Полный текст (2 259 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
حكم القراءة خارج الحمام لغرض إسماع من هو داخل الحمام
السؤال
عندي في البيت جهاز تسجيل كبير يسمع من بعد، هل يجوز لي أن أدخل دورة المياه والجهاز يشتغل وقد يكون فيه قرآن أو محاضرة أو غير ذلك، أم لا بد أن أغلقه، علماً أن مكانه بعيد عن دورة المياه؟
الجواب
لا حرج في هذا، يجوز للإنسان أن يضع المسجل خارج الحمام وهو يستمع إليه، وقد ذُكِرَ عن جد شيخ الإسلام ابن تيمية وهو عبد السلام، أنه كان يأمر فتاه أو ابنه أن يقرأ عليه وهو في بيت الخلاء؛ حفاظاً على الوقت، ولعل هذا من الأمر النادر، لأني لا أظن أن عالماً يفعل هذا دائماً، لكن لعله يريد أن يراجع مسألة من المسائل يريد أن يحققها ففعل هذا الفعل، مع أننا نقول بالجواز لكن تركه أفضل، لماذا؟ لأن الإنسان إذا كان يستمع إلى حديثٍ يعجبه فربما يطيل الجلوس على قضاء الحاجة؛ لأنه انسجم مع هذا الذي يسمع، ربما يجلس ساعة أو ساعتين، كما يذكر أن دول الكفر إذا أراد الإنسان أن يطالع الجرائد والصحف دخل بها معه في الحمام، وتعرفون أن كرسيهم في الجلوس فرنجي، فيجلس على هذا الكرسي على فخذيه والجرائد معه، وإن كان بعد السيجارة معه الله أعلم.
السائل: مكتبة صغيرة معه أيضاً.
الشيخ: يضعون مكتبة في الحمام! -نسأل الله العافية- ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] .
стр. 772
حكم صلاة الجمعة لرعاة الأغنام
السؤال
فضيلة الشيخ! نحن نسكن في قرية، ويوجد عندنا رعاة أغنام يتراوح إن كان رعيهم ما بين (٥-١٠كم) ، ولقد حصلت بينهم وبين أصحاب الأغنام مشاكل، وذلك بسبب أن العمال يريدون أن يصلوا الجمعة، وأصحاب الأغنام يمنعونهم من ذلك بسبب خوفهم على أغنامهم من السرقة أو الضياع، ويقولون: أن صلاة الجمعة لا تجب عليكم في هذه الحالة، أفدني وفقك الله في هذه المسألة، هل نقنع العمال بعدم وجوب صلاة الجمعة عليهم، أم ندعو أصحاب الأغنام بالسماح لهم بأداء صلاة الجمعة؟
الجواب
إذا كان الخوف حقيقة ويخافون أن هؤلاء الرعاة إذا ذهبوا عن الغنم ضاعت أو سرقت فلا بأس أن يبقوا عند أغنامهم ويصلوا الظهر بدلاً عن الجمعة، ولكن خير من ذلك أن نشير على أهل الأغنام أن يجعلوا هؤلاء الرعاة يتناوبون، فيقال مثلاً: إذا كانوا اثنين يقال: واحد الجمعة هذه، والثاني يصلي الجمعة الأخرى، لأن بعض العمال يحبون أن يصلوا الجمعة لأداء الجمعة وحضور جماعة المسلمين، ولهم أقارب من العمال الآخرين يحضرون الجمعة فيحبون أن يتحدثوا إليهم، فللجمع بين المصلحتين نقول: الأفضل والأولى أن تجعلوهم متناوبين هذا يدخل جمعة، وهذا يدخل الجمعة الأخرى حتى يحصل الخير، والله تعالى يحب من عباده أن ييسر بعضهم على بعض.
стр. 773
أنواع من المسابقات المحرمة
السؤال
فضيلة الشيخ! وردت فتوى لهيئة كبار العلماء بتحريم مسابقة الدولار الصاروخي، وأنه من الميسر لما تشتمل عليه هذه المسابقة من أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن كل مشترك يدفع مبلغاً من المال مخاطرة، وهو لا يدري هل يحصل على مقابل أم لا، وهو كالقمار، ولما فيه من التلاعب بعقول الناس والتغرير بهم وخداعهم، وجميع هذه المسابقات من الميسر وهو محرم شرعاً، هذا ما ورد في الفتوى التي أرفقتها لكم، وأحيطكم علماً بأن كل مشترك يستطيع أن يحصل على مقابل وكذلك على مكسب، لكن شريطة أن يبيع أربع استمارات حسب ما هو موضح ومدون ومعروف مع من يتعامل بهذه المسابقة؟
الجواب
نعم رأيتها ولكن وقانا الله وإياكم شر الصواريخ!! أقول: أنا أوافق سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز بأنها حرام، لما فيها من التلاعب والغرر والربا أيضاً، شخص يدفع أربعين ويأخذ خمسة وعشرين ألف ريال مثلاً، وكل هذا من التلاعب بالناس، فأنا رأيي كما يرى الشيخ حفظه الله بأنها محرمة، ونسأل الله تعالى أن يسلط ولاة الأمور على منع مثل هذا التلاعب.
- بقية السؤال يقول: بماذا تنصح من يتعامل معهم وقد تحصل على بعض المبالغ ولم يتحصل عليها إلا بنشاطه في بيع الاستمارات؟ - أقول: إن الله تعالى قال في الربا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥] إن كان غير محتاج فالأفضل أن يجعلها في سبيل الخير من بناء المساجد، أو إعانة الفقراء، أو قضاء الدين عن المدينين أو ما أشبه ذلك، وإن كان محتاجاً فما حصل قبل أن يعلم بالتحريم فهو له.
- نص جواب الشيخ عبد العزيز بن باز: يقول: الدولار الصاروخي من الميسر وهو محرم شرعاً هذا كلام الجريدة وهو العنوان، يقول: قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء: أنه يرد كثير من الاستفتاءات إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن مسابقة ما يسمى بنظام الدولار الصاروخي التي يتداول قسائمها الناس في الآونة الأخيرة، وهي تشتمل على عبارات مثيرة تغرر بالناس وتحملهم على الاشتراك في هذه المسابقة مقابل دفع مبلغ معين من كل مشترك.
وأوضح سماحته أن مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية سبق أن أصدر قراراً برقم: (١٦٢) وتاريخ (٢٦/٢/١٤١٠هـ) يقضي بتحريم هذه المسابقة ومثيلاتها؛ لأنها من الميسر وهو محرم شرعاً، وقد رغب سماحته تذكير الناس بهذا القرار، وفيما يلي نصه: "الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد: فقد اطلع مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الرابعة والثلاثين المنعقدة في الطائف ابتداء من (١٦/٢/١٤١٠هـ) إلى (٢٦/٢/١٤١٠هـ) على كتاب معالي الأمين العام لـ رابطة العالم الإسلامي رقم (١٦) وتاريخ ٥/١٤٠٩هـ والموجه إلى سماحة الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد والمحال من سماحته إلى المجلس، وقد جاء في كتاب معاليه: أود إحاطة سماحتكم بأن أحد الإخوة الغيورين على الدين أبدى ملاحظة حول المسابقات التي تقيمها بعض الشركات تحت مفهوم: (اليانصيب) المحرم شرعاً، وإذ أرفق لسماحتكم بطيه قسيمة المسابقة التي وافانا بها، وهي باسم: مسابقة (جا.
سا.
با) الدولية، وتروج لها مؤسسة العقيلي للتجارة الدولية في جدة، أرجو التكرم باتخاذ ما ترونه مناسباً لإصدار فتوى في الموضوع لإرشاد إخواننا المسلمين من الوقوع في مصائد تلك الشركات التي تروج للكسب الحرام، واطلع المجلس على قسيمة المسابقة المرفقة بكتاب معاليه، ومما جاء فيها: مسابقة (جا.
سا.
با) الدولية، اربح إحدى أشهر السيارات في العالم بقيمة خمسة وعشرين ألف دولار من غير أي التزام مالي على عاتقك خلال ثلاثة أشهر.
هنا: المكسب أصبح حقيقة بواسطة الاشتراك بكيبونات مسابقات (جا.
سا.
با) الدولية، التي أثر ما جاء فيها من الإغراءات التي تحث كل إنسان على المبادرة إلى الاشتراك في هذه المسابقة مقابل دفع خمسة وستين دولاراً، واطلع المجلس أيضاً على قسيمة مسابقة ما يسمى بنظام الدولار الصاروخي ومما جاء فيها: استرخِ وأصبح غنياً، القمار مكلف ولكن هناك وصفة للنجاح بواسطة هذه الوصفة تستطيع أن تربح رأس مال قدره: خمسة وعشرين ألف دولار أمريكي من غير أي التزامات مالية على عاتقك خلال أربعة إلى ستة أسابيع، وفيها أيضاً: الدولار الصاروخي هي لعبة أموال وليست: (يا نصيب) تعمل بسرعة وسرية تامة حيث ما يوجد مكتب بريد، وتشتمل القسيمة على عبارات مثيرة تغرر بالناس وتحملهم على الاشتراك في هذه المسابقة مقابل دفع مبلغ خمسة وسبعين دولاراً من كل مشترك.
واطلع المجلس على عدد من الرسائل التي يتساءل مرسلوها عن حكم هذه المسابقات، أو يستنكرون السماح لترويجها وأمثالها في هذه البلاد، واطلع المجلس أيضاً على الاستفتاء المقدم عن حكم المسابقة التي تقوم بها مؤسسة رشا للتجارة المؤرخ في: (٢٩/١٠/١٤٠٩هـ) وعلى الإيضاح المرفق به عن هذه المسابقة وعلى نموذج من الإعلانات عن هذه المسابقة، وهو منشور في جريدة المدينة المنورة بعدد وتاريخ (٢٠/٩/١٤٠٩هـ) ولأهمية الموضوع وخطورته دينياً ودنيوياً درس المجلس موضوع المسابقات التجارية بصفة عامة التي يُروج لها بواسطة بعض وسائل الإعلام أو بواسطة بعض المؤسسات التجارية كالتي سبق ذكرها آنفاً.
وبعد دراسة المجلس لموضوع هذه المسابقات التي لجأت إليها بعض الشركات والمؤسسات لطلب الحصول على الأموال الكثيرة دون مقابل، اعتماداً على التغرير والخداع لعامة الناس، وبعد اطلاعه على البحث المعد في الموضوع وتأمله للأدلة الشرعية التي تنص على تحريم الميسر القمار، وكل معاملة فيها مقامرة أو تغرير أو أكل للمال بالباطل أو إضرار بالآخرين اتضح للمجلس تحريم مسابقة (جا.
سا.
با) الدولية، ومسابقة ما يسمى بالدولار الصاروخي، ومسابقة مؤسسة رشا التجارية وأمثالها لما تشتمل عليه هذه المسابقات من أكل أموال الناس بالباطل، لأن كل مشترك يدفع مبلغاً من المال مخاطرة، وهو لا يدري هل يحصل على مقابل أم لا، وهذا هو القمار، ولما فيها من التلاعب بعقول الناس والتغرير بهم وخداعهم وجميع هذه المسابقات من الميسر، وهو محرم شرعاً كما في قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠-٩١] والله الموفق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
هيئة كبار العلماء.
- تبين الحكم والحمد لله، والواجب تجنب ما كان حراماً، لا سيما أنه بلغ إلى درجة أن يقرن بالخمر والأنصاب والأزلام، والأنصاب ما ينصب ليعبد، فهو بمعنى الأوثان.
стр. 774
حكم أعمال النائم
السؤال
سائلة تقول: لي ابنة صغيرة، وقد كنت نائمة معها في إحدى الليالي، فتوفيت في تلك الليلة وأنا شاكة في أمر وفاتها، وشكي هو أني ربما نمت عليها وهي صغيرة لا تتحمل فماتت، ولكن سؤالي: هل علي صوم؟ أفدني جزاك الله خيراً، وهل لهذا الشك من محل؟
الجواب
هذا الشك لا محل له ولا وجه له، لأن النفوس بيد الله ، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] والقاعدة الشرعية: أن الأصل براءة الذمة، فإذا شك الإنسان في أمر هل يجب عليه أم لا، فالأصل براءة الذمة وعدم الوجوب، وبناءً على ذلك نقول: ليس على هذه الأم شيء لا دية ولا كفارة.
стр. 775
توبة شاب ونسيانه القرآن
السؤال
أنا شاب حفظت القرآن وعمري عشر سنين، فما زلت كذلك، فجاء علي وقت انحرفت عن الطريق المستقيم فنسيت القرآن، والآن يا شيخ أنا تائب لا أعرف ماذا أفعل، فبم تنصحني وفقك الله فقد أتيت من جدة لأدرس على فضيلتكم؟
الجواب
أقول: أبشر، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وهو يقول جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٣-٥٥] ويقول جل وعلا في أعظم الذنوب الشرك: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] فالحمد لله الذي ردك إلى ما كنت عليه سابقاً، وأسأل الله تعالى أن يثبتك عليه.
وأما نسيان القرآن فأظن أنك لو عدت لتحفظه مرة ثانية سوف يكون سهلاً عليك، فعليك به فإن الله تعالى سيعينك إذا علم من نيتك الصدق والإخلاص.
стр. 776
الكناية في الطلاق وخطر التهاون به
السؤال
فضيلة الشيخ: عند ذهابي من مصر قلت لزوجتي تخويفاً لها: لا تذهبي إلى أهلك، فلو ذهبت فسيكون فصالاً بيننا، وقصدي طلاقها، وفي نفسي لو ذهبت مرة في الشهر لا بأس بذلك، فذهبت زوجتي لمرض أمها، وأذن لها والدي بالذهاب، ولما علمت بذلك وأنا على سفر قريب أردت النصيحة، فماذا علي أن أفعل؟
الجواب
أولاً هذا الرجل لم يعلق الطلاق على ذهابها إلى أهلها، بل قال: فسأطلقك، وهذا وعد وليس بتنفيذ، وعلى هذا فلو ذهبت إلى أهلها فإنها لا تطلق إلا إن طلقها، فالخيار بيده حتى لو ذهبت إلى أهلها، وما دام الأمر كذلك فالزوجة باقية في عصمته ولا إشكال في هذا.
ولكني أنصحه وغيره من التهاون في أمر الطلاق، فإن بعض الناس يتهاون به جداًَ حتى إنه يقول لأخيه: خذ هذا الفنجان، فإذا قال أخوه: انتهيت رويت، قال: علي الطلاق أنك تأخذه، فنجان من الشاي يعلق طلاق امرأته عليه، هذا غلط، وهذا يوجد كثيراً بالبادية وانتقل إلى الحاضرة، وصار الناس يتلاعبون.
وسبب ذلك: أنه ظهرت فتوى أن الطلاق المعلق إذا قصد به اليمين صار يميناً يكفر عنه كفارة يمين ولا تطلق المرأة، فمثلاً: لو قال لزوجته: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق، فذهبت، ظهرت فتوى أنه يكفيه أن يكفر كفارة يمين والزوجة في عصمته باقية لا تطلق، ولكن هذه الفتوى أتدرون ما قيمتها في العالم الإسلامي، هذه الفتوى مخالفة للمذاهب الأربعة كلها، مذهب الإمام أحمد بن حنبل، والشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، كلهم يقولون: إن المرأة تطلق، ولو قصد اليمين ولو قصد التهديد ولو قصد المنع تطلق المرأة، لأنه تكلم باختياره ولم يكره وقال: إن ذهبت فأنت طالق، ذهبت فتطلق، فالأمر خطير، وليس الأمر بالسهل الهين، حتى وإن كان ظهر في الفتوى اتباعاً لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فإن الإنسان لا ينبغي له أن يتهاون.
وعامة الأمة أئمتها وعلماؤها يقولون: إن هذا طلاق واقع، ولنفرض أنه الطلاق الثلاث أن هذه آخر طلقة، قال لها: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق، ثم ذهبت إلى أهلها وهذه آخر طلقة، ثم قلنا: راجعها، هل يملك المراجعة؟ لا.
الآن بقينا إما أن نأخذ بالقول إما أن هذا يمين فيكفر كفارة يمين والزوجة ترجع إليه، وإما أن يقول بقول جمهور الأمة: إنها بانت منه ولا تحل له إلا بعد زوج، فإذا أخذ بالقول الأول وردها على أنه يكفر كفارة يمين، فإن جماعه إياها زنا على رأي أكثر الأمة؛ لأنها بانت منه، وعلى رأي أنه يمين يكفرها يكون وطؤه إياها حلالاً؛ لأنها لم تطلق، وإنما قلت هذا تحذيراً من هذا التهاون الذي وقع فيه اليوم كثير من الناس.
ولو سد هذا الباب ليتقيه الناس لكان له وجه، فإن هذا من السياسة الشرعية، كان الطلاق الثلاث في عهد الرسول ﵊، وفي عهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، أي: أن الرجل إذا قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو قال: أنت طالق ثلاثاً؛ فإنه واحدة له أن يردها.
فلما رأى عمر أن الناس قد تتايعوا في هذا الأمر وهو حرام أن يطلق الإنسان ثلاثاً، لما رآهم تتايعوا فيه وهلكوا قال: [أرى الناس قد تتابعوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم، وقال: من طلق ثلاثاً في مجلس واحد فزوجته حرام عليه] ، ومنعه من الرجوع سياسة عمرية شرعية، فلو أن الناس أفتوا بوقوع الطلاق المعلق اتباعاً لقول جمهور الأمة من أجل أن ينكف الناس عن هذا التلاعب لكانت هذه الفتوى لها وجه والله المستعان.
стр. 777
فضائل رجب في ميزان الشرع
السؤال
فضيلة الشيخ! ما حكم تخصيص شهر رجب بعمرة أو صيام أو أي عمل صالح، وهل له ميزة عن سواه من الأشهر الحرم؟
الجواب
ليس لشهر رجب ميزة عن سواه من الأشهر الحرم، ولا يخص لا بعمره ولا بصيام ولا بصلاة ولا بقراءة قرآن بل هو كغيره من الأشهر الحرم، وكل الأحاديث الواردة في فضل الصلاة فيه أو الصوم فيه فإنها ضعيفة، لا يبنى عليها حكم شرعي.
стр. 778
حكم جمع الصلاة في السفر
السؤال
هل يجوز للمرأة المسافرة إذا نزلت في البيت أن تصلي قصراً وجمعاً، أم لا بد أن تصلي كل صلاة في وقتها؟
الجواب
هذا السؤال سبق نظيره وقلنا: إن المسافر يقصر الصلاة ما دام في سفره حتى يرجع إلى بلده، فإذا سافرت المرأة ونزلت في بلد لمدة يومين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة أو أكثر من ذلك وهي بنية الرجوع إلى بلدها ففي هذه الحالة تقصر الصلاة لأنها مسافرة، لكن لا تجمع إلا لحاجة لأننا ذكرنا أن الجمع في السفر ليس بسنة إلا لمن جد به السير أو كان محتاجاً لذلك، وإذا كانت في البلد لا تحتاج إلى الجمع فالأفضل ألا تجمع.
стр. 779
حكم المسح على الجوارب
السؤال
فضيلة الشيخ! إذا لبس الإنسان الجوارب من غير حاجة أو للزينة، فهل له أن يمسح عليها أم لا بد أن يخلعها ويغسل رجليه؟
الجواب
ظاهر الأدلة أن الإنسان إذا لبس الجوارب فله المسح عليها، سواء قصد وقاية الرجل من البرد، أو كان في رجله حساسية قصد بذلك ألا يصيبها الغبار، أو لغير ذلك من الأغراض، فإنه لا بأس أن يمسح عليها، لكنها في مدة محددة، للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وتبتدئ المدة من أول مرة مسح بعد الحدث ولا بد أن يكون على طهارة.
стр. 780
متى يبدأ جواز القصر للمسافر ؟
السؤال
فضيلة الشيخ! رجل نوى السفر مع أهله، فركبوا السيارة ومشوا فأذن عليهم العصر وهم لم يخرجوا من عامر القرية، هل يقصرون الصلاة أم ماذا يصنعون؟ وإذا وصلوا إلى البلد هل يجمعون الصلاة كالظهر والعصر والمغرب والعشاء مدة إقامتهم؟
الجواب
أما الشق الأول من السؤال: وهو ما إذا دخل الوقت وأنت في البلد ثم سافرت، فإنك تصلي الصلاة قصراً وإن كان أذن وأنت في البلد -أعني في بلدك- لأن العبرة بفعل الصلاة لا بدخول وقتها، وبالعكس لو أنه دخل عليك الوقت وأنت في السفر ثم وصلت بلدك فإنك تصلي تصلي أربعاً كاملة، فالعبرة إذاً بفعل الصلاة.
أما الجمع فإنا نكرره ونقول: الجمع الأفضل للمسافر ألا يجمع إلا إذا جد به السير أو احتاج إلى ذلك.
стр. 781
أمور تعين على أداء صلاة الفجر
السؤال
فضيلة الشيخ! تفوتني صلاة الفجر كثيراً، ولا أصلي إلا بعد طلوع الشمس إذا أردت أن أذهب إلى دوامي، وهذا الأمر قد يتكرر مراراً، فهل علي شيء، وماذا أصنع لكي أحافظ على الصلاة في وقتها؟
الجواب
اصنع أموراً: الأمر الأول: أن تنام مبكراً.
ولهذا (كان النبي ﷺ يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها) ، لأجل أن ينام الإنسان مبكراً حتى يستيقظ مبكراً.
ثانياً: أن يكون عندك نية عند النوم وعزم وتصميم على أنك سوف تقوم لصلاة الفجر، فحينئذٍ سوف يسهل عليك القيام.
ثالثاً: أن تستعمل منبهاً، ساعة تجعلها عند رأسك تنبهك، وإن خشيت أنها إذا صوتت غمزتها وسكتها وبقيت نائماً أبعدها عنك قليلاً، وكان بعض الناس من حرصه على الصلاة يجعل الساعة المنبهة في تنكة، ويبعدها عنه، من أجل أن يكون صوتها قوياً حتى يقوم.
افعل هذا فلا مانع.
رابعاً: إذا لم يتيسر لك هذا فاجعل الهاتف عند رأسك إن كان عندك هاتف، وقل لأحد إخوانك: إذا أذن الفجر فاتصل بي.
المهم أن الإنسان يستطيع أن يفعل الأسباب التي يتوصل بها إلى الاستيقاظ حتى يؤدي صلاة الفجر في وقتها، ومن عود نفسه الكسل فإنه لن يزال على كسل.
وأما صلاته في غير وقتها فإن كان يتعمد هذا فصلاته غير مقبولة مردودة عليه ولو صلى ألف مرة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه.
стр. 782
حكم الجمع والقصر للمريض
السؤال
صليت وأنا مريض في المستشفى الظهر والعصر جمعاً وقصراً، علماً أني قد سألت فأفتيت بالجمع والقصر، فهل علي إعادة في هذا الحين؟
الجواب
فيه التفصيل: إن كان في مستشفى بلده فعليه أن يعيد ما صلى قصراً، وإن كان في بلد آخر فعمله صحيح ولا شيء عليه.
- هو قال: سأل فأفتي.
- أفتاه جاهل، وبلاء الناس من إفتاء الجهال، من أفتاه؟ هذه فتوى باطلة؛ لأنها مخالفة لإجماع المسلمين إذ أن القصر لا يكون إلا في السفر، أما الجمع فلا بأس، فلو كان يتم ويجمع لقلنا: لا بأس، لكنه لا يتم، وهذه الفتوى غلط، والمشكل ليس في الجاهل البسيط، المشكل في الجاهل المركب، ومن هو الجاهل المركب؟ الذي لا يعلم ولا يدري أنه لا يعلم، يفتي بغير علم.
ولهذا سأضرب ثلاثة أمثلة لنعرف من الجاهل من العالم: رجل سئل: متى كانت غزوة بدر؟ فقال: في السنة الثانية.
ورجل سئل: متى كانت غزة بدر؟ قال: في السنة الرابعة.
والثالث سئل: متى كانت غزة بدر؟ قال: لا أدري.
الأول عالم لأن غزوة بدر في السنة الثانية.
والذي قال في السنة الرابعة جاهل جهله مركب.
والذي قال لا أدري: جاهل بسيط، والجاهل البسيط خير من المركب، لأن المركب يريد أن يركب رأساً، ويرى أنه عالم.
يقال: إن رجلاً -إما حكاية أو حق- كان يسمى توما الحكيم، كل من جاءه أفتاه بأي فتوىً كانت، وكان راكباً على أتان -حمار- فقال الحمار، والقائل على لسان الحمار لأن الحمار لا يتكلم:
قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أركب
لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب
أي: كنت أركب: أركبه هو لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب، والجاهل البسيط خير من الجاهل المركب.
ويقول الثاني:
ومن رام العلوم بغير شيخ يضل عن الصراط المستقيم
وتلتبس العلوم عليه حتى يكون أضل من توما الحكيم
تصدق بالبنات على رجال يريد بذاك جنات النعيم
جاءه شباب قالوا: ما عندنا زوجات، قال: باسم الله هذه زوجة صدقة، وهذه زوجة صدقة، فتصدق بدون عقد، بدون مهر بدون شيء!! لأنه يظن أن التصدق بالنساء كالتصدق بالدراهم، وهذا من جهله.
стр. 783
حكم الهدايا ممن يعمل في بنك ربوي
السؤال
فضيلة الشيخ! رجل يعمل في بنك يتعامل بالربا، فزار قرابة له وجاء معه بهدايا من طعام وملابس لأولئك القرابة، فما حكم استعمال أولئك القرابة لهذه الملابس وأكلهم لهذا الطعام هل يحل لهم أم يحرم عليهم؟
الجواب
يحل لهم أن يأكلوا؛ لأن من كسب مالاً على وجه محرم وليس المال محرماً لعينه فإنه يجوز لمن أخذه منه بطريق شرعي أن يأكل منه، وهؤلاء أخذوها بطريق شرعي وهو الهدية، لكن إذا كانوا امتنعوا من قبول هديته صار سبباً لبعده عن الربا فإنه في هذه الحالة يجب عليهم أن يردوا الهدية، وأن يبينوا له أنهم إنما ردوا الهدية لكونه يتعامل بالربا حتى يتوب، أما إذا كان لن يقلع عما هو عليه فلا حرج عليهم في قبول هديته، ونحن نعلم أن الرسول ﷺ قبل هدية اليهود، ففي خيبر قبل هدية المرأة التي أهدت له الشاة، وفي المدينة دعاه غلام يهودي إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجاب ﵊، وكذلك عامل رجلاً يهودياً اشترى طعاماً لأهله، ورهنه النبي ﷺ درعه، ومات النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند هذا اليهودي.
فعلى هذا نقول لهؤلاء الجماعة: إذا كان ردكم لهديته يفضي إلى تركه التعامل بالربا فردوها، وإذا كان لا يفضي إلى ذلك، وأن الرجل لن يهتم بردكم أو قبولكم فلا بأس بقبول هذه الهدية.
стр. 784
مدة مسح الخفين للمقيم إذا سافر والعكس
السؤال
فضيلة الشيخ! أريد منك أن توضح لي بالأمثلة في المسح على الخفين في رجل مسافر إذا مسح ثم أقام، أو مقيم مسح ثم سافر فما الحكم، لأنه يكثر فيها الإشكال؟
الجواب
أما من مسح ثم سافر فإنه يتم مسح مسافر، مثال ذلك: رجل مسح يوماً كاملاً، وقبل أن تتم مدة المسح سافر، فهنا يبقى عنده يومان يمسح فيهما، وأما من مسح وهو مسافر ثم أقام فيتم مسح مقيم، وعلى هذا إذا قدم البلد وقد مضى عليه يوم وليلة يجب عليه الخلع ويتوضأ وضوءاً كاملاً، إذاً العبرة بالنهاية.
لكن إذا مسح وهو مقيم وتمت المدة فمعلوم أنه لا بد أن يخلع ويلبس من جديد.
стр. 785
اللقاء الشهري [٣٣]
رمضان شهر صيام وقيام اختصه الله من بين سائر الشهور، وفي هذه المادة الكلام عن خصائص شهر رمضان المبارك، وأحكامه المختلفة، ثم الإجابة عن أسئلة الناس فيما يتعلق بهذا الموضوع من الفوائد والفرائد.
стр. 786
خصائص شهر رمضان المبارك
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على من أرسله إليهم أجمعين، آتاه من البينات ما على مثله يؤمن البشر، هدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح الله به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوبناً غلفاً، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا اللقاء في هذه الليلة ليلة الأحد السادس عشر من شهر شعبان عام (١٤١٦هـ) وهو اللقاء الذي لا يأتي دوره إلا في رمضان المبارك وبما أننا في استقبال شهر رمضان فإنه يحسن أن نتحدث عن ذلك الشهر الفاضل.
هذا الشهر -أعني: شهر رمضان- خصه الله بخصائص: منها: أنه أنزل فيه أشرف وأعظم كتابٍ أنزله على أي رسول من الرسل، ألا وهو القرآن، كما قال الله ﵎: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] ونعم هذه الفضيلة لهذا الشهر الفضيل.
ومنها: أنه الشهر الذي فيه ليلة القدر التي قال الله عنها: إنها مباركة، وقال: إنها خير من ألف شهر، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١-٢] أي: أن شأنها عظيم، وهذا الاستفهام للتفخيم والتعظيم كما قاله علماء اللغة ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر:٣-٤] الملائكة ملائكة الرب ينزلون إلى الأرض ومعهم الروح الأمين وهو جبريل ﵇ ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ﴾ [القدر:٤-٥] أي: أنهم ينزلون بإذن الله، لأنه لا أحد يعمل عملاً لا في السماوات ولا في الأرض إلا بإذن الله وبمشيئة الله، فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وربك هو الخلاق العليم: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] فينزلون وهي سلام إلى مطلع الفجر، إذا طلع الفجر انتهت الليلة، وقال الله تعالى في هذه الليلة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٣-٤] (يفرق) يفصل ويبين؛ لأنه يكتب فيها ما يكون في تلك السنة، (كل أمر حكيم) أي: كل شأن فيه حكمة؛ لأن كلما يرتبه الله وكلما يخلقه ويقدره فإنه حكمة، لا تظن أن شيئاً يفعله الله إلا وله حكمة، إن نزل الفقر بالعباد فلحكمة إن نزل الغنى بالعباد فلحكمة وإن أجدبت الأرض وقحطت السماء فلحكمة إن أخصبت الأرض وأمطرت السماء فلحكمة، كل شيء يفعله الله فإنه لحكمة ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] محكم متقن، كل شيء في موضعه ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان:٥-٦] ففي رمضان هذه الليلة المباركة.
- في رمضان تصفد مردة الشياطين، الأشداء منهم، أي: من الشياطين يصفدون ويغلون، ولا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه من قبل، ولهذا تجد المعاصي تقل جداً من المؤمنين، ويقبل المؤمنون على ربهم إقبالاً لا يجدون مثله في غير رمضان، لماذا؟ لأن الشياطين مردتهم تغل -توثق- لا يستطيعون الخلاص إلى ما كانوا يخلصون إليه من قبل.
- في رمضان خصائص منها ما سبق ومنها: أن صومه فرضٌ على جميع العباد، بل ركن من أركان الإسلام، لا يتم الإسلام إلا بصيام شهر رمضان.
لو صام الإنسان أحد عشر شهراً من السنة إلا رمضان هل يتم إسلامه؟ لا يتم إسلامه، لماذا؟ لأن الله عين الصيام المفروض في رمضان، وهذا من خصائص هذا الشهر.
- ومن خصائصه: أن من قام ليله إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، إيماناً بالله إيماناً بوعده وتصديقاً بخبره واحتساباً لثوابه وأجره يغفر الله ما تقدم من ذنبه، ولو قام الليل كله في غير رمضان لم ينل هذا الأجر، بل من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، القيام كل الليل، أو بعض الليل، أو ماذا؟ نقول: الأمر -والحمد لله- واسع، قام النبي ﷺ ليلة بأصحابه إلى نصف الليل، قالوا: (يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -أي: لو قمت فينا بقية الليلة؛ لأنهم نشطاء على الخير- قال النبي ﷺ : إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) الحمد لله، لو كان قيام الإمام مقدار ساعة فقط من ليلٍ طوله اثني عشرة ساعة كتب للإنسان قيام ليلة كاملة، ولهذا ينبغي لنا أن نحرص إذا قمنا مع إمام ألا نفارقه حتى ينصرف، خلافاً لبعض العامة مساكين يضيعون أوقاتهم ولياليهم بغير فائدة، يصلون مع هذا تسليمة أو تسليمتين ثم يذهبون إلى مسجدٍ آخر يصلون معه كذلك، ثم مسجد ثالث، وهذا خطأ، إذا دخلت مع إمام في صلاة العشاء اثبت حتى ينصرف من التراويح من أجل أن يكتب لك قيام ليلة وأنت نائم على فراشك، وأنت تلهو مع أهلك يكتب لك القيام، ولله الحمد.
- ومن خصائصه أيضاً: أنه مع كون صومه فرضاً وركناً من أركان الإسلام: (من صامه إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه) كالقيام تماماً، يغفر له ما تقدم من ذنبه، كلما تقدم يغفره الله، ويستره عليه، ويعفو عنه.
стр. 787
فرائض شهر رمضان المبارك
ومن فرائض رمضان: أن الإنسان إذا صام هل يصوم عن الأكل والشرب والنكاح فقط؟ لا، هذا عذاب، والله لا يعذب أحداً، ولا يريد أن يعذبنا، لكن إذا أمسكنا عن هذه الشهوات -الأكل والشرب والجماع- ابتغاء فضل الله فإنه يكون سبباً لتقوى الله؛ لأن من اتقى الله تعالى بترك محبوباته كان تقواه فيما دون ذلك أولى، ولهذا قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] هذه الحكمة، ليست حكمة الله من الصيام أن يحرمنا الأكل والشرب والنكاح، بل الحكمة أن نتقي الله، ولهذا قال رسول الله ﷺ مؤكداً ذلك: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) الله غني عنك، عن أكلك وشربك وعبادتك وعن كل شيء لا يحتاج الله إليك، لكن من أجل التقوى فرض الله علينا الصيام.
فرض الله علينا الصيام بأن نتقيه، بأن نفعل ما أمر به ونترك ما نهى عنه خوفاً منه .
стр. 788
شروط من يجب عليهم صوم رمضان
بما أننا في استقبال رمضان أحب أن أتكلم كلاماً يسيراً في بيان من يجب عليه أداء الصوم: الصوم يجب أداءً على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم خالٍ من الموانع، إذا تمت هذه الشروط الستة وجب أداء الصوم في رمضان: الشرط الأول: مسلم.
أي: لا كافر، الكافر لا نقول له: صم، ماذا نقول له؟ نقول: أسلم أولاً ثم صم، فالكافر لا يؤمر بالصوم، لكن هل يعاقب عليه في الآخرة؟
الجواب
نعم يعاقب عليه في الآخرة، لكن إذا أسلم في منتصف رمضان هل يجب عليه قضاء النصف الماضي؟ لا؛ لأنه كان كافراًَ، لكن يجب عليه أن يصوم ما بقي؛ لأنه الآن مسلم إذا تمت الشروط.
الشرط الثاني: بالغ.
ضده من ليس ببالغ وهو الصغير، فالصغير لا يجب عليه الصوم؛ لأن القلم مرفوع عنه، لكن كان الصحابة ﵃ يصومون أولادهم الصغار، حتى إن الطفل ليبكي ويعطونه لعبة يتلهى بها إلى الغروب، ولهذا قال العلماء ﵏: يجب على ولي كل صبي أن يأمره بالصوم إذا أطاقه ليألفه، ويتمرن عليه، ويسهل عليه بعد البلوغ، لكن لو فرض أننا صومنا الصبي وفي أثناء النهار أفطر، قلنا: أكمل الصوم، قال: لا، أنا سوف آكل وأشرب، هل نلزمه بالإمساك أم لا؟ لا نلزمه بالإمساك؛ لأنه لا يجب عليه الصوم.
الشرط الثالث: عاقل.
وضد العاقل المجنون الذي لا عقل له كالذي سُلِبَ العقل -والعياذ بالله- وصار مشدوهاً، أو من بلغ من الكبر عتياً حتى صار لا يميز، هذا أيضاً ليس عليه صوم، المجنون ليس عليه صوم، والذي لا يميز لكبره ليس عليه صوم، والذي لا يميز لكبره لا يطعم عنه؛ لأنه لا يجب عليه الصوم، فلا صوم ولا إطعام.
الشرط الرابع: أن يكون قادراً، وضد القادر العاجز، والعاجز نوعان: عاجزٌ لا يرجى أن يزول عجزه، وعاجزٌ يرجى أن يزول عجزه، العاجز الذي لا يرجى عجزه لا صوم عليه، ولكن يطعم عن كل يومٍ مسكيناً، مثل: الكبير الذي يعجز عن الصوم لكبره لا يرجى زوال عجزه، لماذا؟ لأن الكبير لا يمكن أن يعود شاباً فيقدر على الصوم وهو الآن لا يستطيع، هذا نقول: أطعم عن كل يومٍ مسكيناً وتبرأ ذمته، وأيضاً مثل أصحاب المرض الذي لا يرجى زوال مرضهم، مثل: السرطان نسأل الله العافية، وأصحاب الكلى الذين عندهم مرض في كلاهم، وأصحاب السكر الذين لا يستطيعون أن يصبروا عن الماء ومن أشبههم، هؤلاء أيضاً عجزهم لا يُرجى زواله، نقول: أطعموا عن كل يوم مسكيناً، وتكونون كالذين صاموا.
أما العجز الذي يُرجى زواله فهو النوع الثاني فهذا نقول له: انتظر حتى يزول عجزك ثم اقض ما فاتك، كالمريض مرضاً عادياً، نقول: انتظر حتى يشفيك الله ثم اقض؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] .
الشرط الخامس: أن يكون مقيماً، وضده المسافر، فالمسافر لا يجب عليه الصوم، أي: لا يجب عليه أداءً لكن يبقى في ذمته، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، ولكن هنا نسأل: الأفضل للمريض أن يصوم أو يفطر؟ نقول: إن كان يشق عليه الصوم فالصوم في حقه مكروه، وإن كان يضره الصوم مثل أن يقول الطبيب: لا بد أن تتناول هذه الحبوب كل أربع ساعات وإلا انتقض مرضك.
فهنا يحرم عليه الصوم ويجب أن يفطر، وإن كان لا يشق عليه الصوم ولا يضره وجب عليه؛ لأنه إنما رخص للمريض من أجل التيسير عليه، وإذا كان كله واحد سواءً صام أو أفطر قلنا: يجب عليك أن تصوم.
المسافر لو سألنا: هل الأفضل الإفطار أو الصوم؟ نقول: فيه التفصيل: أما إذا كان يشق عليك الصوم مشقة شديدة فالصوم في حقك حرام، وأما إن كان يشق عليك مشقة يسيرة فالصوم في حقك مكروه، وأما إن كان لا يشق عليك فهنا اختلف العلماء؛ قال بعضهم: الصوم أفضل، وقال بعضهم: الفطر أفضل، ونحن نقول: الصوم أفضل ما دام الكل سواء عندك سواءً أفطرت أم صمت، فالصوم أفضل لماذا؟ أولاً: لأن الإنسان إذا صام مع الناس صار أسهل؛ يتسحر مع الناس ويفطر مع الناس، فيجد كل من عن يمينه وشماله كلهم صوَّام، فيكون أسهل عليه بلا شك.
ثانياً: أنه إذا عيَّد عيَّد مع الناس، لأنه الآن أتم صومه، لكن إذا عيَّد ثم ذكر أن عليه صياماً يكون العيد في فطره ناقصاً لا يفرح به ذاك الفرح.
ثالثاً: أنه إذا صام فإنه أسهل عليه من جهة أنه لو قضى، أو قلنا: اقض، يكون صعباً عليه القضاء، حتى إن بعضهم يماطل: هذا الأسبوع الأسبوع الثاني الثالث، وإذا برمضان الثاني قد جاء، فالقضاء صعب على الإنسان.
رابعاً: أنه لا يدري فلعله يموت ويكون الصوم ديناً عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) وسألته امرأة قالت: (إن أمي نذرت أن تصوم فلم تصم حتى ماتت، قال: أرأيت لو كان على أمك دينٌ أكنت قاضيته؟) .
خامساً وهو ختام المسك: أنه أكمل اتباعاً لرسول الله ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ كان يصوم في السفر ولم يفطر إلا من أجل أصحابه، ودليل ذلك: قال أبو الدرداء: كنا مع النبي ﷺ في سفر في يوم شديد الحر وأكثرنا ظلاً صاحب الكساء.
تصور الحالة الآن، أكثرهم ظلاً صاحب الكساء لا يوجد خيام، ومنا من يتقي الشمس بيده -ما عنده شيء، يتقيه بيده من شدة الحر- قال: وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة.
إذاً الأسوة التامة بالرسول ﷺ هو أن يصوم الإنسان مع الفوائد الأربع التي ذكرناها قبل، ولكن -الحمد لله- الأمر ميسر لو قال: أنا أفطر وأقضي، قلنا: لا بأس، هذا كلام الله .
الشرط السادس: الخلو من الموانع، ونعني بذلك: الحيض والنفاس؛ لأن المرأة إذا كانت حائضاً يحرم عليها الصوم بإجماع المسلمين، وبالنص عن سيد المرسلين، قال النبي ﷺ حين قال: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن) الله أكبر! وصفهن بأنهن ناقصات عقل ودين، وقال: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل) اللب: العقل الكميل؛ لأن اللب داخل القشور محصن بها، فاللب: العقل (أذهب للب الرجل) من الرجل؟ الحازم وليس الرخو (أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن) فكيف بالرجل الرخو، ضعيف النفس، ضعيف الدين، هل يذهب عقله وراء النساء، أم لا يذهب؟ يذهب عقله وماله (أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن) انظر كلام الرسول ﵊! فتباً لقوم يريدون الآن أن يظهروا النساء المحجبات إلى الشوارع سافرات، قاتلهم الله وأفسد عليهم أمرهم، إن النبي ﷺ أعلم الخلق بمصالح الأمة، ولا يمكن أن يقول مثل هذا الكلام إلا تحذيراً للأمة أن يقعوا في شَرَكَ الشر: (أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، قالوا: يا رسول الله، كيف ينقص دينها؟ -لأن المرأة لا تحب أن ينقص دينها- قال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلنا: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها) المسلمون يصومون وهنَّ مفطرات، المسلمون يصلون وهن لا يصلين، (قالوا: ونقص العقل؟ قال: أليس شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد؟ قلنا: بلى.
قال: ذلك من نقصان عقلها) الرجل أضبط للشهادة تحملاً وأداءً، لا عند التحمل والمشاهدة، ولا عند الأداء عند القاضي، الرجل أحفظ للشهادة من المرأة، المرأة يأتي يشهد واحد من الرجال وآخر معه تقبل الشهادة.
فلو قال زيد: أنا أطلب عمراً ألف ريال، فقال له القاضي: هات الشهود، قال: عندي شهود فلان وفلان، هل يثبت الحق على عمرو أم لا؟ يثبت، قال آخر: عندي رجل وامرأة يثبت أو لا يثبت؟ لا يثبت؛ لأن شهادة المرأتين عن شهادة رجل واحد.
المهم أن المرأة إذا حاضت أو نفست فإنها لا تصوم بالإجماع، ولكن: هل هي حين صبرت على قضاء الله وشرع الله هل هي مأجورة؟ نعم مأجورة، لكنها ليست كأجر الفاعل، بدليل: رجل غني يتصدق ويعتق ويحج، وآخر فقير لا يقدر على الحج ولا على الصدقة ولا على العتق، أيهما أعظم أجراً؟ الأول، ولهذا شكا الصحابة ﵃ للرسول ﷺ ، قالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور -راحوا بها- يتصدقون ويعتقون فكيف بنا؟ -فعلمهم النبي ﵊ أن يسبحوا الله ويحمدوا الله ويكبروا الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين- وقال: إنكم تدركون من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضل منكم) لكن ما قال الرسول ﵊: إنكم مثلهم في الأجر، فالفاعل ليس كغير الفاعل، وإن كان من لم يفعل غير قادرٍ شرعاً أو غير قادرٍ حساً.
أقول: هل المرأة تثاب على صبرها على حبسها عن الصلاة والصيام في أيام الحيض؟ الجواب: نعم.
ولهذا لا ينبغي للمرأة أن تتكلف في رمضان وتستعمل الحبوب المانعة من الحيض حتى لا تفطر وحتى لا تترك القيام.
نقول: لا، احمدي الله، أبقي الأمر على طبيعته، فهذا أسلم للبدن وأسلم من العواقب، وهو شيء كتبه الله على بنات آدم.
أم المؤمنين عائشة ﵂ أفضل زوجات هذه الأمة، لو سئلنا: من أفضل زوجات هذه الأمة؟ قلنا: عائشة وخديجة ﵄.
كانت مع النبي ﵊ في حجة الوداع معتمرة متمتعة بالحج إلى العمرة كسائر نساء النبي ﵊، ففي أثناء الطريق أتاها الحيض، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي؛ لأنها تعرف أن الحائض لا يمكن أن تطوف ولا تسعى، قال: (ما يبكيك؟ فأخبرته أنها حاضت، قال لها: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) تسلية وعزاء: (شيء كتبه الله على بنات آدم) أي: ليس خاصاً بك، ومعلوم أن الإنسان يتسلى إذا رأى غيره مثله، ويتأسى به، ثم أرشدها ماذا تفعل.
الشاهد: أننا نقول للمرأة: إذا أتاها الحيض في رمضان لا تأسفي ولا تحزني ولا تبكي هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فدعي البدن على طبيعته أسلم وأقل خطراً من الأمراض، ثم إذا
стр. 789
حكم صيام من يلحقه الضرر بالصوم
قد يقول قائل: ما تقول في رجل يلحقه الضرر في الصوم؟
الجواب
لا يجوز عليه الصوم ولا يلزمه القضاء.
لا يجوز له الصوم لماذا؟ لأنه يتضرر، واعلموا أن من قواعد الشريعة: أنه لا يجوز للإنسان أن يتناول شيئاً مضراً في بدنه؛ لأن الشريعة جاءت لحماية الأبدان فلا يجوز للإنسان أن يتناول شيئاً يضر ببدنه إطلاقاً، حتى لو رضي وقال: أنا راضٍ بالضرر، قلنا: الأمر ليس إليك، أنت مربوب وربك الله هو الذي قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] والنهي عن قتل النفس ليس معناه: أن رجلاً يأخذ سكيناً ويذبح نفسه، لا.
هو لا شك يتناول هذا، لكن أيضاً يتناول كل ضرر يصيب الإنسان فإن الإنسان منهي عنه، والدليل على هذا: أن عمرو بن العاص ﵁ كان في سرية طائفة تقاتل لكنها ليست جيشاً- فأجنب ذات ليلة -أصابته جنابة، والإنسان إذا أجنب يجب عليه أن يغتسل، لكن الماء بارد، خاف على نفسه إذا اغتسل- فتيمم وصلى بأصحابه، فلما قدموا على النبي ﷺ قال له: (أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: يا رسول الله! ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] فتيممت، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه أو أنيابه) إقراراً، ولهذا جاء في الحديث عن الرسول ﵊ أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار) فإذا كان المريض يضره الصوم فإنه لا يجوز له أن يصوم، حتى لو قال: أنا ضاغط على نفسي وسوف أصوم، وقال: لست جالساً من بين عباد الله نقول: اجلس، الذي أوجب عليك أن تصوم في حال الصحة أوجب عليك أن تفطر في حال الضرر.
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً للصواب، وأن يجعلنا ممن يصوم رمضان ويقومه إيماناً واحتساباً إنه على كل شيء قدير.
стр. 790
الأسئلة
стр. 791
نصيحة لمن يفرط في شهر رمضان
السؤال
فضيلة الشيخ نقاط مهمة أحب أن يكون لكم فيها لنا نصيحة وتوجيه: رمضان في هذا العام الليل طويل والنهار قصير بارد، ومن المتوقع أن يضيع الليل على الكثير شيباً وشباباً، أما الكبار من الرجال والنساء فإن المسلسلات والأفلام لهم بالمرصاد، إذا طال الليل طالت، ونوعت على حُبٍّ وغرام، وأما الشباب فالبراري والأحواش والدشوش ولعب البلوت والورق، أرجو من فضيلتكم بسط الجواب عسى الله أن ينفع بكم عباده؟
الجواب
واقع هذا السؤال مؤلم، أن يفني الإنسان عمره في مثل هذه الأمور، سواء في رمضان أو في غير رمضان.
إنني أقول: لو أن إنساناً فقد درهماً واحداً من ماله لصار يبكي عليه ويطلبه.
ولو أنه ضاع عليه في الحساب خطأً درهم واحد لذهب يكرر الحساب مرة بعد أخرى حتى يعرف أين كان هذا الدرهم، لا شك أن هذا هو الواقع عند كثير من الناس أو أكثرهم، وهؤلاء مساكين يضيعون ساعات العمر واللحظة منها أفضل من الدنيا كلها، اللحظة منها إذا لم يصرفها الإنسان في طاعة الله فهي خسارة لا تعوض، المال يمكن أن يعوض بأن يتجر الإنسان ويربح، أو يموت له قريب غني ويرث، لكن العمر لا يعوض أبداً، إذا فات منه لحظة أبعدتك من الدنيا وأقربتك من الآخرة، ويدلك على أن العمر أغلى من المال كله: أن الله قال في كتابه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩-١٠٠] هذا المال الذي أفنى عمره به يطلب من الله أن يرجع ليعمل بهذا المال صالحاً، ولكن أنَّى ذلك، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ [المؤمنون:١٠٠] أي: لن ترجع، ثم أكد أنها كلمة حق: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠] الله أكبر! يقولها الإنسان وإن لم يسمع، يمكن أن من عنده لا يسمعونه لكنه قائلها، ولهذا جاءت الجملة اسمية، لم يقل: إنها كلمة يقولها، قال: ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠] بالتأكيد، ولكن لا تنفع ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ إلى متى؟ ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] ولا يمكن أن يعودوا إلى الدنيا، هؤلاء الذين يمضون أوقاتهم في هذه المقولات -في السؤال- هم أعظم الناس خسارة وأفدحهم -والعياذ بالله- هذا في غير رمضان فما بالك في رمضان! الذي ساعته غرر، وأوقاته درر، والإنسان لا يدري هل يدركه بعد عامه أو لا يدركه، كم من إنسان استقبله فلم يدركه، وكم من إنسان أدرك أوله ولم يدرك آخره؟ وكم من إنسان أدركه كله ولم يستفد منه شيئاً؛ لأنه أمضاه في المعصية؟ الله أكبر! السلف الصالح يقال عنهم: إنهم يسألون الله ستة أشهرٍ أن يبلغهم رمضان، فإذا أتى سألوا الله ستة أشهر أن يقبل منهم رمضان، وهؤلاء يفرطون في هذا الشهر هذا التفريط -والعياذ بالله- الشيوخ والعجائز يمضون الليالي في المسلسلات واللغو من القول، بل والمنكر من القول أحياناً، ولست أقول هذا معمماً لكل الشيوخ والعجائز بل في الشيوخ والعجائز -ولله الحمد- من يبيتون لربهم سجداً وقياماً في رمضان وفي غيره، لكن الناس ابتلوا الآن بفتنة دخلت عليهم في البيوت، ولم يستطع أن يتخلص منها إلا من شاء الله هدايته.
فنصيحتي لإخواني: أن يتقوا الله تعالى في هذا الشهر، وأن يقبلوا على العبادة، وإني ليغلب على ظني أن قوماً انقطعوا إلى الله شهراً كاملاً في عبادته صياماً في النهار، وقياماً في الليل، وصدقات، وقرآن، وذكر لله ، أعتقد أنهم سيجدون تربية، وأن هذا سيؤثر على قلوبهم حتى يستقيموا على أمر الله.
الله الله يا إخوان، أوصي نفسي قبلكم وأوصيكم أيضاً: بأن ننتهز هذه الفرصة العظيمة.
стр. 792
حكم الجمع بين صلاتي الظهر والعصر للمطر
السؤال
فضيلة الشيخ نحن في هذه الأيام نعيش فصل الشتاء وهو موسم الأمطار، ولقد حدث في مسجد حينا أن أم الناس في صلاة الظهر أحد الإخوة، وهو يصلي بالناس كان المطر يتساقط وبعد أن انصرف من صلاته شاور الجماعة ما تقولون: أنجمع صلاة العصر مع الظهر، وبعد أن كرر ذلك ثلاث مرات أجابه أحدهم: بأن يتوكل على الله ويجمع، سؤالي: ما رأي فضيلتكم في جمع صلاة العصر مع الظهر جمعاً، وما تقولون في مثل هذه الاستشارة؟
الجواب
أولاً أقول: إن الله تعالى فرض الصلاة على العباد فرضاً مؤقتاً محدداً، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] لكن هذه الآية دلت عليه إجمالاً لا تفصيلاً، لكن فصلها رسوله ﵊، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ [النساء:١٧٠] جاءنا بالحق ﵊ وجزاه الله عنا خيراً، قال ﵊: (وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر، ووقت العصر إلى أن تصفر الشمس، ووقت المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) وقتها الرسول بينها حددها حداً واضحاً يتميز به كل وقت صلاة عن الآخر.
فإذا قدم الإنسان صلاة قبل وقتها، ولنقل: إنه كبر للظهر وصلى ركعة قبل أن تزول الشمس هل تصح صلاته؟ لا تصح، لماذا؟ لأنه ما دخل الوقت فصلاها قبل أمر الله ورسوله بها، وقد ثبت عن النبي صلى عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود غير مقبول، الله يقول: صل لي بعد زوال الشمس، وأنت تصلي قبل زوال الشمس!! العصر متى يأتي وقتها؟ إذا صار ظل الرجل كطوله دخل وقتها، هذا رجل صلاها مع الظهر هل تقبل؟ لا تقبل، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) لا تقبل بأي حال من الأحوال إلا بعذر شرعي قام عليه الدليل.
ومن العذر الشرعي: إذا كان الإنسان مريضاً، ويشق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها نقول: اجمع الظهر مع العصر جمع تقديم أو تأخير حسب المتيسر لك، واجمع المغرب مع العشاء.
المطر: اختلف العلماء ﵏: هل يجوز الجمع للمطر أو لا يجوز؟ فمنهم من قال: لا يجوز أبداً، لا في صلاة الظهرين ولا في صلاة العشائين.
ومنهم من قال: يجوز الجمع بين صلاة المغرب والعشاء دون الظهر والعصر.
وهذا هو مذهب الحنابلة الذي عليه عامة علماء هذه البلاد، يقولون: الجمع بين الظهر والعصر حرام، ولا تقبل صلاة العصر، وإنما الجمع بين المغرب والعشاء فقط؛ لأنه الذي يحصل به المشقة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة الذي عليه عامة علماء أهل هذه البلاد.
وقال بعض العلماء: يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إذا وجد السبب الشرعي.
وهذا القول أصح وأرجح؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: (جمع النبي ﷺ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر) هذا كلام ابن عباس، وابن عباس من فقهاء الأمة وحفاظها.
فالصحيح: أنه يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء إذا وجد السبب الشرعي.
ابن عباس عندما حدث بهذا الحديث لم يتركه الناس، لأننا لو أخذنا بهذا الحديث على إطلاقه لفاتت الفائدة من تحديد وقت الصلاة، فلو قلنا: اجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء لعذر أو لغير عذر، صار تحديد الرسول ﵊ لوقت الصلاة لا عبرة به، ولهذا ناقشه الناس، قالوا: يا ابن عباس! ما أراد إلى ذلك؟ لماذا يفعل هذا؟ قال: (أراد ألا يحرج أمته) والمعنى: ألا يلحق الأمة حرجٌ إذا لم يجمعوا.
فنقول لمن جمع بين الظهر والعصر: هل أنت حين جمعت ترى أن الناس يلحقهم حرج ومشقة لو حضروا لصلاة العصر، أم لا؟ الغالب أنه لا يلحقهم، هذا هو الغالب، وقد قال العلماء ﵏: لا يجوز الجمع للمطر، إلا لمطر يبل الثياب وبللها معناه: أنه لو عصرت الثياب لخرج منها المطر، ليس مجرد النقطة والنقطتين، إلا لمطر يبل الثياب، وتوجد معه مشقة احترازاً مما لو جاء المطر في أيام الصيف، أيام الصيف يفرح الواحد إذا جاء ثوبه ماء يبرده، ما في مشقة، لكنهم قالوا: لا بد من مطر يبل الثياب، وتوجد معه مشقة.
وليسأل هذا الإمام الذي شاور الناس وسكتوا ثم في المرة الثالثة أجابه شخص يمكن لا يعرف الحكم، وقال: توكل على الله اجمع.
نقول له: هل بربك تعتقد أن المطر يبل الثياب ويشق على الناس أن يأتوا إلى العصر؟ لا بد أن يتحقق الإنسان هذا، وأما التلاعب بدين الله، وبعض الناس أدنى نقطة يقول: (من غير خوف ولا مطر) هكذا قال ابن عباس، هكذا في صحيح مسلم، طيب، لا تكن كالذي قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] وسكت لم يقل بعدها: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] ابن عباس ﵁ لما حدث بهذا الحديث ناقشه الصحابة قالوا: لماذا؟ قال: (أراد ألا يحرج أمته) أنت إذا فعلت مثلما يدل عليه حديث ابن عباس فعلى العين والرأس، أما مجرد نقطة مطر أو بلل في الأرض والسماء واقفة فهذا لا يجوز، يب هذا تلاعب بدين الله، أن يقدم الصلاة عن وقتها بدون عذر شرعي مثل من فعل أكبر كبيرة، مع أننا لو شاهدنا أحداً يزني أو يشرب الخمر أنكرنا عليه، الصلاة قبل وقتها بدون عذر شرعي أكبر من هذه لماذا؟ لأن إضاعة الصلاة ركن من أركان الإسلام، ليست هينة، المسألة ليست لعباً، وفقه الشرع ليس إلى المبتدئين في العلم، بل إلى العلماء الذين رسخوا في العلم، وعلموا موارد الشريعة ومقاصدها، ليس إذا عرف الإنسان حديثاً واحداً يقول: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا، ليس بصحيح هذا، اتق الله -يا أخي- بنفسك، واعلم أنك مسئول يوم القيامة، يسألك الله : لماذا تعديت حدودي؟ لماذا أذنت للناس بصلاة قبل دخول وقتها بدون عذر؟ لا بد للإنسان أن يتقي الله في عباد الله وفي نفسه أولاً.
ولقد حدثت أن قوماً صلوا الجمعة -لكن في غير عنيزة - وصلوا معها العصر، انظر الجهل المركب، جهل مركب إلى أبعد الحدود، من قال: إن الرسول ﷺ جمع بين العصر والجمعة؟ ائتوا لنا بحديث صحيح أو ضعيف أنه جمع بين العصر والجمعة، وقياس الجمعة على الظهر خطأ؛ لأن بينهما من الفروق ما يمتنع معه القياس، الفروق بين الجمعة والظهر أكثر من عشرين فرقاً، الجمعة صلاة مستقلة بوقتها وشروطها وأحوالها ومكانها، كل البلاد يمكن أن تصلي الظهر في كل مسجد، بل يمكن أن يصلي أهل المكاتب في مكاتبهم على قول بعض العلماء، لكن الجمعة يجب أن تكون في مكان واحد في البلد إلا للضرورة كتباعد الأحياء، أو ضيق المكان، أو ما أشبه ذلك، فكيف يقاس هذا على هذا؟! أليست الشريعة حدوداً حدها الله؟! هل أنزل في كتابه، أو على لسان رسوله، أو بفعل الرسول ﵊ أنه جمع بين العصر والجمعة؟! أنا أتحدى أي واحد، أي إنسان يقف على حديث صحيح أو ضعيف أن الرسول ﷺ جمع بين العصر والجمعة فليتفضل بإرشادنا إليه، وإلا فليتق الله في أمة محمد، لا يتلاعب، ولهذا قيل لي: إنه صدرت فتوى من لجنة الإفتاء في الرياض بأن على هؤلاء القوم أن يعيدوا صلاة العصر؛ لأنهم تعدوا حدود الله، قدموا العصر قبل دخول وقته، وكذلك يقال أيضاً في العصر مع الظهر: إذا لم يكن هناك سبب شرعي يبيح الجمع.
стр. 793
كيفية أداء أذكار صلاتي المغرب والعشاء ورواتبهما عند الجمع بينهما
السؤال
فضيلة الشيخ إذا حصل ضررٌ في الجمع فجمعت الصلاة، فهل إذا جمعت تصلى راتبة المغرب والعشاء وتقال أذكار المغرب والعشاء كذلك، أم يكتفى ببعضها دون بعض؟
الجواب
أما الراتبتان فتصليان، راتبة المغرب أولاً ثم راتبة العشاء ثانيا، وأما الأذكار فالظاهر أنه يكتفى بذكر واحد، لكن أيهما أكثر: ذكر المغرب أو ذكر العشاء؟ ذكر المغرب، فإذا اقتصر عليه الإنسان فأرجو أن يكون كافياً.
стр. 794
تقديم قضاء الدَّين على النافلة
السؤال
فضيلة الشيخ أنا مدينٌ لعدة أشخاص هل أذهب إلى مكة للصيام فيها مع أولادي مع أن أجرة السكن سوف أتقاسمها أنا وأولادي؟
الجواب
إنني أسأل سؤالاً: هل الصدقة أفضل أو الزكاة الواجبة؟ الزكاة الواجبة.
هل التطوع أفضل أو الواجب؟ الواجب.
هل العقل أن أبدأ بالواجب قبل التطوع أو بالعكس؟ يقتضي أن أبدأ بالواجب قبل التطوع، فلا يجوز للإنسان أن يذهب إلى مكة للتطوع بالعمرة وعليه دين، الدين يجب عليه الوفاء به، والتطوع في العمرة هل يجب عليه؟ لا يجب، حتى الفريضة تسقط مع وجود الدين.
يا إخواني: الدين ليس عاطفة، الفرض الذي فرضه الله على العباد وهو حج البيت والعمرة إذا كان الإنسان مديناً سقط عنه، ولقي ربه بغير ذنب، إنسان مدين ولم يحج لم يؤدِ الفريضة، نقول: كلمة: (لم يؤد الفريضة) غلط، لماذا غلط؟ لأن ما عليه فريضة، حتى الآن ما عليه فريضة، لكن لا يكون الحج فريضة إلا لمن سلم من الدين.
ولذلك نقول لهذا الأخ: هون على نفسك، أمسك عليك مالك، ابق في بلدك، وفِّر الدرهم لقضاء دينك، ولا تكن كالذي عمر قصراً وهدم مصراً.
فنرى لهذا الأخ: أنه يجب عليه البقاء في بلده، نعم لو فرض أن أحداً من الناس تبرع له بكل النفقات، وقال: لا تعطني ولا درهماً واحداً.
فهنا نقول: إذا كان سفره إلى العمرة لا يعطل شغلاً يحصل به على المال فليذهب؛ لأنه في هذه الحالة هل يضر غريمه أو لا يضره؟ لا.
قال له شخص: أنا أعلم أن عليك عشرة آلاف ريال، وأعلم أن الدين يجب تقديمه على التطوع، لكن تفضل معي أنت وأهلك مجاناً من حين تركب حتى ترجع، هل له أن يذهب معه؟ هنا نقول: إذا كان صاحب عمل، وكان غيابه عن عمله ينقص من تحصيله فلا يذهب، أما إذا لم يكن صاحب عمل، وأن ذهابه معه لا ينقصه شيئاً، فلا بأس أن يذهب معه.
السائل: هل يفرق إذا كان الدين حالاً أو غير حال؟ الشيخ: نعم.
لا يفرق بين كون الدين حالاً ولا مؤجلاً، إلا إذا كان مؤجلاً وهو يعرف من نفسه أنه إذا حلَّ الأجل فهو قادر على الوفاء فلا بأس، كرجلٍ موظف عليه دين يحل بعد شهرين مثلاً، ويعرف أنه إذا حل الدين فهو قادر على الوفاء، فحينئذٍ نقول: اذهب، لأن بقاءه في بلده لا يغني الغريم شيئاً.
стр. 795
مسئولية رعاية الأب لأبنائه مقدمة على النوافل
السؤال
فضيلة الشيخ ما رأيك بمن يذهب بعائلته إلى مكة لأداء العمرة، ويترك أبناءه يمضون في الشوارع وهو لا يصلي، بل حتى نساءه يتسكعن في الأسواق بين الرجال وهو يصلي في الحرم، لكن ليس له دخل بهم، هل هو مأجور أم آثم؟
الجواب
أقول عن عقيدة مبنية على أصل: إنه آثم وليس بمأجور؛ لأنه أهمل أمراً حمله الله إياه لأمرٍ ليس بواجب، ما الذي حمله الله؟ رعاية أهله، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] وقال النبي ﷺ : (الرجل راعٍ في أهل بيته ومسئول عن رعيته) أين تحذير الله أن نقي أنفسنا وأهلينا ناراً؟ وأين الرعاية التي حملنا إياها رسوله ﷺ والإنسان يجلس في المسجد الحرام مع ما فيه من الشدة والضيق ومشاهدة النساء وغير ذلك، وأولاده الذكور والإناث يتسكعون في الأسواق، أين الرعاية؟ أين الأمانة؟ فأقول: إنه آثم، فإذا قال: إذا أثمتموني بذهابي وأهلي معي أبقي أهلي في البلد وأذهب أنا، قلنا: لا بأس، هل إذا أبقيت أهلك في البلد هل لهم راعٍ يرعاهم؟ إن قال: نعم.
قلنا: لا بأس اذهب؛ لأنه لا يترتب على ذهابه شيء، ولا نقص رعاية، ولا إخلال بأمانة، أما إذا قال: إذا ذهبت لم يبق أحد يرعاهم، وسفروا في البلد، وحصل إهمال، فنقول: لا تذهب ولا للعمرة، اللهم إلا أن تذهب في أول النهار بالطائرة وترجع في آخر النهار بالطائرة، حتى لا يضيع الوقت عليك بالنسبة لرعاية أهلك.
وإني أقول وأكرر أمانة أبلغها لمن شاء الله: إن الدين ليس بالعاطفة، الدين حدود وتشريعات من الله ، انظر عملك قبل أن تفعل ما تهوى نفسك، هل عملك مطابق للشريعة أم لا؟ إن كان مطابقاً للشريعة فذلك من فضل الله، فافعل ما تقتضيه الشريعة، لو كان الدين بالعاطفة لكان جميع أهل البدع على حق؛ لأن هذا هو الذي تمليه عليهم عاطفتهم، الصوفية يقولون: هذا أعلى رتب الإيمان، والمعطلة لأسماء الله وصفاته يقولون: هذا أعلى رتب التنزيه، والممثلة يقولون: هذا أعلى رتب الامتثال، وهلم جراً، لكن الدين شرع محدد من قبل الله ورسوله، فإذا كان كذلك فليس كلما يروق لي ويدخل مخي ويتحلاه ذوقي يكون شرعاً، ليس بصحيح، المشركون حينما يشركون هل هذا ذوق لهم أو اتباع؟ ذوق.
هم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ولَكُنَّا نقول: هذا حق أيضاً، فكون الإنسان يعمل بهواه وبما يتذوقه ويقول: هذا هو الشرع ويعرض عما أوجب الله عليه فهذا خطأ عظيم، يقول الله : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٧١] .
стр. 796
حكم تكفير صوم رمضان للكبائر وحقوق الآدميين
السؤال
فضيلة الشيخ: ذكرت في أول اللقاء أن النبي ﷺ أخبر أن: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) فهل يشمل هذا الكبائر والصغائر وحقوق الآدميين، أرجو التفصيل وفقك الله؟
الجواب
الحديث هكذا جاء عاماً: (غفر له ما تقدم من ذنبه) و (ما) اسم موصول من صيغ العموم، تقتضي أن جميع الذنوب مغفورة، ولكن هذا العموم مخصص بأدلة أخرى، وهي أنه لا بد من اجتناب الكبائر، والدليل: قال النبي ﷺ : (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان -صيامه وقيامه- مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) وعلى هذا فيكون هذا العموم مخصوصاً بالسنة بقول الرسول ﵊: (رمضان إلى رمضان مكفر لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) فلا تطمع -يا أخي- فيما ليس لك، ولا تيئس مما هو لك، أنت صم رمضان إيماناً واحتساباً وقم رمضان إيماناً واحتساباً وأبشر بالخير.
стр. 797
حكم صوم المصاب بمرض السكر
السؤال
إذا كان الإنسان مريضاً بالسكر وهو يعتمد على الحبوب دون الإبر وصحته لا بأس بها، فأيهما أفضل في حقه: أن يصوم أم أن يفطر؟ جزاك الله خيراً.
الجواب
هذا حسب القاعدة التي ذكرناها وهي: هل الصوم يشق عليه؟ هل الصوم يضره؟ إن كان الصوم يشق عليه فالصوم في حقه مكروه، وإن كان يضره فالصوم في حقه حرام، فإذا قال الأطباء: إنك إذا تركت أكل الحبوب في الساعات المقررة فإن السكر ربما يؤدي إلى هلاكك، فإن الواجب عليه أن يفطر، والحمد لله: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) بل إن الفطر في حال الضرر بالصوم عزيمة وليس رخصة.
стр. 798
حكم الاهتمام بالنافلة دون الفريضة
السؤال
فضيلة الشيخ يهتم كثير من الأئمة بكثرة المصلين معه في رمضان، ولو كان على حساب صلاة الفريضة، أو على العبادة: ومن ذلك: الأذان للعشاء قبل الوقت المحدد بربع ساعة لكي يخرج مبكراً.
ثانياً: ترك الاستعاذة من عذاب القبر وفتنة الدجال في صلاة التراويح، لكي يخرج أيضاً مبكراً.
ثالثاً: التخفيف في صلاة العشاء مع أنها فريضة وهي أحب العمل إلى الله، وإطالته لصلاة التراويح.
رابعاً: الاقتصار في التسبيح بعد الصلاة -أعني: الفريضة- على أقل القليل، والاستمرار على ذلك طيلة الشهر.
خامساً: عدم الاطمئنان في الركوع والسجود، حتى ولو قرأ وجهاً في الركعة فإنه لا يزيد على ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود.
إلى غير ذلك، فما نصيحتك للأئمة في هذه النقاط بالتفصيل؟
الجواب
وأزيده أيضاً: ترك الاستفتاح في أول كل صلاة.
نقول: أولاً: ولي الأمر قرر أن أذان العشاء بعد مضي ساعتين من غروب الشمس، فهل أمر بمحرم؟ لا.
لأن تأخير صلاة العشاء أفضل من تقديمها، ثم إن تأخيرها إلى مضي ساعتين بعد غروب الشمس أرفق بالناس، حتى يجلس بعد صلاة المغرب من يتعشى منهم ويتعشى بهدوء ومن يتقهوى ويتوضأ كذلك، فهو أرفق بالناس، وطاعة ولي الأمر في غير المعصية طاعة لله، ومعصية ولي الأمر في غير المعصية معصية لله، ولهذا إذا قرر ولي الأمر أن الأذان في العشاء في الساعة الثانية أي: بعد مضي ساعتين من الغروب فأرى أن يجب امتثاله، وهل فاتنا شيء؟ حتى الفضيلة يا إخواني ما فاتتنا؛ لأن صلاة العشاء الأفضل فيها التأخير، لو قال قائل: ولي الأمر لو قال: أخروا نصف ساعة عن الوقت العادي، هذا أمر بترك الفضيلة؟ نقول: هذا غير صحيح، أنت لا تفهم الفضيلة، الفضيلة كلما أخرت فهو أفضل، ولهذا النبي ﷺ لما خرج وقد ذهب عامة الليل في صلاة العشاء قال: (إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي) وليس على الأمة بمشقة إذا أخر أذان العشاء إلى الساعة الثانية، أي: إلى بعد ساعتين بعد الغروب.
ثانياً: يقول: إنه يعجل في صلاة العشاء، يقرأ فيها سور قصيرة، ويمكن الركوع والسجود أيضاً يقصره، وهذا خطأ، أيهما أفضل: الفريضة أو النافلة؟ الفريضة.
الشيخ: الفريضة أفضل؟ النافلة زيادة خير هداكم الله إذا قلت: السلام عليكم، وقال الثاني: عليك السلام، أيهما أفضل: قولي أنا: السلام، أو قوله: وعليك السلام؟ أنا أفضل منه، مع أن رده واجب وسلامي سنة.
إذاً الآن نسأل: هل السنة أفضل في قيام رمضان أو الفريضة؟ الفريضة أفضل، والدليل: نقلي وعقلي: الدليل النقلي: قول النبي ﷺ عن الله أنه قال: (وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) هذا كلام رب العالمين، رواه عنه أصدق الخلق ﵊.
إذاً الفريضة أفضل من النوافل، فهي أحق بأن يتأنى فيها الإنسان أكثر من التأني في التراويح.
والدليل العقلي: أن الواجب أفضل من التطوع، أنه لولا تأكده ما أوجبه الله، فلم يوجبه الله على عباده إلا لأنه أحب إليه ولأنه أوكد، فلم يجعل للإنسان خياراً في الواجب بل جعله حتماً عليه، وهذا يدل على أن الواجب أفضل من التطوع، وأن الإنسان ضرورته إلى الواجب أعظم من ضرورته إلى التطوع.
بقي الإشكال الذي أوردته: ابتداء السلام أفضل من رده، لماذا؟ لأن أصل رد السلام مبني على ابتداء السلام، فلولا أني ابتدأت بالسلام ما رد عليَّ، فمن ثم صار ابتداؤه أفضل؛ لأنه يترتب عليه الرد الذي هو الواجب، فصار الابتداء فيه تطوع وواجب؛ تطوع لأنه ابتداء، وواجب لأنه ذريعة إلى الرد الذي هو واجب.
هذا محظور كونه يقصر في صلاة العشاء ويتأنى في التراويح خطأ خطأ في الأول، أما التأني في التراويح فنحن نحمده على ذلك.
ثانياً: ترك الاستفتاح.
أكثر الذين يصلون التراويح يستفتحون في أول تسليمة فقط، والباقي لا، سبحان الله!! لماذا تترك الاستفتاح؟ أليست التسليمة الثانية مستقلة عن الأولى؟ بلى.
لو بطلت الثانية لم تبطل الأولى، مستقلة عنها تماماً، فإذا كانت مستقلة عنها فإن المشروع في الأولى يكون مشروعاً في الثانية، فكما أن الاستفتاح مشروع في التسليمة الأولى فهو مشروع في التسليمة الثانية.
ثالثاً: يتركون الاستعاذة؛ وهي: (أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) .
وأزيد على ذلك: أن بعضهم يترك بقية الصلاة الإبراهيمية، إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد.
السلام عليكم.
فقط، لا يتمون حتى الصلاة الإبراهيمية، سبحان الله!! نحن جئنا نتعبد الله، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] تركنا الأهل والفرش لأجل أن نتقي الله، تقتصر بنا على: اللهم صلِّ على محمد، وربما يكون الإمام سريع القراءة فينتهي من: اللهم صلِّ على محمد قبل أن يقول ذاك: السلام عليك أيها النبي.
وهذا غلط عظيم.
أما ترك الاستعاذة من الأربع: (أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) .
فإن مذهب الإمام أحمد ﵀ في أحد الوجهين: أن الاستعاذة من هذه الأربع واجبة، مثل التشهد الأول، لا بد أن تستعيذ بالله من هذه الأربع، وهذا القول له وجهة قوية من النظر؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا تشهد أحدكم التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع) فأمر بالاستعاذة، ولأن الاستعاذة وقاية عظيمة للإنسان إذا استجاب الله له.
فترك الاستعاذة يرى بعض العلماء من التابعين وغير التابعين أن من تركها وجب عليه إعادة الصلاة، ولهذا لما أمر طاوس وهو أحد التابعين المشهورين، أمر ابنه لما ترك الاستعاذة -من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال- أمره أن يعيد الصلاة؛ لأنه خالف أمر النبي ﵊ في قوله: (إذا تشهد أحدكم التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع) .
رابعاً: وهذه قاصمة الظهر وهي عدم الاطمئنان في الركوع والسجود، حتى كأنه ملحوق، كأن ناراً لحقته، أو وادياً لحقه، أو عدواً لحقه، لا يطمئن في ركوعه، ولا في سجوده ولا في قيامه بعد الركوع، ولا في جلوسه بين السجدتين، كأنه ملحوق، لماذا يا أخي؟ ألست تناجي الله في صلاتك؟ ألست بين يدي الله؟ لماذا تفر من الله؟ أنت الآن ما أتيت للصلاة إلا للتقرب إلى الله، كيف تفر من الله وأنت تريد التقرب إليه؟ إن ركعتين متقبلتان من عند الله أفضل من ألف ركعة من هذا النوع، لو أن الأئمة اقتصروا في التراويح على ما كان الرسول ﵊ يقتصر عليه على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة مع التأني والطمأنينة لكان -والله- أفضل لهم، لا من جهة مقامهم بين يدي الله ولا من جهة اتباعهم لرسول الله ﷺ ؛ لأن أم المؤمنين وهي من أخص الناس برسول الله ﷺ وأعلم الناس بحياته سئلت: كيف كانت صلاة الرسول ﷺ في رمضان؟ قالت: [ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة] فأما كونه يحافظ على ثلاث وعشرين ركعة ولكن يسرع هذه السرعة، فهذا غلط عظيم.
رابعاً: الاقتصار في التسبيح بعد الصلاة -أعني: الفريضة- على أقل القليل والاستمرار على ذلك.
كذلك أيضاً يهضمون الفرائض حقها من التسبيح بعد الصلاة، وهذا لو كان هناك حاجة لا بأس؛ لأنه ورد عن النبي ﵊ في التسبيح بعد الصلاة أربعة أوجه: الأول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
خمساً وعشرين مرة، تكون الجميع مائة مرة.
ثانياً: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر.
جميعاً ثلاثاً وثلاثين مرة، فالجميع تسع وتسعون، وكمال المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
ثالثاً: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرة سرداً، الحمد لله ثلاثاً وثلاثين مرة سرداً، الله أكبر أربعاً وثلاثين مرة، كم هذه؟ مائة.
والفرق بين هذه والتي قبلها: الفرق الأول: أن التي قبلها يجعل: سبحان الله والحمد لله والله أكبر عدداً واحد، وهذه يجعلها: سبحان الله وحدها، والحمد لله وحدها، والله أكبر وحدها.
الفرق الثاني: ختم الصفة الأولى: بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأما الثانية: فيختمها بزيادة التكبير أربعاً وثلاثين.
الصفة الرابعة: أن يقول: سبحان الله عشر مرات، والحمد لله عشر مرات، والله أكبر عشر مرات، وتكفي.
لأن كل هذا ورد عن النبي ﵊.
стр. 799
حكم استعمال جهاز صدى الصوت في المساجد
السؤال
فضيلة الشيخ: إننا نصلي التراويح في بعض المساجد وفيها هذا الجهاز الذي يدعونه بالصدى، أي: الذي يكرر الكلام، وهو مما يساعد على الخشوع، وقد سمعنا لكم فتوى بحرمة هذا الجهاز، فهل هذا صحيح؟ وهل هذا التردد المنهي عنه يبطل الصلاة في هذا المسجد؟ وهل يأثم المصلي في تلك المساجد أم لا؟ وما حكم الإمام حينئذٍ؟
الجواب
نعم أفتيت بأن الصدى حرام، وأرجو ممن سمع مقالي هذا أن يبلغه؛ لأن الصدى كما سمعت يردد الحرف ولا سيما الحرف الأخير، هو يردد كل الحروف لكن الحروف التي قبل الأخير تدخل في الحرف الثاني ولا يبين التردد لكن في الحرف الأخير يبين، ولا شك أن هذا زيادة في كلام الله .
وإلحاق للقرآن الكريم بالأغاني المطربة، وهذا مما نهي عنه وذمه السلف، السلف ليس عندهم هذا لكن يقولون: إن الإنسان إذا جعل نغماته في القرآن الكريم كنغمات الأغاني فإن ذلك منهي عنه ومذموم، فكيف إذا جعلت هذه الآلة التي تزيد في القرآن ما ليس منه، يجعل الراء كم مرات؟ عدة راءات، والنون عدة نونات وهكذا بقية الآية، ونحن ما جئنا لنطرب، الذي يريد الطرب يذهب إلى محلٍ آخر.
وأما كونه أزيد في الخشوع فهذا ليس عند من يرى أن ذلك حراماً، عند إنسان جاهل سمع هذا الإطراب والتغني وتلذذ به، لكن عند من يرى أن ذلك حراماً وأنه زيادة في كلام الله ما ليس منه، فلا يمكن أن يخشع، بل لا يزداد إلا نفوراً عن المكان والمسجد والإمام.
وأرى أن الإمام الذي يفعل هذا يجب أن ينصح ويقال: يا أخي! الناس يتعلقون بذمتك، وهذا أمر ليس جائزاً فلا تفعل، لا بأس إن اكتفى بالميكرفون الداخلي خاصة دون المنارة، لا بأس إذا كان هذا أبين لصوتك وأهون لك أنت؛ لأن الإنسان في التراويح إذا لم يكن صوته قوياً جداً ربما يزداد في رفع الصوت فيتكلف ويشق عليه، فإذا جعل مكبر الصوت مكبراً عادياً أعانه على ذلك، هذا لا بأس لكن بشرط: ألا يكون في المنارة، وبشرط أن يكون مكبر الصوت بلا صدى، الصدى يقطع سلكه على طول ويبعد في الحال.
стр. 800
حكم الأذان على ما في التقويم
السؤال
فضيلة الشيخ من المعلوم أنكم قد ذكرتم أن في التقويم بعض التقديم بعض الدقائق، فما اللازم في الإمساك والفطر على المرء وعلى المؤذن خاصة؟
الجواب
أما الإمساك فليحتط الإنسان فيه بمعنى: لا يؤذن قبل الوقت، إذا قال: دخل الوقت أو لم يدخل؟ نقول: انتظر حتى يغلب على ظنك، أو تتيقن أن الوقت دخل؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن بلالاً يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) قال الراوي: وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت.
يقال للمؤذن: تأن يا أخي، لا تحرم عباد الله ما أحل الله لهم، الإنسان قد أحل الله له أن يأكل ويشرب حتى يتبين الفجر، فلا تحرم عباد الله ولا تؤذن قبل الوقت بخمس دقائق احتياطاً، ثم إنك إذا احتطت من جهة الصيام أخللت بالاحتياط من جهة الصلاة، والصلاة أهم، الصيام أباح الله لنا أن نأكل حتى يتبين الفجر، والصلاة نهانا أن نصلي حتى يتبين الفجر، فأنت لو احتطت للصيام وقعت في الخطأ بالنسبة للصلاة، والصلاة أهون؛ لأنه كم من امرأة أو مريض في البيت ينتظر الأذان وبمجرد ما يؤذن يقوم ويصلي، فربما يصلي قبل الوقت، وتكون أنت الذي تحملت هذا الإثم.
في الغروب يحتاط أيضاً، لا يؤذن حتى يرى الشمس قد غابت، أو يغلب على ظنه أن الشمس قد غابت، ليس لازماً أن يتيقن غروب الشمس، إذا غلب على ظنه أن الشمس قد غابت فلا بأس، وأظن أن التقويم مع الساعة المضبوطة أظنه في الغروب لا بأس به، لكن في الفجر مقدم خمس دقائق بالتأكيد، خمس دقائق لا إشكال عندنا أن فيه تقديماً، لكن في الغروب الظاهر أنه على الصواب، ولكن لا بد أن تكون ساعة المؤذن مضبوطة، بعض المؤذنين ساعاتهم غير مضبوطة، تغره، ربما تقدم من حين ينظر الساعة فيؤذن، وهذا لا بد أن يحتاط، فيحتاط الإنسان في الفجر ويحتاط في الغروب، ويضبط ساعته تماماً، والحمد لله الآن ضبط الساعة سهل، أنا سمعت أن التليفون فيه رقم معين تضغطه فيبين لك الساعة، فالظاهر أن ساعة الإذاعة وساعة التوقيت كلها مضبوطة ولا شك أنها أضبط من الساعة التي في يد الإنسان.
стр. 801
نصيحة لاستغلال عطلة الربيع
السؤال
فضيلة الشيخ كما يعلم فضيلتكم بأن عطلة الربيع في هذا العام ستكون خلال شهر رمضان المبارك، مما يترتب على ذلك خروج الناس إلى البراري وتخييلهم فيه، مما يحصل فيه ما يحصل، فما الذي تنصح به من توزيع الأشرطة والكتيبات، وما نصيحتك للناس بعامة، هل إذا جاءت إجازة الربيع حتى في رمضان الخروج إلى البراري؟
الجواب
الواقع أن الأمر كما قال السائل: ستصادف إجازة نصف السنة هذا العام في رمضان، ولكن هل الخير أن أخرج إلى البر للنزهة وإضاعة الوقت، وربما يحصل من الكلام واللغو ما لا ينبغي في هذا الشهر المبارك، أو الأفضل أن أكون في بلدي أتعبد لله وأنتهز هذه الفرصة؟ لا شك أن الثاني أفضل، ولكن الأول مباح مع الإتيان بما لا بد منه من الواجبات وترك المحرمات.
وفي هذه الحالة ينبغي لإخوتنا الدعاة إلى الله : أن يختاروا بعض الرسائل القصيرة، أو الملفات التي يسمونها مطويات، أو الشرائط التي تدعوا إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، حتى يوزعوها على هؤلاء، فلعل الله أن يفتح عليهم.
стр. 802
اللقاء الشهري [٣٤]
ما حكم الأضحية؟ ما هي شروطها؟ ومتى وقتها الذي لا تجزئ إلا فيه؟ وما هي الأمور المستحبة لمن نوى أن يضحي؟ الجزء الأول من هذه المادة أجاب بالتفصيل عن هذه التساؤلات، واشتمل الجزء الثاني منها على كثير من الفتاوى والنصائح المتعلقة بشئون الحياة المختلفة.
стр. 803
مشروعية الأضحية وشروطها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا اللقاء يعتبر جزءاً من لقاء لأنه متممٌ للقاء السابق وهو الرابع والثلاثون من اللقاءات الشهرية التي تتم كل شهر في هذا المسجد الجامع الكبير في عنيزة، أسأل الله تعالى أن يجعل هذه اللقاءات وغيرها من لقاءات إخواننا العلماء في كل البلاد لقاءات نافعة ينفع الله بها عباده؛ لأنه لا شك أن العلماء هم الهداة الذين يهدون بأمر الله إذا وفقهم الله تعالى للأخذ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
تكلمنا في أول هذا اللقاء عن الحج شروطه وصفته وبعض أحكامه، وأما الليلة فإننا سنجعلها كلاماً عن الأضحية على وجه يسير ثم نجيب عن الأسئلة.
стр. 804
دليل مشروعية الأضحية من الكتاب والسنة
الأضحية مشروعة في القرآن والسنة وإجماع المسلمين، يقول الله مخاطباً نبيه ﷺ : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] والخطاب للنبي ﷺ خطابٌ له وللأمة، والحكم الموجه للرسول ﵊ موجهٌ له وللأمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ [الأحزاب:٣٧] فقال الله: زوجناكها، وهذا خطاب للرسول ﵊، ثم قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٧] فدل ذلك على أن الحكم الثابت للرسول ﷺ ثابتٌ له وللأمة، ولهذا لما أراد الله تعالى أن يبين أن هذا الحكم خاصٌ بالرسول قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: وأحللنا لك امرأة مؤمنة ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] .
فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:١-٢] يشمل الأمة.
وقال الله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرْ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٦-٣٧] .
وأما السنة فقد ثبتت عن النبي ﷺ من قوله وفعله حتى إنه كان ﷺ يذبح ضحاياه في مصلى العيد إظهاراً لهذه الشعيرة، وكان الناس يفعلون هذا، لكن لما طال الزمن وتغيرت الأحوال صار الناس يذبحون ضحاياهم في بيوتهم.
стр. 805
الشروط المتعلقة بالأضحية
الأضحية في الأصل عن الرجل وأهل بيته سواءٌ صغاراً كانوا أم كباراً ذكوراً كانوا أم إناثاً، فينبغي لقيم البيت أن يضحي عنه وعن أهل بيته، ولكن لا تقبل الأضحية ولا تكون أضحية شرعية إلا بشروطٍ ثلاثة: الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم، فلو ضحى بغيرها ولو كان أغلى منها فإنها لا تكون أضحية، لو ضحى الإنسان بفرس لم تقبل منه على أنها أضحية، لأنها ليست من بهيمة الأنعام، ولو ضحى بنعامة لم تقبل منه على أنها أضحية؛ لأن الأضحية لا بد أن تكون من بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم.
الشرط الثاني: أن تكون بالغةً للسن المحدد شرعاً وهي في الإبل: خمس سنوات، وفي البقر: سنتان، وفي الماعز: سنة، وفي الضأن: نصف سنة، ودليل ذلك: قول النبي ﷺ : (لا تذبحوا إلا مسنة -أي: ثنية- إلا إن تعسَّر عليكم فتذبحوا جذعةً من الضأن) .
الشرط الثالث: أن تكون سليمةً من العيوب المانعة من الإجزاء، لأن هناك عيوباً تمنع من إجزاء البهيمة ولو كانت من بهيمة الأنعام، وقد بينها النبي ﵊ حيث قيل له: (يا رسول الله! ماذا يتقى من الضحايا؟ قال: أربعٌ لا تجوز في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء -أي: الهزيلة- التي لا تنقي) أي: التي لا مخ فيها هذه أربع لا تجزئ في الأضاحي.
قوله: المريضة: ليست كل مريضة لا تجزئ لا بد أن يكون مرضها بيناً، كأن يظهر عليها أعراض المرض من الحمى وعدم الأكل وما أشبه ذلك، ومن المرض: الجرب، فالجرباء لا تجزئ؛ لأن الجرب مفسدٌ للحم، فإذا كان في البهيمة مرض لكنه ليس ببين ولنفرض أنه بعد أن ذبحناها وجدنا فيها "طالوعاً" "والطالوع" عبارة عن غدة فاسدة تكون في داخل اللحم وقد تكون خارج اللحم، فالتي داخل اللحم لا يعلم عنها، فإذا ذبحها الإنسان على أنها أضحية فإنها تجزئ، لأن النبي ﷺ قال: (المريضة البين مرضها) .
العرجاء لا بد أن يكون ضلعها بيناً، فأما إذا كانت تهمز همزاً يسيراً ولكنها تمشي مع البهائم فإنها تجزئ.
والثالثة: العوراء البين عورها، والعوراء إذا لم يكن عورها بيناً فهي مجزئة كما لو كانت لا تبصر بعينها ولكن من رآها يظن أنها تبصر فهذه تجزئ، لكن إذا كان عورها بيناً بأن تكون عينها انخسفت أو نتأت وبرزت فإنها لا تجزئ.
والرابعة: الهزيلة التي ليس فيها مخ لا تجزئ، طيب إذا كانت أذنها مقطوعة وليس فيها مرض فهل تجزئ؟ نعم تجزئ، لأنها لا تدخل في الأربع.
إذا كان قرنها مكسوراً ولكن ليس فيها مرض فإنها تجزئ.
إذا كان ذيلها مقطوعاً ولكن ليس فيها مرض تجزئ إلا في الضأن فإن العلماء قالوا: إن الضأن التي قطعت إليتها لا تجزئ لأن الإلية كبيرة مقصودة بخلاف ذيل البقرة وذيل البعير وذيل المعز فإن ذلك لا يضر، لكن اعلموا أنه كلما كانت الأضحية أكمل فهي أفضل بلا شك، قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] .
أيضاً شرط رابع لا يتعلق بالأضحية نفسها: وهو أن تكون في الوقت المحدد شرعاً.
الشروط التي سبقت ثلاثة: أن تكون من بهيمة الأنعام.
الثاني: أن تبلغ السن المعتبر شرعاً.
الثالث: أن تكون سليمةً من العيوب المانعة من الإجزاء.
الرابع: أن تكون في الوقت، أي: في وقت الأضحية، فمن ذبح قبل وقت الأضحية فلا أضحية له، ومن ذبح بعد انتهاء المدة فلا أضحية له، وما هي المدة؟ المدة: من صلاة العيد إلى غروب شمس يوم الثالث عشر، أي: أربعة أيام، من ذبح قبل الصلاة فكما قال النبي ﷺ : (شاته شاة لحم) ومن ذبح بعد غروب شمس يوم الثالث عشر فشاته شاة لحم، إلا أن تهرب الأضحية وتضيع ثم يجدها بعد أن يفوت الوقت فهنا يذبحها قضاءً، إذا كان عينها قال: هذه الأضحية ثم هربت وضاعت، فبحث عنها ولم يجدها إلا في اليوم الرابع عشر نقول: اذبحها، لأن تأخيره هنا بعذر كما لو أخر الصلاة عن وقتها لعذر فإنه يقضيها، هذا الكلام على الأضحية.
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان ليس عنده مال هل يسن أن يستقرض ليضحي؟ أو يشتري شاة بدين ليضحي؟ نقول: إذا كان واثقاً من نفسه أنه سوف يوفي بحيث يكون موظفاً وجاء وقت الأضحية وليس عنده مال، لكنه يعرف أنه في آخر الشهر سيستلم الراتب فهنا لا بأس أن يستقرض أو يشتري شاة بثمن مؤجل ويضحي، وأما إذا كان ليس كذلك فلا يستدين؛ لأنه إذا استدان شغل ذمته بما لم يكلفه الله به.
стр. 806
ما يجزئ من الأضحية وما يسن للمضحي
اعلم أن الشاة تجزئ عن الرجل وأهل بيته، لا حاجة إلى أن كل واحد يضحي، بل الرجل يضحي عنه وعن أهل بيته، وأن البعير والبقرة تجزئ عن سبع شياه، فلو اشترك سبعة بيوت في ناقة وذبحوها على أنها أضحية وكل واحدٍ منهم يضحي عنه وعن أهل بيته بالسبع فهذا جائز؛ لأن السبع عن شاة، وكذلك لو كانت بقرة فإنها تجزئ عن سبعة يضحي لو اجتمع سبعة بيوت واشتروا بقرة وذبحوها على أنها أضحية كل واحد يضحي عنه وعن أهل بيته كفى ذلك.
وليعلم أن من أراد أن يضحي فدخل عشر ذي الحجة فإنه لا يأخذ من شعره ولا من ظفره ولا من بشرته شيئا، البشرة هي الجلد؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، إلى أن يضحي، فإذا كان لا يحصل له أن يضحي إلا في اليوم الثاني من أيام العيد، قلنا: انتظر حتى تضحي، لم يحصل له أن يضحي إلا في اليوم الثالث، قلنا: انتظر حتى تضحي، وهذا في حق من يضحي، أما من يضحى عنه فليس ممنوعاً من ذلك، وعلى هذا فالرجل الذي يضحي عنه وعن أهل بيته يكون حكم المنع من أخذ الشعر والظفر والبشرة خاصاً بالرجل وحده أما أهل بيته فلا حرج عليهم، ودليل ذلك: أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي) ولم يقل: أن يضحى عنه، وأن النبي ﷺ كان يضحي عنه وعن أهل بيته ولم يمنع أهل بيته من الأخذ من شعورهم وأظفارهم وأبشارهم، وأما قول بعض الفقهاء يرحمهم الله: يحرم على من يضحي أو يضحى عنه فهو قول ضعيف، والصواب: أنه خاص بمن يضحي فقط.
والله الموفق.
стр. 807
الأسئلة
стр. 808
حكم إرسال المغترب ثمن الأضحية إلى أهله
السؤال
فضيلة الشيخ! نحن لسنا من أهل هذه البلاد المعطاءة أسأل الله أن يديم عليها الخير، وأن يحفظ علماءها وولاة أمورها، السؤال هو: يا فضيلة الشيخ لا يخفى عليكم أن أهلنا في أشد الحاجة للأضاحي والاستفادة من لحومها وجلودها، والغالب عليهم هو الفقر فهل لنا أن نرسل ثمن الأضاحي إليهم ونوكل من ينوب عنا، مع العلم أن المقصود منها إظهار هذه الشعيرة، فهل يجوز لنا فعل ذلك؟
الجواب
إذا كان الإنسان في بلد وأهله في بلد آخر فلا حرج عليه أن يوكل من يضحي عنه عند أهله حتى يسر أهله بالأضحية ويتمتعوا بها؛ لأنه لو ضحى في بلد الغربة فمن الذي يأكل الأضحية؟ وربما لا يجد أحداً يتصدق عليه، فلذلك نرى أن من له أهل فليبعث بقيمة الأضحية إلى أهله ويضحوا هناك.
стр. 809
إجزاء الأضحية المصابة بمرض غير خطير
السؤال
إذا كان "الطالوع" ظاهراً لكنه صغير فهل يجزئ؟ كذلك إذا كان الكبش قد انكسر طرف قرنه ولم يظهر هذا الكسر حيث أنه في الضأن لا يظهر لصغرها فهل يجزئ؟
الجواب
"الطالوع" إذا كان ظاهراً فإنه يُسأل أهل الخبرة: هل هذا من الأمراض الخطيرة؟ إن قالوا: نعم فهو مرض ظاهر لا يضحى بالشاة التي طلع فيها، وإن قالوا: ليس خطيراً، والشاة ليس فيها خلاف من جهة الصحة والنشاط والأكل فإنه يضحى بها، إلا إذا قرر البياطرة أن أكل لحمها ضرر فهنا لا يضحى بها.
стр. 810
حكم التمتع في الحج لأهل مكة
السؤال
ذكرت يا فضيلة الشيخ: أن أفضل الأنساك التمتع، وقلت: إن أهل مكة لا تشرع لهم العمرة فكيف يكون التمتع والعمرة لا تشرع لهم؟
الجواب
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن أهل مكة لا متعة لهم، وإنما المتعة للقادم إلى مكة حتى لو كان من أهل مكة، وعلى هذا فإذا كان الرجل من أهل مكة وهو يعمل في الرياض وقدم من الرياض إلى مكة فله أن يأخذ عمرة من الميقات ويكون متمتعاً لكنه لا هدي عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦] إلا إذا انتقل من مكة إلى البلد الآخر واستوطنه فإنه إذا رجع منه بالعمرة يجب عليه هدي التمتع، لكن أهل مكة يمكن أن يقرنوا بين الحج والعمرة، بمعنى: أن الإنسان يحرم من مكانه من بيته بالحج والعمرة جميعاً ويكون قارناً والقارن عليه هدي التمتع.
следующие страницы →