Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
حكم اختلاط الرجال والنساء في الأعراس وغيرها وما يحصل فيها من منكرات
فضيلة الشيخ! لا يخفى عليك ما يحدث من اجتماع النساء والرجال في الأعراس والمناسبات، والأعياد، وما يحدث من رقص النساء أمام الرجال، ودق الطبول، ورمي المال فوق رءوس النساء، ومن الاختلاط الشديد الرهيب؛ فنريد النصح لهؤلاء الرجال والنساء، عسى الله أن ينفع بكم، وجزاكم الله خيراً.
هذه الأمور مما يكثر السؤال عنها؛ وهو اجتماع الرجال والنساء في مكان واحد، ورقص النساء بينهم، وإلقاء النقود فوق رءوسهن، وهو منكرٌ عظيم، وفتنة شديدة، لاسيما في هذه المناسبة -مناسبة العرس- لأن كل إنسان في تلك اللحظة قد تتحرك شهوته لأدنى سبب، وإذا كانت النساء ترقص عندهم وهن كاشفات الوجوه أيضاً فهذا خطر جداً، والرقص لا ينبغي للنساء مع بعضهن فكيف في حضرة الرجال، لذلك أنصح هؤلاء أن يتقوا الله ، وألا يبدلوا نعمة الله كفراً، فيقابلوا نعمة الزواج بالمعاصي والمنكرات؛ لأنه يوشك أن تنزع هذه النعمة.
أما إذا كانت النساء وحدهن في مكان منعزل؛ فلا بأس أن يضربن بالدفوف ويغنين بالغناء المناسب لا المثير للشهوة؛ لأن ذلك كان معروفاً في عهد النبي ﷺ .
стр. 1752
مضاعفة السيئات في مكة
فضيلة الشيخ! هل تتضاعف السيئات في مكة؟ وما كيفية مضاعفتها؟
المضاعفة في مكة بالنسبة للسيئات ليست من ناحية الكمية ولكنها تتضاعف من ناحية الكيفية، بمعنى أن العقوبة تكون أشد وأوجع، والدليل على أنها لا تضاعف الكمية قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام:١٦٠] وهذه الآية مكية؛ لأنها في سورة الأنعام، لكن كما قال الله تعالى: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] أي: إن إيلام العقوبة في مكة أشد من إيلام العقوبة إذا فُعلت هذه المعصية خارج مكة.
стр. 1753
حكم اقتناء المجلات الإسلامية التي فيها صور
فضيلة الشيخ: ما حكم اقتناء المجلات الإسلامية التي تحتوي على الصور؟
المجلات عموماً إذا اقتناها الإنسان من أجل ما فيها من الصور فهذا حرام، ولا إشكال فيه، وإن اقتناها من أجل ما فيها من الفوائد ولا يبالي بما فيها من صور فأرجو ألا يكون به بأس؛ لأن مشقة التحرز من الصور في كل جريدة وفي كل مجلة ظاهرة، والمشقة تجلب التيسير، لكن الاستغناء عنها أحسن، وفي الكتب الشرعية ما هو خير وأوفى.
стр. 1754
لفظة: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) هل هي مدرجة أم لا ؟
فضيلة الشيخ حفظكم الله: ذكرتم حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) وقلتم: إن هذه الجملة الأخيرة مدرجة من قول أبي هريرة، وهي قوله: [فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل] وقد ذكر ابن حجر ﵀ حديثاً آخر عن أبي هريرة، ثم قال في آخره: (هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل) فقال الحافظ: هذا رد على من يقول إن هذه مدرجة فما قولكم في ذلك؟
هذا الحديث الذي أشار إليه هو في صحيح مسلم، ليس فيه أن أبا هريرة خرج عن حد الوجه، لكنه غسل ذراعيه حتى أشرع في العضد، وغسل رجليه حتى أشرع في الساق، وهذا لا يُنكر؛ لأنه لا يمكن أن تغسل المرفق إلا إذا شرعت في العضد، ولا يمكن أن تغسل الكعب إلا إذا شرعت في الساق، وهذا صحيح.
ولكن الزيادة المذكورة في الحديث ليست بصحيحة، وهي من اجتهاد أبي هريرة؛ لأن جميع الواصفين لوضوء النبي ﷺ لم يذكروا أنه ﷺ كان يتجاوز الكعبين بشكل كبير، فمعنى قوله في الحديث الآخر: (هكذا رأيت الرسول ﷺ يفعل) أي: أنه رآه حين غسل ذراعيه أشرع في العضد، وحين غسل رجليه أشرع في الساق.
стр. 1755
درء التعارض بين النهي عن التشاؤم وحديث: (الشؤم في ثلاثة)
فضيلة الشيخ! كيف نوفق بين حديث (نهي النبي ﷺ عن التشاؤم) وقوله ﷺ : (الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار) ؟
التشاؤم هو التطير بمرئي أو مسموع أو زمان، فيتشاءم مثلاً من النكاح في شوال، كما يفعل أهل الجاهلية، أو يسمع صوتاً يكون فيه مخالفة لما يريد فيتشاءم، أو يرى طيراً يطير جهة اليسار فيتشاءم، والتشاؤم منهي عنه؛ لأنه يؤدي إلى سوء الظن بالله، وإلى عدم الإقدام على ما فيه مصلحة العبد، وإلى التذبذب في أموره، وربما يؤدي إلى الوساوس التي يحصل بها المرض النفسي، فلهذا نهى عنه النبي ﷺ .
وأما حديث: (الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار) فهذا الحديث ورد على وجهين: الوجه الأول: (إنما الشؤم في ثلاثة) .
ووجه آخر: (إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاثة) .
ومراد الرسول ﷺ : أن نفس هذه الأشياء قد يكون فيها شؤم، فمثلاً: قد يسكن الإنسان الدار ويضيق صدره ويقلق ويتألم من حين يدخلها، أو يشتري المركوب ويكون فيه حوادث كثيرة من حين اشترى -مثلاً- هذه السيارة؛ فيتشاءم منها ويبيعها، والمرأة كذلك، قد يتزوج المرأة وتكون سليطة اللسان بذيئة، تحزنه كثيراً وتقلقه كثيراً، فهذا هو الشؤم الذي يذكر في هذه الأمور الثلاثة التي ذكرها النبي ﷺ ، وليس هذا الشؤم المنهي عنه الذي ليس له أصل، والذي يوجب للإنسان ما ذكرناه من المفاسد.
стр. 1756
حكم أداء الصلاة بعد وقتها
فضيلة الشيخ: ما هو الواجب تجاه من يصلي الصلوات بعد فوات أوقاتها، كمن يصلي الفجر بعد طلوع الشمس؟
أما الواجب تجاه هذا الرجل فهو النصيحة، أن تنصحوه وتخوفوه بالله، وتبينوا له ما في المحافظة على الصلاة من الأجر والثواب، فإن اهتدى فلنفسه، وإن لم يهتد فلا يضر إلا نفسه.
أما بالنسبة لفعله فإن كان يستيقظ ولكنه يتكاسل ويضع رأسه على الوسادة؛ فإن صلاته بعد طلوع الشمس لا تقبل منه ولا تنفعه عند الله، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ومن المعلوم أن من لم يصلِّ صلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس عامداً ذاكراً قد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله؛ فيكون عمله هذا مردوداً، ولا تقبل منه صلاته، فبلغوه عني ذلك: أنه إذا كان يُوقظ ولكنه يتكاسل ويبقى نائماً؛ فإن صلاته بعد طلوع الشمس لا تقبل منه، وسوف يحاسب عليها يوم القيامة.
стр. 1757
حكم التصوير في الحوادث المرورية
نعمل في قسم الحوادث المرورية، ونحتاج في بعض الأحيان إلى تصوير بعض الحوادث المرورية للحفاظ على حق إخواننا المواطنين، ويدخل بعض الناس الموجودين أثناء الحادث داخل الصورة، فما حكم هذا؟
هذا العمل ليس فيه بأس؛ لأنه تصوير لمصلحة بل لحاجة أو ضرورة، ولا يضر إذا كان تصوير هذا المكان يدخل فيه من ليس طرفاً في الحادث، ومن المعلوم أن التصوير بالكاميرا ليس هو الذي أراده النبي ﷺ فيما نرى؛ لأن النبي ﷺ إنما لعن المصورين الذين يضاهئون بخلق الله، ممن هو مصوِّر، أي: فاعل للصورة، أما التقاط الصور بالآلة (الفوتوغرافية) فليس من الفاعل، فهو لم يخطط للعين ولا الأنف ولا الشفة ولا الجبهة ولا الرأس، غاية ما هنالك أنه حبس هذه الصورة التي هي من فعل الله في هذه البطاقة، ويدلك لهذا أنك لو كتبت إلى شخص كتاباً بيدك، ثم أُدخل هذا الكتاب في آلة التصوير ثم خرج، هل يقال: إن هذه الكتابة من صنع الآلة؟ لا.
إنما هي كتابة الأول، ولكنها حفظت بواسطة المواد التي طورها الناس الآن في البطاقة؛ فلا تدخل في التصوير أصلاً.
لكن إذا كان الإنسان يصور بالآلة (الفوتوغرافية) الفورية التي يحبسها عنده ويقتنيها فهذا ممنوع، لا لذاته، ولكن للغرض المقصود منه؛ وهو اقتناء الصورة لغير ضرورة، والمقصود الذي تريدونه أنتم بتصوير الحوادث مقصود صحيح، وأمر لا بد منه.
стр. 1758
حكم قصر الصلاة للمسافر
أنا شخص أسكن في القصيم، ثم أذهب أحياناً إلى الرياض لزيارة الأهل، ولي غرفة هناك، وأجلس عندهم يومين أو ثلاثة أيام، فهل يحق لي أن أقصر الصلاة إذا صليت منفرداً؟ وهل حكمي حكم المسافر؟
نعم.
حكمك حكم المسافر؛ لأن وطنك هو القصيم، وزيارتك لأهلك زيارة المسافر، ولهذا قصر النبي ﷺ في مكة وكان في السابق ساكناً فيها، وله فيها دور، لكنه لما هاجر صارت المدينة وطنه، فأنت إذا ذهبت إلى أهلك فأنت مسافر، ولكن يجب عليك أن تصلي مع الجماعة ما دمت سمعت الأذان وعلمت مكان المسجد، إنما لو فاتتك الصلاة فلك أن تقصر، وكذلك لو كان عليك جواربك فلك أن تمسح ثلاثة أيام، وكذلك لو كنت في رمضان فلك أن تفطر.
стр. 1759
هدية الزوج لإحدى زوجتيه دون الأخرى
فضيلة الشيخ: رجل عنده زوجتان، ومن المتعارف عليه عندنا أن التي تنجب يعطيها زوجها هدية بعد انقضاء النفاس، فهل يلزمه أن يعطي الزوجتين إذا ولدت إحداهما، أو يعطي للوالدة فقط؟ وجزاكم الله خيراً.
الأصل أنه لا يلزمه أن يعطي الأخرى التي لم تلد، كما أن الأخرى التي لم تلد إذا ولدت فإنه يعطيها ولا يعطي الثانية، والعدل أن يسوي بينهما في العطاء، بمعنى: أنه إذا أعطى التي ولدت أولاً مائة، يعطي الأخرى مائة إذا ولدت، ولا يلزمه أن يعطيها قبل أن تلد، لكن إذا كان يخشى من المشاكل، ورأى أن يعطي الاثنتين جميعاً كلما ولدت واحدة دفعاً للمشاكل؛ فهذا طيب ومن باب التأليف.
стр. 1760
حكم التصوير في الرحلات بالفيديو
بالنسبة للتصوير بكاميرا الفيديو في الرحلات البرية والاحتفالات، ما هو الحكم؟
أرى أنه لا يصور مع أنه حلال؛ لأن هذا التصوير يؤدي إلى ضياع مال بغير فائدة، وربما يكون الإنسان كلما أراد أن يتلّهى ذهب يراجع هذا المصوَّر، فأرى ألا يصور، وإن صور فلا بأس؛ ما دام الشيء المصور حلالاً.
стр. 1761
لقاء الباب المفتوح [٥٩]
أخبر الله تعالى في أوائل سورة الغاشية عن أهوال يوم القيامة، وعن ذلة وجوه الكفار وشدة عذابهم في نار جهنم، وخبث طعامهم وشرابهم، وهذا فيه عبرة لمن يتدبر الآيات هذا ما تحدث عنه الشيخ ﵀، ثم أجاب عن الأسئلة.
стр. 1762
تفسير آيات من سورة الغاشية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء التاسع والخمسون من اللقاءات المعتادة في كل يوم خميس، وهذا الخميس هو آخر خميس من شهر ذي الحجة عام (١٤١٤هـ) ، وهو اليوم التاسع والعشرون منه، نسأل الله تعالى أن يختم لنا ولكم عامنا بالمغفرة والعفو والرضوان.
نبدأ هذا اللقاء بتفسير سورة الغاشية يقول الله : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] والبسملة آية من كتاب الله مستقلة، ليست من السورة التي بعدها، بل آية مستقلة، ولهذا كان القول الراجح أنها ليست من الفاتحة، وأن أول الفاتحة هو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] .
стр. 1763
تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث الغاشية)
يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] الخطاب إما للنبي ﷺ وإما لكل من يصح خطابه، وهذا يأتي في القرآن كثيراً؛ يوجه الله الخطاب ويكون للنبي ﷺ أو لكل من يتأتى خطابه ويصح خطابه، إلا أنه أحياناً يتعين أن يكون للرسول ﷺ فقط، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] فهذا لا يمكن إلا أن يكون للرسول ﷺ ، وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] هذا لا يمكن إلا للرسول ﷺ .
وأحياناً يترجح العموم، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١] فهذا أول الخطاب للنبي ﷺ ، وآخره: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١] فهو عام.
فقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ يجوز أن يكون الخطاب موجهاً للرسول ﷺ وحده وأمته تبعٌ له، ويجوز أن يكون عاماً لكل من يتأتى خطابهم، والاستفهام هنا للتشويق، فهو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠] ويجوز أن يكون للتعظيم؛ لعظم هذا الحديث عن الغاشية.
﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [أي: نبؤها، والغاشية: هي الداهية العظيمة التي تغشى الناس، والمراد هنا يوم القيامة التي تحدث الله عنها في القرآن الكريم كثيراً، ووصفها بأوصاف عظيمة، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١-٢] .
стр. 1764
تفسير قوله تعالى: (وجوه يومئذ خاشعة)
ثم قسّم الله هذا اليوم إلى قسمين فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:٢-٣] و (خاشعة) أي: ذليلة، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى:٤٥] .
﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ عاملة عملاً يحصل به النصب وهو التعب.
قال العلماء: وذلك أنهم يُكلَّفون يوم القيامة بجر السلاسل والأغلال، والخوض في نار جهنم -والعياذ بالله- كما يخوض الرجل في الوحل، فهي عاملة تعبة من العمل الذي تكلف به يوم القيامة؛ لأنه عمل عذاب وعقاب -نسأل الله العافية- وليس كما قال بعض الناس: إن المراد بها الكفار: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٤] وذلك لأن الله قيد هذا بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [الغاشية:٢] يوم إذا أتت الغاشية، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة.
إذاً: فهي عاملة ناصبة بما تكلف به من جر السلاسل والأغلال، والخوض في نار جهنم أعاذنا الله وإياكم منها.
стр. 1765
تفسير قوله تعالى: (تصلى ناراً حامية)
قال تعالى: ﴿تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٤] أي: تدخل في نار شديدة الحرارة التي بلغت من شدة حموها أنها فضِّلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، أي: أن نار الدنيا كلها بما فيها من أشد ما يكون من الحرارة أهون من نار جهنم بتسعة وستين جزءاً.
ويدلك على شدة حرارتها أن هذه الشمس حرارتها تصل إلينا مع بعد ما بيننا وبينها، ومع أنها تنفذ من خلال أجواء باردة غاية البرودة تصل إلينا هذه الحرارة التي تدركونها ولاسيما في أيام الصيف، فالنار -أعاذنا الله وإياكم منها- نار حامية شديدة الحرارة.
стр. 1766
تفسير قوله تعالى: (تسقى من عين آنية)
قال تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٥-٦] لما بين لنا مكانهم -والعياذ بالله- وأنهم في نار جهنم الحامية؛ بين طعامهم وشرابهم فقال: ﴿تُسْقَى﴾ أي: الوجوه ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: شديدة الحرارة، هذا بالنسبة لشربهم، ومع هذا لا يأتي هذا الشراب بكل سهولة أو كلما عطشوا سُقوا لا.
إنما يؤتون بهذا الشراب كلما اشتد عطشهم -والعياذ بالله- واستغاثوا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف:٢٩] هذا الماء إذا قرب من وجوههم شواها وتساقط لحمها، وإذا دخل في أجوافهم يقول : ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] إذاً: لا يستفيدون منه لا ظاهراً ولا باطناً؛ لا ظاهراً بالبرودة فيبرد الوجوه، ولا باطناً بالرِّي، ولكنهم -والعياذ بالله- يغاثون بهذا الماء، ولهذا قال: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ .
فإذا قال قائل: كيف تكون هذه العين في نار جهنم والعادة أن الماء يطفئ النار؟ ف
إن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، فلو أنها قيست بأمور الدنيا ما استطعنا أن نتصور كيف يكون، أليست الشمس تدنو يوم القيامة من رءوس الناس على قدر ميل؟ والميل إما ميل المكحلة وهو نصف الإصبع، أو ميل المسافة كيلو وثلث أو نحو ذلك، وحتى لو كان كذلك فإنه لو كانت الآخرة كالدنيا لشوت الناس شياً، لكن الآخرة لا تقاس بالدنيا.
وأيضاً: يحشر الناس يوم القيامة في مكان واحد؛ منهم من هو في ظلمةٍ شديدة، ومنهم من هو في نور ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢] يحشرون في مكان واحد ويعرقون، فمنهم من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومع ذلك هم في مكان واحد.
إذاً: أحوال الآخرة لا يجوز أن تقاس بأحوال الدنيا، فلو قال قائل: كيف يكون الماء في النار؟ قلنا: أولاً: أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا.
ثانياً: إن الله على كل شيءٍ قدير.
ها نحن الآن نجد أن الشجر الأخضر توقد منه النار، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٨٠] الشجر الأخضر إذا ضرب بعضه ببعض أو ضرب بالزند انقدح وخرج منه نار حارة يابسة، وهو رطب بارد، فالله على كل شيء قدير.
فهم يسقون من عين آنية في النار، ولا يتنافى ذلك مع قدرة الله .
стр. 1767
تفسير قوله تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع)
أما طعامهم فقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٦-٧] (الضريع) قالوا: إنه شجر ذو شوك عظيم، إذا يبس لا ترعاه البهائم، وإن كان أخضر رعته الإبل، وهو يسمى عندنا (الشبرق) ، فأهل النار -والعياذ بالله- في نار جهنم ليس لهم طعام إلا من هذا الضريع، ولكن لا تظنوا أن الضريع الذي في نار جهنم كالضريع الذي في الدنيا، بل يختلف عنه اختلافاً عظيماً، ولهذا قال: ﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية:٧] ولا ينفع الأبدان في ظاهرها ﴿وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧] فلا ينفعها في باطنها، فهو لا خير فيه؛ ليس فيه إلا الشوك والتجرع العظيم، والمرارة والرائحة المنتنة التي لا يستفيدون منها شيئاً.
ثم ذكر الله القسم الثاني من أقسام الناس في يوم الغاشية فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية:٨] ، ونستكمل شرح بقية الآيات -إن شاء الله- في اللقاء القادم، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النار، وأن يرزقنا وإياكم دار القرار، إنه على كل شيء قدير.
стр. 1768
الأسئلة
стр. 1769
أدلة عدم كفر تارك أركان الإسلام عدا الشهادتين والصلاة
فضيلة الشيخ: ما هي الأدلة على أن تارك أركان الإسلام عدا الشهادتين والصلاة تهواناً أو كسلاً لا يكفر، مثل ترك الزكاة والصوم والحج؟ نرجو ذكر الأدلة مع الرد على أدلة المعارضين وجزاكم الله خيراً.
أركان الإسلام خمسة كما هو معروف: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، فمن ترك الركن الأول فهو كافر بالإجماع، أي أن من أنكر شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو كافر، ولا خلاف بين المسلمين في ذلك.
وأما ترك ما سوى الشهادتين فإن أنكر فرضيته وهو قد عاش بين المسلمين فهو أيضاً كافر، ومن أقر بالفرضية ولكن تركه تهاوناً فهذا موضع خلاف بين العلماء.
فمنهم من قال: كل الأركان الأربعة إذا تركها الإنسان تهاوناً كفر.
وهذا رواية عن الأمام أحمد ﵀.
ومنهم من قال: لا يكفر بأي واحدة منها، أي: من الأربع.
ومنهم من قال: إن ترك الصلاة تهاوناً كفر، وأما غيرها فلا يكفر، وهذا القول هو الوسط، وهو الذي تؤيده الأدلة.
ودليل ذلك أن الله قرن الزكاة بالصلاة في مواضع كثيرة من القرآن، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، وقد دل الدليل على أن تاركها لا يكفر، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفِّحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) ، وهذا يدل على أن تارك الزكاة الباخل بها لا يكفر، ووجه الدلالة أنه يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولو كان يكفر لم يكن له سبيل إلى الجنة، فإذا كان لا يكفر بترك الزكاة فما دونها من باب أولى.
وقال عبد الله بن شقيق ﵀ وهو من التابعين المشهورين: [كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة] ، والكفر يطلق أحياناً على غير الكفر الأكبر، مثل قوله ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) .
стр. 1770
حكم بذل العوض في الألعاب
فضيلة الشيخ! ما رأي فضيلتكم في إقامة الدورات الرياضية في كرة القدم، بحيث إن كل فريق يدفع مبلغاً وقدره -على سبيل المثال- سبعمائة ريال، والمبلغ عبارة عن خمسمائة ريال اشتراك ومائتين تأمين، ترد إلى كل فريق بعد انتهاء الدورة، علماً بأن الخمسمائة ريال المتبقية تصرف على شراء الجوائز التي يتم توزيعها على الفائزين في المراكز الثلاثة الأولى، وكذلك على الحكام، وما يترتب عليه من تسوية الملعب وخلافه؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
الذي نرى أن بذل العوض في الألعاب في جوازه نظر، وذلك أن هذه الألعاب تباح إن لم يكن فيها شيء محرم، ككشف العورة والتلهي عن الصلاة والسب والشتم فيما بين اللاعبين، فإن تضمنت هذا فهي حرام، فإن لم يكن فيها محرم فهي من الأمور المباحة ولا شيء فيها، ولكن كونها بعوض يدفع من الجميع ثم يكون للغالب، هذا لا يحل: لقول النبي ﷺ : (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر) (لا سبق) أي: لا عوض (إلا في نصل أو خف أو حافر) .
ويعني بالنصل: السهام، والخف: الإبل، والحافر: الخيل.
واستثنيت هذه الأمور لما فيها من المعونة على الجهاد في سبيل الله.
وأما أخذ العوض في ما سوى ذلك فإنه حرام، إلا أن بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية قال: إنه لا بأس بأخذ الرهان في مسائل العلوم الشرعية؛ لأن العلوم الشرعية نوع من الجهاد في سبيل الله، إذ إن الجهاد في سبيل الله يشمل الجهاد بالسلاح والجهاد بالعلم.
فما ذُكر في السؤال نرى أنه لا يجوز، أما إذا جاء إنسان من خارج، وأراد أن يتبرع بشيء للسابق منهم فأرجو ألا يكون فيه بأس، على أن في نفسي على بذل العوض على هذه الألعاب نظراً.
стр. 1771
طلب الدعاء ممن ترجى إجابته
فضيلة الشيخ! ما حكم طلب المسلم الدعاء ممن يتوسم فيه الخير، ويكون ذاهباً إلى الحج أو سفر أو غيره، فيطلب منه الدعاء له بظهر الغيب؛ لأن الرسول ﷺ أثنى على أويس، وحث الصحابة رضوان الله عليهم على طلب الدعاء منه؟ وهل كره شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك وخص الحديث بـ أويس؟ أفيدونا وفقكم الله.
طلب الدعاء من الرجل الذي ترجى إجابته؛ إما لصلاحه أو لكونه يذهب إلى أماكن ترجى فيها إجابة الدعاء كالسفر والحج والعمرة وما أشبه ذلك هو في الأصل لا بأس به، لكن إذا كان يخشى منه محذور؛ كما لو يخشى اتكال الطالب على دعاء المطلوب، وأن يكون دائماً متكلاً على غيره في ما يدعو به ربه، أو يخشى من أن يُعجب المطلوب بنفسه، ويظن أنه وصل إلى حد يُطلب منه الدعاء فيلحقه الغرور، فهذا يمنع لاشتماله على محذور.
وأما إذا لم يشتمل على محذور فالأصل فيه الجواز، لكن مع ذلك نقول: إنه لا ينبغي؛ لأنه ليس من عادة الصحابة ﵃ أن يوصي بعضهم بعضاً بالدعاء، وأما ما يروى أن النبي ﷺ قال لـ عمر: (لا تنسنا يا أخي! من صالح دعائك) فإنه ضعيف لا يصح عن النبي ﷺ .
وأما سؤال بعض الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ الدعاء، فمن المعلوم أنه لا أحد يصل إلى مرتبة النبي ﷺ ، وإلا فقد طلب منه عكاشة بن محصن أن يدعو له فيجعله من الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، فقال: (أنت منهم) ودخل رجل يسأله أن يسأل الله الغيث لهم فسأل.
وأما إيصاء النبي للصحابة أن يطلبوا من أويس القرني أن يدعو لهم فهذا لا شك أنه خاص به، وإلا فمن المعلوم أن أويساً ليس مثل أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، ولا غيرهم من الصحابة، ومع ذلك لم يوصِ أحداً من الصحابة أن يَطلب من أحدهم أن يدعو لهم.
وخلاصة الجواب أن نقول: إنه لا بأس بطلب الدعاء ممن ترجى إجابته، بشرط ألا يتضمن ذلك محذوراً، ومع هذا فإن تركه أفضل وأولى.
стр. 1772
عدد تكبيرات صلاة الجنازة
ورد في صحيح مسلم أن التكبيرات على الجنازة تكون أربع تكبيرات، وورد غير هذا العدد، فكيف الجمع بين الوارد في ذلك؟
أكثر ما كبره النبي ﷺ على الجنازة أربع تكبيرات فقط، لكن ثبت عنه أنه ﷺ كبر خمساً؛ كما في حديث زيد بن أرقم ﵁، وكذلك روي عنه الست إلى السبع، ولهذا قال العلماء: لا بأس بالزيادة على الأربع إلى سبع.
والأفضل للإنسان أن يأخذ بما صح عن النبي ﷺ تارة وتارة: تارةً أربعاً، وتارة خمساً، وتارة ستاً، وتارةً سبعاً، كما جاءت به السنة، لكن الأكثر الأربع، واعلم أن كل شيء وردت به السنة على وجوه متنوعة فالأفضل أن تأخذ بهذا تارة وبهذا أخرى.
стр. 1773
إطلاق صفة التردد لله
فضيلة الشيخ ورد في حديث: (من عادى لي ولياً) في نهاية الحديث يقول الله : (وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن) فهل في هذا إثبات صفة التردد لله ؟ أو كيف التوفيق في هذا الأمر؟ وجزاكم الله خيراً.
إثبات التردد لله على وجه الإطلاق لا يجوز؛ لأن الله تعالى ذكر التردد في هذه المسألة: (ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن) ، وليس هذا التردد من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل الرحمة بهذا العبد المؤمن، ولهذا قال في نفس الحديث: (يكره الموت وأكره إساءته، ولا بد منه) ، وهذا لا يعني أن الله موصوف بالتردد في قدرته أو في علمه، بخلاف الآدمي فهو إذا أراد أن يفعل الشيء يتردد؛ إما لشكه في نتائجه ومصلحته، وإما لشكه في قدرته عليه؛ أي: هل يقدر أو لا يقدر، أما الرب فلا.
стр. 1774
الاستنابة في الطواف والسعي
فضيلة الشيخ: رجل حج مع زوجته مفرداً، ولم تستطع زوجته أن تطوف طواف الحج، فطاف عنها وذهب إلى بلده، فما الحكم؟
أقول: من المعلوم أنه لا تصح الاستنابة في الطواف والسعي، وغاية ما ورد هو الاستنابة في رمي الجمرات، والذي يجب على هذه المرأة أن تعود الآن إلى مكة وتطوف طواف الإفاضة، وتسعى إن لم تكن قد سعت، وإن أتت بعمرة كاملة ثم أتت بما بقي من حجها فهو أحسن، حتى لا تدخل إلى مكة إلا وهي محرمة، وإن شق عليها ذلك فلا حرج أن تدخل مكة وتطوف طواف الإفاضة وترجع.
стр. 1775
أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا
فضيلة الشيخ ذكرت في الآية أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا، ومثلت مثل الضريع، فهو شجر ولكنه ليس كشجر الدنيا، وجاء في غير موضع من الأحاديث أن الرمضاء أو الحر الشديد من فيح جهنم، فكيف نوجه هذا الأمر؟
توجيهها سهل؛ لأن قوله: (من فيح جهنم) لا يعني أنها هي جهنم، فقوله: من فيحها، أي: من حرارتها، والإنسان إذا كان حول النار أصابه من حرها، لكن الحر الذي يصيبه من النار عند قربه منها ليس كالحر الذي يصيبه لو دخل فيها.
стр. 1776
حكم العمل في المؤسسات التي تتعامل مع البنوك الربوية
هناك شخص يعمل وكيلاً لمؤسسات ومديرها شخص آخر وكان يعمل مع هذه المؤسسات لمدة طويلة، وخلال هذه المدة تبين أن المؤسسات أصبح رأس مالها بالملايين، ولكن تبين له فيما بعد أن المؤسسة كانت توقع صفقات مع البنوك، وحقيقة العلم أن المؤسسة عندها أموال وأرصدة بالملايين عند الدولة أكثر من الأموال التي أخذتها من البنك ولكن لم تصرف، وبمجرد أنها أخذت من البنك حتى ما سلمت تتأخر، وإذا تأخر مشروع يفرض عليها باليوم غرامات معينة كما هو متعارف عليه بالتعاقد مع الدولة، وبعدها تبين أن إحدى المؤسسات متعاملة مع البنك، وأن رواتبها ومشاريعها تمشي على هذا؛ لأن المؤسسة الآن واقفة ليس لديها سيولة مالية للشركات الأخرى، كالذي يعمل في مجال المقاولات الأخرى والكهرباء والسباكة.
إلخ، فتبين أنها تستلف من البنك أو توقع عقوداً مع البنك، فما حكم العمل في هذه المؤسسة؟ علماً أن الموظف هذا يعمل لدى المدير والمدير يرأسه في جميع المؤسسات الثلاث، وجميع المؤسسات المالك لها غير المدير، وإحدى المؤسسات يملكها نفس المدير هذا.
هل هذا الموظف يكتب العقود التي بين الشركة وبين البنوك؟ السائل: لا يكتب، بل هو أنا يا شيخ! الشيخ: إذاً: أنت الآن لا تكتب الربا ولا تشهد عليه، ولا تأخذه ولا تعطيه، فلا أرى في هذا شيئاً، ما دام عملك سليماً فيما بينك وبين الشركة، فوزر الشركة على نفسها.
إذا لم تكن تذهب إلى البنوك ولا توقع على معاملة البنوك فلا شيء عليك، فالمؤسسة هذه -أولاً- لم تبنَ للربا، وليست مثل البنك الذي نقول: لا تتوظف فيه، فهي لم تؤسس للربا.
ثانياً: إنك لم تباشر الربا لا كتابةً ولا شهادةً ولا خدمةً، عملك منفصل عن الربا.
стр. 1777
حكم صلاة الفجر قبل دخول الوقت وثوقاً بالمؤذن
فضيلة الشيخ: ما حكم صلاة جماعة من المسلمين يصلون الفجر قبل دخول الوقت، ليس تعمداً، ولكن تصديقاً لمن لا يعرف تبيين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وهم يثقون في هذا الرجل؟
ما داموا واثقين منه ويعرفون أن هذا الرجل عنده علم بدخول الوقت فلا شيء عليهم؛ لأنهم لم يتبين لهم أنهم صلوا قبل الوقت، فإذا لم يتبينوا أخذوا بقول هذا الرجل الذي يثقون فيه ولا حرج.
لكن ينبغي للإنسان أن يحتاط ما دام شاكاً؛ فلا يصلي حتى يغلب على ظنه أو يتيقن، وعليه أن ينبه الجماعة على ذلك، يشير عليهم ويقول: انتظروا خمس دقائق أو عشر دقائق أو ربع ساعة خيراً من كونه يتقدم بدقيقة واحدة.
стр. 1778
حكم صلاة المسافر خلف المقيم
فضيلة الشيخ! دخلت مسجداً وكنت في سفر، وهذا المسجد في المدينة وليس على طريق السفر، ودخلت وهم في الركعة الرابعة والأخيرة فصليت معهم ركعة، ثم قمت للركعة الثانية وكانت صلاة العصر فقصرت الصلاة، رغم أنهم أتموا قبلي، فما الحكم؟
الأصل في المدينة أن الذين يصلون فيها يصلون أربعاً، أي: يتمون الصلاة، فهو مفرط، فيجب عليه الآن أن يعيد الصلاة أربعاً، وتكون صلاته الأولى نفلاً.
стр. 1779
واجبنا نحو استقدام الكفار إلى جزيرة العرب
فضيلة الشيخ: في الآونة الأخيرة كثر استقدام الكفار إلى جزيرة العرب، فما واجبنا تجاههم وتجاه من يستقدمهم؟
هذه الظاهرة التي ذكرت وهي: كثرة استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين في الجزيرة العربية لا شك أنها ظاهرة تنذر بالخطر؛ لأن النبي ﷺ لما حدث وحذر مما سيحصل في المستقبل قيل: (يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث) وكثرة الخبث تشمل معنيين: المعنى الأول: أن يكثر الخبث من أهل الجزيرة، فيعملون بالمعاصي.
والثاني: أن يكثر الخبث ممن يرد إلى الجزيرة ويفد إليها، ولا أبين وأظهر من هؤلاء الجحافل العظيمة التي تأتي إلى الجزيرة العربية من الكفار.
والذي يزيد الإنسان حزناً أنهم كفار معروفون بالعداوة للمسلمين، وإيذاء المسلمين في بلادهم، بل ومحاربتهم وقتلهم، فيأخذون هؤلاء في أجورهم من الدراهم ما يستعينون بها على قتال إخواننا المسلمين في بلادهم، وهذا أمرٌ يجب أولاً على الحكومة التنبه له، والعمالة المسلمة في البلاد الإسلامية كثيرة، فـ باكستان مملوءة بالمسلمين، وإندونيسيا مملوءة بالمسلمين، وكذلك بعض دول أفريقيا، لكن مع الأسف إننا في غفلة عن هذا.
ثم إننا سمعنا من بعض السفهاء أنه يقول: اختر غير المسلم لئلا ينقطع الشغل بذهابه إلى الصلاة، أو بصيامه رمضان، أو بطلب العمرة، أو بطلب الحج، أو ما أشبه ذلك، ولا شك أن هذا الذي ينهج هذا المنهج لا شك أنه على خطر عظيم، وأن نهجه هذا يستلزم كراهته للإسلام، وإلا فإن المسلم الحق المؤمن يفرح بكثرة المسلمين، وكثرة من يقوم بشعائر الإسلام.
والمهم أنني معك في أن هذه الظاهرة ظاهرة خطيرة جداً جداً، ويجب علينا أن نناصح إخواننا ونقول: عندكم مسلمون، اذهبوا إليهم، فعندهم -والحمد لله- من القدرة الشيء الكثير، ثم إن هؤلاء الكفار الذين يأتون، يأتي بعضهم لعمل كل إنسان يستطيعه؛ تجده يأتي خادماً أو يأتي منظف أسواق في البلديات أو ما أشبه ذلك، وهذا كل أحد يطيقه، ليس هذا اختصاصاً لا يعرفه إلا الكفار حتى تقول: نحن معذورون إذا أتينا بهم، فلهذا ننصح إخواننا المسلمين أن يتقوا الله ، وأن يحرصوا على ألا يأتوا إلا بالمسلمين سواء كان خادماً كخادم البيت، أو خارج البيت، والمتصل بالبيت أشد وأشد؛ إذا أتي بإنسان ليس بمسلم، والواجب علينا التناصح فيما بيننا وأن نقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فأتِ بإخوانك المؤمنين، ودع عنك هؤلاء.
стр. 1780
حكم قتل الحشرات بالجهاز الكهربائي
فضيلة الشيخ: ما حكم الجهاز الكهربائي الذي يعلق بالمطاعم ويقتل الذباب والبعوض والحشرات؟
نرى أنه لا بأس به، وأن هذا ليس من باب التعذيب بالنار؛ لأنه حسب ما نعرف عنه أن الحشرة تموت بالصعق الكهربائي، ويدل لهذا أنك لو أتيت بورقة وألصقتها بهذا الجهاز لم تحترق، مما يدل على أن ذلك ليس من باب الاحتراق لكن من باب الصعق، كما أن البشر لو مس سلك الكهرباء مكشوفاً لهلك بدون احتراق.
стр. 1781
حكم الشك في مسائل العبادة
فضيلة الشيخ: ما حكم من حج مع رفقائه وهو جاهل بمناسك الحج والعمرة، وبعد ما قضى حجه ومضى على ذلك مدة عرف مناسك الحج والعمرة، وشك في السعي، فما الحكم؟
الذي نرى أنه إذا شك الإنسان في أنه طاف أو سعى أو رمى مع طول المدة، فإنه لا يلتفت لهذا الشك؛ وذلك لأن النسيان يرد كثيراً على الإنسان، فليطرح الشك وليبعده عن قلبه؛ لأن الإنسان إذا طرأت عليه الشكوك وكثرت عليه تذبذب في حياته وتعب، ولحقه الوسواس في طهارته وصلاته، بل وفي أهله، فالذي أرى أن يعرض عن هذا الشك ويتلهى عنه.
إلا إذا تيقن فحينئذ يُفتى بما يقتضيه الحال، وأما إذا كان مجرد شك: هل سعى أم لم يسع، فالأصل أنه سعى، وأن هؤلاء الرفقة سيسعون وسيسعى معهم، فأرى أن يتلهى عن ذلك ولا يخطر على باله، والأصل السلامة.
ولهذا قال العلماء قاعدة ينبغي أن نفهمها وهي: أن الشك بعد فراغ العبادة لا يؤثر ما لم يتيقن.
فمثلاً: لو سلمت من الصلاة ثم بعد السلام شككت: هل صليت ثلاثاً أو أربعاً؟ فلا تلتفت إلى هذا الشك، إلا إذا تيقنت أنك صليت ثلاثاً فحينئذ تأتي بما يلزمك في هذه المسألة.
стр. 1782
ضوابط المبيت بمنى وحكم السكن خارجه
فضيلة الشيخ: شخص حج وسكن خارج منى، ما هي الضوابط للمبيت في منى؟
إذا لم يجد الإنسان مكاناً في منى فلينزل حيث انتهت الخيام، أما إذا كان يجد مكاناً فإن الواجب أن يبيت فيها، والضابط في المبيت: أن يكون في منى معظم الليل -أي: أكثر الليل- لكن من نزل من منى -مثلاً- لطواف الإفاضة في أول الليل، ثم لم يتيسر له من الزحام أن يرجع إلا بعد طلوع الفجر فإنه لا شيء عليه.
стр. 1783
جواز الجمع والقصر للمسافر
أعمل في قرية تبعد (٢٠٠) كيلو عن مكان سكني، وأرجع الخميس والجمعة إلى مدينتي، ويوم الأربعاء بعد الحصة الخامسة أصلي الظهر وأجمع العصر معه؛ لأنه يؤذن العصر وأنا في الطريق، وأقصر أيضاً، فهل هذا العمل صحيحاً؟
أنتم الآن مسافرون لا شك، ما دامت القرية تبعد عن مدينتكم (٢٠٠) كيلو وأنكم تبقون من السبت إلى الأربعاء فأنتم مسافرون من حين أن تخرجوا من بلادكم إلى أن ترجعوا إليها، لكم القصر ولكم الإتمام، ولكم الجمع ولكم الإفراد، لكن إذا كنتم في البلد يجب عليكم أن تصلوا مع الجماعة، فإذا فاتت عليكم الجماعة فلكم أن تقصروا.
стр. 1784
قول الصحابي وحجيته
فضيلة الشيخ: بعض الناس قد يستدل للحكم على مسألة معينة بقول صحابي أو فعله أو فتواه، ويكون في السنّة دليل أشمل وأقوى وأوضح من فعل الصحابي، ويحتج على ذلك بأن ذلك من اتباع سنّة الخلفاء الراشدين وقد أمر الرسول ﷺ باتباعها.
فهل يعتبر فعل الصحابي سنة من سنة الخلفاء الراشدين أم لا؟
أولاً -بارك الله فيك- العلماء مختلفون هل قول الصحابي حجة أم لا؟ فمن العلماء من قال: لا حجة إلا في ما قال الله ورسوله ﷺ ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] فلم يذكر طرفاً ثالثاً، فقول الصحابي كقول غيره ليس بحجة، لكن لا شك أن الصحابة أقرب إلى الصواب ممن بعدهم.
ومنهم من قال: إن قول الصحابي حجة إذا كان من أهل العلم والفقه؛ لأنك كما تعرف إذا جاء أعرابي عند النبي ﷺ وأسلم ثم رجع إلى إبله فهو صحابي، لكن قد يكون جاهلاً في كثير من مسائل العلم، أما إذا كان الصحابي من الفقهاء المعروفين بالفقه فإن قوله حجة بشرطين: الشرط الأول: ألا يخالف قول الله ورسوله؛ فإن خالف قول الله ورسوله وجب طرحه والأخذ بما قال الله ورسوله.
قال ابن عباس ﵄: [يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر!!] ، وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣] أي: عن أمر الرسول ﷺ : ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك؛ لعله إذا رد بعض قول الرسول أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، نسأل الله العافية.
الشرط الثاني: ألا يخالف قول صحابي آخر؛ فإن خالف قول صحابي آخر وجب النظر في الراجح؛ لأنه ليس قول أحدهما أولى بالقبول من الآخر، ولكن ننظر في الراجح، فإذا كان أحد المختلفين أدنى من الآخر في الفقه في دين الله قدم الأعلم، وهو مقتضى قول الرسول ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) فقدم أولاً سنته؛ لأن سنته ﷺ مقدمة على كل شيء.
مثال ذلك: ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه إذا كان في حج أو عمرة قبض على لحيته وقص ما زاد عن القبضة، فهذا في ظاهره مخالف لقول الرسول ﷺ : (وفروا اللحى وحفوا الشوارب) ، ففعل ابن عمر هنا لا يحتج به على عموم قول الرسول ﷺ ؛ لأن قول الرسول مقدم على فعل ابن عمر، ثم إن ابن عمر كان يفعله إذا حج أو اعتمر لا مطلقاً، فبعض الناس يقول: إذا جاء نص عن الرسول عام وفعل صحابي فإنه يخصص هذا النص العام بفعل الصحابي.
ولكن هذا ليس بصحيح، بل إن بعض العلماء قال: إن فعل الرسول ﷺ نفسه لا يخصص عموم قوله، وممن ذهب إلى هذا الأخير: الشوكاني ﵀، مثل قول النبي ﷺ : (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا) ، هذا الحديث عام في الصحراء والبنيان، وحديث ابن عمر: (رقيت يوماً على بيت حفصة، فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) ، وهو يقتضي أنه لا بأس باستدبار الكعبة إذا كان الإنسان في البنيان، فمن العلماء من قال: العبرة بعموم اللفظ: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها) وفعل الرسول هذا لا يخصص العام؛ لاحتمال أن يكون هذا خاصاً به، وأن له عذراً، أو أنه نسي أو ما أشبه ذلك.
المهم أن هذه القاعدة -أيضاً- وهي أن بعض العلماء يقول: فعل الرسول ﷺ لا يخصص قوله، فيقدم عموم قوله على خصوص فعله للاحتمالات التي ذكرناها، ولكن الصحيح أن فعله ﷺ يخصص قوله؛ لأن الكل سنة، فإن سنة الرسول ﷺ قوله وفعله وإقراره، أما فعل غيره فلا يخصص قوله.
стр. 1785
التفصيل في مسألة القيام
فضيلة الشيخ أحسن الله إليك نريد التفصيل في مسألة القيام عند الدخول أو عند السلام؟ وجزاكم الله خيراً.
ذكر ابن القيم ﵀ كلاماً جيداً حول هذا الموضوع، وخلاصته أنه يقال: قام للرجل، وقام إلى الرجل، وقام على الرجل.
فأما القيام إلى الرجل فهو من السنّة، إذا كان الرجل الذي قمت إليه أهلاً لذلك، مثل لو دخل إنسان له فضل في علمه أو دينه أو ماله، ثم قمت لتتلقاه فهذا من السنّة، ولهذا لما جاء سعد بن معاذ ﵁ وقد حكّمه النبي ﷺ في اليهود وأقبل قال: (قوموا إلى سيدكم) ، ولأن هذا من الإكرام لذوي الفضل، وإكرام ذوي الفضل من محاسن الأعمال والآداب.
والثاني: القيام على الرجل، وهذا منهي عنه، نهى النبي ﷺ عن ذلك وقال: (لا تقوموا كما تقوم الأعاجم على ملوكها) حتى في الصلاة، إذا صلى الإمام جالساً فإن من وراءه يصلون جلوساً؛ لئلا يشبهوا الأعاجم في قيامها على ملوكها، فمثلاً لو كان الإمام لا يستطيع أن يصلي قائماً فصلى قاعداً، فعلى المأمومين الذين خلفه أن يصلوا قعوداً وإن كانوا قادرين على القيام، حتى لا يكونوا متشبهين بالأعاجم في القيام على ملوكهم.
ويستثنى من ذلك ما إذا كان في القيام على الرجل مصلحة، كإغاظة الكفار فلا بأس، بل قد يكون من الأمور المطلوبة، مثل قيام المغيرة بن شعبة ﵁ على رسول الله ﷺ وهو يفاوض رسول قريش في صلح الحديبية، فإن المغيرة بن شعبة كان قائماً على رسول الله ﷺ ومعه السيف؛ لأن في هذا إغاظة للمشركين، ولهذا كان الصحابة في ذلك الوقت يفعلون معه شيئاً لا يفعلونه في غيره؛ كان الرسول إذا تنخم النخامة استقبلوها بأيديهم ودلكوا بها وجوههم وصدورهم، كل هذا إغاظةً لقريش، ولهذا أثرت على رسول قريش لما رجع إلى قومه قال: يا قوم! دخلت على الملوك؛ كسرى وقيصر والنجاشي فلم أر أحداً يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمداً فالمهم أن القيام على الرجل منهيٌ عنه إلا إذا كان في ذلك مصلحة دينية.
القسم الثالث: القيام للرجل، وصورته أن يدخل رجل علينا فنقوم له تكريماً، فهذا لا بأس به، لكن الأولى تركه؛ لأن من هدي الرسول ﷺ أنه كان يكره أن يقوم أصحابه له، ولهذا كان الرسول يدخل ولا يقومون له وهو أشرف البشر ﵊، وكان يجلس حيث ينتهي به المجلس ولو عند الباب، لكنه إذا جلس في مكان كان ذلك المكان صدر المجلس.
فالخلاصة: أن القيام على ثلاثة أقسام: الأول: القيام للرجل.
الثاني: القيام على الرجل.
الثالث: القيام إلى الرجل.
وفيها الأحكام المذكورة آنفاً.
стр. 1786
حكم الرهان في المسائل الشرعية
فضيلة الشيخ: بعض الطلاب في مذاكرة العلم يقولون: من يخطئ في مسألةٍ يكون مطالباً بشراء كتاب -مثلاً- لمن أصاب فيها، فهل هذا حلال؟
هذه مسابقة، ويرى شيخ الإسلام أنه لا بأس بالمسابقة الشرعية، وقد علل ذلك ﵀ موضحاً أن الجهاد يكون إما بالعلم، وأما بالسلاح، واستدل كذلك بما ذكر عن أبي بكر ﵁ لما نزل قوله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:١-٤] فالفرس هم الذين غلبوا الروم، والروم نصارى من أهل الكتاب، والفرس مجوس ليس لهم كتاب، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:٤-٥] لأن المؤمنين يحبون انتصار النصارى على الفرس؛ لأن النصارى أهل كتاب فهم أقرب إلى الصواب من المجوس، وقريش تحب أن ينتصر المجوس على الروم؛ لأن المجوس مشركون، فقالت قريش: لا يمكن للروم أن تغلب الفرس؛ لأن الفرس أقوى منهم، وهم لا يؤمنون بالقرآن، فراهنهم أبو بكر على شيء من الإبل إلى مدة سبع سنين، فمضت السنون السبع ولم يحدث شيء، فذهب أبو بكر ﵁ إلى رسول الله ﷺ يسأله، فقال النبي ﷺ : (زد في الأجل سنتين وزد في الرهان) لأن كلمة (في بضع سنين) من ثلاث إلى تسع، فأمره أن يحتاط فيزيد في الأجل ويزيد في العوض، ففعل أبو بكر، فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على الفرس.
ومن هذه المسألة استدل شيخ الإسلام على جواز الرهان في مسائل العلم الشرعي.
стр. 1787
حكم صلاة المنفرد خلف الصف
ما حكم صلاة المنفرد خلف الصف، هل تصح أم تبطل؟
قال الأئمة الأربعة: الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية عنه: إن صلاة المنفرد خلف الصف صحيحة، سواء تم الصف أم لم يتم، وقالوا: إن قول الرسول ﷺ : (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) كقوله: (لا صلاة بحضرة طعام) وأن المعنى: لا صلاة كاملة، لكن هناك رواية عن أحمد أن الصلاة لا تصح لمنفرد خلف الصف بكل حال، عكس الرواية التي وافق فيها الأئمة الثلاثة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ أن صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح بأي حال من الأحوال حتى ولو تم الصف.
وتوسط شيخ الإسلام ﵀ فقال: إن كان الصف تاماً فإنها تصح صلاة المنفرد خلفه؛ لأنه الآن عاجز عن المصافة ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وإن كان الصف لم يتم فلا يصح أن يصلي خلف الصف منفرداً لعدم العذر، وهذا القول الذي اختاره شيخ الإسلام هو اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀، وهو الذي نراه صواباً: أنه إذا كان الصف تاماً فصلِ وحدك، ولا تجذب أحداً، ولا تتقدم للصلاة مع الإمام.
هذا هو القول الصحيح الذي نراه أقرب إلى السنة من القول بالبطلان مطلقاً أو بالصحة مطلقاً.
стр. 1788
لقاء الباب المفتوح [٦٠]
شرح الشيخ ﵀ آيات من سورة الغاشية، وبين فيها صفة المؤمنين يوم القيامة، وعن وجوههم الناعمة بما أعطيت، وعن صفة الجنة بأنها عالية وصفة فرشها وثمرها، وأن المؤمنين رضوا بما أعطوا فيها، ثم أجاب عن الأسئلة.
стр. 1789
تفسير آيات من سورة الغاشية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا لقاء الباب المفتوح الموفي ستين لقاءً من ابتدائه، وهو اللقاء الثاني من شهر محرم عام (١٤١٥هـ) ، وهو اليوم السابع من الشهر.
стр. 1790
تفسير قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناعمة)
في هذا اللقاء نتكلم على قول الله ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الغاشية:٨-١١] إلى آخر الآيات.
قسم الله الناس يوم القيامة إلى قسمين: القسم الأول: وجوه خاشعة عاملة ناصبة، وسبق الكلام على ذلك.
القسم الثاني: وجوه ناعمة، أي: ناعمة بما أعطاها الله من السرور والثواب الجزيل؛ لأنها علمت ذلك وهي في قبورها، فإن الإنسان في قبره يُنَعّم؛ يفتح له بابٌ إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، فهي ناعمة.
следующие страницы →