← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

تفسير قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] هذا هو المقسم عليه، أقسم الله تعالى أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وإذا تأملت الجملة التي فيها المقسم عليه تبين لك أنها مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، وقد، فأقسم الله أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، في أحسن تقويم هيئة وخلقة، وفي أحسن تقويم: فطرة وقصداً؛ لأنه لا يوجد أحدٌ من المخلوقات أحسن من بني آدم خلقة، فالمخلوقات الأرضية كلها دون بني آدم في الخلقة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] .

стр. 2382

تفسير قوله تعالى: (ثم رددناه أسفل سافلين) ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥] هذه الردة التي ذكرها الله تعني: أن الله تعالى يرد الإنسان أسفل سافلين خلقة، كما قال الله تعالى ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل:٧٠] فكلما ازدادت السن في الإنسان يتغير إلى أردأ، لا في القوة الجسدية، ولا في الهيئة الجسدية، ولا في نضارة الوجه، ولا في غير ذلك، يرد أسفل سافلين، وإذا قلنا: أن أحسن تقويم تشمل حتى الفطرة التي جبل الله الخلق عليها، والعبادة التي تترتب أو تنبني على هذه الفطرة، فإنها إشارة إلى أن من الناس من تعود به حاله -والعياذ بالله- إلى أن يكون أسفل سافلين بعد أن كان في أعلى القمة من الإيمان والعلم، والآية تشمل المعنيين جميعاً.

стр. 2383

تفسير قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين:٦] هذا استثناء من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: إلا المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم لا يردون إلى أسفل السافلين؛ لأنهم متمسكون بإيمانهم وأعمالهم، فيبقون عليها إلى أن يموتوا، وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي ثواب ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع، ولا ممنون به أيضاً، فكلمة ممنون صالحة لمعنى القطع، وصالحة لمعنى المنة، فهم لهم أجرٌ لا ينقطع ولا يمن عليهم به يعني: أنه إذا استوفوا هذا الأجر لا يمن عليهم فيقال: أعطيناكم وفعلنا وفعلنا، وإن كانت المنة لله عليهم بالإيمان والعمل الصالح والثواب كلها منة من الله، لكن لا يمن عليهم به أي: لا يؤذون بالمن كما يجري ذلك في أمور الدنيا، إذا أحسن إليك أحدٌ من الناس فربما يؤذيك بمنه عليك في كل مناسبة، يقول: فعلت بك وأعطيتك وما أشبه ذلك.

стр. 2384

تفسير قوله تعالى: (فما يكذبك بعد بالدين) ثم قال الله ﵎: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:٧] انتقل الله تعالى من الكلام على وجه الغيبة إلى الكلام على وجه المقابلة والخطاب، وقال: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:٧] أي شيء يكذبك -أيها الإنسان- بعد هذا البيان بالدين أي: بما أمر الله به من الدين؟ ولهذا كلما نظر الإنسان لنفسه وأصله وخلقته، وأن الله اجتباه وأحسن خلقته وأحسن فطرته، فإنه يزداد إيماناً بالله وتصديقاً بكتابه وبما أخبرت به رسله.

стр. 2385

تفسير قوله تعالى: (أليس الله بأحكم الحاكمين) ثم قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] وهذا الاستفهام للتقرير، يقرر الله أنه أحكم الحاكمين، وأحكم هنا اسم تفضيل، وهو مأخوذ من الحكمة ومن الحكم، فالحكم الأكبر الأعظم الذي لا يعارضه شيء هو حكم الله ، والحكمة العليا البالغة هي حكمة الله ، فهو جل وعلا أحكم الحاكمين قدراً وشرعاً وله الحكم وإليه يرجع الأمر كله. فنحن حرصنا على أن يكون التفسير في آخر أجزاء القرآن؛ لأنه تكثر القراءة بها في الصلوات، والذي ينبغي لكل مؤمن أن يحرص على معرفة معاني كتاب الله ؛ لأنه لا يستقيم العمل بالقرآن إلا بمعرفة معناه، بل إن الله تعالى وصف الذين لا يعلمون المعنى بأنهم أميون فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] يعني: إلا قراءة، وكثير من الناس اليوم إن لم أقل أكثرهم لا يعرفون من القرآن إلا اللفظ فقط، وحري بطلبة العلم أن يحرصوا في كل مناسبة إذا اجتمعوا بالعامة أن يأتوا بآية من كتاب الله ثم يفسرونها لا سيما ما يكثر تعداده على العامة مثل الفاتحة، الفاتحة لو تأتي بكثير من الناس تريد أن تسأله عن معناها لا يعرف شيئاً منها. نسأل الله أن يرزقنا العلم بكتابه وسنة رسوله ﷺ ، إنه على كل شيء قدير.

стр. 2386

الأسئلة

стр. 2387

حكم طواف الوداع في العمرة فضيلة الشيخ! شخص فعل عمرة ونسي طواف الوداع؟ الصحيح من أقوال العلماء: أن العمرة لها وداع كالحج، لعموم قول النبي ﷺ : (لا ينصرف أحد حتى يكون آخر عهده في البيت) ، ولأن العمرة حجٌ أصغر، كما في حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال: (العمرة الحج الأصغر) ، ولأن الإنسان يقدم إلى البيت بتحية وهي الطواف، فلا ينبغي أن يخرج منه إلا بتحية وهي الطواف. فالصحيح: أن طواف الوداع في العمرة واجب، إلا من طاف وسعى وقصر ثم انصرف إلى أهله فهذا يكفيه الطواف الأول، فإذا كان هذا الذي ذكرت انصرف من حين أنهى العمرة فلا شيء عليه، أما إذا كان بقي في مكة فإنه من الاحتياط أن يذبح فدية في مكة ثم توزع على الفقراء إن كان قادراً ومتيسراً، وإن لم يكن قادراً ولا متيسراً فلا شيء عليه.

стр. 2388

الحقوق على المسلمين فيما بينهم فضيلة الشيخ! في الحديث: (حق المسلم على المسلم ست. ) بعضها واضح أنها من السنة كالسلام لكن بعضه يختلف ويشتبه هل هو واجب أو سنة فالحديث: (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا دعاك فأجبه) وفيما معنى الحديث: اتباع الجنازة، وعيادة المريض، وإذا عطس فحمد الله فشمته؟ هذه الحقوق التي ذكرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، منها ما هو واجب، ومنها ما هو سنة، والأصل في الحق أنه واجب، لأن كلمة حق بمعنى: ثابت، والثبوت من أوصاف الواجب، لكن إذا دلت الأدلة الأخرى على أن هذا الشيء ليس بواجب عملنا بها، وإلا فالأصل الوجوب، فمثلاً: (إذا لقيته فسلم عليه) ابتداء السلام لا نقول أنه واجب، ولا نقول غير واجب، في حدود ثلاثة أيام لا بأس أن يهجر الإنسان أخاه وما زاد على الثلاثة فإنه حرام، وعلى هذا فالسلام الذي يزول به الهجر واجب، ولا يجوز تركه، لقول النبي ﷺ : (لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) ، وبهذه المناسبة أود أن أبين أن الهجر بين المسلمين محرم، هذا هو الأصل، لكن رخص الشارع في الهجر ثلاثة أيام؛ لأن الإنسان قد يكون بينه وبين أخيه شيء من المخاصمة والنزاع والاختلاف في الرأي فيغضب عليه، فجعل له الشرع ثلاثة أيام ليزول ما في نفسه، وإلا فالأصل أن الهجر حرام. فإن قال قائل: هجر أهل المعاصي هل هو واجب؟ الجواب: نقول: إن كان هجرهم يفيد توبتهم من المعاصي فاهجرهم، وإن كان لا يفيد فلا تهجرهم؛ لأن الهجر لا يزيد الطين إلا بلة، ولا يزيد هذا العاصي إلا تمادياً في معصيته كما هو مشاهد، فالهجر دواء، إن نفع فاستعمله وإلا فلا. وأما تشميت العاطس إذا حمد الله فهو واجب، لقول النبي ﷺ : (حق على كل من سمعه أن يقول له: يرحمك الله) يعني: إذا عطس فحمد الله. وأما عيادة المريض فالصحيح أنها فرض كفاية، وأنه لا يجوز للمسلمين أن يكون أخوهم مريضاً ولا يعوده منهم أحد، بل لا بد أن يعاد، ولكنه فرض كفاية: إذا قام به من يكفيه سقط عن البقية. وأما اتباع جنازته فهو فرض كفاية أيضاً، فلا بد من اتباع جنازته وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ولا يجوز للمسلمين أن يتخلفوا عن ذلك. فهذه الحقوق التي ذكرها النبي ﷺ ، منها ما هو واجب ومنها ما ليس بواجب، والأصل أنها واجبة.

стр. 2389

حكم قول المأموم (بلى) إذا قرأ الإمام: (أليس الله بأحكم الحاكمين) سمعنا بعض المأمومين إذا قرأ الإمام قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] يقول المأموم: بلى، فما صحة هذا؟ هذا صحيح، إذا قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] فقل: بلى، وكذلك مثل هذا الترتيب يعني: إذا جاءنا مثل هذا الكلام نقول: بلى. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦] تقول: بلى. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر:٣٧] تقول: بلى. ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠] تقول: بلى. لكن المأموم إذا كان يشغله هذا الكلام عن الاستماع إلى إمامه فلا يفعل، لكن إذا جاء في آخر الآية التي وقف عليها الإمام فإنه لا يشغله. فإذا قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ يقول: بلى.

стр. 2390

حال حديث: (من زار أخاه فإن سبعين ألف ملكاً يستغفرون للزائر والمزار) في فضل الزيارة يقول الرسول ﷺ فيما معنى الحديث: (إذا زار الأخ أخاه فإن سبعين ألف ملك يستغفرون للزائر والمزار) هل هذا صحيح؟ هذا لم أسمعه، لم أسمع أن (من زار أخاه فإنه يستغفر له سبعون ألف ملك) لكن لا شك أن الزيارة في الله والتي لا يقدم عليها إلا محبة الائتلاف بين المسلمين، والمحبة لا شك أنها من الفضل بمكان، أما هذا الفضل المخصوص فلا أعرفه.

стр. 2391

حكم الاحتجاج بالقدر على المعصية يا شيخ! بارك الله فيك! ذكر ابن القيم في شفاء العليل في محاجة آدم وموسى ﵉ فوجدت فيه إشكالاً أورده عليك يا شيخ: ذكر الأقوال في توجيه هذا الحديث، ثم ذكر من هذه الأقوال: أن آدم ﵇ حاج موسى لأنه تاب من الذنب وأقلع عنه، ومن تاب من الذنب كمن لا ذنب له. ثم إن ابن القيم خطّأ هذا القول وقال: هذا قول غير صحيح. ورد عليهم من ثلاثة أوجه، ثم ذكر كلام شيخ الإسلام في المسألة، ثم قال ابن القيم: ويتوجه هذا في جوابين: أما الاحتجاج بالقدر فإنه ينفع في وقت ويضر في وقت، ينفع إذا تاب الإنسان منه، أي: بعد التوبة، ولو احتج الإنسان بالقدر يجوز، أما وهو واقع في الذنب لا يجوز. فالآن -يا شيخ- توجيه ابن القيم هنا كأنه وقع فيما وقعت فيه الطائفة التي رد عليها؟ الحديث -بارك الله فيك- تنازع الناس فيه حسب مذاهبهم وآرائهم: فمنهم: من رد هذا الحديث وقال: لا يصح؛ لأنه خبر آحاد ومناقض لما يظنونه أصلاً من أصول الشريعة: وهو عدم الاحتجاج بالقدر. ومنهم: من خرجه على وجوه متعددة، وأحسن الأوجه وجهان: الوجه الأول: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: إن موسى لم يحتج على آدم بالمعصية وإنما احتج عليه بالإخراج، وقال: لم أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ ولم يقل: لم عصيت الله، فاحتج آدم ﵊ بأنه قد كتب علينا هذا، يعني: كتب أن يفعل وتكون النتيجة أن يخرج من الجنة، وكأنه يقول: لو علمت أن هذه النتيجة ما فعلت، وهذا يقع كثيراً: أن الإنسان قد يسافر إلى بلد ما ثم يحصل عليه حادث، فإذا قيل له: لم سافرت؟ لو لم تسافر ما حدث هذا. سيقول في نفسه ويقول لمن كلمه: لو علمت بأن هذا سيحدث ما سافرت، لكن هذا أمر كتب عليَّ أن أسافر ويحصل هذا الحادث، وأنا لم أسافر من أجل الحادث. فهكذا قضية آدم، آدم لم يأكل من الشجرة ليخرج من الجنة، لكنه لم يعلم بما ينتج عن أكله من هذه الشجرة، فأكل من الشجرة ثم كانت النتيجة أن أخرجه الله تعالى من الجنة، وهي نتيجة في ظاهرها أنها تسوء الإنسان، لكن عند التأمل تجد أن الحكمة في ذلك، فلولا هذا ما عشنا في الأرض ولبقينا هناك، ولاختل نظام العالم الذي أراد الله أن يكون. أما الوجه الثاني: فهو الذي اختاره ابن القيم ﵀: أن آدم لم يحتج على الذنب ليستمر عليه كما فعل المشركون الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨] وإنما احتج بالقدر في أمر قد فات وتاب منه وانمحى أثر هذه المعصية في توبة الله عليه فكأنه لم يكن. والظاهر لي: أن توجيه شيخ الإسلام ﵀ أقرب إلى الصواب؛ لأنه يبعد أن موسى ﵊ يلوم أباه على أمر تاب منه، واجتباه الله تعالى بعده وهداه، لكن كلام ابن القيم له وجه، والاحتجاج بالقدر لا يلزمه مطلقاً، قال الله تبارك تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام:١٠٧] فالاحتجاج بالقدر إذا كان من أجل الاستمرار في المعصية أو فعل المحرم أو ترك الواجب؛ احتجاج باطل، والاحتجاج بالقدر على أمر قد وقع ولا يمكن للإنسان أن يتخلص منه، ولكنه فيما بينه وبين ربه وفيما يجب عليه من التوبة قد تاب؛ هذا لا بأس به. السائل نفسه: يا شيخ! ألا يوجد الآن تعارض؛ لأن ابن القيم يختار هذا القول مع أنه رد على الطائفة بنحوه؟! الشيخ: لا أستطيع الآن، لأنني بعيد العهد في هذا، فيحتاج إلى تأمل، وأخشى أنه لو قرأنا هذا وناقشنا فيه يفوت على الإخوان الوقت. ولكن تعطينا الصفحة وأراجعها في وقت آخر.

стр. 2392

حكم القراءة مع الإمام في الصلاة هل يجوز القراءة مع الإمام؟ القراءة مع الإمام منهي عنها إلا في الفاتحة، فإن الفاتحة لابد منها، وقد صلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الفجر فلما انتهى من الصلاة قال: (لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) وما سوى الفاتحة فإنه لا يُقرأ والإمام يقرأ.

стр. 2393

حكم الاجتماع لإنشاد الشعر نحن نعاني من عادات: حيث يقوم صفان من الناس، ثم يقوم اثنان من الشعراء يتبادلون الشعر ويدخل فيه السب والشتم، فما موقفنا -يا شيخ- من هذا الفعل؟ وكذلك يوجد التصفيق والتصفير؟ الاجتماع على إنشاد الشعر لا بأس به، هذا هو الأصل، لكن إن صحبه شيء من المفسدة كما قلت: بأن يكون بعضهم يسب بعضاً وربما يتعدى السب إلى آبائهم وأجدادهم، فهذا لا يجوز من أجل ما يقترن به من السب، وأما مجرد أن يجتمع أناس ويتبادلون الشعر فيما بينهم فلا بأس به. على أني لا أحبذ أن يكون هذا دائماً كما يفعله بعض الناس، حيث يخرجون في كل ليلة ويقيمون مثل هذا الفعل. السائل: يدخل فيه تصفيق وتصفير ورقص. الشيخ: لا، هذا إذا لم يصاحبه شيء محرم فلا بأس به، وإن صاحبه شيءٌ محرم من السب والتصفيق والرقص فهذا لا يجوز، فهذا كله لا يجوز.

стр. 2394

حكم سفر المرأة مع محرمها إلى الخارج بدون حاجة فضيلة الشيخ! ما حكم سفر المرأة إلى الخارج بدون عذر، يعني: لغرض السياحة فقط مع محرم؟ سفر المرأة إلى الخارج مع زوجها أحسن من بقائها في بلدها لها وله أيضاً، فلا أرى مانعاً، لكن أصل سفر الزوج من أجل السياحة -كما قلت- لا أرى جوازه لأن فيه محاذير: المحظور الأول: أن الإنسان يقدم إلى بلاد كافرة، ربما يتأثر بدينهم أو أخلاقهم أو عاداتهم. ثانياً: أنه يصرف أموالاً كثيرة في السفر إلى تلك البلاد. ثالثاً: أنه يثري أموال هؤلاء ويدخل عليهم فوائد كثيرة. رابعاً: أنه ربما يقتدى به فيتهافت الناس على هذه المسألة. خامساً: أنه بلغنا عن أناس كانوا مستقيمين فذهبوا في إجازة الصيف إلى بلاد الكفر، ثم رجعوا منحرفين والعياذ بالله، وهذا ليس ببعيد. لذلك نرى أنه لا يجوز السفر إلى بلد الكفر إلا لمصلحة دينية أو دنيوية بشروط: - أولاً: أن يكون الإنسان عنده علم يدفع به الشبهات؛ لأنه هناك سوف يعرضون عليه أشياء ويشككوه في دينه. - الثاني: أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات؛ لأن هناك خمور ودعارة وكل ما تتصور من الشر فإنك تجده هناك والعياذ بالله. - الثالث: المصلحة أو الحاجة. فإذا تمت هذه الشروط الثلاثة فلا بأس، وأما إذا اختل شرط واحد منها فلا أرى جواز السفر إلى تلك البلاد.

стр. 2395

حكم الجمع لمن أراد السفر وهو ما زال في بلده فضيلة الشيخ! إذا كنت أريد أن أسافر إلى المدينة النبوية وقبل أن أسافر وجبت صلاة الظهر فهل يجوز لي أن أصلي العصر مع الظهر؟ إذا كنت في بلدك فلا يجوز، لا يجوز أن تجمع إلا إذا بدأت بالسفر، وإذا كنت تخشى ألا تتيسر لك صلاة العصر مثل: أن تذهب مع إنسان تخشى ألا يقف إذا جاء وقت العصر، أو في طائرة لا تدري هل تدرك العصر في البلد الذي تقدم إليه أم لا، فلا بأس، أما إذا كان سفرك في سيارتك التي تحت تصرفك، ومتى شئت وقفت وصليت فلا تجمع؛ لأن الجمع كالقصر، كما أنك لا تقصر في بلدك لا تجمع أيضاً، لكن الجمع إذا خاف الإنسان ألا يأتي بالصلاة الثانية، فله أن يجمع.

стр. 2396

هل الملحق الذي ضمن سور المسجد يجري عليه أحكام المسجد ؟ فضيلة الشيخ! بعض المساجد والجوامع يلحق بها غرف يقام فيها مكتبة، وبعضها فارغة وبعضها مستودعات، هذه الغرف ضمن سور المسجد، فهل يصح الاعتكاف فيها، وهل تعتبر بمثابة القبة التي أمر النبي ﷺ بضربها عندما أراد الاعتكاف؟ وما هو القول الراجح في أول بدء الاعتكاف وآخره؟ الحجرة التي تكون داخل سور المسجد من المسجد، سواءً كانت مكتبة أو مستودعاً أو غير ذلك، فحكمها حكم المسجد، فإذا دخلها الإنسان صلى ركعتين قبل أن يجلس، وإذا اعتكف فيها صح اعتكافه، ولا يجوز فيها البيع ولا الشراء، المهم أن لها أحكام المسجد. وأما الاعتكاف فالصحيح أنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس يوم العشرين، يعني: يستقبل ليلة واحد وعشرين، قبل أن تغرب الشمس يوم العشرين فيستقبل ليلة الحادي والعشرين، وينته الاعتكاف بغروب الشمس في آخر يوم من رمضان.

стр. 2397

حكم من يمتنع عن سؤال العلماء بحجة معرفته الحكم ما حكم من يمتنع عن سؤال العلماء بحجة أنه يعلم ويستدل بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] ويقول: لا يجوز لي أن أسأل لأني أعلم بهذا الحكم؟ فما حكم ذلك؟ وجزاكم الله خيراً. هذا صحيح، إذا كان صادقاً في قوله أنه عالم لا حاجة أن يسأل العلماء، أما إذا كان ليس لديه علم فإن الله سوف يحاسبه على تصرفه، يعني: لو أن إنساناً يعلم أن من أكل لحم إبل انتقض وضوءه، هل نقول: اذهب اسأل العلماء؟ لا نقول ذلك، لكن إذا قال: لا، لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وأنا أعلم بذلك، ولست بسائل العلماء، فهذا هو المحذور أن يدعي لنفسه ما لا يملكه، وأما إذا كان حقاً يعلم فلا حاجة للسؤال.

стр. 2398

حكم فك السحر بالسحر هل يجوز فك السحر بالسحر؟ يرى بعض العلماء: أنه حرام ولا يجوز، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل العلم من السلف والخلف. ويرى بعض العلماء: أنه إذا دعت الضرورة في ذلك فلا بأس. وأنا لا أفتي فيه بشيء، لكن أنقل لك ما علمت من آراء العلماء.

стр. 2399

حكم الدم الخارج من الجسم فضيلة الشيخ هل الدم الخارج من الجسم نجس؟ وهل يجب خلع الثياب عند أداء الصلاة؟ الدم الخارج من الجسم إن خرج من السبيلين، أي: من القبل أو الدبر فهو نجس، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يأمر النساء في الحيض أن يغسلن دم الحيض. وإن خرج من بقية البدن كالرعاف والجرح وما أشبه ذلك، فأكثر أهل العلم يرون أنه نجس لكن يعفى عن يسيره، يعني: عن الشيء القليل منه، حتى ولو أصاب البدن منه أو الثوب، وبعض العلماء: يرى أنه ليس بنجس لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إن المؤمن لا ينجس) ، وكان الصحابة ﵃ في الجهاد تصيبهم الجراحة وتتلوث أبدانهم وتتلوث ثيابهم بذلك الدم، ولم ينقل أنهم أمروا بغسله، ولأن ما فصل من الآدمي فهو طاهر فلو قطعت إصبعه مثلاً فالإصبع طاهرة، فإذا كانت الأجزاء إذا انفصلت فهي طاهرة فطهارة الدم من باب أولى، على أن الأجزاء التي تنفصل لابد أن يكون بها دم، لكن الاحتياط: أن يغسله، إلا أن يكون شيئاً يسيراً جرت به العادة فلا بأس ألا يغسله. لكن لماذا لم تسأل هل ينقض الوضوء أو لا؟ فنقول: إنه لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من السبيلين، أما ما خرج من بقية البدن فإنه لا ينقض الوضوء سواءً كان قليلاً أو كثيراً.

стр. 2400

حكم من توضأ وبقي جزء من أعضاء الوضوء لم يغسله فضيلة الشيخ! إذا توضأ شخص فلما انتهى وجد جزءاً من أعضائه لم يكمل وضوءه، فهل يمسح هذا الجزء، أم يعيد الوضوء؟ أولاً: قولك: هل يمسح، لا يستقيم؛ لأنه لا يوجد مسح إلا في الرأس، ولو كان جزءاً بسيطاً لا بد من غسله، لكن يغسله ويغسل ما بعده، فمثلاً: إذا كان في اليدين نقول: اغسل هذا الذي لم يصبه الماء وامسح رأسك وأذنيك واغسل رجليك، فإذا كان في الرجلين نقول: اغسله فقط؛ لأنه ليس بعد الرجلين شيء.

стр. 2401

حكم زيارة المريض قول البراء بن عازب ﵁: (أمرنا النبي صلى الله عليه بسبع ونهانا عن سبع، إلى أن قال: أمرنا بعيادة المريض وتشميت العاطس -وإلى غير ذلك- ونهانا عن الخواتم وعن التختم بالذهب) إلى غير ذلك، إلى أن استطرد الأشياء السبع. فهل الآن قول البراء (أمرنا النبي ﷺ -يا شيخ- قبل قليل: إن عيادة المريض فرض كفاية، فكيف يحمل معنى النبي ﷺ (أمرنا) يا شيخ؟ الأمر يقتضي الوجوب هذا هو الأصل، لكنه ليس فرض عين؛ لأننا نعلم أن المرضى في عهد النبي ﵊ لا يعودهم كل واحد من الصحابة، وتزول وحشة المسلم من إخوانه إذا عاده واحد من الناس أو جماعة حسب الحاجة، أما أن يكون فرض عين فهذا صعب. السائل: لكن -يا شيخ- لفظة: أتانا حديث، وقول النبي ﷺ (أمرنا أو أُمِرت) أو قال في أحاديث أخرى قال: (أمرته) وغير ذلك يشمل الأمر؛ فإذا وجدنا لها صارفاً فيحمل على الاستحباب وغير ذلك، ما نقول أنه واجب الشيخ: هذا الأصل الأصل أن الأمر يقتضي الوجوب ما لم يوجد له صارف، هذا هو الراجح من كلام الأصوليين، وبعض الأصوليين يقول: الأصل في الأمر الاستحباب ما لم يوجد له دليل على الوجوب.

стр. 2402

حكم التسمي بالأسماء المعبدة لغير الله فضيلة الشيخ! يوجد في بلادنا بعض الناس يسمون أبناءهم: عبد الرسول، وعبد النبي، وعبد الرضي، وعبد المحمود وغير ذلك، وبعضهم يسمي مثلاً: رحمة الله، وجاد الله، وجار الله، وجيب الله، ودفع الله، والله جابه ونحو ذلك، فما الحكم، وما تعليقكم أثابكم الله؟ قال ابن حزم ﵀: اتفق العلماء على تحريم كل اسم معبد لغير الله إلا عبد المطلب. فالعلماء مجمعون على أنه لا يعبد الاسم لغير الله، فلا يقال: عبد الرسول، ولا عبد النبي، ولا عبد الكعبة، ولا عبد الرضي، وما أشبه ذلك، لا يعبّد إلا بما كان من أسماء الله . وأما دفع الله، وعطاء الله، وهبة الله وما أشبه ذلك؛ فلا بأس، جاد الله يعني: أن هذا من جود الله، لكن جار الله لا أدري ما معناها فلا أصدر فيها حكماً. السائل: بعضهم يقول معنى: جيب الله بمعنى: أن هذا الشخص كثير العطاء والسخاء فكأنها مأخوذة من هذا المعنى، وبعضهم يقول -يا شيخ- جيب الله بمعنى: أن الله أتى به، أو يقول هو البكر الوحيد أو أن هذا الرجل ليس له غير هذا؟ الشيخ: على كل حال يرجع -بارك الله فيك- للمعنى، فإن كان صحيحاً فلا بأس، فإذا قالوا: هذا جيب الله بمعنى: أنه كثير العطاء فكأنهم يريدون أن يلحقوا عطاء هذا الرجل بعطاء الله ، وهذا لا يجوز؛ لأنه لا أحد يماثل الله في الكرم، فيغير هذا إلى اسم آخر.

стр. 2403

حكم طلب قضاء دين للدولة من الحاكم أو السلطان فضيلة الشيخ! السعي في قضاء الدين للوالد عند الحكام، وهذا الدين للدولة، هل في ذلك شيء على دين الشخص من ناحية الدخول على الحكام لطلب قضاء الدين منهم؟ الشيخ: يعني: معناه أن والده يطلب الحكومة. السائل: والده متوفى، والحكومة لها دين عنده. الشيخ: يعني: للحكومة دين عليه؟ السائل: فما حكم الدخول على الحكام لقضاء الدين أو طلب الاستسماح منهم في ذلك؟ الشيخ: يعني: لطلب إسقاط الدين؟ السائل: نعم. الشيخ: هذا لا بأس به إذا كان الوالد لم يخلف تركة، أن يطلب من صاحب الحق سواء حكومة أو غير حكومة أن يسقط الدين، أما إذا خلف تركة فإن هذا سائل لنفسه في الواقع، لأن الدين يجب أن يقضى من التركة، فإذا ذهب صاحب الدين وقال: أسقطوا عن أبي، لا سيما إن ظهر بمظهر أنه لم يوجد له تركة فهذا إنما سأل لنفسه فلا يجوز، أما الدخول على ولاة الأمر فلا بأس به، لأن الدخول على ولاة الأمور إذا لم يكن ذلك سبباً لنقص دين العبد فلا بأس به.

стр. 2404

جواز المسح على الجوارب الثقيلة والخفيفة مع بيان مدة المسح يا شيخ! بالنسبة للمسح على هل يشترط فيهما أن يكونا ثقيلين، وابتداء مدة المسح هل هو من أول اللبس، أو أول حدث بعد اللبس، أو من أول مسحة؟ لبس الجوارب لا بأس به، ويجوز المسح عليها ولو كانت خفيفة؛ لأن الحكمة من جواز المسح على القدم مشقة النزع واللبس، وليس الحكمة أن الرجل مستورة، ومعلوم أن الجوارب الخفيفة يشق نزعها ثم لبسها كما يشق نزع ولبس الثقيلة، فالصحيح: أن المسح على الجوارب -خفيفة كانت أو ثقيلة- جائز. وأما ابتداء مدة المسح فإنه من أول مرة مسح بعد الحدث، وليس من اللبس ولا من الحدث، فمثلاً: لو قدرنا أن رجلاً لبس الجوارب لصلاة الفجر اليوم الخميس ونقض الوضوء في الساعة العاشرة وتوضأ لصلاة الظهر الساعة الثانية عشرة فابتداء المدة من الساعة الثانية عشرة، فله أن يمسح إلى الثانية عشرة من يوم الجمعة، لكن على كل حال في يوم الجمعة سيعترضه الغسل وإذا أراد الاغتسال فلا بد من خلع الجوارب.

стр. 2405

معنى حديث: (خلق الله آدم على صورته) ما هو التوجيه الصحيح لحديث الرسول ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته) ؟ هذا له توجيهات: التوجيه الأول: أن الحديث على ظاهره: (إن الله خلق آدم على صورته) لكن بدون مماثلة، إذ لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً له، والله قد قال في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] والدليل على أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً له، أن النبي ﷺ أخبر: (بأن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر) ومعلوم أنهم لا يماثلون القمر ليلة البدر، لكن من حيث الحسن والجمال يكونون على صورة القمر، فنقول: كون الشيء على صورة الشيء لا يلزم منه المماثلة، ونحن نؤمن بالكتاب والسنة فنقول: إن الله ليس كمثله شيء ولو كان الشيء على صورته، ونقول: (إن الله خلق آدم على صورته) . التوجيه الثاني في الحديث: أن الله خلقه على صورة اختارها واجتباها لآدم، فيكون المعنى -أي: الإضافة- التشريف والتكريم، كما في قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦] ومعلوم أن الكعبة ليست بيت الله التي يسكنه بل هو بيته الذي يعظم، وكقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣] ومعلوم أن هذه الناقة ليست ناقة الله التي يركبها ، حاشاه من ذلك بل أضافها صالح إلى ربه للتشريف أي: تشريف هذه الناقة وتعظيمها. وكلا الوجهين صحيح، لكن الوجه الأول أسلم؛ لأن الوجه الأول: أن الله خلق آدم على صورته من غير مماثلة، أبعد عن التأويل وهو متماش على ظاهر النص.

стр. 2406

معنى رؤية الله بصورته التي يعرفه بها المؤمنون والمنافقون في الحديث: (أن المؤمنين والمنافقين يرون الله على صورته التي يعرفونها) ما المقصود: بصورته التي يعرفونها؟ التي يعرفونها مما وصف به نفسه ، فإن الله تعالى قد وصف نفسه لعباده بأنه عظيم وأنه قدير وأنه ذو سلطان، وأنه له وجه وله عين وما أشبه ذلك، فهم يعرفونها لا لنظر سابق، ولكن لما وصف الله به نفسه.

стр. 2407

حكم مقولة: (عدالة السماء ونور السماء) وما أشبه ذلك ما حكم ألفاظ تصدر عن الكتاب العصريين في كتاباتهم مثل قولهم: عدالة السماء، أو هدي السماء، أو النور العلوي، وكذلك وصف النبي ﷺ بالعبقرية، وأنه أفضل قائد في العالم، هل يصح إطلاق هذه الألفاظ على إطلاقها؟ هم يريدون بنور السماء وهداية السماء نور الله ؛ لأنه في السماء، ولكن الأفضل أن يعدلوا عن هذه الكلمات وأن يقولوا: نور الله وهداية الله كما قال النبي ﵊: (إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها) قال: (كان الذي في السماء) فإطلاق مثل هذه العبارات يجب على الإنسان التوقف فيها وأن يقال: الأفضل أن تضيفوا الشيء إلى من هو له حقيقة؛ لأن مجرد السماء ليس فيها هداية وليس فيها نور وإنما هو نور الله وهداية الله. وأما وصف النبي ﷺ بأنه عبقري فإن كان الرجل يريد أنه ﵊ عنده علم بما يتعلق بشئون الحياة من الشجاعة والكرم وما أشبه ذلك فلا بأس، وإن كان يريد أنه عبقري ولكنه لم ينل هذا المقام إلا بعبقريته لا بكونه رسول الله، فهذا لا يجوز، فالرسول محمد ﵊ رسول الله، ولا شك، وهو ﷺ أشجع الناس وأكرم الناس وأجود الناس وأحسن الناس خلقاً.

стр. 2408

حكم قص شعر الحواجب للضرورة فضيلة الشيخ! شخص يتأذى من طول شعر حواجبه؛ وذلك لأنها تتساقط أحياناً على عينيه، ويتحرج من تخفيفها أو إزالتها للحديث الوارد: بلعن النامصة والمتنمصة. فما توجيهكم لذلك؟ توجيهنا لهذا أنه لا بأس أن يقص من حاجبيه ما يظلل على نظره وبصره، وقد ذكر أصحاب الإمام أحمد ﵀ أنه كان يأخذ من حاجبيه. فإذا قص ما يؤذيه فلا بأس به ولا إشكال في هذا، والنمص الذي جاء في الحديث: هو نتف الشعور وترقيقها، وأما مجرد أن يأخذ الإنسان ما زاد من الشعر؛ من أجل ألا يحجبه عن النظر، أو أن يدفع ضرره بتساقطه على العين فهذا لا إشكال في جوازه. السائل نفسه: بالنسبة للعن هل هو خاص بالمرأة أو هو عام؟ الجواب: هو عام، لكنه ذكر في النساء؛ لأن هذا هو الغالب، الغالب أن الذي يستعمل النمص النساء، وإلا فهو للرجال وللنساء، بل قد يقال في الرجال أشد؛ لأن النامص يكون متشبهاً بالنساء إذا نمص.

стр. 2409

حكم النظر إلى الصور التي تعرض في التلفاز فضيلة الشيخ! قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣٠-٣١] هل هذه الآية خاصة بالنظر إلى النساء الأجنبيات، أو تشمل كل الأمور الأخرى مثلاً: النظر إلى التلفاز، أو الصور، أو إلى بعض الجرائد التي فيها صور لمعرفة أخبار المسلمين في العالم؟ الآية لا شك أنها في الأصل في النظر إلى النساء، نظر الرجال إلى النساء ونظر النساء إلى الرجال، هذا هو الأصل. وأما ما يعرض في التلفاز فإن كان الإنسان ينظر إليه نظر تمتع وشهوة فلا شك في التحريم، وأما إذا كان ينظر إليه نظراً عادياً ففي النفس منه شيء، والأولى أن يتجنب ذلك، فإذا ظهرت المذيعة -مثلاً- في التلفاز فليغلق التلفاز؛ لأنه يخشى إذا نظر إليها أن يفتتن بها.

стр. 2410

لقاء الباب المفتوح [٨٢] يتحدث الشيخ في هذه المادة عن تفسير سورة العلق مبتدئاً الكلام بالحديث عن حكم وفوائد تنزل القرآن، والبحث في البسملة: هل هي آية أم لا؟ وبعد ذلك يغوص في آيات سورة العلق ليفصلها، وينهي الحديث بالإجابة عن الأسئلة الواردة في هذا اللقاء.

стр. 2411

تفسير آيات من سورة العلق الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني والثمانون بعد المائة المعبر عنه بلقاء الباب المفتوح، والذي يكون كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا هو الخميس العشرون من شهر رجب عام (١٤١٥هـ) . وكان من عادتنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آية من كتاب الله ؛ لأن كتاب الله نزل لعدة حكم: منها: التعبد لله تعالى بتلاوته، فإن تلاوة كتاب الله مما يقرب إلى الله، والحرف الواحد منه ثوابه عشر حسنات. ومنها: أنه نزل من أجل التدبر لمعانيه، حيث قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] وهذه الحكمة غفل عنها كثيرٌ من الناس، لا أقول: من عامة الناس بل حتى من طلبة العلم، تجد بعض الطلاب يعتنون بشرح الأحاديث أو كلام الفقهاء أو غيرهم من علماء الشريعة لكنهم لا يعتنون بتفسير كتاب الله ، مع أن كتاب الله هو أم الكتب كلها، وإليه مرجع الكتب، وكتاب الله هو الذي كلفنا بأن نتدبر آياته وأن نتعظ بها، لهذا نرى أنه لا يليق بطالب العلم أن يعرض عن تفسير كتاب الله وهو يعتني بتفسير كلام غير الله . وابتدأنا هذا التفسير بسورة النبأ؛ لأن هذا الجزء كثيراً ما يقرأ في الصلوات كصلاة المغرب والعشاء، فيسمعه العامة، فيحسن أن يعرفوا معاني هذا الجزء من كتاب الله ، وآيات الله في الكتاب العزيز متشابهة، ربما تجد بعض الآيات بنصها ولفظها في موضع آخر، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة:٧٣] هذه الآية وردت بلفظها في مكان آخر في كتاب الله وردت في التوبة ووردت في سورة التحريم، فكتاب الله يشبه بعضه بعضاً. وفي هذا اللقاء سوف نشرح سورة (اقرأ) إذ أننا ولله الحمد أكملنا ما سبق.

стр. 2412

تفسير قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) يقول الله : بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] وفي البسملة بحث سبقت الإشارة إليه لكن لا مانع من إعادته وهو: هل البسملة آية من السورة التي تليها، أم هي آية مستقلة؟ الصحيح: أنها آية مستقلة، وليست من السورة التي تليها، فلا هي من الفاتحة ولا من البقرة ولا من آل عمران بل هي آية مستقلة، ولهذا لو أن الإنسان في الصلاة قرأ الفاتحة بغير البسملة فصلاته صحيحة؛ لأن البسملة ليست منها، لكن سورة براءة لم تكتب فيها البسملة؛ لأنها لم تنزل البسملة بينها وبين سورة الأنفال، لكن اشتبه على الصحابة حين جمعوا القرآن فجعلوا فاصلاً بين سورة الأنفال وسورة براءة ولم يكتبوا البسملة. يقول الله : بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١-٥] هذه الآيات هي أول ما نزل على الرسول ﵊ من القرآن، نزلت عليه وهو يتعبد في غار حراء، وكان ﷺ أول ما بدئ بالوحي أنه يرى الرؤيا في المنام فتأتي مثل فلق الصبح، يعني: يحدث ما يُصدِّق هذه الرؤيا، وأول ما كان يرى هذه الرؤيا في ربيع الأول، فبقي ستة أشهر يرى مثل هذه الرؤيا ويراها تجيء مثل فلق الصبح، وفي رمضان نزل الوحي الذي يكون في اليقظة، والمدة بين ربيع الأول ورمضان ستة أشهر، وزمن الوحي ثلاثٌ وعشرون سنة، ولهذا جاء في الحديث: (الرؤية الصالحة جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) . لما كان يرى هذه الرؤيا التي تجيء مثل فلق الصبح حبب إليه الخلاء، يعني: أن يخلو بنفسه، ويبتعد عن هذا المجتمع الجاهلي، فرأى ﵊ أن أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء؛ وهو غار في قمة الجبل، لا يكاد يصعد إليه الإنسان القوي إلا بمشقة، فكان يصعده ﵊ ويتحنف ويتعبد لله فيما فتح الله عليه في هذا الغار الليالي ذوات العدد -أي: عدت ليال- ومعه زاد أخذه يتزود به من طعام وشراب، ثم ينزل ويتزود بمثله من أهله ويرجع ويتحنف الله ، إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار. أتاه جبريل وأمره أن يقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، ومعنى: ما أنا بقارئ، أي: لست من ذوي القراءة، وليس المراد المعصية لأمر جبريل، لكنه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة، إذ أنه ﷺ كان أمياً، كما قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف:١٥٨] وقال الله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢] فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذه من حكمة الله أنه لا يقرأ ولا يكتب، حتى تتبين حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاكٍ شكٌ في صدقه، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] . قال له: ما أنا بقارئ، فغطه مرتين أو ثلاثاً، ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١-٥] خمس آيات نزلت، فرجع بها النبي ﷺ يرجف فؤاده من الخوف والفزع، حتى أتى إلى خديجة. وحديث الوحي وابتلائه موجود في أول صحيح البخاري فمن أحب أن يرجع إليه فليرجع. يقول الله : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] قوله: (باسم ربك) قيل معناه: متلبساً بذلك، وقيل: مستعيناً بذلك، أي: اقرأ مستعيناً باسم الله؛ لأن أسماء الله تعالى كلها خير، كلها إعانة يستعين بها الإنسان، ولذلك يستعين بها الإنسان على وضوئه، ويستعين بها على أكله، ويستعين بها على جِماعه، فهي كلها عون، (باسم ربك الذي خلق) إلى آخر وقال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق:١] دون أن يقول: باسم الله؛ لأن المقام مقام ربوبية وتصرف وتدبير للأمور وابتداء رسالة، فلهذا قال: (باسم ربك) إشارة إلى أنه ﵊ قد رباه الله تعالى تربية خاصة. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] خلق كل شيء، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] فما من شيء في السماء ولا في الأرض من خفي وظاهر، وصغير وكبير إلا وهو مخلوق لله ، ولهذا قال: (خلق) وحذف المفعول إشارة للعموم؛ لأن حذف المفعول يفيد العموم، إذ لو ذكر المفعول لتقيد الفعل به، أي: لو قال: خلق كذا تقيد الخلق بما ذكر فقط، لكن إذا قال: (خلق) وأطلق صار عاماً، فهو خالق كل شيء جل وعلا. ثم قال: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:٢] فنص وخص، خلق الإنسان تكريماً للإنسان وتشريفاً له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠] فلهذا نص على خلق الإنسان.

стр. 2413

تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من علق) قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ﴾ [العلق:٢] أي: ابتدأ خلقه، ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:٢] اسم جمع علقة، كشجر اسم جمع شجرة، والعلق عبارة عن دودة حمراء من الدم صغيرة، وهذا المنشأ الذي به الحياة؛ لأن الإنسان دم ولو تفرغ من الدم لهلك، وقد بين الله أنه خلق الإنسان من علق ولكنه يتطور، وبين في آيات أخرى أنه خلق الإنسان من تراب، وفي آية أخرى أن خلقه من طين، وفي آية أخرى من صلصال كالفخار، وفي آية أخرى من ماء داثر، وفي آية أخرى من ماء مهين، وفي هذه الآية من علق، فهل في هذا تناقض؟ لا يمكن أن يكون في كلام الله أو ما صح عن رسوله شيء من التناقض أبداً، فإن الله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] لكنه يذكر أحياناً مبدأ الخلق من وجه ومبدأ الخلق من وجه آخر، فخلقه من تراب، أي: أول ما خلق الإنسان من التراب، ثم صب عليه الماء فكان طيناً، ثم استمر مدة فكان حمأً مسنوناً، ثم طالت مدته فصار صلصالاً، أي: إذا ضربته بيدك تسمع له صلصلة كالفخار، ثم خلقه لحماً وعظماً وعصباً. إلخ. وهذا ابتداء الخلق المتعلق بآدم. والخلق الآخر من بنيه منشئهم من نطفة وهي الماء المهين، وهي الماء الدافق، هذه النطفة تبقى في الرحم أربعين يوماً، ثم تتحول شيئاً فشيئاً، وفي تمام الأربعين تتقلب بالتطور والتدريج حتى تكون دماً ثم علقة، ثم تبدأ بالنمو والثخونة وتتطور شيئاً فشيئاً، فإذا تمت ثمانين يوماً انتقلت إلى مضغة؛ وهي قطعة من اللحم بقدر ما يمضغه الإنسان، وتبقى كذلك أربعين يوماً، فهذه مائة وعشرون يوماً وهي بالأشهر أربعة أشهر، وبعد أربعة أشهر يبعث الله إليه الملك الموكل بالأرحام فينفخ فيه الروح، فتدخل الروح في الجسد بإذن الله ، والروح لا نستطيع أن نعرف كنهها وحقيقتها ومادتها، ولا ندري من أي مادة هي؟ الجسد عرفنا أن أصله من التراب ثم في أرحام النساء من النطفة لكن الروح لا نعلمها ولا نعرف من أي جوهرٍ هي، ولا من أي مادة: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] فينفخ الملك الروح في هذا الجنين فيبدأ يتحرك؛ لأن نموه الأول كنمو الأشجار بدون إحساس، وبعد أن تنفخ فيه الروح يكون آدمياً يتحرك، ولهذا إذا سقط الحمل من البطن قبل أربعة أشهر دفن في أي مكان من الأرض بدون تغسيل ولا تكفين ولا صلاة عليه ولا يبعث؛ لأنه ليس آدمياً، وبعد أربعة أشهر إذا سقط يجب أن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في المقابر؛ لأنه صار إنساناً، ويسمى أيضاً؛ لأنه يوم القيامة سيدعى باسمه، ويعق عنه، لكن العقيقة عنه ليست في التأكيد كالعقيقة عمن بلغ سبعة أيام بعد خروجه. وعلى كل حال: هذا الجنين في بطن أمه يتطور حتى يكون بشراً، ثم يأذن الله له بعد المدة التي أكثر ما تكون عادة تسعة أشهر فيخرج إلى الدنيا. وبهذه المناسبة: أود أن أبين أن للإنسان أربعة دور: الأولى: في بطن أمه. الثانية: في الدنيا. الثالثة: في البرزخ. الرابعة: في الجنة أو النار، وهي المنتهى. ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:٢] العلق اسم جمع علقة، وهي دودة من الدم معروفة، وهذا أول نشأة الإنسان الذي يتكون منه مادة الحياة وهو الدم.

стр. 2414

تفسير قوله تعالى: (اقرأ وربك الأكرم) قال تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٣-٥] (اقرأ) تكرار للأولى، لكن هل هي توكيد أم تأسيس؟ الصحيح: أنها تأسيس، وأن الأولى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] قرنت بما يتعلق بالربوبية: (وربك الأكرم الذي علم بالقلم) فيما يتعلق بالشرع، فالأولى فيما يتعلق بالقدر والثاني بما يتعلق بالشرع؛ لأن التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه، إذ أن الشرع يكتب ويحفظ، القرآن يكتب ويحفظ، السنة تكتب وتحفظ، كلام العلماء يكتب ويحفظ، فلهذا أعادها الله مرة ثانية.

стр. 2415

الأسئلة

стр. 2416

حكم الادخار في الشركات بنسبة محدودة فضيلة الشيخ: نقل عنك فتوى في جواز نظام الادخار في شركة أرامكو، علماً أن هذا النظام يحدد نسبة الربح من بداية العام فما هو قولك؟ يعني: إذا مضى عام يضمنون لك (٥%) وإذا أكملت عشر سنوات يضمنون لك (١٠٠%) ، فما قولك بهذا الكلام يا شيخ؟ أقول: أحسنت أن سألت عما ينسب إلينا؛ لأنه ينسب إلينا وإلى غيرنا من العلماء أشياء كثيرة ليست صحيحة، لكن بعض الناس إذا راق له الشيء وأحب أن يقبله الناس جعله لعالم من هؤلاء العلماء لأجل أن يقبل، وإلا فقد كتبنا جواباً على هذا بالخط بأن ذلك لا يجوز؛ لأنه رباً واضحاً. وقالوا: إن هذا من باب التشجيع. قلنا لهم: التشجيع يكون بغير هذا، التشجيع يقال مثلاً لمن برز في شيء من الأشياء: لك نسبة يزداد بها راتبك، أو يعطى مكافئة مقطوعة على تفوقه، أما أن نسلك هذا الطريق فلا يجوز، وقد ذكرنا هذا لكن لا أدري -سبحان الله! - من أين جاءت هذه الفتوى التي تنسب إلينا. وأنا أقول للذي أثارها أني سألته ويقول: لا صحة لذلك، ونرى أنها لا تجوز، وهذه الشركات التي تعمل هذا العمل هي تربح؛ لأنها تأخذ الدراهم من الناس وتجعلها في البنوك الربوية، وتربح ربحاً عظيماً، وإلا فهي ما قصدها رحمة الناس ولا الإحسان بهم، لكنها تعرف من أين تأكل الكتف.

стр. 2417

حكم قصد مدائن صالح بالزيارة فضيلة الشيخ: ما حكم قصد مدائن صالح بالزيارة؟ وما حكم زيارتها إذا كان الشخص يقصد الشمال وعلى رجوعه مر عليها مروراً فقط؟ أما المرور عليها فقد مر بها النبي ﷺ لكنه أسرع ﵊ وقنع رأسه، وقال ﵊: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين خشية أن يصيبكم ما أصابهم، فإن لم تكونوا باكيين فلا تدخلوا عليها) فلا يجوز للإنسان أن يذهب إلى هذه المدائن للتفرج والنزهة بل للاعتبار الذي يصحبه البكاء، وإلا فالسلامة في تركها، وقول الرسول ﵊: (أن يصيبكم ما أصابهم) ليس مراده العذاب العام؛ لأن هذه الأمة -والحمد لله- لا تعذب بصفة عامة، لكن أن يصيبكم ما أصابهم من قسوة القلب والإعراض والتولي عن الدين وحكمة ذلك: أن الناس الذين يذهبون إلى هذه البلاد على غير الوجه الذي أراد الرسول ﵊ سوف يقع في نفوسهم تعظيم هؤلاء؛ لما يرون من إحكام البناء وشدته وقوته، وإذا وقع تعظيم الكافر في قلب المؤمن فإنه على خطر عظيم: (أن يصيبكم ما أصابهم) وبعض الناس يقول: كيف هذا؟ وهذه الأمة لم تعذب بعذاب عام، نقول: قسوة القلب والإعراض عن الشريعة.

стр. 2418

حكم الصلاة خلف الصف فضيلة الشيخ: دخلت المسجد ولقيت الصفوف كلها ملأى، وبعد أن انتهيت من الصلاة قال لي الإمام: أعد الصلاة؛ لأنك صليت خلف الصفوف وحدك، فما صحة قوله؟ إذا جاء الإنسان ووجد الصفوف تامة فليصلِّ خلف الصف وحده مع الإمام ولا إعادة عليه، وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم. والمسألة فيها ثلاثة أقوال للعلماء: القول الأول: أن صلاة المنفرد خلف الصف صحيحة ولو كان له مكان في الصفوف التي أمامها، وأن دخوله في الصف على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب. وهذا مذهب أكثر الأمة الإسلامية؛ لأنه مذهب الإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد يعني: معناه نصف مذهب الإمام أحمد، مع الذين يجيزون الصلاة خلف الصف ولو كان له مكان. القول الثاني: أن من صلى منفرداً خلف الصف ولو لم يجد مكاناً فصلاته غير صحيحة. إذا قابلت بين القولين تجد أن هذا في غاية ما يكون من الشدة، وهذا في غاية ما يكون من السهولة. القول الثالث: وهذا هو الوسط: أنك إذا وجدت الصف تاماً فصف وحدك؛ لأن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وهنا لا استطاعة، فإذا قال إنسان: لك استطاعة اجذب شخصاً قلنا: هذا لا يجوز؛ لأن جذب الواحد فيه اعتداء عليه، وفيه تشويش على بقية المصلين، وفيه قطع للصف. أما كونه اعتداء على هذا الذي جذبت، فلأنك تنقله من مكان فاضل إلى مكان مفضول. وتشوش عليه الصلاة أيضاً؛ لأنه لا يدري ما الذي جذبه. وأما كونه تشويش على المصلين، فلأن هذا الصف سوف يتقارب، وكل من فيه سيتحركون حركة لا داعي لها، من أجل تسوية الصف وسد الفرج في هذا الصف. وأما كونه انقطع عن الصف فواضح. فإن قال قائل: يستطيع هذا أن يتقدم ويقف مع الإمام، قلنا: هذا أيضاً غلط؛ لأنه إذا تقدم فسوف يؤذي المصلين الذين أمامه، حيث يتخللهم، وإذا كان المسجد فيه عشرون صفاً كم يتخلل؟ عشرين صفاً؛ فيؤذيهم، ثم إذا تقدم ووقف مع الإمام وجاء آخر بعده بدقيقة أو دقيقتين، وقلنا له: اذهب مع الإمام، صار عند الإمام اثنان، وبعد دقيقة أو دقيقتين جاء الثالث نقول: اذهب مع الإمام، وإذا مع الإمام صف كامل، لكن لو وقف بالصف وجاءه شخص صاروا صفاً، وإن لم يأته أحد فكونه مع الجماعة في الأفعال وإن لم يكن معهم في الصف خير من كونه ليس معهم لا في الصف ولا في الأفعال. هذا هو القول الوسط الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀: على أنه متى وجد الإنسان الصفوف تامة أمامه فليدخل مع الإمام ولو صلى وحده وصلاته صحيحة. ونقول للسائل: إن كنت أعدت الصلاة بناءً على كلام الإمام فعلى خير، تكون الصلاة الثانية نافلة إن كانت الأولى صحيحة، أو تكون صحيحة والأولى نافلة إن كانت الأولى غير صحيحة -يعني: فرضاً- ولكن القول الراجح عرفته الآن، أنك إذا جئت والصفوف تامة فصل مع الإمام ولو كنت منفرداً.

стр. 2419

حكم محاكاة النصارى في أعيادهم فضيلة الشيخ: يوجد عندنا سنوياً في مثل هذه الأيام في كينيا من يقيم اجتماعاً في كل سنة، فمثلاً: النصارى يحتفلون بعيد ميلاد عيسى في كل سنة، والمسلمون -الآن- جعلوا هناك عادة، يجتمعون لمدة ثلاثة أيام يذبحون ويلقون المحاضرات فيما بينهم، وقالوا: بدلاً من أولادنا وجماعتنا يذهبون وراء النصارى نجمعهم في مكان ونأكلهم، فما حكم هذه الذبيحة؟ هل تعتبر مشابهة للكفار وهناك يتبادلون فيما بينهم مثل الهدايا بين النصارى، هل فيها شيء؟ فيها شيئان وليس شيء واحد: الشيء الأول: مداهنة هؤلاء النصارى في إقامة عيد في الإسلام كعيدهم، وهذا يعني: أنهم قد رضوا بهذا العيد من النصارى، والرضا بعيد النصارى يقول عنه ابن القيم ﵀ في كتاب أحكام أهل الذمة: إن لم يكن كفراً فهو محرمٌ قطعاً. والرضا بشعائر الكفر ليس بالأمر الهين فهو حرام ولا يجوز. أما الشيء الثاني: فلأننا إذا أقمنا مثل هذه الأعياد فإن النشء الصغار سيعتقدون أن عيدنا كعيد هؤلاء، ولا يعرفون أن مراد أهليهم أن ينشغلوا بهذا عن أعياد الكفار، وستذهب الغيرة من قلوبهم بناءً على هذا الظن الذي ظنوه، ولهذا نرى أنه لا يجوز أبداً إحداث عيدٍ مضاهاة لهؤلاء النصارى، ولكن من الممكن أن يدرسوا أولادهم أن هذا ليس عيداً لنا هذا عيدٌ للكفار، وليس لنا فيه دخل. وأما تبادل الهدايا فهذا موضع نظر وخلاف بين العلماء: منهم من قال: لا بأس أن نقبل هديتهم في هذا اليوم. ومنهم من يقول: لا؛ لأن قبول هديتهم يشعرهم بأننا راضون بفعلهم وأعيادهم. ولا شك أن السلامة أسلم، أي: ألا يقبل هديتهم في هذه المناسبة؛ فإنه أسلم لدينه وعرضه. والذبيحة لم يذبحوها لغير الله هم وإنما ذبحوها لله، لكنها ذبيحة بدعية.

стр. 2420

تغيير النية في الصيام فضيلة الشيخ: إذا صام الإنسان يوماً وفي منتصف اليوم أراد أن يفطر فقال: إذاً أريد أن أفطر، فذهب يأتي بطعام فلم يوفق في طلب الطعام أو في وجود الطعام، فقال: إني صائم. مع تغيير نيته الشيخ: هل الصوم فرضاً أم نفلاً؟ السائل: نفل. الشيخ: صيام النفل لا يجب إكماله، إن شاء الإنسان أفطر، لكنه لا ينبغي أن يفطر إلا لسبب؛ لأن الإنسان إذا شرع في طاعة لله فإنه لا ينبغي العدول عنها إلا إذا كان هناك سبب شرعي يقتضي أن يفطر، مثل: أن يقدم إليه ضيوف، ولا يرون إكرامهم إلا بأكله معهم، أو ما أشبه ذلك من الأسباب، فهنا الفطر أحسن، أو يدعوه إنسان إلى وليمة ويرى هذا الداعي أنه لا تطيب نفسه حتى يأكل هذا الصائم فالأكل أفضل، وأما بدون سبب فلا ينبغي أن يفطر، وإن أفطر فلا حرج عليه. أما إذا نوى الإفطار -كما في السؤال- فذهب ليتناول الطعام فإنه يكون مفطراً سواء وجد الطعام فأكله أم لم يجده، لكن إن لم يجده ونوى استئناف الصوم -ونحن نتكلم على أن الصوم نفل- فإن له ذلك، لكنه لا يثاب على هذا اليوم إلا من النية الثانية، فإذا نوى في نصف النهار فليس له إلا أجر نصف يوم فقط، هذا إذا كان نوى الفطر، لكن ذهب ليأكل، أما إذا قال: سأذهب إلى المطعم إن وجدت شيئاً أفطرت وإلا فأنا على صيامي، فهذا لا ينقطع صومه حتى يجد ما يأكله فيفطر.
следующие страницы →