← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

حكم رمي الكتب الدينية والأطعمة في المزبلة فضيلة الشيخ! يكثر رمي بعض الكتب الدينية، مثل: كتب التفسير والتوحيد والفقه في المزابل ومع النجاسات وأكثر ما يكون هذا قرب المدارس، وكذلك بعض الأطعمة الصالحة التي يمكن إعطاؤها للفقراء ترمى في المزابل، نود النصيحة يا شيخ، وماذا على الناظر الذي يرى هذه الأشياء؟ أما الذي رمى بها في المزابل وهي قرآن كالمصحف أو جزء وقصده الإهانة فهذا كافر ولا إشكال في كفره؛ لأن هذا من أعظم الإهانة لكتاب الله ، وأما الذي يفعله من دون قصد الإهانة، ولكن الرجل لا يهتم بهذه الأمور فهذا لا يكفر ولكن فعله هذا حرام عليه. والواجب على من رأى قرآناً أو كتباً فيها قرآن مرمية في المزابل الواجب عليه أن يأخذها من المزابل ولا يبقيها، وأما الطعام الذي يمكن الانتفاع به فلا يجوز رميه لا في المزابل ولا الأسواق النظيفة؛ لأن هذا من باب الكفر بنعمة الله، والواجب أن يتصدق به على الفقراء؛ لأن البلد لا تخلو من فقير لا سيما كثير من العمال الذين يشق عليهم الطبخ كل يوم، فتجدهم محتاجين إلى الطعام، والحقيقة أنه يجب على طلبة العلم أن يبصروا الناس بهذا، لأن الناس في غفلة وربما يكفيهم أدنى تنبيه. وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى، وفقنا الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى.

стр. 2312

لقاء الباب المفتوح [٧٨]

стр. 2313

وجوب الفدية على من قص شعره من جهة واحدة في العمرة الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثامن والسبعون من لقاءات الباب المفتوح، والذي نسأل الله أن يجعل فيه خيراً وبركة، واللقاء الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا هو الخميس الموافق للرابع عشر من شهر جمادى الآخرة. شخص ذهب للعمرة وقصر شعره من جهة واحدة فهل عليه دم أم لا؟ هذا الذي ذهب للعمرة وقصر؛ يجب أن يكون التقصير شاملاً لكل الرأس، ومن الخطأ أن يقص من جانب واحد أو من جانبين أو من ثلاثة أو من أربعة، لابد أن يكون التقصير شاملاً لكل الرأس، ولهذا نرى أنه لو استعمل الإنسان هذه المكائن التي على كهرباء وما أشبه ذلك لحصل المقصود، فينظر إذا كان التقصير شاملاً لأكثر الرأس كفى، وإلا فعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء.

стр. 2314

لزوم كفارة اليمين على من حرَّم على نفسه حلالاً فضيلة الشيخ! أعطاني شخص خمسة آلاف ريال على أن أعطيه أرضاً، وبعد ما طلعت الأرض سلم لي النقود، وبعدما مضى عليها فترة، كل يوم وكل ليلة يقول لي: رد لي النقود التي عندك، وجاءني ليلة وأنا غضبان فقلت له: إن نقودك التي عندي حرام عليَّ، والآن هل النقود تحل لي أو لا، جزاك الله خيراً؟ الشيخ: نسأل الآن هل النقود تحل لك أو لا؟ السائل: نعم. الشيخ: إذا كان بينكم اتفاق على أنه إذا أخرجت له الأرض فلك خمسة آلاف فهي لك حلال، أما تحريمك إياها فيلزمك عنه كفارة يمين، أي: أن تطعم عشرة مساكين، كل صاع من الأرز لأربعة أشخاص.

стр. 2315

حكم ذكر بعض الجرائم من على المنابر فضيلة الشيخ يعمد بعض الخطباء في خطبهم ذكر بعض الجرائم التي تحصل بين الزوجين، أو تحصل في الأسواق، أو كذا، فهل هذا العمل يعتبر من إشاعة الفاحشة بين المسلمين؟ الذي أرى للخطباء ألا يثيروا شيئاً في الخطبة التي يخطبون بها أمام الناس، إلا إذا اشتهر الشيء وكثر وشاع، أما إذا كان في قضية واحدة وهي مما ينكر عليها إنكاراً عظيماً، فإن الواجب أن الإنسان يتصل بهذا الذي حصل منه هذا الشيء وينصحه، لأن الشيء إذا ذكر صار حديث الناس، وإذا لاكته الألسن سهل على النفوس، فيحصل في هذا مفسدة أكثر مما يحصل من المنفعة، أما لو اشتهر مثلاً فهذا لا بأس به، وكذلك لو كان هذا الشيء مخالفاً لأمر معلوم، مثل قضية بريرة ﵂ حين جاءت إلى أم المؤمنين عائشة تريد منها الإعانة على قضاء دين مكاتبتها فقالت عائشة: على أن يكون الولاء لي لكن أهل بريرة أبوا إلا أن يكون الولاء لهم فقال لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أي لـ عائشة: (خذيها واشترطي لهم الولاء، ثم قام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطيباً في الناس فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله) فهذا فعله النبي ﵊ من أجل أن يشرع للناس هذا الحكم، أو أن يبين للناس حكم هؤلاء الذين اشترطوا شرطاً ليس من كتاب الله، وأن شروطهم باطلة. فعلى كل حال أرى المنكرات التي تكون من أفراد ولا تشتهر في الناس الأولى ألا تنشر بين الناس لئلا تلوكها الألسن، فيسهل على النفوس هذه المنكرات، وأما إذا شاعت وانتشرت؛ فلابد من الكلام عنها.

стр. 2316

صفة غسل الميت وجواز تقبيله فضيلة الشيخ ما هي صفات غسل الميت، وعندنا أحياناً عندما يموت الميت يتجمع أهله ثم يقبلونه، فهل هذا جائز؟ أما تقبيل الميت بعد موته فلا بأس به، لأن أبا بكر ﵁، دخل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد موته وقد غطي صلوات الله وسلامه عليه فكشف عن وجهه وقبله. وأما كيفية تغسيل الميت، فالميت إذا مات يوضع على سرير التغسيل، ثم يبدأ بغسل فرجه وما كان فيه، ولا ينظر إليه، فيدخل الغاسل يده من تحت الغطاء ويغسل فرجيه القبل والدبر، ولا يمسهما بيده أيضاً بل يجعل على يديه خرقة، فإذا فرغ من ذلك فإنه يأخذ خرقة مبلولة ينظف بها أنف الميت وفمه عوضاً عن المضمضة والاستنشاق، ثم يغسل وجهه ثم يديه إلى المرفقين ثم رأسه ثم رجليه، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) . ويكون حينئذ قد أعد ماء فيه السدر، فيضرب السدر بيديه ويخبطه حتى يكون له رغوة ويأخذ هذه الرغوة ويغسل بها رأس الميت، ثم بعد ذلك يغسل بقية البدن بالسدر، وعلى حسب حال نظافة الجسم إذا كان الجسم نظيفاً فالمرة، والمرتين، والثلاث تكفي، وإذا كان غير نظيف ويحتاج إلى زيادة غسل؛ فإنه يغسل، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: (اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك) ثم ينشف بثوب ثم تطوى عليه أكفانه. السائل: هل كل إنسان يغسل الميت عليه وضوء؟ الشيخ: لا ليس بشرط، أي: لا يشترط أن يكون الغاسل على طهارة، لكن العلماء قالوا: إن الجنب لا ينبغي أن يكون حول الميت؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب.

стр. 2317

حكم من دخل عليه رمضان وهو في غيبوبة فضيلة الشيخ! عندي بنت في غيبوبة وإذا لم يعافها الله هل أطعم عنها بعدد أيام رمضان وهي في غيبوبة خلال الشهر؟ إذا كانت في غيبوبة في شهر رمضان؟ السائل: إي نعم، لها تسعة أشهر. الشيخ: تسعة أشهر، فإذا عافاها الله وقدرت أن تصوم فهذا المطلوب، وإلا فيطعم عن كل يوم مسكيناً، وإن توفيت قبل ذلك أطعم عن كل يوم مسكيناً.

стр. 2318

حكم الاحتجاج بالقدر على المصائب والآلام فضيلة الشيخ ورد في حديث علي ﵁ حين طرق بابه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولـ فاطمة: (ألا تصليان؟) الحديث الصحيح، استشهد علي ﵁ بالمشيئة كما هو معروف أن أرواحهم بيد الله ، يقول ابن القيم: إن احتجاج علي ﵁ صحيح، ويقول فضيلتكم أيضاً في التعليق على ذلك في تقريب التدمرية: ولذلك لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فما وجه ضرب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فخذه وهو خارج قارئاً قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤] ؟ وجه ذلك أن الأولى بـ علي بن أبي طالب ﵁ حين قال: (ألا تصليان؟) ألا يقول هكذا ويحتج بالقدر، وإنما يختار عبارة أخرى أفضل من هذه العبارة، ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم ينكر عليه حين احتج بالقدر، وهذا يدل على ما ذكر في تقريب التدمرية أن الاحتجاج بالقدر على شيء مضى أنه لا بأس به، ويكون الإنسان إن كان ذلك معصية نادماً تائباً، وإن كانت غير معصية كترك قيام الليل؛ فإنه يكون تاركاً للأفضل.

стр. 2319

مسألة السلام والصلح والتطبيع مع اليهود فضيلة الشيخ قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] يا فضيلة الشيخ! هناك شيء اشتهر واستفاض الآن وهو ما يسمى بالسلام، والصلح، والتطبيع، والاعتراف باليهود، فيريد الإنسان أن يعرف حكم ذلك، لأن التحاليل أحياناً تتعارض، فيريد الإنسان أن يكون على بينة لئلا يعتقد شيئاً يدين به الله ويتكلم بشيء إلا وهو شيء صحيح سمعه من أولي العلم؟ أولاً قول الله ﵎: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨] ولكن المعنى الذي تريده: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] فالقرآن مبين لكل شيء، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] فهذا في قوم يذيعون ما يسمعون من خير أو شر، أو خوف أو أمن، كما قال تعالى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] وهذا يدل على أن الإنسان لا ينبغي أن يكون مذياعاً لكل ما سمع من خبر، سواءً خبر خوف أو أمن، أو خير أو شر أذاعه، بل قد يكون من الخير أن يكتم هذا الخبر الذي حصل، ولذلك كان من هدي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه إذا أراد غزوة ورّى بغيرها حتى لا يعلم ما يريد. وأما ما يتعلق بالصلح مع إسرائيل وما أشبه ذلك فالأمر ليس إلي ولا إليك، وهذا أمر يتعلق بالحكومات ولعله يأتي اليوم الذي يكون فيه إن شاء الله تصفية اليهود والنصارى أيضاً من هذه الجزيرة العربية وما حولها حتى يخلصنا الله من شر هؤلاء. ثم أبشروا أيها المسلمون بأنه سوف تكون بيننا وبين اليهود مقتلة عظيمة يكون فيها الهزيمة والذل والعار على اليهود، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أنه سيكون بيننا وبينهم مقتلة عظيمة حتى إن اليهودي ليلوذ بالشجرة فتقول: يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا شجرة الغرقد فإنه من أشجارهم فلا يخبر عنهم) ونحن إن شاء الله تعالى نرتقب النصر الذي يكون للمسلمين على أعدائهم من اليهود والنصارى، ولا تنس فعل النصارى في بلاد أخرى كـ البوسنة والهرسك وكذلك أيضاً في أماكن كثيرة، ومن غير النصارى أيضاً من وثنيين ومشركين مثل كشمير وغيرها، فالمهم أن المسلمين الآن تكالبت عليهم الأعداء ولعل هذا إن شاء الله تعالى مفتاح للنصر والفرج فانتظر، أما ما يتعلق بالحكومات فأمرهم إلى الله ، ونسأل الله تعالى أن يهديهم لما فيه الخير والصلاح.

стр. 2320

حكم مرور المرأة من أمام امرأة تصلي فضيلة الشيخ هل مرور المرأة يقطع صلاة المرأة، وإذا كان الجواب بنعم فكيف يوجه حديث أبي ذر في مسلم: (يقطع صلاة الرجل المسلم) فقيده بالرجل؟ المرأة تقطع صلاة المرأة كما تقطع صلاة الرجل، وتوجيه الحديث الذي ذكرته: هو أن الأحكام التي تذكر للرجال تثبت للنساء إلا بدليل، والأحكام التي تثبت للنساء تثبت للرجال إلا بدليل، هذه هي القاعدة وهو الأصل، فإذا لم يكن هناك دليل صريح يدل على أن مرور المرأة بين يدي المرأة لا يقطع الصلاة، أو مرور الكلب بين يدي المرأة لا يقطع الصلاة، وأريد بالكلب الكلب الأسود، أو مرور الحمار لا يقطع، يعني: قد يقول قائل: مرور المرأة بين يدي المرأة لا يقطع الصلاة؛ لأن نفس المرأة لا تتعلق بأختها، بخلاف مرور المرأة بين يدي الرجل، لكن يرد على هذا الكلب الأسود والحمار، فهذا لا يفترق فيه الرجال والنساء، فالصحيح أنه عام للرجال والنساء، وأن تقييده بالرجل كغيره من النصوص الكثيرة التي تذكر الحكم معلقاً بالرجال، أو معلقاً بالنساء، والأصل تساويهما في الأحكام. السائل: وأل في الرجل؟ الشيخ: (أل) في الرجل للجنس.

стр. 2321

مسألة من توفي وأوصى بثلث ماله ولم يحصل منه إلا القليل فضيلة الشيخ! توفي والدي وأوصى بثلث ماله صدقة عنه، استحصل من المبلغ تقريباً ثلاثة عشر ألفاً، والباقي ديون له وحاجات، وتبلغ ما يقارب خمسة وسبعين ألفاً، وتحصل هذه المبالغ على فترات طويلة فما هو أنسب شيء يمكن أن نعمله في هذه الوصية؟ الشيخ: هو قال صدقة؟ السائل: نعم قال صدقة عنه. أما ما حصلتم الآن من ماله فأرى أن أفضل ما يكون أن تجعلوه في عمارة مسجد؛ لأن المسجد صدقة جارية، كل المسلمين يجتمعون فيه في كل وقت وحين، وأما ما يؤخذ من الديون فإذا كان الذي يؤخذ شيئاً يسيراً مثل مائة ريال يكون له منها ثلاثة وثلاثين ريالاً، أو تأخذ مثلاً ثلاثين ريالاً يكون الثلث عشرة، فكلما أخذتم مبلغاً تأخذوا ثلثه صدقة على الفقراء والمساكين. السائل: لكن لو نجمع المبلغ على أساس أن يكون صدقة جارية بدل ما يذهب المبلغ مرة واحدة إليهم وينفد، فنحاول أن تنميه؟ الجواب: بارك الله فيك! هل أنت تضمن نفسك أنك ستبقى حتى تنمي هذا المال، وهل أنت واثق أن هذا المال سوف يربح، ربما يخسر ولا يجوز أن يتصرف بالإرث على هذه الصفة، الثلث لازم ينفق على حسب ما أوصى به الموصي والحمد لله، إذا قدر أنه نفذ المال فالدعاء له أفضل من هذا.

стр. 2322

حكم قول: (مادة القرآن أو المادة قرآن) فضيلة الشيخ! حكم قول مادة القرآن أو المادة قرآن؟ لا أرى فيها شيئاً؛ لأن معنى المادة أي الدرس، ولا يريدون المادة بمعنى المخلوق، والقرآن تعرف أنه ليس بمخلوق، ولكن يريدون بهذا قطعاً الدرس فلا بأس به.

стр. 2323

جواز تحويل المال من بلد إلى آخر بعملة أخرى فضيلة الشيخ: من شرط التقايض في المال يعني مثلاً بعض الدول فرضت على رعاياها المغتربين تحويلاً إلزامياً، وهو أن يحول المغترب مبلغاً من المال لهذه الدولة لكي تستفيد منه؛ ولكن عند التحويل يكتب لك سنداً بصرفه في هذه الدولة وأنت بعيد عنها، وقد أشكل على كثير من الناس هذه المسألة، فهل نلتزم بهذا؟ الشيخ: يعني أنت ستدفع دراهم سعودية؟ السائل: نعم. الشيخ: وتحول في بلدك إلى دراهم محلية؟ السائل: نعم. الشيخ: على وجه لا تتمكن من سوى هذا؟ السائل: نعم. الشيخ: ما يمكن إلا هكذا؟ السائل: لا يمكن إلا هكذا. الشيخ: إذاً هذه ضرورة ولا بأس بها، يعني: لا بأس إذا أجبرت أن تدفع دراهم سعودية هنا وتحول هناك إلى دراهم محلية لا بأس، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .

стр. 2324

التفصيل في الحكم بغير ما أنزل الله إذا تكرر من الحاكم الحكم بغير ما أنزل الله -يعني كثيراً- مع أنه يعتقد في قلبه وجوب التحاكم إلى ما أنزل الله، فما الحكم في هذه المسألة؟ هذه المسألة يا أخي! مسألة ليست هينة، ولا يمكن أن يحكم فيها بوجه عام، لأنه لو حكم فيها بوجه عام أو أفتي فيها بوجه عام فهمها بعض الناس على غير المقصود، فإذا خالف الحاكم شيئاً يعتقده هذا الرجل أنه هو شرع الله قال: إنه كافر، وهذا مثل ما يوجد الآن في الجماعات التي تكفر ولاة الأمور وتقول: لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، وهم لم يمحصوا المسألة، فلذلك أنا أرى أن سد الباب في هذه المسألة أولى، لئلا يفهمها الناس على غير مراد المفتي ولئلا يتخذها الإنسان وسيلة إلى القيام على الحكام في بلادهم، وهذه مسألة كبيرة كما تعرف، وقد تكلم العلماء ﵏ على هذه المسألة عند تفسير الآيات التي في سورة المائدة، فبإمكانك أن ترجع إلى ما قاله العلماء في هذا.

стр. 2325

حكم لفظة: (لعمرك) فضيلة الشيخ ما حكم القسم بهذه الكلمة: لعمرك، التي نسمعها كثيراً في أبيات الشعر مع بيان الدليل، وقال بعضهم بجوازها بحجة أنها كانت تقال بين السلف ولم ينكروها؟ أما إذا كانت من الله فهي جائزة، وهي في القرآن: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] ، أما إذا كانت من المخلوق للمخلوق فهي ليست للقسم الذي قال الرسول ﵊ عنه: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) لأن الحلف له صيغة معينة، فهو يبدأ بالواو، أو بالباء، أو بالتاء، أما لعمرك فليست قسماً صريحاً، ولذلك جاء في الحديث: (لعمري) ، وجاء أيضاً في الآثار عن الصحابة أنهم كانوا يقولون: (لعمري) أما (لعمرك) فلا أذكر الآن أنها وردت عن السلف لا مقالاً ولا إقراراً، لكن (لعمري) وردت، وأظن أنه لا فرق بين (لعمري) و (لعمرك) ، لأنها كلها عمر إنسان مخلوق.

стр. 2326

حكم تحنيط الحيوانات والاحتفاظ بها فضيلة الشيخ! ما حكم الحيوانات المحنطة مثل التي تكون في المدارس، وهل يجوز الاحتفاظ بها في المنزل على هيئة تحف وزينة؟ الحيوانات المحنطة إن كانت مما يؤكل وذكيت بدون أن يقطع رأسها ثم حنطت فلا بأس بذلك ولا إشكال فيه، لأن إضاعة المال الذي يكون في هذه الحالة شيءٌ يسير، ولا يضر هذا المال الذي يفوت على الإنسان، وربما تكون المصلحة منها تؤدي إلى أن يكون هذا ليس إضاعة مال، أما إذا كانت من الأشياء المحرمة فإنها إذا حنطت ستبقى نجسة، والاحتفاظ بالنجس لا يجوز؛ لأن النجس المطلوب إزالته، والتخلي عنه، ثم إنها إذا احتفظ بها ومسها الإنسان وهو رطب نجسته أو مسها وهي رطبة نجسته، فلا فائدة منها، لكن هي ليست بصورة كما يظن بعض الناس، حيث يظن أن هذه مثل الصورة التي يصورها الآدمي وليس كذلك، فهي خلق الله . السائل: ووضعها في المنزل يا شيخ للزينة؟! الشيخ: كما قلت لك ما هي الفائدة منها؟ السائل: للزينة فقط. الشيخ: الزينة فقط من الحيوان الذي يؤكل أو لا يؤكل؟ السائل: من هذا ومن هذا. الشيخ: الذي يؤكل كما قلت لك إذا ذكي ولم يقطع رأسه ثم بعد ذلك حنط؛ فلا بأس؛ لأنه الآن طاهر وليس نجساً، لكن الذي لا يؤكل نجس إلا أن العلماء استثنوا الذي لا يعيش إلا في الماء فإن ميتته طاهرة، واستثنوا أيضاً مما يعيش في البر مما ليس له دم يسيل، قالوا إن ميتته طاهرة لأدلة وردت في ذلك.

стр. 2327

كيفية زكاة عروض التجارة فضيلة الشيخ كيف تزكى عروض التجارة؟ عروض التجارة هي الأموال التي أعدها الإنسان للتجارة يعني: ليس له غرض إلا أن يتاجر بها، وتزكى إذا حال الحول، فتقدر قيمتها بما يساوي وقت حلول الزكاة، سواء كانت مثل ما اشتراه أو أقل أو أكثر، فمثلاً لو كان عند إنسان أرض واشتراها للتجارة واشتراها مثلاً بعشرة آلاف وعند تمام حول زكاته صارت تساوي عشرين ألفاً؛ فإنه يجب أن يزكي على عشرين ألفاً، وإذا كان بالعكس مثل أن يكون قد اشتراها بعشرين ألفاً ثم نزلت قيمتها عند وجوب الزكاة أي عند تمام حول زكاته فإنه لا يزكي إلا على عشرة آلاف.

стр. 2328

حكم وطء الحائض وما يترتب عليه فضيلة الشيخ! يقول الرسول صلى عليه وسلم: (من أتى كاهناً أو عرافاً أو امرأة في دبرها أو حائضاً فقد كفر بما أنزل على محمد) ثم إن أهل العلم فصلوا في ذلك أي: إذا جاء الرجل إلى امرأته في أول الحيض أو في ثوران الدم. يكون الكفارة نصف دينار في أول الحيض أو فورة الدم دينار، ثم بعد ذلك إذا قرأت: إذا كان متعمداً دينار، فأرجو تفصيل ذلك وجزاك الله خيرا؟ وطء الحائض محرم؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢] ولأن وطء الحائض مضر على الرجل والمرأة والأصل فيما كان مضراً أن يكون حراماً، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] ، ولكن إذا جامعها في حال الحيض، أو أوله، أو في فورته، أو في آخره فقد اختلف العلماء ﵏ هل فيه كفارة أو لا، وهذا ينبني على صحة الحديث الوارد في ذلك، فمنهم من صحح الحديث وأخذ به، وقالوا: يلزمه دينار أو نصفه على التخيير، ومنهم من قال: على الترتيب حسب ما قلت: إنه إذا كان فورة الحيض فهو دينار، وفي أوله وآخره نصف دينار، ومنهم من قال: إنه على التخيير مطلقاً، والاحتياط أن يتصدق الإنسان بدينار كامل، أي بما يقارب نصف جنيه سعودي من الذهب، هذا هو الأحوط.

стр. 2329

الراجح أن الخضر ولي لا نبي فضيلة الشيخ! ما هو القول الراجح في الخضر ﵇ هل هو نبي أو رسول؟ وما صحة ما القول بأنه حي إلى اليوم، ويظهر لبعض الناس أحياناً، فكثير من الناس قد اغتر بهذه القصة على أن الأولياء لهم مقام فوق مقام النبوة حتى قال قائلهم: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي أفتونا مشكورين؟ قولك في السؤال عن الخضر هل هو نبي أو رسول هذا ليس هو الخلاف، الخلاف هل هو نبي أو ولي أي: ليس بنبي، والصحيح أنه ليس بنبي، وأن الله تعالى أعطاه علماً لا يعرفه موسى؛ من أجل الامتحان والاختبار؛ لأن موسى ﵊ قال: لا أعلم أحداً على وجه الأرض أعلم مني، فأراد الله تعالى أن يبين له أن من أهل الأرض من هو أعلم منه، وهو أعلم من موسى بما علمه الله من قصة السفينة، والجدار، والنفس التي قتلها فقط، وليس أعلم منه بشريعة الله. ثم إن القول الراجح أنه ليس بحي، بل هو ميت في وقته كغيره من الناس، ولو كان حياً للزمه أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويؤمن به، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرسل إلى جميع الناس، ومن المعلوم أنه لم يأت إلى الرسول، ولم يقل أحد من الصحابة أنه أتى إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد) فلو قدر أنه موجود فإنه يكون قد مات. وعلى كل حال إن الصواب الذي لا شك فيه عندي أن الخضر قد مات، وأن موته كان مثلما يموت الناس في ذلك الوقت. وأيضاً الصحيح أنه ليس بنبي إنما هو رجل أعطاه الله علماً في أشياء معينة، ليتبين لموسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن في الأرض من هو أعلم منه في بعض الأمور. أما من زعم أن الولي أفضل من النبي فإنه كافر، لأن النبيين هم أعلى طبقة من طبقات بني آدم، ثم إن النبي جامع بين النبوة والولاية، والرسول جامع بين الرسالة والنبوة والولاية، والقائلون بأن مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي كاذبون في ذلك، فأفضل طبقات بني آدم هم النبيون وعلى رأسهم الرسل، وعلى رأس الرسل أولو العزم الخمسة، ثم بعد ذلك الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون.

стр. 2330

حكم السلام مع الكفار فضيلة الشيخ: في مسألة السلام مع الكفار بعضهم يذكر أن هذا كفر مطلقاً؟ الشيخ: يعني إذا سلمت على كافر. السائل: لا المعاهدة معهم، والصلح. الشيخ: يا أخي! هذه المسائل يجب أن الإنسان يتكلم فيها بالعلم، وتعلمون أن الرسول ﵊ عاهد قريشاً عشر سنوات ثم نقضوا العهد ثم غزاهم ففتح مكة، والصلح مع غير المسلمين ذكر أهل العلم أنه يجوز عند العجز عن قتالهم، لكن منهم من قيده بعشر سنوات، ومنهم من قال إنه يجوز غير مقيد، ثم إذا حصل للمسلمين القوة فحينئذ يغزون الكفار إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ومثل هذه الأشياء يجب أن الإنسان يتكلم فيها بعلم لا بعاطفة، وإلا فنحن نكره الكفار كلهم ونود أن كلمة الله هي العليا، في كل مكان، لذلك فكون الإنسان يتكلم بعاطفة مبنية على جهل هذا لا يجوز، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] وانظروا إلى كلام العلماء السابقين في كتاب الجهاد في باب الهدنة كيف فصلوا فيها وبينوا، وأما من قال: إن الصلح مع الكفار كفر فهذا خطأ، نعم لو أنكر إنسان فرض الجهاد ثم علمناه بالأدلة الدالة على أن الجهاد فرض ثم أنكر فهذا هو الذي قد يقال بكفره.

стр. 2331

حكم كتابة (ص) و (صلعم) بدل ﷺ فضيلة الشيخ نجد بعض الطلاب أو أكثرهم يكتبون (ص) أو صلعم، أو نجد ذلك في بعض الكتب عند ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الشيخ: بعدما يقول ﷺ يقول: (صلعم) أو (ص) . السائل: نعم يقول (صلعم) أو (ص) كذلك ﵁ يكتب عين، مثل علي بن أبي طالب. الشيخ: لا. علي بن أبي طالب ليس هو ﵁. السائل: كرم الله وجهه. الشيخ: يكتبون العين رمزاً إلى ﵇. السائل: أو كذلك كرم الله وجهه بالنسبة لـ علي بن أبي طالب. الشيخ: على كل حال لا ينبغي لإنسان عند ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يكتب (ص) أو (صلعم) وكره علماء المصطلح أن يفعل ذلك، وقالوا: إما أن يكتب ﷺ ، وإما أن يدعها، ولا يكتب شيئاً ويجعل الصلاة من القارئ أو من السامع، وأما الإشارة بالعين عن ﵇، فهذه أهون من الإشارة بالصاد عن صلى عليه وسلم، ثم إن علي بن أبي طالب ﵁ إذا قلت: علي ﵁ فهو أحسن من قولك: ﵇ وأحسن من قولك: كرم الله وجهه، لأن الرضا عن العبد هو أعلى المقامات وأفضل ما يكون للإنسان، ولهذا قال الله لأهل الجنة: ماذا تريدون؟ فيذكرون نعم الله عليهم فيقول: (أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا) فرضا الله عن العبد هو الغاية العظيمة، لكن من جهل الرافضة صاروا يقولون لـ علي: ﵇، أو كرم الله وجهه. السائل: والطلاب بالنسبة للإملاء؟ الشيخ: الطلاب يقال لهم: اكتبوا ﷺ ، والأحسن أيضاً صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قالوا: (علمنا كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد) .

стр. 2332

حكم من لم يصم رمضان بسبب المرض فضيلة الشيخ! كان عندي مرض في رمضان فلم أصم رمضان فأفدني أفادك الله؟ ما صمت رمضان حتى الآن؟ السائل: كلا. صوم شهر واحد هو الذي مرضت فيه. الشيخ: نعم. أقول ما قضيته حتى الآن؟ السائل: لا. الشيخ: الآن الحمد لله عندك الشتاء نهار قصير وبارد صم الشهر وليس عليك إلا الصيام.

стр. 2333

حكم رفع الإزار إلى نصف الساق فضيلة الشيخ! ما رأي فضيلتكم فيما يقوله بعض العامة عن الملتزمين الذين يضعون الإزار إلى نصف الساق: بأنهم مخالفون أو مبتدعون بهذه السنة، وقد يحذرون أبناءهم من مجالسة أي شخص يضع إزاره إلى نصف الساق؟ هذا جهل منهم بالسنة، فالذي يقول: إن رفع الإزار أو السروال أو الثوب إلى نصف الساق ليس بسنة جاهل بالسنة، بل هو لا شك أنه سنة، لكنه سنة غير واجبة، يعني: لك من نصف الساق إلى فوق الكعب، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تكلم عمن أنزل ثوبه دون الكعب وسكت عن الباقي، ومن المعلوم أن الصحابة كانت تنزل ثيابهم إلى أسفل من نصف الساق، هذا أبو بكر ﵁ يقول للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن أحد شقي إزاري يسترخي علي إلا أن أتعهده، ولو كان إزاره إلى نصف الساق لكان إذا نزل إلى الأرض لبدت عورته، فدل هذا على أن الصحابة ﵃ يلبسون هذا وهذا، والناس في هذا ثلاثة أقسام: قسم متشدد يرى أن هذه علامة المؤمن، وأن من لم يكن ثوبه إلى نصف ساقه ففي إيمانه نقص. ومنهم من على ضد هذا، يرى أن نصف الساق أنه شهرة وأنه لا ينبغي، وربما أنكر السنة كما قلت في هذا السؤال. ومنهم يقول: السنة إلى نصف الساق ولكن لو نزل إلى أسفل ولم يتجاوز الكعب فلا بأس به، ولا يقال: إن الإنسان هذا ليس على السنة، والصحابة في عهد الرسول ﵊، أفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر ونعلم من هذا الحديث الثابت في الصحيحين أن إزاره ليس إلى نصف ساقه؛ لأنه لو كان إزاره إلى نصف ساقه واسترخى عليه حتى يصل إلى الأرض أو ينزل عن الكعب لزم من ذلك بدو العورة.

стр. 2334

حكم أكل الحيوانات البحرية فضيلة الشيخ! أحل الله لنا ميتتان الجراد والسمك الذي في البحر هل يكون جميع ما في البحر حلال يا شيخ! وما هو الضابط لهذا الشيء؟ كل ما في البحر حلال واستمع إلى قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة:٩٦] قال ابن عباس: صيد البحر ما أخذ حياً، وطعامه ما أخذ ميتاً. السائل: وقياس الحشرات يا شيخ! على الجراد، أي ما ليس له نفس سائلة؟ الشيخ: تريد أن تأكل الصراصير؟ السائل: يأكلونها في الصين يا شيخ! الشيخ: الصين كلهم يأكلون اليامون، عسى الله أن يهديهم ويهدي المسلمين قبلهم. السائل: ما يقاس؟ الشيخ: لا ما تقاس. السائل: هل ننكر عليهم؟ الشيخ: تنكر عليهم أن يأكلوا الصراصير وهم كفار! أنكر الكفر قبلاً، لكن إذا طبخوا لك صراصير لا تأكلها.

стр. 2335

حكم قص شعر الفتيات والنساء فضيلة الشيخ! ما حكم قص الشعر للفتيات والنساء؟ أما الرجل فله أن يقص رأسه وله أن يحلقه، وأما المرأة فإن قصت رأسها حتى يكون كرأس الرجل أو قصته على صفة ما تفعله الفاجرات أو الكافرات فهذا حرام، أما الأول فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن المتشبهات من النساء بالرجال، وأما الثاني فلقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم) ، أما لو قصته قصاً يسيراً للتجمل للزوج على وجه لا يشبه شعر الرجال ولا شعر الفاجرات والكافرات، فقد اختلف فيه الفقهاء ﵏، منهم من قال أنه حرام، ومنهم من قال أنه مكروه، ومنهم من قال أنه جائز، والأقرب عندي أنه جائز، لكن عدم القص أولى وأفضل.

стр. 2336

جواز مقولة: (أرجوك افعل كذا وكذا) فضيلة الشيخ كثير من الناس ينطقون عبارة: (أرجوك افعل لي كذا وكذا) فهل في هذه الكلمة شيء من الشرك؟ لا، هذه الكلمة لا بأس بها، يعني: تقول لإنسان: أرجوك أن تفعل كذا مثل قولك: أؤمل منك أن تفعل كذا وكذا، ولا حرج في ذلك. السائل: كون الرجاء يطلب من الله . الشيخ: الرجاء يكون من الله ومن غيره، وليس هناك مانع.

стр. 2337

حكم من شكت في عدد الأيام التي صامتها من قضاء رمضان فضيلة الشيخ! امرأة عليها قضاء من رمضان وصامت أياماً وهي في شك هل هي أكملت الأيام التي أفطرت أو لم تكمل، فماذا تفعل في هذه الحالة؟ الشيخ: إذا قضت المرأة ما عليها من الصيام ثم شكت هل أكملت ما عليها أو لا فإن كانت ذات وسواس فإنها لا تلتفت لهذا، وقد انتهى القضاء ولا حاجة للرجوع إليه، وإن كانت ليست ذات وسواس وشكها هذا حقيقي فلابد أن تقضي ما شكت فيه. السائل: تقدر الأيام؟ الشيخ: إي نعم تقدر الأيام، لكن ما لم تكن ذات وسواس؛ لأن صاحب الوسواس نسأل الله العافية لو طاوع نفسه وأتى بما شك فيه جلبت له نفسه شكاً آخر.

стр. 2338

حكم وسم البهائم في الوجه فضيلة الشيخ وسم البهائم في الوجه بالنار هل هو حلال أم حرام؟ لا يجوز أن توسم البهائم في وجوهها. السائل: لكن يفرق بين القبائل حيث يعرفون حلالهم بهذا الوسم؟ الشيخ: القبائل بارك الله فيك يجعلون الوسم الخاص بهم إما على الرقبة وإما باليد، المهم في مكان آخر غير الوجه. ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 2339

لقاء الباب المفتوح [٧٩] هذا اللقاء تفسير آيات من سورة الشرح تحدث الشيخ من خلالها عن معنى الشرح بمعنى أن يكون الصدر متسعاً لحكم الله ، بالإضافة إلى ذلك العفو والتجاوز والمسامحة عن الوزر وهو الخطيئة؛ وسبب ذلك: ليغفر الله ما تقدم من الذنب وما تأخر. فالحاصل هو أن الله وضع عن محمد ﷺ وزره، وبين أن هذا الوزر أنقض ظهره فكيف بأوزارنا التي تقض ظهورنا وتتعبها.

стр. 2340

تفسير آيات من سورة الشرح الحمد لله رب العالمين، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: هذا هو اللقاء التاسع والسبعون من اللقاءات الأسبوعية التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو الواحد والعشرون من شهر جمادى الآخرة عام (١٤١٥هـ) نتكلم فيه أولاً على ما تيسر من سورة: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] حيث انتهينا إليها فيما سبق بعد أن ابتدأنا من سورة النبأ، واخترنا هذا الجزء من كتاب الله ؛ لأن السور التي فيه تكثر قراءتها، فيستفيد الناس منها، وتكثر قراءتها في الصلاة؛ لأن أهل العلم يقولون: السنة في الصلاة أن يقرأ في صلاة الفجر بطوال المفصل، وفي صلاة المغرب بقصار المفصل وفي الباقي من أوساطه، وطوال المفصل من سورة (ق) إلى سورة (عم) وقصاره من سورة (الضحى) إلى آخر القرآن وأوساطه من سورة (النبأ -سورة عم-) إلى سورة (الضحى) هذا في الغالب، ولا بأس أن يقرأ بطوال المفصل في المغرب، كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأ بذلك أحياناً.

стр. 2341

تفسير قوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك) يقول الله مبيناً نعمته على نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] وهذا الاستفهام يقول العلماء: أنه استفهام تقرير، واستفهام التقرير يرد في القرآن كثيراً، ويقدر الفعل بفعل ماضٍ مقروناً بقد. ففي قوله: (ألم نشرح لك) يقدر بأن المعنى: قد شرحنا لك صدرك، لأن الله يقرر أنه شرح له صدره، وهكذا جميع ما يمر بك من استفهام التقرير؛ فإنه يقدر بفعل ماض مقروناً بقد. أما كونه يقدر بفعل ماض؛ فلأنه قد تم وحصل، وأما كونه مقروناً بقد؛ فلأن قد تفيد التحقيق إذا دخلت على الماضي، وتفيد التقليل إذا دخلت على المضارع، وقد تفيد التحقيق، ففي قول الناس: قد يجود البخيل، قد هنا تكون للتقليل، لكن في قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور:٦٤] فهذه للتحقيق ولا شك. يقول الله : (ألم نشرح لك صدرك) أي: نوسعه، وهذا الشرح شرح معنوي ليس شرحاً حسياً، وشرح الصدر أن يكون متسعاً لحكم الله : حكم الله الشرعي وهو الدين، وحكم الله القدري وهو المصائب التي تحدث على الإنسان، وذلك لأن الشرع فيه مخالفة للهوى، فيجد الإنسان ثقلاً في تنفيذ أوامر الله، وثقلاً في اجتناب ما حرم الله؛ لأنه مخالف للهوى، هوى النفس الأمارة بالسوء، التي لا تنشرح لأوامر الله ولا لنواهيه. تجد بعض الناس تثقل عليهم الصلاة، كما قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] ومن الناس من تخف عليه الصلاة بل يشتاق إليها ويترقب حصولها، كما قال النبي ﵊: (جعلت قرة عيني في الصلاة) . إذاً، فالشرع فيه ثقل على النفوس، أما اجتناب المحرمات، فبعض الناس يهوى أشياء محرمة عليه: كالزنا، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك فتثقل عليه، ومن الناس من ينشرح صدره لترك ذلك ويبتعد عما حرم الله، وانظر إلى يوسف ﵊ لما دعته امرأة العزيز بعد أن غلقت الأبواب (وقالت: هيت لك) وتهيأت له بأحسن ملبس وأحسن صورة، والجو خالٍ، والمكان آمن أن يدخل أحد، غلقت الأبواب ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] ، فقال لها: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٢٣] استعاذ بربه، لأن هذه حال حرجة، شاب وامرأة العزيز، ومكان خال وآمن، والإنسان بشر ربما تسول له نفسه أن يفعل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال لها: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) والشاهد من هذا قوله: (رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله) . فأقول: شرح الصدر للحكم الشرعي معناه: قبول الحكم الشرعي والرضا به وامتثاله، وأن يقول القائل: سمعنا وأطعنا، وأنت بنفسك أحياناً تجد قلبك منشرحاً للعبادة تفعلها بسهولة وانقياد وطمأنينة ورضا، وأحياناً بالعكس لولا خوفك من الإثم ما فعلت، فإذا كان هذا الاختلاف في الشخص الواحد فما بالك بالأشخاص. انشراح الصدر للحكم القدري نقدم على الكلام فيه سؤالاً: هل جميع أحكام الله الكونية ملائمة لطبيعة الإنسان أو لا؟ لا. الصحة ملائمة، الغنى ملائم، الأمن ملائم، الشبع ملائم، النكاح ملائم، لكن المرض غير ملائم، الخوف غير ملائم، الجوع غير ملائم، وأشياء كثيرة، فالإنسان الذي شرح الله صدره للحكم الكوني تجده راضياً بقضاء الله وقدره، مطمئناً إليه يقول: أنا عبد والله رب يفعل ما يشاء، هذا الرجل الذي على هذه الحال سيكون دائماً في سرور لا يغتم ولا يهتم، هو يتألم لكن لا يصل هذا إلى أن يحمل هماً أو غماً، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﵊ أنه قال: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له) . إذاً: شرح الصدر يعني: توسعته وتهيئته لأحكام الله الشرعية والقدرية، لا يضيق بأحكام الله ذرعاً إطلاقاً، إن نبينا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم له الحظ الأوفر من ذلك، ولهذا تجده أتقى الناس لله، وأشدهم قياماً بطاعة الله، وأكثرهم صبراً على أقدار الله، ماذا فعل الناس به حين قام بالدعوة؟ وماذا يصيبه من الأمراض حتى إنه يوعك كما يوعك الرجلان منا، من المرض؟ شُدِّد عليه، فكان كرجلين منا، وحتى إنه شدد عليه عند النزع عند الموت ﵊، حتى يفارق الدنيا وهو أصبر الصابرين، والصبر معلوم أنه درجة عالية لا تنال إلا بوجود شيء يصبر عليه، أما الشيء البارد ليس فيه صبر، لهذا نجد الأنبياء أكثر الناس بلاءً ثم الصالحين الأمثل فالأمثل. أعود مرة ثانية: ما معنى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] أي: نوسعه لقبول قضاء الله أو حكم الله الشرعي والقدري، وهذا حاصل على الوجه الأكمل بالنسبة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 2342

تفسير قوله تعالى: (ووضعنا عنك وزرك) قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢] قد تقول: إن بين الجملتين تنافراً الأولى الجملة فعل مضارع (نشرح) والثانية فعل ماضٍ: (وضعنا) لكن بناءً على التقرير الذي قلت: وهو أن (ألم نشرح) بمعنى قد شرحنا، و (وضعنا) يكون عطفاً على نظيره ومثيله. ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ وضعناه: أي طرحناه، وعفونا، وسامحنا، وتجاوزنا (عنك وزرك الذي أنقض ظهرك) أي: الذي أقضه وآلامه، لأن الظهر هو محل الحمل، فإذا كان هناك حمل يتعب الظهر، فإتعاب غيره من باب أولى، يعني أقوى عضو في أعضائك للحمل هو الظهر، وانظر الفرق بين أن تحمل كيساً على ظهرك، أو تحمله بين يديك، بينهما فرق. فالمعنى: أن الله تعالى غفر للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وزره وخطيئته، حتى بقي مغفوراً له، قال الله ﵎: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١-٢] وقيل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يقوم الليل ويطيل حتى تتورم قدماه أو تتفطر فقيل له: (كيف تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!!) فأقر هذا القول، أقر أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولكن قال: (أفلا أكون عبداً شكورا) . إذاً مغفرة ذنوب رسول الله المتقدمة والمتأخرة ثابتة بالقرآن والسنة، وهذا من خصائص الرسول ﵊، لا أحد من الناس يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إلا الرسول، أما غيره فيحتاج إلى توبة يتوب من الذنب، وقد يغفر الله له بدون توبة ما دون الشرك، لكن الرسول ﵊ نجزم بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ .

стр. 2343

تفسير قوله تعالى: (الذي أنقض ظهرك) قال تعالى: ﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:٣] فإن قال قائل: هذه الآية وما سقناه شاهداً لها يدل على أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد يذنب، فهل النبي يذنب؟ الجواب نعم، ولا يمكن أن نرد النصوص، لا يمكن أن نردها لمجرد أن نستبعد وقوع الذنب منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحن لا نقول: الشأن ألا يذنب الإنسان، بل الشأن أن يغفر للإنسان، هذا هو المهم أن يغفر له، أما ألا يقع منه ذنب فقد قال النبي ﵊: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) . لا بد من خطيئة، لكن هناك أشياء لا يمكن أن تقع من الأنبياء مثل: الكذب والخيانة فإن هذا لا يمكن أن يقع منهم إطلاقاً، لأن هذا لو فرض وقوعه لكان طعناً في رسالته وهذا شيء مستحيل، أما سفاسف الأخلاق من الزنا وشبهه هذا أيضاً ممتنع، لأنه ينافي أصل الرسالة، التي وجدت لتتمم مكارم الأخلاق، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) . فالحاصل: أن الله وضع عن محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وزره، وبين أن هذا الوزر قد أنقض ظهره أي: أقضه وأتعبه، وإذا كان هذا وزر الرسول ﵊؛ فكيف بأوزار غيره. أوزارنا تقض ظهورنا وتنقضها وتتعبها، ولكن كأننا لم نحمل شيئاً، وذلك لضعف إيماننا وبصيرتنا، وكثرة غفلتنا نسأل الله أن يعاملنا بالعفو. جاء في بعض الآثار: (إن المؤمن إذا أذنب ذنباً صار عنده كالجبل فوق رأسه، وإن المنافق إذا أذنب ذنباً صار عنده كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا) . يعني: أنه لا يهتم، فالمؤمن تهمه خطاياه، ويلحقه الهم حتى يتخلص منها بتوبة واستغفار، أو حسنات جليلة تمحو آثار هذه السيئة، وأنت إذا رأيت من قلبك الغفلة عن ذنوبك؛ فاعلم أن قلبك مريض؛ لأن القلب الحي لا يمكن أن يرضى بالمرض، ومرض القلوب هي الذنوب، كما قال عبد الله بن المبارك ﵀: رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها على كل حال أنا أقول: يجب علينا، وأوجه هذا القول لنفسي قبلكم ونرجو الله العون للجميع، أقول: إنه يجب علينا أن نهتم بأنفسنا وأن نحاسبها، وإذا كان التجار لا ينامون حتى يراجعوا دفاتر تجارتهم، ماذا صرفوا، وماذا أنفقوا، وماذا كسبوا، فإن تجار الآخرة ينبغي أن يكونوا أشد اهتماماً؛ لأن تجارتهم أعظم من تجارة أهل الدنيا غاية ما تفيدهم إن أفادتهم هو إتراف البدن فقط، على أن هذه التجارة يلحقها من الهم والغم، وإذا خسر في سلعة اهتم لذلك، وإذا كان في بلده مخاوف قطاع طريق أو سراق صار أشد قلقاً. لكن تجارة الآخرة على العكس من هذا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الصف:١٠-١٢] تنجي من العذاب، ويغفر الله بها الذنوب، ويدخل بها الجنات. (جنات عدن) أي: جنات إقامة، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف:١٢] مساكن طيبة في بنايتها وفي مادة البناء، أتظنون أن بناء الجنة من إسمنت وحصى؟ لا. قال النبي ﵊: (جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما) . والله لو يبقى الإنسان في سجدة منذ بلغ إلى أن يموت لكان هذا ثمناً قليلاً بالنسبة إلى هذه الغنيمة العظيمة، ولو لم يكن إلا أن ينجو الإنسان من النار لكفى، أحياناً الإنسان يفكر ويقول: ليتني لم أولد، أو يكفيني أن أنجو من النار، وهاهو عمر بن الخطاب ﵁ ويقول: [ليتني شجرة تعضد، ليت أمي لم تلدني] لأن الإنسان يخاف، قد يظن أنه آمن الآن؛ لأنه يصلي، ويصوم، ويتصدق، ويحج، ويبر الوالدين، وما أشبه ذلك لكن قد يكون في قلبه -نسأل الله السلامة والعافية- حسيكة تؤدي إلى سوء الخاتمة -والعياذ بالله- كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع) أي: مدة قريبة لموته، ما هو ذراع في العمل لأن عمله كله هباء، هو (يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار) كما جاء في الحديث الصحيح. لكن قوله: (حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع) ليس معناه: أن عمله أوصله إلى قريب من الجنة، المعنى: حتى لا يبقى عليه إلا مدة قليلة في الحياة (ثم يعمل بعمل أهل النار فيدخلها) لكن هذا فيما إذا كان عمل الإنسان للناس، كما قال ﵊: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار) فالإنسان إذا مر على مثل هذه النصوص يخاف على نفسه، ويخاف من الرياء، ويخاف من العجب، ويخاف من الإمنان على الله بعمله. فنسأل الله تعالى أن يحمينا وإياكم من سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ونستغفرك ونتوب إليك.

стр. 2344

الأسئلة

стр. 2345

حكم الاجتماع للتعزية فضيلة الشيخ إذا مات لأناس ميت فإنهم يجلسون في البيت ويستقبلون المعزين، وقد سمعنا عنكم أن هذا بدعة، فهل جلوسهم هذا يعتبر محرماً؟ ثم هل يغلقون بابهم أمام الزائرين وكذلك الهاتف؟ وهل الذاهبون إلى هؤلاء للتعزية آثمون؟ ثم ما حكم الوالد أو الوالدة بذلك؟ على كل حال نقتصر على الفقرة الأولى لأن قاعدتنا ألا نزيد على سؤال. الاجتماع للتعزية لا شك أنه بدعة، فهاهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يموت له أبناء وأعمام وأصحاب ولم يجلس يوماً من الدهر ليتلقى العزاء، مع أنه هو المشرع، ومع أن الصحابة ﵃ أشد الناس في مواساة الرسول ﵊ وتعزيته، لكن لم يفعلوا، ولم يتوافدوا إليه ليعزوه وما علمنا بهذا أبداً، بل قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁: [كنا نعد الاجتماع لأهل الميت وصنع الطعام من النياحة] ومعلوم أن النياحة من كبائر الذنوب، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن النائحة والمستنيحة. وإني أقول لكم من هذا المكان: العادات لا تحكم على الشرع، وإنما الشرع يحكم على العادات، أي: يجب أن نرد العادات إلى الشرع، لا أن نرد الشرع إلى العادات، لا نقول: الناس اعتادوا هذا، الجاهلية اعتادوا الشرك هل تركهم الرسول على ما هم عليه؟ والعصاة اعتادوا المعصية هل نتركهم؟ فإذا كان هذا الأمر ليس موجوداً في عهد الرسول ﵊ ولا عهد الصحابة فلماذا نفعله؟!! ثم إن هذا الاجتماع يصحبه في بعض البلدان إيقاد الأنوار، تجد البيت كأنه بيت عرس وقد صفوا الكراسي، واجتماع الناس هذا داخل وهذا خارج، وربما يحصل بكاء وعويل، وربما يأتي قارئ يقرأ بالمال يريد بعمل الآخرة الدنيا فنعينه على هذا الأثم. فالحاصل: أنا نرى أن هذا من البدع، وأنه يكف عنه، وقد ذكر ذلك أهل العلم قبلنا انظروا إلى كتبهم، ولكن قد يقول قائل: إذا كان قرابة الرجل يريدون أن يأتوا إلى بيت قريبهم ليعزوه وينصرفوا، بدون أن يفتح الباب ويستقبل الناس هذا داخل وهذا خارج، فأرجو ألا يكون في هذا بأس، ولا حرج. لأنه أحياناً لو مات عمك أو أخوك فليس من صلة الرحم ألا تذهب إلى بيتهم تعزيهم، اذهب وعزهم لكن من دون اجتماع، أتدرون لماذا شرع العزاء؟ شرع لأجل أن نقوي المصاب على الصبر والتحمل، لا لنجتمع إليه من أجل أن نصبح معه. وعليه: فإذا كان هذا الذي مات له قريب لم يهتم بقريبه إطلاقاً، بل ربما يفرح أنه مات؛ لأنه بينه وبينه مشاكل في الدنيا، فهذا لا يستحق التعزية، ربما يقول: هذا يستحق التهنئة؛ لأنه مات خصمه، لكن الناس اعتادوا من مات له قريب ذهبوا وعزوه واجتمعوا إليه، وبعض الناس يذبحون ذبائح، فنقول: لا تكلف نفسك في أمر ليس مستحباً لك في الشريعة، إنما فيه إضاعة الوقت والمال، والمخالفة لهدي السلف.

стр. 2346

حكم قطع صلة الرحم بسبب الخصومات فضيلة الشيخ! يكثر في بعض القرى التقاطع بين الناس والتخاصم والتهاجر حتى بين الأقارب فيصل ذلك إلى شهر وشهرين بل إلى سنين ولا حول ولا قوة إلا بالله، فبعض أبناء هؤلاء الناس يريد أن يسلم على الآخرين ويأتيهم ويزورهم فيغضب عليه والده أو إخوته، وربما يقاطعونه ويهجرونه بسبب أنه: ذهب إلى خصمهم، فهل يعصيهم ويذهب ويسلم عليهم؟ أم يطيع والديه ويبقى مقاطعاً للآخرين طول حياته؟ هذا السؤال يتضمن توجيهين: التوجيه الأول: أن نوجه إلى هؤلاء القوم الذين يغضبون على أولادهم أو على أقاربهم إذا وصلوا أرحامهم، ونقول لهؤلاء الذين يغضبون من صلة الرحم: إنهم مضادون لله ، محادون له، كيف؟ أليس الله أمر بصلة الرحم وإذا أمر بها فقد رضيها، وهؤلاء لا يرضون بما يرضى الله، ولا يأمرون بما أمر الله، بل ينهون عما أمر الله، فيكون فيهم صفة وخصلة من خصال المنافقين، ماذا قال الله في خصال المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة:٦٧] هؤلاء يأمرون بقطيعة الرحم وينهون عن صلتها، وهذه خصلة من خصال المنافقين. فأوجه كلمتي هذه إلى هؤلاء: أن يتوبوا إلى ربهم، وألا يخالفوا الله في أمره، وألا يرضوا ما يكرهه الله ويكرهوا ما رضيه الله، قبل أن يموتوا وعلى هذه الحال وقد قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢-٢٣] ويدل على أن الله أعمى أبصار هؤلاء أنهم لا يرضون ما رضيه الله ولا يأمرون بما أمره الله، بل يكرهون ما رضيه الله وينهون عما أمر الله، هذا من عمى الأبصار، أما اللعنة فأمرها إلى الله، لكن الله وعدهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ صاروا لا يسمعون الحق ولا ينظرون إليه. ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (لا يدخل الجنة قاطع رحم) فهل يرضى هؤلاء أن يموتوا على هذه الحال، ثم لا يدخلون الجنة؟! هذا التوجيه الأول بالنسبة لهؤلاء الذين لا يرضون أن يصل الرجل رحمه. أما بالنسبة للآخرين وهو التوجيه الثاني: فإني أقول لهؤلاء الذين يقولون: إن أبانا أو أخانا أو أمنا لا يرضى أن أصل رحمي، أقول: صل رحمك وإن رغم أنفه، لأنك إذا وصلت رحمك فقد أطعت ربك وإذا لم تصل رحمك فقد عصيت ربك، وهل يعصى الله بطاعة المخلوق أو يعصى المخلوق بطاعة الله؟ يعصى المخلوق بطاعة الله، فأقول: صل رحمك وإن لم يرغبوا، فإن قاطعوك فصلهم، وكما قال النبي ﵊ لرجل أخبر: (أنه يصل رحمه ويقطعونه، ويحسن إليهم ويسيئون إليه، ويحلم عليهم ويغضبون عليه، فقال: إن كنت كما تقول فكأنما تسفهم المل) يعني: كأنك تجعل في أفواههم الرماد الحار. فأقول للأخ: صل الرحم، سواء غضب أبوك أم لم يغضب، ثم لا تدخر وسعاً أن تنصح والدك، وتقول: يا أبتِ هذا حرام عليك، كيف تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف، ثم تطلب منه وتنصحه أن يصل الرحم هو، ولو غضب عليك، إبراهيم ماذا قال لأبيه؟ ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم:٤٢] إلى أن قال له أبوه: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ [مريم:٤٦] .

стр. 2347

حكم رد السلام أثناء الصلاة فضيلة الشيخ: هل رد السلام أثناء الصلاة سنة أم ترك السلام على المصلي أفضل؟ الشيخ: أنت الآن سألت سؤالين: هل رد السلام أو ترك السلام. السائل: أيهما أفضل؟ الشيخ: الرد من المسلم عليه، والترك من المسلم فأي الأمرين تريد؟ السائل: أريد المصلي هل الأفضل له أن يرد السلام بالإشارة باليد أو لا؟ المصلي يرد السلام بالإشارة كما جاء في الحديث، ثم إذا سلم وكان المسلم موجوداً رد عليه باللفظ وإن كان قد انصرف كفت الإشارة.

стр. 2348

حكم التناوب في العمل فضيلة الشيخ هذا سؤال مرسل: رجلان يعملان معاً في أحد الشركات في عمل ليلي فيتفقان على أن ينام أحدهما أول الليل فيوقظه صاحبه بعد انتصاف فترة الدوام ليواصل الآخر الفترة المتبقية ويقولان: إن هذا الفعل لا يؤثر على مجرى العمل، ولكن هذا يتم دون علم الإدارة فما الحكم في هذا سلمكم الله؟ الشيخ: يعني: أن رجلين مكلفان أن يقوما بعمل ليلي من أوله إلى آخره، فاتفقا على أن ينام أحدهما أول الليل ويقوم الآخر بالعمل والثاني بالعكس، أقول: إن هذا العمل لا يجوز إلا بعد إذن المسئول، وشرط آخر: ألا يخل ذلك بالعمل، كأن يكون العمل يتطلب وجود اثنين، فإنه لابد حتى لو أذن لهما من هو فوقهما فإنه لا يجوز لهما أن يتناوبا، والحاصل أن هذا جائز بشرطين: الشرط الأول: إذن المسئول. الشرط الثاني: ألا يختل العمل، فإن اختل العمل فإنه لا يجوز ولو أذن المسئول.

стр. 2349

الجاهل في العبادة يعذر بجهله ولا يلزم بإعادتها فضيلة الشيخ: يقول ﷺ في حديث عن عمار بن ياسر ﵄: (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة. ) إلى آخر الحديث، الرسول ﵊ علمه كيفية التيمم فقال له: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ولم يعد التيمم) فهل يفهم من هذا الحديث أنه يعذر الجاهل؛ لأن الرسول ﷺ قال في حديث المسيء صلاته: (صل فإنك لم تصل) ؟ هذا الحديث حديث عمار بين ياسر يدل على أن من تيمم على غير وجه مشروع ظاناً منه أن هذا هو المشروع فإنه لا إعادة عليه؛ لأنه جاهل مجتهد، وأما حديث المسيء في صلاته فهو مثله أيضاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمره بإعادة الصلوات الماضية، حيث كان يؤديها بلا طمأنينة جاهلاً، أما الصلاة الحاضرة فإنما أمره بإعادتها لأنه مطالب بصلاة صحيحة في هذا الوقت ولم يأت بها، فهذا هو الفرق بينهما، وأما أنهما يعذران بالجهل فهما سواء؛ لأن المسيء في صلاته لم يقل له:أعد ما صليت، وكذلك عمار لم يقل له: أعد ما صليت.

стр. 2350

حكم التبليغ عن المهمل في عمله بعد المناصحة فضيلة الشيخ: هذه المسألة حدث لنا فيها إشكال كبير فنرجو البيان الوافي فيها للحاجة الماسة إليه: نعمل في مكان تكثر فيه المنكرات، ويتم الإنكار على المسئول بالطرق الشرعية الحكيمة بالمكاتبة والمهاتفة وغيرها من طرق البلاغ، والمنكرات لا تزال والمحتسب غير مستعجل النتائج، لكن حصل إشكال في براءة الذمة في حد البلاغ؛ فأناس قالوا: يكفي أن نبلغ المسئول القريب عن هذه المنكرات، وإن أهمل التعميم الصادر بشأنها وإن كنا نعتقد أن المسئول لا يبالي وأن الإمام لا يعلم بهذا ولا يرضاه. وفريق قال: بل لا تبرأ الذمة ولابد من الكتابة للإمام؛ لأن جزمنا بأن المسئول القريب لا يهتم بتنفيذ التعميم والإمام لا يعلم غش في النصح يلحقنا بسببه الإثم، فأين الصواب غفر الله لكم ولوالديكم؟ هذا سؤال مهم كما قال السائل: وهو أن بعض المسئولين على بعض القطاعات لا يهتمون لا بالأمور الشرعية، ولا بالأمور النظامية، مهمل، غير صالح للعمل في هذا المكان لا نظاماً ولا ديناً، فيناصحه بعض من تحت يده من أهل الخير والصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنه يصر على ما هو عليه، فهل تبرأ الذمة بمناصحته، أو لا بد من أن يرفع الأمر إلى من فوقه ليعدله أو يبدله؟ أقول في جوابي على هذا: لابد أن يرفع الأمر إلى من فوقه، يجب وجوباً أن يرفع الأمر إلى من فوقه، والسكوت على هذا غش؛ غش لولاة الأمور، وغش للعمل، وظلم حتى لهذا المسئول المتهاون؛ لأنك إذا رفعت الأمر إلى من فوقه وحصل المقصود والاستقامة، فقد رفعت عن هذا المسئول المباشر لك، رفعت عنه إثم التهاون وترك القيام بالواجب، يعني: أنك نصحته قال النبي ﵊: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم كيف ننصر الظالم؟ قال: تمنعوه من الظلم) فالواجب على كل إنسان عليه مسئول مباشر مضيع للأمانة في الدين أو في النظام أن يناصحه بكل ما يستطيع من مناصحة، فإن حصل المطلوب فهو المطلوب، وإن لم يحصل وجب عليه أن يرفعه إلى من فوقه لأجل أن يبدل أو يعدل، أما السكوت على الخطأ فهذا خطأ. قد يقول: أخشى أن هذا يتسلط عليَّ ولا يحصل المقصود، نقول: هذا حاصل، يمكن ألا يحصل المقصود، ويكون الذي فوقه أيضاً غير مبالٍ، لكن إن حصل عليك في هذا ضرر فهذا في ذات الله، فلك فيه الأجر، ولك الذكرى الحسنة في حياتك وبعد موتك، واصبر على ما أصابك، كما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] على أن الإنسان إذا قام بما أمر الله به على الوجه الذي يرضاه الله فإن العاقبة ستكون له، قال الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ : ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩] ، وقال تعالى: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] لكن علينا أن يكون إيماننا تاماً بهذا، ونعلم أن العاقبة لنا متى اتقينا الله. والعاقبة لا يلزم أن تكون سريعة، فلا يلزم أن تكون عاجلة، قد تتأخر ابتلاءً وامتحاناً، وقد لا تحصل إلا في الآخرة أيضاً ليكون ذلك أكثر أجراً وثواباً.
следующие страницы →