Полный текст (2 259 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
لفظ السلام المختار
ثم إن اللفظ المختار، أن يقول الإنسان: السلام عليك، وهو أفضل من أن تقول: سلام عليك؛ وذلك لأنه معرف (محلى بأل) وسلام نكرة والمعرَّف أكمل من النكرة، ولهذا قال العلماء: تعريف السلام أفضل من تنكيره.
ثم هل تقول: عليك أو عليكم؟ تقول: عليك بالإفراد إن كنت تسلم على واحد، وإن كنت تسلم على جماعة فقل: عليكم، على أن بعض أهل العلم يقول، تقول السلام عليكم ولو كان واحداً؛ لأنه ما من إنسان إلا ومعه ملكان عن اليمين وعن الشمال، فإذا قلت: السلام عليكم؛ فأنت تريد بهذا الجمع المسلم عليه من البشر ومن معه من الملائكة، عن اليمين وعن الشمال قعيد، لكن الإفراد هو الذي جاءت به السنة، السلام عليك إذا كان واحداً، وإذا كانوا جماعة: السلام عليكم.
стр. 352
حكم السلام
فحكمه سنة مؤكدة، ما لم يكن تركه هجراً، فإن كان تركه هجراً كان واجباً.
ومتى يكون تركه هجراً؟
الجواب
يكون تركه هجراً إذا زاد على ثلاثة أيام، تلاقي أخاك ولا تسلم عليه، فإن هذا حرام: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) هكذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 353
أجر السلام وفوائده
أما أجر السلام فقد بينه الرسول ﵊ أن في قول القائل السلام عليك، عشر حسنات، حسنات تجدها أحوج ما تكون إليها في يوم القيامة، ثم هذه الحسنات تكسب القلب زيادة في الإيمان؛ فكل حسنة يفعلها الإنسان مخلصاً لله فيها متبعاً لرسول الله ﷺ ؛ فإن إيمانه يزداد بها: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] .
ثم في السلام -أيضاً- سبب لدخول الجنة التي يريد كل إنسان الوصول إليها، ودليل ذلك قول رسول الله ﷺ : (والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) أي: أظهروا السلام بينكم، فإفشاء السلام من أسباب المودة، والمودة من كمال الإيمان، والإيمان يدخل الجنة.
إذاً: ففائدته عظيمة، مع الحسنات العشر ومع التآلف بين الناس والمحبة، أنه سبب لدخول الجنة.
стр. 354
جواب السلام
الصيغة المشروعة هي كما قلت: السلام عليك.
وأما
الجواب
فإذا سلمت على شخص فلا بد في الجواب أن يكون مثل الابتداء، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] حيوا بأحسن منها: هذا الأكمل، أو ردوها: هذا الواجب، فإذا قلت: السلام عليك، يعني: أنك تدعو لصاحبك بالسلامة، فهل يكفي في الرد أن يقول: أهلاً ومرحباً، ننظر هل إذا قال: أهلاً ومرحباً، هل هو دعا لك بالسلامة؟ لا.
وإنما هو ترحيب فقط، فلو قال ألف مرة: أهلاً ومرحباً، فإنه لا يجزئ عن الواجب، ويكون الراد الذي يقتصر على قوله: أهلاً ومرحباً آثماً، إذا كان يعلم أن هذا الرد لا يكفي، قل: عليك السلام ثم رحب بما شئت، ولهذا جاء في الحديث الصحيح، حين عرج برسول الله ﷺ إلى السماوات كلما سلم على واحد في السماء رد ﵇، وقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح؛ إلا آدم وإبراهيم فإنهما قالا: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، وعلى كل حال الحديث فيه: (فرد السلام وقال: مرحباً) .
فدل ذلك على أن قول الإنسان في الجواب: مرحباً، أو أهلاً، أو حياك الله، أو ما أشبه ذلك ليس برد، وأن الإنسان لم تبرأ ذمته، لابد أن يقول: عليك السلام، ثم يهل ويرحب بما شاء.
ومن العجب أن هذه الصيغة المحمدية النبوية (السلام عليك، عليك السلام) تكاد تفقد في مكالمات الهاتف، فإنك إذا اتصلت بصاحبك ورفع السماعة، ماذا تقول؟ تقول: هالو، هالو، ومعناها: مرحباً أو أهلاً أو ما أشبه ذلك، قل: السلام عليك، ليرد عليك فيقول: عليك السلام، وإذا قلت هذا نلت عشر حسنات، وهو إذا رد ينال أيضاً عشر حسنات، أرأيت لو أن بعض الناس قيل له، كلما قلت: السلام عليك نعطيك ريالاً واحداً، فإنه يسلم على كل أحد يلقاه، الصغير والكبير، وربما يتوهم العمود إنساناً فيسلم عليه؛ لأنه يريد أن يأخذ ريالاً، لكن هذه عشر حسنات مدخرة في يوم تكون أنت أحوج ما تكون إليها.
стр. 355
من الذي يبدأ بالسلام
ثم إن السلام يكون على الترتيب التالي: من الصغير على الكبير، ومن الراكب على الماشي، ومن الماشي على القاعد -هكذا جاء في الحديث- ويكون من القليل على الكثير، فإذا تلاقى اثنان مع ثلاثة فالاثنان هما المطالبان بالسلام أولاً.
وإذا تلاقى رجل له ثلاثون سنة وآخر له أربعون سنة فالمطالب بالسلام من له ثلاثون سنة.
وإذا تلاقى راكب وماش فالمطالب بالسلام الراكب.
ولكن إذا لم يقم المطالب بما يطلب منه من السلام، فهل الآخر يترك السلام؟ لا.
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبدأ من لقيه بالسلام ولو كان أصغر منه، فلا تقل: هو الذي ﵇ فأنا لا أسلم، فإذا كان هو لا يعلم السنة، أو متهاوناً بها أو متهاوناً بك فابدأه أنت بالسلام؛ لأن النبي ﷺ قال: (خيرهما الذي يبدأ بالسلام) ولا تحقرن من المعروف شيئاً.
стр. 356
المصافحة بعد السلام
ثم إن المشروع في السلام عند الملاقاة: المصافحة، وقد جاء في الحديث: (أن الرجلين إذا التقيا فتصافحا؛ فإن ذنوبهما تحاث كما تحات ورقة الشجر منها) لأن المصافحة تجلب المودة، فمن السنة عند الملاقاة المصافحة، ولكن ليس من السنة ما صار بعض الناس اليوم يفعله، إذا قابلته أخذ برأسك ولم يصافحك، هذا لا شك أنه خلاف السنة، ولم أعلم أحداً من أهل العلم قال: إنه يسن الأخذ بالرأس، وإنما قالوا: يصافح باليد، ثم إن كان الرجل أهلاً لأن يقبل رأسه أو جبهته كالأب والأخ الكبير وما أشبه ذلك فليقبل رأسه أو جبهته، أما أن يقبل رأسه حين يلقاه ولا يصافح، فهذا خلاف السنة، لكن نقول: صافح أولاً، ثم إذا كان الإنسان أهلاً أن يقبل رأسه أو جبهته فليقبل.
стр. 357
حكم السلام على المشغول
ثم إن السلام لا ينبغي أن يلقى إلى شخص متشاغل، بحيث يشوش عليه، فإذا رأينا أن شخصاً يقرأ القرآن يتحفظه، يتدبره ويغلب على الظن أو نجزم بأننا إذا سلمنا عليه شوشنا عليه، فالسنة ألا نسلم؛ لأن ذلك يشغله إلا إذا رأيناه متهيئاً ينظر إلينا يريد أن نسلم فحينئذ نسلم؛ لأن ترك السلام عليه حينئذ يحدث في قلبه شيئاً.
وأما من يصلي فإن الصحابة ﵃ كانوا يسلمون على النبي ﷺ وهو يصلي، لكن لا ترد باللفظ، بل رد بالإشارة، أي: ارفع يدك هكذا، حتى يتبين له أنك رددت عليه، ثم إن بقي حتى تسلم من الصلاة فرد عليه باللفظ وإن انصرف كفت الإشارة؛ لأن الإنسان المصلي ممنوع من كلام الآدميين، والممنوع شرعاً كالمحروم حساً، ولهذا يكون رد الأخرس بالإشارة؛ لأنه محروم من الكلام لا يستطيعه، فالمصلي أيضاً ممنوع من الكلام لا يجوز له أن يرد السلام لأنه من كلام الآدميين وكلام الآدميين في الصلاة محرم، ولكن ما تقولون: لو أن رجلاً سلمنا عليه وهو يصلي فسها ورد السلام، قال: عليك السلام، أتبطل صلاته؟
الجواب
لا.
لا تبطل صلاته؛ لقول الله ﵎: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وهذا عام وهذه الآية خذوها قاعدة من الله : كل عمل محرم فعلته خطأً أو نسياناً، فإنه معفو عنه، لا تؤاخذ به ولا يبطل العبادة، ولا يترتب عليه كفارة؛ لأن الإنسان معذور، بل قد ورد العذر بالجهل في الكلام، والجهل أخو النسيان، فقد ورد العذر بالجهل في الكلام في قصة معاوية بن الحكم ﵁، عندما دخل مع النبي ﷺ وهو يصلي فعطس رجل من القوم، فقال الحمد لله، فقال معاوية بن الحكم: يرحمك الله -فجملة يرحمك الله كلام آدمي تبطل الصلاة- فرماه الناس بأبصارهم -أي: جعلوا ينظرون إليه بأبصارهم منكرين عليه- فقال: واثكل أمياه -وهي كلمة يؤتى بها للتحسر- فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه فسكت، فلما انصرف من صلاته دعاه النبي ﷺ ، قال معاوية: فبأبي هو وأمي والله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) أو كما قال، ولم يأمره بالإعادة، ولو كان الكلام في حال الجهل مبطلاً للصلاة لأمره بإعادة الصلاة، كما أمر الرجل الذي دخل وصلى وهو لا يطمئن في صلاته أمره أن يعيد الصلاة، فنقول: إذا سلمت على شخص وهو يصلي، وسها فرد عليك فصلاته صحيحة، ولا تبطل لأنه ساهٍ، وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .
стр. 358
حكم السلام على المبتدع والكافر والفاسق
ومن مباحث السلام، هل نسلم على المبتدع؟ هل نسلم على الفاسق؟ هل نسلم على الكافر؟ الأول: هل نسلم على المبتدع؟
الجواب
في ذلك تفصيل: إن كانت البدعة مكفرة؛ فإنه لا يسلم عليه، لأن الكافر لا يجوز أن تسلم عليه، وإن كانت لا تبلغ الكفر، كما لو كان مبتدعاً في بعض الأذكار التي لا تخرج من الملة، وما أشبه ذلك، فإنه ينظر إن كان في ترك السلام عليه مصلحة وجب أن نترك السلام عليه.
كيف تكون مصلحة في ترك السلام؟ نعم.
ليعرف أنه إنما هجر لأنه مبتدع؛ فيرتدع عن بدعته ويتوب، فهنا يجب أن نهجره لحصول توبته، وإن كان لا يزداد بالهجر إلا مفسدة وإقداماً على البدعة، ودعوة إليها فإننا لا نهجره؛ لأنه مسلم ولا يجوز هجر المسلم لغير مصلحة شرعية.
الثاني: الفاسق: كأن يكون هذا الرجل معروفاً بأكل الربا، أو يكون هذا الرجل معروفاً بعقوق الوالدين، أو معروفاً بالتساهل في الصلاة لكنه يصلي فهذا فاسق، هل نسلم عليه أم لا؟ نقول فيه ما قلنا في صاحب البدعة غير المكفرة، وهو إنه إذا كان هجرنا إياه يؤدي إلى صلاح حاله هجرناه، وإن كان لا يؤدي إلى صلاح حاله لم نهجره؛ لأنه مؤمن، لكنه مؤمن ناقص الإيمان، فإذا رأينا هذا الرجل، الذي نعرف أنه منهمك في أكل الربا، فإن كان بهجرنا إياه يرتدع عن أكل الربا، هجرناه فلا نسلم عليه، ولا نجيب دعوته إذا دعانا ولا ندعوه نحن إلى وليمة، لأننا إذا فعلنا به ذلك ارتدع، وهل لهذا أصل (أعني هجر العاصي) ؟ الجواب: نعم.
له أصل، وأصله أن النبي ﷺ خرج إلى غزوة تبوك في السنة التاسعة، في فصل الصيف حين طابت الثمار، أي: أنه في أشد ما يكون من الحر، ولهذا تخلف المنافقون عنه، وتخلف من الرجال المؤمنين حقاً ثلاثة وهم: كعب بن مالك، والثاني: هلال بن أمية، والثالث: مرارة بن الربيع، تخلفوا عن الغزوة مع أنهم قادرون، وليس لهم عذر، فلما قدم النبي ﷺ إلى المدينة جاء المعذرون من الأعراب، وجاء المنافقون يحلفون بأنهم معذورون، فكان النبي ﷺ يستغفر الله لهم ويكل سرائرهم إلى الله.
أما كعب بن مالك، فأخبر بالصدق وقال: إنه تخلف لغير عذر، وإنه في هذه الغزوة يملك بعيرين، ولكنه ﵁ كان صريحاً، فقال له النبي ﵊: اذهب فسوف يقضي الله فيك ما شاء، ثم أمر النبي ﷺ بهجر هؤلاء الثلاثة، فهجرهم الناس، هجرهم النبي ﷺ ، يقول كعب: كنت آتي فأسلم على النبي ﷺ فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا.
مع أنه أحسن الناس خلقاً.
فهذا أصل في هجر الفاسق، وهم لا شك أنهم تابوا فتاب الله عليهم، وأنزل فيهم آيات تتلى إلى يوم القيامة، يقرءها الناس في صلاتهم، وفي خلواتهم ولكننا نقول: هجر العاصي جائز، إذا كان في ذلك مصلحة بحيث يرتدع، أما إذا كان في ذلك مفسدة بحيث يزداد فسقه، ويقول: ما هؤلاء (المطاوعة) لا يسلمون علينا؟ فلا يهمنا أمرهم.
وما أشبه ذلك من الكلام الذي يدل على أنه متمرد، فهنا لا نهجره، لأنه مؤمن، والأصل تحريم هجر المؤمن إلا لمصلحة.
أما الكافر فهل نسلم على الكافر؟ لا.
لا نسلم عليه أبداً لأن النبي ﷺ قال: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) مع أن اليهود والنصارى هم خير الكفار، والكفار كلهم لا خير فيهم، لكن لهم أحكام خاصة بهم، ولهذا تحل نساؤهم وتحل ذبائحهم، ويُقرُّون على دينهم بالجزية، وغيرهم لا تحل نساؤهم، ولا تحل ذبائحهم، ولا يقرون على دينهم بالجزية عند أكثر أهل العلم.
إذا كان الرسول ﷺ نهى أن نبدأ اليهود والنصارى بالسلام، فغيرهم من البوذيين والمجوس والوثنيين والشيوعيين من باب أولى، ولهذا لا يجوز أن تسلم على يهودي أو نصراني أو غيرهما من الكفار، حتى لو دخلت عليهم في مجالسهم لا نسلم امتثالاً لأمر النبي ﷺ : ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] .
ولكن إذا سلموا هل أرد ﵈؟ نقول: نعم ترد ﵈؛ لأن الله يأمر بالعدل والإحسان، وليس من العدل إذا سلم عليك أحد ألا ترد عليه، ولهذا كان من محاسن دين الإسلام أنهم -أي: الكفار- إذا سلموا علينا رددنا ﵈، ولكن كيف نرد؟ نرد إذا صرحوا بالسلام علينا، وقالوا: السلام عليكم، قلنا: عليكم السلام، أما إذا كان غير صريح وغير واضح، فنقول: وعليكم، ولا نقول: السلام؛ لأن اليهود كانوا في المدينة مع الرسول ﵊ فيمرون بالنبي ﷺ فيقولون: السام عليك يا محمد! -ومعنى السام: الموت- فكانوا لا يوضحون توضيحاً كاملاً، فما يقولون: السام عليكم، يجعلونها بين اللام وبين عدمها، فقال النبي ﵊: (إن اليهود إذا سلموا عليكم يقولون: السام عليكم؛ فقولوا: وعليكم) .
ومر يهودي بالنبي ﷺ وعنده أم المؤمنين عائشة فقال: السام عليك يا محمد فقالت عائشة: عليك السام واللعنة، يعني: عليك الموت وعليك أيضاً زيادة ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] فهذا حيا بتحية سيئة فحيي بأسوأ منها فنهاها النبي ﷺ وقال لها: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: قد قلت: وعليكم) إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم، فمن باب الفضل حيوا بأحسن منها، ولكن من باب العدل لا تحيوا بأسوأ منها، بل تقولوا: وعليكم، وبهذا يحصل الرد الواجب إن كانوا قد قالوا: السام عليكم فهو عليهم، وإن كانوا قد قالوا: السلام عليكم فهو لهم، فإذا صرحوا وقالوا: السلام عليكم كما يوجد الآن في كثير من الأعاجم، من الهنود وغيرهم يقول: السلام عليكم وهو كافر، فماذا تقول؟ لك أن تقول: عليك السلام؛ لأن الإسلام ميزان قسط وعدل، تقول: عليك السلام ولا حرج عليك في هذا.
стр. 359
رد السلام بالأمثل
ومن الأمور التي تجب ملاحظتها في السلام: أن ترد بالمثل كماً وكيفاً، أي: في الكمية وفي الكيفية، فإذا قال المسلِّم: السلام عليك ورحمة الله، ف
الجواب
عليك السلام ورحمة الله، إذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فالجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه وخيراته، اقتصرت على وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ لأن هذا ما جاءت به السنة، وهذا باعتبار الكمية، يعني: أعطه من الجمل مثل ما أعطاك.
وأما باعتبار الكيفية فإنه يسلم بعض الناس بالكلام الواضح الصريح برفع صوته؛ فيجيء الراد يرد عليه بأنفه، أي: يتكلم بكلام ربما لا يسمع، فهل يجزئ هذا الرد أو لا يجزئ؟ هذا لا يجزئ؛ لأن هذا أنقص في الكيفية من السلام، والله يقول: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] .
ولهذا تجد المسلم يكون في نفسه شيء من أخيه، ويعتب عليه، يقول له: لماذا أسلم عليك بلسان فصيح صريح وأنت تسلم علي بأدنى أنفك؟ فهذا أيضاً من المسائل التي يجب التنبه لها.
стр. 360
مسائل أخرى متعلقة بالسلام
إذا دخلت على جماعة وفيهم كفار ومسلمون فهل تسلم أم لا تسلم؟ نقول: سلم؛ لكن انوِ بالسلام المسلمين؛ لأن الكفار لا يجوز ابتداؤهم بالسلام.
إذا دخلت مجلساً وفيهم رجل كبير لعلمه أو فضله أو ما أشبه ذلك، وسلمت وأنت تقصد هذا العالم ورد غيره، هل تبرأ ذمة هذا العالم الذي نعلم أن المسلِّم إنما قصده هو بالسلام؟
الجواب
لا.
ولهذا إذا دخل الإنسان وسلم وأنا أعلم أنه إنما يريد العالم قلنا للعالم: لا بد أن ترد، إن رد غيرك فإنه لا يجزئ؛ لأننا نعلم أن مراد هذا الداخل بالسلام السلام على هذا العالم قبل كل شيء.
فهذه جمل من المسائل في السلام، وفي النهاية أوصيكم أن تفشوا السلام بينكم.
أفشوا السلام بينكم، لا يمر أحد بأحد إلا ويسلم عليه، لتزرعوا المودة بينكم ويزداد بذلك إيمانكم، ويكون هذا سبباً لدخولكم الجنة، وهو من مكارم الأخلاق ومن محاسن الأعمال، وفقنا الله وإياكم لذلك، وجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإلى الأسئلة.
стр. 361
الأسئلة
стр. 362
حكم السلام في دورة المياه
السؤال
فضيلة الشيخ: بعد هذا الكلام عن السلام، نريد أن نعرف طريقة رد السلام على من سلم علينا ونحن في دورة المياه، وماذا نفعل؟
الجواب
أولاً: الذي في دورة المياه لا يسلم عليه حتى يخرج؛ لكن لو فرض أنه سلم فهنا لا طريق إلى رد السلام؛ لأنه إن أشار لم يره، وإن نطق فلا ينبغي أن يدعو الله تعالى في مثل هذا المحل، بل ينتظر حتى يخرج فإن كان صاحبه قد بقي رد ﵇، وإلا سقط عنه الرد؛ لأنه سلم عليه في حال لا يمكن أن يرد عليه.
стр. 363
حكم السلام والمصافحة للنساء
السؤال
فضيلة الشيخ: ما هدي الإسلام بالنسبة لرد السلام على المرأة وهل تسلم المرأة؟ وهل يفرق بين المرأة الصغيرة والمرأة الكبيرة التي لا يخشى منها الفتنة؟ وما حكم المصافحة وتقبيل الرأس لهن، أي: العجائز؟
الجواب
الرجل لا يسلم على المرأة والمرأة لا تسلم على الرجل؛ لأن هذا فتنة، اللهم إلا عند المكالمة الهاتفية، فتسلم المرأة أو الرجل بقدر الحاجة فقط، أو إذا كانت المرأة من معارفه؛ مثل أن يدخل بيته فيجد فيه امرأة يعرفها وتعرفه فيسلم وهذا لا بأس به، أما أن يسلم على امرأة لقيته في السوق، فهذا من أعظم الفتنة فلا يسلم.
وأما تقبيل المحارم فتقبيلهن على الرأس والجبهة لا بأس به، وتقبيلهن على الخد لا بأس به من مثل الأب؛ لأن أبا بكر الصديق ﵁ دخل على ابنته عائشة ﵂ وهي مريضة فقبل خدها، فهذا لا بأس به، أما إذا كان من غير البنت فإنه يكون التقبيل على الجبهة وعلى الرأس.
أما مصافحة المرأة غير ذات المحرم، فإنها حرام؛ لأن مصافحتها أبلغ في حصول الفتنة من مشاهدتها.
أما تقبيل رأس العجائز من ذوات المحارم فلا بأس به، ومن غير ذوات المحارم فلا تقبلها.
وهل يجوز تقبيل رأس زوجة أبيه؟ نعم يجوز؛ لأنها من محارمه.
وهل يجوز أن يصافح بنت زوجته؟ هذا فيه تفصيل: إن كان قد دخل بأمها فيصافحها إن أمن الفتنة وإلا فلا.
كيف يكون لها بنت ولم يدخل بها؟ تكون البنت، من شخص سابق ويكون هو قد عقد عليها، ولكن لم يدخل بها، أي: لم يجامعها، وحينئذ لا تكون هذه البنت محرماً له.
стр. 364
كيفية مصافحة الجمع الذي فيه رجل كبير
السؤال
فضيلة الشيخ: إذا لقيت جماعة وأردت السلام عليهم ومصافحتهم، وكان من بين هؤلاء شيخ كبير أو صاحب قدر ومكانة في وسط القوم هل أبدأ به بالسلام أو أبدأ من اليمين، ثم إذا سلمت عليه، هل أستمر بالسلام من على يمينه أو يميني؟
الجواب
هذه المسألة تخفى على بعض الناس، إذا لقيت أحداً أو دخلت مكاناً، فابدأ بالأكبر، سواء بالمصافحة أو بتقديم الشاي أو القهوة، أو ما أشبه ذلك، وبعض الناس يبدأ باليمين ولو كان أصغر، وهذا خلاف السنة؛ لأن النبي ﷺ كان بيده سواك، وكان أمامه رجلان فأراد أن يناوله الأصغر فقال له: كبِّر كبِّر.
وهذا بخلاف ما إذا كان على يمينه صغير وعلى يساره كبير، وهو جالس بينهما فإنه يقدم اليمين ولو كان صغيراً، وعلى هذا فإذا دخل المجلس بدأ بالكبير، ثم إذا أعطاه فإنه يبدأ بمن على يمينه (يمين المعطي) لا من على يمين الكبير، مثلاً: دخل الإنسان بالشاي على هذا المجلس فأعطى الكبير، من يعطي بعده؟ يبدأ بيمينه هو حتى يتم الأيمن ثم يأتي على اليسار، وعلى كل حال فالناس يوقر بعضهم بعضاً، فإذا رأوا الكبير لا يستحق أن يعطى الأول لكونه على اليسار فإنهم دائماً يقدمونه على أنفسهم.
стр. 365
حكم القيام للداخل
السؤال
فضيلة الشيخ: ما حكم القيام للداخل، سواء كان الداخل يحب أن يقام له أو لا، فإن بعض الناس إذا لم تقم له يرى ذلك استنقاصاً له؛ لأنها عادة عندهم وليس كبراً منه؟
الجواب
القيام للداخل خلاف عمل الصحابة مع رسول الله ﷺ ، فإن الصحابة كانوا لا يقومون إذا دخل النبي ﷺ ؛ لأنهم يعلمون أنه يكره ذلك.
لكن إذا اعتاد الناس القيام وصار في ترك القيام مفسدة، وحمل قلب الداخل على من في المجلس، فلا بأس أن يقوم الإنسان، وقد وفد وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ فقام لهم، وقد قال العلماء ﵏: هناك قيام إلى الشخص وقيام للشخص، وقيام على الشخص، فهي تختلف باختلاف حرف الجر: الأول قيام إليه، والثاني قيام له، والثالث قيام عليه، أما القيام إليه فإنه سنة، إذا كان الذي قمت إليه أهلاً لذلك، مثل أن يدخل رجل فتقوم وتقابله وتصافحه وتسلم عليه، فهذا سنة لمن كان أهلاً، ودليل ذلك قصة سعد بن معاذ ﵁ حين قدم من المدينة إلى بني قريظة فلما أقبل قال النبي ﷺ : (قوموا إلى صاحبكم) .
وأما القيام له فهو الذي سمعتم أن الأولى عدم اعتياد الناس له، وأن الإنسان إذا دخل فإنه يجلس حيث ينتهي المجلس، لكن إذا اعتاده الناس وكان في تركه شيء من المفسدة أو حمل القلوب على الداخل فليقم ولا بأس.
الثالث: القيام عليه، فهذا منهي عنه نهى عنه النبي ﷺ ؛ حتى إنه لما صلى ذات يوم جالساً، وقام الناس وراءه يصلون قياماً أشار إليهم أن اجلسوا، وقال: (لا تفعلوا كما تفعل الأعاجم على ملوكها) أي: لا تقوموا على إنسان إلا إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وإغاظة للمشركين، فإن هذا لا بأس به كما حصل من المغيرة بن شعبة في غزوة الحديبية، حين كان قائماً على رأس النبي ﷺ ومعه السيف، والنبي ﷺ يفاوض رسل المشركين، فهذا لا شك أنه خير؛ لأن فيه إعزازاً للمسلمين وإذلالاً للمشركين.
ومثل ذلك إذا قيم على الرجل خوفاً عليه فيكون في هذا حراسة، فهذا أيضاً لا بأس به، أما إذا قيم على رأسه تعظيماً له، فإن هذا لا يجوز.
стр. 366
حكم المعانقة وصفتها
السؤال
فضيلة الشيخ: متى تكون المعانقة وما صفتها؟ وهل تكون عند توديع المسافر؟ وهل هي مشروعة؟
الجواب
المعانقة معناها في الأصل: التقاء العنقين؛ فهي مأخوذة من العنق، وهو أن يختلف عنق هذا وهذا، وهي من الأمور التي يتبع فيها العرف، إذا كان فيها جلب مودة فلتفعل وإلا فلا، وقد اعتاد الناس اليوم أنهم يتعانقون عند اللقاء بعد الأسفار، ويتعانقون أيضاً عند الوداع في الأسفار، فهي من الأمور التي تكون حسب العادة.
стр. 367
حكم تنكير السلام
السؤال
فضيلة الشيخ: ذكرتم وفقكم الله أن السلام المعرف بأل أفضل؟ فماذا نقول في قول الله تعالى في سلام الملائكة على أهل الجنة وقد ورد بالتنكير: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤] وكذلك: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٤] ؟
الجواب
أما الأول: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤] فليس معناه أنهم يقال لهم سلام، بل المعنى أنها تحية يكون فيها السلام، وأنه يبين لهم أنهم سالمون من كل نقص ومن كل عيب.
وأما قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٣-٢٤] فإنه يدل على الجواز، وهناك فرق بين أن نقول: الأفضل التعريف مع جواز التنكير، أو أن نقول: الواجب التعريف مع امتناع التنكير، فالتنكير جائز، لكن الأفضل التعريف للوجه الذي ذكرناه سابقاً.
стр. 368
حكم تركيب أجهزة استقبال البث المباشر (الدشوش)
السؤال
ما رأي فضيلتكم في أمر خطير ومنكر صار يسري في البيوت وانتشر وقل المنكر عليه، وضعف التذكير، ويخشى له من مزيد ألا وهي: أجهزة استقبال البث المباشر، وهي الدشوش التي صار الناس يتبارون في اقتنائها وشرائها وتركيبها، بل أصبح الإنسان يراها تزداد يوماً إثر يوم، بل صار بعض أولئك الذين يركبونها يفتخرون بأنهم ركبوا ما يزيد على أربعمائة جهاز، ونحو ذلك، فهل من توجيه وهل من تذكير سواء في هذا المجلس أو في غيره؛ لعل الله أن ينفع بكم وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذا السؤال حصل جوابه سابقاً بما كتبته من فتوى، وبما كتبه سماحة الشيخ المفتي العام بـ المملكة العربية السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وبيان خطره، وأن الذي يقتنيه قد أضاع نفسه وأضاع أهله؛ لأنه ينشر فيه حسب ما سمعنا من المنكرات ما لا يمكن لأي إنسان أن يدفعه إلا بتجنب هذه الدشوش، ولكننا قد بشرنا بخير من جهة المسئولين، وأنها سوف يقضى عليها لكن بعد أن يعمل ما يمنع من البث الذي يحصل فيه الشر؛ لأنه من الممكن حسب ما سمعنا أن تجعل محطة كبيرة تتلقى ما يرد من الأقمار الصناعية، ولا يبث منها إلا ما كان لا خطر فيه.
وعلى كل حال فإني أقول لهؤلاء الذين يكونون سبباً لجيرانهم في تلقي ما ينشر من البلاء؛ أقول: إنهم سوف يحملون إثم هؤلاء الذي أخذوا من هذه الدشوش، بمعنى أن الإنسان قد يكون نائماً في فراشه، دون تشغيل تلفازه لكن جيرانه الذين يلتقطون الصور من دشه، فسوف يعاقب إذا كانوا يشاهدون ما كان محرماً كما هو الغالب في هذه الدشوش، ولن ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً.
فنصيحتي لإخواني أن يقاطعوا هذه الدشوش، وإذا كانوا قد ركبوها فعليهم أن يتوبوا إلى الله وأن يتلفوها، وأن يعلموا أن الإنسان ما خلق ليكون كالبهيمة يتمتع ببطنه وفرجه كما تتمتع الأنعام، فإن هذا من خصال الكفار: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] إنما خلق الإنسان لأمر عظيم، لعبادة الله وما يقيم هذه العبادة من الأعمال التي تكون مساندة ومساعدة لعبادته لله .
стр. 369
حكم بقاء أخي الزوج منفرداً مع زوجة أخيه
السؤال
فضيلة الشيخ: أنا متزوج ولله الحمد ولي أخوان متزوجان أيضاً، كل منا في بيت وبيننا ألفة شديدة وود كبير حتى إنه مع كل واحد منا مفتاح بيت الآخر، ينام بعضنا عند بعض إذا احتجنا لذلك، ونجلس جميعاً أنا وزوجتي وأولادي وأخي على مائدة واحدة، وعلى هذا جرت عادتنا وأنا أخرج من البيت أحياناً في حال وجود أخي في بيتي وزوجتي فيه وأخي في المجلس وزوجتي داخل البيت، وأنا واثق تمام الثقة من أخي وزوجتي، ولكن لي أخت متدينة وهي دائماً تؤنبني على هذا الفعل وتقول: أنه قد يحصل ما لا يحمد عقباه، والشيطان موجود، وما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، وأنا دائماً أزجرها عن قولها، وأغضب عليها إذا قالت مثل ذلك وأقول لها: لا تكوني سبباً في الفرقة بيني وبين إخوتي، وهذه طباع قد عرفناها منذ زمن ولم يحدث شيء مما تتكلمين عنه، وزوجتي أعرفها وأخواي كذلك، ولكنها لا تنزجر، فهل في هذا الفعل شيء؟ وإن كان ليس فيه شيء أرجو أن تنصح هؤلاء المتشددين من الناس في الدين بلا علم؟ وجزاك الله خيراً.
الجواب
هذا السؤال كما سمعتم فيه أشياء طيبة وهي: أن هؤلاء الإخوة وإن كانوا متفرقين في البيوت فكأنهم في بيت واحد؛ لأن كل واحد منهم معه مفتاح بيت الآخر، وهذا يدل على الثقة التامة والمودة التامة، وهذا طيب ويشكرون عليه، لكن كون أحدهم يخرج من البيت وفيه أخوه وليس في البيت إلا زوجته هذا لا يجوز وهو حرام؛ لأن النبي ﷺ قال: (إياكم والدخول على النساء) وإياكم، معناها: التحذير: (قالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) الحمو قريب الزوج.
فهل هو جائز أن يبقى في البيت مع المرأة؟ أو أنه حرام؟ لنسأل: هل الموت مرغوب؟ لا.
الإنسان يفر من الموت، إذاً: فر من هذا القريب كما تفر من الموت، وذلك لأن القريب أشد خطراً من البعيد، الأجنبي قد يهاب أن يأتي إلى البيت ويدخل، لكن القريب لا يهاب ولا يستغرب ولا يستنكر.
فلذلك نقول: إن الصواب مع هذه الأخت التي تنهاهم عن هذا العمل ولكن قد يقول: إذا كنت أنا في عملي وأخي ليس عنده عمل، وأخي في بيتي فماذا أصنع؟ نقول: قل له: يا أخي أنا سأتوجه إلى عملي فتفضل، والله لا يستحي من الحق، فتفضل أو أغلق باباً بين المجلس وبين البيت الذي فيه امرأتك، فإذا خرجت يكون مفتاحه معك.
وكم من قصة نسأل عنها حول هذا الموضوع، قصة لا أحب أن أذكرها الآن لأننا ننزه مجلسنا هذا عن مثله، في خلو أخي الزوج بامرأة أخيه مما يترتب عليه أمور عظيمة، قد لا يكون هذا في أول أسبوع أو أول شهر، لكن على المدى البعيد الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فأقول لهذا الأخ السائل: يجب عليك الآن أحد أمرين: إما أن تخرج أخاك معك إذا خرجت، وإما أن تجعل بين المجلس الذي هو فيه وبين البيت باباً مغلقاً يكون مفتاحه معك.
стр. 370
حكم إزالة شعر اليدين والفخذين للمرأة من قبل امرأة
السؤال
فضيلة الشيخ: امرأة تسأل تقول: توجد امرأة وهي ثقة لدينا وتأتي عندنا في المنزل إذا طلبناها، فتقوم بإزالة الشعر من اليدين والفخذين، فهل يجوز لها أن ترى مني الفخذين، وخصوصاً أني سمعت لك شريطاً وهو بعنوان نصائح عامة تقول فيه: لا يجوز للمرأة أن ترى عورة المرأة، فهل هذه الحالة من الضرورة؟
الجواب
هذه الحال ليست من الضرورة؛ لأن إزالة شعر الفخذين والساقين في حلها نظر؛ لأن الشعر من خلق الله، وتغيير خلق الله في غير ما أذن الله فيه من وحي الشيطان، قال الله تعالى عن الشيطان: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩] والشعر من خلق الله، فلا يزال إلا فيما شرعت إزالته كالعانة والإبط والشارب بالنسبة للرجل، فهذا يزال، أما شعر الساقين والفخذين فإنه لا يزال، لكن لو كان الشعر كثيراً في المرأة بحيث يكون ساقاها كساق الرجل فلا بأس أن تزيله، أما الأفخاذ إذا كثر فيها الشعر، فلا تزيله امرأة أخرى بل تزيله المرأة صاحبة هذا الشعر؛ لأنه لا حاجة إلى الاستعانة بامرأة ثانية، فهنا الآن وسائل لإزالة الشعر من دهن أو غيره بمجرد ما يمسح به الشعر يزول، فيستعمل هذا لكن بشرط أن يراجع في ذلك الطبيب.
والخلاصة أن الشعر الذي لم يؤمر بإزالته فلا يزال إلا إذا كثر بالنسبة للمرأة، وصار كشعر الرجال فلها أن تزيله، ولا حاجة إلى أن تستعين بامرأة لإزالته؛ لأن المزيلات الآن موجودة وبسهوله فليس لها حاجة أن تستعين بامرأة أخرى.
стр. 371
حكم من يقول: الخير في التحية
السؤال
فضيلة الشيخ: نسمع من بعض الناس أحياناً عند سلامهم يقولون: الله بالخير، ثم يرد عليه الآخر: مرحباً، فهل قول: الله بالخير حرام أم حلال، وأعتقد أن قوله: الله بالخير اختصار للقول: مساكم الله بالخير؟
الجواب
نعم هذا الاعتقاد الذي قاله السائل هو الظاهر، فالإنسان الذي يقول: الله بالخير، يقصد: صبحك الله بالخير، لكن نقول للذي قال: الله بالخير، وحذف الجملة الفعلية نقول: يا أخي! ما الذي يضرك إذا قلت صبحك الله بالخير؟ أيتعبك ذلك؟ لا.
إذن قل: صبحك الله بالخير.
ولكن إذا قال: صبحك الله بالخير، وقال الثاني: أهلاً ومرحباً، هل يكفي ذلك؟ لا؛ لأن صبحك الله بالخير دعاء، وأهلاً ومرحباً ترحيب فقط، ومع ذلك تقول للأول قولك: صبحك الله بالخير لم تأت بالسنة في إلقاء السلام.
قل: السلام عليكم وصبحك الله بالخير، إذا شئت.
стр. 372
حكم إبقاء الصور للاستعمال المستقبلي
السؤال
فضيلة الشيخ: اضطررت مرة إلى السفر إلى خارج المملكة، وطلب مني التصوير لجواز السفر، فقمت بذلك ولم أجد إلا محل تصوير للرجال فتصورت للضرورة، وبقيت معي صورة من الصور التي أخذتها، فخفت إن أتلفتها أن أحتاج إليها مرة أخرى، فأضطر إلى الكشف للرجال مرة أخرى كذلك، فأبقيتها وأخشى من إبقائها الآن أن أحرم من دخول الملائكة بيتي، فماذا أفعل؟ أفتونا مأجورين.
الجواب
نقول: إن إبقائها خير من إتلافها، وهي إذا بقيت مغطاة في وسط الشنطة، أو في أقصى الدولاب فإنها ليست ظاهرة وبينة ومعلنة، وهي إذا أتلفتها قد تضطر في المستقبل إلى أن يصورها الرجال مرة ثانية، وتخسر أيضاً زيادة دراهم، فإبقاؤها أولى، وكذلك أيضاً بالنسبة للرجال ربما يصورون للتبعية وما أشبه ذلك عدة صور يحتاجونها في المستقبل، فنقول: لا بأس من اقتنائها للمستقبل.
стр. 373
حكم رواية الفكاهات والقصص غير الواقعية
السؤال
فضيلة الشيخ: ما رأي فضيلتكم فيما يحصل في مجالس الناس الخاصة والعامة من رواية للفكاهات والقصص بقصد التسلي بها، مع العلم أن هذه المرويات غالباً ما تكون غير واقعية، وغير صحيحة، وحجتهم في ذلك أن السامع لهذه المرويات يعلم أنها غير صحيحة؟
الجواب
المرويات والقصص الخيالية التي تنسج من الخيال ولا أصل لها، تدخل في قول النبي ﷺ : (ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له) فكررها النبي ﷺ ثلاث مرات، وهذا يدل على أنه حرام، فمن أتى بقصص خيالية محرمة، أي: ليست واقعية؛ من أجل أن يضحك الناس بذلك فإنه آثم ومتوعد بهذا الوعيد والعياذ بالله: (ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له) .
стр. 374
الاغتسال للجنابة يجزئ عن الوضوء
السؤال
فضيلة الشيخ: اغتسلت للجنابة ولم أتوضأ؛ فهل يجزئ عن الوضوء وأصلي مباشرة؟
الجواب
نعم يجوز للإنسان الذي عليه جنابة أن يقتصر على الاغتسال مع المضمضة والاستنشاق؛ لأن الله تعالى قال في القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] ولم يذكر وضوءاً، وفي صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين ﵁: القصة الطويلة أن رجلاً اعتزل ولم يصل، فقال له النبي ﷺ : (ما منعك أن تصلي؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك، ثم حضر الماء فأعطاه النبي ﷺ الفضلة، وقال: خذ هذا أفرغه على نفسك) ولم يذكر له الوضوء، فدل الكتاب والسنة على أن من عليه الجنابة إذا اغتسل أجزأه عن الوضوء ولا حاجة إلى أن يتوضأ، لكن الأفضل الغسل التام: وهو أن يتوضأ أولاً وضوءاً كاملاً ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات ترويه، ثم يغسل سائر جسده.
السؤال: هل يؤثر على الغسل أن يمس الإنسان الفرج والقبل بدون شهوة؟ وهل هو ناقض للوضوء إذا توضأ؟ الجواب: هذا لا يؤثر على الغسل ولا على الوضوء؛ لأن مس القبل أو الدبر بغير شهوة لا ينقض الوضوء.
стр. 375
حكم حلق اللحية خوفاً من الظلم والسجن
السؤال
فضيلة الشيخ: أنا شاب من غير هذه البلاد إن تركت لحيتي وأطلقتها أخشى من الظلم والسجن إذا رجعت إلى بلدي، فماذا أعمل وقد يقال لي: إنني بهذا أكون منافقاً لأنني آتي إلى هذه البلاد فأتركها ثم أذهب إلى تلك البلاد فأحلقها، فماذا أصنع وهل يجوز لي تركها، وهل هي سنة لي أن أعمل بها ولي أن أتركها أرجو الإفادة؟
الجواب
حلق اللحية محرم ولا يحل للإنسان أن يحلقها؛ لأن النبي ﷺ قال: (خالفوا المجوس، وفروا اللحى وحفوا الشوارب) والإنسان إذا أعفى لحيته في هذا البلد، ثم رجع إلى بلده معفياً لها، فإنه قد اتقى الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] ونحن نشاهد أناساً من إخواننا يذهبون إلى البلاد التي يشير إليها السائل، وهم قد أطلقوا لحاهم ويرجعون ولم يصابوا بأذىً؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢-٣] .
стр. 376
اللقاء الشهري [١٤]
في ظلال تفسير سورة (ق) كان للشيخ وقفة مباركة تطرق فيها إلى المواضيع التي تحدثت عنها الآيات، والتي كان من أهمها: رزق الله للعباد مؤمنهم وكافرهم، وبعْث الله لمن في القبور قياساً على إحياء الأرض بعد موتها بإنزال الماء، ثم أجاب الشيخ عن الأسئلة المتفرقة التي تنفع الناس.
стр. 377
في ظلال تفسير سورة (ق)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الشهري الذي يتم في الأحد الثالث من كل شهر، وهو في ليلتنا هذه يوافق الليلة السادسة عشرة من شهر جمادى الأولى، عام أربعة عشر وأربعمائة وألف، نسأل الله تعالى أن يكثر هذه اللقاءات مع أهل العلم ومع عامة الناس؛ لأن فيها فوائد جمة منها: اكتساب العلم؛ فإن هذه اللقاءات بين العلماء سواء في هذه البلدة أو في غيرها يستفيد منها الحاضرون علماً جماً بحسب ما عند الملتقى به.
ومنها: أن الناس يجتمعون هذا الاجتماع المبارك؛ ليتآلفوا بينهم ويجتمعوا على الحق، ويدخلوا في عموم الأدلة الدالة على فضل الاجتماع على حلق الذكر.
ومنها: أنه قد يكون عند الإنسان أشياء مشكلة، في نفسه، إما في عقيدته، وإما في عبادته، وإما في أخلاقه، وإما في معاملته، وإما في عامة المجتمع، وإما في مجتمعات أبعد وأوسع، فيلقي ما في نفسه في مثل هذه اللقاءات حتى تنحل عنه تلك الإشكالات الكثيرة التي قد تختلج في صدره.
ومنها: أن الناس يكتسبون علوماً ينفعون بها غيرهم، فإن العلم أبرك بكثير من المال، العلم إذا أبلغته رجلاً من الناس ولو مسألة واحدة فانتفع بها ثم نفع بها غيره، ثم الثاني نفع ثالثاً، والثالث رابعاً، وهلم جرا حصل من هذا خير كثير، ويحصل للإنسان أن يكون ممن قال فيهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ولا تظن أن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (علم ينتفع به) يختص بالعلماء الراسخين في العلم، الواسعين في الاطلاع، الثاقبين في الفهم، لا.
حتى لو أنك بلغت آية من كتاب الله أو حديثاً عن رسول الله ﷺ وانتفع الناس به بعد موتك فإنه يحصل لك أجر ذلك.
قال النبي ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) وكان لقاؤنا في هذا المسجد (الجامع الكبير في عنيزة) نتتبع فيه التفسير، وابتدأنا فيه بسورة: (ق) لأنها أول المفصل، حيث قال العلماء: إنه ينبغي للإنسان في صلاته أن يقرأ منه، ففي الفجر يقرأ من طواله، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، وطواله من (ق) إلى (عم) وقصاره من (الضحى) إلى آخر القرآن، وأوساطه ما بين ذلك، وذلك من أجل أن يكون الناس إذا سمعوا هذه التلاوة من أئمتهم في الصلاة يعرفون شيئاً من معناها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولكن مع ذلك يأس أن نلقي شيئاً تدعو الحاجة إلى إلقائه بدلاً عن هذا التفسير، مثل أن يحدث شيء يهم الناس معرفته.
وهذه الليلة سيكون نصيبنا مع تفسير شيء من سورة (ق) ، وتكلما فيما سبق إلى قوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠] حسبما كلمني فيه الإخوان أننا وصلنا إلى هذا الجزء من السورة.
وهذه الآية: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠] معطوفة على قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق:٩] .
يعني: وأنبتنا به النخل باسقات، أي: عاليات: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠] أي: منضود بحيث يكون متراكباً بعضه إلى جنب بعض على أحسن صورة وأحكمها؛ يكون مرتبطاً بهذا الشمراخ إلى أن يحين وقت أكله، فإذا حان وقت أكله سهل جداً أن يتناوله الإنسان بدون أن يتأثر هذا الرطب أو هذا التمر.
﴿رِزْقاً لِلْعِبَادِ﴾ [ق:١١] أي: جعلنا ذلك لرزق العباد؛ لأن العباد محتاجون إلى رزق الله .
وفي الحديث القدسي حديث أبي ذر الغفاري الذي رواه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ربه أنه قال: (يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم) كل العباد جائعون، من يستطيع أن يخرج حبة من الأرض؟ من يستطيع أن يخرج تمرة أو ثمرة من شجرة؟ لا يستطيع ذلك أحد.
إذاً: الذي أخرج لنا هذه الثمرات هو الله : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٣-٦٤] بل أنت يا ربنا الزراع، والله لو بذرنا في الأرض كل حب، وسقيناه بكل ماء، وخدمناه بكل طعم، ما استطعنا أن نخرج حبة واحدة منه، ولكن الله تعالى برحمته وقدرته هو الذي يخرجها: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلَلْتُمْ تَتَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة:٦٤-٦٥] أي: لو شاء الله لجعله حطاماً بعد أن يخرج ويبرز ويطيب، يرسل الله عليه آفة من السماء فتحطمه، بعد أن تتعلق قلوبنا ونفوسنا به يحطمه الله ولكن من رحمته جل وعلا وقدرته أن ينميه ويغذيه لنا حتى يطيب أكله ويسهل علينا ذلك.
يقول: ﴿رِزْقاً لِلْعِبَادِ﴾ [ق:١١] إذاً: ما نجده من ثمار النخيل وغيرها من الأشجار، وما نحصده من الزروع كله رزق من الله لعباد الله وقوله تعالى: ﴿رِزْقاً لِلْعِبَادِ﴾ [ق:١١] هل المراد عباد الرحمن المطيعون لأمره أم جميع العباد؟ المراد جميع العباد ولهذا نجد هذه النخلات وطلعها موجوداً عند أكفر عباد الله؛ لأنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ولكني أقول لكم: ما يأكله الكفار من ثمرة، وما يرفعون إلى أفواههم من لقمة، وما يتجرعونه من شربة ماء فكله يأثمون به، ويعاقبون عليه يوم القيامة، والدليل على هذا قول الله ﵎: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] .
إذاً هي لغير الذين آمنوا ليست حلالاً في الدنيا ولا خالصة يوم القيامة، ولكنها حرام عليهم وهم معاقبون عليها يوم القيامة.
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة:٩٣] إذاً: من لم يؤمن هل عليه جناح فيما طعم؟ نعم.
عليه جناح فيما طعم؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة:٩٣] إذاً: الذين لم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات عليهم جناح فيما طعموا؛ ويوم القيامة يحاسبون ويعاقبون عليه، وهذا كما أنه ثابت بدلالة السمع فهو أيضاً ثابت بدلالة العقل، إذ كيف تتمتع بنعمة الله وأنت تبارزه بالعصيان؟ ما الذي يحلل لك أن تتمتع بنعمه وأنت تكفر به؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] وبهذا نعرف قدر نعمة الله علينا بدين الإسلام، نسأل الله أن يتمها علينا إلى أن نلقاه آمين آمين.
هؤلاء الكفار ما رفعوا من لقمة ولا تجرعوا من شربة إلا وهم آثمون عليه يوم القيامة يحاسبون به، وما لبسوا من ثوب إلا وهم محاسبون عليه يوم القيامة ويعاقبون على ذلك.
فلا تظنوا أن الجنة التي كتبت لهم في هذه الدنيا أنها ستكون يوم القيامة وروداً بل ستكون عذاباً عليهم يوم القيامة، بخلاف المؤمن؛ فالمؤمن هي له في الدنيا خالصة يوم القيامة ولله الحمد على ذلك، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) كيف نشرح هذا الحديث؟ شرحه أن نقيم الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة سجن، ولذلك إذا مات الإنسان في يومه، فإنه يشاهد الجنة بل قبل أن يدفن، إذا أتته الملائكة تبشره تقول لروحه: (اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رحمة من الله ورضوان) فتخرج مستبشرة منقادة، يسهل عليها أن تفارق هذا البدن التي سكنت فيه، ما شاء الله أن تسكن؛ لأنها بشرت بما هو خير، فإذا حمل الناس الجنازة على أعناقهم تقول: (قدموني قدموني) يعني: أسرعوا بي حتى أصل إلى النعيم، فإذا دفن الإنسان وأجاب الرسل (الملائكة) الذين يسألونه عن ربه ودينه ونبيه، فتح له باب من الجنة ووسع له القبر مد البصر، وأتاه من نعيم الجنة وروحها ما لا يكون أكبر نعيم في الدنيا عند هذا شيئاً.
إذاً: الدنيا سجن المؤمن؛ لأنه انحبس فيها عما هو أكبر منها نعيماً وأكبر منها ملكاً، لكنها بالنسبة للكافر جنة؛ لأنه حبس فيها عن عذاب وهوان وغضب، فإذا أتاه أول مبشر عند الاحتضار، يبشر بالعذاب والعياذ بالله، يقال لروحه (اخرجي إلى غضب من الله) فتخرج مكرهة لا تريد الخروج، ثم تقول إذا حملت: (يا ويلها أين تذهبون بها) فإذا نزلت في القبر وجاءتها الرسل الملائكة، ولم تجب الصواب، ضيق عليها القبر حتى تختلف أضلاعه من شدة التضييق ويفتح له باب إلى النار ويأتيه من حرها وسمومها.
إذاً: الدنيا بالنسبة لهذا العذاب تكون جنة؛ لأنها الراحة، ويذكر أن الحافظ ابن حجر ﵀ صاحب فتح الباري شرح صحيح البخاري كان قاضي القضاة في مصر، مثل رئيس القضاة عندنا أو وزير العدل (أكبر منصب في القضاء) وكان يركب عربة تجرها البغال من بيته إلى مكان عمله، وهذا أكبر ما عندهم في ذلك الوقت، فمر ذات يوم برجل يهودي زيات -يبيع الزيت- والزيات تعرفون ثيابه دنسة وهو متعب، فلما مر به ابن حجر أوقفه، وقال: إن نبيكم يقول: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) وكيف يكون هذا؟ أنت الآن في نعيم وأنا في عذاب فكيف كانت لي جنة ولك سجناً؟ فقال له ابن حجر: نعم.
لأن ما أنا فيه من النعيم الآن بالنسبة للنعيم في الآخرة سجن، وما أنت فيه الآن من الشقاء بالنسبة لعذاب الآخرة جنة، فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأن الواقع انطبق تماماً على حاله وحال ابن حجر
стр. 378
الأسئلة
стр. 379
حقيقة حساب المؤمن والكافر على ما أنعم الله عليهم في الدنيا
السؤال
فضيلة الشيخ: ذكرتم وفقكم الله، أن المسلم لا يحاسب عما يأكل، والكافر يحاسب، والرسول ﷺ حين أخرجه الجوع ولقي أبا بكر وعمر ثم ذهبوا وأكلوا ذلك الطعام، قال ﵊: (لتسألن عن هذا النعيم) فكيف الجمع بين هذا وما قلت؟
الجواب
لم نقل: إن المؤمن لا يحاسب، قلنا: إن الكافر عليه عقوبة وإثم، وأما المحاسبة فإن المؤمن يحاسب ولكنه ليس حساب مناقشة، لقول النبي ﷺ : (من نوقش الحساب هلك -أو قال- عذب) لكنه حساب عرض، وأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] أي عن شكر هذا النعيم هل قمتم به أم لم تقوموا به؟ هذا هو معنى الآية الكريمة.
стр. 380
حكم قول: قاضي القضاة
السؤال
أقرأ كثيراً عن النهي عن قول (قاضي القضاة) مع أنني أقرأ تراجم العلماء وكما ذكرتم عن ابن حجر أنه قاضي القضاة فما التوجيه؟
الجواب
يجب أن نعلم أن النبي ﷺ قال: (إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله) أخنع اسم، يعني: أوضع اسم عند الله هذا الرجل الذي تسمى؛ إما بتسمية نفسه أو برضاه بهذه التسمية (ملك الأملاك) من الذي يستحق هذا الوصف (ملك الأملاك) ؟ لا يستحقه إلا الله؛ لأنه ما من ملك في الدنيا إلا وفوقه ملك، ويوم القيامة يزول ويتلاشى كل ملك إلا ملك الله ، فإن هذا أخنع اسم عند الله؛ يضعه الله حيث رفع نفسه.
وأما قاضي القضاة فقال بعض العلماء: إنه مثل ملك الأملاك، وإذا سلمنا أنه مثله، فإذا قيل: قاضي القضاة في جهة ما، فالمراد قاضي القضاة من هذه الجهة وابن حجر قاضي القضاة في مصر، وليس قاضي القضاة في كل مكان، ولذلك نقول: إذا سلمنا أن قولنا: قاضي القضاة مثل ملك الأملاك، فإن توجيه ما يذكر في بعض تراجم العلماء من قول قاضي القضاء، يعني: قاضي القضاء في هذه الجهة ليس قاضي القضاة في كل مكان، وإنما قلت: إن سلمنا أن يلحق بملك الأملاك؛ لأن ملك الأملاك تعني: السلطة المطلقة والإلزام والقهر، وليست سلطة القاضي وإلزامه وقهره كسلطة الملك، الملك له سلطان نافذ وإمرة، ويرى أن له منزلة فوق الناس، لكن القاضي ليس كذلك، وإن كان القاضي يحكم بالحق ويلزم به، لكن الذي له السلطة المطلقة على من هم تحت رعايته هو الملك، وعلى كل حال، العلماء يقولون كثيراً: فلان قاضي القضاة، يريدون بذلك الجهة التي هو فيها لا مطلق الجهات.
стр. 381
حكم لبس الشماغ الأحمر المشابه لشماغ الصابئين
السؤال
فضيلة الشيخ: قرأت لأحد العلماء في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة:٦٢] أن الصابئين هم طائفة من اليهود دخلت العراق واتخذت من الشماغ الأحمر علامة لهم مع تطويل شعرهم حزناً على قتل نبي الله يحيى، فهل يلزم من هذا القول على افتراض صحته، أننا نتشبه بهم في هذا الزي يعني الشماغ؟
الجواب
هذه مشكلة لعل أصحاب الدكاكين الذين يبيعون الشماغ لا يسمعون بهذا الكلام.
الواقع أن الأخبار التي تأتي عن بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب، ولا يؤخذ منها أحكام شرعية، ثم اللباس الأحمر الذي يلبسونه هل هو لباس أحمر خالص أو مخلوط به لون آخر؟ وقد ورد عن النبي ﷺ النهي عن اللباس الأحمر الخالص، وأما الشماغ فهو بحمد الله ليس لباساً أحمر خالصاً، بل نصفه أبيض أو قريباً من ذلك، فلا يدخل في النهي عن اللباس الأحمر، وأما ما ذكره عن الصابئين وأنهم قوم اتخذوا شعارهم اللباس الأحمر، فهذا لا أعرف عنه شيئاً، لكن كما قلت: ما جاء عن بني إسرائيل فإنه لا يصدق ولا يكذب، ولا تؤخذ منه أحكام إلا ما شهد شرعنا بصحته واعتباره.
стр. 382
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا)
السؤال
قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف:٢٤] في سورة يوسف، ما هو هذا الهم من يوسف ﵊؟ وما هو القول الصحيح في ذلك؟ وما معنى قوله: ﴿بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] ما المقصود بهذا البرهان؟
الجواب
المفسرون ﵏ يذكرون تفسير هذه الآية في أشياء غريبة، بعيدة عن دلالة اللفظ، وإذا قرأنا الآية والتي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ﴾ [يوسف:٢٣] (راودته) أي: حاولت أن يفعل بها ما تريد: ﴿وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] أي: أقبل، تعال: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٢٣] أي: أستعيذ بالله: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] يعني: الله : ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣] يعني: لو فعلت فأنا ظالم والظالم لا يفلح: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] تصوروا أن رجلاً شاباً غُلِّقت الأبواب بينه وبين الناس وراودته عن نفسه امرأة من أجمل النساء، وهي في نفس الوقت سيدته لها السيطرة عليه، ماذا يكون؟ سوف يكون الهم؛ لأن الإنسان بشر، ولهذا قال: ﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] فما هو البرهان؟ البرهان ما في قلبه من النور والإيمان الذي حال بينه وبين هذا الذي طلبته المرأة، وهذا يدل على كمال عفته ﵊، وعلى كمال تقديم ما يرضي الله على ما يهواه، ولهذا قال النبي ﵊: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إله ظله، وذكر منهم: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله) أن يدعى رجل إلى فعل الفاحشة في مكان لا يطلع عليه إلا الله ثم يقول: إني أخاف الله، هل هذه منقبة أو مثلبة؟ الجواب: منقبة.
إذاً: هي منقبة ليوسف ﵊ أن ترك هذا الأمر لله مع قوة الداعي وانتفاء المانع، فلا يوجد ما يمنعه، والداعي في حقه قوي؛ لأنه رجل شاب ومع ذلك ترك هذا لله.
﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] الأمر كان كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخْلصين، أما قول بعضهم: إنها همت به لفعل الفاحشة وهم أن يضربها فهذا غلط؛ لأنه لو ضربها في هذه الحال، هل يقال: إن الله صرف عنه السوء والفحشاء؟ ضرب هذه المجرمة قد يكون بحق، فعلى كل حال الآية واضحة، وتدل على كمال عفة يوسف ﵊، وهذا الذي جرى منه يعتبر منقبة عظيمة له، وقد جعله النبي ﵊ من الأعمال التي يظل الله بها من عملها يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 383
إخراج الجن بالرقية وحكم طالبها
السؤال
فضيلة الشيخ: هل القراءة على الإنسان لإخراج الجن تعتبر من الرقية، وهل من طلبها يكون خارجاً من السبعين ألفاً، الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب؟
الجواب
الرقية لإخراج الجن داخلة في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] وقد روى الإمام أحمد ﵀ في مسنده أن النبي ﷺ في بعض أسفاره مر بامرأة ومعها صبي لها قد أصيب بالجن، يصرعه الجن فقرأ عليه، وقال له: (اخرج عدو الله إني رسول الله) فخرج الجني وأفاق الصبي وشفي من ذلك.
وهناك أيضاً وقائع كثيرة جرت للعلماء المخلصين كالإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهما من أهل العلم.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه جيء إليه بمصروع قد أصابه الجن، فقرأ عليه فخاطبته الجنية التي في هذا الرجل، فقالت: إني أحبه.
فقال لها شيخ الإسلام: لكنه لا يحبك.
فقالت: إني أريد أن أحج به.
فقال: هو لا يريد أن يحج معكِ.
فجعل يحاورها وأبت أن تخرج، فجعل يضربها بضرب الرجل المصروع، لكن الضرب يقع في الظاهر على المصروع وهو في الحقيقة على الجنية، حتى يقول: إن يده قد تعبت من الضرب.
ثم قالت: أنا أخرج كرامة للشيخ -تعني: شيخ الإسلام ابن تيمية - فقال: لا تخرجين كرامة لي، اخرجي طاعة لله ورسوله، فخرجت فأفاق الرجل، فتعجب الرجل: قال: ما الذي جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا: أما أحسست بالضرب الذي كلت منه يد الشيخ؟ قال: والله ما أحسست به؛ لأن الضرب كان يقع على الجنية، فخرجت ولم تعد.
فالقراءة على الذي أصابه مس من الجن تنفع بإذن الله، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يتوهم ويتخيل فكلما أصابه شيء قال هذا جن، وربما لو جاءه زكام قال: هذا جن، هذا غير صحيح، والإنسان إذا تخيل الأشياء صارت حقيقة، بل الآن لو تتخيل الشيء البعيد يتحرك وهو ساكن قلت: هذا يتحرك.
الآن بعض الناس قبل أن يفرش المسجد بهذا الفرش، (كان قبل ذلك مفروشاً بمدات فيها زركشة) فجاء إليَّ أناس فقالوا: يا فلان! كيف تصلي على هذه المدات؟ قلت: وماذا فيها؟ قالوا: كلها عصافير، النقوش التي بها تخيلوا أنها عصافير، فصارت في رأيهم عصافير، ماذا نفعل؟ المهم أن الإنسان إذا تخيل شيئاً فإنه ربما يقوى هذا التخيل في نفسه حتى يكون كأنه حقيقة وهذه مشكلة، لذلك نحن نحذر من أن يتخيل الإنسان كلما أصابه شيء، قال: هذا من الجن.
ثم نأمر وندعو إخواننا أن يكثروا من الأذكار والأوراد التي تمنع من ذلك مثل قراءة آية الكرسي، إذا قرأها الإنسان في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، يعني: لو أنك قلت لإنسان: كن حارساً لي هذه الليلة من كل شيطان ظاهر أو باطن وأعطيك كذا وكذا من المال؛ أليس رخيصاً؟ بلى.
لكن هذه آية الكرسي اقرأها في ليلة قراءة مؤمن بأنها تحفظه، مصدقاً للرسول ﵊ في ذلك، وحينئذ يحميك الله من كل شيطان، لا يقربك حتى تصبح، وغيرها من الأوراد، لكن الناس غفلوا عن الأوراد الشرعية، والذين يقومون بالأوراد الشرعية، ربما يقرءونها وقلوبهم غير حاضرة، ومن الناس من يقرأها وهو في شك، ولذلك كان نفعها قليلاً، لا لأنها لا تنفع؛ لكن لأن الذي قرأها لم يقرأها على الوجه المطلوب، فكثرت الأوهام من الناس وصار بعض الناس كلما أصيب قال: هذا جن.
ثم إن السائل يقول: هل إذا طلبت من أحد أن يقرأ علي، هل أخرج بذلك من السبعين ألفاً الذين قال الرسول ﵊ فيهم: إنهم لا يسترقون؟ نقول: نعم.
إذا كان الإنسان يطلب من أحد أن يرقيه، فإنه يفوته وصف من الأوصاف، وليس كل الأوصاف تفوته؛ فهذا وصف منها هم الذين لا يسترقون، والباقي: ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، ربما يفوت الإنسان كل الصفات الأربع، وربما يفوته صفه من هذه الصفات الأربع، وإذا أصلح الإنسان عمله، فما أوسع فضل الله !
стр. 384
مشاهدة المباريات في الميزان
س٢٩٠: فضيلة الشيخ: حصل نقاش بيني وبين شاب مصل، أرجو الفصل بيني وبينه، ليس انتصاراً للنفس وإنما بحثاً عن الحق لي وله، قلت له: يا أخي لا يجوز لك أن تضيع وقتك بمشاهدتها، أعني بذلك: المباريات، فأنت مسئول أمام الله تعالى عن هذا الوقت، وحتى لو فرض أن مشاهدتك مباحة، فإن فيها من المحذورات ما يكفي لتحريمها ومن ذلك: أولاً: ما يصاحبها أحياناً من الموسيقى والطبول ونحو ذلك.
ثانياً: التعلق بالصور للشباب والأشخاص ورؤية أفخاذهم.
ثالثاً: انشغالك عن الجماعة وعدم الصلاة مع المسلمين.
رابعاً: ما يصحب ذلك من التعلق باللاعبين والولاء حتى ولو كانوا كفاراً على حساب إخوانك المسلمين.
خامساً: أننا في وقت تتقطع القلوب لما يحدث للمسلمين في البوسنة والصومال وكشمير فأين نحن من مودة إخواننا المسلمين وتطبيق ما أمر النبي ﷺ .
فكان من جوابه: أولاً: أن فضيلتكم يفتي بجواز النظر إلى الفخذ بأنه ليس من العورة.
ثانياً: يقول: إن الموسيقى يغطي عليها صوت المعلق وليست كثيرة، وأما الوقت فإنه إذا لم يضع مع المباريات ضاع بغيره، أما الصلاة فإن تأخير صلاة العشاء أفضل.
فما رأي فضيلتكم وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذا السؤال فيه صدق وفيه كذب، أما الكذب فهو عليَّ وأنا معتاد أن يُكْذَب عليَّ، ولكن نسأل الله لمن كذب عليَّ يريد الحق فيما يقول أن يعفو الله عنه، أما إذا كان يريد العدوان فإن بيني وبينه موقفاً يوم القيامة.
فنقول: إن ما قاله السائل والمناقش لأخيه هو حق في مشاهدة هذه المباريات مما ذكره من المساوئ، وفيه أيضاً إضاعة مال؛ لأن هذه الآلات التي يشاهد من خلالها هذه المباريات، تستهلك أموالاً من الكهرباء والآلات الناقلة وغير ذلك، ثم من أشد ما فيها أنه لو نجح أحد في هذه المسابقة من الكفار، وربما نقول: من جنس من الكفار هم أعدى الناس للمسلمين، ربما يتعلق قلبه به ويحترمه ويعظمه، فتفوت المعاداة التي قال الله تعالى فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١] .
فأنا مع الأخ لا لأني أعرفه، لكن أرى أن ما قاله حق، وأنه ينبغي للمسلم أن يربأ بنفسه عن مشاهدة هذه المباريات لما فيها من المساوئ التي عدَّدها السائل وإضاعة المال.
أما قوله: إنني أبيح النظر للأفخاذ فهذا كذب عليَّ، أنا لا أبيح النظر لأفخاذ الشباب أبداً، وأرى أنها فتنة، وأنه يجب على الشاب المسلم الذي يمارس هذه الرياضة أن يستر ما بين سرته وركبتيه مهما كان الأمر، حتى لو قدر أنه فصل؛ لأن طاعة الله ورسوله أولى أن تتبع.
ثم إني أقول: إذا كان هذا نجماً في هذه المباريات ومرموقاً فإنه قد يكون قائد خير وأسوة حسنة، إذا قام بستر ما بين سرته وركبته، ويكون قد سن في الإسلام سنة حسنة؛ لأنه عمل بها بعد أن كانت مضاعة: (ومن سن في الإسلام سنة حسنة؛ فلها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) .
والحقيقة أننا -ولله الحمد- أمة مسلمة لنا كياننا، ولنا أخلاقنا، ولنا ما نفخر به من شريعتنا، فلا ينبغي أن نكون إمعة نقلد غيرنا في أمور تخالف ما جاء في شريعتنا، الواجب علينا إذا كنا نمارس هذه الرياضة -والغالب أن الذي يمارسها من الشباب- أن نستر ما بين السرة والركبة، وألا نبالي بغيرنا، يجب أن تكون لنا شخصية قائمة تفرض نفسها على الناس، ولا يفرض الناس أنفسهم عليها؛ لأننا نحن إذا عملنا فقائدنا محمد ﷺ الذي يجب على هؤلاء النصارى أن يتبعوه، لكن إذا قلدنا غيرنا، وأهملنا ما تمليه شريعتنا؛ صار قدوتنا غير نبينا ﵌ في هذه المسألة، وإن كان من الناس الذين يمارسون هذه الرياضة، من قد عرفوا بالصلاح والصلاة وحسن الخلق، لكن ينبغي أيضاً أن يتمموا ذلك، وأن يتمموا مكارم أخلاقهم باللباس الساتر ما بين السرة والركبة.
وإني بهذه المناسبة أود أن أقول: إننا نسمع ما ينسب إلينا وما ينسب إلى شيخنا عبد العزيز بن باز وما ينسب إلى الشيخ ناصر الدين الألباني أشياء إذا محصناها وجدنا أنها كذب، قد تكون متعمدة وقد يكون الذي نقلها أخطأ في الفهم، أو أخطأ في صيغة السؤال الذي بني عليه الجواب، أو ما أشبه ذلك.
اتصلت بالشيخ الألباني أسأل عن صحته فقال: إنه بخير، وقال: إن رجلاً من الناس قال لي إن معه كتاباً منك إليَّ، وإني قد قلت له: صلِّ معي يوم الجمعة الماضية فقال: لا أستطيع، ولكن آتيك به يوم السبت، يقول الشيخ: فهل كتبت إليَّ شيئاً؟ قلت: ما كتبت لك شيئاً، وإذا جاءك هذا الكتاب فليس مني، فأنا لا أدري ما في هذا الكتاب! وقد يكون فيه طامات كثيرة لا تقوى على حملها السيارات ولا السفن ولا الطائرات؛ لكن هو قال لي هذا.
فقتل له: يا شيخ! الناس يكذبون علي ويكذبون على غيري، قال: وأنا قد كذبوا علي! وقالوا: إن الشيخ الألباني مات!! فقلت له: لعلهم يريدون وفاة النوم؛ أن الله توفاك بالليل وأيقظك بالنهار.
فالمهم أن الناس يتقولون على العلماء؛ لكن أوصيكم بكل شيء تسمعونه عني وأنتم تستنكرونه أن تتصلوا بي حتى تتحققوا هل هو صحيح، أو غير صحيح فقد يكون كذباً، وقد يكون حقاً صدقاً ولكن لي وجهة نظر لا يعرفها، وإذا سمعتم أيضاً ما تستنكرونه عن العلماء الآخرين أن تتصلوا بهم، وألا تشيعوا كل ما يقال، فنسأل الله السلامة، قال بعض العلماء في قوله ﷺ دعاء القنوت: (وعافني فيمن عافيت) .
قال: لا أجد عافية أكمل من أن يعافيك الله من الناس ويعافي الناس منك.
وهذا الأخ الذي يناظر أخانا في مسألة المشاهدة، يقول إن لم أشغل نفسي بمشاهدة هذا شغلتها بغيره، فنقول: إذا شغلتها بغيره مما هو أقل ضرراً أو مما هو نافع فهو خير، وكان الذي ينبغي لك أن تشغلها بما هو نافع؛ لأن الرسول ﵌ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) هذا في القول كيف بالفعل؟ أما قوله: إنه يجوز أن تؤخر صلاة العشاء إلى نصف الليل، فنعطيه المزيد: فنقول: وقد قال بعض العلماء: إنه يمتد إلى طلوع الفجر للضرورة.
وإذا كنت ترى أن من الضرورة مشاهدة هؤلاء فمعناه: أخرها إلى الفجر!! ونقول لهذا الرجل: نحن معك في أن الأفضل في صلاة العشاء التأخير لكن بشرط: ألا تتأخر عن نصف الليل، ولكن لا يجوز للإنسان الذي تلزمه الجماعة أن يؤخرها ويترك الجماعة؛ لأن التأخير سنة والجماعة واجبة، ولا تعارض بين السنة والواجب، فيجب عليك أن تصلي مع الجماعة.
ولكن أخشى أن يحتج بحجة ثانية، يقول: قال النبي ﷺ : (لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان) وذلك لانشغال القلب وانشغال القلب بهذه المباراة أشد من انشغالها بالطعام، ماذا نقول؟ نقول: الطعام من ضروريات الحياة، وهذه ليست من الضروريات أبداً، وكم من شباب -ولله الحمد- سلموا منها ولم يشكوا من أي نقص في حياتهم، لا الحياة الدينية ولا الحياة الدنيوية، وهم -والحمد لله- سعداء في حياتهم.
ثم إنني من هذا المكان أدعو إخواني الذين يمارسون هذه الرياضة، أدعوهم إلى التمسك بالدين وإن كنت أعلم أن فيهم -ولله الحمد- من هو متمسك تماماً، لكن أحب أن يكونوا دعاة لإخوانهم الآخرين في التمسك بدين الله وإقامة الصلاة جماعة في أوقاتها، واللباس الساتر الذي أشرنا إليه قبل قليل، ونرجو لهم التوفيق لما فيه الخير والصلاح.
стр. 385
تزوير فتوى الشيخ بتصوير إمضائه
السؤال
أرجو تنبيه الشيخ على أنه في بعض الفتاوى تزور الإمضاءات، مثل أن يصور إمضاء الشيخ ثم يوضع على فتوى كاذبة؟
الجواب
يمكن ذلك الآن بما يعرف بالدبلجة، يعني: أن بعض الناس يمكن يدبلج الكلام الطيب ويقلب إلى كلام سيئ تؤخذ حرف من هذه الكلمة وحرف من هذه الكلمة، ثم يجعل كلاماً سيئاً إلى آخره، مثل ما شاهدنا من دبلجة الرجال والصور في أيام حرب الخليج، فعلى هذا كل شيء ممكن، ولكن كما قلت لكم: أوصيكم بأنكم إذا سمعتم عني ما يستنكر، أو عن غيري من أهل العلم، أن تتصلوا بهم حتى يتبين الحق من الباطل.
وفي هذا القدر الكفاية وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 386
اللقاء الشهري [١٥]
من نعمة الله علينا أن هدانا إلى الإسلام، وتعبدنا بشرائعه وأوامره وأركانه، ومن هذه الأركان ركن يجهل أحكامه كثير من الناس، وهو حج بيت الله الحرام، وفي هذه المادة مباحث في الحج تبين صفته وأحكامه وشروطه وأركانه، ثم أجاب الشيخ عن الأسئلة الواردة في هذا اللقاء.
стр. 387
مباحث في الحج
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة: فهذا هو لقاء شهر شوال من عام أربعة عشر وأربعمائة وألف في الجامع الكبير في عنيزة، والذي ينظم في كل شهر مرة، ونحن على مقربة من وداع شهر رمضان، الذي أدينا وأدى المسلمون فيه فريضة وركناً من أركان الإسلام وهو صيام رمضان، ومن حكمة الله أنه لم يخرج شهر الصيام حتى دخلت أشهر الحج إلى بيت الله الحرام، ولهذا سنجعل مقدمة لقائنا هذه الليلة، في البحث عن الحج ويتلخص في الأمور التالية:
стр. 388
المبحث الأول: متى فرض الحج ؟
أولاً: متى فرض الحج؟ والجواب على هذا
السؤال
أن العلماء ﵏ اختلفوا هل فرض الحج في السنة السادسة من الهجرة، أم في السنة التاسعة من الهجرة؟ والصواب: أنه في السنة التاسعة من الهجرة، فأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] التي نزلت في الحديبية فهذا أمر بالإتمام وليس أمر ابتداء، أمر الابتداء جاء في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] .
وهذه الآية نزلت في السنة التاسعة من الهجرة، ولأن الحكمة تقتضي ذلك، لأن مكة كانت قبل فتحها بلاد كفر، ومنع قريش للنبي ﷺ وأصحابه من إتمام العمرة ليس ببعيد، إذ أنهم منعوا النبي ﷺ وأصحابه من إتمام العمرة لما جاء معتمراً في السنة السادسة من الهجرة، فليس من الحكمة أن يفرض الله الحج على عباده وقريش لهم بالمرصاد، ولكن لما فتحت مكة وصارت بلاد إسلام في السنة الثامنة، حينئذ اقتضت حكمة الله فرض الحج، ففرض في السنة التاسعة من الهجرة، ولم يحج النبي ﷺ في السنة التاسعة من الهجرة لسببين: السبب الأول: أن هذه السنة كانت سنة الوفود، أي: أن العرب كانوا يفدون إلى النبي ﷺ في المدينة يتلقون عنه شرائع الإسلام، فغيابه عنها مع تكاثر الوفود إليها ربما يكون فيه فوات مصلحة عظيمة، لهذا أخر النبي ﷺ الحج إلى السنة العاشرة.
السبب الثاني: أنه في السنة التاسعة كان الحجاج خليطاً من المسلمين والمشركين، فأمر النبي ﷺ أن يؤذن في ذلك العام ألا يحج بعد العام مشرك حتى تتحمض حجة النبي ﷺ في قوم مسلمين لا مشركين معه، ولهذا لم يحج النبي ﷺ إلا في السنة العاشرة من الهجرة.
стр. 389
المبحث الثاني: من الذي يجب عليه الحج ؟
الذي يجب عليه الحج هو المسلم البالغ العاقل المستطيع، لقول الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] .
والاستطاعة نوعان: استطاعة بالبدن، واستطاعة بالمال، فالاستطاعة بالمال شرط للوجوب، والاستطاعة بالبدن شرط للأداء، فإذا كان الإنسان فقيراً ليس عنده مال، فإنه لا يجب عليه الحج، إذا كان يحتاج إلى راحلة؛ لأنه لا يستطيع ولو كان بدنه قوياً، وإذا كان عنده مال لكن لا يستطيع أن يحج ببدنه؛ لأنه ضعيف كبير أو مريض مرضاً لا يرجى برؤه، فإنه يجب عليه أن يقيم من يحج عنه، فالاستطاعة بالبدن شرط للأداء، والاستطاعة بالمال شرط للوجوب.
ومن الاستطاعة بالمال ألا يكون على الإنسان دين، فإن كان عليه دين فإنه لا يلزمه الحج، ولا يأثم بتركه، ولو مات وهو لم يحج؛ فإنه لا يعاقب؛ لأنه ليس بقادر، إذ أن قضاء الدين أهم من الحج، وإسقاط الله الحج عن المدين من رحمته به، فينبغي للإنسان أن يقبل رخصة الله، وأن يقضي دينه أولاً ثم يحج ثانياً، إذ لو حج بالمال، لفات من قضاء دينه بمقدار ما أنفق على حجه، وأضرب لكم مثلاً في رجل عليه خمسة آلاف ريال ديناً، فإذا حج فسوف ينفق ألف ريال على الأقل، إذن فات من قضاء الدين ألف ريال، نقول: اصرف الألف في قضاء دينك، فإذا صرفته في قضاء دينك لم يبق عليك من قضاء دينك إلا أربعة آلاف ريال، واقبل رخصة الله، لا تكلف نفسك، فإن قال قائل: وهل يشمل ذلك الدين الذي لصندوق التنمية العقارية؟
الجواب
إذا كان الإنسان يستطيع الوفاء كلما حل القسط، وبيده الآن مال يمكنه أن يحج به، وهو يعرف أنه إذا حل القسط استطاع الوفاء به، فإنا نقول: إن هذا الرجل قادر فليحج، أما إذا كان لو أنفق ما عنده في الحج، لحل القسط وليس بيده شيء فإنا نقول: لا تحج، وادخر ما عندك من المال للقسط، ولا تظن أنك تأثم بذلك؛ لأن بعض الناس يقول: كيف أموت وأنا ما حججت؟ نقول: أرأيت لو كنت فقيراً ولم تزك، هل تندم إذا مت وأنت لم تزك؟ لا تندم، فإذا كان الإنسان إذا مات فقيراً لا يملك مالاً ولم يزك، فإنه يموت على ملة تامة لا نقص فيها، أي لا نقص فيها نقصاً يأثم به، فكذلك إذا كان عليه دين ولم يحج ثم مات فإنه يموت على ملة تامة ليس فيها نقص يأثم به، وهذا من نعمة الله.
стр. 390
المبحث الثالث: تقديم الزواج على الحج
إذا كان الإنسان عنده مال وليس عليه دين؛ لكنه أعده للزواج فيقول: إن حججت نقص المال واحتجت إلى الناس لإكمال المهر، وإن لم أحج صار عندي المهر كاملاً فهل أقدم النكاح أو أقدم الحج؟ نقول: في هذا تفصيل وهو: أنه إذا كان الإنسان يخشى على نفسه الفتنة بتأخر النكاح، وعنده شهوة قوية، فإنه لا يحج ويصرف المال في النكاح؛ لأن الإنسان إذا كان في حاجة إلى النكاح فهو كالإنسان الذي يكون في حاجة إلى الطعام والشراب، بل ربما يفتتن بترك النكاح أكثر مما لو لم يأكل ويشرب، فالمسألة فيها تفصيل: فإذا كان الإنسان يخشى على نفسه الفتنة وهو قوي الشهوة، فإنه يقدم النكاح على الحج، وإن كان الأمر بالعكس فليقدم الحج على النكاح.
فإذا قال قائل: أنا طالب علم وفي حاجة إلى الكتب، فهل أشتري بما عندي من المال الكتب التي أحتاجها أو أحج؟
الجواب
اشتر الكتب التي تحتاجها؛ لأن حاجتك للكتب كحاجتك للطعام والشراب الكمالي ليس الضروري، فإذا كنت محتاجاً إلى الكتب التي لا بد لك منها، فإنه لا يجب عليك الحج حتى تؤمن هذه الكتب، وهذا لا شك أنه من نعمة الله ومن رحمته بعباده.
فإن قال الإنسان: أنا علي دين وسمح لي أهل الدين أن أحج فهل أحج؟ الجواب: لا.
لأنهم وإن سمحوا لك فلا يسقط عنك شيء من الدين، والكلام على شغل الذمة، نعم.
لو قالوا: حج ونحن نسقط عنك من دينك بمقدار ما أنفقت في الحج، حينئذ أصبح الحج لا يضره فليحج.
أما إذا حج وأنفق الدراهم في الحج تعذر وفاء الدين، فهنا نقول: لا تحج، لأن الأمر في هذا واسع.
следующие страницы →