Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
لقاء الباب المفتوح [٦١]
يتبين لنا من خلال تفسير الشيخ لهذه الآيات أن التأمل إلى المخلوقات من الواجبات التي تعين العبد إلى التعرف إلى الله تعالى، ومخلوقات الله كثيرة، والناس في الإيمان بالله على قسمين: فمنهم من آمن ومنهم من لم يؤمن، ولهذا بين الله لرسوله أنه ليس مخاطباً بإيمانهم وإنما عليه البلاغ وعلى الله هدايتهم وحسابهم أيضاً، ثم أجاب الشيخ بعدها عن الأسئلة.
стр. 1822
تفسير آيات من سورة الغاشية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين وإمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو المجلس الحادي والستون من المجالس المعبر عنها بـ (لقاء الباب المفتوح) والتي تتم كل خميس من كل أسبوع، وهذا هو اليوم الرابع عشر من شهر المحرم عام (١٤١٥ هـ) نبدأه كالعادة بما تيسر من تفسير كلام الله .
وقد انتهينا في الدرس الماضي إلى قول الله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] .
стр. 1823
تفسير قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)
لما قرر الله في هذه السورة حديث الغاشية وهي: يوم القيامة، وبين أن الناس ينقسمون إلى قسمين: ١- وجوه خاشعة ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٣-٤] .
٢- ووجوه ناعمة ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية:٩] .
وبين جزاء هؤلاء وهؤلاء، قال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] .
وهذا الاستفهام للتوبيخ، أي: أن الله يوبخ هؤلاء الذين أنكروا ما أخبر الله به عن يوم القيامة، وعن الثواب والعقاب، فأنكر عليهم إعراضهم عن النظر في آيات الله تعالى التي بين أيديهم، وبدأ بالإبل؛ لأن أكثر ما يلابس الناس في ذلك الوقت الإبل، فهم يركبونها، ويحلبونها، ويأكلون لحمها، وينتفعون من أوبارها إلى غير ذلك من المنافع، فقال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ﴾ [الغاشية:١٧] وهي الأباعر ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] أي: كيف خلقها الله بهذا الجسم الكبير المتحمل؛ تجد البعير تمشي مسافات طويلة التي لا يبلغها الإنسان إلا بشق الأنفس وهي متحملة، وتجد البعير أيضاً يحمل الأثقال وهو بارك ثم يقوم في حمله لا يحتاج إلى مساعدة، والعادة أن الحيوان لا يكاد يقوم إذا حمل وهو بارك، لكن هذه الإبل أعطاها الله قوة وقدرة من أجل مصلحة الإنسان؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يحمل عليها وهي قائمة لعلوها، فيسر الله تعالى له الحمل عليها وهي باركة ثم تقوم بحملها، وكما قال الله تعالى في سورة يس: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٧٣] منافعها كثيرة لا تحصى، وأهلها الذين يلازمونها أعلم منا بذلك، فلهذا قال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] ولم يذكر سواها من الحيوان كالغنم والبقر والظبي وغيرها؛ لأنها أعم الحيوانات نفعاً وأكثرها مصلحة للعباد.
стр. 1824
تفسير قوله تعالى: (وإلى السماء كيف رفعت)
قال تعالى: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٨] أي: وينظرون إلى السماء كيف رفعت بما فيها من النجوم والشمس والقمر وغيرها من الآيات العظيمة التي لم يتبين كثير منها إلى الآن.
ولا نقول: إن هذه الآيات السماوية هي كل الآيات، بل لعل هناك آيات كبيرة عظيمة لا ندركها حتى الآن.
وقوله: ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٨] أي: رفعت هذا الارتفاع العظيم، ومع هذا فليس لها عمد، مع أن العادة أن السقوف لا تكون إلا على عمد، لكن هذا السقف العظيم المحفوظ قام على غير عمد ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد:٢] .
стр. 1825
تفسير قوله تعالى: (وإلى الجبال كيف نصبت)
قال تعالى: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية:١٩] أي: هذه الجبال العظيمة التي تحمل الصخور والقطع المتجاورات المتباينات، فالجبال مكونة من أحجار كثيرة وأنواع كثيرة، فيها المعادن المتنوعة وهي متجاورة، ومع ذلك تجد -مثلاً- هذا الخط في وسط الصخر يشتمل على معادن لا توجد فيما قرب منه من هذا الصخر، ويعرف هذا أهل الجيولوجيا كيف نصب الله هذه الجبال العظيمة بهذا الارتفاع لتكون رواسي في الأرض، لئلا تميد بالناس، ولولا أن الله خلق هذه الجبال لمادت الأرض بأهلها، لأن الأرض في وسط الماء، والماء محيط بها من كل جانب، وما ظنك بكرة تجعلها في وسط الماء؟ سوف تتحرك وتضطرب وتتدحرج أحياناً وتنقلب أحياناً، لكن الله جعل هذه الجبال رواسي تمسك الأرض كما تمسك الأطناب الخيمة، وهي راسية ثابتة على ما يحصل في الأرض من الأعاصير العظيمة التي تهدم البنايات التي بناها الآدميون، لكن هذه الجبال راسية لا تتزحزح ولو جاءت الأعاصير العظيمة، بل إن من فوائدها أنها تحجب الأعاصير العظيمة البالغة التي تنطلق من البحار أو من غير البحار لئلا تعصف بالناس، وهذا شيء مشاهد؛ تجد الذين في سفوح الجبال وتحتها في الأرض في مأمن من أعاصير الرياح العظيمة التي تأتي من خلف الجبل، فيها فوائد عظيمة وهي رواسي لو أن الخلق اجتمعوا على أن يضعوا سلسلة مثل هذه السلسلة من الجبال ما استطاعوا إلى هذا سبيلاً، مهما بلغت صناعتهم وقوتهم وقدرتهم وطال أمدهم، فإنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذه الجبال.
وقد قال بعض العلماء: إن هذه الجبال راسية في الأرض بمقدار علوها في السماء، فمثلاً: الجبل له جرثومة وجذر في داخل الأرض في عمق يساوي ارتفاعه في السماء، وليس هذا ببعيد أن يمكن الله لهذا الجبل في الأرض، حتى يكون بقدر ما هو في السماء لئلا تزعزعه الرياح، ولهذا يقول : ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٥-١٦] .
стр. 1826
تفسير قوله تعالى: (وإلى الأرض كيف سطحت)
يقول : ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:٢٠] أي: وانظروا كيف سطح الله هذه الأرض الواسعة وجعلها سطحاً واسعاً ليتمكن الناس من العيش فيه بالزراعة والبناء وغير ذلك، فما ظنكم لو كانت الأرض صبباً غير مسطحة مثل الجبال يرقى عليها ويصعد لكانت شاقة ولما استقر الناس عليها، لكن الله جعلها سطحاً ممهداً للخلق.
وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الأرض ليست كروية بل سطح ممتد، لكن هذا الاستدلال فيه نظر؛ لأن هناك آيات تدل على أن الأرض كروية، والواقع شاهد بذلك، فيقول : ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٥] والتكوير هو: التدوير، ومعلوم أن الليل والنهار يتعاقبان على الأرض، فإذا كانا مكورين لزم أن تكون الأرض مكورة، قال الله ﵎: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:١-٤] فقال: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق:٣] وقد جاء في الحديث أنها يوم القيامة تمد مد الأديم أي: مد الجلد، حتى لا يكون فيها جبال ولا أودية ولا أشجار ولا بناء؛ يذرها الرب قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، فقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] متى تنشق السماء؟ كلنا يعرف أنها لا تنشق إلا يوم القيامة وأنها الآن غير منشقة.
إذاً: قوله: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:٣-٤] أي: يوم القيامة فهي إذاً الآن غير ممدودة.
إذاً: فهي مكورة.
والواقع المحسوس المتيقن الآن أنها كروية لا شك، والدليل على هذا أنك لو سرت في خط مستقيم من هنا من المملكة متجهاً غرباً لأتيت من ناحية الشرق وتدور على الأرض ثم تأتي إلى النقطة التي انطلقت منها، وكذلك بالعكس لو سرت متجهاً نحو المشرق وجدتك راجعاً إلى النقطة التي قمت منها من نحو المغرب.
إذاً لا شك أنها كروية، فإذا قال الإنسان: إذا كانت كما زعمت كروية كيف تثبت مياه البحار عليها وهي كروية؟ نقول في الجواب عن هذا: إن الذي أمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه يمسك البحار أن تفيض على الناس فتغرقهم، والله على كل شيء قدير.
قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] أي: حبست ومنعت من أن تفيض على الناس، كالشيء الذي يسجر أي: يربط.
وعلى كل حال القدرة الإلهية لا يمكن لنا أن نعارض فيها، بل نقول: قدرة الله أمسكت هذه البحار أن تفيض على أهل الأرض فتغرقهم وإن كانت الأرض كروية.
стр. 1827
تفسير قوله تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر)
قال لما بين هذه الآيات الأربع: الإبل، والسماء، والجبال، والأرض قال لنبيه ﷺ : ﴿فَذَكِّرْ﴾ [الغاشية:٢١] أمره الله أن يذكر ولم يخصص أحداً بالتذكير، أي: لم يقل: ذكر فلاناً وفلاناً، فالتذكير عام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث للناس كافة؛ ذكر كل أحد في كل حال وفي كل مكان، فذكر النبي ﵊ وذكر خلفاؤه من بعده الذين خلفوه في أمته في العلم والعمل والدعوة.
ذكروا، ولكن هذه الذكرى هل ينتفع بها كل الناس؟
لا.
﴿إِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] أما غير المؤمن فإن الذكرى تقيم عليه الحجة لكن لا تنفعه، لا تنفع الذكرى إلا المؤمن، ونقول: إذا رأيت قلبك لا يتذكر بالذكرى فاتهمه بعدم الإيمان؛ لأن الله يقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذريات:٥٥] فإذا ذكرت ولم تجد من قلبك تأثراً وانتفاعاً فاتهم نفسك، واعلم أن فيك نقص إيمان؛ لأنه لو كان إيمانك كاملاً لانتفعت بالذكرى التي لا بد أن تنفع المؤمن.
وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] أي: أن محمداً ﷺ ليس إلا مذكراً مبلغاً، وأما الهداية فبيد الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢] وقد قام صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالذكرى والتذكير إلى آخر رمق في حياته، حتى إنه في آخر حياته يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) حتى جعل يغرغر بها ﵊، فذكر صلوات الله وسلامه عليه منذ بعث، وقيل له: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:٢] إلى أن توفاه الله؛ لم يأل جهداً في التذكير في كل موقف وفي كل مكان على ما أصابه من الأذى من قومه ومن غير قومه، والذي قرأ منكم التاريخ -السيرة النبوية- يعرف ما جرى له من أهل مكة من قومه الذين هم أقرب الناس إليه، والذين كانوا يعرفونه ويسمونه بالأمين يلقبونه بذلك ويثقون به حتى حكموه في وضع الحجر الأسود في الكعبة حينما هدموا الكعبة ووصلوا إلى حد الحجر، قالوا: من ينصب الحجر؟ فتنازعوا بينهم، كل قبيلة تقول: نحن الذين نتولى وضع الحجر في مكانه، حتى جاء النبي ﷺ وحكموه فيما بينهم، وأمر أن يوضع رداء، وأن يمسك كل واحد من هذه القبائل بطرف من هذا الرداء حتى يرفعوه، فإذا حاذوا محله أخذه بيده الكريمة ونصبه في مكانه، فكانوا يسمونه الأمين، لكن لما أكرمه الله تعالى بالنبوة انقلبت المعايير، فصاروا يقولون: ساحر، وكاهن، وشاعر، ومجنون، وكذاب، ورموه بكل سب، فالرسول ﵊ يذكر وليس عليه إلا التذكير.
стр. 1828
تفسير قوله تعالى: (لست عليهم بمسيطر)
ومن هنا نأخذ أنه لا يجب علينا أن نهدي الخلق، ولا يمكننا أن نهدي الخلق أبداً، لا يمكن أن نهدي أقرب الناس إلينا ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] فلا نجزع إذا ذكرنا إنساناً ووجدناه يعاند أو يخاصم أو يقول: ما عليك مني.
أو يقول: دعني أفعل ما أشاء.
أو ما أشبه ذلك، قال الله تعالى لنبيه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] لا تهلك نفسك إذا لم يؤمنوا، فإيمانهم لهم وكفرهم ليس عليك، ولهذا قال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] أي: ليس لك سلطة ولا سيطرة عليهم، لمن السلطة والسيطرة؟ لله رب العالمين، أنت عليك البلاغ.
стр. 1829
تفسير قوله تعالى: (إلا من تولى وكفر)
قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية:٢٣-٢٤] قال العلماء: (إلا) هنا بمعنى: لكن، أي: أن الاستثناء في الآية منقطع وليس بمتصل، والفرق بين المتصل والمنقطع أن المتصل يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه، والمنقطع يكون أجنبياً منه -فمثلاً- لو قلنا: إنه متصل لكان معنى الآية: لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فأنت عليهم مسيطر، وليس الأمر كذلك، بل المعنى: لكن من تولى وكفر بعد أن ذكرته فيعذبه الله العذاب الأكبر، فمن تولى وكفر بعد أن بلغه الوحي النازل على رسول الله ﷺ فإنه سيعذب ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية:٢٣] .
التولي أي: الإعراض، فلا يتجه للحق ولا يقبل الحق ولا يسمع الحق، حتى لو سمعه بإذنه لم يسمعه بقلبه كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢٠-٢١] أي: لا ينقادون.
فهنا يقول : ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية:٢٣] تولى: أعرض، كفر: أي: استكبر، ولم يقبل ما جاء به الرسول ﷺ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ﴾ [الغاشية:٢٤] يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة:٢١] والعذاب الأكبر يوم القيامة، وهنا قال: الأكبر ولم يذكر المفضل عليه، أي: لم يقل: الأكبر من كذا، فهو قد بلغ الغاية في الكبر والمشقة والإهانة -والعياذ بالله- كل من تولى وكفر فإن الله يعذبه العذاب الأكبر.
стр. 1830
تفسير قوله تعالى: (إن إلينا إيابهم)
هل هناك عذاب أصغر؟ نقول: نعم.
هناك عذاب أصغر في الدنيا، فقد يبتلى المتولي المعرض بأمراض في بدنه وعقله، وأهله، وماله، ومجتمعه، وكل هذا بالنسبة لعذاب النار عذاب أصغر، لكن العذاب الأكبر إنما يكون يوم القيامة، ولهذا قال بعدها: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥-٢٦] (إلينا إيابهم) أي: مرجعهم، فالرجوع إلى الله مهما فر الإنسان فإنه راجع إلى ربه ولو طالت به الحياة فإنه راجع إلى الله، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فاستعد يا أخي لهذه الملاقاة؛ لأنك سوف تلاقي ربك، وقد قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) مباشرة بدون مترجم يكلمه الله يوم القيامة (فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه -عن اليسار- فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) كلنا سيخلو به ربه يوم القيامة يقرره بذنوبه يقول: فعلت كذا في يوم كذا، حتى يقر ويعترف، فإذا أقر واعترف قال الله تعالى: (قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) وكم من ذنوب سترها الله ، وكم من ذنوب اقترفناها لم يعلم بها أحد، ولكن الله تعالى علم بها، فموقفنا من هذه الذنوب أن نستغفر الله ، وأن نكثر من الأعمال الصالحة المكفرة للسيئات، حتى نلقى الله ونحن على ما يرضيه .
стр. 1831
تفسير قوله تعالى: (ثم إن علينا حسابهم)
قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥-٢٦] نحاسبهم، قال العلماء: وكيفية الحساب ليست مناقشة يناقش الإنسان؛ لأنه لو نوقش هلك؛ لو يناقشك الله عن الحساب هلكت، أو ناقشك في نعمة من النعم كالبصر، لا يمكن أن تجد أي شيء تعمله يقابل نعمة البصر، أو نعمة النفس؛ النفس الذي يخرج ويدخل بدون أي مشقة وبدون أي عناء، فالإنسان يتكلم وينام ويأكل ويشرب، ومع ذلك لا يحس بالنفس ولا يعرف قدر النفس إلا إذا أصيب بما يمنع التنفس، وحينئذ يذكر نعمة الله؛ لكن ما دام في عافية فهو عنده شيء طبيعي، لكن لو أنه أصيب بكتم النفس لعرف قدر النعمة، فلو نوقش لهلك، كما قال النبي ﵊ لـ عائشة: (من نوقش الحساب عذب) ، لكن كيفية الحساب؟ أما المؤمن فإن الله تعالى يخلو به بنفسه ليس عندهما أحد ويقرره بذنوبه، فعلت كذا فعلت كذا فعلت كذا؛ حتى إذا أقر بها قال الله تعالى: (قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) .
وأما الكفار فلا يحاسبون هذا الحساب؛ لأنه ليس لهم حسنات تمحو سيئاتهم، لكنها تحصى عليهم أعمالهم ويُقررون بها أمام العالم ويخزون بها، وينادى بهم على رءوس الأشهاد ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] نعوذ بالله من الخذلان.
وبهذا ينتهي الكلام على هذه السورة العظيمة، وهي إحدى السورتين اللتين كان النبي ﷺ يقرأ بهما في المجامع الكبيرة، فقد كان يقرأ في صلاة العيدين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] وكذلك في صلاة الجمعة، ويقرأ أحياناً في العيدين ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] وفي صلاة الجمعة يقرأ سورة الجمعة والمنافقين، ينوع مرة في هذه ومرة في هذه.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن تكون وجوههم لسعيها راضية، وأن يتولانا بعنايته في الدنيا والآخرة إنه على كل شيء قدير، والله تعالى أعلم.
стр. 1832
الأسئلة
стр. 1833
حكم الغش في اختبار مادة اللغة الإنجليزية
فضيلة الشيخ! وفقكم الله ورعاكم: تعلمون أن الاختبارات على الأبواب، وبعض الطلاب يستحلون الغش في اختبار مادة الإنجليزي ويقولون: هذه لغة الكفار ولا يجوز تعلمها، فما حكم ذلك؟ وهل للمدرس أن يغض النظر عن الغش في هذه المادة؟ ثم من سبق له الغش في هذه المادة معتقداً حل ذلك ماذا عليه الآن؟ وهل المال الذي يدخل عليه من شهادته فيه شيء من الحرام؟ أفيدونا وفقكم الله.
الامتحان ويقال له: الاختبار، معناه أن الطالب يختبر لينظر مدى تحصيله في هذا العام الدراسي، وينبني على ذلك أن يعطى شهادة يجتاز بها هذه المرحلة إلى المرحلة التي تليها، سواء كان من الابتدائي إلى المتوسط أو من المتوسط إلى الثانوي، أو من الثانوي للجامعة، أو من الجامعة للدراسات العليا، أو كان من سنة إلى سنة في كل مرحلة هذه الشهادة، وإذا كان كذلك فإنه لا يحل للطالب أن يغش فيها؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من غشنا فليس منا) وهذا عام في كل غش؛ ولأن ولاة الأمر رتبوا على هذه الشهادات أشياء معينة كالرواتب والمراتب وما أشبه ذلك، فكيف يمكن أن تنال هذه الرواتب وهذه المكافآت والمراتب وهي السلم الوظيفي؟ كيف يحل لك أن تأخذ هذه المراتب أو هذه الرواتب وأنت لم تبلغ ما تستحقه بهذه المراتب إلا بالغش؟ فنقول: الغش حرام، حتى في اللغة الإنجليزية الغش حرام؛ لأن ولاة الأمور قرروها، وجعلوا من شروط اجتياز هذه المرحلة أن تجيد هذه اللغة.
وأما قوله: إنها لغة الكفار.
فهذا غير صحيح، فكم من أناس مسلمين لغتهم الإنجليزية، كل المسلمين الذين يتكلمون باللغة الإنجليزية في جميع أقطار الدنيا كلهم مسلمون، واللغة لا صنع للإنسان فيها، وإن كنا نرى كما هو واقع أن اللغة العربية أفضل اللغات وأشرفها؛ لأنها لغة القرآن الكريم ولغة سيد المرسلين ﵊، لكن هذه لغة عالمية مشهورة يتكلم بها المسلم والكافر، ثم هي مقررة عليك حتى وإن كانت لغة الكفار، فإنك ربما تحتاجها في يوم من الأيام، أنا أتمنى أني أعرف هذه اللغة؛ لأني وجدت فيها مصلحة كبيرة، يأتي رجل ليسلم بين يديك فلا تستطيع أن تتفاهم معه، وترى مسلماً يخل في أشياء من واجبات الدين في الصلاة، أو في الصوم، أو في الزكاة، أو في الحج، أو في غير ذلك فلا تستطيع أن تتكلم معه؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود؛ اللغة العبرية؛ حتى إذا جاءت الكتب من اليهود يقرأها زيد ويكتب ردها.
فلا يمكن أن ينكر الآن مدى احتياج الناس إلى تعلم اللغة الإنجليزية، وأنها قد تكون وسيلة بالغة للدعوة إلى الله .
افرض أنك في مجتمع لا يعرف إلا اللغة الإنجليزية سواء كان إنجليزياً أو غير إنجليزي، كيف تدعو إلى الله؟ هل يمكن أن تدعو بالإشارة؟ مهما بلغت من الإشارة لا تستطيع أن تدله أو تدعوه كما تدعوه بالعبارة.
فهذا التصور تصور غير صحيح.
وصحيح أنه لا يمكن أن نقول للناس الذين منَّ الله عليهم باللغة العربية: انتقلوا إلى اللغة الإنجليزية، أو إلى اللغة الفارسية أو الأردية أو غيرها، لا نرى أن الإنسان يتخطى اللغة العربية إلى لغة أخرى، فيجعلها هي لغة التخاطب والتفاهم، لكن كونه يتعلم لغة الغير لأجل الدعوة إلى الله أو للمصالح الدنيوية التي ليست حراماً فلا أحد ينكره أبداً.
المهم أن الغش في اللغة الإنجليزية في الاختبار حرام، ولا يجوز للمصحح أن يتهاون في ذلك أيضاً، بل الواجب عليه أن يعامل الإجابة في اللغة الإنجليزية كما يعامل الإجابة في غيرها من مواد الدراسة.
ولا فرق.
وأما كون الإنسان ينجح بالغش ثم يتوصل بذلك النجاح المغشوش الهزيل الرديء إلى مرتبة من المراتب فإننا نرى أن ذلك خطر على أكله وشربه الذي استفاده من الراتب المقرر على النجاح في هذه المرحلة، ونرى أن الإنسان يجب عليه إذا تمكن أن يعيد الاختبار مرة ثانية على وجهٍ صحيح فليفعل، هذا إذا كان الغش في الشهادة التي ترتب عليها هذا الراتب.
أما إذا كان في أثناء الدراسة فهذا إذا تاب إلى الله وكان آخر مرحلة نال الشهادة بها على وجه صحيح، فنرجو أن الله يتوب عليه، وأنه لا حرج عليه فيما يأخذ من الراتب بناءً على هذه الشهادة، فإذا قال: إنه غش في آخر شهادة نال بها هذا الراتب، ولا يمكنه أن يعيد الاختبار؛ لأنه جبان لا يستطيع أن يصرح، فإني أرجو إذا كانت الوظيفة التي يشغلها لا علاقة لها فيما غش فيه أرجو أن يكون ذلك توبة صحيحة.
стр. 1834
الحكمة من وقوع الكوارث
فضيلة الشيخ! ذكرت أن يوم القيامة تشقق الأرض، وتسطح الأرض، فهل تشقق الجبال في البراكين تعتبر من التسطح أم لا؟
لا.
انشقاق الأرض بالبراكين هذه تعتبر من عذاب الله ، فهي تشبه الزلازل، والزلازل من عقوبات الله لا شك في هذا، فهي إنذار وتحذير للذين وقع بهم هذا البركان، وكذلك لغيرهم؛ لأن الذي شق الأرض حتى خرج منها هذا البركان قادر على أن يشقها في أي مكان، ولذلك يجب علينا ألا نقول: هذه أمور طبيعية، بل نقول: هذه أمور كونية قدرية، قدرها الله وأراد أن يري العباد آياته حتى يتذكروا ويرجعوا إلى الله، لكن مع الأسف لقلة معرفتنا بالله وخوفنا منه تمر بنا هذه الأشياء مر الرياح، وكأنها لا شيء، مع أن الرسول ﷺ كان إذا رأى سحاباً أو غيماً صار يدخل ويخرج ويتغير، وجهه ويقول: (ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح) .
فالحاصل أن هذه البراكين تعتبر عقوبة من الله وإنذار وتخويف، فعلى المؤمن أن يتعظ بها ويخاف، كما أن الفتن التي تقع -أيضاً- بين الناس من حروب وغيرها هي -أيضاً- عقوبات، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] وفي هذين قال النبي ﷺ : (أعوذ بوجهك) أي: أن ينالنا شيء من فوق أو من تحت؛ هذا لا يمكن التخلص منه، قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام:٦٥] يجعلكم متفرقين ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥] فقال الرسول ﷺ : (هذه أهون) مع أنها عظيمة؛ كون الإنسان يقابل الرجل الذي هو مثله ويقتله، ويستبيح بذلك ماله وعرضه وأهله، هذه عظيمة، لهذا نقول: يجب علينا أن نتعظ بما يحصل من آيات الله الكونية التي لا صنع لنا فيها ولا قدرة، وأن نتعظ بما يحدث بين الناس من الفتن، فإن الذي قدر الفتن في أرض مطمئنة ساكنة من قبل قادر على أن يقدرها في أرض أخرى، وينقل هذه الفتنة إلى أرض أخرى، فالواجب أن نتعظ بهذه الآيات وألا تمر علينا مر الرياح.
стр. 1835
توبة الزاني والزانية
فضيلة الشيخ! شاب يسأل فيقول: إنه كان عنده معاصٍ وتاب إلى الله ، ولكن معصيةً ما زالت تؤنب ضميره وهو أنه فعل الزنا في بكر، فماذا يصنع يا شيخ؟! هل يراجع أهلها مع العلم أنه لا يستطيع أن يتزوجها، وهو الآن ما زال يتخبط بنفسه ويعيش حياة نفسية مضطربة في هذه القضية، فما رأي فضيلتكم في هذا؟
الذي نرى أن الإنسان إذا تاب من أي ذنب فإن الله يتوب عليه؛ لأن الله ذكر أصول الذنوب العظيمة الكبيرة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] وهذا الشرك ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] عدوان على الله وعلى النفوس وعلى الأعراض، قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] فالواجب على الإنسان إذا تاب توبة نصوحاً اكتملت فيها الشروط الخمسة المعروفة وهي: الندم، والإقلاع، والعزم على ألا يعود في المستقبل، والإخلاص وهو الأصل، وأن تكون التوبة قبل فوات الأوان، فإذا استكملت هذه الشروط الخمسة في حقه فهي توبة نصوح، يمحو الله بها كل ما سلف من ذنوبه حتى الزنا.
أما بالنسبة للمزني بها فإن كان باختيارها فهي لا تسأل عن ذلك بنفسها، وإن كان إكراهاً فعليه أن يتوب إلى الله من هذا الإكراه، وإذا تمكن أن يستحلها فليفعل، وإذا لم يتمكن فليكثر من الاستغفار لها، والله غفور رحيم.
أما ما حصل من إذهاب بكارتها بهذا الزنا وأنها ستكون في حرج عظيم؛ لأنها إذا خطبت على أنها بكر مشكلة، إن قالت: قد زالت بكرتها سوف يكون عليها علامات استفهام كثيرة، وإن سكتت كان في هذا شيء من الغش بالنسبة للزوج الذي يتزوجها، لكني أرجو من الله إذا كانت توبته صادقة وكانت المرأة -أيضاً- مطاوعة وتوبتها صادقة أن يجعل الله لهما فرجاً ومخرجاً.
وأما قولك في السؤال: إنه لا يمكن أن يتزوج بها فلا أدري لماذا قلت: لا يمكن؟ هل هو فقير؟ السائل: الأسباب التي لا يمكن أن يتزوج منها: السبب الأول: اختلاف القبيلة.
السبب الثاني: رفض الأب من الزواج من هذه العائلة.
فالأب مُصِر على الرفض، وكذلك علاقة العائلة بالقبيلة تختلف عن قبيلتهم بالنسبة للنسب.
الشيخ: على كل حال إذا تيسر أن يتزوج بها فهذا المطلوب، وإن لم يتيسر فسيجعل الله لها فرجاً ومخرجاً ما دامت توبتها صادقة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] وهذا عام.
стр. 1836
تحديد صوم يوم عاشوراء
فضيلة الشيخ! هل صيام يوم بعد يوم عاشوراء أفضل أم قبله؟
قال العلماء: صيام يوم عاشوراء إما أن يكون مفرداً أو يصوم معه التاسع، أو يصوم معه الحادي عشر، ويمكن هناك صورة رابعة أن يصوم التاسع والعاشر والحادي عشر، فيصوم ثلاثة أيام من الشهر.
والأفضل إذا كان لا يريد أن يصوم إلا يومين فالأفضل أن يصوم التاسع والعاشر دون الحادي عشر، لكن في هذا العام، أعني عام (١٤١٥هـ) ، اختلف الناس؛ لأنه لم يصل الخبر -أعني ثبوت الشهر- إلا متأخراً، فبنى بعض الناس على الأصل وهو أن يكمل شهر ذي الحجة ثلاثين يوماً، وقال: إن اليوم العاشر هو يوم الإثنين، فصام الأحد والإثنين، والذين بلغهم الخبر من قبل عرفوا الخبر -أي: أن الشهر ثبت دخوله ليلة الثلاثين من ذي الحجة- فصاموا يوم السبت ويوم الأحد، وبهذه المناسبة أود أن أبين أنه قد ورد في حديث أخرجه أبو داود أن النبي صلى عليه وعلى آله وسلم قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة أو عود عنب فليمضغه) فهذا الحديث قال أبو داود: إن مالكاً ﵀ -وهو مالك بن أنس الإمام المشهور- قال: إن هذا الحديث كذب أي: مكذوب على الرسول ﷺ لا يصح، والحقيقة أن من تأمل هذا الحديث وجد أن فيه اضطراباً في سنده وفيه شذوذ أو نكارة في متنه.
أما الاضطراب في سنده فقد تكلم عليه أهل العلم ومن شاء أن يراجعه فليراجعه، وأما الشذوذ في متنه والنكارة فهو أنه ثبت عن النبي ﷺ فيما رواه البخاري في صحيحه (أن النبي ﷺ دخل على جويرية بنت الحارث فقالت: إنها صائمة.
فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا.
قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا.
قال: فأفطري) ومعلوم أن الغد من يوم الجمعة يكون يوم السبت، فهذا قول الرسول ﷺ فيما رواه البخاري، أنه أذن في صوم يوم السبت، وكذلك ما رواه أهل السنن عن أم سلمة ﵂ أنها سئلت: ما هي أكثر الأيام التي كان الرسول ﷺ يصومها؟ قالت: [يوم السبت ويوم الأحد] .
فثبت من سنة الرسول ﵊ القولية والفعلية أن صوم يوم السبت ليس حراماً، والعلماء مختلفون في هذا الحديث في العمل به، فمنهم من قال: إنه لا يعمل به إطلاقاً، وأن صوم يوم السبت لا بأس به، سواء أفرد أم لم يفرد؛ لأن الحديث لا يصح، والحديث الذي لا يصح لا ينبني عليه حكم من الأحكام.
ومنهم من صحح أو حسن الحديث وقال: إن الجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى أن المنهي عنه إفراده فقط، أن يفرده دون الجمعة أو يوم الأحد، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀، فقال: إذا صام مع يوم السبت يوماً آخر فلا بأس، كأن يصوم معه الجمعة أو يصوم معه الأحد.
وكذلك نقول: إذا صادف يوم السبت يوماً يشرع صومه كيوم عرفة أو يوم العاشر من شهر محرم فإنه لا يكره صومه؛ لأن المراد أن تصومه؛ لأنه يوم السبت، أي: تصومه بعينه لا بما صادفه من الأيام التي يشرع صومها وقد نبهت على ذلك؛ لأن بعض الإخوة سمع أن أناساً صاموا يوم السبت ليصوموا التاسع والعاشر فأمرهم أن يفطروا، وهذا في الحقيقة مجتهد، لكن ليس كل مجتهد مصيباً
стр. 1837
كروية الأرض
فضيلة الشيخ ذكرتم في مقدمة الآيات قضية الكرة الأرضية أن الإنسان إذا اتجه جهة الغرب يأتي من جهة المشرق وبالعكس -أيضاً- فكيف ذلك؟
استأجر طائرة من الطائرات وسر على هذا الاتجاه فستجد هذا، وهذا شيء مؤكد وقد تكلم العلماء ﵏ قديماً كـ ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم على ذلك، وأكدوا أن الأرض كروية أما العرش فهو فوق السماوات كالقبة، لكنه غير كروي؛ لأن له قوائم كما أخبر النبي ﷺ أنه إذا صعق الناس يوم القيامة يكون الرسول ﷺ أول من يفيق، ويرى موسى آخذاً بقوائم العرش، فهذا العرش ليس كروياً ولكن ما تحت العرش كروي، فأنت إذا أقلعت بالطائرة من مطار جدة واتجهت غرباً، فإذا بك تحط في مطار جدة مرة أخرى.
стр. 1838
مسألة الاستثناء في أبدية الجنة
فضيلة الشيخ! يقول الله في سورة هود لأهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] وقال في الآية التي بعدها: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] ما المقصود وما المراد بالمشيئة هنا في أهل الجنة؟
المراد أنهم خالدون فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك فيما زاد على ذلك؛ لأنه لو لم يأت هذا الاستثناء وقال: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود:١٠٧] لتوهم واهم بأن مدة بقاء الناس في النار أو بقاء السعداء في الجنة على قدر دوام السماوات والأرض، فلما قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] صار المعنى: يزيدون على ذلك ما شاء الله تعالى أن يزيدوا عليه، وقد بين الله تعالى في آية أخرى أن ذلك إلى الأبد، لا بالنسبة لأصحاب الجنة ولا بالنسبة لأصحاب النار، فقال تعالى في أصحاب النار في ثلاث آيات من كلامه أنهم خالدون فيها أبداً، كما قال في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء:١٦٨-١٦٩] وقال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [الأحزاب:٦٤-٦٥] وقال تعالى في سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجن:٢٣] .
أما التأبيد بالنسبة لأهل الجنة فكثير في القرآن، فعلى هذا يكون أهل النار خلودهم مؤبد وأهل الجنة خلودهم مؤبد، أما الاستثناء فعرفت وجهه ﴿إِلَاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] .
стр. 1839
حكم صرف الذهب والفضة بآلات الصرف الآلي
فضيلة الشيخ! انتشرت هذه الأيام آلات الصرف الآلي التي توفرها البنوك لعملائها لتسهيل عمليات السحب النقدي، كما أن هذه الخدمة بدأت تنتشر في المحلات التجارية ومحلات الذهب، فهل يجوز الشراء بهذه الطريقة؟ الشيخ: كيف يعني؟ السائل: يعني: محلات الذهب الظاهر أنها مقايضة وليس فيها استلام نقداً بنقد؟ الشيخ: أما الذهب فلا بد من الاستلام، لكن أريد أن أعرف هذا الصرف؟ السائل: يعطى العميل بطاقة ويدخلها في الآلة ويطلب نقداً؛ علماً بأن المشتري لا يدفع نقداً، وإنما يدخل بطاقته في الجهاز ويحول المبلغ الذي اشترى به على حساب صاحب المحل دون أن يكون هناك تقابض؟
هذا لا يجوز في حال شراء الذهب والفضة؛ لأنه يشترط في الذهب والفضة التقابض من الجانبين، أما إذا أخذ المشتري الذهب والفضة وقام بتحويل الثمن عن طريق الكمبيوتر فليس هناك تقابض في هذه الحال، ولذلك لا نرى جواز ذلك.
أما في غير الذهب والفضة فهذا لا بأس به، وهو من التسهيل على المشتري، فمثلاً: يدخل الرجل ويشتري سلعاً بثلاثة آلاف ريال -مثلاً- ولا يدفع نقداً، بل يقوم بتحويل هذا المبلغ إلى رصيد صاحب المحل عن طريق هذا الجهاز، فهذا شيء طيب ولا شيء فيه.
стр. 1840
إصابة الإنسان بالعين وعلاج ذلك
فضيلة الشيخ! هل يصاب الإنسان في دينه فينحرف بسبب العين وهل يأثم على ذلك؟ وما هو العلاج؟
ربما يصاب الإنسان بالعين في كل شيء وفي كل نعمة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] وفي الأمثال العامة المنتشرة: "كل ذي نعمة محسود" فقد يصاب الإنسان المتدين بالعين، ويضيق صدره بالعبادة، أو يصاب بالعين فينسى ما حفظ، أو يصاب بالعين فيعجز أن يحفظ، فالعين -نسأل الله العافية- قال فيها الرسول ﵊: (لو سبق القدر شيء لسبقته العين) ودواء ذلك أن يبحث عن العائن ليعمل ما أمر به الرسول ﵊ حتى تزول العين، فإن لم يمكن فبكثرة القراءة والاستغفار، وكثرة قول: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فإن الله تعالى قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨] وهذه الكلمة كل من قالها بصدق حال الغم فإن الله تعالى يذهب عنه البلاء؛ لأن الله قال وهو أصدق القائلين وأقدر الفاعلين: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨] فعليه أن يتوب ويستغفر ويكثر من الاستغفار والتوبة والذكر والقراءة، وقول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقول: اللهم إني أجعلك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم وأمثال ذلك من التعوذات.
السائل: هل ينحرف عن دينه بسبب العين؟ الشيخ: مسألة الانحراف لا أدري؛ لكن كونه يضيق صدره بالعبادة التي حسد عليها يمكن هذا.
السائل: هل يأثم على ذلك؟ الشيخ: قال الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] لكن فعل المحرمات يأثم عليها.
стр. 1841
دوران الأرض ودوران الشمس
فضيلة الشيخ! عندنا في مادة العلوم في الصف السادس الابتدائي درس عن دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، فهل ورد في كتاب أو سنة ما يثبت هذا؟ وما هو موقف المدرس من هذا الدرس؟
أما كون الأرض تدور أو لا تدور فهذا لا أعلم شيئاً في القرآن أو السنة يؤيده أو يفنده، وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل:١٥] هذه دليل من يقول: إن الأرض لا تتحرك، ومن يقول: إن الأرض تتحرك، كيف هذا؟ ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل:١٥] قال الذين قالوا إن الأرض تتحرك: هذا دليل لنا، وقال الآخرون: هذا دليل لنا، حسناً الذين قالوا: إنها دليل لنا قالوا: إن الله قال: ﴿َأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل:١٥] إذاً لا تتحرك، وقال الآخرون: ﴿أَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل:١٥] أي: أن تضطرب، وأن الاضطراب يدل على أصل الحركة.
وعلى كل حال أنا أتوقف في هذا ولا أستطيع أن أقول: إنها تتحرك أو تدور ولا أقول: إنها لا تدور؛ لأنه لم يثبت عندي في القرآن أو في السنة أن ذلك كائن أو غير كائن.
أما بالنسبة للشمس فالذي أعتقده إلى الآن أن الشمس هي التي تدور على الأرض وأن اختلاف الليل والنهار يكون بالشمس بجريانها حول الأرض، هذا الذي أعتقده؛ لأن هذا هو ظاهر كلام الله، والله هو الذي خلق الشمس وهو الذي خلق الأرض وهو أعلم بها من غيره، قال الله ﵎: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَر عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف:١٧] فيها ضميران الآن، طلعت يعني: الشمس، تزاور أي: الشمس، ولو كان طلوع الشمس بدوران الأرض لقال: وترى الشمس إذا طلعت عليها -أي: هي تطلع وتأتينا- إذا طلعت تزاور ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:١٧] (إذا غربت) ضمير يعود على الشمس (تقرضهم) ضمير يعود على الشمس أيضاً، وقال تعالى عن سليمان: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢] توارت الشمس بالحجاب، ولو كان ذلك بدوران الأرض لقال: حتى تورى عنها، أي: الشمس بالحجاب، وقال تعالى في ذي القرنين: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف:٨٦] أي: في البحر، وقال النبي ﵊ لـ أبي ذر حين غربت الشمس: (يا أبا ذر! أتدري أين تذهب؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، فتستأذن الله أتطلع أم لا، فإن أذن لها وإلا قيل: ارجعي من حيث جئتي، فترجع فتخرج من المغرب) كل هذه الضمائر تعود على الشمس، والذي قال ذلك هو الله وهو أعلم بما خلق، ونحن تعجز عقولنا عن إدراك هذا، فمادمنا لم نر أمراً محسوساً نشهده كما نشهد الشمس على أن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض فإن الواجب علينا أن نأخذ بظاهر القرآن والسنة، هذا الواجب، وهو لا يجوز أن نأخذ بقول فلان وفلان إلا إذا رأينا هذا بأعيننا، أي: لو فرض أننا أيقنا مثل الشمس أن الليل والنهار يكون تعاقبهما بدوران الأرض لقلنا: إن الله تعالى خاطب الناس بما يفهمون في ذلك الوقت ويكون طلوع الشمس وغروبها وتزاورها بحسب رؤية الرائي لا باعتبار الواقع، هذا متى نقوله؟ إذا علمنا ذلك حساً بأعيننا؛ لأن القرآن لا يعارض الواقع.
أما مجرد أن قالوا: كذا، نقول: كذا، هم قالوا: إن المادة غير مستحدثة، وغير حادثة -سبحان الله- المادة عندهم لا تفنى ولا تستحدث، فمن الذي خلقها ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٦] كل الكون حادث مخلوق خلقه الله من لا شيء، وأما فنائها فقد قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] ونحن نشاهد الحطب خشباً، فإذا أحرق بالنار صار رماداً تذروه الرياح، هل الرماد هذا هو الذي كان خشباً تغير، ولهذا ذهب بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية إلى طهارة النجاسة بالإستحالة، وقال: إن النجاسة إذا تحولت إلى رماد فهي رماد وليست نجاسة.
فعلى كل حال هذه مسائل لا ينبغي لنا أن نتابع آراء من تكلم بها بمجرد أن يقول هكذا، وعندنا وحي منزل من الله ، إلا إذا تبين لنا رأي العين على وجه ممكن أن نتأول الآيات إلى معنىً آخر فهذا شيء لا بأس به.
стр. 1842
لقاء الباب المفتوح [٦٢]
في هذه المادة تفسير أول آيات من سورة الفجر مع بيان الأيمان الواردة فيها والحكمة من القسم بها، ثم أجاب عن الأسئلة الواردة في اللقاء.
стр. 1843
تفسير آيات من سورة الفجر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو المجلس الثاني والستون من اللقاءات الأسبوعية التي تتم كل خميس، وهذا يوم الخميس هو الحادي والعشرون من شهر المحرم عام (١٤١٥هـ) ، وكان من عادتنا أن نتكلم بما يسر الله من تفسير القرآن الكريم الذي ابتدأناه بسورة النبأ، وقد انتهينا إلى سورة الفجر.
стр. 1844
تفسير قوله تعالى: (والفجر)
فنقول وبالله نقول: قال الله : ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر:١-٤] كل هذه أيمان: بالفجر، وليال عشر، والشفع، والوتر، والليل إذا يسر.
خمسة أشياء أقسم الله تعالى بها.
الأول: الفجر؛ والفجر: هو النور الساطع الذي يكون في الأفق الشرقي قرب طلوع الشمس، وبينه وبين طلوع الشمس ما بين ساعة واثنتين وثلاثين دقيقة إلى ساعة وسبع عشرة دقيقة، ويختلف باختلاف الفصول، فأحياناً تطول الحصة ما بين الفجر وطلوع الشمس، وأحياناً تقصر حسب الفصول، والفجر فجران: فجر صادق وفجر كاذب، والمقصود بالفجر هنا: الفجر الصادق، والفرق بين الفجر الصادق والكاذب من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: الفجر الكاذب يكون مستطيلاً في السماء، ليس عرضاً ولكنه طولاً، وأما الفجر الصادق فيكون عرضاً، يمتد من الشمال إلى الجنوب.
الوجه الثاني: أن الفجر الصادق لا ظلمة بعده بل يزداد الضياء حتى تطلع الشمس، وأما الفجر الكاذب فإنه يكون بعده ظلمة؛ يحدث بعده ظلمة بعد أن يكون هذا الضياء، ولهذا سمي كاذباً؛ لأنه يضمحل ويزول.
الوجه الثالث: أن الفجر الصادق متصل بالأفق، أما الفجر الكاذب فبينه وبين الأفق ظلمة.
هذه ثلاثة فروق أفقية حسية يعرفها الناس إذا كانوا في البر، أما في المدن فلا يعرفون ذلك؛ لأن الأنوار تحجب هذه العلامات.
- وأقسم الله بالفجر؛ لأنه ابتداء النهار، وهو في الحقيقة انتقال من ظلمة دامسة إلى فجر ساطع.
- وأقسم الله به؛ لأنه لا يقدر على الإتيان بهذا الفجر إلا الله ، كما قال الله ﵎: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص:٧١] .
- وأقسم الله بالفجر؛ لأنه يترتب عليه أحكام شرعية، مثل إمساك الصائم؛ فإنه إذا طلع الفجر وجب على الصائم أن يمسك إذا كان صومه فرضاً، أو نفلاً إذا أراد أن يتم صومه، ويترتب عليه أيضاً دخول وقت صلاة الفجر، وهما حكمان شرعيان عظيمان، أهمهما: دخول وقت الصلاة، أي: أنه يجب أن نراعي الفجر من أجل دخول وقت الصلاة أكثر مما نراعيه من أجل الإمساك في حال الصوم، لماذا؟ لأننا في الإمساك عن المفطرات في الصيام لو فرضنا أننا أخطأنا فإننا بنينا على أصل وهو بقاء الليل، لكن في الصلاة لو أخطأنا وصلينا قبل الفجر لم نكن بنينا على أصل؛ لأن الأصل بقاء الليل وعدم دخول وقت الصلاة، ولهذا لو أن الإنسان صلى الفجر قبل دخول وقت الصلاة بدقيقة واحدة فصلاته نفل، ولا تبرأ بها ذمته، ومن ثم ندعوكم أيها الإخوة! إلى ملاحظة هذه المسألة، أعني: العناية بدخول وقت صلاة الفجر؛ لأن كثيراً من المؤذنين يؤذنون قبل الفجر، وهذا غلط؛ لأن الأذان قبل الوقت ليس بمشروع؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) ومتى يكون حضور الصلاة؟ إذا دخل وقتها، فلو أذن الإنسان قبل دخول وقت الصلاة فأذانه غير صحيح، ويجب عليه الإعادة، والعناية بدخول الفجر مهمة جداً من أجل مراعاة وقت الصلاة.
стр. 1845
تفسير قوله تعالى: (وليال عشر)
قوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:٢] قيل: المراد بالليالي العشر: عشر ذي الحجة، وأطلق على الأيام ليالي؛ لأن اللغة العربية واسعة، قد تطلق الليالي ويراد بها الأيام، والأيام ويراد بها الليالي، وقيل: المراد بالليالي العشر، ليالي العشر الأخيرة من رمضان.
أما على القول الأول الذين يقولون: المراد بالليالي العشر عشر ذي الحجة؛ فلأن عشر ذي الحجة أيام فاضلة، قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) .
وأما الذين قالوا: إن المراد بالليالي العشر هي ليالي عشر رمضان الأخيرة، فقالوا: إن الأصل في الليالي أنها الليالي وليست الأيام.
وقالوا: إن ليالي العشر الأخيرة من رمضان فيها ليلة القدر التي قال الله عنها إنها ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] وقال إنها: ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣] وقال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] وهذا القول أرجح من القول الأول، وإن كان القول الأول هو قول الجمهور، لكن اللفظ لا يسعف قول الجمهور، وإنما يرجح القول الثاني، وهو أن الليالي هي العشر الأواخر من رمضان، وأقسم الله بها لشرفها؛ ولأن فيها ليلة القدر؛ ولأن المسلمين يختمون بها شهر رمضان الذي هو وقت فريضة من فرائض وأركان الإسلام، فلذلك أقسم الله بهذه الليالي.
стр. 1846
تفسير قوله تعالى: (والشفع والوتر)
وأما قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:٣] فقيل: إن المراد به كل الخلق إما شفع وإما وتر، والله يقول: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات:٤٩] والعبادات إما شفع وإما وتر، فيكون المراد بالشفع والوتر كل ما كان مخلوقاً من شفع ووتر، كل ما كان مشروعاً من شفع ووتر.
وقيل: المراد بالشفع: الخلق كلهم؛ والمراد بالوتر: الله .
واعلم أن قوله: (والوتر) فيه قراءتان صحيحتان وهما: (والوِتر والوَتر) يعني: لو قلت: (والشفع والوِتر) صح، ولو قلت: (والشفع والوَتر) صح أيضاً، فقالوا: إن الشبه والخلق؛ لأن المخلوقات كلها مكونة من شيئين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات:٤٩] (والوَتر أو الوِتر) هو الله، لقول النبي ﷺ : (إن الله وتر يحب الوتر) وإذا كانت الآية تحتمل معنيين ولا منافاة بينهما فلتكن لكل المعاني التي تحتملها الآية، هذه القاعدة في علم التفسير، أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين وأحدهما لا ينافي الآخر فهي محمولة على المعنيين جميعاً.
стр. 1847
تفسير قوله تعالى: (والليل إذا يسر)
قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر:٤] أقسم الله أيضاً بالليل إذا يسر، والسري هو: السير في الليل، والليل يسير، يبدأ من المغرب وينتهي بطلوع الفجر، فهو يمشي زمناً ولا يتوقف، فهو دائماً في سريان، فأقسم الله به لما في ساعاته من العبادات، كصلاة المغرب والعشاء، وقيام الليل، والوتر، وغير ذلك؛ ولأن في الليل مناسبة عظيمة وهي أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ فيقول: (من يسألني فأعطيه، من يدعوني فأستجيب له، من يستغفرني فأغفر له) ولهذا نقول: إن الثلث الآخر من الليل: إنه وقت إجابة، فينبغي أن ينتهز الإنسان هذه الفرصة فيقوم لله يتهجد، ويدعو الله بما شاء من خير الدنيا والآخرة، لعله يوافق ساعة إجابة ينتفع بها في دنياه وأخراه.
стр. 1848
الأسئلة
стр. 1849
وقت سنة الفجر
فضيلة الشيخ: هل ركعتي الفجر مثل صلاة الفجر في اشتراط دخول الوقت أم لا؟
سنة الفجر لا تكون إلا بعد طلوع الفجر، وسنة الظهر الأولى أيضاً لا تكون إلا بعد أذان الظهر.
стр. 1850
تسوية الصفوف في الصلاة
فضيلة الشيخ هل المراد بقول الإمام: (استووا واعتدلوا) يعني: استقامة الصف واعتداله، أم أنه متضمن لسد الفرجات وإلصاق القدم بالقدم والمنكب بالمنكب؟ وما صحة الحديث الذي ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (لتسون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) هذه المسألة أصبحت بين تفريط وإفراط، فنرجو التوضيح والله يحفظكم؟
أولاً: يجب أن نعلم أن على الإمام مسئولية وهي تسوية الصفوف، بأمر الناس بذلك، وإذا لم يمتثلوا تقدم هو بنفسه إلى من تأخر عن الصف أو تقدم ليعدله؛ لأن نبينا وإمامنا وقدوتنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يسوي الصفوف كأنما يسوي بها القداح، وكان يمر بالصف يمسح المناكب والصدور، ويأمرهم بالاستواء، ولا أدري هل الناس يعملونها اليوم أم لا؟ بل إن رأى الناس إماماً يفعل هذا ربما صرخوا به، ولكن سنة النبي ﷺ أحق أن تتبع، والمهم أن على الإمام أن يعتني بتسوية الصفوف، فيلتفت يميناً ويستقبل الناس بوجهه، ويلتفت يساراً ويقول: استووا، سووا صفوفكم، لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، تراصوا، سدوا الخلل، كل هذه الكلمات وردت عن النبي ﷺ .
وقد خرج النبي ﷺ يوماً من الأيام بعد أن عقل الناس عنه تسوية الصفوف، وصاروا يسوونها، فرأى رجلاً بادياً صدره - متقدماً بعض الشيء- فقال: (عباد الله! لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) وهو حديث صحيح، وفيه وعيد.
ومخالفة الله بين الوجوه قيل فيها معنيان: المعنى الأول: إما أن الله يدير وجه الإنسان فيكون وجهه إلى كتفه -والعياذ بالله.
المعنى الثاني: أن المراد ليخالفن الله بين وجهات نظركم فتفترق القلوب وتختلف، لقوله: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) وأياً كان الأمر سواءً لي الرقبة حتى يكون الوجه إلى جانب البدن، أو أن المراد اختلاف القلوب، كلها وعيد شديد، وهذا يدل على أنه يجب على الإمام أن يعتني بتسوية الصف، لكن لو التفت ووجد الصف مستقيماً بالتراص والتساوي في المكان هل يقول: استووا أم لا يقول؟ الظاهر لي أنه لا يقولها، يعني: مثلاً لو كان وراءه رجلان فقط والتفت وإذا بهما متساويان متراصان وعلى الوجه المطلوب فلا حاجة إلى أن يقول: استووا؛ لأن هذه الكلمة لها معناها، وليست كلمة عابرة، فالإمام إذا قال: استووا ورآهم لم يستووا يجب أن يعيد القول وألا يكبر إلا وقد استوت الصفوف.
ألم تعلموا أن أمير المؤمنين عمر ﵁ وكذلك عثمان لما كثر الناس جعل وكيلاً يمر بالصفوف يسويها، حتى إذا جاء وقال: إنها استوت كبر.
كل هذا يدل على عناية الشرع بتسوية الصف، فإلصاق القدم بالقدم والمنكب بالمنكب لأمرين: الأمر الأول: التسوية.
الأمر الثاني: سد الفرج والخلل؛ لأنك إذا فتحت بينك وبين الذي بجوارك فرجة جاءت الشياطين ودخلت من هذه الفرج ولبست على الناس صلاتهم.
стр. 1851
التفصيل في الإنكار على الولاة علناً
فضيلة الشيخ! هناك من يقول: إن الإنكار على الولاة علناً من منهج السلف، ويستشهد بحديث أبي سعيد الخدري في إنكاره على مروان بن الحكم حينما قدم الخطبة على الصلاة، وبقوله ﷺ : (ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم) وبحديث (سيد الشهداء رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) فهل هذا كلام صحيح؟ وكيف الجمع بين هذه الآثار الصحيحة وبين قوله ﵊: (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية) نرجو التفصيل في هذه المسألة، حيث أن كثير من شباب الصحوة يجهل الحكم الصحيح في هذه المسألة، وبخاصة أن هناك من الدعاة من يقول: إن الإنكار على الولاة علناً من منهج السلف، مما يجعل الشباب يثور ويظن أن عدم الإنكار علناً دليل المداهنة في الدين وغير ذلك، ولما لهذه المسألة من خطورة، نرجو التفصيل وجزاكم الله خيراً؟
هذا السؤال مهم، وجوابه أهم منه في الواقع، ولا شك أن إنكار المنكر واجب على كل قادر عليه، لقول الله ﵎: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٤-١٠٥] واللام في قوله: (ولتكن) لام الأمر، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم) أي: كما لعن بني إسرائيل الذين قال الله عنهم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٨-٧٩] .
ولكن يجب أن نعلم أن الأوامر الشرعية في مثل هذه الأمور لها مجال، ولا بد من استعمال الحكمة، فإذا رأينا أن الإنكار علناً يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علناً، وإذا رأينا أن الإنكار علناً لا يزول به الشر، ولا يحصل به الخير بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سراً، وبهذا تجتمع الأدلة، فتكون الأدلة الدالة على أن الإنكار يكون علناً فيما إذا كنا نتوقع فيه المصلحة، وهي حصول الخير وزوال الشر، والنصوص الدالة على أن الإنكار يكون سراً فيما إذا كان إعلان الإنكار يزداد به الشر ولا يحصل به الخير.
وأقول لكم: إنه لم يضل من ضل من هذه الأمة إلا بسبب أنهم يأخذون بجانب من النصوص ويدعون جانباً، سواء كان في العقيدة أو في معاملة الحكام أو في معاملة الناس، أو في غير ذلك، ونحن نضرب لكم أمثالاً حتى يتضح الأمر للحاضرين وللسامعين: مثلاً: الخوارج والمعتزلة رأوا النصوص التي فيها الوعيد على بعض الذنوب الكبيرة فأخذوا بهذه النصوص، ونسوا نصوص الوعد التي تفتح باب الرجاء، -فمثلاً- قالوا: إذا قتل الإنسان مؤمناً عمداً فإنه يكون كافراً -على رأي الخوارج -مباح الدم مخلداً في النار، وعلى رأي المعتزلة يقولون: إذا قتله خرج من الإسلام لكن لا يدخل في الكفر؛ لأننا لا نستطيع أن نجزم بأنه كافر، فنقول: خرج من الإسلام وكان في منزله بين الإسلام وبين الكفر، ولكنه مخلد في النار، ثم أهملوا آيات الوعد وأحاديث الوعد الدالة على أن الله يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من الإيمان.
ثم قابلهم آخرون وقالوا: الإنسان مهما عمل من المعاصي التي دون الكفر فإنه مؤمن كامل الإيمان ولا يدخل النار أبداً، وقالوا: إن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ.
﴾ [النساء:٩٣] هذه في الكافر إذا قتل مؤمناً، الآن لماذا ضل هؤلاء وهؤلاء؟ لأنهم أخذوا بجانب واحد من النصوص.
كذلك -مثلاً- في صفات الله تجد أن بعض الناس قال: إن الله لا يمكن أن يجيء بنفسه، ولا يمكن أن ينزل إلى السماء الدنيا، وليس له وجه، وليس له يدان، لماذا؟ قالوا: لأن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] قالوا: وأنت إذا أثبت هذه الأمور مثَّلت الله.
وقابلهم أناس آخرون فقالوا: إن الله تعالى أثبت لنفسه وجهاً، وأثبت له يدين، وأثبت أنه ينزل، وأنه يجيء، فوجهه كوجوهنا، ويده كأيدينا، ونزوله كنزولنا، ومجيئه كمجيئنا؛ لأننا لا نعقل من المجيء واليد والوجه إلا ما نشاهد، والله خاطبنا بما يمكن إدراكه، فيكون مجيء الله ووجه الله ويد الله ونزول الله مثل ما يثبت لنا.
إذاً: هؤلاء في طرف وهؤلاء في طرف، وكلهم ضالون؛ لأن كل واحد أخذ بجانب، فنحن نقول: إن الله تعالى له وجه وله يدان ويجيء وينزل لكن ليس كأيدينا وكوجوهنا وحاشاه من ذلك ؛ لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] .
كذلك أيضاً في مسألة مناصحة الولاة، من الناس من يريد أن يأخذ بجانب من النصوص وهو إعلان النكير على ولاة الأمور، مهما تمخض عنه من المفاسد، ومنهم من يقول: لا يمكن أن نعلن مطلقاً، والواجب أن نناصح ولاة الأمور سراً كما جاء في النص الذي ذكره السائل، ونحن نقول: النصوص لا يكذب بعضها بعضاً، ولا يصادم بعضها بعضاً، فيكون الإنكار معلناً عند المصلحة، والمصلحة هي أن يزول الشر ويحل الخير، ويكون سراً إذا كان إعلان الإنكار لا يخدم المصلحة، لا يزول به الشر ولا يحل به الخير.
وأنتم تعلمون -بارك الله فيكم- أن ولاة الأمور لا يمكن أن يرضوا جميع الناس أبداً، حتى إمام المسجد، هل يرضي جميع المصلين؟ لا.
بعضهم يقول: تبكر! وبعضهم يقول: تطول! وبعضهم يقول: تقصر! وفي الشتاء يتنازعون والذي يصلي في الشمس والذي يصلي في الظلال لا يحصل الاتفاق، فإذا أعلن النكير على ولاة الأمور استغله من يكره (وجعل من الحبة قبة) وثارت الفتنة، وما ضر الناس إلا مثل هذا الأمر! الخوارج كانوا مع علي بن أبي طالب ﵁ على جيش الشام، وعندما تصالح علي مع جيش الشام حقناً لدماء المسلمين صاروا ضده، وقالوا: أنت كافر.
كفروا علي بن أبي طالب -والعياذ بالله- لماذا؟ لأن رعاع الناس وغوغاء الناس لا يمكن ضبطهم أبداً، وإعلان النكير على ولاة الأمور يستغله هؤلاء الغوغاء ليصلوا إلى مآربهم، وكما قال النبي ﵊: (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكنه رضي بالتحريش بينهم) بين من؟ بين سكان الجزيرة، يحرش بينهم حتى تؤدي المسائل إلى القتل ويلاقي الإنسان أخاه في الإسلام وربما أخاه في النسب أو ابن عمه أو صهره فيقتله على أي شيء؟ ولا على شيء.
فالحاصل أننا نقول: يجب على شباب الصحوة أن ينظروا إلى النصوص من جميع الجوانب، وألا يقدموا على شيء حتى ينظروا ما عاقبته، إذا كان النبي ﵊ يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فاجعل هذا ميزاناً لك في كل أقوالك، وكذلك في كل أفعالك، والله الموفق.
стр. 1852
ألفاظ محظورة في حق الله والرسول
فضيلة الشيخ اشتهر في الفترة الأخيرة بين الشباب لغز أو ما يسمونه باللغز وهو: ما هو الشيء الذي لم يره الرسول ﷺ ، وما هو الشيء الذي لم يره الله ولم يسمع به؟ ويقصدون بالذي لم يره الرسول ﷺ رسولٌ مثله، والذي لم يره الله ولم يسمع به: الشبيه والمثيل والنظير، وتعلمون أن هذا سوء أدب مع الله ، فما حكم ذلك؟ أفيدونا وفقكم الله.
أما كون الرسول ﷺ لم ير الشيء أو لم يسمع به فهذا حاصل لكل بشر، والنبي ﷺ بشر، يدخل بيته والبرمة على النار فلا يدري ما الذي فيها وهو بيته، والبرمة: مثل القدر، فإنه دخل ذات يوم على أهله فدعا بطعام، وكان قد رأى البرمة على النار وفيها لحم تصدق به على بريرة، وهي عتيقة لـ عائشة ﵂ عندها، وقد علموا أن الرسول ﷺ لا يأكل الصدقة، فقالوا: (لحم تصدق به على بريرة، فقال: هو عليها صدقة ولنا هدية) أنا أضرب هذا مثلاً للدلالة لكون الرسول ﷺ لا يعلم الغيب.
وكان معه أبو هريرة ذات يوم فانخنس منه وذهب يغتسل، ثم رجع فقال له: (أين كنت؟ قال: كنت جنباً فكرهت أن أكون معك على غير طهارة.
قال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس) فانظر: تغيب عنه أبو هريرة وهو لا يعلم، فالرسول قد لا يسمع بالشيء، وقد لا يرى الشيء، لكن قولنا: في جانب الله لم يسمع به الله ولم يره فهذا سوء أدب عظيم مع الله، ويخشى على من ألقى هذا السؤال فضل به من يضل من الناس أن يبوء بالإثم والعياذ بالله.
وجانب الرب يجب أن يعظم ويهاب، يجب ألا تتكلم في جانب الله بما يوهم نقصاً لا من قريب ولا من بعيد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل:٦٠] كل وصف كمال فأعلاه لله ، كيف تقول: إن الله لم يسمع به ولم يره؟ فالحذر الحذر من مثل هذه التعبيرات، والحذر الحذر من الكلام في جانب الرب إلا بما جاء في الكتاب والسنة.
يجب أن نتأدب كما تأدب الصحابة ﵃، كانت الآيات تنزل في صفات الله وكان الرسول ﷺ يتكلم في صفات الله، لا يوردون أسئلة ولا إشكالات، يأخذونها بالرضا والتسليم والقبول، ويعلمون أن الله تعالى فوق ما يتصوره الإنسان: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
стр. 1853
رفع الصوت بالذكر دبر الصلاة
فضيلة الشيخ حفظك الله: جاءت السنة بمشروعية رفع الذكر بعد الصلاة، فهل المقصود هو الذكر المباشر لانقضاء الصلاة، مثل: (اللهم أنت السلام) ونحوه أو أنه يعم جميع الذكر من التسبيح والتهليل والتكبير؟
يعم الجميع، يعم كل ذكر مشروع بعد الصلاة: الاستغفار، وقول: (اللهم أنت السلام) والتسبيح، والتهليل، وقد ألف -أظنه الشيخ/ سليمان بن سحمان ﵀ رسالة وقال: من فرق بين التهليل والتسبيح فقد ابتدع، وأنه لا فرق بين هذا وهذا، وهذا هو الصحيح، لكن إذا كان هناك شخص يصلي إلى جانبك وقد فاته شيء من الصلاة وخفت إذا رفعت صوتك أن تشوش عليه فلا ترفع صوتك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج على الصحابة وهم يصلون ويجهرون بالقراءة ويشوش بعضهم على بعض فنهاهم أن يرفع الرجل صوته فيشوش على أخيه.
وأما إذا لم يكن هناك تشويش فالمشروع هو رفع الصوت.
السائل: ألا يحصل تشويش إذا رفعوا أصواتهم؟ الشيخ: إذا كانوا كلهم ما فاتهم شيء من الصلاة وكانوا يذكرون الله جميعاً لا يحصل تشويش أبداً، كما أنهم يقرءون القرآن قبل الصلاة، كلهم يرفع صوته فلا يحصل تشويش.
السائل: والإمام عندما يرفع صوته؟ الشيخ: نقول: إذا رفع صوته وهم يسمعون ليرفعوا أصواتهم مثله، وسبب التشويش أن بعض الناس يكره هذا بقلبه تعرف أن القلب إذا اشتغل يتشوش، لكن لو كانوا مطمئنين بهذا وقد قبلته نفوسهم قبولاً تاماً لم يحصل تشويش إطلاقاً.
السائل: لكن السنة أن يجهر به! الشيخ: السنة أن يجهر، ولكن إذا كان إماماً فينبغي أن يبلغ المأمومين قبل ذلك، ويقول: يا إخوان! السنة هي الجهر.
стр. 1854
إنكار المنكرات الشائعة
فضيلة الشيخ! من الذي يقرر أن ينكر علني لمنكرات معروفة في المجتمع هم العلماء أم هم الدعاة؟
مسألة التقرير وهو أن يتكلم عن الإنكار على الولاة وليس على المنكرات الشائعة، أي: -مثلاً- عندنا الآن منكرات شائعة مثل الربا والميسر، والتأمينات الآن الموجودة عندنا أكثرها من الميسر، والغريب أن الناس أخذوها بالقبول، ولا تكاد تجد أحداً ينكرها مع أن الله قرنها بالخمر والأنصاب والأزلام، ولكن الناس -سبحان الله- لا تجد أحداً ينكرها، تؤمن على سيارتك أو على بيتك، تسلم دراهم ولا تدري هل تخسر أكثر أم أقل، وهذا هو الميسر.
فأقول: أما المنكرات الشائعة فأنكرها، لكن كلامنا على الإنكار على الحاكم مثل أن يقوم الإنسان -مثلاً- في المسجد ويقول: الدولة ظلمت الدولة فعلت، فيتكلم في نفس الحكام، وهناك فرق بين أن يكون الأمير أو الحاكم الذي تريد أن تتكلم عليه بين يديك وبين أن يكون غائباً؛ لأن جميع الإنكارات الواردة عن السلف إنكارات حاصلة بين يدي الأمير أو الحاكم.
وهناك فرق بين كون الأمير حاضراً أو غائباً.
الفرق أنه إذا كان حاضراً أمكنه أن يدافع عن نفسه، ويبين وجهة نظره، وقد يكون مصيباً ونحن مخطئون، لكن إذا كان غائباً وبدأنا نحن نفصل الثوب عليه على ما نريد هذا هو الذي فيه الخطورة، والذي ورد عن السلف كله في مقابلة الأمير أو الحاكم، ومعلوم أن الإنسان لو وقف يتكلم في شخص من الناس وليس من ولاة الأمور وذكره في غيبته، فسوف يقال: هذه غيبة، إذا كان فيك خير فصارحه وقابله.
السائل: بعض الناس يستغل المنكرات الشائعة فينكرها بطريقة يربط بينها وبين كأن لولاة الأمر دخلاً في هذا، بحيث يفيد السامع أن ولاة الأمر هم السبب في هذا، فهذا أيضاً ولو أنه منكر شائع ويحذر من استغلاله ضد هذا الأمر؟ الشيخ: لا.
ليس هكذا، أنا أريد مثلاً أن أقول للناس: اجتنبوا الربا، ويأتي ويقول: هذه بيوت الربا معلنة ورافعة البناء، فلا يقول هكذا، يعني: هذا إنكار ظني على الولاة، لكن يقول: تجنبوا الربا والربا محرم وإن كثر بين الناس، الميسر حرام وإن أقر وما أشبه ذلك.
стр. 1855
الحيلة على المحرم تجعله أشد تحريماً
رجل قال له أحد معارفه: أريد أن أبيعك هذه المزرعة ثم تبيعها على ابني الأكبر حتى يستقدم عمالاً، فلما فعل هذا الوسيط تبين له أن هذا القريب أراد أن يهب هذه المزرعة دون أبنائه الآخرين، أي: احتال عليه، فماذا على هذا الرجل الوسيط علماً بأن لديه مصلحة عند هذا الرجل؟
لا يجوز للإنسان إذا علم أن شخصاً ما يتوصل بمعاملته إلى محرم أن يعامله؛ لأنه إذا عامله صار من باب التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عنه، لكن لماذا لا يكون عند هذا الرجل الشجاعة فيبيعها على ابنه مباشرة دون واسطة، وهو إذا باع على ابنه بالثمن الموافق للسوق؛ فإن ذلك لا بأس به وإن كان دون أبنائه، مثلاً: لو أن إنساناً عنده سيارة وله أبناء متعددون وأراد أن يبيع السيارة بثمنها الذي هو ثمنها في السوق على أحد الأبناء فلا بأس به.
وأما البيع الصوري فلا يجوز؛ لأن الحيلة على المحرم تجعل المحرم أخبث.
أما الوسيط فعليه أن يتوب إلى الله ، وأن ينصح الرجل الذي طلب منه أن يكون وسيطاً ويخوفه من الله .
стр. 1856
الإعذار من الكفر إذا كان متأولاً
فضيلة الشيخ! هناك من يقول بأن قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] على أن هناك شركاً يغفره الله، ومثلوا لذلك بما في الصحيحين من حديث الرجل الذي قال لأبنائه: (إذا أنا مت فحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروا نصفي في البحر ونصفي في البر، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني) .
فقالوا: إن هذا كافر مشرك وغفر الله له باجتهاده، فما تعليقكم جزاكم الله خيراً؟
نقول بارك الله فيك: إن الإنسان إذا فعل الشيء بتأويل وهو مؤمن بمضمون ما فعل فإنه لا يكفر، فهذا الرجل لو نظرنا إلى ظاهر عمله لقلنا: هذا الرجل شاك في قدرة الله، فليس هناك إشراك إنما فيه تنقص لله، ظن أنهم إذا فعلوا به هكذا لم يقدر الله عليه، فهو شك في القدرة ولم ينكرها صراحة، لكن ظن أن الله لا يقدر عليه.
لماذا فعل هذا؟ خوفاً من الله، إذاً هو مؤمن بالله، لكن تأول فأخطأ، والله يغفر الخطأ لمن تأول، كل إنسان يفعل الشيء بتأويل، فإن الله تعالى يغفر له ولا يؤاخذه به؛ لأنه لو آخذه بشيء فعله متأولاً لكان هذا من تحميل النفوس ما لا تستطيع، والله تعالى قد نفى ذلك، فقال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ألم تر أن الصحابة لما قال لهم الرسول ﷺ : (لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة) بعد غزوة الأحزاب، وخرجوا فأدركتهم الصلاة، فبعضهم صلى في الطريق، وبعضهم لم يصل إلا بعد المغرب في بني قريظة، هؤلاء أخروا الصلاة عن وقتها، لكنهم متأولون، ولذلك لم يعنفهم الرسول ﵊.
وعمار بن ياسر أصابته جنابة وهو في السفر، وجعل يتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة، يظن أن هذا هو الواجب فيمن كانت عليه جنابة وليس عنده ماء، وعلمه الرسول، فالمهم أن هذا الرجل كان متأولاً.
وهذا أحد الأدلة التي استدل بها شيخ الإسلام ﵀ على أن الإنسان يعذر بالكفر إذا كان جاهلاً أو متأولاً.
стр. 1857
حكم الامتناع عن الإنجاب خوفاً من إصابة الأولاد بالمرض
فضيلة الشيخ! غفر الله لك رجل تزوج وأنجب عدة أطفال، ثم تبين له أن أحد أقارب زوجته فيه برص، هل يجوز له أن يتوقف عن الإنجاب خشية من هذا المرض، علماً بأن أطفاله كلهم سالمون؟
هذا من جهله، لو أراد أن يتوقف عن الإنجاب؛ لأن بعض أقارب الزوجة فيهم برص كان هذا لا شك من سفهه ومن سوء ظنه بالله ؛ لأننا نشاهد أناساً فيهم هذا المرض ولهم أولاد في سلامة منه، ونشاهد أناساً لا نعلم أن فيهم برص ولهم أولاد أصيبوا بهذا، فلا ينبغي للإنسان أن يتشاءم، بل يعتمد ويتوكل على الله ولينجب، وبهذه المناسبة أود أن أبين لكم أن الرسول ﷺ يحب أن تكثر الأمة؛ ولذلك قال: (تزوجوا الودود الولود) وقال: (إن الله ما بعث نبياً إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وإنما الذي أوتيته وحيٌ أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) انظر كيف يتمنى الرسول ﷺ لكثرة الأمة، ونحن مع الأسف نقول: وقف النسل، نظم النسل! فأنا أقول: أكثر النسل والله تعالى يتولى رزقهم، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] فقل لهذا الأخ: استمر في الإنجاب ولا تتوقف، ولن يرى بأساً إن شاء الله.
стр. 1858
السلام على المسلم الذي لا يرد السلام
فضيلة الشيخ! أثابكم الله ما قولكم في رجل تسلم عليه ولا يرد عليك السلام، وبعد مناصحته لم ينته، فهل تسلم عليه؟
أقول: سلم عليه وإن لم يرد عليك؛ لأن الإنسان مأمور بأن يسلم على أخيه المسلم، وإذا سلمت حصلت الأجر وباء هو بالإثم، ويدل لهذا أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال النبي ﷺ : لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) أي: استمر كأنما تسفهم المل، والمل هو: الرماد الحار، أو هو التراب الحار، فأمره النبي ﵊ أن يقوم بصلة الرحم وإن كانوا هم يقطعونها، فكذلك أنت سلم وإن كان هو لا يرد، وربما مع التكرار يخجل ويراجع نفسه ويقول: لماذا لا أرد ﵇؟! السائل: وإذا كان يظن أن هذا من الدين؟ الجواب: إذا كان يهجرك ويظن أن هذا دين فأنت قلت: إنك تنصحه ولكنه لم ينته.
стр. 1859
التكرار في سجود التلاوة
فضيلة الشيخ! أحسن الله إليك سجود التلاوة، هل كلما قرأ القرآن وكلما مر بسجدة من سجود التلاوة هل يجب عليه أن يسجد أم يكون أسوة للعلماء إذا فسر الآية فيها سورة السجدة مثلاً لا يسجد؟
أولاً: سؤالك في قولك هل عليه أن يسجد، نقول: ليس عليه أن يسجد، سواء تكررت الآيات أو لم تتكرر، فسجود التلاوة سنة وليس بواجب، والدليل على هذا أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ في إحدى الجمع آية فيها سجدة وهي التي في سورة النحل فنزل وسجد، ثم قرأها في جمعة أخرى ولم يسجد، ثم قال: [إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء] فسجود التلاوة سنة وليس بواجب، وإذا تكررت الآيات؛ فإن كان الإنسان يكرر ويتحفظ القرآن فسجوده الأول يغني عن الباقي، ولا حاجة أن يعيد السجود، وإن كان يقرأ -مثلاً- في سورة الحج فسجد في السجدة الأولى وأتت السجدة الثانية فليسجد، وإن كان الفصل ليس طويلاً، هذا هو التفصيل في مسألة التكرار في السجود.
стр. 1860
حكم القراءة الجماعية للقرآن
فضيلة الشيخ! بارك الله فيكم! ما حكم قراءة القرآن جماعة من بعض الناس، فإذا أنكرنا عليهم قالوا: هذا ييسر لنا من جانب أننا نحفظ القرآن.
فما قولكم في هذا بارك الله فيكم؟
أما من جهة قراءة القرآن بصوت واحد من أجل التحفظ أو التعلم فلا بأس به.
وأما إذا كان من أجل التعبد فلا، والفرق بينهما: أن الأول قد يحتاج الناس إليه للتعلم فصار جائزاً، أما الثاني فلا؛ لأن الإنسان يستطيع أن يتعبد بتلاوة القرآن وإن لم يكن معه أحد، ومثل ذلك أيضاً من أراد أن يتحفظ على الشريط كما يفعله بعض الحفظة، يستمع إلى الشريط ويتابعه، فلا بأس به ولا حرج فيه.
следующие страницы →