← Фикх общий

Фикх общий · id 7686

اللقاء الشهري

ابن عثيمين

Полный текст (2 259 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

خطر تعلم الأطفال اللغة الإنجليزية السؤال فضيلة الشيخ! ما العيب إذا تم تعليم الطفل اللغتين: العربية وحفظ القرآن واللغة الإنجليزية وكان للطفل القدرة على التعامل باللغتين مع الالتزام بالخلق الإسلامي؟ سؤال آخر: فضيلة الشيخ! أنا أدخل الصبية رياض الأطفال حيث يُعلمون اللغة الأجنبية، ولكنهم مقابل ذلك يخرجون من تلك الرياض -وأخص منها الحكومية- يخرجون منها مؤهلين للدراسة في المرحلة الابتدائية أكثر من أولئك الذين لم يدخلوا الرياض، سؤالي: هل نصحكم فتوى أم هو اجتهاد منكم أثابكم الله؟ الجواب أولاً: أنا لا أدري ما الفرق بين الفتوى أو النصيحة، الناصح مفت وزيادة؛ لأن المفتي يبين الحكم وقد لا يعطي ترغيباً ولا ترهيباً، لكن الناصح يعطي الحكم ويرغب أو يرهب، وأنا الذي أدين الله به أن الإنسان الذي يعلم أطفاله الصغار الذين في هذا المستوى أرى أنه ليس بناصح لهم. ومسألة أنهم يتعلمون اللغة العربية واللغة الإنجليزية والقرآن وما أشبه ذلك هو فرض وهمي، الآن الصبيان إذا تعلموا اللغة الإنجليزية تجدهم يتكلمون بها ويتخاطبون بها. الآن يقول الواحد منهم يتعلمون: باي باي! يتعلمون هذا، أي: هم يعشقون اللغة الإنجليزية لأنها غريبة على ألسنتهم. وأما أنهم يؤهلون فنعم، لأن رياض الأطفال الحكومية لا تنهج هذا المنهج، فقد يكون في هذه الرياض تأهيل، لكن أفضل أن يكون ولدي ما دام صغيراً عندي في بيتي أحن عليه وأألفه ويألفني، ثم إذا بلغ السن التي حدد النبي ﷺ أن يكون الطفل قابلاً أدخله، قال النبي ﵊: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبعٍ واضربوهم عليها لعشر) هذه هي التربية الصحيحة، أما أن أثقل عليه من يوم هو صغير في التعلم فقد لا يكون هذا من حسن التربية.

стр. 72

حكم التخاطب بغير اللغة العربية السؤال فضيلة الشيخ! نجد أن بعض الناس ربما يتخاطب مع غيره من الشباب وغيرهم باللغة الإنجليزية أو ببعض مفرداتها، هل يفرق هذا بين من كان في مجال عمل، كما أننا نحن مثلاً في المستشفى نتخاطب مع زملائنا باللغة الإنجليزية غالباً ولو كان الأمر لا يحتاج للكلام، ولكننا تعودنا ذلك بمقتضى مخالطتنا لهم، فهل في هذا بأس وإذا تكلم الإنسان بكلمة من غير العربية فهل يأثم بذلك؟ الجواب الكلام باللغة غير العربية أحياناً لا بأس به، فإن النبي ﵊ قال لطفلة صغيرة جارية قدمت من الحبشة فرآها وعليها ثوب جميل، فقال: (هذا سنا، هذا سنا) أي: هذا حسن كلمها باللغة الحبشية؛ لأنها جاءت قريبة من الحبشة. فخطاب من لا يعرف العربية أحياناً باللغة التي يفهمها هو لا بأس به، وليس فيه إشكال، لكن كوننا يأتينا هؤلاء القوم لا يعلمون اللغة العربية، ثم نتعجم نحن قبل أن يتعربوا هم، مثل أن تجد بعض الناس إذا خاطب إنساناً غير عربي بدل ما يقول: لا أعرف، يقول: ما في معلوم لماذا يقول: ما في معلوم؟ لأجل أن يعرف ما يقول له، والصحيح أن يقول له: لا أعرف، حتى يعرف هو اللغة الصحيحة لكن مع الأسف الآن نخشى على أنفسنا أن نكون أعاجم.

стр. 73

مناصحة أهل البدع ومناظرتهم السؤال فضيلة الشيخ! أشرتم إلى مسألة الذين يتكلمون على النبي ﷺ وعلى أن جبريل أخطأ الرسالة إليه ونحن نجد أن أولئك القوم ربما كانوا مدرسين يلقنون أبناءنا -الآن خصوصاً في المنطقة الشرقية- العقائد وغيرها من المواد، فماذا نصنع نحن والأمر كما سمعتم؟ الجواب الواجب على المسلم أن يكون داعية إلى الله يدعو غيره إلى الله وإلى المنهج السليم لكن باللطف والإقناع بالدليل الأثري والدليل العقلي، وألا يجابه غيره بسب ما هو عليه من الملة، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ [الأنعام:١٠٨] فنهانا أن نسب آلهة المشركين خوفاً من أن يسبوا الله عدواً بغير علم. فالواجب علينا أن ندعو إلى الله تعالى على بصيرة، وأن نبين الحق ولو أن نأخذ كل واحد بانفراده؛ لأن مجابهة الجمع صعبة، لكن إذا أخذنا كل واحد على انفراد وكلمناه بهدوء وبينا له الحق، وكنا على علم تام بما هو عليه من المنهج حتى لا نقع في تردد أو شك عندما يناظرنا؛ لأن غيرك سوف يناظرك وسوف يدلي عليك بالحجج، وإذا لم يكن لديك ما يدفع هذه الحجج فربما تتوقف وحينئذٍ تكون هزيمة لا عليك ولكن على الحق، فلهذا أرى أننا إذا رأينا أمثال هؤلاء ندعوهم بالتي هي أحسن ونبين لهم الحق ونناظرهم، لكن بشرط أن نكون على علم تام بمنهجهم حتى يتبين لهم الأمر على وجهٍ واضح وبين.

стр. 74

نصيحة لمن تخلف عن صلاة الفجر السؤال فضيلة الشيخ! لي مشكلة قديمة وهي أني أحاول أن أصلي صلاة الفجر في المسجد ولكن لا أصليها إلا بعض الأيام، ومشكلتي أني أنتبه من النوم ولكني لا أنهض ولا أذهب أتوضأ وأنا على هذه الحال منذ سنوات، فما نصيحتك لي وكيف الحل في ذلك خصوصاً في مثل هذه الأيام؟ الجواب نصيحتي للأخ السائل ولمن كان على شاكلته أن ينام مبكراً؛ لأن النوم مبكراً يجعل الإنسان يقوم لصلاة الفجر نشيطاً، أما من لا ينام إلا بعد الساعة الثانية عشرة فكيف يقوم لصلاة الفجر نشيطاً؟ ثم إذا استيقظ ينبغي أن يقوم بسرعة فإنه في صحيح مسلم عن عائشة ﵂، أنها قالت في صفة قيام النبي ﵊ من نومه قالت: (فوثب) قال الراوي عن عائشة: والله ما قالت: (قام) بل قالت: وثب، وكأنه ﵊ يقوم بنشاط، أما إذا سمعت المنبه فاحرص على أنه من حين ما تسمع المنبه أو الذي ينبهك سواء آدمي أو ساعة أن تقوم بسرعة، وإذا قمت بسرعة مستعيناً بالله أعانك الله، ثم تذكر الله ، ثم تدعو الله بما تحب من خيري الدنيا والآخرة ثم تقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] الآيات العشر في آخر سورة آل عمران، ثم تمسح النوم عن وجهك ثلاث مرات، ثم تتوضأ، ثم تصلي ركعتين خفيفتين وتتهجد.

стр. 75

حكم من قدر على الزواج ومنعه أهله السؤال فضيلة الشيخ! أنا شاب عمري إحدى وعشرون سنة أريد أن أتزوج ولكن يمنعني أهلي يقولون: أنا صغير، وأنا أقدر على تكاليف الزواج، ويتحججون بأن قبلي اثنين من إخوتي ويقولون: لازم يتزوج إخوانك قبلك ثم تتزوج من بعدهم، وأخواي لا يريدان الزواج فماذا أصنع: هل أطيع والدي أم ماذا أفعل؟ الجواب أقول للأخ السائل: إنك لست صغيراً، الذي عمره إحدى وعشرون سنة ليس صغيراً على الزواج، عمرو بن العاص تزوج وله إحدى عشرة سنة، وجاءه ولد، ولهذا يقال: ليس بينه وبين ابنه عبد الله إلا ثلاث عشرة سنة، فأقول للأخ: توكل على الله وتزوج ولست بصغير، وإخوانك: الأخوان السابقان إذا يسر الله لهما الزواج تزوجا، وهذا من الخطأ الفادح عند بعض الناس أنه لا يزوج البنت الصغيرة مع وجود أكبر منها، وهذا حرام عليه، إذا خطبها كفؤ في دينه وخلقه فليزوجها، وربما تكون هي حائلة بين الأخت الكبيرة وبين الزواج، كثيراً ما إذا زوجت الصغيرة فتح الله الباب للكبيرة، وهذا شيء معروف، تحول بنت دون بنت كما يحول ذرية دون ذرية، وورد علينا أكثر من قصة رجل يتزوج ويبقى خمس عشرة سنة أو ست عشرة سنة مع زوجته لا يولد له، ثم يتزوج فتحمل الثانية في ليلتها أول ليلة وتحمل الأولى في نفس الأيام وهي لها سنوات مع زوجها لم تحمل، هذه البنت ربما يفتح الله الباب لأخواتها الكبار وكذلك الابن ربما يفتح الله الباب لأخويه الكبيرين. وأقول للأخ السائل: تزوج واستعن بالله وإذا كنت طالباً كما هو الظاهر من حاله ففي الإجازة الربيعية إن شاء الله قبل الإجازة الصيفية يسهل الله لك من ترضاها في دينها وخلقها، ولا يعد ذلك عقوقاً للوالدين ولا قطيعة رحم للأخوين أبداً.

стр. 76

حكم مخالطة الخادمة في البيت السؤال هل يجوز للرجل أن يخالط الشغالة في البيت، وماذا يحل له منها؟ الجواب إذا تزوجها فلها أن تكشف وجهها له وهذا هو الحل، وإلا فلا يحل له منها شيء، هي كالمرأة التي في السوق، يجب عليها أن تحتجب، ويتأكد الحجاب في حقها أكثر من غيرها؛ لأنها في البيت ويسهل الخلوة بها، فإذا كشفت وجهها فإن الشيطان يجعل هذا الوجه وإن كان ليس بذاك يجعله جميلاً ليفتتن بها والعياذ بالله، فيجب على الخادمة أن تحتجب ويجب على أهل البيت أن يأمروها بذلك؛ لأنها امرأة أجنبية. وإذا أرادوا الحل الذي ذكرته فهو سهل، إذا لم يكن لها زوج، يستأذن من الجهات المسئولة أن يتزوجها وتبقى عنده في البيت، لكن أخشى إذا أصبحت زوجة أن تطلب خادمة فيما بعد وهذه مشكلة!!

стр. 77

حكم اللقطة السؤال فضيلة الشيخ: أنا مدرسة في خارج هذا البلد أذهب مع زميلاتي في الباص وفي إحدى الأيام وجدت سواراً من ذهب في الباص فعرضته على زميلاتي فقلن: ليس لنا، وعرضت ذلك على صاحب الباص فقال: ليس لي، وهي عندي منذ سنتين الآن، فهل تعتبر لي أم أبيعها وأتصدق بثمنها، وأنا أعرف أن اللقطة تنشد لمدة سنة ولكني وجدتها في الباص فكيف أنشدها وأنا امرأة؟ الجواب أما كيف تنشدها وهي امرأة فلا يطلب من المرأة أن تنشد الضالة بنفسها، أو تنشد اللقطة بنفسها، توكل من ينشدها من أب أو أخ أو عم أو ما أشبه ذلك، لكن في هذه المسألة بالذات نظراً إلى أنها لم تنشدها الإنشاد المطلوب وهو سنة، يجب عليها الآن أن تبيعها وتتصدق بثمنها لصاحبها، أو أن تتصدق بها لمن يحتاجها من الفقراء، لكن الصدقة بقيمتها قد يكون أفضل؛ لأن الفقير ينتفع بالقيمة في طعام وشراب وكسوة وغير ذلك.

стр. 78

حكم قول القائل: (بلسان الحق جل وعلا) السؤال فضيلة الشيخ: في موضوع العقيدة نسمع بعض الأشخاص يقولون إذا أرادوا أن يستدلوا بآية: كما ورد على لسان الحق جل وعلا، السؤال: هل لهذا أصل في السنة أو دليل بأن نثبت هذا الوصف بأن نقول: على لسان الحق ونحو ذلك، وما هي عقيدة المسلم الحق في أسماء الله وصفاته التي لم تُذكر؟ الجواب من المعلوم أن الكلام في أسماء الله وصفاته موقوف على ما جاء به الوحي، فإن أسماء الله وصفاته توقيفية؛ لأنها خبر عن مغيب والخبر عن المغيب لا يجوز للإنسان أن يتفوه به إلا بدليل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] ولقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] فلا يجوز أن نقول: بلسان الحق أي: بلسان الله. من قال: إن لله لساناً؟! ولهذا يعتبر من قال ذلك قائلاً بغير علم، والقرآن الكريم ليس فيه أنه بلسان الله بل فيه: أنه بلسان عربي مبين. واللسان يطلق ويراد به اللغة، أي: بلغة عربية، وإنما أطلق اللسان على اللغة؛ لأن المتكلم باللغة يتكلم بلسان، أما الرب فلا يجوز أن نثبت له اللسان ولا ننفيه عنه؛ لأنه لا علم لنا بذلك، وقد قال العلماء: إن صفات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: قسم وصف الله به نفسه فيجب علينا إثباته، كالسمع والبصر وما أشبه ذلك. الثاني: قسم نفاه الله عن نفسه فيجب علينا نفيه كالظلم والغفلة والتعب والإعياء وما أشبه ذلك. الثالث: قسم سكت الله عنه فلا يجوز لنا نفيه ولا إثباته إلا إذا كان دالاً على نقص محض فيجب علينا نفيه؛ لأن الله منزه عن كل نقص.

стр. 79

نصيحة للنساء السؤال فضيلة الشيخ! نريد من هذه اللقاءات أن يكون فيها حظ للنساء بكلمة أو نصيحة أو غيرها؛ لأنهن يحضرن فنريد التوجيه؟ الجواب أنا أنصح النساء وأولياء النساء أن يكون الشيء الذي يسلكونه وينهجونه ما ذكره الله تعالى في سورة النور وما ذكره الله تعالى في سورة الأحزاب ففيه الخير والكفاية. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣٠-٣١] إلى آخره. وفي سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩] وقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب:٣٠-٣٣] وغير ذلك مما ذكره الله مما ينبغي أن تكون المرأة عليه من الأدب والحشمة والبعد عن أسباب الفتنة. ويجب على الرجال الذين جعلهم الله قوامين على النساء أن يراعوا هذه الأمور وأن يحفظوا نساءهم من كل ما يكون سبباً للفتنة، ونسأل الله السلامة والعفو والعافية.

стр. 80

مسائل في الكسوف السؤال فضيلة الشيخ! انتشر عند الناس أنه سيكون هناك خسوف أو كسوف للقمر يوم الإثنين فهل يعتبر هذا من علم الغيب وهل يتحراه الإنسان؟ وهل تنصح أيضاً الناس أن يصلي كل إمام -لو حصل- في مسجده أم يجتمعون في جامع واحد، سواء في الحي أو في البلد وهل تخرج النساء إلى تلك الصلاة أرجو توجيه ذلك؟ الجواب أما العلم بخسوف القمر أو كسوف الشمس فليس من علم الغيب؛ لأن له أسباباً حسية معلومة، وقد ذكر ذلك علماء المسلمين من قديم الزمان أن العلم بالخسوف أو الكسوف ليس من علم الغيب. وأما صلاة الخسوف فإن الذي يظهر لي أنها فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين، لأن النبي ﷺ أمر بها، وقال: (إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله) فعبر بالفزع مما يدل على أن الأمر عظيم جداً وليس بالأمر الهين. وأخبر ﵊ أن الله تعالى يخوف بهما العباد. فإذا ظهر خسوف القمر في الليل يصلي الناس، وإن كان في النهار فإنهم لا يصلون؛ لأن خسوفه في النهار لا يظهر له أثر، بمعنى أنه لا يتبين؛ لأن ضوء الشمس قد غشاه، والرسول ﵊ إنما جعل الصلاة سنة حيث يظهر أثر ذلك ليكون التخويف، ومعلوم أن القمر إذا خسف بعد انتشار الضوء في الأفق لا يكون بالتخويف؛ لأن الناس لا يعلمون به. - وأما ترقب ذلك فإن من العلماء من قال: لا بأس أن يستعد له ويترقب، ولكني أرى خلاف هذا، أرى أن الإنسان إن ابتلي وظهر له ذلك فليصل، وإن لم يظهر فليحمد الله على العافية، وقد قيل لنا: إن خسوف القمر المترقب سيكون بعد انتشار الضوء إما قبل الشمس بيسير أو بعد طلوع الشمس أو بعد غروب القمر والله أعلم. وعلى هذا فلا يكون هناك صلاة. - والفقهاء ﵏ نصوا على أنه إذا ظهر الفجر وخسف القمر بعد ذلك فلا صلاة، بناءً على أن صلاة الخسوف صلاة التطوع، وأن صلاة التطوع لا تفعل في أوقات النهي، لكن أرى أنه لو ظهر الخسوف وتبين بحيث يكون نوره باقياً فإنه يصلى له، أما إذا كان بعد انتشار الضوء وخفاء نور القمر فإنه لا يصلى والله أعلم. - أما الأفضل: فالأفضل أن تصلى في الجوامع؛ لأن اجتماع الناس على إمام واحد له قيمته، ويكون دعاؤهم واحداً، وخشوعهم واحداً، والموعظة التي تقال بعد الصلاة تكون واحدة. - وكذلك النساء يحضرن؛ لأن النساء حضرن في عهد النبي ﷺ حين كسفت الشمس لكنه ليس كصلاة العيد فلا يؤمرن بذلك ولا ينهين، أما صلاة العيد فقد أمر النبي ﷺ النساء أن يحضرن صلاة العيد حتى الحيض أمرهن أن يخرجن لكن يعتزلن المصلى.

стр. 81

حكم الغش في اللغة الإنجليزية السؤال هل يجوز الغش في اللغة الإنجليزية التي منعتهم منها؟ الجواب أولاً: أنا ما منعت من اللغة الإنجليزية يا إخوان، أنا أتمنى أني عندي اللغة الإنجليزية، حتى أدعو من لا يعرف اللغة العربية بهذه اللغة، وقلت لكم قبل قليل: إنه قد يكون تعلمها فرض كفاية أز فرض عين. لكن أقول: من المنكر الذي ننكره أن نعلم أبناءنا الصبيان الصغار خمس سنين أو ست سنين اللغة الإنجليزية وهم لا يعرفون اللغة العربية، هذا الذي أنكره، أما تعلم اللغة الإنجليزية إذا كان فيها فائدة فهي فائدة. بقينا في الغش: أقول: من غش في اللغة الإنجليزية فواجب على المدرس أن يسقطه.

стр. 82

اللقاء الشهري [٤] الاختبارات الدراسية هي كشف وبيان لحصيلة الطالب في العام الدراسي وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن مسائل مهمة في الاختبارات متعلقة بالغش والتزوير، مع ذكر أصناف الناس في الإجازة الربيعية، وبعد ذلك يجيب عن الأسئلة الواردة في هذا اللقاء.

стр. 83

مسائل حول الغش في الامتحان الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وإله الأولين والآخرين. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، وإما المتقين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فكما تفضل الشيخ حمود بن عبد العزيز الصايغ فإنه من المناسب أن يكون لقاؤنا الشهري شهر رجب، هذا اللقاء الذي يسبق الإجازة المسبوقة بالامتحانات يكون موضوعه التحدث عن الامتحانات وعن الإجازة أيضاً. أما الامتحانات فإن مضمونها تصفية ثمرات الطالب التي استثمرها في مدة دراسته، والاختبارات أمانة لا بالنسبة للمدرسين والمراقبين ولا بالنسبة للطلاب أيضاً، والأمانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً، فالواجب على التلاميذ حفظ الأمانة في أداء الامتحان، بحيث لا يغش أحد منهم في أي مادة، سواء كانت هذه المادة أساسية أم مادة مساعدة، ولقد اشتهر عند بعض التلاميذ أن بعض المواد التي ليست أساسية يجوز للتلميذ أن يغش فيها كمادة الجغرافيا ومادة الإنجليزي وما أشبه ذلك، وهذا خطأ، فكل المواد المقررة حكمها واحد في الغش، وكلها لا يجوز الغش فيها؛ لأن هذه المناهج وهذه المقررات صدرت من الدولة ويبنى عليها وظائف مقبلة لمن يحمل شهادة النجاح في هذه المواد، فإذا غش التلميذ في مادة منها فإن حمله للشهادة حمل شهادة زور، وما بني على الزور فهو زور، وما أكثر الذين يندمون من الطلاب الذين منَّ الله عليهم بالاستقامة، يندمون حيث جرى منهم غش في مادةٍ من المواد، ويأتون إلى العلماء يسألونهم: ما تقولون في الراتب الذي آخذه ووظيفتي مبنية على هذه الشهادة المزورة هل يحل لي؟ وقد يبني الإنسان على هذا الراتب حياته كلها قد يبني به بيتاً، وقد يتزوج به امرأة، فيقع الناس في حرج، وإن كان هذا الحرج سيجد مخرجاً -إن شاء الله- لكن الكلام على أن الإنسان لا يندم إلا إذا استيقظ وعرف أنه على طريق الخطأ، ثم إن النجاح الذي يكون عن تزوير وغش ضرر على الأمة كافة، لأنه يخرج الأبناء الذين تعقد عليهم الآمال بعد الله يخرجون وهم سذج في الحقيقة ليس عندهم علم، فيفشلون في كل مهمة توكل إليهم، ويبقى الناس في حاجة إلى غيرهم حاجة مستمرة، وهذا لا شك أنه ضرر على عامة المجتمع، فالواجب التنزه عنه. أما بالنسبة للأساتذة والمراقبين فإن الأستاذ يجب عليه أن يتقي الله وأن يعلم أنه حينما تقدم إليه هذه الأجوبة فهو بمنزلة القاضي الذي يقضي بين اثنين فأكثر، والقاضي يجب عليه العدل بين الخصوم وألا يحابي قريباً لقرابته، ولا غنياً لغناه، ولا فقيراً لفقره، ولا حسيباً لحسبه، ولا وضيعاً لوضاعته، كل الأوراق التي قدمت إليه سواء. لا يجوز أن يفضل أحداً على أحد، ومن استحق فله الحق، ومن لم يستحق فاته الحق، لا يقول: هذا التلميذ غير مؤدب فأنا سوف أنقصه من الدرجات مثلاً، هذا لا يحل. كونه غير مؤدب يمكن أن تعاقبه بعقوبة أخرى، أما المادة العلمية فلا يمكن أن تنقص منها درجة من أجل إخلاله بالخلق والمعاملة الطيبة، الإخلال بالخلق والمعاملة الطيبة له عقوبة ثانية، والمادة العلمية يجب أن يعطى الإنسان ما يستحق عليها. يجب أيضاً على المراقب الذي يراقب الطلبة أن يكون حذراً واعياً؛ لأن للطلبة مع الأسف أساليب في الخداع والغش، ولا أحب أن أذكرها هنا خوفاً من أن يتلقفها أحد ثم يمارسها، ولكن لهم أساليب معروفة فليحذر المراقب هذه الأساليب وليكن نبيهاً. وهنا مسألة يسأل عنها بعض الطلاب، يقول: إذا رأيت هذا الطالب يغش أو يحاول أن يغش، فهل يلزمني أن أخبر عنه، أو أقول: المسألة موكولة لغيري وفي ذمة غيري؟ الجواب يلزمه أ، يخبر به؛ لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى، هذا الطالب الكسول الفاشل في الدراسة إذا غش سوف يغلب الطالب المجتهد الناجح، وهذا ظلم، وإزالة الظلم واجبة، فيجب أن تخبر لكن كيف الطريق؟ لكن قد يكون الطالب ضعيفاً أمام الطالب الذي غش فيخشى أن يؤذيه، فنقول: من الممكن أن يكون الإخبار عن طريق كتابة ورقة صغيرة يعطيها للمراقب من غير أن يشعر به، وإذا لم يمكن هذا فبعد انتهاء الامتحان يذهب إلى المسئول في المدرسة ويخبره، وإذا أخبره برأت ذمته، وأما السكوت على أمر منكر وظلمٍ للآخرين فإن هذا لا يجوز، هذا ما يتعلق بالامتحانات.

стр. 84

أصناف الناس في الإجازة أما ما يتعلق بالإجازة فإن العادة جرت أن الإجازة على قصر مدتها يختلف الناس في اتجاهاتهم فيها، منهم من يذهب إلى مكة والمدينة يأتي بالعمرة وبزيارة المسجد النبوي والسلام على رسول الله ﷺ على قبره، وكذلك البقيع ومسجد قباء وشهداء أحد، ويحصل بذلك على خير كثير مع الراحة والمتعة؛ لأن السفر اليوم -ولله الحمد- متعة ونزهة لا سيما إن استمر هذا الدفء فإنه سوف يكون سهلاً. - ومن الناس من يذهب إلى بلاد أخرى لكنه ذهاب خير، يذهب إلى زيارة أقارب له أو أصدقاء لهم حق عليه، أو للتعرف على الإخوان هناك في البلاد الأخرى وإلى العلماء فيها وإلى طلبة العلم وهذا أيضاً خير كثير وفيه نزهة ومتعة. - ومن الناس من يذهب إلى البر يخيم فيه وهؤلاء أيضاً فرق متعددة، لكن قد اتخذت بعض البلديات مشروعاً طيباً خيراً في جمع الناس وفي التجول بينهم وفي إهداء الأشرطة النافعة أو الرسائل الصغيرة النافعة وفي جلب المحاضرين الذين ينفعون من يلتفون حولهم، وهذا أيضاً خير كثير فيه متعة للنفس ونزهة وفيه خير. - ومن الناس من يخرج إلى البر بعيداً عن هذه البوتقة، ويفعل ما شاء الله أن يفعل من الطرب المحرم، والأغاني المحرمة، والأفعال التي أقل ما نقول فيها: إنها مضيعة للوقت، وربما يستصحب هذا الجهاز المدمر -جهاز الدش- حتى يتفرج عليه ليلاً ونهاراً، فيكون هذا قد خسر دينه ودنياه، والعياذ بالله. خسر دينه بما يحصل له من الانحراف والانزلاق وراء هذه المشاهدات التي يشاهدها عبر هذا (الدش) ، وخسر دنياه بالنفقات التي ينفقها على هذه المشاهد وعلى هذه المناظر. - ومن الناس من يبقى في البلد، يزور إخوانه، يساعد أباه في مصالحه ومهماته وهذا أيضاً خير. - ومن الناس من يتفرغ في هذه الإجازة لحفظ كتاب الله، أو ما شاء الله من سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهذا خير. والمهم أن الناس لهم مناهج في هذه الإجازة ولكن خير الناس من استغلها في أمرٍ نافع إما في دينه وإما في دنياه، وشر الناس من استغلها في أمرٍ ضار إما في دينه أو في دنياه، ومن كان بين ذلك فقد ضاعت عليه الإجازة وإن كان لم يتضرر ولكن تضرر بفوات الكمال وبفوات المصالح والمنافع. وإنني بهذه المناسبة أوجه كلمة لأولياء الشباب، ولا سيما الصغار منهم أن ينتبهوا لهذه الإجازة كيف يقضيها هؤلاء الشباب؟ لأن الشباب الصغار يحتاجون إلى موجه ومراقب وعناية، ولهذا قال النبي ﵊ في الرجل: (إنه راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته) . وأسأل الله أن يعيننا جميعاً على أداء الأمانة، وأن يجعلنا ممن عملوا ما يرضيه في هذه الدنيا إنه على كل شيء قدير.

стр. 85

الأسئلة

стр. 86

حكم الراتب المبني على الشهادة المزورة السؤال فضيلة الشيخ: أنا ممن غش في الامتحان ونجح وغش ونجح حتى توظف في إحدى الشركات حتى بدأت آخذ مالاً، هل هذا المال يكون حراماً وهل هو من أكل الربا أفيدوني جزاكم الله خيراً؟ الجواب أقول: إذا كان الطالب ينجح بغش فما قبل الشهادة تكفي فيه التوبة، فمثلاً: نجح في السنة الأولى والثانية والثالثة -هذا في الثانوي- لكن في الثالثة لم يغش، غش في الأولى والثانية وفي الثالثة لم يغش ونجح بصدق، نقول: هذا يكفيه أن يتوب إلى الله؛ لأن الوظيفة -مثلاً- مترتبة على الشهادة، والشهادة نزيهة، وكذلك لو تخرج من الكلية وكان يغش في الأولى والثانية والثالثة لكن في الرابعة كان الاختبار نزيهاً فهذا يكفيه أن يتوب، ولا إشكال فيه عندنا إن شاء الله تعالى أن ما يأخذه ويتقاضاه من الراتب المبني على هذه الشهادة حلال له ما دامت الشهادة نزيهة. لكن المشكل إذا كان الغش في آخر شيء في الشهادة، فهذا يعني: أن الشهادة الآن مزيفة، والوظيفة مبنية على هذه الشهادة، فيبقى المال الذي يأخذه فيه شبهة. لكن أقول: إذا تاب إلى الله توبة نصوحاً وكانت المادة التي غش فيها ليس لها صلة بالعمل الذي يقوم به، فنرجو أن يكون راتبه حلالاً. مثل أن يكون غشه في مادة لا صلة لها بالوظيفة التي توظف فيها، كأن يكون في اللغة الإنجليزية مثلاً، والوظيفة التي هو فيها لا تحتاج إلى اللغة الإنجليزية ولا صلة لها بها، فإننا نرجو إذا تاب أن يكون الراتب الذي يأخذه حلالاً.

стр. 87

التسويف في التوبة السؤال هل يسوغ لبعض الناس إذا سمع مسألة التوبة أن يجعلها حاملاً له على ارتكاب بعض المحرمات؛ لأنه يرى أن التوبة أمرها يسير، ففي هذه المسألة كالغش يرى أن مسألتها أمر يسير، فإذا كان مجرد توبة يقول: إذاً أتوب فهل يكون هذا مسوغاً له؟ الجواب هذا من باب التسويف وتسويل الشيطان، كما قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٥] فنقول لهذا الذي يريد أن يفعل الذنب ويدعي أن التوبة أمامه نقول له: من يضمن أن تتوب قبل أن تموت؟ هل أحد يضمن أنه يتمكن من التوبة قبل أن يموت؟ الجواب: لا أحد يضمن أنه يتمكن من التوبة قبل الموت، ربما يأتيه الموت وهو متلبس بالمعصية قبل أن يقلع عنها فمن الذي يضمن له؟ ثم إن الإنسان إذا استهان بالذنب قد يزيغ قلبه والعياذ بالله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] فلا يوفق للتوبة، يحاول أن يتوب ولا يستطيع، ثم إن التوبة ليست بالأمر الهين، التوبة تحتاج إلى شروط لا بد أن تتحقق، منها: أن يكون الحامل على التوبة الإخلاص لله، وأن يقع في قلبه الندم الشديد والتحسر على ما وقع، وأن يقلع عن الذنب، وأن يعزم على ألا يعود، وأن تكون التوبة قبل أن ينزل به الموت، ولهذا نقول: لا أحد يضمن أن يتوب، فلا يجوز للإنسان أن يقول: التوبة سهلة والتوبة يسيرة ويسوف ويفعل الذنب، الواجب أن يتقي الذنب ما استطاع، وإذا قدر أنه وقع منه الذنب فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] .

стр. 88

التحذير من الغش وعواقبه السؤال فضيلة الشيخ: أرجو التحذير من قضية ما أشرتم إليه أنه إذا غش في الأولى والثانية فمن الممكن أن يسمع هذا الكلام بعض ضعاف الإيمان فيقول: إذاً: أغش ثم أتوب، فأرجو وفقك الله أن تبين عظم هذا الأمر؟ الجواب هذا وقع في قلبي أنني إذا قلت: الغش في الأولى والثانية إذا كانت الشهادة نزيهة فأرجو أن يكون هذا نافعاً له، وتجدون أن كلمة (أرجو) ليس هناك جزم أن يسلم إذا غش في الأولى والثانية، وأنا أكرر أن الغش حرام في الأولى وفي الثانية، لكن هذا تلميذ وقع منه الأمر، لكنه في الشهادة لم يغش وجاء يسأل وهو تائب إلى الله: هل يحل لي هذا الراتب أم لا؟ ولسنا نهون من الغش لا في الأولى ولا في الثانية ولا في الثالثة، لكن هناك فرق بين إنسان ندم وجاء تائباً ويريد أن يحلل الراتب الذي بني على الشهادة وهي شهادة نزيهة، فنقول: نرجو ألا يكون عليه حرج فيما يأخذه من الراتب.

стр. 89

حكم إعطاء درجات في المواد العلمية بسبب الأدب والأخلاق السؤال فضيلة الشيخ: أنا مدرس في إحدى المدارس فهل لي أن أخص طالباً بدرجة لحسن خلقه فأخصه في غير درجة ورقة الاختبار إما في أعمال السنة أو غيرها، أو أتجاوز عن التدقيق عن زلاته في ورقة الاختبار بخلاف الطالب السيئ سواء كان سيئ الخلق أو غيره، فأدقق عليه أكثر فهل عملي صحيح؟ الجواب العمل غير صحيح، الواجب إعطاء كل إنسان ما يستحقه من الإجابة، إلا إذا شككت في أن هذا الطالب غاش، لأنه أحياناً يتقدم أو أحيانا ً تجد جوابين متفقين تماماً على غير لفظ الكتاب، فيقع في نفسك أن أحدهما غاش من الثاني، وفي هذه الحالة لا بد من التحقيق والتدقيق. أما مجرد إن أعرف أن هذا الطالب سيئ الخلق فأنقص من درجته، أو أن هذا الطالب حسن الخلق فأزيد في درجته؛ فهذا لا يجوز؛ لأن الدرجات ليست على الأخلاق ولكنها على الإجابة. أعمال السنة إذا كان المرجع فيها إلى الأستاذ وكان لحسن الخلق والأدب نصيب من هذه الدرجات فحينئذٍ أنقص من أعمال السنة في جواب من كان سيئ الخلق وأزيد فيها في جواب من كان حسن الخلق، إذا كان من النظام أن حسن الخلق له أثر في درجات أعمال السنة فلي الحق أن أقلل درجات من أعرف منه سوء الخلق، وأن أزيد في درجات من أعلم منه حسن الخلق؛ لأنه موكول إليه والمدرس مسئول أمام الله تعالى عن ذلك كله.

стр. 90

حكم النهي عن الغش داخل قاعة الامتحان السؤال فضيلة الشيخ: ما حكم لو أني كنت في القاعة وقلت لذلك الغاش: اتق الله وخوفته من الله أو أخبرت المراقب عنه أو هددته في داخل القاعة، فما هو رأيكم فيما سبق؟ الجواب هذا رأي طيب إذا لم يحصل منه فوضى؛ لأنه ربما إذا قمت في القاعة وقلت: يا فلان اتق الله! ولا سيما بصوت جهوري ربما يحصل فوضى، ويكون الغش الذي تتوقعه من واحد يحصل من عامة الموجودين؛ لأن الفوضى إذا وقعت لا يمكن ضبط القاعة، فإذا كنت تخشى من الفوضى فلا تفعل. وبإمكانك أن تكتب ورقة صغيرة وتعطيها المراقب، وعليه أن يتقي الله في هذا الأمر، أما الفوضى فإن ضررها أكبر من نفعها.

стр. 91

التوفيق بين طلب العلم وامتحانات الدراسة النظامية السؤال فضيلة الشيخ: كيف يوفق طالب العلم بين طلب العلم وهذه الامتحانات؟ وما هي النية التي ينوي بها في هذا الاختبار فإنها مشكلة أصبح يعاني منها عدد من طلبة العلم؟ الجواب هذه الاختبارات تصفية للثمرة التي حصلها الطالب في زمن الدراسة، والطالب يمكن أن يصحح النية ولو مع هذه الاختبارات، فينوي أنه يختبر لينال المرتبة التي لا يحصلها إلا بهذه الاختبارات، وينوي بحصوله على هذه المرتبة منفعة الخلق. وأنا أضرب لكم مثلاً: لا يمكن أن يدرس مثلاً في الجامعة إلا إذا كان معه شهادة، فإن لم يكن معه شهادة ولو كان على جانب كبير من العلم لم يتيسر له أن يدرس في الجامعة. إذاً: فأنوي بالشهادة أن أصل إلى مكان أنفع فيه الخلق، وهذه نية سليمة لا تنافي الإخلاص لله ما دمت تريد الوصول إلى مكان تنفع فيه الخلق، ولا طريق للوصول إلى هذا المكان في الوقت الحاضر وحسب مصطلحات الأمم إلا بهذه الشهادة، فإذا نويت هذه النية فهي نية سليمة وليس فيها نوع من الانحراف أو الشرك أو الرياء.

стр. 92

حكم إعطاء زيادة في الدرجات لمن يلتحق بحلقات التحفيظ السؤال فضيلة الشيخ: ما رأيك في أستاذ يحث تلاميذه على الالتحاق بحلق المساجد إما حلق القرآن أو الدروس العلمية، ويعد من يلتحق بهذه الحلق بزيادة درجة أو درجات له فهل في ذلك حيف على من لم يلتحق إذا لم يعط؟ الجواب إذا كان هذا التصرف تصرفاً فردياً من الأستاذ فهذا لا يجوز؛ لأنه خلاف النظام، أما إذا كان هذا ممن يملك ذلك بحيث يقول: من التحق بجماعات تحفيظ القرآن فإنه يزاد ثلاث درجات أو درجتين أو ما أشبه ذلك، فلا حرج، ويكون هذا من باب التشجيع على الخير، ولا شك أن الالتحاق بجماعات تحفيظ القرآن له أثر كبير بالنسبة لأخلاق الطالب وأثر كبير بالنسبة لتحصيله، ولهذا لو سألنا أساتذة هؤلاء الطلبة، لقالوا: إنهم أحسن من الطلبة الآخرين الذين لم يلتحقوا بهذه الحلق، وهذا شيء مجرب مشاهد خلافاً لما يظنه بعض الناس أنه إذا التحق بهذه الحلق أخذ من أوقاتهم الشيء الكثير الذي يمنعهم عن دروسهم النظامية فإن هذا في الحقيقة وهمٌ لا حقيقة له. واسألوا المدرسين عن هؤلاء الطلبة الذين التحقوا بجماعات تحفيظ القرآن الكريم أو من فوقهم ممن التحقوا بالحلقات العلمية، هل نقصهم ذلك؟ أبداً بل زادهم خيراً وحفظاً لكتاب الله، وسوف يحمدون العاقبة في المستقبل.

стр. 93

التحلل من المظالم في التوبة إلى الله السؤال هذه امرأة تقول: بأنها لم تخلص في التدريس وكانت تظلم الطالبات، ولكن بعد أن عرفت الآن الحكم تابت وندمت، وتسأل: ماذا تصنع كي يتوب الله عليها؟ وكيف تستسمح من تلك الطالبات وتتحلل منهن وهن كثرة؟ الجواب إذا كان ما فعلته سابقاً اجتهاداً منها ثم تبين لها أنها مخطئة في هذا الاجتهاد فليس عليها شيء؛ لأن المجتهد إذا أخطأ فله أجر إلا إذا كان هذا الاجتهاد متضمناً لأخذ الأموال مثلاً، فلا بد من رد الأموال إلى أهلها. أما إذا كان مجرد ضرب أو حبس أو إيقاف أو ما أشبه ذلك وكان صادراً عن اجتهاد منها، فإن هذا لا يضرها وليس عليها إثم في ذلك وكذلك الرجل لو صنع ذلك. وأما إذا كان هذا عن ظلم وليس اجتهاداً فعليها أن تتحلل بقدر ما تستطيع ممن وقع ظلمها عليهن، قبل ألا يكون درهم ولا دينار، وهذا أظنه يسيراً إن شاء الله؛ فإن تعذر عليها، فقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ويكفيها أن تخلص التوبة لله والله بفضله يتحمل عنها ويؤدي المظلومين بقدر مظلمتهم.

стр. 94

نصيحة للنساء في إجازات الربيع السؤال فضيلة الشيخ: نرى النساء في إجازات الربيع في البراري لا يتحرجن من الذهاب بعيداً عن مخيم أهلهن سواء على الرمال أو غيره من غير حجاب ولا عباءة، فما نصيحتك لهذه النساء ولأولياء أمورهن الذين يهملونهن فيغرون ضعاف النفوس وذئاب البشر بتلك النساء، نرجو توجيه بهذه المناسبة؟ الجواب هذا سؤال مهم، وقد يقع بعض الناس في هذه المشكلة التي أشار إليها السائل جزاه الله خيراً وهي أن بعض الناس يخرج بعائلته -وهذا كثير- وفي هذه العائلة شابات يذهبن بعيداً عن محل الخيمة ويذهبن بدون عباءة -كما قال- ولا يهمهن أن يكشفن وجوههن، لأنهن لا يرين أحداً حولهن، ولا شك أن في هذا إغراءً للمفتونين والسفهاء أن يتجولوا في هذه البراري، ويخشى أن تسول لهم نفوسهم الاختطاف عن اضطرار أو اختيار لهؤلاء الفتيات؛ لأن الأمر سهل، فقد يجد فتاة شابة وهو شاب ليس حولها أحد، فسوف يسهل عليه أن يفعل ما يمليه عليه الشيطان من انتهاك عرض هذه المرأة إما باختيار وإما باضطرار، إما باختيار وإغراء لها، والمرأة قريبة، وإما باضطرار يكرهها على فعل الفاحشة والعياذ بالله، ولا يبعد أن يكون أناس من السفهاء يتصيدون مثل هذه الفتيات، ولهذا يجب على الإنسان أن يحمي أهله من التجول بعيداً عن الخيمة، وكذلك أيضاً يحرص على ألا يكشفن وجوههن إذا كن يرين رجالاً ولو كانوا بعيدين؛ لأن بعض الرجال يحمل منظاراً يقرب البعيد، وقد ينظر إلى الناس من خلال هذا المنظار، فيقع المحظور، وهذه إحدى الكبر التي تعتري الخروج إلى المنتزهات في مثل هذه الإجازات، يعني أن الذي يعكر صفوها أن تقع مثل هذه الأحوال إهمال الفتيات تذهب يميناً وشمالاً بعيداً عن أهلها فيحصل بذلك الشر، نسأل الله السلامة.

стр. 95

كيفية التوبة من المعاصي السؤال فضيلة الشيخ: أنا شاب أريد أن أتوب، ويعلم الله أني لم أحضر إلى هذا الدرس هذه الليلة إلا لطلب الهداية، ولكني أحلق لحيتي وثوبي طويل وفي بيتي دش، ولكن مع ذلك أريد أن أتوب كيف السبيل؟ أسال الله أن يجعل ذلك على يديك وبتوجيهك لي ولإخواني المسلمين الذين يقعون في مثل هذا؟ الجواب أسأل الله له الهداية، اللهم اهده ويسر الهدى له. لا شك أن هذا السؤال له مغزاه وليبشر بالخير ما دامت هذه نيته، والتوبة يسيرة على من يسرها الله عليه، فأول شيء أن يذهب الآن إلى الدش ويكسره، وإن كان قد خسر عليه شيئاً كثيراً لكن سيخلف الله عليه؛ لأنه كسره لله، وقد ذكر بعض العلماء أن سليمان ﵊ لما عرضت عليه الخيل حتى غابت الشمس قبل أن يصلي العصر والخيل تُركب؛ لأنها سريعة جازاه الله على ذلك، فيسر له الريح تحمله، والريح أسبق من الخيل والشاهد أنه لما ترك هذا لله عوضه الله خيراً منه. وإبراهيم ﵊ أُمر أن يذبح ابنه وهو أحب الناس إليه، ليس له ولد سواه، أمر أن يذبحه حين بلغ معه السعي، حين قوي وتعلق نفسه به، فامتثل أمر الله، فبماذا جوزي؟ اتخذه الله تعالى خليلاً وأعطاه خيراً مما حصل منه، فأقول لأخي هذا: الحمد الله الذي فتح الله عليك، وأول شيء أن يذهب الآن وبمعونة من الله فيكسر الدش. وأما الثوب فما أيسر أن يكف أسفله، ويسلم من شره، وأما حلق اللحية فما أيسر -أيضاً- أن يدعها، حتى تخرج، ويسأل الله أيضاً الثبات على الأمر، ويحرص على أن يصطحب أهل الخير، وأسأل الله تعالى أن يهديه، اللهم اهده وأصلح له دينه ودنياه.

стр. 96

هيئة إلصاق الكعب بالكعب في الصلاة وتسوية الصفوف السؤال فضيلة الشيخ: صار بيني وبين بعض الإخوة نقاش في موضوع يقع فيه بعض الشباب الملتزم، فأريد منك كلمة فصل ينفعني الله بها: صليت في الحرم وصلى بجواري أحد الشباب فصافني وجعل أصبع رجله على أصبع رجلي، وكلما أبعدت عنه لاحقني حتى وضعت رجلي على رجلي الأخرى من غير مبالغة، فلما سلمت قلت له: يا أخي أنا أعلم أنه ما حملك على ذلك إلا اتباع السنة، لكن أتدري أن هذا الفعل ينافي السنة، فإن الذي في صحيح البخاري من فعل الصحابة هو إلصاق الكعب بالكعب وليس الأصابع. ثانياً: بفعلك هذا تنحرف قدماك عن القبلة، لأنها تكون على شكل سبعة. ثالثاً: أنا أتيت أصلي هذه الصلاة الواحدة في الحرم وأذهبت أهم شيء علي وهو الخشوع، والخشوع ركن، وملاصقة الأصابع ليست بسنة، بل حتى لو فرض أنك ملاصق للكعب فإنه لا يقدم على الركن وهو الخشوع. شيخي الكريم: هل أنا على صواب أم على خطأ فإني أرى إخواني هنا في هذا المسجد ربما فعل ذلك وأنا متحرج من ذلك الموقف مع أخي، وأجد بعض الإخوة هنا يطبقون بعض السنن ولو كانت مؤذية للمجاورين، أسأل الله أن يعفو عني إن كنت أخطأت وأن ينفعني والحاضرين بعلمك متع الله بك على طاعته؟ الجواب هذا سؤال مهم في الواقع؛ لأن الذي فعل ما فعل بأخينا السائل في المسجد الحرام لم يكن له قصد فيما نظن إلا اتباع السنة، ولكن قال الإمام أحمد ﵀ -كلمة ينبغي أن نجعها على بالنا، قال: "أكثر ما يخطئ الناس في التأويل والقياس" التأويل، أي: تفسير النصوص، يفسرونها على غير المراد بها مع أنهم يريدون الحق لكن يخطئون، وكذلك في القياس يقيسون شيئاً على غير نظيره فيخطئون، وصدق ﵀. ولو أنك نظرت إلى خلاف العلماء وما أخطئوا فيه لوجدته يدور على هذين الأمرين في الغالب: التأويل وهو فهم الدليل على غير المراده. الثاني: القياس: يقيسون قياساً فاسداً. الصحابة لا شك أنه صح عنهم أن النبي ﷺ أمرهم بتسوية الصفوف والتراص حتى إن أحدهم ليلصق كعبه بكعب أخيه ومنكبه بمنكب أخيه، والغرض من ذلك تحقيق التسوية وتحقيق المراصة، وألا يدعوا فرجاً للشيطان، هذا هو المقصود، وليس المقصود أن يؤذي بعضهم بعضاً، بل المقصود تحقيق المساواة والمراصة، ففهم بعض الناس أن إلصاق الكعب بالكعب مقصود لذاته، وأنه من سنن الصلاة، فصار يلصق كعبه بكعب أخيه مع تفريج ما بين رجليه، يفرج ما بين رجليه تفريجاً كاملاً واسعاً من أجل أن يلصق الكعب بالكعب، لكن يبقى المنكب مع المنكب مفترقين بالضرورة وهذا من الخطأ في التأويل، والمقصود عند بدء الصلاة أن يأمر الإمام بالتساوي وبالتراص، فيلتصق الناس بعضهم ببعض لا على وجه يذهب الخشوع أو يؤذي، لكن على وجه تتحقق به المراصة، بحيث لا تدخل الشياطين بيننا، وكذلك تظهر المساواة بحيث لا يتقدم أحد على أحد. أما متابعة الجار الملاصق -كما ذكر السائل- فهذا ليس من السنة، هذا يهرب منه وهذا يهرب منه، ثم إنه يقول: إنه يضع أصبعاً على أصبع حتى إن السائل إن لم يكن مبالغاً -عفا الله عنه- يقول: إنه كاد أن يضع رجله على رجله الثانية من شدة هروبه من هذا الرجل، لكن قد يكون هذا فيه مبالغة والله يتوب علينا وعليه. إنما السنة أنه عند ابتداء الصلاة يتقارب الناس، ويلصق بعضهم بعضاً كعبه بالآخر، وكذلك منكبه ثم يعطي الإنسان الراحة لأخيه؛ لأن المساواة تحققت والتراص تحقق. وسبحان الله! على الضد مما قال الأخ بعض الناس تجد بينه وبين أخيه فرجة، يدخل من بينها الشيطان، وإذا أردت أن تفعل السنة بالقرب من أخيه استاء من ذلك، وعاند ليته يستاء ويتابع لكن يعاند يبقى بينه وبين أخيه أربعة أصابع أو شبر، وهذا خطأ وهو خلاف السنة أيضاً. وبهذه المناسبة أسأل: لو أن رجلين صلى أحدهما بالآخر وليس معهما أحد هل يقفان متساويين أو يتقدم الإمام؟ الجواب: يقفان متساويين ولا يتقدم أحدهما على الآخر؛ لأن تقدم أحدهما على الآخر مخالف للسنة، السنة في المتصافين أن يتساويا هذه هي السنة، ولهذا في حديث ابن عباس ﵄ لما قام مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي معه قام عن يساره فأخذ برأسه وجعله عن يمينه ولم يذكر أن النبي ﷺ تقدم عليه. ولهذا أنبه على هذه المسألة، لأنه يوجد في كتب بعض الفقهاء أن الإمام يتقدم قليلاً، ولكن هذا ليس له أصل من السنة. وفي سؤال السائل يقول: إنه ذهب عنه الخشوع بملاحقة أخيه له وهو ركن. والصحيح أن الخشوع ليس بركن، ولكنه سنة مؤكدة جداً، أما أنه ركن أو واجب فهذا فيه مشقة، ولا يستطيع الناس أن يقوموا به؛ لأن كون الإنسان لا يفكر في صلاته أبداً من ابتدائها إلى انتهائها هذا قد يكون صعباً لا يدركه كل أحد. والنبي ﵊ أخبر أن الشيطان إذا سمع الإقامة ولى وله ضراط، وإذا انتهت الإقامة رجع وصار يوسوس للإنسان فيقول له: اذكر كذا وكذا يوم كذا وكذا فيصبح الرجل لا يدري كم صلى، فهذا دليل على أن الوساوس لا تبطل الصلاة لكنها تنقص الصلاة، قد ينصرف الإنسان من صلاته ولم يكتب له إلا نصفها أو ربعها أو عشرها، حسب ما ذهب من الخشوع في صلاته. هذا أيضاً تنبيه مهم، وهو أن بعض الأئمة لا يحرص على تسوية الصفوف، غاية ما عنده أن يأتي (بكليشة) معروفة وهي: استووا استووا أو استووا اعتدلوا!! دون أن ينظر في الصف هل فيه تقدم أو تأخر أو تراص أو تفرق، وهذا إخلال بوظيفة الإمام. روى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (كان يسوي الصفوف، يمسح مناكبهم وصدورهم من أول الصف إلى آخره) . وقال النعمان بن بشير: (كان النبي صلى الله عليه على آله وسلم يسوي صفوفنا كأنما يسوي بها القداح) ولما كثر الناس في زمن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان صار عمر وعثمان يوكلان رجالاً يجوبون الصفوف، فإذا أتوا وقالوا: استوت الصفوف كبروا للصلاة، وهذا مهم من وظائف الإمام الواجبة أن يحرص على ذلك، وألا يكبر حتى يعلم أن الصفوف قد استوت وتمت الأول فالأول. وسبحان الله العظيم! هذا الذي قال الأخ على العكس من جهل بعض الناس، يقولون: إنه صلى إمام ومأموم فقط، فلما أقام الصلاة قال: استووا اعتدلوا، لا يوجد إلا واحد ومع ذلك يقول: استووا اعتدلوا!! فأقول: بعض الناس بين إفراط وتفريط إما هذا وإما هذا هذه مسألة أنبه عليها وإليها إخواننا الأئمة. الإمام يقول: استووا اعتدلوا وينظر إلى الصفوف، لكن إن رأى خللاً فليعظهم بموعظة كما فعل النبي ﷺ حينما رأى في بعض أصحابه رجلاً بادياً صدره، فوعظهم قال: (عباد الله: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) وما يذكره بعض الأئمة أن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج فهذا ليس بحديث ولا يجوز أن يتلى على الناس؛ لأنه لم يرد عن النبي ﵊ ولا أصل له وهو من صفات الله: (إن الله لا ينظر) فلا يجوز إثباته إلا بدليل، يكفي أن نقول ما قال النبي ﵊ إذا رأينا أحداً متقدماً أو متأخراً نقول: (عباد الله: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) أي: بين قلوبكم. وأما (إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج) فهذا وإن قاله بعض الأئمة لكنه لا أصل له، ولا يجوز أن يذكر، فيعتقده الناس حديثاً عن رسول الله وليس عن رسول الله. السائل: إسبال الثياب هل تبطل الصلاة؟ الشيخ: المسبل للثوب لا شك أنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﷺ : (ما أسفل من الكعبين ففي النار) واختلف العلماء في صحة صلاته، فمنهم من قال: إن صلاته صحيحة لكنه آثم بإسبال ثوبه، ومنهم من قال: إن صلاته غير صحيحة؛ لأنه لبس ثوباً محرماً والراجح أن صلاته صحيحة، لكنه آثم بالإسبال. وكون الإمام يطول بقول: استووا أو يأتي بنصائح بدون سبب ليس لها داعٍ، لكن كونه يسويهم ولو طال الوقوف فلا ينبغي للمصلين أن يضيقوا ذرعاً به.

стр. 97

حكم بيع الدش والاستفادة من ثمنه السؤال هل يجوز لأخينا السائل الذي أراد أن يتوب بأن يبيع ذلك الدش الذي اشتراه بمبلغ كبير ويتصرف بثمنه ويستفيد منه بدلاً من أن يكسره؟ وكذلك إذا كان عند الإنسان تلفاز فهل له أن يبيعه كذلك ليستفيد من ثمنه، أم أن عليه أن يدفعه إلى من يستفيد منه إذا كان يمكن الاستفادة منه، أو أن يكسره وهو الذي أشرتم إليه كما فعل الصحابي الذي نزع النبي ﷺ خاتمه فقال: والله لا آخذ شيئاً طرحه رسول الله ﷺ ؟ الجواب الأولى أن يكسره غضباً لله ، كما يذكر أن سليمان ﵊ لما ألهته الخيل عن ذكر الله طفق مسحاً بالسوق والأعناق، قال بعض المفسرين: إنه ذبحها بالأعناق، وبالسوق عقرها، حتى لا تدعوه نفسه إليها فيما بعد، فأرى أن يكسرها، وهو لو باعها لأحد؛ فمن يضمن له أن يستعملها هذا الشخص في شيء مباح، فيكون معيناً على المحرم وتكون توبته ناقصة، وكذلك لو أعطاه لأحد ينتفع به في غير المحرم من يضمن ذلك، ثم إنه إذا كسره انتقاماً من نفسه وغضباً لله؛ فإن ذلك سوف يصقل توبته، ويذكر هذه الصورة في ذهنه، ويقول: الحمد لله الذي جعلني لا أبخل على نفسي بإتلاف هذا الشيء، والإتلاف قد يكون خيراً من الإيجاد، فها هو الغال من الغنيمة قال العلماء: إنه يحرق رحله إلا ما استثني، لماذا لا يجعل رحله في بيت المال؟ يقولون: لا يجعل في بيت المال؛ لأن إحراقه أنكى وأبلغ، فالذي ينبغي أن يذهب الآن إن شاء الله ولا يبيت على فراشه إلا وقد كسره وجعله جذاذاً. التلفاز في الواقع أخف من الدش؛ لأن الدش يأتي بفظايع والعياذ بالله حسب ما سمعنا، التلفاز من اقتناه وأمن ألا يستعمل إلا في الأخبار وأشياء مفيدة فلا بأس به، لكن من يضمن هذا؟ فالعائلة إذا فتحت هذا التلفاز تريد تمسكه حتى ينتهي بما فيه من خير وشر، وهذه مشكلة. فأنا أنصح إخواني ألا يقتنوا التلفاز لكن وجوب تكسيره فيه نظر؛ لأنه يمكن أن يستعمل في شيء مباح، لكن من نظر إلى الواقع يرى أن إبعاده عن البيت قد يكون من الواجبات.

стр. 98

الحث على الدعوة إلى الله السؤال فضيلة الشيخ: بمناسبة الإجازة نجد عدداً من الإخوة هنا جاءوا لطلب العلم وحصلوا ولله الحمد خيراً كثيراً، إلا أنهم إذا ذهبوا إلى بلادهم في هذه الإجازات لم يكن لهم أثر على من حولهم، كذلك نجد بعض الإخوة هنا في هذه البلاد لا يشاركون إخوانهم في توجيه أصحاب المخيمات في أمور يحتاجونها ولا ينفع الله بهم، أرجو توجيه كلمة بهذه المناسبة لإخواني طلبة العلم أن يكون لهم أثر على إخوانهم في هذه البلاد وغيرها؟ الجواب لا شك أن من فوائد طلب العلم أن يقوم الطالب بما أوجب الله عليه من تبليغ ما حصله من العلم، هكذا جاء في الكتاب والسنة، أما في الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] وهذا الميثاق الذي بين الله وبين الذين أتوا العلم ليس ميثاقاً محسوساً بل إعطاء الله إياه العلم هذا ميثاق عليه أن يبلغه. وأما في السنة فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يخطب الناس في حجة الوداع: (ليبلغ الشاهد الغائب) وقال أيضاً: (بلغوا عني ولو آية) . فالواجب على طالب العلم ألا يحقر نفسه أن يبلغ ما آتاه الله من العلم، سواء في بلده أم في بلدٍ آخر، ولا سيما في وقت الإجازات التي ليس على الإنسان فيها طلب للعلم ملزم بها.

стр. 99

حكم الأقمشة والألبسة المرسوم عليها صور حيوانات أو نساء عاريات السؤال فضيلة الشيخ: نشر لكم فتوى حول بعض الكتابات التي تكون على بعض الألبسة، سواءً باللغة الإنجليزية أو بعض الصور وغيرها، نرجو زيادة تنبيه وزيادة تعليق على ذلك شفوياً؛ لأن الكثير من الناس يستفيد من الشريط أكثر من استفادته من المكتوب، كذلك بعض الناس يفرق بين الصور التي توضع على ملابس الأطفال والتي توضع على ملابس الكبار، أرجو التوجيه خاصة أن هذه المشكلة أصبحت تدخل كثيراً في بيوتنا، جزاك الله خيراً؟ الجواب أما بالنسبة للصور كالصور التي في الملابس للكبار أو الصغار فهي سواء، لا يجوز للإنسان أن يلبس ما فيه صورة ولا أن يلبس أولاده من بنين وبنات ما فيه صورة. وأما الكتابات الموجودة مكتوب (أنا نصرانية) على فانيلة، ومكتوب (أنا يهودية) ، ومكتوب أيضاً (مسيحية) ، ومكتوب (سائل الجنسية) (ماء الرجل الدافق) ، ومكتوب برمز (آنسة) وهي ترمز لفعل الفاحشة، ومكتوب أيضاً (إله الحب عند الإغريق) ، ومكتوب أيضاً (شراب خمر) ومن الكتابات أيضاً (اسم رجل وامرأة) ، ومن الكتابات (عيد المسيح) ، ومكتوب -أيضاً- (أنا مسيحي) . المهم يا إخواني! نحن شعب مسلم، والواجب علينا أن نقاطع هذه الألبسة، كما أن الواجب علينا أن نكتب إلى وزارة التجارة، نخوفها بالله ونقول: يجب أن تحرصي غاية الحرص على ما يرد إلى أسواقنا من مثل هذه الأمور. سبحان الله! صبي أو صبية من المسلمين يُكتب على لباسها أنها نصرانية أو يهودية، أنحن لا نفهم؟ أنحن غنم؟ سبحان الله! الواجب أن نكون أمة واحدة، وأن المسئولين إذا كانوا في غفلة عن هذا ولم يعلموا به أن يكتب إليهم ويبين ويرسل نماذج من هذه الألبسة، هذا بالنسبة للمسئولين، ويجب علينا أن ننصحهم وأن نبين لهم الأمر وإذا فعلنا ذلك برئت ذمتنا، هم المسئولون أمام الله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨-٨٩] ويا ويلهم إن قصروا في الأمانة وفي رعاية الرعية، فستكون الأمة خصمهم يوم القيامة. وأما بالنسبة لنا نحن فالواجب علينا مقاطعة هذا الشيء، وألا نبذل دراهمنا بما يسيء إلينا؛ لأن هذا أدنى ما فيه أن الصبي يستسيغ كلمة (إنه نصراني) أو (إنه يهودي) وأنتم تعلمون أن اليهود والنصارى أعداء لنا من قديم الزمان. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥١-٥٢] أي: نخشى أن تصيبنا دائرة، فإذا واليناهم كانوا معنا؛ قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢] . الواجب علينا أن نقاطع هذا مقاطعة تامة وإذا رأيناه عند صاحب دكان نصحناه، وقلنا له: اتق الله ونبين له؛ لأن بعض أهل الدكاكين أيضاً لا يفهمون اللغة الإنجليزية ولا يدرون ما الذي كتب، لكن نبلغهم، هذا إذا كان الأمر الذي أمامنا الآن واقعاً، أما إذا كان غير واقع، فحسبنا الله على من كتبه وغر الناس به. حتى أسماء المغنين وأسماء المهرة من أصحاب الكرة وغيرهم ممن ليسوا مسلمين كل هذا لا يجوز؛ لأنه سيقع في قلب المسلم تعظيم هؤلاء وهم كفار. أما الصور فقد ذكرنا أنها حرام سواء على الفنايل أو على القمص أو على السراويل. فتوى: يقول الشيخ حفظه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم اللباس الذي يكتب عليه ما يخل بالدين أو الشرف لا يجوز لبسه سواء كتب باللغة العربية أو غيرها، وسواء كان للرجال أو للنساء، وسواء كان شاملاً لجميع البدن أو لجزء منه، أو عضو من أعضائه، مثل: أن يكتب عليه عبارة تدل على ديانة اليهود أو النصارى أو غيرهم، أو على عيد من أعيادهم، أو على شرب الخمر أو فعل الفاحشة أو نحو ذلك، ولا يجوز ترويج مثل هذه الألبسة، أو بيعها أو شراؤها وثمنها حرام؛ لقول النبي ﷺ : (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) ونصيحتي لإخواني المسلمين أن يتقوا ربهم ويتجنبوا ما حرم عليهم لينالوا سعادة الدنيا والآخرة. قاله وكتبه محمد بن صالح العثيمين في ٨/٧/١٤١٤هـ أرجو الله تعالى أن ينفع بهذه الكتابة، وأن ينفع أيضاً بهذا القول الذي ذكرنا، ونرجو من إخواننا أن نكون عوناً لولاة أمورنا، لأن الإنسان بشر قد يخفى عليه بعض الشيء، وقد يتكاسل، فإذا خفي عليه نعلمه وإذا تكاسل نشجعه، فيا حبذا لو كتب إلى وزارة التجارة في هذا الموضوع وبيّن لها الأمر. ولكن يحسن أيضاً أن يكون هناك نماذج من هذه الألبسة تعرض على الوزارة فعلاً، وما ندري أيضاً لعل الوزارة الآن قد شعرت بهذا وتحاول منعه، فيبقى الدور علينا نحن أن نهجر هذه الألبسة ولا نروجها. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.

стр. 100

اللقاء الشهري [٥] في هذه المادة يتحدث الشيخ ﵀ عن تفسير أول سورة (ق) بأسلوب سهل واضح، مضيفاً إلى ذلك بعض الفوائد التي تتعلق بالآيات. ثم بعد ذلك يجيب عن الأسئلة الواردة في هذا اللقاء والتي تهم كل مسلم.

стр. 101

تفسير آيات من سورة (ق) الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الشهري الذي يتم في كل ليلة أحد -الليلة الثالثة من كل شهر- هذا هو وقت اللقاء بكم، ويتم هذا الشهر ليلة الأحد الحادي والعشرين من شهر جمادى الأولى عام ثلاثة عشر وأربعمائة وألف. وأسأل الله تعالى أن يرزقنا الاستمرار على ذلك، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، وكما تعلمون أننا تكلمنا فيما سبق على شيء من تفسير سورة النبأ، ولكني رأيت أن نجعل شهراً للتفسير وشهراً لما ينبغي أن يُتحدث عنه من أمر الواقع، وبناءً على ذلك أرى أن يقدم إلى مندوب الدعوة الشيخ/ حمود بن عبد العزيز الصايغ، أن يقدم إليه منكم ما ترون أن الكلام فيه مناسب من الأمور الواقعة، سواء كانت هنا في المملكة أو في خارج المملكة، مما ينبغي أن نتكلم عنه، وتكون ليلة وليلة، ليلة في التفسير، وليلة في بيان حكم ما يحتاج إلى البيان. أما التفسير فرأيت أيضاً أن نبدأ فيه بسورة (ق) وذلك لأن لقاءنا الأسبوعي الذي يكون في البيت قد بدأنا فيه بسورة النبأ، فلا أحب أن يتضارب هذا مع هذا ويتعارض، فرأيت أن نبدأ بسورة (ق) لأنها أول المفصل، ولأن الناس يستمعون إليها من الأئمة، فإن أهل العلم يقولون: ينبغي للإمام أن يقرأ في صلاة الفجر من طوال المفصل، وفي صلاة المغرب من قصار المفصل، وفي الثلاث الصلوات الباقية من أوساطه، وطواله من (ق) إلى (عم) وقصاره من (الضحى) إلى آخر القرآن، وأوساطه من (عم) إلى (الضحى) .

стр. 102

تفسير قوله تعالى: (ق) فنقول وبالله التوفيق: إن الله ابتدأ هذه السورة سورة (ق) بهذا الحرف (ق) ، وهذا حرف هجائي أحد الحروف الهجائية التي أولها الألف وآخرها الياء. هذا الحرف الهجائي هل له معنى مستفاد بمقتضى اللغة العربية أو ليس له معنى؟ جوابنا على ذلك: ليس له معنى مستفاد بمقتضى اللغة العربية؛ لأن الحروف الهجائية حروف مهملة لا معنى لها في حد ذاتها، وعلى هذا فكل الحروف الهجائية الموجودة في أوائل السور ليس لها معاني، ودليل ذلك قول الله : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢] يعني: القرآن ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢] وبناءً على ذلك نقول: هذه الحروف (ق) ، (ص) ، (ألم) ، (ن) ، (ألر) ، (ألمر) هذه الحروف بمقتضى اللسان العربي لا تفيد معنى في ذاتها فليس لها معنى، ولكن سيرد على القلب إشكال وهو: هل يكون في القرآن شيء لا معنى له؟ الجواب لا يمكن أن يكون في القرآن شيء لا معنى له؛ لأننا لو فرضنا ذلك لكان في القرآن ما هو لغو وليس في القرآن من لغو لكن هذه الحروف وإن لم يكن لها معنى في ذاتها، إلا أن لها مغزى عظيماً وذلك في إقامة التحدي التام للعرب الذين كذبوا الرسول ﵊ وقالوا عن القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] فيقال: إذا كان قول البشر كما زعمتم فأتوا بمثله، فأتوا بسورة، ائتوا بحديث مثله، مع أنه لم يأتِ بشيء غريب على لسانكم وإنما جاء بالحروف التي تركبون منها كلامكم، كلام العرب مم يتركب؟ من الحروف الهجائية، ثمانية وعشرون حرفاً لا تزيد، كل كلام العرب يتكون من هذه الحروف الهجائية الثمانية والعشرين، والقرآن لم يخرج عن هذه الحروف الثمانية والعشرين ومع ذلك أعجز العرب، فعجزوا عن أن يأتوا بمثله، وهذا الذي ذكرناه هو ما نقله ابن كثير ﵀ في تفسير أول سورة البقرة عن مجاهد؛ أن هذه الحروف الهجائية التي تكون في أوائل بعض السور ليس لها معنى في حد ذاتها، ولكن لها مغزى، ولهذا لا تجد سورة بُدأت بهذا الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن إلا نادراً. إذاً: قوله تعالى: (ق) هو حرف هجائي ليس له معنى في حد ذاته، لكن له مغزى وهو إقامة التحدي لهؤلاء المعارضين المكذبين بحيث يقال لهم: هذا القرآن هو من الحروف التي تركبون منها كلامكم، ومع ذلك أعجزكم وعجزتم عن أن تأتوا بمثله.

стр. 103

تفسير قوله تعالى: (وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) يقول الله : ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] الواو هنا حرف قسم: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ [ق:١] المراد بالقرآن هو ما نقرأه وهو كلام الله تكلم به حقيقة، وألقاه على جبريل الذي وصفه الله بقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:٢٠] قوة على حفظ القرآن لا ينتزعه منه أحد، وأمانة تامة نزل به على قلب النبي ﵌، هذا هو القرآن. ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] وصفه هنا بأنه مجيد، والمجد صفة العظمة والسلطان، فالقرآن مجيد ذو غلبة وذو سلطان يغلب ولا يُغلب، من تمسك به فله العزة وله الغلبة. والمجد -كما أشرت إليه- هو العزة والسلطان والقوة، فالقرآن مجيد، ومن تمسك بالمجيد كان مجيداً عظيماً، فأقسم الله تعالى بالقرآن بوصفه مجيداً.

стр. 104

تفسير قوله تعالى: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) ثم قال: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق:٢] طالب العلم يتشوف هنا إلى جواب القسم لأن القسم، لا بد فيه من أركان: مُقسِم ومُقسم به ومُقسم عليه وأداة قسم، لننظر الآن في هذه الآية: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] ففيها أداة القسم وهي الواو، وفيها المقسم به وهو القرآن، وفيها مُقسِم وهو الله ؛ لأن القرآن كلام الله، بقي الرابع وهو المقسم عليه فأين هو؟ اختلف في ذلك النحويون والمفسرون، ولكن ابن القيم وابن كثير رجحا بأن جواب القسم مضمون السورة كلها، وليس جملة معينة منها، والمعنى أن الله أقسم بالقرآن على كل ما في هذه السورة، وأنه حق لا يعتريه باطل ولا شك، وحينئذ لا نحتاج إلى جواب في جملة معينة. ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق:٢] عجبوا: الفاعل كفار قريش، والدليل لذلك قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ [ق:٢] هو النبي ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢] أي في العرب: ﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق:٢] هذا العجب هل هو عجب استحسان وإقرار أو عجب تكذيب وإنكار؟ الثاني هو المراد، فالعجب يأتي بمعنى الاستحسان والإقرار ومنه حديث عائشة ﵂: (كان النبي ﵌ يعجبه التيمن في تنعله وترجله) وتقول: تكلم فلانٌ فأعجبني كلامه، أي: سرني وأقررته، ويأتي العجب بمعنى الإنكار والتكذيب كما في هذه الآية: ﴿عَجِبُوا﴾ [ق:٢] أي عجب إنكار وتكذيب: ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق:٢] وهو محمد ﵌، وهو ﵊ منذر ومبشر، منذر لكل من خالفه بالعقوبة، ومبشر لكل من أطاعه بالثواب الجزيل. ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق:٢] قال الكافرون: وكان الإنسان يترقب أن يكون اللفظ (فقالوا هذا شيء عجيب) لكن قال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ [ق:٢] إشارة إلى أن هذا العجب كفر ترتب عليه قولهم: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق:٢] يعني: شيء يقتضي العجب وهو: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً﴾ [ق:٣] فاستبعدوا أن يرجعوا ويبعثوا بعد أن كانوا تراباً، ولكن هذا العجب عجب استكبار، وإلا فإن أدنى عاقل يتأمل يعلم بأن هذا ليس بعجيب. الرجوع إلى الله يوم القيامة رجوع شيء كان، وبدء الخلق ابتداء شيء لم يكن، وأيهما أسهل؟ الأول أسهل؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عليه﴾ [الروم:٢٧] نقول لأي إنسان ينكر البعث: ألم تكن من قبل معدوماً؟ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] فأوجدك الله، فالذي أوجدك من العدم قادر على أن يعيدك إلى ما كنت عليه: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] فلا عجب من ذلك؛ لكن هم تعجبوا عجب إنكار وتكذيب ومكابرة: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً﴾ [ق:٣] جواب إذا محذوف معلوم من السياق، أي: (أئذا متنا وكنا تراباً نرجع) يعني: أنرجع إذا متنا وكنا تراباً؟ قالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٣] أي: غير ممكن أن نرجع، وهذا كقوله تعالى عن الإنسان: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨-٧٩] فالذي أنشأها أول مرة قادر على أن يعيدها مرة أخرى.

стр. 105

تفسير قوله تعالى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ) ثم قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤] علمنا بعلمنا الواسع. يقول الله : ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾ [ق:٤] بعلمه الواسع: ﴿مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق:٤] أي: من أجسادهم، فلو كانوا تراباً فالأمر محفوظ معلوم مضبوط. ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤] أي: كتاب حافظ لكل ما ينقص منه، فالإنسان إذا دفن فإن الأرض تأكله، تبدأ بظاهر جسمه، ثم تنتقل إلى باطنه، والله يعلم مقدار ما تأكل الأرض منه، إلا صنفاً واحداً من الناس فإن الأرض لا تأكلهم وهم الأنبياء، قال النبي ﵊: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) فهم باقون لم ينقص منهم شيء، أما غير الأنبياء فقد يكرم بعض الصالحين ولا تأكل الأرض جسمه وإلا فالأصل أن كل بني آدم تأكلهم الأرض ما عدا الأنبياء، قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق:٤] من أي شيء؟ من أجسادهم التي تأكلها الأرض بعد دفنهم، قد علم الله تعالى ذلك. ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤] وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير كل شيء إلى قيام الساعة. قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] هذا إضراب وانتقال من شيء إلى آخر كان ينكر عليهم إنكار البعث، ثم أنكر عليهم ما هو أعم فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق:٥] الحق يعني الصدق الثابت الذي جاء به محمد ﵌، فمحمد ﵊ جاء بالحق؛ بكلام حق ثابت صدق، وبشرع حق ليس فيه ما يبطله. وقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق:٥] أي: حين جاءهم. ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] أي: بناء على هذا التكذيب صاروا في أمر مريج مضطرب، ليس لهم قرار، وليس لهم سكون، ولذلك تجد الإنسان كلما كان أشد يقيناً في دين الله، كان أثبت وأنظم لعمله، وكلما كان أشد تكذيباً كان دائماً في قلق، ولذلك قال: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] . يستفاد من هذه الآية الأخيرة: أن مما يفتح الله به على العبد في معرفة الأحكام الشرعية أن يكون مصدقاً موقناً، فكلما كنت مصدقاً موقناً فاعلم أن الله سيفتح لك ما لا يفتحه لغيرك، أما من كان مكذباً فإن أبواب الهداية تغلق دونه، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] والعياذ بالله. ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] وبهذا نعرف أن الواجب على المرء أن يقبل الحق فور علمه به؛ لئلا يقع في أمر مريج كما قال الله : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] . نسأل الله تعالى أن يدلنا وإياكم على الحق، وأن يرزقنا وإياكم اتباعه والوفاة عليه؛ إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما الآن فقد أتى دور الأسئلة.

стр. 106

الأسئلة

стр. 107

حكم التباكي في الصلاة لجلب الخشوع السؤال فضيلة الشيخ: ما حكم التباكي في الصلاة جماعةً في المساجد بصوت مرتفع لجلب الخشوع؟ الجواب التباكي المصطنع -كما يفعله بعض الناس- غير مشروع، وأما البكاء الذي يأتي من خشوع القلب واستحضاره لعظمة الرب والخوف منه، فإن هذا مشروع، وإذا ظهر منه صوت بغير اختياره وبغير تكلف منه فلا حرج، لكن التباكي المصطنع هذا أمر لا يُشرع ولا ينبغي، بل الذي ينبغي أن يتأمل الإنسان كلام الله ، فإذا تأمله بصدق ومعرفة للمعنى فإن قلبه يلين ويخشع ويبكي عند ذكر العذاب خوفاً منه، وعند ذكر الثواب طمعاً فيه، وعند ذكر الرب تعظيماً له، وعند ذكر الرسول ﵊ وسيرته محبة له وشوقاً إليه.

стр. 108

حكم الجمع بين المغرب والعشاء السؤال أربعة أسئلة أو أكثر كلها في موضوع الجمع ولعلي أقرؤها: - سائل يقول: في مثل هذه الأيام فضيلة الشيخ! يتحرج الإنسان من الجمع بين المغرب والعشاء ولا يدري ما هو الضابط، وقد أحرجنا ما سمعناه منك في العام المنصرم، فصار الإنسان لا يدري ماذا يفعل، يرى خمسة أو أكثر من جماعة المسجد وهم: ضعيف بصر، وكبير سن، وبطيء مشي، وهم أعمدة المسجد وأكثر الناس ارتياداً له فلا يدري هل يجمع من أجلهم وهم يرغبون بذلك أم لا؟ - وآخر يقول: في الحديث أن النبي ﷺ : (جمع من غير خوف ولا مطر في المدينة قال الصحابي: أراد ألا يحرج أمته) فما معنى قوله ﷺ : (أراد ألا يحرج أمته) وهل يمكن أن يعمل النبي ﷺ عملاً ليس تشريعاً للأمة، خصوصاً نحن في أيام المطر هذه الأيام فالخلاف كثر، تدخل المسجد وتجد كبار السن قد أتوا إلى المسجد بعد مشقة عانوها وهم في طريقهم إلى المسجد بسبب السيارات والوحل، فتجد بعض الأئمة يتحرجون من طلبهم للجمع فما توجيهكم؟ - وهذا أيضاً سؤال في الجمع: يقول الإنسان يخشى من الإثم وخاصة الأئمة، يخشى الإمام من الإثم في الجمع إذا جمع؛ لأنه يخاف ألا يكون فعله مسوغاً للجمع، ويخاف من الإثم إذا ترك الجمع؛ لأنه يخاف من تشديده على من وراءه وتأثيره عليهم وخصوصاً وقد ورد: من ولي من أمر أمة النبي ﷺ شيئاً فشدد عليهم أن يشدد الله عليه، فماذا يفعل وأيهما أحوط الجمع أم عدمه وهل الأذى اليسير أو المشقة اليسيرة تجلب التيسير؟ الجواب هذا السؤال مهم جداً ولا سيما وأن سبب الجمع هذا اليوم وما قبله بأيام يسيرة موجود وهو المشقة، والمشقة تكون بأسباب منها: نزول المطر، فإذا كان المطر ينزل فهذا أذية، وقد قال بعض الناس: أنه لا أذية في المطر اليوم؛ لأن الناس يأتون على السيارات حتى يقفوا على باب المسجد، والجواب عن هذا: أنه ليس كل إنسان يأتي على السيارة، ثم إذا نزل من السيارة عند باب المسجد تأذى بالمطر الذي ينزل؛ فهذه أذية، وقد تكون الأذية من الأسواق مما يكون فيها من الماء ويجتمع فيتأذى الإنسان إذا جاء إلى هذا المسجد وحوله مناطق من الماء هذه أذية، وقد تكون الأذية مع ريح شديدة باردة في أيام الشتاء وهذا أيضاً أذية شاقة على الناس كأذية المطر أو أكثر، فإذا كان في ترك الجمع حرج، فليجمع الإمام ولا حرج عليه، وإذا كان على بعض المأمومين حرج وعلى بعضهم يسر فليقتد بأضعفهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن من ورائه الضعيف والمريض وذا الحاجة) . وإذا تردد بين الجمع وعدمه لعدم اتضاح السبب المسوغ؛ فإن الأصل ألا يجمع؛ لأن الجمع يحتاج إلى ثبوت السبب، فإذا لم يثبت فإن الأصل عدم الجمع فلا يجمع، ولكن إذا لم يجمع ثم انصرف الناس من الصلاة إلى بيوتهم ثم حدث مطر يؤذي فللناس أن يصلوا في البيوت ويكتب لهم الأجر كاملاً؛ لقول النبي ﵊: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) . إذاً: الواقع أنه قد يتيقن المشقة، أو يتيقن عدم المشقة، أو يغلب على ظنه المشقة، أو يغلب على ظنه عدم المشقة، أو يتردد فمتى يكون الجمع؟ يكون الجمع إذا تيقن المشقة أو ترجح عنده وجود المشقة، أما إذا علم أن لا مشقة أو ترجح عنده أن لا مشقة أو شك فلا يجمع.

стр. 109

جمع الصلاة في البيوت للمطر وحكم جمع العصر والجمعة السؤال إذا خرج الإنسان في البر أو كان في حوش مع بعض زملائه وجمع أهل المدن، فهل لهم الجمع، وهل تجمع النساء في البيوت إذا جمع الرجال، وهل يجمع إلى الجمعة غيرها؟ الجواب أما الشق الأول من السؤال: وهو إذا كان الجماعة في مكان خاص لا يخرجون إلى المسجد سيصلون في هذا المكان، فلا أظن أن عليهم مشقة في ترك الجمع، لأنهم محصورون وفي مكان واحد، ومتى دخل الوقت صلوا، اللهم إلا أن يكون المكان ليس فيه ماء وهم يحتاجون إلى الوضوء، ويشق عليهم أن يطلبوا الماء في مثل هذه الليلة المطيرة مثلاً فلهم الجمع؛ لئلا يتأذوا بطلب الماء عند دخول وقت العشاء. الشق الثاني: النساء هل تجمع كما يجمع الرجال؟ والجواب لا. لا تجمع النساء كما يجمع الرجال، إلا لو صلت المرأة مع الرجال، وجمعوا فإنها تجمع تبعاً لهم، أما في البيوت فلا جمع للنساء؛ لأن المرأة لا فرق عندها أن تصلي المغرب في وقتها والعشاء في وقتها وأن تجمع؛ لأنها ما زالت في بيتها، لن يلحقها أذية ولا مشقة من الخروج. أما الشق الثالث: فهل يجمع إلى الجمعة غيرها؟ والجواب: لا. لا يجمع إلى الجمعة غيرها، وهذه تقع كثيراً يمر المسافر في البلد ثم ينزل فيصلي الجمعة وهو سيواصل السفر، فهل يصلي العصر بعد الجمعة نقول: لا. لأن الجمعة صلاة منفردة فذة، والسنة إنما جاءت بجمع العصر إلى الظهر، والظهر ليس هو الجمعة فلا تجمع العصر إلى الظهر، والظهر ليس هو الجمعة فلا تجمع العصر إلى الجمعة، ولكن تصلي الجمعة مع الناس وتحصل أجرها، وإذا سرت في السفر وجاء وقت العصر فصل العصر. يقول بعض الناس: أفلا ينوي الظهر خلف الإمام الذي يصلي الجمعة من أجل أن يجمع إليها العصر؟ فنقول: هذا ممكن، ممكن أن ينوي بجمعته الظهر من أجل أن يجمع إليها العصر، ولكن يفوته أجر الجمعة الذي رتب على فعلها -يفوت هذا- لأن هذا الرجل نوى الظهر، فيفوته الأجر الكبير والكثير الحاصل بصلاة الجمعة، وحينئذ نقول: لا تنو الظهر خلف الإمام الذي يصلي الجمعة، ولكن صلِّ الجمعة ولا تجمع العصر إليها، ومتى جاء وقت العصر فصلها.

стр. 110

فساد الظاهر يدل على فساد الباطن السؤال بعض الناس هدانا الله وإياهم، إذا كان عنده بعض المعاصي ثم تقدم إليه بالنصيحة؛ أشار بيده إلى قلبه فقال أهم شيء هذا، فبماذا نرد على مثل هذا الصنف من الناس؟ الجواب هذا الذي يفعله بعض الناس إذا أُلقيت إليه النصيحة قال: التقوى هاهنا، كلام حق؛ لأن النبي ﵌ قال: (التقوى هاهنا وأشار إلى صدره) قالها ثلاث مرات، ولكن الذي قال: التقوى هاهنا هو الذي قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) وعلى هذا فإن فساد الظاهر يدل على فساد الباطن، ونقول لهذا الذي قال: (التقوى هاهنا) نقول: لو كان ما هاهنا فيه تقوى لكان ما نراه من الأعمال الظاهرة مطابقاً للتقوى؛ لأنه إذا اتقى القلب لا بد أن تتقي الجوارح، لقول النبي ﵊: (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) وبذلك نبطل حجته ونقول: لو كنت صادقاً أن قلبك متقٍ لاتقت الجوارح.
следующие страницы →