← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

الإعذار من الكفر إذا كان متأولاً فضيلة الشيخ! هناك من يقول بأن قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] على أن هناك شركاً يغفره الله، ومثلوا لذلك بما في الصحيحين من حديث الرجل الذي قال لأبنائه: (إذا أنا مت فحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروا نصفي في البحر ونصفي في البر، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني) . فقالوا: إن هذا كافر مشرك وغفر الله له باجتهاده، فما تعليقكم جزاكم الله خيراً؟ نقول بارك الله فيك: إن الإنسان إذا فعل الشيء بتأويل وهو مؤمن بمضمون ما فعل فإنه لا يكفر، فهذا الرجل لو نظرنا إلى ظاهر عمله لقلنا: هذا الرجل شاك في قدرة الله، فليس هناك إشراك إنما فيه تنقص لله، ظن أنهم إذا فعلوا به هكذا لم يقدر الله عليه، فهو شك في القدرة ولم ينكرها صراحة، لكن ظن أن الله لا يقدر عليه. لماذا فعل هذا؟ خوفاً من الله، إذاً هو مؤمن بالله، لكن تأول فأخطأ، والله يغفر الخطأ لمن تأول، كل إنسان يفعل الشيء بتأويل، فإن الله تعالى يغفر له ولا يؤاخذه به؛ لأنه لو آخذه بشيء فعله متأولاً لكان هذا من تحميل النفوس ما لا تستطيع، والله تعالى قد نفى ذلك، فقال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ألم تر أن الصحابة لما قال لهم الرسول ﷺ : (لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة) بعد غزوة الأحزاب، وخرجوا فأدركتهم الصلاة، فبعضهم صلى في الطريق، وبعضهم لم يصل إلا بعد المغرب في بني قريظة، هؤلاء أخروا الصلاة عن وقتها، لكنهم متأولون، ولذلك لم يعنفهم الرسول ﵊. وعمار بن ياسر أصابته جنابة وهو في السفر، وجعل يتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة، يظن أن هذا هو الواجب فيمن كانت عليه جنابة وليس عنده ماء، وعلمه الرسول، فالمهم أن هذا الرجل كان متأولاً. وهذا أحد الأدلة التي استدل بها شيخ الإسلام ﵀ على أن الإنسان يعذر بالكفر إذا كان جاهلاً أو متأولاً.

стр. 1857

حكم الامتناع عن الإنجاب خوفاً من إصابة الأولاد بالمرض فضيلة الشيخ! غفر الله لك رجل تزوج وأنجب عدة أطفال، ثم تبين له أن أحد أقارب زوجته فيه برص، هل يجوز له أن يتوقف عن الإنجاب خشية من هذا المرض، علماً بأن أطفاله كلهم سالمون؟ هذا من جهله، لو أراد أن يتوقف عن الإنجاب؛ لأن بعض أقارب الزوجة فيهم برص كان هذا لا شك من سفهه ومن سوء ظنه بالله ؛ لأننا نشاهد أناساً فيهم هذا المرض ولهم أولاد في سلامة منه، ونشاهد أناساً لا نعلم أن فيهم برص ولهم أولاد أصيبوا بهذا، فلا ينبغي للإنسان أن يتشاءم، بل يعتمد ويتوكل على الله ولينجب، وبهذه المناسبة أود أن أبين لكم أن الرسول ﷺ يحب أن تكثر الأمة؛ ولذلك قال: (تزوجوا الودود الولود) وقال: (إن الله ما بعث نبياً إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وإنما الذي أوتيته وحيٌ أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) انظر كيف يتمنى الرسول ﷺ لكثرة الأمة، ونحن مع الأسف نقول: وقف النسل، نظم النسل! فأنا أقول: أكثر النسل والله تعالى يتولى رزقهم، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] فقل لهذا الأخ: استمر في الإنجاب ولا تتوقف، ولن يرى بأساً إن شاء الله.

стр. 1858

السلام على المسلم الذي لا يرد السلام فضيلة الشيخ! أثابكم الله ما قولكم في رجل تسلم عليه ولا يرد عليك السلام، وبعد مناصحته لم ينته، فهل تسلم عليه؟ أقول: سلم عليه وإن لم يرد عليك؛ لأن الإنسان مأمور بأن يسلم على أخيه المسلم، وإذا سلمت حصلت الأجر وباء هو بالإثم، ويدل لهذا أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال النبي ﷺ : لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) أي: استمر كأنما تسفهم المل، والمل هو: الرماد الحار، أو هو التراب الحار، فأمره النبي ﵊ أن يقوم بصلة الرحم وإن كانوا هم يقطعونها، فكذلك أنت سلم وإن كان هو لا يرد، وربما مع التكرار يخجل ويراجع نفسه ويقول: لماذا لا أرد ﵇؟! السائل: وإذا كان يظن أن هذا من الدين؟ الجواب: إذا كان يهجرك ويظن أن هذا دين فأنت قلت: إنك تنصحه ولكنه لم ينته.

стр. 1859

التكرار في سجود التلاوة فضيلة الشيخ! أحسن الله إليك سجود التلاوة، هل كلما قرأ القرآن وكلما مر بسجدة من سجود التلاوة هل يجب عليه أن يسجد أم يكون أسوة للعلماء إذا فسر الآية فيها سورة السجدة مثلاً لا يسجد؟ أولاً: سؤالك في قولك هل عليه أن يسجد، نقول: ليس عليه أن يسجد، سواء تكررت الآيات أو لم تتكرر، فسجود التلاوة سنة وليس بواجب، والدليل على هذا أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ في إحدى الجمع آية فيها سجدة وهي التي في سورة النحل فنزل وسجد، ثم قرأها في جمعة أخرى ولم يسجد، ثم قال: [إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء] فسجود التلاوة سنة وليس بواجب، وإذا تكررت الآيات؛ فإن كان الإنسان يكرر ويتحفظ القرآن فسجوده الأول يغني عن الباقي، ولا حاجة أن يعيد السجود، وإن كان يقرأ -مثلاً- في سورة الحج فسجد في السجدة الأولى وأتت السجدة الثانية فليسجد، وإن كان الفصل ليس طويلاً، هذا هو التفصيل في مسألة التكرار في السجود.

стр. 1860

حكم القراءة الجماعية للقرآن فضيلة الشيخ! بارك الله فيكم! ما حكم قراءة القرآن جماعة من بعض الناس، فإذا أنكرنا عليهم قالوا: هذا ييسر لنا من جانب أننا نحفظ القرآن. فما قولكم في هذا بارك الله فيكم؟ أما من جهة قراءة القرآن بصوت واحد من أجل التحفظ أو التعلم فلا بأس به. وأما إذا كان من أجل التعبد فلا، والفرق بينهما: أن الأول قد يحتاج الناس إليه للتعلم فصار جائزاً، أما الثاني فلا؛ لأن الإنسان يستطيع أن يتعبد بتلاوة القرآن وإن لم يكن معه أحد، ومثل ذلك أيضاً من أراد أن يتحفظ على الشريط كما يفعله بعض الحفظة، يستمع إلى الشريط ويتابعه، فلا بأس به ولا حرج فيه.

стр. 1861

حكم زكاة الحلي فضيلة الشيخ! هل في الذهب المعد للزينة زكاة، وإن كانت المرأة لا تجد إلا أن تبيع بعضه لكي تؤدي الزكاة؟ الصحيح من أقوال العلماء والراجح عندي أن الزكاة واجبة في الحلي إذا بلغ النصاب وهو (٨٥) جراماً، فإذا بلغ هذا وجبت زكاته، فإن كان لديها مال فأدت منه فلا بأس، وإن أدى عنها زوجها أو أحد من أقاربها فلا بأس، وإن لم يكن هذا ولا هذا فإنها تبيع منه بقدر الزكاة وتخرج الزكاة، قد يقول بعض الناس: لو عملنا بهذا لانتهى حليها ولم يبق عندها شيء. فنقول: هذا غير صحيح، لماذا؟ لأنه إذا نقص عن النصاب ولو شيئاً يسيراً لم تجب الزكاة، وحينئذ لا بد أن يكون عندها شيء تتحلى به، فالقول الراجح في هذه المسألة أن الزكاة واجبة في كل حلي من ذهب أو فضة، سواء كان يلبس أو يعار أو يؤجر.

стр. 1862

أسماء الله الحسنى فضيلة الشيخ! قال الرسول ﷺ : (إن الله وتر يحب الوتر) فهل هذا اسم من أسماء الله أم صفة من صفاته؟ يحتمل أن يكون اسماً من أسماء الله، ويحتمل ألا يكون؛ لأن بعض العلماء ذكر قاعدة، قال: ما جاء معرفاً بأل فهو من أسماء الله، وما لم يأت معرفاً فهو صفة من صفات الله، وبعض العلماء يقول: كل صفة من صفات الله وصف الرسول بها ربه فإنها اسم وعلى هذا يتنزل الجواب؛ إن قلنا بأن أسماء الله هي المقرونة بأل، فالوتر لا أعلمه جاء مقروناً بأل، وإن قلنا: كل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له الرسول سواء بأل أو بغير أل فهو اسم، قلنا: إن الوتر من أسماء الله والله أعلم.

стр. 1863

تعظيم كتاب الله فضيلة الشيخ! أكثر المصلين في المساجد إذا أراد أن يتلو القرآن تناول المصحف بيده اليسرى، وقد رأيت أحد المشايخ يفعل ذلك مراراً، فهل في ذلك حرج أم لا؟ الذي أرى أن من تمام تعظيم المصحف أن تتناوله بيدك اليمنى، وأن تضعه في مكانه بيدك اليمنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعجبه التيامن في جميع شئونه؛ ولأنه أمر أن نأخذ بأيماننا وأن نعطي بأيماننا، والعلماء ﵏ قالوا: اليسرى تقدم للأذى واليمنى لما سواه، فالذي يريد أن يتناول شيئاً خبيثاً أو نجساً فباليسرى. وأما المصحف فلا شك أن من تعظيمه أن تتناوله باليمنى أخذاً ورداً وإعطاءً، ولو أنك إذا رأيت أحداً يفعل هذا تقول له: يا أخي! لو أنك تريد أن تعطي رجلاً حاجة، أو تتناول منه حاجة، فأي اليدين تقدم؟ سيقول لك: أقدم اليمنى. إذاً: كلام الله أحق أن يعظم.

стр. 1864

حكم الذكر الجماعي أدبار الصلوات فضيلة الشيخ! قلتم: إنه يجوز أن يرفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، ولكن إن أدى هذا إلى أن يكون الذكر جماعياً بين المصلين فهل يجوز؟ أنا في الواقع لم أقل: يجوز! بل قلت: إنه من السنة، يعني: الأفضل، فإنه من السنة ولا شك. وأما أداء هذا الذكر جماعة فهذا بدعة؛ لأن الرسول ﵊ وأصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك، كلُّ يذكر على نفسه لكنهم يجهرون.

стр. 1865

الأذان في السفر فضيلة الشيخ! إذا كنا في سفر وفات وقت الأذان، فهل لنا أن نؤذن للصلاة؟ فبعض الشباب يقول: إذا خرج وقت الأذان فلا تؤذن، فما رأيك يا شيخ؟ إذا كنتم تسمعون الأذان فلا حاجة أن تؤذنوا، وإن كنتم لا تسمعون وجب عليكم أن تؤذنوا، ولكم أن تؤذنوا متى أردتم الصلاة ولو كان في أثناء الوقت.

стр. 1866

لقاء الباب المفتوح [٦٣] في هذه المادة يتكلم الشيخ عن تفسير بعض آيات سورة الفجر وما فيها من العظات والعبر، ثم أجاب عن الأسئلة الواردة.

стр. 1867

تفسير آيات من سورة الفجر الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث والستون من اللقاءات التي تتم في كل يوم الخميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الثامن والعشرون من شهر محرم عام (١٤١٥هـ) نبتدئ هذا اللقاء بما اعتدناه من تفسير شيء من آيات الله الكريمة، حيث انتهى بنا المطاف إلى قول الله ﵎: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر:٥] .

стр. 1868

تفسير قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد) قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٦-٧] الخطاب هنا لكل من يوجه إليه هذا التكذيب وهم البشر كلهم، بل والجن أيضاً: (ألم تر) أيها المخاطب: ﴿كيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ أي: ما الذي فعل بهم. و (عاد) قبيلة معروفة في جنوب الجزيرة العربية، أرسل الله تعالى إليهم هوداً ﵊، فبلغهم الرسالة، ولكنهم عتوا وبغوا وقالوا: من أشد منا قوة؟ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:١٥] فهم افتخروا بقوتهم ولكن الله بيّن أنهم ضعفاء أمام قوة الله، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: أن الله أشد منهم قوة، بل قال: ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ليبين ضعفهم وأنه جل وعلا أقوى منهم؛ لأن الخالق أقوى من المخلوق: ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٥-١٦] . هنا يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ الذي فعله بهم أنه أرسل عليهم الريح العقيم: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧] ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] وهذا الاستفهام الذي لفت الله فيه النظر إلى ما فعل بهؤلاء يراد به الاعتبار، يعني: اعتبر أيها المكذب للرسول محمد ﷺ بهؤلاء، كيف أذيقوا هذا العذاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] .

стр. 1869

تفسير قوله تعالى: (إرم ذات العماد) قال تعالى: ﴿إِرَمَ﴾ [الفجر:٧] هذه وصف للقبيلة، وقيل: اسم للقرية، وقيل غير ذلك، فسواء كانت اسماً للقبيلة أو اسماً للقرية فإن الله تعالى نكل بهم نكالاً عظيماً مع أنهم أقوياء. وقوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٧-٨] أصحاب العماد أي: الأبنية القوية: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ أي: لم يصنع مثلها في البلاد؛ لأنها قوية محكمة، وهذا هو الذي غرهم وقالوا: من أشد منا قوة؟ وفي قوله تعالى: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ مع أن الذي صنعها هو الآدمي، وهذا دليل على أن الآدمي قد يوصف بالخلق فيقال خلق كذا، ومنه قول النبي ﵊ في المصورين: (يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) لكن الخلق الذي ينسب للمخلوق ليس هو الخلق المنسوب إلى الله، الخلق المنسوب إلى الله إيجاد بعد إعدام وتحويل وتغيير، أما الخلق المنسوب لغير الله فهو مجرد تحويل وتغيير. وأضرب لكم مثلاً: هذا الباب من خشب، من الذي خلق الخشب؟ الله، لا يمكن للبشر أن يخلقوه، لكن البشر يستطيع أن يحول جذوع الخشب وآصال الخشب إلى أبواب وإلى دواليب وما أشبه ذلك، فالخلق المنسوب للمخلوق ليس هو الخلق المنسوب إلى الخالق، فما الفرق؟ الخلق المنسوب للخالق إيجاد من عدم وهذا لا يستصغره أحد، والمنسوب للمخلوق تغيير وتحويل يحول الشيء من صفة إلى صفة، أما أن يغير الذوات، بمعنى: أن يجعل الذهب فضةً أو الفضة حديداً أو ما أشبه ذلك فهذا مستحيل لا يمكن ولا يقدر على ذلك إلا لله وحده لا شريك له.

стр. 1870

تفسير قوله تعالى: (وثمود الذين جابوا الصخر بالواد) ثم قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر:٩] ثمود: هم قوم صالح، ومساكنهم معروفة الآن كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر:٨٠] ذكر الله أن ثمود كانوا في بلاد الحجر، وهي معروفة، مر عليها النبي ﷺ في طريقه إلى تبوك وأسرع وقَنَّع رأسه ﷺ ، قال: (لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثلما أصابهم) هؤلاء القوم أعطاهم الله القوة حتى صاروا يخرقون الجبال، والحصى والصخور العظيمة يخرقونها ويصنعون منها بيوتاً، ولهذا قال: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ أي: وادي ثمود وهو معروف، هؤلاء -أيضاً- فعل الله بهم ما فعل من العذاب والنكال حيث قيل لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود:٦٥] ثم بعد الثلاثة الأيام أخذتهم الصحية والرجفة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين. فعلينا أن نعتبر بحال هؤلاء المكذبين الذين صار مآلهم إلى الهلاك والدمار، وليعلم أن هذه الأمة لن تهلك بما أهلك به الأمم السابقة، بهذا العذاب العام، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل الله تعالى ألا يهلكهم بسنة عامة، ولكن قد تهلك هذه الأمة بأن يجعل الله بأسهم بينهم، فتجري بينهم الحروب والمقاتلة، ويكون هلاك بعضهم على يد بعض، لا بشيء ينزل من السماء كما صنع الله بالأمم السابقة. ولهذا يجب علينا أن نحذر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن نبتعد عن كل ما يثير الناس بعضهم على بعض، وأن نلزم دائماً الهدوء، وأن نبتعد عن القيل والقال وكثرة السؤال، فإن ذلك مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكم من كلمة واحدة صنعت ما تصنعه السيوف الباترة، فالواجب الحذر من الفتن، وأن نكون أمة متآلفة متحابة، يتطلب كل واحد منا العذر لأخيه إذا رأى منه ما يكره. نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير والصلاح، وأن يجمع قلوبنا على طاعته.

стр. 1871

الأسئلة

стр. 1872

حادثة مؤلمة وعواقب أطباق الاستقبال (الدشوش) فضيلة الشيخ! رجل متزوج بامرأة من أسرة خبيثة كما يخبر الزوج عن حال أهلها بنفسه، وذات يوم ذهب الزوج من بيته وعند عودته وجد الأمر المحزن المبكي، وهو أنه دخل شخص على زوجته بعد أن فتحت له الباب ظانة أنه ابن من أبناء الجيران وفعل بها الفاحشة، ووجد الزوج أن بها آثار الضرب والخنق، وقد أخبرته بالحقيقة إلا أنه أصر على إمساكها ولم يطلقها، فما تنصحون هذا الشخص -علماً بأنه من أهل الخير والصلاح ومن الدعاة إلى الله- أن يفعل مع تلك المرأة لا سيما وأن الخبر قد انتشر بين الناس حفظكم الله وأثابكم؟ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. هذه الحادثة لا شك أنها مؤلمة محزنة، ولها أسباب، ومن أسبابها: ما ينشر في وسائل الإعلام من الشر والبلاء سواء وسائل الإعلام المنظورة أو المقروءة أو المسموعة. وقد توسع الناس في الاستماع إلى الإعلام الخارجي بواسطة الصحون الهوائية التي تسمى الدشوش، نسأل الله أن يقي المسلمين شرها وأن يسلط الدولة على أهلها حتى تقضي عليها، وقد حصل من الدولة -والحمد لله- إنذار بأنها سوف تقضي على هذه الصحون، نسأل الله أن يعينها على ذلك، وأن يعجل بهذا الأمر قبل أن ينتشر الشر والفساد. ولا شك أن أعداء المسلمين لا يألون جهداً في صد المسلمين عن دينهم، إن أمكنهم بالسلاح الذي يقتل الأنفس فعلوا كما يوجد الآن في البوسنة والهرسك وغيرها من بلاد المسلمين، وإن لم يحصل ذلك لهم فبالأخلاق المدمرة، والإنسان إذا دمرت أخلاقه صار كالبهيمة ليس له هم إلا التمتع في الدنيا -والعياذ بالله- وقد قال الله عن الكفار: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] عاقبة سيئة، فهذه الوسائل الإعلامية إذا رآها الشاب أو الشابة تشربت في قلوبهم، وسهل عليهم أن يمارسوها. كذلك أيضاً من وسائل الإعلام المدمرة: أنهم يغزون الناس بالأفكار الرديئة الخبيثة المنحرفة، فيضل بها كثير من الناس، لهذا نحن نشير على إخواننا المسلمين عموماً أن يخرجوا من بيوتهم مثل هذه الفتنة، وأن يلاحظوا أهلهم من بنين وبنات، وإذا وجدوا مجلة غير مناسبة أو مدمرة للأخلاق فالواجب عليهم أن يحرقوها أمام أهل البيت، وأن يحذروهم من إعادة مثلها. وكذلك أيضاً في الوسائل الأخرى إذا رأوا أن أهل البيت أنهم مصرون عليها فإن عليهم أن يمنعوهم، وأما إطلاق الحبل على الغارب فإن فيه مفسدة كبيرة، منها مثل هذه القضية التي ذكرها السائل. أما فيما يتعلق بزوجته فهو يقول: إنه وجد عليها أثر الضرب، وهذا يعني أن المرأة لم يكن ذلك باختيارها، وأن هذا الرجل -والله أعلم- دق عليها الباب وأراها أنه أحد من محارمها أو أقاربها حتى دخل وحصل منه ما حصل. وأما قولها: إنها تظن أنه ابن الجيران فهذا غلط منها، حتى ابن الجيران لا يجوز أن يفتح له الباب، ابن الجيران مثل قريب الزوج، يعني: أنه الموت، ولهذا لما حذر النبي ﵊ من الدخول على النساء قال: (إياكم والدخول على النساء، قالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو، -يعني: أقارب الزوج مثل أخيه وعمه وخاله- قال: الحمو الموت) يعني: فروا منه كما تفرون من الموت، وهو البلاء؛ لأن الحمو إذا دخل على بيت قريبه تجد الناس لا تنكره، وهو أيضاً يرى أن الأمر هين أن يدخل على بيت قريبه؛ فيحصل الشر، فنقول لهذه المرأة: لا تفتح لأحد أبداً إلا لزوجها أو أحد من محارمها، ثم تحذر أيضاً؛ لأن بعض الناس خبيث قد يقلد الصوت فلتحذر من هذا، فالذي أرى أن هذه المرأة إذا ادعت أنها مكرهة كما هو ظاهر حالها مما يتبين من السؤال أنها معذورة وليس عليها إثم، وأن زوجها إذا أبقاها عنده فليس بديوث بل هو عاذر لها، ولا ينبغي أن يفارقها من أجل هذا الفعل الذي حصل عليها وهي -والله أعلم- مكرهة، وأما كلام الناس فلن يسلم منه أحد، الناس سبوا الرسول ﵊ وسبوا الله .

стр. 1873

الإسلام يهدم ما قبله فضيلة الشيخ! هناك أخ لنا في المدينة أتى من أمريكا وأسلم حديثاً، وفي أيام جاهليته اكتسب مالاً كثيراً عن طريق تجارة المخدرات، فحمل معه هذه الأموال الكثيرة وكون لنفسه مكتبة عظيمة وتزوج بها ثلاثاً من النسوة، وفي هذه الأيام الأخيرة أخبر بأنه لا يجوز له أن يتصدق بهذه الأموال؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا الطيب، فيسألك ماذا عليه أن يصنع بهذه الأموال وما صحة هذا الكلام؟ نقول لهذا الأخ الذي منَّ الله عليه بالإسلام بعد أن اكتسب مالاً حراماً: أبشر؛ فإن هذا المال حلال له وليس عليه فيه إثم، لا في إبقائه عنده ولا فيما أنفق منه، ولا فيما تزوج به منه؛ لأن الله تعالى قال في الكتاب العزيز: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] أي: كل ما سلف، و"ما" هذه من صيغ العموم؛ لأنها اسم موصول، يعني: كل ما تقدم فهو مغفور له، حتى لو كان قد قتل نفساً محرمة أو أخذ مالاً فإنه مغفور له، لكن المال الذي غصبه من صاحبه يرده عليه، أما المال الذي اكتسبه عن طريق الرضا بين الناس وإن كان حراماً كالذي اكتسبه بالربا أو المخدرات أو غيرها فإنه حلال له، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] وكذلك قال النبي ﵊ لـ عمرو بن العاص حين أسلم: (إن الإسلام يهدم ما قبله) هدماً لا يبقي له أثراً. وكثير من الكفار أسلموا وقد قتلوا من المسلمين من قتلوا، ومع ذلك لم يؤاخذوا بما عملوا، فقل لهذا الأخ أن ماله حلال وليس فيه بأس، وليتصدق منه، وليتزوج به امرأة ثانية إن كان عنده امرأة واحدة وثالثة ورابعة، ويفعل به ما يشاء، وأما ما قيل له فليس مبنياً على أصل.

стр. 1874

أقصى مدة الحمل فضيلة الشيخ! أعمل بعيداً عن أهلي، وذهبت إليهم في إجازة، وبعد عودتي إلى عملي بفترة جاءني خبر أن زوجتي حاملة، فتأخر الحمل في بطنها عن موعده المحدد، حيث إني حسبت له من آخر فترة كنت عندها ولم ينزل الجنين إلا بعد أحد عشر شهراً، فارتابت نفسي من هذا الوضع وطلقت زوجتي، فما هو مصير هذا الابن علماً أنني أتحرج كثيراً من إضافته إلى اسمي ولو ألحق بي شرعاً لكي أدفع عن نفسي كلام الناس، فماذا أفعل؟ يحسن هنا أن نتمثل بقول الشاعر: ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه هذا الرجل لا شك أنه جاهل، لماذا يطلق زوجته لما بقي الحمل في بطنها أحد عشر شهراً؟ الحمل يبقى في بطن أمه عشرين شهراً، ويبقى ثلاثين شهراً، ويبقى إلى أربع سنين، ويبقى إلى سبع سنين في بطن أمه، حتى ذكر أن بعض الأجنة خرج وقد نبتت أسنانه! فهذا الرجل كونه يطلق المرأة من أجل زيادة مدة الحمل المعتاد إلى شهرين، هذا جهل وغلط كبير، وليس هو الحق أن يعتقد أن هذا مبني على حكم شرعي؛ فالشرع لا يحكم بهذا إطلاقاً. وأما الولد فالولد ولده ولا إشكال، ولا يحل له أن يتبرأ منه بمجرد أن الحمل زاد على الغالب، ولم يزد على الغالب مدة طويلة، لم يزد إلا ستين يوماً، يعني: هي مدة النفاس عند كثير من العلماء، فالولد ولده ولا يحل له أن يتبرأ منه لمجرد أنه بقي في بطن أمه أحد عشر شهراً، وقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: (يا رسول الله! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود -أي: أنا وأمه أبيضان، فأنجب الشك عنده فقال النبي ﷺ له: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق - الأورق: الأشهب- قال: نعم. يا رسول الله! قال: من أين جاء؟ -أي: كيف يخالف لونه ألوان الإبل الأخرى؟ قال: لعله نزعة عرق، قال النبي ﷺ : ابنك هذا لعله نزعة عرق) يعني: يمكن أن يكون أحد من آبائه من الجمال أو أمهاته من النوق أورق. قال: (ابنك هذا لعله نزعة عرق) فخرج الرجل مطمئناً، مع أن النفس يكون فيها قلق، أما ما ذكره السائل فليس فيه من القلق أدنى شيء، فقل له: إنه أخطأ في هذا التصرف إذا كان يعتقد أن هذا مقتضى الشريعة، أما إذا كان لا يريد زوجته فهو حر، ومع ذلك حتى لو كره زوجته فنرى أن يمسكها، لقول الله ﵎: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] أما الولد فهو ولده ولا يحل له أن يتبرأ منه.

стр. 1875

نصيحة وتوجيه لاستغلال الإجازة فضيلة الشيخ! كما تعلم أننا مقبلون على إجازة صيفية، فما هي نصيحتك لنا أن نعمل في هذه الإجازة وجزاك الله خيراً؟ نصيحتي للإخوة بالنسبة للعمل في هذه الإجازة: أما بالنسبة للشباب: فنصيحتي لهم أن ينضموا إلى المراكز الصيفية إن وجدت، وكان القائمون عليها من أهل الخير والفضل، ثم إذا لم يمكن فلينضموا إلى أحد من أهل العلم في بلادهم ويحفظون عليه القرآن أو يقرءون عليه من الحديث، أو من الكتب العلمية الشرعية. أما بالنسبة للكبار والمشايخ: فنصيحتي لهم أن يكثروا الاتصال بالشباب في اللقاءات والمحاضرات والندوات؛ لأن هذه الإجازة في الحقيقة إذا لم تستعمل في الخير فإنها سوف تستعمل في الشر؛ لأن فراغ الشباب هلاك، كما قال الشاعر: إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسده الجدة: الغنى. وأسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح.

стр. 1876

حكم القتال الدائر بين طوائف المسلمين فضيلة الشيخ! ما رأيكم في القتال الدائر بين طوائف المسلمين في بعض البلاد كـ (أفغانستان) مثلاً؟ وما هو الواجب على المسلمين تجاه ذلك؟ أما بالنسبة لما ذكرت من القتال بين المسلمين؛ فإن النبي ﵊ قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) أي: من أعمال الكفر؛ لأنه لا يمكن أن يحمل السلاح مسلم على أخيه المسلم، بل يحمله على الكافر، ولهذا وصف الرسول ﷺ ذلك بأنه كفر، وقال ﷺ : (من حمل علينا السلاح فليس منا) والواجب على المسلمين إذا حصل مثل هذه الفتن أن يكفوا ألسنتهم، وأن يكفوا أسلحتهم عن التدخل إلا من له الحق؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠] .

стр. 1877

مقام الإحسان فضيلة الشيخ! يقول ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين في شرح مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه يقول: ولا ريب أن تصديق الخبر واليقين به يقوي القلب حتى يصير الغيب بمنزلة المشاهد بالعين، فصاحب هذا المقام كأنه يرى ربه سبحانه فوق سماواته على عرشه مطلعاً على عباده، ناظراً إليهم يسمع كلامهم وكأنه يسمعه وهو يتكلم بالوحي ثم يذهب وكأنه يشاهده وهو يرضى في كل الصفات، ثم يقول وبالجملة -هنا الشاهد- فيشاهد بقلبه رباً عرفت به الرسل كما عرفت به الكتب، وديناً دعت إليه الرسل، وحقائق أخبرت بها الرسل فقام شاهد ذلك بقلبه كما قام شاهد ما أخبر به أهل التواتر وإن لم يره من البلاد والوقائع فهذا إيمانه يجري مجرى العيان وإيمان غيره فمحض تقليد العميان فالرجاء الشرح ولو قليلاً. لا شك أن اليقين يتفاوت تفاوتاً عظيماً، فأحياناً يصل بالإنسان إلى أن يكون اليقين المخبر به كالمشاهد بعينه، ولهذا قال النبي ﵊: (أن تعبد الله كأنك تراه) وهذه المنزلة العليا، فإن لم تكن تراه فتعبد له تعبد الخائف، ولهذا قال: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهذا هو الذي جعل ابن عباس ﵄ يقول: [إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ربه بفؤاده] أي: بقلبه لا رؤية عين، والرؤية بالقلب أقوى من رؤية العين من وجه، والرؤية بالعين أقوى من رؤية القلب من وجه آخر، فباعتبار اليقين وحلاوة الإيمان وذوق الإيمان رؤية القلب أعلى، وباعتبار الإدراك رؤية العين أقوى؛ لأنه يشاهد الشيء محسوساً أمامه، وهذه المرتبة -أعني: مرتبة الرؤية بالقلب- مرتبة لا ينالها إلا القليل من الناس، أكثر الناس إيمانهم مبني على مجرد الخبر الصادق، وكفى به دليلاً، ولكن اليقين الذي يحصل بعد هذه المرتبة يكون أقوى، وأما قوله في آخر كلامه: وإيمان غيره محض تقليد العميان، يريد بذلك الإيمان الضعيف المهلهل الذي يكاد يكون صاحبه يقول سمعتهم يقولون شيئاً فقلته، وأما الإيمان الحقيقي فإنه ليس تقليد عميان؛ لأن الإنسان يؤمن به على أنه حق يشاهده.

стр. 1878

حكم دخول مدائن صالح شيخنا الفاضل! تعرضت في تفسير سورة الفجر إلى مدائن صالح فهل الأفضل الدخول لها مع البكاء وأخذ العبرة أم الامتناع من الدخول؟ الأفضل ألا يدخل مدائن صالح فإن دخل فلا يدخل إلا باكياً، وإنما قلنا: الأفضل ألا يدخل؛ لأن الإنسان قد يدخل على أنه واثق من نفسه أنه سوف يبكي ولكن لا يبكي، فلهذا نصيحتنا ألا يدخل الإنسان إليها، ولكن مع الأسف أن بعض الناس الآن اعتبرها آثاراً مجردة وقال: إن هذه آثار السابقين فيشاهدونها على أنها عجائب من عجائب الصنعة، وهذا دليل على الجهل بما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 1879

كيفية معاملة غير المسلم في الدوائر الحكومية أعمل في دائرة حكومية، ويعمل معنا كثير من الكفار المسيحيين ونحن في جهاز واحد، وربما يكون المسئول عن التدريب ورفع التقارير إلى المسئولين منهم، فبم تنصحوني في شأن التعامل معهم؟ ننصحك وغيرك ممن يشاركه أحد من غير المسلمين أن يعمل على حسب ما تقتضيه وظيفته، وأن يعامل غير المسلمين بما تقتضيه الشريعة. أما الأول: وهو أن يعمل بما تقتضيه الوظيفة؛ فلأن العمل في الوظيفة وتنفيذ ما جاء فيها حسب النظام مما أمر الله به، إذا لم يكن مخالفاً للشرع؛ لقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] وأما معاملة غير المسلمين بما تقتضيه الشريعة فلا بد من هذا، وقد قال النبي ﵊: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) فلا يجوز أن نبدأهم بالسلام، لكن إذا سلموا علينا رددنا عليهم بمثل ما سلموا به علينا. ثم إذا كان لهم حق السلطة والتدبير في هذه الوظيفة فإننا ننصح أولاً ألا يوظف غير المسلمين فيما يمكن أن يقوم به المسلم؛ لأن غير المسلم لا يؤمن، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر﴾ [آل عمران:١١٨] لكن إذا كان لا يمكن أن يقوم بهذا العمل أحد من المسلمين فيجوز أن يقوم به آخر من غير المسلمين عند الضرورة، ولهذا استأجر النبي ﷺ رجلاً مشركاً أن يدله على الطريق في الهجرة حين هاجر من مكة إلى المدينة، مع أن الحال حال خطرة، فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبا بكر ومن معهما كانا مطلوبين من قبل قريش، ومع هذا استأجر الرسول ﵊ رجلاً مشركاً يدله على المدينة، فدل هذا على جواز استعمال المشرك إذا دعت الحاجة إلى ذلك، فأرى أنكم تقومون بوظيفتكم وتعاملون هؤلاء بما تقتضيه الشريعة. السائل: إذا دخلت على مجموعة وفيهم بعض الكفار المسيحيين أسلم أو لا أسلم؟ الشيخ: سلم وانو السلام على من معهم من المسلمين، وإذا سلم عليك فرد عليه، ألم تر أن الله قال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] والرسول ﵊ أمرنا أن نرد على اليهود. السائل: وإذا حياك بلغة إنجليزية؟ الشيخ: إذا كنت تعرف اللغة الإنجليزية فرد عليه باللغة الإنجليزية؛ لأنه لا يعرف اللغة العربية. السائل: وإذا علمته اللغة العربية؟ الشيخ: إذا علمته أنت وعلمته أيضاً الشرع هذا شيء حسن.

стр. 1880

الذين يدخلون الجنة بغير حساب فضيلة الشيخ! قول النبي ﷺ : (يدخل من أمتي سبعون ألفاً الجنة بغير حساب ولا عقاب) وهذا العدد يا فضيلة الشيخ! قليل بالنسبة لأعداد الأمة في قرونها المتعاقبة، فهل هؤلاء فقط هم الذين سيدخلون الجنة بغير حساب؟ أفتونا مأجورين جزاكم الله خيراً. أولاً بارك الله فيك: في هذا الحديث الذي ذكرت أن الأمة رفعت إلى الرسول ﷺ وأن معهم سبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وذكر أوصافهم، وقد ورد أنه مع كل واحد سبعون ألفاً، وحتى هذا العدد -أيضاً- بالنسبة للأمة قليل، لكن هذه العدد نادر في الأمة: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) من تحققت فيه هذه الأوصاف من هذه الأمة؟ وليس معنى الحديث أنه لا يدخل الجنة إلا هؤلاء، لا. معنى الحديث أن هؤلاء لا يحاسبون ولا يعذبون، ويوجد أمم كثيرة لا يحصيهم إلا الله يحاسبون وقد يعفو الله عنهم، وقد يعذبهم بقدر ذنوبهم في النار ثم يخرجهم من النار بشفاعة أو بغير شفاعة. فأنت اعمل وحاول أن تتحقق فيك هذه الأوصاف التي قالها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأن تكون منهم ولو كنت من آخر الأمة.

стр. 1881

حكم إمامة من يعلق التمائم والحروز فضيلة الشيخ! يوجد معنا في العمل زميل يقدم في بعض الأحيان لإمامة المصلين في العمل، وقد علق تميمة، فما حكم إمامة هذا الرجل؟ فإذا كان الجواب بعدم الجواز فما الذي ينبغي علينا؟ الشيخ: هل هذا الرجل هو الذي يصلي بكم وتقول: إنه معلق تميمة، هل هو يصلي بكم؛ لأنه نصبه المسئول عن هذه الجهة أو بانتخابكم أنتم؟ السائل: لا يا شيخ! يوجد إمام يصلي بنا ومواظب على إمامة المصلين في العمل لا يوجد شخص مختار من قبل الإدارة لكن تقدم إماماً وواظب على الإمامة، وفي بعض المرات يتخلف هذا الإمام لوجود عمل أو ظرف خارج العمل فيُقدم هذا الشخص من قبل المصلين؟ إذا كان منتخباً من قبل المصلين وهو نائب عن الإمام الرسمي وفي يده هذه التميمة فالواجب عليكم أولاً أن تنصحوه وأن تبينوا له أن هذه التميمة لا خير فيها وأنها نوع من الشرك لا سيما إن كان فيها رموز أو دعوات محرمة أو ما أشبه ذلك، فإن انتهى عن عمله فقد هداه الله على أيديكم، ولكم في هذا أجر، وإن لم ينته فالواجب أن يرفع الأمر إلى الإمام الذي أنابه ويقال: نحن لا نرضى أن ينوب هذا عنك، وتختاروا إنساناً بدله يكون مستقيماً. السائل: إذا دخل شخص ووجد هذا يؤم المصلين؟ الشيخ: يصلي معهم ولا حرج عليه.

стр. 1882

حكم شرب ما يسمى بـ (البيرة) ما حكم شرب ما يسمى بالبيرة مع العلم أن فيه نوعين: نوع فيه نسبة من الكحول، ونوع لا يوجد فيه نسبة من الكحول وهل هي من المسكرات؟ البيرة الموجودة في أسواقنا كلها حلال؛ لأنها مفحوصة من قبل المسئولين، والأصل في كل مطعوم ومشروب وملبوس الأصل فيه الحل، حتى يقوم الدليل على أنه حرام، لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة:٢٩] فأي إنسان يقول: هذا الشراب حرام، أو هذا الطعام حرام، قل له: هات الدليل، إن جاء بدليل فالعمل على ما يقتضيه الدليل، وإن لم يأت بدليل فقوله مردود عليه؛ لأن الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ كل ما في الأرض، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعاً﴾ فأي إنسان يقول لنا: هذا حلال وهذا حرام فإننا نطالبه بالدليل، إن أتى بالدليل عملنا بمقتضى هذا الدليل، وإن لم يأتِ بدليل فإن قوله مردود عليه، فالبيرة الموجودة في أسواقنا هنا في السعودية كلها حلال ولا إشكال فيها إن شاء الله. ثم النسبة فلا تظن أن أي نسبة من الخمر تكون في شيء تجعله حراماً، النسبة إذا كانت تؤثر بحيث إذا شرب الإنسان من هذا المختلط بالخمر سكر صار حراماً، أما إذا كانت نسبة ضئيلة تضاءلت واضمحل أثرها ولم تؤثر فإنه يكون حلالاً. فمثلاً: نسبة (١%) أو (٢%) أو (٣%) لا تجعل الشيء حراماً، وقد ظن بعض الناس أن قول الرسول ﷺ : (ما أسكر كثيره فقليله حرام) أن معناه: ما خلط بيسير فهو حرام ولو كان كثيراً، وهذا فهم خاطئ، الحديث: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) يعني: الشيء الذي إذا أكثرت منه حصل السكر، وإذا خففت منه لم يحصل السكر، يكون القليل والكثير حرام، لماذا؟ لأنك ربما تشرب القليل ثم تدعوك نفسك إلى أن تكثر فتسكر، وأما ما اختلط بمسكر والنسبة فيه قليلة لا تؤثر فهذا حلال ولا يدخل في الحديث.

стр. 1883

حكم مدافعة الريح في الصلاة فضيلة الشيخ! هل مدافعة الريح تأخذ حكم مدافعة الأخبثين في الصلاة؟ إي نعم. مدافعة الريح إذا كانت تضيق عليك كمدافعة البول والغائط؛ لأن العلة هي إشغال القلب عن الصلاة، والدليل على هذا أن الرسول ﵊ قال: (لا صلاة بحضرة طعام) وحضرة الطعام ليس مدافعة أخبثين، لكنه يشغل القلب، وكل ما يشغل القلب لا تُصلِّ مع وجوده، حتى لو فرض أن حولك أناساً وضجيج كلام يشغلك عن الصلاة فلا تصل وأخر الصلاة حتى يزول هذا الضجيج، أو اذهب إلى مكان آخر ليس فيه ضجيج، وذلك أن المقصود من الصلاة وأن لب الصلاة وروح الصلاة هو الطمأنينة والخشوع وحضور القلب، وليست الصلاة مجرد حركات يقوم بها الإنسان قياماً وركوعاً وسجوداً وقعوداً، أهم شيء أن يكون القلب مصلياً قبل أن يكون البدن مصلياً، ولهذا نهي عن الصلاة بحضرة الطعام، وعن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، وكذلك كل ما يشغل الإنسان لا يُصلِّ في حال اشتغاله.

стр. 1884

مراعاة أدب الخلاف فضيلة الشيخ! الخلاف في مسألة فقهية أو مسألة ينبني عليها اعتقاد بناءً على اختلاف في تصحيح حديث أو تضعيفه، فهل يصح لمن يرى تضعيف الحديث أن يسمي من يرى تصحيح الحديث وعمل به بأنه مبتدع أو أن فعله بدعة، هل يحق لأحد أن يرمي أحداً بالبدعة أو الفسق نظراً لأنه خالفه؟ من الذي يحاسب الناس على أديانهم؟ الله ، فإذا أتى حديث واختلف الناس في تصحيحه ورأى بعضهم أنه حديث صحيح فعليه أن يأخذ بما دل عليه هذا الحديث من عمل أو عقيدة؛ لأنه سوف يحاسب: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] سيحاسب على ما عنده من العلم، وكذلك على ما عنده من الفهم، قد يكون الحديث صحيحاً ويختلف الناس في فهمه أيضاً فمنهم من يفهمه على وجه ومنهم من يفهمه على وجه آخر، فإذا فهمه إنسان على وجه وآخر على وجه آخر فإن الواجب على كل واحد منهما أن يأخذ بما فهمه من الحديث، لكن لا مانع من أن يناقش أحدهما الآخر حتى يتوصلا إلى رأي موحد. وأما وصف الإنسان الذي يخالف رأيه في تصحيح حديث أو في دلالته وصفه بالضلال والبدعة فهذا لا يجوز، هذا من عمل أهل الأهواء، ولهذا نجد المسلمين من عهد الصحابة إلى يومنا هذا يعذر بعضهم بعضاً فيما فهم من النص -فمثلاً- قال النبي ﷺ للصحابة حين رجع من الأحزاب، وأمره جبريل أن يخرج إلى بني قريظة الذين نقضوا العهد، قال لأصحابه: (لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة) فخرجوا فأدركتهم الصلاة، فمنهم من قال: لا نصلي إلا في بني قريظة ولو غابت الشمس، وأخروا الصلاة، ومنهم من قال: نصلي في الوقت، والذين قالوا: إننا لا نصلي إلا في بني قريظة، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فنقول: سمعنا وأطعنا. والذين قالوا: نصلي في الوقت، قالوا: إن الرسول ﵊ لم يقصد أن نؤخر الصلاة بل قصد أن نعجل الخروج، فنحن لما حل وقت الصلاة نصلي في الطريق، ونستمر في السير. ففعل هؤلاء كذا وفعل هؤلاء كذا، وعلم بهم النبي ﷺ ولم يعنف أحداً منهم، مع أن الخلاف في أمر عظيم، في صلاة تؤخر عن وقتها أو تصلى في وقتها. وكذلك أيضاً اختلفوا في مسائل كثيرة، منها: امرأة حامل توفي عنها زوجها، فوضعت قبل أربعة أشهر، السنة جاءت بأنها إذا وضعت بعد موت زوجها ولو بدقائق انتهت عدتها، وانتهى إحدادها كما في حديث سبيعة الأسلمية أنها توفي عنها زوجها فوضعت بعده بليال، فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج. ومنهم من يقول: لا. إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشرة أيام فإنها تنتظر حتى تتم لها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن تمت أربعة أشهر وعشرة أيام قبل أن تضع فإنها تنتظر حتى تضع، فيقال: نعم. إذا مضى عليها أربعة أشهر وعشرة أيام ولم تضع فإنها تنتظر حتى تضع لا شك في هذا، لكن إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشرة أيام فإنها تنتهي عدتها، والذي خالف في هذا: علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس، وكلاهما فقيه عالم، ومع ذلك نرجع إلى السنة، وندع قول علي وقول ابن عباس، السنة أنها إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشرة أيام فإنها تنتهي عدتها، وتحل للأزواج، حتى لو فرض أنها وضعت وزوجها يغسل ولم يصل عليه، فإن عدتها تنتهي، يعني: تنتهي عدتها قبل أن يُخرج بجنازة زوجها إلى المقبرة. فأقول: يا إخواني! لا يجوز لنا أن نحمل الناس على ما نفهم نحن من الأدلة، ولا يجوز أن نجبر الناس على أن يصححوا ما لم يصح عندهم، والناس يحاسبهم الله ويسألهم يوم القيامة: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] .

стр. 1885

حكم التكلف والسجع في الدعاء فضيلة الشيخ! ما صحة الدعاء قول امرأة تقول: " لا إله إلا الله عدد ما كان وما يكون، وعدد حركاته وعدد خلقه من خلق آدم حتى يبعثون ". أشبه ما يكون هذا الدعاء بالتنطع ولو قالت: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، أو لا إله إلا الله عدد خلقه، لكفاها عن ذلك كله، وكان من ذكر النبي ﵊: (سبحان الله وبحمده عدد خلقه، سبحان الله وبحمده رضا نفسه، سبحان الله وبحمده زنة عرشه، سبحان الله وبحمده مداد كلماته) هذا من أجمع ما يكون من التسبيح، وأما هذه الأشياء التي يأتي بها بعض الناس يعجبه السجع الذي فيها والمعنى المبتكر! فإن العدول عنها إلى ما جاءت به السنة هو الخير.

стр. 1886

الولد للفراش وللعاهر الحجر فضيلة الشيخ! يسأل عن مشكلة الزنا التي ما سلم منها إلا قليل من إخواننا وأخواتنا قبل إسلامهم نتج من هذه الاتصالات أولاد كثيرون ولا أكون مبالغاً لو وصفتهم أنهم أمة من الناس، الأولاد الذين أتوا من هذا الزنا هل نفقتهم واجبة على آبائهم الذين أسلموا وما كان عندهم عقد على أمهاتهم؟ هؤلاء الذين حصل منهم جماع في حال الكفر إن كانوا يعتقدون أن هذا الجماع حصل عن عقد يرونه عقداً صحيحاً وإن كان باطلاً شرعاً، فالعكس صحيح والأولاد للرجل، مثال ذلك: إنسان وهو كافر اتفق مع امرأة على أن يكون زوجها فوافقت، وكانوا يرون هذا عقداً، ثم أسلم الرجل والمرأة نقول: أنتم على نكاحكما، ولا يحتاج أن تجدد العقد، وما حصل بينكما من أولاد فهم لكما، إلا إذا كانت الزوجة في حال الإسلام لا تحل للزوج، مثل لو كان مجوسياً وتزوج أخته، والمجوس يجوزون نكاح المحارم، فإذا تزوج أخته في حال الكفر ثم أسلم وأسلمت وجب التفريق بينهما؛ لأن المرأة لا تحل للرجل، فهؤلاء الجماعة الذين ذكرت نقول: إذا كنتم تعتقدون أن ما حصل منكم من مواقعة هؤلاء النساء نكاح وعقد، فليس هذا زنا، والأولاد لكم، وإن كنتم تعتقدون أنه زنا فإن استلحقتم هؤلاء الأولاد في حال الكفر - يعني: أن الزاني قال: هؤلاء أولادي- فهم أيضاً أولاده ما دام ليس له منازع، وإن لم يستلحقوهم فإنهم لا يكونون أولاداً لهم. وأما النفقة فتنبني على أننا إن حكمنا بأنهم أولاد لهم وجب عليهم الإنفاق عليهم، وإن لم نحكم بذلك فليس عليهم نفقتهم. السائل: ما معنى قوله ﷺ : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ؟ الشيخ: حديث (الولد للفراش وللعاهر الحجر) يدل أن هناك رجلين، زان وصاحب فراش كل واحد منهما يدعي أن الولد له، صاحب الفراش يقول: هذا ولدي ولد على فراشي، والزاني يقول: هذا ولدي خلق من مائي، فهنا نغلب جانب الشرع كما قال النبي ﵊: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) أما إذا كان الزاني لا ينازعه أحد في ذلك، يعني: زنا بامرأة بكر -مثلاً- أو امرأة ليس لها زوج ولم يدّعِ أحدٌ هذا الولد وقال الزاني: إنه ولدي فهو له؛ لأن هؤلاء كفار لا يلتزمون بأحكام الإسلام، فهو له ولا إشكال فيه وعليه نفقته، وأما إذا كان يعتقد أنه ولد زنا وأنه ليس له ولا يريده، فنفقته على من علم بحاله من المسلمين، نفقته فرض كفاية يقوم بها المسلمون عموماً.

стр. 1887

من أفضل كتب السيرة ما هي كتب السيرة التي ينصح فضيلتكم باقتنائها والإطلاع عليها؟ السيرة النبوية الواقع أن فيها أشياء ضعيفة مما نقل، وفيها أشياء صحيحة، ومن أحسن ما رأيت زاد المعاد لـ ابن القيم، على أنه ﵀ أحياناً يأتي بآثار غير صحيحة، لكنه من خير ما رأيت، وكذلك من بعده البداية والنهاية لـ ابن كثير فإنها جيدة، ولكن لو شاء الإنسان أن يأخذ كل قضية وحدها فيدرسها ويراجع عليها كلام أهل العلم ثم يلخصها في كتاب له خاص أو ينشره ويكون عاماً فهذا حسن. وإنني أتمنى أن يوجد طالب علم يحرص على هذه المسألة وينقح السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين مما شابها من الآثار الضعيفة أو المكذوبة.

стр. 1888

بطلان حديث لحم البقر داء ما صحة الحديث الذي يحكي أن ألبان البقر دواء وسمنها شفاء ولحمها داء؟ هذا الحديث الذي فيه أن لحم البقر داء هذا حديث باطل مكذوب على الرسول ﵊، ولا يمكن أن يصح إطلاقاً؛ لأن الله يقول فيما أحل لنا: ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤] فأباح الله لحم البقر، وهل الله تعالى يبيح لعباده ما هو داء؟ لا. لا يمكن أن يبيح ما هو داء، إذاً: فهذا الحديث نعلم أنه مكذوب، وقد خرجه بعض الأخوة من طلبتنا وبين أنه كذب لا يصح عن النبي ﵊.

стр. 1889

الأدلة على تحديد ركعات الفروض فضيلة الشيخ! هل هناك دليل من السنة على تحديد ركعات الصلوات المفروضة أن الفجر ركعتان والظهر أربع؟ هذا سؤال غريب. أولاً: أن السنة دلت على ذلك دلالة صريحة، قالت عائشة ﵂: [أول ما فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فزيد في صلاة الحضر وبقيت صلاة السفر على الفريضة الأولى] . ثانياً: أن هذا أمر مجمع عليه، يعني: لو قال لنا إنسان: إنه يمكن أن تكون صلاة الفجر ثلاثاً لكان كافراً؛ لأن هذا إنكار لما علم بالضرورة من دين الإسلام، وعدد ركعات الصلوات أمر لا يشك فيه أحد. أمر مجمع عليه. وهذا حديث عائشة ذكرته لك، وإجماع المسلمين عليه من عهد رسول الله إلى يومنا هذا، هل الأمة الإسلامية مجمعة على خطأ منذ بزغ نجم الإسلام إلى اليوم، هذا الذي يشككه في هذا -أيها الشباب! - رجل مفسد لأنه في قرارة نفسه يعلم أن هذا لا يحتاج إلى طلب الدليل، عمل المسلمين عليه من ذاك الوقت إلى يومنا هذا، هذا أكبر دليل، لكن احذروا مثل هؤلاء الذين يردون عليهم مثل هذه الأسئلة، احذروهم وفروا منهم كما تفرون من الموت أو أكثر. نسأل الله أن يقي المسلمين شر أمثال هؤلاء، إنه على كل شيء قدير.

стр. 1890

لقاء الباب المفتوح [٦٤] هذا اللقاء هو عبارة عن تفسير بعض الآيات من سورة الفجر والتي احتوت على ذكر قصة فرعون وكيف أنه طغى في البلاد التي كان فيها وهي مصر، وأكثر فيها الفساد؛ وذلك بكثرة المعاصي، كما أن في هذه الآيات بيان سنة الله فيمن يعصونه ويخالفون أمره ويكذبون رسله.

стр. 1891

تفسير آيات من سورة الفجر الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فنكمل ما ابتدأناه من تفسير سورة الفجر، وقد انتهينا من الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر:٦-٩] .

стр. 1892

تفسير قوله تعالى: (وفرعون ذي الأوتاد) قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر:١٠] فرعون هو: الذي أرسل الله إليه موسى ﵊، وكان قد استذل بني إسرائيل في مصر يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، وقد اختلف العلماء في السبب الذي أدى به إلى هذه الفعلة القبيحة، لماذا يُقتل الأبناء ويبقي النساء؟ قال بعض العلماء: إن كهنته قالوا له: إنه سيولد في بني إسرائيل مولود يكون هلاكك على يده، فصار يقتل الأبناء ويستبقي النساء. ومن العلماء من قال: إنه فعل ذلك من أجل أن يُضْعِفَ بني إسرائيل؛ لأن الأمة إذا قتلت رجالها واستبقيت نساؤها ذلت بلا شك، فالأول تعليل أهل الأثر والثاني تعليل أهل النظر -أهل العقل- ولا يبعد أن يكون الأمران جميعاً قد صارا علةً لهذا الفعل، ولكن بقدرة الله أن هذا الرجل الذي كان هلاك فرعون على يده تربى في نفس بيت فرعون، فإن امرأة فرعون التقطته وربته في بيت فرعون، الذي استكبر في الأرض وعلا فيها وقال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وقال لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] وقال لهم: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف:٥٢] أي: موسى ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] فأنكر الألوهية وأنكر الرسالة، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤] وتعلمون أنه قال لقومه مقرراً لهم عظمته وسلطانه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] افتخر بالأنهار التي تجري من تحته وهي مياه، فأهلكه الله تعالى بجنسها حيث أغرقه وقومه في البحر الأحمر. فقوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ أي: ذي القوة؛ لأن جنوده كانوا له بمثابة الوتد، والوتد كما نعلم تربط به حبال الخيمة فتستقر وتثبت، فافتخر فرعون بجنوده وملكه.

стр. 1893

تفسير قوله تعالى: (الذين طغوا في البلاد) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:١١] الطغيان: مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] أي: لما زاد الماء حملناكم في الجارية يعني: بتلك السفينة التي صنعها نوح ﵊، فمعنى (طغوا في البلاد) أي: زادوا عن حدهم، واعتدوا على عباد الله.

стр. 1894

تفسير قوله تعالى: (فأكثروا فيها الفساد) قال تعالى: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر:١٢] أي: بالمعاصي وقتل الضعفاء، والفساد هنا هو: الفساد المعنوي، والفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسي لقول الله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦] ولهذا قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦] قالوا: لا تفسدوها بالمعاصي، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر:١٢] أي: الفساد المعنوي لكن الفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسي. وكان فيما سبق من الأمم أن الله تعالى يدمر هؤلاء المكذبين عن آخرهم، لكن هذه الأمة رفع الله عنها هذا النوع من العقوبة، وجعل عقوبتها أن يكون بأسهم بينهم حيث يدمر بعضهم بعضاً، وعلى هذا فما حصل من المسلمين من اقتتال ومن تدمير بعضهم بعضاً إنما هو بسبب المعاصي والذنوب، يسلط الله بعضهم على بعض، ويكون هذا عقوبة من الله .

стр. 1895

تفسير قوله تعالى: (فصب عليهم ربك سوط عذاب) قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:١٣] صب عليهم: الصب معروف أنه يكون من فوق، والعذاب الذي أتى هؤلاء من فوق من عند الله و (سوط عذاب) السوط: هو العصا الذي يضرب به، ومعلوم أن الضرب بالعصا نوع من العذاب، فهذا السوط الذي صبه الله تعالى على عاد وثمود وفرعون ليس كالعصا المعروفة لدينا، وإنما هو عصا عذاب أهلكهم الله تعالى به وأبادهم. نسأل الله تعالى أن يجعل لنا ولكم فيما سبق من الأمم عبرة نتعظ بها، وننتفع بها، ونكون طائعين لله غير طاغين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →