Полный текст (2 259 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
حكم الهرولة بالنسبة للنساء في السعي
السؤال
أشرتم وفقكم الله في الطواف والسعي إلى الهرولة هل الهرولة خاصة بالرجل وإذا كان الرجل معه امرأة بل نساء فهل يهرولن معه أم لا؟
الجواب
ذكر بعض أهل العلم أن علماء المسلمين أجمعوا بأن المرأة لا تهرول لا في الطواف ولا في السعي، وكان يتراءى لي في الأول أن المرأة في السعي تسعى بين العلمين، أي: تركض؛ لأن أصل السعي من أجل أم إسماعيل، لما تركها إبراهيم وولدها في مكة وترك عندهما جراباً من التمر ووعاءً من الماء، فلما نفد التمر والماء قل لبنها على ابنها وصار الابن يجوع لأن الأم ليس فيها لبن فجعل الابن يصيح، فضاقت عليها الأرض بما رحبت، فنظرت أقرب جبل إليها؛ لأن الولد كان عند محل الكعبة، وأقرب جبل إليها هو الصفا.
فذهبت فصعدت تتسمع لعل الله أن يأتي بأحد، لأن ذلك الوقت ليس فيه أحد، فنزلت متجهة إلى المروة، لأنه أقرب جبل إليها أيضاً، وفي أثناء مسيرها مرت بوادي مجرى الشعيب، وهو عادة يكون منخفضاً فلما هبطت بالوادي أسرعت لئلا يغيب عنها ولدها، فلما صعدت مشت عادة حتى أتت المروة، فلما أتمت سبع مرات نزل الفرج من رب الأرض والسماوات، الله أكبر.
نزل جبريل فركض برجله أو جناحه محل زمزم حتى نبع الماء، فجعلت من شفقتها عليه تحجره لئلا ينساب في الأرض، قال النبي ﵌: (يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً) وجعلت تشرب من هذا الماء، وكان ماء زمزم لما شرب له، فكان يغنيها عن الطعام والشراب، فدرت على ولدها واستأنست، فمر ركب من جرهم، ورأوا الطيور تنزل على هذه الجهة لتشرب من الماء، فتعجبوا وقالوا: ليس في هذا المكان ماء! فكيف يكون هذا؟ فذهبوا نحو ما تأوي إليه الطيور، فإذا بأم إسماعيل وولدها، فنزلوا عندها وصارت قرية، مدينة.
سبحان الله! بعد أن لم يكن فيها إلا الوحش، وإسماعيل وأمه.
كان يتراءى لي إن المرأة تسعى بين العلمين؛ لأن أصله من سعي أم إسماعيل، لكن لما رأيت بعض أهل العلم نقل إجماع العلماء على أن المرأة تمشي ولا تسعى، رأيت أن الصواب أن تمشي بلا سعي.
بقي علينا المحرم الذي معها هل يسعى ويتركها أو يمشي معها حسب مشيها؟ نقول: إن كانت المرأة تهتدي بنفسها وامرأة مجربة ولا يخشى عليها، فلا حرج أن يرمل في الأشواط الثلاثة ويقول لها في آخر الطواف: نلتقي عند مقام إبراهيم، وإن كانت لا تستقل بنفسها ويخشى عليها، فإن مشيه معها أفضل من الرمل وأفضل من السعي الشديد بين العلمين.
стр. 177
نصيحة لأولياء الأمور تجاه بناتهم
السؤال
من ابنتكم المحتارة الغيورة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فضيلة الشيخ: تعلم أن الفتاة في هذا الزمن باتت مهيضة الجناح مهانة مزدراة تباع وتشترى، وإني إذ أكتب هذا الكلام لأبتغي من وراء هذا إلا الدفاع عن فتاة الإسلام ودفاعي هو دفاع لها عن عقيدتها وعفافها وعن شقاوتها وعن حياتها، لأن الفتاة المسلمة هي أم الأجيال ومربية الرجال وعليها أساس صلاح المجتمع، وقد يكون والد الفتاة سبباً رئيسياً في انحرافها أو خيانتها لزوجها، وكم في البيوت من مآسٍ بسبب الجشع وحب المال، فهل من كلمة للنساء وأولياء أمور النساء، جزاكم الله خيراً، كاتبة ذلك: فتاة وقف أبوها وأخوها في وجهها وهي تريد الزواج؟
الجواب
هذه المسألة مسألة عظيمة ومشكلة كبيرة، فإن بعض الرجال -والعياذ بالله- يخونون الله ويخونون أماناتهم ويجنون على بناتهم، والواجب على الولي أن يتبع ما يرضي الله ورسوله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢] أي: زوجوا: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] أي: زوجوا الصالحين من العبيد والإماء الرقيقات، وقال النبي ﵌: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) وبعض الناس -والعياذ بالله- يجعل ابنته سلعة يبيعها على من يهوى ويمنعها عمن لا يهوى، فيزوجها من لا يرضى دينه ولا خلقه؛ لأنه يرى ذلك، ويمنعها عمن يرضى دينه وخلقه؛ لأنه لا يرى ذلك، وليت أننا نصل إلى درجة تجرؤ فيها المرأة على أنه إذا منعها أبوها من الكفؤ الذي رضيته ديناً وخلقاً تذهب إلى القاضي فيقول لأبيها: زوجها أو أزوجها أنا أو ولي غيرك، لأن هذا حق للبنت، إذا منعها أبوها من هو كفؤ فعليها أن تطلب من القاضي أن يزوجها ولي آخر أو يزوجها القاضي.
وهذا حق شرعي فليتنا نصل إلى هذه الدرجة، لكن أكثر الفتيات يمنعها الحياء من أن تقدم على هذا، وتبقى النصيحة للولي أن يتقي الله وألا يمنعها فتَفسد وتُفسد، وليزن ذلك بنفسه، لو أنه أراد النكاح ومنع منه ماذا تكون نفسه؟ ولقد حدثت قديماً أن رجلاً -والعياذ بالله- كان يمنع بناته من تزويجهن، وكبرن فمرضت إحداهن، قد يكون مرضها أيضاً بسبب منعها من الزواج والله أعلم، لكنها في سياق الموت وعندها نساء أوصتهن وقالت: قلن لأبي: حسبي الله عليه، وإن موعدي معه يوم القيامة، والعياذ بالله هكذا تقول لأبيها.
وإن لم تقله فهذا هو الواقع حتى لو لم تقله فستكون خصماً له يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤-٣٦] فنصيحتي للأولياء من آباء أو إخوة أن يتقوا الله ، وألا يمنعوا النساء من هو حق لهن من تزويجهن من يرضى دينه وخلقه، نعم لو اختارت من لا يرضى دينه فله أن يمنعها، لكن تختار رجلاً صالحاً في دينه قيماً في أخلاقه ثم يمنعها لهوىً في نفسه، هذا والله حرام وإثم وخيانة، وأي شيء يكون منعه سبباً له من الفساد فإثمه عليه.
стр. 178
اللقاء الشهري [٨] ١،٢
لقد فرض الله علينا الصيام وجعله ركناً من أركان الإسلام لا يتم الإسلام إلا به، ورتب عليه الأجر العظيم والثواب الجزيل، وقد بيَّن أحكامه في كتابه الكريم، وفي هذه المادة تناول الشيخ أيام الصيام بشيء من الشرح وبيان الأحكام، ثم يجيب عن الأسئلة الواردة في اللقاء.
стр. 179
آيات الصيام في كتاب الله
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإنها لمناسبة كبيرة جليلة أن نلتقي في هذا اللقاء المبارك الذي سماه أخونا الشيخ حمود بن عبد العزيز الصايغ محاضرة، والمقصود هو الفائدة، وسمها ما شئت: محاضرة، لقاءً مفتوحاً، غير مفتوح، سمها كما تحب والمهم هو الفائدة، هذا اللقاء في وقته مناسب، وفي مكانه مناسب: أما وقته فإنه باستقبال شهر رمضان المبارك، الذي أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن يصومه ويقومه إيماناً واحتساباً، ويُغفر له ما تقدم من ذنبه.
وأما مكانه ففي الجامع الكبير في مدينة عنيزة، الجامع القديم الذين هو أقدم الجوامع في هذا البلد فيما نعلم، ويقع هذا اللقاء ليلة الأحد الثالث والعشرين من شهر شعبان عام (١٤١٣هـ) .
إن موضوع هذا اللقاء هو الكلام عن الصيام والقيام، وفي اللقاء الذي سيكون إن شاء الله دورياً في رمضان سيكون الكلام عن الزكاة أيضاً.
وقد طلب مني الأخ الشيخ حمود بن عبد العزيز الصايغ أن أقدم بين يدي الكلام تفسيراً موجزاً لآيات الصيام، وكان هذا قد وقع في قلبي من قبل، فإني قد هممت أن أتكلم على آيات الصيام في كتاب الله ؛ لأن خير ما يُربط به المؤمنون هو كتاب الله ، ولهذا ينبغي لكل فقيه ولكل محاضر ولكل داعية أن يربط الناس بكتاب الله وسنة رسوله ﵌ لفوائد متعددة، منها: ربط الناس بالأصول؛ لأن أصول شريعتنا تنحصر في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﵌، والقياس والإجماع فرع عنهما؛ ولأن الناس إذا ربطوا بكتاب الله وسنة رسوله ﵌ شعروا بأنهم يؤدون العبادات ويقومون بالمعاملات، اتباعاً لإرشاد الله ورسوله ﵌، وكون الإنسان يعتقد وهو يعمل العمل أنه متبع لكتاب الله ولسنة الرسول خيراً من كونه يعمله وهو يعتقد أنه آخذ بالكتاب الفلاني أو الكتاب الفلاني.
المقلدون تقليداً محضاً الذين يعتمدون على كتب الفقهاء دون الرجوع إلى الأصول من الكتاب والسنة تجد الواحد منهم إذا عمل العمل يشعر بأنه مربوط بكلام العالم الذي قلده، لكن إذا حاولنا أن نربط الناس بكتاب الله وسنة الرسول ﵊ كان ذلك خيراً وأفضل، كما كان رسول الله ﵌ يعلن في خطبة الجمعة يقول: (أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ .
والذي أرجو من إخواني طلبة العلم والدعاة إلى الخير والمرشدين أن يلاحظوا هذه المسألة، وأن يربطوا الناس بكلام الله وكلام رسوله ﵊ حتى يعبد الناس ربهم وهم يشعرون بأنهم يفعلون ما يفعلون امتثالاً لأمر الله واتباعاً لسنة الرسول ﵌.
ولهذا نجد الصحابة والتابعين عندما يريد أحد منهم أن يتكلم يقول: لأن الله قال؛ لأن رسول الله قال، وهذا أمر مهم جداً.
وبناءً على ذلك أقول: إن الله تعالى في كتابه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] .
تأمل الخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٨٣] يخاطبنا الله وينادينا باسم الإيمان أو بوصف الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٨٣] إذاً نحن مؤمنون فماذا تريد منا يا ربنا؟ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] كتب أي: فرض، وليس هذا الفرض تكليفاً لكم أنتم أيها الأمة وحدكم بل هو مكتوب على من قبلكم: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] .
وفي قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فائدتان: الفائدة الأولى: تسلية هذه الأمة إذا أصابها ما يصيبها من الجوع والعطش بسبب الصيام، فإن الإنسان يتسلى بما يصيب غيره.
الفائدة الثانية: بيان أن الله استكمل لهذه الأمة الفضائل التي نالتها الأمم السابقة: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] ولهذا كانت شريعتنا -ولله الحمد نسأل الله أن يثبتنا عليها- متممة للشرائع السابقة حتى إن الرسول ﵊ وصف رسالته بأنها كقصر تام البناء إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون بهذا القصر يدورون عليه ويتعجبون منه، إلا أنهم يقولون: هذا الموضع -موضع اللبنة- يعتبر ثلمة في القصر، ونقصاً فيه، قال الرسول ﵊: (فأنا اللبنة الذي تمم هذا القصر) ، ولهذا بعث ﵊ ليتمم مكارم الأخلاق.
قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] لماذا؟ هل لأجل أن نجوع ونعطش؟ لا.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] أي: من أجل أن تتقوا الله.
قال النبي ﵊: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجه في أن يدع طعامه وشرابه) .
ومن هنا يجب أن نشعر ونحن نصوم فنمسك عما أحل الله من الأكل والشرب والنكاح، نشعر بأننا نفعل هذا تعبداً لله وامتثالاً لأمره وتنفيذاً لفرضه، وأننا نتوسل بذلك ونتوصل إلى التقوى إلى اجتناب المحرمات والقيام بالواجبات.
أكثر الناس يظنون أن الصيام مجرد حبس النفس عن الأكل والشرب والنكاح، فتجدهم يقضون أوقات النهار بالنوم أو العبث أو اللعب أو ما أشبه ذلك، وهذا خطأ، إذا صمت فليصم منك السمع والبصر واللسان والجوارح، اتق الله، تجنب محارم الله، قم بما أوجب الله عليك من الواجبات، صل مع الجماعة، أكثر من قراءة القرآن، أكثر من الصدقة، أكثر من الإحسان حتى تنال الحكمة التي من أجلها فرض الصوم.
ما هذا الصوم؟ هل هو أشهر؟ هل هو سنوات؟ هل هو أسابيع؟ استمع: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] لماذا قال: أياماً معدودات؟ لتقليلها وتهوينها على الإنسان، ليست شهوراً ولا سنين: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] .
قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] هذا تسهيل آخر، مع ذلك لا يجب على كل واحد أن يصوم، المريض الذي يشق عليه الصوم يفطر ومتى يصوم؟ عدة من أيام أخر، المسافر ولو في الطائرة، ولو في سيارة مكيفة، ولو في أيام الشتاء يفطر تيسيراً: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] .
ثم قال وهذا تسهيل ثالث: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] هذا تسهيل ثالث أن الإنسان مخير إن شاء صام وإن شاء أفطر وفدى.
قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: يستطيعون أن يصوموا، ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ [البقرة:١٨٤] ودفع الفدية ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] الصيام خير من الفدية، لكن كله جائز إن شئت فصم وإن شئت فأفطر وافدِ، هذه ثلاثة تسهيلات: الأول: أياماً معدودات.
الثاني: سقوط الصيام عن المسافر والمريض إلى أيام أخر.
الثالث: التخيير، إن شئت فصم وإن شئت فأفطر، ولكن إذا أفطرت فلا بد من الفدية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ [البقرة:١٨٤] وأدى الفدية: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤] .
ولكن هل هذه التخييرات الثلاثة بقيت؟ وهل الأيام بقيت مبهمة أي: أياماً معدودات -لا ندري قد تكون في شعبان في رمضان في رجب في شوال في ربيع هل بقيت الأيام مبهمة؟ وهل بقي التخيير بين الصيام والفدية على ما هو عليه من التخيير؟ وهل بقي الترخيص للمريض والمسافر في الفطر؟ لننظر اقرأ الآية التي بعدها: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] هذه هي الأيام، إذاً الأيام المبهمة أولاً عينت في الآية الثانية بأنها شهر رمضان، ولماذا خص شهر رمضان؟ لماذا لم يكن الصوم في رجب؟ لماذا لم يكن في ذي القعدة؟ لماذا لم يكن في ذي الحجة؟ لماذا لم يكن في المحرم؟ هذه الأشهر الأربعة هي الحرم فلماذا لم يكن الصيام في الأشهر الحرم؟ لأن الأشهر الحرم جبين السنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦] لماذا لم يكن الصيام في أحد الأشهر الحرم؟ استمع: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة:١٨٥] لماذا خص رمضان؟ ﴿الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] فشهر حصلت فيه هذه البركة العظيمة، جدير بأن يكون محل الصوم، ولهذا كان ارتباط القرآن بالصوم.
كان النبي ﵊ ينزل عليه جبريل في كل رمضان يدارسه القرآن، ولا ينزل عليه في غيره من الشهور، ينزل عليه بالوحي لا بأس، لكن لا ينزل للمدارسة إلا في شهر رمضان، يدارسه القرآن كل سنة مرة، إلا في السنة التي توفي فيها دارسه إياه مرتين.
إذاً هناك ار
стр. 180
مفهوم الصيام
نقول: ما هو الصيام؟ الصيام في اللغة: بمعنى الإمساك، يقال: صام فلان عن الكلام، أي: أمسك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ [مريم:٢٦] أي: إمساكاً عن الكلام بدليل قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ [مريم:٢٦] هذا هو الصيام في اللغة، ومنه قول العامة عندنا: (صامت عليه الأرض) أي: أمسكته وحجبته، فالصوم الإمساك.
ولكن الصوم شرعاً: التعبد لله، بترك الأكل والشرب والجماع وجميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
التعبد لله: هذا الأمر الذي يجب أن نلحظه في التعاريف الشرعية، كثير من الفقهاء يقول لك: الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وما يفطر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا تعريف قاصر ليس فيه دعوة للروح، كذلك الصلاة عند الفقهاء: أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وهذا تعريف قاصر أيضاً، قل الصلاة: التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
أقرن الناس بالعبادة.
стр. 181
من يجب عليه الصوم
من الذي يجب عليه الصوم؟ نقول: الذي يجب عليه الصوم ما استكمل شروطاً ستة: أن يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، قادراً، مقيماً، خالياً من الموانع.
هذا الذي يجب عليه الصوم أداءً، يجب عليه أن يصوم رمضان في وقته.
- فالمسلم ضده الكافر لا يجب عليه الصوم، لكن هل يعاقب عليه في الآخرة؟ نعم يعاقب عليه، فالكافر يعاقب على كل واجب أوجبه الله وتركه وهو لا يقبل منه ولو فعل، الكافر يعاقب على كل شيء حلال تناوله وانتفع به والمسلم لا يعاقب على الحلال.
الكافر إن أكل عوقب يوم القيامة، إن لبس عوقب يوم القيامة، كل لقمة يأكلها الكافر يعاقب بها يوم القيامة، كل شربة يشربها يعاقب بها يوم القيامة، ما هو الدليل؟ قول الله ﵎: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة:٩٣] وغير الذين آمنوا وعملوا الصالحات عليهم جناح -هذا في الطعام- وقال في اللباس: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] .
غير المؤمنين وإن كانت لهم في الدنيا لكن ليست خالصة يوم القيامة، يعاقبون عليها.
إذاً الإسلام ضد الكفر، فالكافر لا نلزمه بالصوم، لكن نمنعه في بلاد المسلمين من إظهار الأكل والشرب، وهذه مسألة يجب أن ننتبه لها.
لا يجوز فتح المطاعم ولو للكفار -وطبعاً للمسلمين غير مفتوحة- في أيام رمضان، ومن رأى منكم صاحب مطعم فتحه في رمضان وجب عليه أن يبلغ الجهات المسئولة لمنعه، ولا يمكن لأي كافر أن يظهر أكلاً أو شرباً في نهار رمضان في بلاد المسلمين، يجب أن يمنع من ذلك.
- البالغ: ضده الصغير، الصغير لا يجب عليه أن يصوم لكن قال العلماء: يجب على وليه أن يأمره بالصوم ليعتاده اتباعاً للصحابة ﵃، فقد كان الصحابة يصوِّمون الصبيان حتى إن الصبي يصيح من الجوع فيعطونه اللعبة من العهن -وهو الصوف أو القطن وما أشبهه- يعطونه لعبة يتلهى بها إلى غروب الشمس.
قال أهل العلم: نحن تبع لـ سلفنا الصالح نأمر أبناءنا بالصوم ونلهيهم ونلعبهم حتى تغيب الشمس.
- عاقل: ضده من لا عقل له من المجانين والمهذرين والمعتوهين وما أشبه ذلك، هؤلاء ليس عليهم صوم ولا إطعام أيضاً.
- قادر: ضده العاجز، فالعاجز عن الصوم كما مر في الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] .
لكن العلماء بالتتبع يقولون: إن العجز على قسمين: القسم الأول: عجز مستمر كعجز الشيخوخة وأمراض السرطان وما أشبهها، فهذه لا يُرجى زوالها إلا إن أمكن للشيخ أن يرجع شاباً.
يقول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب
إذاً من عجز عن الصوم لكبر ففرضه الإطعام، من عجز عن الصوم لمرض لا يرجى زواله ففرضه الإطعام، يطعم عن كل يوم مسكيناً.
أتدرون ماذا كان يفعل الصحابة؟ كان أنس بن مالك لما كبر وكان لا يستطيع الصوم فصار في آخر يوم من رمضان يصنع طعاماً فيجمع عليه ثلاثين فقيراً ويعشيهم، وتنتهي المسألة.
أما القسم الثاني من العجز: فهو عجز طارئ يرجى زواله، فهذا هو المذكور في الآية أن عليه كما قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] .
- مقيم: ضده المسافر، فالمسافر لا يلزمه الصوم في السفر، له أن يأكل ويشرب ويجامع زوجته إن كانت معه ولا حرج عليه، ويقضي إذا عاد إلى وطنه، وله فسحة في القضاء من رمضان إلى رمضان كم شهراً؟ أحد عشر شهراً هو فيها مخير، صم القضاء في شوال، صم في ذي القعدة، صم في ذي الحجة، لكن لا تصم يوم العيد ولا أيام التشريق، صم في محرم، في صفر، في ربيع في ربيع، في جمادى في جمادى، في رجب، في شعبان، لكن لا تؤخر إلى رمضان الثاني.
والمسافر إذا كان ذاهباً للعمرة في رمضان هل يفطر في مكة؟ نعم يفطر في أم القرى في أفضل البقاع في أيام العشر؛ لأن النبي ﵌ وهو الأسوة وهو ﵌ أحرص الناس على الخير بلا شك، فتح مكة في العشرين من رمضان أو في الثامن عشر منها وبقي في العشر الأواخر في مكة ولم يصم، ثبت ذلك عن ابن عباس ﵄ في صحيح البخاري أنه لم يصم.
ما قال: هذا زمن شريف ومكان شريف فأنا آسف إن لم أصم، بل أخذ بتيسير الله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة:١٨٥] .
ولقد شاهدت من يعتمرون في العشر الأواخر يدخل المسجد الحرام ويطوف وهو على آخر نفس من المشقة ويسعى وهو على آخر نفس من المشقة، فإذا قيل له: أفطر، قال: أسف! كيف أفطر؟ يقول: لا ما يمكن أن أفطر في العشر الأواخر من رمضان وفي مكة، أتحمل والأجر على قدر المشقة، هذا خطأ، هذا فهم خاطئ نقول: إذا كان أنشط لك أن تفطر فأفطر فأنت مأمور بالفطر.
وفي غزوة الفتح كان الرسول ﷺ سافر من المدينة في رمضان في السفر، كان يقول لهم: أفطروا ولكن لم يأمرهم بعزم، فلما قرب من مكة، قال النبي الذي أعطاه الحكمة: (إنكم ملاقوا العدو والفطر أقوى لكم فأفطروا) ألزمهم بالفطر، كان في الأول رخصة ثم صار عزيمة، لأنه أقوى لهم على العدو، فكذلك أيضاً في العمرة إذا كان أقوى لك أن تفطر فأفطر.
أنت جئت للعمرة فأدِ العمرة على ما ينبغي، ولكن لو سألنا سائل فقال: هل الأفضل أن أبادر العمرة في النهار وأفطر أو أؤخرها إلى الليل وأبقى صائماً؟ الأول أفضل؛ لأن الرسول ﵌ كان إذا قدم مكة معتمراً لا يتأخر، حتى أنه ينيخ راحلته عند المسجد ويدخل ويطوف قبل أن ينزل منزله فهذا أفضل.
- ومن الشروط كذلك: أن يكون خالياً من الموانع وهذا خاص بالنساء وهو ألا تكون حائضاً ولا نفساء، فإن كانت حائضاً أو نفساء فإنه لا يلزمها أن تصوم؛ لقول النبي ﵌ في الحائض: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) فالحائض لا تصوم.
ولو صامت هل يجزؤها؟ لا.
قال أهل العلم: يحرم عليها الصوم بإجماع العلماء، ولا يصح منها الصوم بإجماع العلماء، وتقضي الصوم بإجماع العلماء.
ثلاثة إجماعات: الإجماع الأول: يحرم.
والثاني: لو صامت لم يصح.
والثالث: يلزمها القضاء.
هذه شروط وجوب الصوم.
стр. 182
مفسدات الصوم
ما هي المفطرات؟ المفطرات: الأكل والشرب والجماع هذه ذُكرت في آية واحدة: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] ما هذا؟ الجماع ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] : أي النساء ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة:١٨٧] هذا الأكل والشرب ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] قال: ﴿يَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] ولم يقل: حتى يطلع، فلو فرض أننا شككنا: هل طلع الفجر أم لم يطلع فهل لنا أن نأكل ونشرب؟ نعم نأكل ونشرب.
لو تبين بعد ذلك أن الفجر قد طلع، هل علينا القضاء؟ ليس علينا قضاء، لماذا؟ لأن الله قد أذن لنا أن نأكل ونشرب حتى يتبين، ونحن الآن ننظر إلى الأفق ونحن في شك، شخص يقول: طلع الفجر وآخر يقول: ما طلع الفجر، فيجوز لنا أن نأكل ما دمنا شاكين، وإذا تبين أن الفجر قد طلع قبل أكلنا فلا قضاء علينا سبحان الله! نأكل بالنهار ولا قضاء علينا! نقول: نحن حين أكلنا نعتقد أننا في الليل وقد أذن الله لنا ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] .
وقال النبي ﵌: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) يطلع الفجر ثم يؤذن، ولهذا رخص للإنسان إذا سمع الأذان والإناء في يده - لبناً أو ماءً- أن يشرب حتى يقضي نهمته منه، وهذا من التيسير.
إذاً هذه المفطرات الثلاث هي: الجماع والأكل والشرب، ودليلها قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] .
الرابع: ما كان بمعنى الأكل والشرب، وهو الذي يغني عن الأكل والشرب مثل الإبر المغذية، الإبر المغذية مفطرة للصائم؛ لأنها تعطي البدن ما يعطيه الأكل والشرب، والله تعالى إنما حرم الأكل والشرب، وما كان بمعناهما فلها حكمهما؛ لأن الشريعة لا تفرق بين متماثلين.
الإبر الأخرى التي تؤخذ في الوريد كإبر السكر وإبر البنج وإبر تخفيف الألم وما أشبهها، هل تفطر؟ نقول: لا تفطر، فإذا قال إنسان: إنها مفطرة لأنها تصل إلى داخل الجوف، أو إلى داخل البدن أو تختلط بالدم، قلنا: بيننا وبينك كتاب الله ائت بحرف واحد يدل على أن مثل هذا مفطر وعلى العين والرأس، أما أن الله يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة:١٨٧] وأنت تقول: كل ما وصل إلى الدم أو إلى الجسم فهو مفطر، من قال هذا؟ أتضيق على عباد الله ما وسع لهم؟! الإبر التي بمعنى الأكل والشرب نقول: إنها مفطرة؛ لأنها تغني عن الأكل والشرب فهي بمعناه.
ومع ذلك يا إخواني نقول: إنها مفطرة؛ لأنها بمعنى الأكل والشرب، ونحن خائفون من الله أن نضيق على عباد الله؛ لأنه قد يقول قائل: القياس هنا قياس مع الفارق، كيف قياس مع الفارق؟ الأكل والشرب هل الإنسان يتمتع به بمجرد كونه غذاءً أو يتمتع به أولاً وقبل كل شيء لكونه مطعوماً لذيذاً؟ الثاني.
فمن الجائز أن تكون العلة في إفطار الأكل والشرب هي التلذذ به أكلاً وشرباً ثم تغذية البدن به ثانياً.
والتلذذ بالإبر المغذية مفقود، ولهذا نجد المريض الذي يغذى بهذه الإبر أشوق ما يكون إلى الأكل والشرب، وإذا رخص له في الأكل والشرب تجده يأكل القدر كله؛ لأنه مشتاق إليه تماماً.
إذاً: فلو أن أحداً من الناس عارضنا وقال: قياسكم ممنوع لظهور الفارق، أظن أن نقف مكتوفي الأيدي لا نستطيع أن نرد عليه، ولهذا نحن نقول: إن الإبر المغذية مفطرة ونحن على وجل وخوف، ولكن يسهل علينا هذا القول أن الغالب أن الإنسان لا يحتاج إلى إبر مغذية إلا وهو مريض، والمريض يحل له الفطر، فنقول: استعملها وأفطر واقض يوماً بدله.
الخامس: نزول المني بشهوة بفعل من الصائم، ثلاثة شروط: نزول المذي هل يفطر؟ المذي ولو كان بشهوة أو بفعل من الصائم لا يفطر، فلو أن الرجل قبل زوجته وأمذى فصيامه صحيح.
قولنا: بشهوة لو نزل بغير شهوة -أحياناً يصاب الإنسان بمرض فينزل المني بدون شهوة- فإنه لا يفطر.
الثالث: بفعل الصائم، مثل: أن يباشر زوجته بالضم أو الإيلاج بين الفخذين أو ما أشبه ذلك فينزل، هذا بفعله.
أو يستمني والاستمناء حرام في الصيام وغير الصيام، فإذا أنزل؛ فسد صومه، فإن كان بغير فعل منه مثل أن فكر رجل وهو صائم في الجماع فنزل منه المني بشهوة فهل يفسد صومه؟ لا يفسد صومه، لقول النبي ﵌: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) وهذا الرجل حدث نفسه ولم يعمل شيئاً، ما حرك ذكره ولا ضم الأرض ولا ضم شيئاً ولا استمنى، إنما فكر فأنزل، نقول: صومه صحيح.
السادس: القيء عمداً، إذا استقاء الإنسان عمداً فسد صومه، فإن غلبه القيء بأن هاجت عليه معدته حتى خرج ما فيها فصومه صحيح.
أين ورد في القرآن أن القيء مفطر؟ نقول: نعم، في القرآن موجود أن القيء مفطر: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] قال النبي ﵌: (من ذرعه القيء -أي: غلبه- فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمداً فليقض) .
السؤال
لو هاجت معدته فهل يلزمه أن يمسكها أو يدعها؟ يدعها؛ لأنه لو أمسكها مع هيجانها وتهيئها للخروج كان في ذلك ضرر، لكن هل يجذبها؟ لأن بعض الناس إذا هاجت معدته جذبها لأجل أن يستقيء؟ نقول: لا، فإذا هاجت فقف منها موقف السلب، لا تجذبها ولا تمنعها ولا تضرك.
السابع: خروج الدم بالحجامة، ما هي الحجامة؟ أي: إذا حجم الإنسان فخرج منه دم فإن صومه يفسد ويفطر بذلك؛ لقول النبي ﵌: (أفطر الحاجم والمحجوم) أفطر، أي: فسد صومه، لأن الصوم ضده الفطر، وفي معنى الحجامة الفصد والشرط.
والفرق بينهما أن الفصد قطع العرق عرضاً والشرط قطعه طولاً، فإذا حصل فصد أو شرط وخرج دم كدم الحجامة، فإنه يفطر بذلك وسمعتم الدليل.
الثامن: خروج دم الحيض والنفاس، وهذا خاص بالمرأة، فإذا خرج من المرأة دم حيض أو نفاس ولو قبل الغروب بلحظة فسد صومها.
وإن أحست به ولكن لم يخرج إلا بعد غروب الشمس ولو بلحظة فصومها صحيح، والدليل: قول النبي ﵌ في الحائض: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) وعرفتم أن صوم الحائض لا يصح بالإجماع، فإذا حاضت في أثناء النهار فسد صومها، ولزم عليها القضاء.
هذه هي المفطرات التي تفسد الصيام.
هل النظر بشهوة مفسد للصوم؟ ليس مفسداً؛ لأنه ليس من هذه الثمانية.
التقبيل: قبَّل رجل امرأته بشهوة فهل ذلك مفطر أم غير مفطر؟ غير مفطر ولا ناقض للوضوء أيضاً.
هذه المفطرات يشترط لكونها مفسدة للصوم ثلاثة شروط: ١- العلم.
٢- الذكر.
٣- الإرادة والاختيار.
- العلم ضده الجهل.
- الذكر ضده النسيان.
- الاختيار ضده الإكراه وغير الإرادة.
فإذا أتى الإنسان شيئاً من هذه المفطرات جاهلاً فصومه صحيح، وإن أتى واحداً من هذه المفطرات ناسياً فصومه صحيح، وإن أتى واحداً من هذه المفطرات غير مريد فصومه صحيح، ما هو الدليل؟ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فقال الله: فد فعلت.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] وفي الحديث عن النبي ﵌: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ثم إن الخطأ والنسيان ورد فيهما نصوص خاصة.
مثال الخطأ: روى البخاري في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (أفطرنا في يوم غيمٍ على عهد الرسول ﵌ ثم طلعت الشمس) إفطارهم هنا كان جهلاً، لو علموا أن الشمس لم تغرب ما أفطروا.
هل أمروا بالقضاء؟ لا.
لأنه لو وجب عليهم القضاء لأمروا به، ولو أمروا به لنقل إلينا، لأنه إذا أمر به كان من الدين، والدين لا بد أن ينقل إلى الأمة لا سيما في هذه الأمور الكبيرة.
ومثال النسيان: في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) هذا نص.
الشرط الثالث: الاختيار والإرادة، والدليل على اعتبار هذا الشرط قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ﴾ [النحل:١٠٦] فإذا كان الكفر وهو أعظم المعاصي يرفع حكمه الإكراه فما دونه من بابٍ أولى.
وإذا كان الإنسان لو كفر وهو مكره لم يخرج من الإسلام ولا إثم عليه، فلو أكل أو شرب وهو مكره لم يخرج من الصيام وليس عليه إثم.
стр. 183
مسائل مهمة في الصيام
نأخذ على هذا مسائل: - رجل قام من آخر الليل وقدم السحور وأكل وشرب فإذا بالمؤذن يقيم الصلاة فما حكم صومه؟ صحيح.
لأنه جاهل بالوقت، لو علم أن الفجر قد طلع ما أكل.
- رجل سمع الأذان في الراديو عند غروب الشمس فظنه أذان مسجده فأفطر، ثم إذا بمؤذن مسجد في حيه يؤذن، هل عليه قضاء؟ لا قضاء عليه؛ لأنه جاهل.
- رجل جاءه الصبي وقد سمع الأذان في الراديو، فقال: يا أبي أذن، أذن يا أبي، فأفطر الرجل هل يقضي أو لا يقضي؟ هنا يختلف الأمر هل يعتبر خبر الصبي؟ لا.
هذا مفرط غير معذور؛ لأن خبر الصبي لا يوثق به فعليه القضاء، لكن لو جاءه بالغ عاقل وقال له: أذن وهو قد سمع الأذان من الراديو، فظنه أذان الحي فأكل بناءً على خبره فصومه صحيح.
إذاً: لا يفطر الإنسان بالمفطرات إلا بشروط ثلاثة، وعرفتم أدلتها من الكتاب والسنة، والإنسان إذا أفتى أو إذا عمل في نفسه بما يدل عليه الكتاب والسنة فهو مطمئن.
لكن يجب على كل واحد ألا يتسرع في الفتيا حتى يتبين له الأمر.
وختاماً لهذا اللقاء فإني أحث نفسي وإياكم على اغتنام وقت رمضان بالذكر وقراءة القرآن والصدقة والإحسان إلى الخلق، والكف عن المحرمات الكف عن الكذب، عن الغيبة، عن النميمة، عن الغش، عن كل محرم؛ لأن هذا هو المقصود من الصيام.
стр. 184
فضل القيام في رمضان
أما القيام فإن قيام رمضان سنة، سنه الرسول ﵊.
والمشروع أن يكون قيام رمضان جماعة؛ لأن الرسول ﵌ قام في الناس جماعة ثلاث ليالٍ، ثم تأخر وقال: (إني خشيت أن تفرض عليكم) فبقي الناس بعد ذلك يصلي الرجلان والثلاثة والرجل الواحد، كل على حدة، وفي خلافة عمر خرج ذات يوم فوجد الناس أوزاعاً هذا يصلي وحده والرجلان على حده والثلاثة على حده.
فرأى ﵁ أن يجمع الناس على إمامٍ واحد، فجمعهم على تميم الداري وأبي بن كعب، هذا يصلي أحياناً وهذا أحياناً، وأمرهما أن يصليا بالناس بإحدى عشرة ركعة، هكذا ثبت في موطأ مالك ﵀ كما كان الرسول ﵊: (لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) وهذا هو العدد الأكمل والأفضل، فالإحدى عشرة أفضل من ثلاث وعشرين ولكن لا تكون الإحدى عشرة بالسرعة المعهودة عند كثير من الأئمة، لا تجد فيها طمأنينة ولا دعاء ولا تسبيحاً، غاية ما يكون أن يأتوا بالواجب حتى في التشهد، أكثر الأحيان إذا وصلت إلى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، قال: السلام عليكم.
انتظر صل على النبي، تعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، دع الناس يدعون الله ، يقول: لا دعنا نمشي على طول لكي ننتهي قبل المساجد الأخرى، وإذا فعلنا ذلك فإن الناس يأتون إلينا كثيراً، لكن هذا غلط، نقول: اطمئن يا أخي، متى يحصل للإنسان رمضان؟ دع الناس يطمئنون ويدعون الله وبدلاً من أن تخرج في ساعة، اخرج في ساعة ونصف.
والذي ينبغي لنا أن نصلي مع الإمام حتى ينصرف من أجل أن ننال أجر الليلة كاملاً، لقول النبي ﵌: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) وإن كان نائماً على فراشه، فكونك تبقى مع الإمام حتى ينصرف أفضل من كونك تنصرف قبل أن يتم، ثم في آخر الليل تقوم، ما دام الله يسر فصل، إذا صليت مع الإمام قيام ليلة كاملة، فاحمد الله على هذه النعمة وقم مع الإمام حتى ينصرف، لكن إذا قال الإنسان: أنا أريد أن أتهجد في آخر الليل، لإن لي عادة بذلك أو أرغب أن أناجي الله في آخر الليل قلنا: لا بأس، لكن إذا أوتر الإمام وسلم من وتره، فقم وأت بركعة ليكون الوتر في حقك شفعاً ويكون وترك أنت آخر الليل، لقول النبي ﵌: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) وقال: (من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم من آخر الليل، فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة) وذلك أفضل.
فإذا قال قائل: كيف أخالف الإمام والإمام صلى واحدة وأنا صليت اثنتين؟ ف
الجواب
أن هذا جائز، أليس الرجل إذا كان مقيماً وصلى خلف إمام مسافر وسلم المسافذر، ماذا يفعل؟ يتم، يأتي بركعتين أكثر من إمامه، يزيد على إمامه، وهذا مما جاءت به الشريعة.
هذا الرجل زاد على إمامه لأنه ما نوى الوتر، نوى أن يصلي شفعاً ليجعل وتره في آخر الليل.
والمهم أننا نوصي هنا بوصيتين.
الوصية الأولى: للأئمة.
والوصية الثانية: لسائر الناس.
أما الأئمة فإننا نوصيهم بتقوى الله ، وأن يرفقوا بمن ورائهم، وأن يعطوا من وراءهم مهلة من أجل أن يذكروا الله ويسبحوه ويدعوه، وإذا اقتصروا على إحدى عشرة ركعة مع الطول كان خيراً من ثلاث وعشرين ركعة مع السرعة الفادحة.
حدثني من أثق به أن رجلاً دخل المسجد في رمضان وهم يصلون صلاة التراويح -التراويح على العهد السابق- فقام يصلي معهم لكن كانوا في الأول يعجلون عجلة شديدة، يقول: فلما نام من الليل رأى في المنام أنه دخل هذا المسجد فوجد الجماعة يحندون ويرقصون، والحند معناه (كل واحد يأخذ جسمه وينزل) ويرقصون، إشارة إلى أن هذه الصلاة لعب، لا يطمئنون فيها، ولا يتمكنون من دعاء أو ذكر، لكن الآن ولله الحمد خفت المسألة، صار كثير من الأئمة يطمئنون في القراءة، يطمئنون في الركوع، في القيام بعد الركوع، في السجود، في الجلوس بين السجدتين، فيحصل خير كثير.
أما الوصية الثانية: فهي لعامة الناس أن يحرصوا على هذه التراويح وأن يقوموا مع الإمام حتى ينصرف، أما ما يفعله بعض الناس ولا سيما فيما سبق من عهد يصلي في هذا المسجد ركعتين، وفي المسجد الثاني ركعتين، والثالث ركعتين، فهذا ضياع، نقول: إذا صليت مع الإمام صلاة العشاء، فاجلس في المسجد إلى أن تُتم التراويح.
أسأل الله تعالى أن يتمم علينا وعليكم نعمته، وأن يجعلنا ممن يصومون رمضان ويقومونه إيماناً واحتساباً، إنه جواد كريم.
стр. 185
الأسئلة
стр. 186
حكم رؤية هلال رمضان
السؤال
فضيلة الشيخ! ما حكم رؤية الهلال وهل يكفي لثبوته شهادة رجل واحد؟ وما كيفية رؤيته؟
الجواب
من هدي الصحابة ﵃ أنهم يتراءون الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، قال ابن عمر ﵄: (تراءى الناس الهلال -أي: صار بعضهم يريه بعضاً- فأخبرت النبي ﵌ أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام) فالسنة للناس أن يتراءوا هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان، فإن رأوه صاموا، وإن لم يروه لغيم أو مطر؛ فإنهم يتمون شعبان ثلاثين يوماً، لقول النبي ﵌: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) .
ومن رآه فالواجب عليه أن يخبر أقرب محكمة إليه، ومعلوم أن الترائي للهلال يكون في مكان مرتفع، ويكون في مكان بعيد عن الأضواء؛ لأن الأضواء تحجب الرؤية، ولهذا يحجب ضوء الشمس رؤية الهلال، كذلك الأنوار التي في الأرض إذا كثرت وتسلطت على الأفق منعت الرؤيا، فيبعد الإنسان عن البلد وعن مكان الأضواء، ليكون ذلك أيسر لرؤيته، والعبرة برؤيته بعد غروب الشمس.
هنا مسألة: شهر رمضان يكفي في رؤيته رجل واحد أو امرأة، وغيره لابد فيه من رجلين، فيصوّم الناس واحد ولا يفطرهم إلا اثنان، ولكن لا بد أن يكون الرائي ثقة ثقة في دينه، ثقة في نظره، فإن لم يكن ثقة في دينه أو في نظره، فلا عبرة بشهادته؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] فلابد من العدالة، ولا بد من قوة البصر، فلو جاءنا رجل إذا مشى يقدم يده لئلا يضربه الجدار، ثم قال: أنا رأيت الهلال وهو رجل ثقة في دينه، قلنا: رأيته؟ قال: نعم.
قلنا: متأكد؟ قال: متأكد، فإذا الرجل لا يستطيع أن يهتدي إلى الطريق هل نقبل قوله؟ لا، لأنه فقد الشرط الثاني وهو قوة البصر، وذكر صاحب الفروع في كتابه: أن أحد القضاة جاءه رجل وقال: إني رأيت الهلال.
قال: هل معك أحد؟ قال: نعم لكن ما رآوه، فدعا الذين معه.
قال: هل رأيتم الهلال؟ قالوا: ما رأيناه، وهذا الرجل يقول: رأيت الهلال، وكان القاضي ذكياً، فقال: اذهب بنا إلى المكان الذي رأيت الهلال فيه لننظر إليه، فذهب بهم، فلما وقفوا أمام مغرب الشمس، قال له القاضي: هل ترى الهلال؟ قال: نعم رأيته، متأكد؟ قال: متأكد، تشهد؟ قال: أشهد، قال: باسم الله فمسح حاجبيه -مسح حاجب الرجل الذي يشهد- قال: الآن رأيت الهلال؟ قال: ما رأيته وإذا الذي رأى شعرة بيضاء في حاجبه، فلا بد من التثبت.
стр. 187
حكم من رأى هلال رمضان وردت شهادته
السؤال
ما حكم من رأى هلال رمضان ولم يأت بشاهدي عدل وردت شهادته من قبل المحكمة، هل يصوم لأنه رأى الهلال أم يفطر مع الناس؟
الجواب
هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والذي يظهر أنه يصوم لكن لا يخالف الجماعة، بمعنى أنه لا يظهر صومه لئلا يكون مخالفاً للجماعة، واخترنا هذا القول؛ لقول النبي ﵌: (إذا رأيتموه فصوموا) وهذا رآه، وكونه ردت شهادته لفسقه أو للجهل بحاله لا يمنع من لزوم الصوم له وقد رآه، لكن لا يظهر المخالفة، ومثل ذلك: لو رأى هلال شوال لكن هلال شوال أضيق من هلال رمضان، لأن هلال شوال لا يثبت إلا بشاهدين، فهل الذي رأى هلال شوال وحده في مكان بعيد عن الناس لا يخالف الجماعة، هذا نقول له: أفطر، وأما الذي مع الناس فإنه لا يفطر وإن رخص له بعض العلماء بأن يفطر سراً، أما المجاهرة فإن ذلك لا يجوز؛ لأن هذا مخالفة للمسلمين، وفي الحديث عن الرسول ﵊: (الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس) .
стр. 188
حكم تبييت النية في أول ليلة من ليالي رمضان
السؤال
ما حكم تبييت النية في أول ليلة من ليالي رمضان؛ لأن الشهر قد يدخل ولا يعلم بدخوله بعض الناس خصوصاً أهل البوادي، فهل على من لم يبيت النية قضاء إذا كان الصيام فرضاً؟ وهل على الإنسان السهر حتى يثبت أو ينتفي الشهر؟
الجواب
أولاً: يجب أن نعلم: ما معنى تبييت النية؟ هل معنى تبييت النية أن تنام على نية؟ لا.
معنى قول العلماء: تبييت النية: أي ألا يطلع الفجر إلا وقد نويت حتى لو نويت قبل طلوع الفجر بدقيقة واحدة أجزأك الصوم.
من أجل أن تكون النية شاملة لكل اليوم، ولكن إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان، ونام الإنسان على نية أنه إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فهو على النية الأولى، فإذا تبين له أنه من رمضان فإن الصوم يجزؤه، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .
وهذا الرجل فعل استطاعته، ولا يلزم الإنسان أن يسهر ليلة الثلاثين من شعبان ترقباً للإعلان عن دخول الشهر.
стр. 189
وقت وجوب الإمساك عن الطعام في رمضان
السؤال
متى يمتنع الإنسان عن الأكل هل هو كما يقولون: عندما يهلل المؤذن؟ وما الحكم إذا شرب بعد الأذان متعمداً هل هو كمن شرب بعد العصر أم له صيام، فحجة بعض الناس يقول: بأن الفجر ليس كالمصباح يضيء بسرعة والأمر واسع فما الحكم؟
الجواب
على كل حال نقول: إذا كان المؤذن يؤذن إذا تبين الفجر، فقد قال النبي ﵌: (كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) .
فإذا قال المؤذن: أنا رأيت الفجر وأنا لا أؤذن حتى أرى الفجر؛ فإنه يجب على الإنسان أن يمسك من حين أن يسمع الأذان إلا في الحالة التي رخص له فيها وهو ما إذا كان إناؤه في يده فله أن يقضي نهمته منه، وإما إذا كان الأذان حسب التوقيت، فالتوقيت ليس في الحقيقة مربوطاً بالأوقات الحسية الظاهرة، ولكنه توقيت بالحساب -المواقيت التي بأيدينا الآن توقيت أم القرى وغيره هو بالحساب- لأنهم لم يشاهدوا الفجر ولا الشمس ولا الزوال ولا دخول العصر ولا غروب الشمس، ولهذا بعض الناس إذا رأى الوقت وكانت الساعة تقدم أذن قبل أن يدخل الوقت بناءً على التقدير بالساعة، حتى إنه في العام الماضي أو في الذي قبله أذن أحد المؤذنين لصلاة المغرب والشمس لم تغرب مشاهدة فأفطر الناس على أذانه.
الفجر -أيضاً- بعض المؤذنين -نسأل الله لنا ولهم الهداية- يتقدم في الأذان فيؤذن قبل الوقت بخمس دقائق أو أربع دقائق، لماذا؟ قال: احتياطاً للصيام، من أجل أن يمسك الناس.
حتى أننا رأينا في بعض التقاويم يكتبون وقت الإمساك ووقت طلوع الفجر، وهذا من البدع، أي: أن تقديم أذان الفجر للاحتياط بدعة وتنطع في الدين، واعتداء على المواقيت الشرعية، وظلم للناس، وتغرير بهم، وله عدة مفاسد.
أولاً: هل الاحتياط التنطع في الدين والتشدد فيه أم الاحتياط موافقة الشرع؟ الجواب: موافقة الشرع، وما دام رسول الله ﵌ يقول: (كلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) لماذا نقول للناس: أمسكوا قبل صلاة الفجر، فالاحتياط متابعة السنة، ثم إذا قدرنا أن هذا احتياط للصوم فهو إهمال للصلاة والصلاة أهم؛ لأن بعض الناس الذين في البيوت كالنساء والمرضى ونحوهم ممن لا يشهدون الجماعة، من حين ما يؤذن المؤذن يصلي، والصلاة لو وقعت تكبيرة الإحرام فقط قبل دخول الوقت ما أجزأت فيكون في هذا إهمال للصلاة والصلاة أوكد من الصيام.
ومن العجب أننا نسمع أن بعض الناس يصوم ولا يصلي، فهل ترون أن صومه مقبول؟ لا؛ لأنه كافر، فالذي لا يصلي كافر، ولو صام لم يقبل منه.
إذاً: الصلاة أهم من الصيام؛ فاحتياطنا للصلاة أولى من احتياطنا للصيام، نقول: أخِّر الأذان حتى ترى الفجر، إذا قال: هناك أنوار ولا نرى الفجر، فهذا صحيح، لكن من الممكن أن تسأل الذين هم بعيدون عن الأنوار: متى يطلع الفجر؟ وتقيس، وإن كان الفجر في مثل هذه الأيام يتقدم؛ لأن الليل يقصر.
стр. 190
حكم من أفطر قبل الأذان متوهماً الأذان
السؤال
أفطرت يوماً قبل أذان المغرب بنصف ساعة، ظناً مني بسماع الأذان، وجاء رجل آخر وفطرته معي فهل عليَّ إعادة وهل عليَّ إثم صاحبي؟
الجواب
إذا كنت قد سمعت أذاناً أو كانت السماء مغيمة، وظننت أن الشمس قد غابت فأنت معذور، أما مجرد أن طنت أذنك فظننته أذاناً فإن ذلك لا يكفي، وعليك أن تقضي أنت ومن أفطر معك، وإن كان الذي أفطر معك قد يكون معذوراً حيث قلدك وظنك أهلاً للتقليد، فالذي معك إن قضى فهو أفضل وإلا فلا قضاء عليه، وأما أنت فعليك القضاء.
стр. 191
حكم استعمال السواك في نهار رمضان إذا كان له طعم
السؤال
فضيلة الشيخ: عندما يستاك الصائم في يوم الصوم بسواك رطب فإنه يحس في ريقه ببعض الطعم بذلك السواك، فيصعب عليه لفظ هذا اللعاب إما لكثرته أو لوجوده في المسجد فما الحكم في ذلك؟
الجواب
الحكم في هذا أنه لا يجوز أن يبلع ريقه وفيه طعم المسواك، بل عليه أن ينظف مسواكه أولاً، أو يجعل أول استعماله في الليل، ثم يتسوك به وهو خالٍ من الطعم، فإذا لم يتمكن فإنه لا بد أن يتفل الريق الذي فيه الطعم، وإذا كان في المسجد فالمناديل -والحمد لله- اليوم كثيرة، يجعل في جيبه مناديل ويتفل بها، وإذا لم يتيسر ذلك أو خاف -كما يقول- من كثرته فليدع السواك في النهار؛ لأن السواك ليس بواجب.
стр. 192
حكم من أتى مفطراً جاهلاً بذلك
السؤال
فعلت بعض مفطرات الصوم، وأنا لا أعلم أنها تفطر وفعلتها في أيامٍ عديدة، وأنا لا أعلم عددها الآن فما الحكم؟
الجواب
لا شيء عليه، ليس عليه قضاء ولا إثم؛ لأنه لا يدري أنها مفطرة.
стр. 193
حكم امرأة كانت تحيض في رمضان ولا تقضي
السؤال
امرأة كانت تحيض في رمضان فتفطر ولا تقضي بعد رمضان ولها على ذلك ثلاثين سنة فماذا عليها؟
الجواب
إذا كانت هذه المرأة في مكان بعيد عن العلماء وعن طلبة العلم، كالتي تنشأ في بادية بعيدة ولا تعلم عن هذا الحكم فليس عليها قضاء؛ لأنها معذورة، أما إذا كانت مفرطة بأن كانت في بلد فيه العلماء -مدينة- لا يخفى مثل هذا الحكم إلا على مهمل ومفرط، فعليها أن تقضي ما تركت قضاءه، وإذا شكت فإنها تأخذ باليقين وهو الأقل، فإذا شكت هل هي تركت القضاء في ثلاث سنين أو في سنتين فلتأخذ بسنتين، في ثلاث أو أربع تأخذ بثلاث وهكذا.
стр. 194
حكم صوم مريض بفشل كلوي
السؤال
رجل كبير في السن عمره يزيد على ستين سنة يعمل غسيلاً للدم الآن، وعنده فشل كلوي فيجلس على الماكينة ثلاث ساعات ونصف تقريباً في اليوم الواحد، لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع، فهل عليه صيام وما كفارة فطره جزاكم الله خيراً؟
الجواب
ليس عليه صيام في هذه الحالة في الأيام الثلاثة التي يحتاج فيها إلى استعمال هذا الدواء؛ لأنه يمتزج في عروقه.
ويحتمل ألا يكون عليه قضاء ولو استعمله؛ لأن هذا ليس أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب، ولكن يحتاج إلى سؤال الأطباء: هل غسيل الدم يخرج الدم إذا أردنا غسله أو أدخله الماكينة ثم يرجع إلى الجوف أم ماذا؟ الظاهر لي -وأنا لا أدري- أنه يخرج الدم فيبقى النظر: هل هو بمعنى الحجامة لأنه دم كثير أم ليس بمعناها لأنه يعود إلى البدن فتعود قوته بخلاف الحجامة؟ ولهذا نقول: الأحوط أن الإنسان لمريضه يفطر ويقضي.
стр. 195
الراجح في صحة صوم الحاجم والمحجوم
السؤال
قول النبي ﵌: (أفطر الحاجم والمحجوم) إذا قلنا: إن العبرة من إفطار المحجوم أنه قد يشق عليه لكثرة نزول الدم فما العبرة من إفطار الحاجم.
وآخر يقول: من المعلوم لديكم أن هناك من يقول بعدم جعل الحجامة من مفطرات الصيام ويستدلون بحديث في البخاري عن ابن عباس: (احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم) ويجيبون عمن قال بأن هذا الحديث نصه: (احتجم الرسول ﷺ وهو محرم) فما الجواب؟
الجواب
أما الفقرة الأولى من السؤال وهي أننا إذا قلنا بفطر المحجوم لخروج الدم الكثير منه وإضعاف البدن فما العلة في فطر الحاجم؟ الجواب على هذا من أحد وجهين: فمن العلماء من قال إن إفطار الحاجم أمر تعبدي لا ندري ما الحكمة، فنأخذ باللفظ وإن لم نعرف الحكمة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
ومنهم من قال إن العلة هي أن الحاجم يمص القارورة مصاً قوياً، وإذا مصها مصاً قوياً فإن الدم ينزل في فمه إلى معدته فيكون بذلك مفطراً، وإذا قدرنا أنه حفظ نفسه ولم ينزل فهذا نادر، والنادر لا حكم له، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وبناءً على ذلك قال: لو أن الحاجم حجم بدون مص القارورة بل بوسيلة أخرى فإنه لايفطر، ولهذا لا يفطر الفاصد ولا الشارط، لأنهما لم يمصا القارورة، أي: ليس هناك قارورة يمصانها.
أما بالنسبة لحديث عبد الله بن عباس ﵄: (أن النبي ﵌ احتجم وهو صائم) فقد قال الإمام أحمد: إن هذه الرواية خالف فيها الراوي أصحاب عبد الله بن عباس الذين رووا الحديث، فقد رووه بأنه احتجم وهو محرم، ويكون قوله: (وهو صائم) رواية شاذة.
стр. 196
جواز الفطر في السفر
السؤال
فضيلة الشيخ: أشرتم في أول كلامكم بأن الفطر يجوز لمن سافر ولو على طائرة أو على سيارة مكيفة، فلو قال شخص: ما الدليل على ذلك؟ مع العلم أن هذه الأشياء لم تكن على عهده ﷺ فما هو أساس القياس في مثل هذه الأشياء؟
الجواب
هنا لا قياس؛ لأن الذين يسافرون على السيارة أو على الطائرة مسافرون مفارقون لبلادهم وهذا هو السفر، أما السيارة والطائرة فقد ذكرها الله في القرآن، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف:١٢] وإذا كان في عهد التنزيل لا يعرف إلا فلك الماء، فإنه بعد عهد التنزيل عرف فلك البر وعرف فلك الجو، و (أل) في قوله: (من الفلك) إما للجنس وإما للعموم، وقال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] فالسيارة والطائرة والباخرة والبعير والحمار كلها وسائل سفر، والعبرة بالغاية وهو السفر، ولا قياس في هذه المسألة؛ لأنها داخلة في النص بدون قياس.
стр. 197
حكم طلب الطبيب من المريض الإفطار
السؤال
في بعض الحالات المرضية وأثناء الصوم قد يطلب الطبيب من المريض الإفطار وذلك دفعاً للضرر عنه، وقد يرفض المريض الإفطار اجتهاداً منه في طلب الأجر من الله أو لعدم رغبته في صيام أيامٍ أخر، فما حكم طلب الطبيب في مثل هذه الحال لذلك المريض؟ وما حكم رفض المريض الإفطار الذي قد يضره فيما إذا استمر بالصوم؟
الجواب
أما الطبيب فيجب عليه أن يأمر المريض بالفطر إذا كان الصوم يضره؛ لأنه مؤتمن، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] وأما المريض فإذا قال الطبيب الثقة: إن الصوم يضره؛ صار الصوم في حقه حراماً، لقول الله ﵎: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] فإن قال قائل: إن الآية في القتل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] قلنا: إن عمرو بن العاص استدل بهذه الآية على ما يحصل به الضرر فأقره النبي ﵌، وذلك لما بعثه النبي ﵌ في سرية فأجنب وكانت الليلة باردة، فهل خاف إن اغتسل أن يموت أو أن يتضرر ويلحقه الزكام أو السخونة؟ لا شك أنه ليس هناك خوف من الموت، فلما قدم المدينة قال له النبي ﵌: (أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: يا رسول الله! ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] وكانت الليلة باردة فتيممت فضحك النبي ﵌ تقريراً لفعله.
فنقول: الآية في القتل وما دونه، كل شيء فيه ضرر على نفسك فهو حرام عليك، فنقول للمريض الذي قال له الطبيب: إن الصوم يضرك ولكنه صام، نقول: هذا حرام عليك، ويخشى إن صمت وكان صومك سبباً في موتك أن تكون ممن أعان على قتل نفسه.
стр. 198
حكم استعمال البخاخ والفرشة والمعجون في نهار رمضان
السؤال
فضيلة الشيخ: ما حكم استعمال البخاخ وهل يفطر؟ وكذلك ما حكم استعمال الفرشة والمعجون للصائم؟
الجواب
البخاخ الذي لا يصل إلى المعدة وإنما هو في الحلق والرئة لا يفطر؛ لأن ذلك ليس أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب.
وأما استعمال المعجون والفرشة في الصوم فإنها لا تفطر ما دام الإنسان قد ضبط نفسه ولم يصل إلى بطنه شيء منها، لكن لا نشير بها، أي: بالمعجون وذلك لأنه ربما ينزل شيء من المعجون إلى بطنه بدون أن يشعر به، فالأولى أن يجعل تنظيف أسنانه بالمعجون في الليل.
стр. 199
حكم صيام تارك الصلاة
السؤال
فضيلة الشيخ! عمري الآن سبعون سنة ولم أترك الصيام، ولكني كنت لا أصلي والآن تبت منذ ثلاث سنين فهل صيامي الأول صيام أم صدقة وهل عليَّ شيء؟
الجواب
ليس عليك شيء، وصيامك الأول تؤجر عليه لما أسلمت؛ لقول النبي ﵌: (أسلمت على ما أسلفت من الخير) فالأعمال الصالحة التي يفعلها الإنسان في حال كفره إذا أسلم فإنها تنفعه وعلى هذا فصيامك إن شاء الله تعالى مكتوب لك أجره وليس عليك قضاء.
стр. 200
حكم العادة السرية والأحكام المترتبة عليها
السؤال
فضيلة الشيخ: أرجو منك وفقك الله الإجابة على سؤالي بل مشكلتي التي تؤثر عليَّ في حياتي وعبادتي، وأخشى أن تصرفني عن ديني، فأريد منك علاجاً شافياً لي ولغيري من الشباب خصوصاً ونحن نستقبل هذا الشهر المبارك، المشكلة هي العادة السرية ما حكمها وهل توجب الغسل؟ وهل تؤثر على الصلاة والصيام والعبادة، افتح لنا باباً نخرج منه فتح الله لك وللسامعين أبواب الجنة الثمانية؟
الجواب
العادة السرية وهي الاستمناء، أي: محاولة إخراج المني بأي وسيلة باليد بالتقلب على الفراش، بأي وسيلة، هذه محرمة في الصيام وغير الصيام، ودليل ذلك قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥-٧] ولقول النبي ﵌: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) ووجه الدلالة من الحديث: أنه لو كان الاستمناء جائزاً لأرشد إليه النبي ﵌؛ لأن الاستمناء لا مشقة فيه، بل فيه متعة للنفس، فلما عدل عنه إلى الصوم مع ما في الصوم من المشقة أحياناً، دل ذلك على أنه -أي: الاستمناء- ليس بجائز فهو حرام، وإذا نزل المني أفسد الصوم ووجب على الإنسان القضاء، وإذا نزل المني وجب على الإنسان الغسل، فلو صلى بغير اغتسال فصلاته باطلة، وبهذه المناسبة أود أن أقول: الجماع مفسد للصوم وإن لم يحصل إنزال، فإذا وقع الجماع في نهار رمضان ممن يجب عليه الصوم تعلق به خمسة أحكام: الأول: الإثم.
الثاني: فساد الصوم.
الثالث: وجوب المضي فيه.
الرابع: وجوب القضاء.
الخامس: الكفارة: وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وزوجته مثله إن طاوعته، أما إن أكرهها وعجزت عن مدافعته، فإنه ليس عليها قضاء ولا كفارة ولا فساد صوم.
والباب الذي يريح الإنسان من هذا الشيء هو أن يتجه الإنسان إلى ربه اتجاهاً صحيحاً بأن يمنعه من هذه العادة، فإن الإنسان إذا لجأ إلى ربه مضطراً إليه أجاب الله دعاءه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢] إن الله يجيب دعوة المضطر ولو كان كافراً، والدليل: أنهم إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فإذا نجاهم إلى البر أشركوا، فهم مشركون وهو يعلم أنهم يرجعون إلى الشرك إذا نجوا، ومع ذلك يجيبهم لاضطرارهم إليه ولجوئهم إليه، فالجأ إلى الله واسأله أن يعصمك منها، ثم انتظر الفرج من الله ، فإنك إذا تركت هذا لله عوضك الله خيراً منه عاجلاً غير آجل، وربما إذا استمررتَ على هذا الشيء مع علمك بالتحريم ربما يعسر الله أمرك ولا تحصل لك زوجة، ثم إذا هاجت عليك الشهوة فالجأ إلى الوضوء والصلاة أو مطالعة تفسير كلام الله أو شرح كلام الرسول ﵊ أو الخروج إلى المسجد إذا كان يمكن في النهار مثلاً، المهم تتسلى عن هذا مع الاستعانة بالله وسؤاله واللجوء إليه.
стр. 201
حكم الطعام المتبقي في الفم والأسنان بعد عقد النية للصوم
السؤال
إذا استعقد الإنسان وبقي في فمه أو في بعض أسنانه شيء من الطعام فماذا عليه؟
الجواب
استعقد الإنسان أي: الصائم إذا عقد نية الصوم وأذن الفجر وبقي في فمه أو بين أسنانه شيء من الطعام نقول: هذا لا يضر ما دام ليس له طعم ولم تبتلعه فلا بأس، لكن الأفضل أن تخلل أسنانك من أجل أن يخرج ما بينها، حتى من الناحية الطبية الأفضل أن تخللها من أجل أن يخرج ما بينها من بقية الطعام -وهنا سؤال على هذا: لو أن الإنسان نوى الصوم وأكل وشرب وانتهى قبل الفجر بربع ساعة، ثم بدا له بعد أن عقد النية أن يأكل ويشرب قبل طلوع الفجر هل يجوز أم لا؟ نعم يجوز ولا حرج، والنية لا تمنعه، المانع هو طلوع الفجر.
стр. 202
وقت إجابة دعوة الصائم
السؤال
فضيلة الشيخ: للصائم دعوة مستجابة عند فطره، فمتى يكون محل هذه الدعوة: قبل الفطر أم في أثناءه أم بعده؟ وهل من دعوات وردت عن النبي ﷺ أو من دعاء تشيرون به في مثل هذا الوقت؟
الجواب
الدعاء يكون قبل الإفطار عند الغروب؛ لأنه يجتمع في حقه انكسار النفس والذل لله وأنه صائم وكل هذه من أسباب الإجابة، أما بعد الفطر فإن النفس قد استراحت وفرحت، وربما يحصل غفلة، لكن ورد ذكر إن صح عن النبي ﵌ فإنه يكون بعد الإفطار: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) هذا لا يكون إلا بعد الفطر، وكذلك ورد عن بعض الصحابة أنه كان يقول: (اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت) فأنت ادع الله بالدعاء المناسب الذي ترى أنك محتاج إليه.
стр. 203
نصيحة بخصوص السهر في ليالي رمضان
السؤال
فضيلة الشيخ: من المعلوم عند الكثير من الناس أن في رمضان يكثر السهر في الليل، فيمضي الليل غالباً عند الكثير في غير عبادة لله إما في مشاهدات لتمثيليات يسمونها دينية تأتي في رمضان، سواء كانت تمثل بعض المعارك لبعض التابعيات أو غيرها وفيها نساء ربما كن كاسيات عاريات، وكذلك يقضي كثير من الشباب هذا الليل في رمضان بالسهر الطويل على أمر لا يرضي الله إما بلعب الورقة أو الكرة أو الذهاب إلى البراري أو الجلوس على الأرصفة فما نصيحتك وتوجيهك للجميع سواء كانوا شيباً أم شباباً؟
الجواب
إن نصيحتي أن يستغل هؤلاء هذا الوقت المبارك الثمين الذي يعز وجوده وربما لا يمر بهم مرة أخرى، فينامون أو يقرءون القرآن حتى يأتيهم النوم، ويا حبذا لو أن الناس بعد التراويح اجتمعوا وقرءوا القرآن، تدارسوه بينهم، يقرأ أحدهم ثمناً والآخر ثمناً بعده، أو يقرأ أحدهم ثمناً ثم يتبعه الآخر في الثمن الذي قرأه، يقرءون جزأين أو ثلاثة أو أربعة حسب نشاطهم، ويستغلون هذا الوقت في مراجعة التفاسير فيما قرءوه، فيحصلون على تعلم القرآن لفظاً ومعنى، هذا خير من أن يضيعوا أوقاتهم، هذا فضلاً عن كون بعضهم يضيعون الوقت في الشيء المحرم إما في مشاهدة المسلسلات التي فيها فتنة أو غير ذلك.
فنصيحتي لإخواني أن يستغلوا هذا الوقت بما يرضي الله ، ثم إننا الآن لسنا في حاجة إلى نوم النهار، فالنهار قصير، والوقت بارد، والنهار أشغال، الدارس في مدرسته، والمعلم في مدرسته، والتاجر في متجره، والموظف في وظيفته، لسنا بحاجة إلى نوم النهار، فلنستغرق الليل بالنوم وبقراءة القرآن وبالقيام إذا تيسر وكان الإنسان قد شفع وتره مع إمامه وما أشبه ذلك.
стр. 204
حكم مدارسة القرآن في رمضان
السؤال
هل تعتبر مدارسة القرآن الكريم في رمضان سنة كما كان النبي ﷺ يفعل معه جبريل في رمضان وخاصة في الليل أرجو الإجابة؟
الجواب
الظاهر أنها من السنن؛ لأن الرسول ﵊ كان يدارسه جبريل القرآن، فإذا كان الإخوة يحتاج بعضهم إلى بعض في تحفيظ القرآن وتعاهد القرآن كان ذلك من السنة، ولكن لا يحضرني الآن نص عن الصحابة أنهم كانوا يفعلون ذلك، ولكن يكفينا أن الرسول ﷺ كان يفعله مع جبريل من أجل تعاهد القرآن وحفظ القرآن.
стр. 205
المدة التي يختم فيها القرآن
السؤال
فضيلة الشيخ: نرجو من فضيلتكم أن تبينوا لنا المدة التي يختم فيها القرآن الكريم وما فعله النبي ﷺ وصحابته الكرام؟
الجواب
أدنى مدة يقرأ فيها القرآن ثلاثة أيام، وإن كان قد ورد عن بعض التابعين أنهم كانوا يختمون القرآن في رمضان خاصة في يوم وليلة، لكن الأفضل الاقتصار على ثلاثة أيام، وإن جعلها خمسة أيام أو ستة أيام فلا بأس، وإن جعلها في الشهر مرة أو مرتين فلا بأس، الأمر في هذا واسع، المهم أن يكون لرمضان مزية في تلاوة القرآن.
стр. 206
حكم صلاة التراويح في المساجد للنساء
السؤال
كثير من النساء تصلي التراويح مع الرجال في المسجد فهل الأفضل لها هذا أم في البيت أفضل، خصوصاً وأن الكثير منهن تقول: إن ذلك مما يعينها ويشجعها خصوصاً إذا كانت لا تستطيع القراءة في المصحف؟
الجواب
صلاتها في البيت أفضل، لكن إذا كانت صلاتها في المسجد أنشط لها وأخشع لها وتخشى إن صلت في البيت أن تضيع صلاتها، فقد يكون المسجد هنا أفضل؛ لأن هذه المزية تتعلق بنفس العبادة والبيت يتعلق بمكان العبادة، والمزية التي تكون في العبادة أولى بالمراعاة من المزية التي تكون في مكانها، ولكن يجب على المرأة إذا خرجت أن تخرج متسترة غير متبرجة ولا متطيبة، وعليه فالنساء اللاتي يأتين بالبخور في الجانب الذي يصلي فيه النساء هن إلى الإثم أقرب منهن إلى الأجر؛ لأن النساء يتطيبن بهذا البخور، فتخرج المرأة وهي متطيبة، وقد قال النبي ﵌: (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء) نعم لو فرض أن المرأة جاءت بالبخور، فإذا وصلت المسجد وضعت البخور ولا تأخذه لا هي ولا من في المكان وإنما تطيب المكان فقط، فهذا لا بأس به إلا أن تركه أولى؛ لئلا يقتدي بها من لا تصنع هذا الصنيع؟
стр. 207
نصيحة للنساء المتبرجات
السؤال
فضيلة الشيخ: في ليالي رمضان يكثر خروج النساء للأسواق متنقبات أو مع السائقين فهل لكم حفظكم الله من نصيحة لأولئك؟ وهل لكم من حثٍ لطلاب العلم وخطباء الجوامع وأئمة المساجد في التنبيه على هذه الملحوظة، وهل من تشجيع للشباب في التعاون مع الهيئات في مثل هذا الأمر؟ وهل من تحذير لأولئك الشباب الذي قد يكون ملتزماً فربما يخرج ويترك أهله ولا يكون له أثر عليهم؟
الجواب
أقول: هذا من البلاء، فإن الملاحظ في ليالي رمضان أنه يكثر خروج النساء متنقبات أو متلثمات وربما يكون معهن رائحة فاتنة، وبهذا يكثر السفهاء الذين يحومون حول المتاجر وفي الأسواق، ويحصل بذلك من الشر والبلاء ما لا يعلمه إلا الله ، فنصيحتي لأولياء الأمور أن يأخذوا بيدٍ من حديد على نسائهم فلا يخرجن ليلاً، ومن كانت لها حاجة فليخرج معها وليها ويقف معها ويرجع معها.
أما بالنسبة للشباب الذين يساعدون الهيئة على كف هذه الشرور فإنني أشجعهم على ذلك وأحثهم عليه، لكن يجب عليهم أن يستعملوا الحكمة وألا يتسرعوا في الإنكار، وألا ينكروا بشدة وزجر، بل بطمأنينة، وإذا كان مع المرأة ولي أمرها فليكلم ولي الأمر ولا يكلم المرأة؛ لأن كلام المرأة قد يؤدي إلى مفسدة؛ فقد تتكلم هي بكلام غير لائق لهذا الرجل الذي نهاها عن منكر، فليتكلم مع وليها، كذلك أيضاً تتكلم الهيئة وغير الهيئة من المتعاونين على السفهاء الذين يتابعون النساء ويتكلمون بما لا يليق فينصحونهم ويحذرونهم.
стр. 208
حكم افتتاح صلاة التراويح بركعتين خفيفتين
السؤال
فضيلة الشيخ: ما تقولون في إمام يفتتح صلاة القيام بجماعته بركعتين خفيفتين من إحدى عشرة ركعة فما صحة فعله؟
الجواب
فعله هذا ليس بصحيح، افتتاح القيام الذي هو التراويح بركعتين خفيفتين غير صحيح؛ لأن افتتاح قيام الليل بركعتين خفيفتين إنما يكون لمن نام، ووجه ذلك: أن الإنسان إذا نام عقد الشيطان على قافيته ثلاث عقد، فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة، فإذا تطهر انحلت العقدة الثانية، فإذا صلى انحلت العقدة الثالثة، ولهذا صار الأفضل لمن قام الليل بعد النوم أن يفتتح قيام الليل بركعتين خفيفتين ثبتت بذلك السنة من قول النبي ﵌ وفعله، أما التراويح فإنها تفعل قبل النوم فلا تفتتح بركعتين خفيفتين.
стр. 209
حكم قضاء صلاة التراويح لمن فاتته بعد الوتر
السؤال
إذا حضرت مع الناس وهم يصلون صلاة التراويح وقد فاتني شيء منها فهل أقضي ما فاتني بعد الوتر أم ماذا أصنع؟
الجواب
لا تقضي ما فاتك بعد الوتر، لكن إن كنت تريد أن تقضي ما فاتك، فاشفع الوتر مع الإمام، ثم صل ما فاتك ثم أوتر.
وهنا مسألة أنبه عليها: لو جئت والإمام يصلي التراويح وأنت لم تصلِ العشاء فماذا تفعل؟ هل تصلي العشاء وحدك أم تدخل مع الإمام في التراويح بنية العشاء؟ الجواب: ادخل مع الإمام في التراويح بنية العشاء، وإذا سلم الإمام من التراويح فقم واقض ما بقي عليك من صلاة العشاء، وقد نص الإمام أحمد ﵀ على هذه المسألة بعينها، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي القول الراجح؛ لأن القول الراجح: أنه يجوز أن يأتم المفترض بالمتنفل بدليل حديث معاذ بن جبل ﵁ أنه كان يصلي مع النبي ﵌ صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، هي له نافلة ولهم فريضة.
стр. 210
حكم الذهاب إلى مساجد بعيدة لحسن صوت الإمام
السؤال
فضيلة الشيخ: ما تقولون لمن يذهب إلى مسجد بعيد عن المسجد الذي يصلي فيه دائماً إما استحساناً لصوت الإمام أو لزيادة خشوعه معه والراحة لذلك أو لغرضٍ آخر وذلك لأداء صلاة التراويح والتهجد؟
الجواب
لا حرج على الإنسان أن يذهب إلى مسجدٍ آخر غير مسجد حيه للأسباب التي ذكرها السائل أو لغيرها، لكن الأفضل أن يبقى في مسجد حيه؛ لأن ذلك يشجع أهل الحي إذا انضم بعضهم إلى بعض وعرف بعضهم بعضاً، فإذا تفلتوا وذهبوا إلى المسجد الآخر ربما لا يبقى مع الإمام أحد ويخرج، كما حدثنا عن ذلك، أن بعض المساجد القريبة من المساجد التي فيها قارئ، صوته حسن وأداؤه حسن، يذهبون إلى هذا المسجد الذي فيه هذا القارئ ويدعون مساجدهم حتى إنها تغلق ولا يصلى فيها صلاة العشاء ولا صلاة التراويح وهذا لا ينبغي، بل الذي ينبغي أن تعمر المساجد كلها بأهلها، هذا هو الأفضل، لكننا لا نحرم أن يذهب أحد إلى مسجد يكون القارئ أحسن صوتاً وأحسن أداءً.
стр. 211
حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء وتقبيل اليدين
السؤال
ما حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء وتقبيل تلك اليدين؟
الجواب
أما تقبيل اليدين بعد الفراغ من الدعاء ومسح الوجه بهما فإنه بدعة لا أصل له، وأما مسح الوجه ففيه أحاديث ضعيفة قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: إنها لا تقوم بها حجة وأنَّ مسح الوجه بعد الدعاء باليدين بدعة.
وذهب بعض العلماء إلى أن الأحاديث بمجموعها تصل إلى درجة الحسن وتكون حجة، وأنه يسن مسح الوجه باليدين، والأمر في هذا واسع، إن مسح فلا يُنهى، وإن ترك فلا يؤمر، ولكن الذي ينهى عنه ويقال لفاعله: إنه بدعة هو تقبيل اليدين بعد مسح الوجه بهما.
стр. 212
واجبنا نحو الظروف القاسية التي تحيط بالمسلمين
السؤال
فضيلة الشيخ: كما أشرتم بأن شهر رمضان المبارك قادم ونحن نعيش أحوال المسلمين في كل مكان سواء في البوسنة أو فلسطين أو مصر أو غيرها، والأعراض تنتهك وأهل الإسلام يذبحون ويقتلون كالذبائح، فإلى متى يكون الصيام عن التكلم عن مذابح المسلمين؟ وماذا نفعل ونحن نشاهد هذه الظروف القاسية تحيط بالمسلمين؟ أرجو حثي والإخوة على العمل الذي ترونه تجاه ذلك؟
الجواب
العمل الذي نراه تجاه هذه المصائب أن نلجأ إلى الله في نصرة كل مخذول خذله أهل الباطل، والله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦] أما بالنسبة لهؤلاء الذين يؤذون أو يقتلون ويذبحون فإن الله قال في حقهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] ويقول : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] ونحث إخواننا المسلمين على مساعدة هؤلاء على قدر المستطاع بالمال البدن بالجاه؛ لأن في ذلك تفريجاً لكرباتهم، وإشعاراً بأن إخوانهم المسلمين معهم في أي مكان.
وأما بالنسبة لما يلقاه الدعاة في البلدان التي ذكرها السائل، فإنه قد يكون ذلك فتحاً مبيناً؛ لأنه إذا حصل للدعاة في تلك البلاد هذا التضييق فإن الناس يجتمعون حولهم، ويحصل بذلك النصر، ولهذا سمى الله صلح الحديبية (فتحاً) مع أن ظاهره أن فيه غضاضة على المسلمين، لكن صارت عاقبته حميدة، فهؤلاء الذين يؤذون في تلك البلاد لعل الله أن يجعل ذلك فتحاً مبيناً لهم فيلتف الناس حولهم وينتصرون على من يؤذيهم.
стр. 213
حكم إفطار من وصل إلى البلد المسافر إليه
السؤال
فضيلة الشيخ! هل يجوز للمسافر إذا حضر إلى بلدة أن يواصل الإفطار ولو كان هذا يشق عليه؟ وهل الأجر يضاعف للمسافر الصائم علماً أن في الوقت الحاضر كل شيء ميسر؟
الجواب
إذا وصل الإنسان إلى البلد الذي سافر إليها وهو صائم فلا بأس أن يفطر؛ لأن الصائم مخير إن شاء استمر في صيامه وإن شاء أفطر، أما إذا وصل إلى بلده وهو صائم فإنه يجب عليه البقاء على صومه، ولا يحل له الفطر، فإن وصل إلى بلده وهو مفطر في السفر فإنه لا يلزمه الإمساك، لأن هذا الإمساك لا ينفعه إذ أنه قد أفطر أول النهار، وهذا ليس بصوم، فله أن يأكل ويشرب إلى أن تغرب الشمس، ولكنه إذا خاف من اتهامه أو ما أشبه ذلك فليأكل ويشرب سراً.
стр. 214
حكم الصيام في السفر مع المشقة
السؤال
فضيلة الشيخ: من المعلوم أن الإنسان إذا أراد السفر إذا وافق شهر رمضان خصوصاً في النهار نعلم أن له رخصة في الإفطار، ولكني أتحرج للأخذ بهذه الرخصة حتى لو كلفني ذلك مشقة، وأيضاً أشعر أني أعطل ما أمر الله به، والله قد أمر أن تؤتى رخصه، فأجدني أريد أن آخذ بالرخصة وأجهر بها حتى أبين للناس أن هذه رخصة في هذه المسألة فهل أنا على صواب على الرغم من الحرج الذي يعتريني؟
الجواب
الذي فهمت من هذا السؤال أن هذا الرجل يصوم في السفر مع مشقة الصوم عليه وهذا خطأ، إذا شق على الإنسان الصوم في السفر فإنه يفطر: (رأى النبي ﵌ زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم يا رسول الله، قال: ليس من البر الصيام في السفر) وهذا الذي يصوم وهو مسافر مع مشقة الصوم عليه مخالف لمراد الله منه؛ لأن الله يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وإني أقول: إن جملة من علماء الأمة قالوا: إذا صام المسافر فصيامه مردود وعليه القضاء؛ لأن الله قال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] فجعل فرض المسافر عدة من أيام أخر، فإذا صام في سفره فكأنه صام رمضان في شعبان -أي: قبل دخول وقته- وهذا مذهب الظاهرية لكنه مذهب ضعيف؛ لأنه ثبت عن النبي ﵌ أنه صام في السفر في رمضان، وثبت أن الصحابة معه منهم الصائم ومنهم المفطر، ولم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، لكني ذكرت ذلك من أجل ألا يتنطع المتنطع ويتعمق المتعمق، فيقول: لا بد أن أصوم مع مشقة الصوم عليه، نقول: لا تصم.
إذا شق عليك الصوم فشرع الله أن تفطر.
стр. 215
حكم الجهر بالفطر في نهار رمضان
السؤال
هل لي أن أجهر بالفطر حتى أبين للناس هذه الرخصة في هذه المسألة؟
الجواب
نعم وأنت مأجور على هذا، إذا أعلنت فطرك في السفر من أجل أن يعلم الناس أن هذا هو الأفضل مع المشقة، فأنت مأجور على هذا، وهذا من دعوة الناس إلى الهدى والرشاد.
следующие страницы →