الأواخر، فهل لها أن تستعمل تلك الحبوب لتعينها على طاعة الله أم ماذا؟
الجواب
لا نرى أنها تستعمل هذه الحبوب لتعينها على طاعة الله؛ لأن الحيض الذي يخرج شيء كتبه الله على بنات آدم، وقد دخل النبي ﵌ على عائشة وهي معه في حجة الوداع وقد أحرمت بالعمرة، فأتاها الحيض قبل أن تصل إلى مكة فوجدها تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟ فأخبرته بأنها حاضت، فقال: (إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) فالحيض ليس منها، فإذا جاءها في العشر الأواخر فلتقنع بما قدر الله لها، ولا تستعمل هذه الحبوب، وقد بلغني ممن أثق به من الأطباء أن هذه الحبوب ضارة في الرحم وفي الدم، وربما تكون سبباً لتشويه الجنين إذا حصل لها جنين، فلذلك نرى تجنبها، والحمد الله إذا حصل عليها الحيض وتركت الصلاة والصيام فإن ذلك بقضاء الله وقدره وليس بفعلها.
стр. 220
حكم إفطار الحامل والمرضع
السؤال
هل المرأة الحامل يحق لها أن تفطر وكذلك المرضع، فإذا كان هذا جائزاً فهل لها أن تقضي متتابعاً أم طوال أيام السنة بالنسبة للحامل والمرضع؟
الجواب
يجوز للحامل والمرضع الفطر في رمضان، لكن بشرط أن تخاف على نفسها أو على الجنين في الحامل والطفل في المرضع، أما إذا كان بدنها قوياً وكان ذلك لا يضر لا الجنين ولا الطفل، فإنه لا يحل لها أن تفطر، وإذا أفطرت للحاجة أو للخوف على نفسها أو جنينها أو طفلها؛ فإنها تقضي إلى أن يبقى من رمضان القادم مثل ما عليها من الأيام، ففي هذه الحالة يجب أن تصوم القضاء ولها أن تقضي يوماً بعد يوم أو يوماً بعد يومين أو من كل أسبوع يومين حسب نشاطها وقدرتها، إلا أنها لا تؤخره إلى رمضان الثاني.
стр. 221
المراد بانصراف الإمام من الصلاة
السؤال
فضيلة الشيخ: ما المراد بالانصراف الذي أشرتم إليه بانصراف الإمام هل هو الانتظار حتى يخرج الإمام من المسجد أم حتى ينتهي من الصلاة؟
الجواب
المراد بالانصراف في قول النبي ﵌: (من قام مع الإمام حتى ينصرف) قضاء الصلاة، فإذا سلم الإمام فإن السنة أن ينصرف إلى المأمومين يقابلهم بوجهه، وحينئذٍ يكون قد انصرف ويكتب له قيام ليلة.
وهذا السؤال سؤال جيد؛ لأن فيه براعة اختتام عند البلاغيين براعة يسمونها براعة استفتاح وبراعة أخرى براعة اختتام فكأن هذا السائل يقول: انصرفوا أيها المستمعون.
وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 222
اللقاء الشهري [٩]
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وفيه تتجلى العبودية في أسمى معانيها، لكن كثيراً من الأحكام الخاصة به قد يجهلها كثير من الناس، وفي هذا اللقاء أزيح الستار عن مسائل مهمة تتعلق بالحج، كان أهمها: أيها يقدم: الحج أم الدين أم الزواج أم شراء كتب طلب العلم؟ وغير ذلك من المسائل.
стр. 223
من أحكام الحج
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد أيها الإخوة: فهذا هو اللقاء الأول الذي نلتقي به بعد شهر رمضان، هذا اللقاء الذي كان بعد شهر رمضان لقاء بعد عمل، قال فيه النبي ﵌: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه) وأرجو أن نكون جميعاً ممن صامه وقامه إيماناً واحتساباً حتى يحصل لنا هذا الخير الكثير، أن يغفر لنا ما تقدم من الذنوب، ونسأل الله تعالى أن يقينا من الذنوب بعد هذا الخلاص منها، فإن الإنسان إذا خلص من الذنوب أصبحت صحيفته بيضاء، وأصبح قلبه منيراً، وحسنت أعماله، فإن ثبت على ذلك كان دليلاً على قبول الله لعمله، وإن كانت الأخرى فليتب إلى الله وليصلح ما بقي لعله يستدرك ما مضى.
ثم إن الله تعالى بحكمته ورحمته جعل بعد هذا الشهر مباشرة شهور الحج إلى بيت الله، والحج إلى بيت الله قال فيه النبي ﵊: (من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) أي من الذنوب؛ خالصاً منها، نقياً منها، كما أنه حين خرج من بطن أمه ليس له ذنب، فهو يرجع من الحج وليس له ذنب، وبهذا نعلم أن الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها، فما انقضى شهر الصيام الذي يكون سبباً لمغفرة الذنوب حتى جاءت شهور الحج التي هي -أيضاً- سبب لمغفرة الذنوب، وإننا في هذا اللقاء نتكلم يسيراً عن شيء مما يتعلق بالحج.
стр. 224
مكانة الحج في الشريعة
أولاً: الحج ركن من أركان الإسلام، لقول النبي ﵌ حين سأله جبريل قال: (أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) .
وقد أجمع المسلمون على أن الحج ركن من أركان الإسلام، وأن من أنكر فرضيته فهو مرتد عن الإسلام، ومن تهاون فيه فهو على خطر، يعني: من تركه مع وجوبه عليه فهو على خطر عظيم، حتى إن الإمام أحمد ﵀ في رواية عنه قال: إنه يكفر كما لو ترك الصلاة، لكن القول الصحيح أنه لا يكفر ولكنه على خطر: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] فالحج فريضة، لكنه لا يجب إلا بشروط أهمها: الاستطاعة: أن يكون الإنسان مستطيعاً بماله وبدنه، ولا يكون مستطيعاً بالمال إلا أن يكون المال فاضلاً عن حاجاته وقضاء ديونه، فاضلاً عن حاجاته، أي: ما يحتاج إليه في بيته من طعام وشراب وأواني وفرش وغيرها من الحاجات التي لا بد منها، فإذا قدر أن شخصاً عنده مال لكن يحتاج إلى أواني في البيت، فهل يشتري الأواني ويدع الحج، أو يحج ويدع الأواني، الأول أم الثاني؟ الأول.
نقول: اشتر الأواني، لأنها من الحوائج التي لا بد منها، ثم إن بقي شيء فحج به وإلا فلا.
لا بد أن يكون المال الذي عنده فاضلاً عن الدين، والدين: ما وجب في الذمة من ثمن مبيع أو ثمن أرض أو أجرة أو غير ذلك، ليس الدين خاصاً بالمداينة كما هو معروف عند العامة لا.
الدين شرعاً: كل ما ثبت في الذمة حتى القرض الذي يقترضه الشخص يكون ديناً عليه، حتى أجرة البيت للسكنى يكون ديناً، فلا بد أن يكون المال الذي تحج به فاضلاً عن الديون، فإن كان عليك دين؛ فإن الحج لا يجب عليك، حتى الفريضة لا تجب عليك، فإذا قدر أن شخصاً من الناس بيده ألف ريال، وعليه دين ألف ريال، فهل يقضي الدين بالألف ويدع الحج أو يحج ويبقى الدين في ذمته؟ الأول، فنقول: أوف الدين ثم حج؛ لأنك إذا مت وأنت لم تحج وإنما قضيت الدين مت وأنت بريء من الدين، ولكن لو حججت وبقي الدين في ذمتك ومت، فإن نفسك معلقة بالدين بعد الموت، وبهذا نعرف خطأ كثير من الناس الذين يحجون وعليهم ديون، وإذا قلت: يا أخي الدين مقدم، قال: ديني بمائة ألف والحج بألفين، والألفين ما تساوي شيئاً بالنسبة لمائة ألف، هل هذا منطق صحيح؟ لا.
إذا كان عليك مائة ألف وأديت ألفين، يبقى عليك ثمانية وتسعون ألفاً، أي: فقد سقط شيء من الدين وليس عليك إثم في عدم الوفاء بالثمانية والتسعين، لأنك لم تقدر، ولكن قد يكون عليك إثم إذا حججت بألفين وتركت الوفاء، وهذه مسألة يجب أن نتنبه لها نحن، وأن ننبه عليها إخواننا؛ لأن كثيراً من محبي الخير الحريصين على الحج يحج وهو غارق في الديون بحجة أن المال الذي عنده لا يفي بالدين، لكنه يفي ببعض الدين، حتى لو فرض أنه ريال واحد، وعليك مائة ألف، فإذا أوفيت كم يبقى عليك؟ مائة ألف إلا ريال، فقد سقط عنك من ذمتك شيء ولا تستهن بالدين فالدين شديد.
ألم تعلموا أن الرسول ﵊ كان إذا قدم إليه الرجل ليصلي عليه سأل هل عليه دين أم لا؟ إذا قالوا: عليه دين وليس له وفاء ترك الصلاة عليه وقال: (صلوا على صاحبكم) مع أن الرسول ﵌ بالمؤمنين رءوف رحيم ومع ذلك كان يترك الصلاة على الميت الذي هو محتاج إلى الصلاة عليه من أجل الدين.
جيء إليه في يوم من الأيام برجل مدين ميت، فقدم إليه، فلما خطا خطوات ليصلي عليه، قال: (هل عليه دين؟ قالوا: لا نعلم عليه إلا دينارين فقط، فقال: صلوا على صاحبكم، وترك الصلاة عليه، فقام أبو قتادة ﵁ وقال: يا رسول الله الديناران علي -التزم بها أبو قتادة في ذمته- قال: حق الغريم وبرئ منها الميت؟ قال: نعم.
فتقدم النبي ﷺ فصلى عليه) .
الشهادة في سبيل الله لا تكفر الدين؛ وسئل الرسول ﷺ عن الشهادة هل تكفر الذنب؟ قال: (نعم كل شيء) فلما أدبر الرجل دعاه وقال له: (إلا الدين؛ أخبرني بذلك جبريل آنفاً) .
الدين حتى الشهادة لا تكفره، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نتهاون بالدين، وإني لأعجب من قوم مدينين عليهم ديون كثيرة ثم يذهب أحدهم يستدين، يشتري من فلان أو فلان أثاثاً للبيت زائداً عن الحاجة، يشتري كساء للدرج، لأن الدرج ليس عليه كساء، يفرش الدرج وهو فقير عليه ديون، هذا سفه في العقل وضلال في الدين.
هناك قصة وقعت في عهد الرسول ﵊: (جاءت امرأة للرسول ﵊ وقالت: إني وهبت نفسي لك) الرسول ﵊ يجوز له أن يتزوج الهبة، أما نحن فلا يجوز لنا أن نتزوج بالهبة، لو جاءت امرأة تقول لك: إني وهبت نفسي لك فقلت: قبلت ما صارت زوجتك، لكن لو جاءت للرسول ﵊ وقالت: وهبت نفسي لك فقال: قبلت فإنها تصير زوجة له، قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] وهذا خاص بالرسول ﷺ ، جاءت هذه المرأة تقول: (يا رسول الله! وهبت نفسي لك، فصعد بها النظر وصوبه -نظر إلى أعلى بدنها وأسفل بدنها- ثم لم يرغب فيها، فسكت، فجلست المرأة، فقام رجل قال: يا رسول الله -استمع إلى الأدب مع الرسول ﷺ قال: يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها) ما عمل بالقرائن وقال: إن سكوت الرسول دليل على أنه لا يريدها، ما عمل بهذا تأدباً مع الرسول واحتياطاً، قال: إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال له الرسول ﵊: (أمعك شيء -يعني صداق- قال: نعم.
إزاري) الرجل ما عليه إلا إزار، يعني أعلى بدنه مكشوف ليس عليه رداء، سبحان الله! إزارك إن أعطيتها إياه بقيت بلا إزار، وإن لبسته بقيت بلا مهر، فقال له النبي ﵌: (التمس ولو خاتماً من حديد) .
انظر ولو خاتماً من حديد، وباللغة العامية (فتخة) فذهب الرجل يبحث فلم يجد، فرجع وقال: (ما وجدت شيئاً، قال: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم، معي سورة كذا وكذا، قال: زوجتكها بما معك من القرآن) فزوجه بما معه من القرآن.
السؤال
هل قال: اذهب تسلف وتدين؟ لا.
مع أن الرجل في حاجة، مع ذلك ما قال: اذهب فتدين أو تسلف واجعله مهراً، كل هذا لتحاشي الدين، الدين كما يقول العامة: الدين ذل في النهار وسهر في الليل، ولكن هذا لمن كان قلبه حياً، أما من كان قلبه ميتاً فالدين عنده شربة ماء فلا يهتم، يستدين من هذا الرجل مائة ألف ويذهب للثاني يستدين مائة ألف، وهو ما عنده ولا قرش، هذا والله سفه في العقول وضلال في الدين، احم ذمتك، ولا تجعل في ذمتك ديناً إلا لضرورة، أقول هذا تفريعاً على قولنا: إنه لا يجب الحج على من كان عليه دين، وأن الواجب أن يقضي دينه أولاً، ثم بعد ذلك يحج، وليحمد الله على تيسيره، فلو كان الله ألزمنا أن نحج ولو بالاستدانة صار الأمر صعباً، فاحمد الله على التيسير.
стр. 225
تقديم الزواج والحاجات الأصلية على الحج
سؤال: رجل عنده مال ولكنه محتاج للزواج فهل يحج بالمال أم يتزوج؟
الجواب
يتزوج بالمال، لأن الزواج من الحوائج، بل أحياناً يكون من الضرورات، فهذا الرجل الذي جاءنا يسأل يقول: أنا عندي مال إن حججت به ما تزوجت، وإن تزوجت ما حججت، نقول: تزوج ولا تحج، ولكنك إذا قلت هذا ثار عليك العامة، والعوام هوام يقولون: يتزوج ويترك الفريضة ما يكمل دينه، وأركان الدين خمسة، الحج منها كيف تتركه يتزوج وينال شهوته ويترك فريضة وركناً من أركان الإسلام؟ العامي يقول هكذا، ماذا نقول له؟ نقول له: حتى الآن لم تكن فريضة عليه، لأنها لا تكن فريضة إلا بعد أن يتخلص من كل شيء، من الديون، ومن حاجاته الأصلية، ومن كل ما يحتاجه.
السؤال
إنسان طالب علم محتاج إلى كتب لا يتم طلبه للعلم إلا بها ولم يحج، وعنده فلوس إن اشترى الكتب ما حج، وإن حج ما اشترى الكتب فماذا يعمل؟ الجواب: يشتري الكتب ولا يحج، نقول: اشتر من الكتب ما تحتاج ولا تجعل مكتبة كبيرة عالمية، بل اشتر ما تحتاج وحج بعد ذلك؛ لأن الله قال: ﴿مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] والحاجة للكتب كالحاجة للطعام والشراب وقد تكون أشد، طالب العلم الحقيقي الذي يريد العلم يرى أن الكتب له بمنزلة الطعام والشراب بل أشد، فإذا كان الإنسان عليه دين فيقدم الدين على الحج، إذا كان يحتاج حاجات أصلية فيقدم الحاجات الأصلية، وبهذا تحصل للإنسان الطمأنينة.
стр. 226
الدَّين لا يمنع صحة الحج
السؤال
أنا سأحج مع قوم لا أنفق شيئاً، هم طلبوا مني أن أكون رفيقاً لهم لأنني رجل نشيط، أكفيهم عمل القهوة والطبخ وما أشبه ذلك، وأنا ما أخسر شيئاً وعلي دين هل أحج مع هؤلاء؟
الجواب
يحج إذن الدين ما يمنع الحج، بعض العوام يظنون أن الذي عليه دين لا يحج؛ لأن الحج ما يصلح منه، وهذا غير صحيح، الدين يمنع وجوب الحج لكن لو حج الإنسان بدون ضرر -يعني بدون أن يبذل مالاً- فإن ذلك لا بأس به، بل قد نقول: إنه فريضة في حقه، لأنه يدخل في قول الله تعالى: ﴿مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] .
стр. 227
وجوب المحرم في حج المرأة
ثم إن من المهم أن نعلم أنه لا يجب الحج على المرأة إلا إذا وجدت المحرم، فمن لم تجد المحرم فلا حج عليها حتى لو كانت غنية، لأنها تستطيع حساً أن تذهب مع الناس وتحج، لكن شرعاً لا تستطيع، لأنه لا يجوز أن تسافر بلا محرم حتى للحج، والدليل قال ابن عباس ﵁ وعن أبيه: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل وقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة وإنني اكتتب في غزوة كذا وكذا، فقال الرسول ﵊: انطلق فحج مع امرأتك) فأمره أن يدع الغزو من أجل أن يحج مع امرأته، فدل ذلك على أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم ولا للحج، ولا يغرنك تهاون الناس بهذا، عليك بطاعة الله ورسوله ولا تلتفت إلى أحد ما دام رسول الله ﵌ يخطب الناس يعلن على المنبر يقول: (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) فإن الله يقول عن المؤمنين إنهم يقولون: سمعنا وأطعنا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] .
انظر يا أخي! إذا رأيت نفسك إذا أمرك الله ورسوله بشيء تختار غير أمر الله ورسوله فاعلم أنك ناقص الإيمان: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ [الأحزاب:٣٦] إيش ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] بل يقولون: سمعنا وأطعنا، وينقادون أتم انقياد، هكذا المؤمن، فإذا قدر أن المرأة ماتت وعندها أموال عظيمة وليس لها محرم هل تأثم؟ لا.
لا تأثم؛ لأنها ستقابل الله فإذا قال لها: لماذا لم تؤدي الحج؟ تقول: قال نبيك: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا حج عليها ليس عليها حج لأنها غير قادرة شرعاً، والعجز الشرعي كالعجز الحسي ولا فرق.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، والآن يجيء دور الإجابة على الأسئلة.
стр. 228
الأسئلة
стр. 229
سخرية الناس ممن لا دَين له
السؤال
فضيلة الشيخ: ما رأيك في فئة من الناس يرون أن من لا دين عليه عنده نقص في رجولته، بل إن من دينه قليل تناله سخريتهم فيقولون: فلان دينه دين عجوز، مع أنهم يستدينون بنية عدم الوفاء؟
الجواب
أقول: إن هذا بلا شك خطأ، وأن العز والذل تبع الدين وعدم الدين، فمن لا دين عليه هو العزيز، ومن عليه دين فهو الذليل؛ لأنه في يوم من الأيام قد يطالبه الدائن ويحبسه، وما أكثر المحبوسين الآن في السجون بسبب الديون التي عليهم، فهذا القائل لا شك أنه سخيف العقل، وأنه ضال في كلامه، ولكن الذي يظهر أنه كالإنسان المريض يحب أن يمرض جميع الناس، فهو مريض بالدين ويريد أن يستدين جميع الناس حتى يتسلى بهم؛ لأن البلاء والمصائب إذا شاركك فيها غيرك هانت عليك، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] لكن في الدنيا إذا اشترك الناس معك في البلية هانت عليك، كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثلي أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي
فالذي يظهر أن هذا القائل عليه ديون كثيرة، ويريد أن يكون الناس مثله، فنسأل الله أن يقضي عنه دينه حتى يعرف أن الدين ذل، وأن العز في عدم الدين.
стр. 230
الدين من أجل المباهاة بين الناس في الملبس والمركب
السؤال
فضيلة الشيخ: ما رأيك في الذين يستدينون ليشتروا بهذا الدين سيارة ليسوا بحاجة فعلية لها، إنما ذلك مضاهاة للآخرين وملاحقة للموديلات، وهل الأقساط الشهرية تدخل ضمن الدين المحذر منه وفقكم الله؟
الجواب
أرى أيضاً أن هذا ليس من العقل أن تشتري سيارة فوق مستواك لتباهي بها غيرك، أو تتبع الموديلات كلما ظهر موديل ذهبت تشتري وبعت السيارة الأولى بخسارة، هذا لا شك أنه خطأ وسفه، إذا كنت محتاجاً للسيارة فاشتر على قدر حالك، ويقول العامة في المثل المضروب الصحيح: مد رجلك على قدر لحافك، لأنك إذا مددتها أكثر من لحافك طلعت من اللحاف وأصابك البرد، فنقول لإخواننا: ارفقوا بأنفسكم، لا تشتروا من السيارات إلا ما اضطررتم إليه، ولا تشتروا من السيارات إلا ما كان على مستواكم.
أما الأقساط الشهرية فهي من الدين لا شك؛ لأن الدين كما قلنا أولاً وقررناه كل ما ثبت في الذمة فهو دين.
стр. 231
من أخذ مالاً من الصدقات لشيء فلا يصرفه في غيره
السؤال
رجل أخذ مالاً من أهل الخير يستعين به على الزواج فزاد المال، هل يرجعه لمن أعطاه أم يتصرف به على ما يعينه على أمور دينه ودنياه؟
الجواب
يقول أهل العلم ﵏ إن الصدقات تحل حتى للغني، فإذا كان الذين أعطوه من المال أعطوه على أنه صدقة فهو له يتصرف فيه كما يشاء، وإن كان الذي أعطوه من المال من الزكاة لهذا الغرض نفسه -أي غرض الزواج- فإن ما زاد يجب عليه أن يرده لهم؛ لأنه غني عنه، فإن احتاجه لشيء آخر كتأثيث البيت مثلاً فليستأذن من هؤلاء، يقول: المهر وما يتعلق بالزواج انتهى وبقي معي فلوس، ولكني محتاج إلى أشياء أخرى، فهل تسمحون أن أصرفها فيها؟ فإذا قالوا: نعم، فلا بأس، وإلا ردها عليهم، والقاعدة عندنا في هذا: أن من أخذ من الناس أموالاً لشيء معين، فإنه لا يصرفها في غيره إلا بعد استئذانهم.
стр. 232
حكم ذهاب المدين إلى الحج بعد استئذان الدائن
السؤال
مدين عليه دين هل يجوز له أن يستأذن من دائنه في الحج؟
الجواب
أقول: حتى لو أذن الدائن في الحج هل إذنه هذا إسقاط للدين؟ الجواب: لا.
ليس إسقاطاً للدين، فليست العلة في عدم حج المدين أن دائنه يأذن أو لا يأذن، العلة أن ذمته مشغولة بالدين، وسواء أذن أو لم يأذن نقول: لا تحج حتى تقضي دينك، لأن الحج لم يجب عليك، والريال الذي تصرفه في الحج اصرفه في الدين.
стр. 233
التكسب لقضاء الدَّين مقدم على الحج ولو تبرعاً
السؤال
من عليه دين ويجد من يحج معهم على نفقتهم قلت: بأنه يكون الحج واجباً عليه، أفلا يسقط عنه الواجب، إن أراد أن يعمل في أيام الحج لسداد دينه؟
الجواب
نعم إذا كان يمكنه أن يعمل في أيام الحج لسداد دينه فهنا نقول: لا تحج، ليس عليك حج؛ لأنك سوف تستغل هذه الأيام بما تقضي به الدين.
стр. 234
حكم الزواج لمن أرادت أن تحج وليس لها محارم
السؤال
هل يجب على الزوجة الغنية التي ليس لها محرم يحج بها، أن تتزوج ولو كانت عجوزاً؟
الجواب
من يريد أن يتزوج عجوزاً؟ الجواب: لا.
لا يجب عليها، لأن القاعدة عند العلماء: أن ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهذه المرأة هل وجب عليها الحج؟ لا.
لكن لو تزوجت وصار لها محرم وجب عليها الحج، فلا يجب عليها أن تحصل على محرم، كما نقول: لا يجب على الرجل أن يتجر من أجل أن تجب عليه الزكاة، ولا يجب عليه أيضاً أن يتجر من أجل أن يجب عليه الحج، فهنا فرق بين ما لا يتم الواجب إلا به وما لا يتم الوجوب إلا به، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، وعليه فنقول: إن هذه المرأة لا يجب عليها أن تطلب الزوج من أجل أن يكون لها محرم فتحج.
стр. 235
حكم الاستنفاع بالمبلغ المتبقي من الحج عن الغير في قضاء الدَّين
السؤال
ما رأيكم يا فضيلة الشيخ في إنسان يأخذ حجة عن غيره وهو عليه دين، وسينفعه ذلك المبلغ المتبقي في سداد دينه أو في معيشته؟
الجواب
هذا من حيث إنه لا يضر بأهل الدين قد نقول: إنه جائز؛ لأن هذا الذي أخذ دراهم ليحج بها سينتفع بها في قضاء الدين، لكن يشكل على ذلك مسألة وهي: النية؛ فإن هذا الرجل حج من أجل المال ولم يأخذ المال من أجل الحج، إذا حج الإنسان من أجل المال فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من حج ليأخذ المال، فليس له في الآخرة من خلاق، أي: ما له نصيب من الآخرة؛ لأن الله قال في كتابه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥-١٦] فالمشكلة هنا أن هذا الحاج حج ليأخذ المال فصارت نيته بعمل الآخرة الدنيا، فجعل عمل الآخرة وسيلة للدنيا، والعكس هو الصحيح؛ أن تجعل الدنيا وسيلة لعمل الآخرة، إذاً نقول لهذا الأخ: لا تأخذ المال لتحج حتى تقضي دينك؛ لأنك في هذه الحال إنما أردت المال فجعلت الحج كأنه تجارة، وكأنه سلعة تريد أن تتكسب بها.
стр. 236
متى يعطى اليتيم ماله ؟
السؤال
فضيلة الشيخ: أنا وكيل شرعي عن أيتام، وأمهم هي أختي، وأموالهم بيدي، ولهم مصدر رزق ثابت وهو عبارة عن إيجار عمارة يوفي بحوائجهم، وسؤالي هو: متى يحق لي أن أعطيهم المال الذي لهم؟ وإذا كان أكبر الأولاد عمره أربعة عشر عاماً وأمهم جاهلة فمتى يحق لهم أخذ مالهم، مع أنها عندي في مكان أمين؟
الجواب
قد أفتانا الله في هذا فقال : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء:٦] يعني اختبروهم في البيع والشراء ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦] أي: بلغوا الزواج والمعنى أنهم بلغوا ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] آنستم، يعني: أبصرتم ورأيتم أنهم مرشدون؛ فادفعوا إليهم أموالهم، وعلى هذا فنقول: هؤلاء الأيتام الذين أكبرهم من له أربع عشرة سنة لا تعطهم المال إلا إذا بلغوا وعرفت أنهم ذوو رشد بحيث يتصرفون في المال تصرفاً حكيماً فأعطهم المال؛ لأن الله بين ذلك في القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] .
стр. 237
حكم الذهاب إلى الحج على نفقة الغير مع وجود الدَّين
السؤال
فضيلة الشيخ: أنا شخص لم أؤد فريضة الحج وعلي ديون تقدر بعشرين ألف ريال، وقال لي أخ في الله: حج وأنا أتحمل دينك، وأنا في شوق إلى الحج أفدني وفقك الله؟
الجواب
إذا كان هذا الأخ في الله يريد أن يتحمل نفقة الحج بحيث لا يضرك الذهاب معه فلا بأس أن تذهب، ولا يجب عليك أيضاً؛ لأن فيه منة عليك، يخشى يوماً من الأيام ألا يكون أخاً لك في الله، بعد ذلك يمن عليك ويقول: هذا جزائي؛ حججت بك في العام الفلاني، والآن تفعل في ما تفعل، فنقول: إذا كان هذا الرجل يريد أن يحج بك على نفقته بحيث لا تخسر شيئاً فلا بأس أن تحج، ومع ذلك لا نقول: إنه يجب عليك أن تحج، وكلامي هذا لا يتناقض مع ما قلته أولاً: أن الرجل يذهب مع جماعة وعليه الدين؛ لكنه يذهب على أنه يخدمهم في القهوة والشاي وما أشبه ذلك؛ لأن هذا الرجل الذي يذهب معهم ليس لهم عليه منة، إذ أنه هو الذي له المنة عليهم لأنه يخدمهم.
стр. 238
حكم الذهاب إلى مكة من أجل الحج والتكسب لقضاء الدَّين
السؤال
رجل عليه دين وهو يريد الحج، وفي الحج يشهد منافع ويعمل ويكتسب ولا يصرف من جيبه شيئاً بل يكتسب ويحج هل يحج أم لا؟
الجواب
نعم يحج؛ لأن هذا لن يخسر في حجه شيئاً وكما قال عن نفسه: أنه يستفيد فيكون في الحج فائدتان: الفائدة الأولى: أنه يسقط الفريضة عن نفسه.
الفائدة الثانية: أنه يكتسب مالاً يستعين به على قضاء دينه.
стр. 239
حكم الذهاب إلى الحج والاتفاق مع صاحب الدَّين على البراءة بعد الموت
السؤال
رجل أراد الحج وعليه دين، ولكنه متفق مع صاحب الدين على أنه إذا مات قبل السداد فلا شيء عليه؟
الجواب
هذا على كل حال دين هين، والدائن جزاه الله خيراً على هذه الأريحية والنفسية أنه يقول للأخ: إذا مت وأنت لم توف فإنني أسقط عنك الدين، ولكن يشكل علينا مسألة: ربما يموت الدائن قبله؛ فمن سيطالب بالدين؟ الورثة؛ فيقع في مشكلة، ولهذا نرى ألا يتهاون الإنسان بالدين أبداً، الدين ذل في النهار وسهر في الليل.
стр. 240
حكم لبس النقاب للنساء
السؤال
فضيلة الشيخ: يلاحظ في هذه الأيام كثرة استعمال النقاب من بعض النساء؛ حتى أن بعضهن لا يكتفين بإظهار العينين فقط بل يظهرن الحاجبين وأجزاء من الوجنتين، ويظهرن بهذا الشكل في الأسواق، وفي المحلات التجارية، وفي السيارات مع محرمها أو مع سائقها الأجنبي، فنود من فضيلتكم تعريفنا بالحكم الشرعي في لبس النقاب والله يحفظكم؟
الجواب
الجواب على هذا السؤال مكتوب لنا في ورقة، وأظنه شائعاً بين الناس، والنقاب في الأصل حلال؛ لأن نساء الصحابة كن ينتقبن إلا المرأة المحرمة فلا يحل لها أن تنتقب؛ لأن النبي ﵌ نهاها عن ذلك، فأصل النقاب حلال، لكن الشيء الحلال إذا كان ذريعة إلى أمر منكر فإنه منكر، وما قاله السائل من أن بعض النساء استعملن هذا النقاب الحلال على وجه حرام، بحيث تخرج الحاجب وشيئاً من الجبهة وشيئاً من الوجنتين، فإن هذا يخشى منه أن يتدرج الناس من سيئ إلى أسوأ، وأن يكون هذا العام عام الوجنتين والحاجبين، والعام الذي يليه عام الخدين والجبهة، والعام الذي وراءه عام الشفتين واللحيين وهكذا؛ لأننا نرى أن الشر يقوم به الناس على وجه التدرج، ونضرب لهذا مثلاً فيما يكون في بعض الدول الأخرى، هل الدول التي نسمع عنها ونخبر عنها هل قال لهم علماؤهم: إنه يحل لكن أيتها النساء أن تكشفن الوجوه وتتمكيجن وتكتحلن، وبعضهن يكشفن حتى الرءوس وحتى الرقاب، هل قال لهم علماؤهم ذلك؟ أبداً.
ما قالوا هذا، علماؤهم قالوا: إنه يجوز كشف الوجه على رأي لهم، وهو رأي ضعيف، لكن هل اقتصر النساء على ذلك؟ فمن تدبر أحوال العالم وسنة الله في الخلق علم أن الشر ينتشر شيئاً فشيئاً، وأن ما حوفظ عليه اليوم لا يحافظ عليه في الغد، لذلك نرى أن المرأة عليها أن تتقي الله وألا تكون مفتاحاً للشر والفتنة وألا تنتقب، بل تبقى على حالها الأولى ولن يضرها شيئاً، نساؤنا فيما سبق كن يستعملن الغطاء غطاء الوجه الكامل ولم يضرهن ذلك شيئاً، أما لو فرضنا أن النساء سوف يلتزمن بالنقاب الشرعي الذي لا يخرج منه إلا العين من أجل النظر لم نقل بالمنع، ولكن ما دام رأينا أن المسألة تتوسع توسعاً لا يجوز، فإننا نرى أن على النساء أن يتقين الله ، وأن يتجنبن هذا الفعل المباح خوفاً من الوقوع في الشيء المحرم.
стр. 241
حكم اختلاط الرجال بالنساء من غير المحارم في الأكل وغيره
السؤال
فضيلة الشيخ: انتشر في بعض المناطق القريبة اختلاط الرجال بالنساء؛ حيث يجلس الرجل مع ابنة عمه أو مع زوجة أخيه بل ربما اجتمعوا جميعاً على الطعام، فما نصيحتكم في هذا؟
الجواب
أما اجتماع العائلة في مكان واحد والنساء في جانب والرجال في جانب فهذا لا بأس به ولا حرج فيه، ما لم يكن هناك فتنة خاصة نعرفها من بعض الرجال أو من بعض النساء فهنا يمنع، وإلا فالأصل أن هذا جائز.
أما الاجتماع على الأكل فهذا ليس بصحيح، الاجتماع على الأكل يمكن أن تكون هذه المرأة جنب رجل ليس بمحرم لها ولا زوج، وأيضاً الأكل كيف تأكل المرأة وهي متحجبة الوجه، فلابد أن تكشف؛ لأن المعروف أن الطعام يدخل من الفم ولا بد من كشف الغطاء، لذلك نرى منع هذا الشيء، أما وجودهم في مكان واحد في مجلس أو في بهو أو ما أشبه ذلك، فلا بأس إذا كانت النساء منعزلة عن الرجال.
стр. 242
حكم هدم المسجد القديم بعد بناء المسجد الجديد
السؤال
إذا بنى أهل بلد مسجداً جديداً فهل يجوز هدم القديم لأنه لم يعد هناك من يصلي فيه؟
الجواب
هذا يرجع إلى وزارة الأوقاف، فإذا رأت الأوقاف نقل المسجد من هذا المكان إلى مكان آخر جديد؛ فإنه لا بأس أن يباع المسجد الأول ويتصرف فيه، يجعل بيتاً، يجعل موقفاً للسيارات أو كما يشاءون، لأنه زال عنه حكم المسجد، لكن لا بد من مراجعة إدارة الأوقاف في مثل هذه الأمور؛ لأن ولاة الأمر بالنسبة للمساجد هم الأوقاف فإدارة الأوقاف هي ولي الأمر في هذه الأمور.
стр. 243
حكم كفارة الجماع لمن كان لا يحافظ على الصلاة والصوم
السؤال
فضيلة الشيخ: رجل جامع زوجته في نهار رمضان وهو عالم أن ذلك محرم وامرأته غير راضية بذلك، وهو في تلك الحال كان لا يحافظ على الصلاة ولا الصوم، ولكن هداه الله الآن فهو يحافظ على الصلاة والصوم وسؤالي ماذا عليه؟ وهل إعتاق الرقبة الواجبة تجزئ إذا دفع دية عن رجل مسلم دهس نصرانياً؟
الجواب
أولاً: نسأل هل هو حين جامع زوجته لا يصلي أبداً فهذا كافر، وإذا تاب من الكفر فالذنوب التي فعلها في حال كفره تغفر له، أما إذا كان مسلماً ملتزماً بالإسلام لكنه يصلي ويخلي؛ فهذا ليس بكافر فيلزمه حكم الإسلام فيما فعل ويلزمه كفارة الوطء في نهار رمضان، لكن بشرط أن يكون حين الوطء في بلده، أما إذا كان مسافراً فالمسافر له أن يجامع في نهار رمضان.
لو فرضنا أن رجلاً سافر مع أهله في نهار رمضان وصام هو وأهله، ثم في أثناء النهار جامع أهله فليس عليه شيء إلا قضاء هذا اليوم؛ لأن المسافر لا يلزمه أن يصوم؛ لكن هذا إذا صام في البلد وجامع فإنه يلزمه أن يكفر، والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
أما زوجته ويقول: إنها غير راضية فإن كانت مكرهة وعجزت عن مدافعة الزوج؛ فليس عليها شيء لا قضاء اليوم ولا كفارة، وأما إذا كانت غير مكرهة لكنها غير راضية، يعني: تكره هذا الشيء إلا أنها وافقت فعليها الكفارة.
أما قوله في إعتاق الرقبة: لو أن رجلاً مسلماً دهس نصرانياً فنقول لا يصح أن يعتق المسلم بأداء الدية، أولاً: لأن هذا المسلم الذي دهس الكافر لا يمكن أن يقتل بالكافر حتى لو أخذ السكين وذبحه ذبحاً، فإن المسلم لا يقتل بالكافر لقول النبي ﵌: (لا يقتل مسلم بكافر) وعلى هذا فرقبة المسلم غير مستحقة لواجب الدية.
الغالب أن الدهس حتى لو كان دهس كافر لا يقع عمداً من الناس، الناس ليسوا مجانين ليتعمدوا أن يدهسوا الناس في أسواقهم، وإنما يقع خطأ والخطأ ليس فيه قصاص؛ حتى لو دهس المسلم مسلماً خطأ، فإن الداهس لا يقتل، والقتل في العمد، وعلى هذا فنقول للأخ: لا يمكن أن يكون دفع الدية عن الرجل المسلم مجزئاً عن إعتاق الرقبة؛ لأن معنى إعتاق الرقبة أن تشتري عبداً مملوكاً فتعتقه.
بعض الناس يقول: إنك إذا أنقذت غريقاً من الماء من الغرق فهذا إعتاق رقبة، لا شك أنه إعتاق نفس، لكنه ليس إعتاق رقبة، لا يجزئ عن إعتاق العبد.
وبالمناسبة بعض الناس يقول: إذ أنقذ رجل امرأة من الغرق صار أخاً لها ومحرماً لها هذا صحيح أم غير صحيح؟ غير صحيح، أنقذها من الغرق أو من الحرق لا يكون محرماً لها.
стр. 244
حكم الجمعيات التي تحصل بين الموظفين أو مجموعة من الناس
السؤال
فضيلة الشيخ: أسأل عن مجموعة من الشباب وضعوا لهم جمعية والمراد بهذه الجمعية أن يأخذ أحد الأفراد هذه الجمعية رواتب الجميع في شهر أو بعضها، ثم يأخذها شخص آخر في الشهر الثاني، فما حكم هذه الجمعية؟ وإذا كان عدد أفراد هذه الجمعية أكثر من ثلاثة عشر رجلاً فيكون أحد الأشخاص يدور على راتبه الحول وهو لم يستلمه هل يكون في هذا الراتب الذي حال عليه الحول زكاة أم لا؟
الجواب
هذه الجمعية ليس فيها بأس وهي جائزة ولا إشكال فيها أبداً، بأن يجتمع أناس أو موظفون يقولون: سنعطي واحداً منا ألف ريال، كل واحد منا يعطيه ألف ريال إذا كانوا عشرة سيأخذ الأول تسعة آلاف، في الشهر الثاني يأخذ الثاني تسعة آلاف، وهكذا حتى تدور عليهم جميعاً، هذه ليس فيها بأس إطلاقاً.
ومن توهم من الناس أن هذا من باب القرض الذي جر نفعاً فهو وهم منه، أين النفع الذي جره؟ أنا سلفت هذا الرجل ألفاً وأخذت ألفاً أيضاً.
ما جاءني نفع، يقول إنه يعلم أنه سيوفيه وسوف يأخذ عشرة آلاف نقول: نعم، هو يعلم أن هؤلاء الذين تسلفوا منه سوف يوفونه، وهل الإنسان الذي يسلف شخصاً بشرط أن يوفيه هل هذا قرض جر نفعاً؟ أبداً، على كل حال هي لا بأس بها.
والفقرة الثانية من السؤال: هل تجب الزكاة في الديون التي على إخوانك الذين أقرضتهم؟ الجواب: نعم.
وذلك لأنهم أغنياء والديون التي على الأغنياء تجب فيها الزكاة، ولكن أنت بالخيار: إن شئت أخرجت زكاتها مع مالك، وإن شئت أخرت زكاتها حتى تقبضها ثم تخرجها عما مضى.
стр. 245
صفة الصلاة على النبي ﷺ
السؤال
فضيلة الشيخ: ما هي صفة الصلاة على النبي ﷺ ؛ هل هي أن يقول الإنسان: اللهم صل على محمد، أو اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أم الدعاء المشهور في التشهد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد إلى آخره؟
الجواب
الصلاة على النبي ﵌ يكفي منها أن تقول: اللهم صل على محمد، لكن الأفضل أن تقول: اللهم صل وسلم على محمد؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] فهذا هو الأفضل.
أما في الصلاة فإن الأفضل المحافظة على الصلاة المشهورة؛ لأن الصحابة قالوا: (يا رسول الله! علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) والسلام كما علمتم، السلام هو: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، تقول: السلام عليك أيها النبي.
وما رواه البخاري عن ابن مسعود ﵁ أنهم كانوا يقولون: السلام عليك أيها النبي، في حياة الرسول ﵊، وأما بعد موته فكانوا يقولون: السلام على النبي، فهذا من رأي ابن مسعود ﵁؛ لأنه ثبت في موطأ الإمام مالك ﵀ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان على المنبر يعلم الناس التشهد، فقال في السلام: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ذكر هذا وهو على المنبر بحضرة الصحابة كلهم وبعد موت الرسول ﵊، ثم إن الصحابة في حياة الرسول هل هم يقولون: السلام عليك، يخاطبونه؟ لا.
لأنهم لا يجهرون بها ولا يسمعهم؛ ولأن المسلمين منهم من يصلي في حيه ومنهم من يصلي في غير المدينة في مكة، يصلون وفي كل مكان ويقولون: السلام عليك، فالكاف هنا ليست لخطاب الحاضر حتى نقول إنها بعد موت الرسول قد زال وصف الحضور في حقه، إنما هي كاف الخطاب في السلام عليك، لقوة استحضار المسلِّم للنبي ﵌، يعني كأنك لقوة استحضارك إياه كأنك تخاطب شخصاً بين يديك.
إذاً الصلاة على النبي لا تتقيد بالصلاة التي علمها الرسول ﵊ لأصحابه أن يصلوا عليه في الصلاة، إنما إذا كنت في الصلاة فلتصل كما أمر الرسول ﵊، أما في غير الصلاة فتقول: اللهم صل على محمد ﷺ ، وهذه كتب العلماء بين أيدينا تقول: قال رسول الله ﷺ وبعضهم يقول: ﵌.
стр. 246
حكم الذهاب إلى الحج مع الأم مع وجود الدَّين
السؤال فضيلة الشيخ: لي أم لم تحج وهي تريد أن تحج هذا العام، وطلبت مني أن أحضر إليها وأحج بها وأنا في القصيم بعيداً عنها، كذلك علي دين وهذا الدين معي وأنا أستطيع رده الآن، والدين كان لكي أشتري سيارة وأنا أريد أن أحج وحدي من هنا، فما رأيك في هذا الأمر وفقك الله؟ وآخر يقول: أنا رجل علي دين كثير لكن أمي طلبت مني أن نذهب إلى الحج، فما الجواب وهي لم تحج؟
الجواب
السؤال الأول يختلف عن السؤال الثاني بأن السائل الأول يقول: إنه قادر على وفاء الدين فنقول لهذا الأخ: أوف الدين؛ لأن الذي ينبغي للإنسان أن يبادر بوفاء الدين قبل أن يموت ثم يلعب الورثة في ماله ولا يوفون دينه، أوف الدين وحج بأمك وهذا من تمام البر أن تحج بها، ولقد شاهدت بعيني أناساً قد حملوا أمهاتهم على ظهورهم في الحج من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى مع شدة الزحام ومشقة السير والله رأيتهم يحملون أمهاتهم على ظهورهم، والأم حقها كبير وعظيم، سهرها في ليلة من الليالي من أجل أن ترتاح وتنام تساوي الدنيا كلها، ألم تعلم أن الأم تسهر بالليل من أجل أن تنام أنت، تهدك حتى تنام، ثم تنام بعدك، تعبها في الحمل والولادة شيء لا يطاق، فلها حق عظيم عليك، فإذا أمرتك أن تأتي إليها من القصيم إلى بلدها ولو كانت في أمريكا وأنت قادر فاذهب إليها وحج بها وستجد من الله كل خير؛ لأن البر شأنه كبير، وأمره عظيم، ومن بر بوالديه بر به أولاده.
أما الثاني الذي عليه الدين فلا نرى أن يحج بأمه وعليه الدين إلا إذا قالت أمه: أنا أتحمل جميع نفقات الحج فحينئذ نقول: حج معها؛ لأنك في هذه الحال لن تضر أصحاب الدين شيئاً وتبر بأمك.
стр. 247
الراجح في الحج عن الوالدين أيهما يقدم ؟
السؤال
قد حججت والحمد لله ولكن والدي ماتا ولم يحجا، وأنا أريد أن أحج عنهما ولكن هل أبدأ بأمي أو بأبي؟ وإن حججت عن أحدهما فأنا أريد أن أتدين للآخر للتوكيل عنه ليتم فريضة الحج، أفتونا مأجورين في أسرع وقت؟
الجواب
ما دمت حاضراً نعطيك الفتوى إن شاء الله نقول: حج عن أمك أولاً؛ لأن الأم أحق بالبر من الأب، وهي وأبوك كلهم فريضة، لو كان للأم نفل والأب فريضة: قلنا ابدأ بالفريضة للأب، لكن كلاهما فريضة فابدأ بالأم، ولا تتدين لتنيب من يحج عن أبيك، إذا كان العام القادم وأنت قادر فحج عن أبيك، وكونك أنت الذي تؤدي الحج خيراً من كونك تنيب غيرك؛ لأن إخلاصك لأبيك أكبر بكثير من إخلاص غيرك لأبيك، لهذا نقول: لا يجوز أن تتدين من أجل أن تنوب من يحج عن أبيك، بل حج عن أمك الآن هذا العام ما دمت قادراً، وفي العام القادم إن كنت قادراً فحج عن أبيك.
стр. 248
التفصيل في حكم الصلاة على من عليه دَين
السؤال
إذا كان النبي ﷺ لم يصل على الذي في ذمته دين فهل هذا خاص به ﵊، أعني عدم الصلاة على المدين؟ ولماذا لا يكون من بعض الأئمة سؤال عن الموتى الذين يصلون عليهم؟
الجواب
إن الرسول ﵊ كان لا يصلي على من عليه دين لا وفاء له -كما قلنا- لكن لما فتح الله عليه صار يقول: من كان عليه دين فعلي قضاؤه، فصار يقضي عن الناس ديونهم ويصلي عليهم، أما بالنسبة لغيره فالصحيح أن في ذلك تفصيلاً، فإن كان الرجل له قيمته في المجتمع، وإذا ترك الصلاة على هذا المدين اتعظ الناس بذلك وخففوا من الديون عليهم، فليفعل اقتداءً برسول الله ﵌، أما إذا كان من عامة الناس، وأنه إذا ترك الصلاة على المدين لم ينته الناس عن الدين ولا يزيده ذلك إلا شماتة به وسباً له فلا يفعل، فهناك فرق بين رجل له قيمته واعتباره في المجتمع إذا فعل الشيء قبله الناس واقتدوا به، وشخص آخر ليس له هذه القيمة ولا يزيده فعل ذلك إلا سباً وشتماً فلا يفعل هو في غنى عن هذا.
стр. 249
مسافر أدرك التشهد الأخير من صلاة الجمعة
السؤال
رجل مسافر جاء إلى صلاة الجمعة في المسجد فأدرك معهم التشهد الأخير، السؤال: هل يصلي أربعاً أم يصلي كصلاتهم ركعتين؟
الجواب
المسافر لا تلزمه الظهر إلا مقصورة، فإذا أدرك من الجمعة أقل من ركعة وجبت عليه الظهر، والظهر في حقه مقصورة ركعتان فليصل ركعتين فقط، لأنه غير مقيم بل هو مسافر، أما لو أدرك ركعة فإنه يأتي بركعة واحدة وتكون له جمعة.
стр. 250
أئمة يخالفون السنة في قراءتهم لصلاة الفجر
السؤال
فضيلة الشيخ: يوجد بعض أئمة المساجد يقرءون في صلاة فجر يوم الجمعة بسورة الإنسان في الركعة الأولى والثانية، وبعضهم يقرأ سورة السجدة في الركعة الأولى والثانية، وبعضهم يقرأ نصف سورة السجدة في الركعة الأولى، ونصف سورة الإنسان في الركعة الثانية، فهل عملهم هذا صحيح؟ وإذا كان غير صحيح فكيف ننكر عليهم؟ وما هو الدليل على الإنكار عليهم؟ وهل نقول لهم بأن عملهم هذا بدعة جزاكم الله خيراً؟
الجواب
لا نقول: إن عملهم بدعة لكننا نقول: إن عملهم تلاعب بالسنة، إذا كانوا صادقين في اتباع الرسول ﵊ فليفعلوا ما فعل، ولهذا وصف ابن القيم ﵀ أمثال هؤلاء بالأئمة الجهال، فنحن نقول: إذا كان لديك قوة وشجاعة على أن تقرأ (الم تنزيل السجدة) في الركعة الأولى و ﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان:١] في الركعة الثانية فافعل، وإن لم يكن لديك شجاعة فاقرأ سوراً أخرى؛ لئلا تشطر السنة وتلعب بها، فالسنة محفوظة، كان الرسول ﵊ في فجر يوم الجمعة يقرأ في الركعة الأولى: (الم تنزيل السجدة) وفي الركعة الثانية: (الم تنزيل السجدة) وفي الركعة الثانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان:١] فإما أن تفعل ما فعله الرسول ﵌ وإما أن تقرأ سوراً أخرى، أما أن تشطر ما فعله الرسول وتقسم ما فعله الرسول فهذا خلاف السنة ولا شك أنه تلاعب بالسنة، فافعل هدي نبيك محمد ﵊، وكن شجاعاً؛ لأن بعض الأئمة يقول: إذا قرأت: (الم تنزيل السجدة) في الركعة الأولى و ﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان:١] في الركعة الثانية قالوا: لماذا تطيل علينا؟ لماذا تفعل؟ ثم صاروا فقهاء وهم عوام، يقولون: إن الرسول غضب على معاذ لما أطال بالناس، انظر العامي إذا اجتهد أصبح عالماً كبيراً!! يقولون: كيف تطول بنا والرسول غضب على معاذ وعاتبه، لكن نقول: كل ما فعله الرسول فهو تخفيف، حتى لو قرأ: (الم تنزيل السجدة) و ﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان:١] ولهذا قال أنس بن مالك: (ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله ﵌ .
следующие страницы →