← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمر بالإنسان كثير من الناس يظهر عليهم بعض المنكرات، مثل: حلق اللحية، وإسبال الإزار، هل يجب عليه الإنكار على كل إنسان مثلاً صلى بجانبه، أو في الشارع، مع كثرة أصحاب هذه المنكرات؟ الناس ينقسمون إلى قسمين: قسم تعرف أنه يعلم الحكم، مثل الذين عاشوا عندنا يسمعون الخطباء، ويسمعون الوعاظ يقولون: هذا حرام ولا يجوز، فلا يخفى على أحد. وقسم آخر: جاهل مثل بعض الذين يأتون من الخارج يظنون أن هذا لا بأس به؛ لأنهم قد يرون علماءهم يفعلون هذا الشيء. فأما الثاني فلا بد من تنبيهه وتعليمه، وأما الأول وهو الذي تعرف إنما فعل ذلك عن علم فهذا لا يلزمك أن توقف كل واحد من الناس وتقول: تعال حلق اللحية حرام، لكن إن تيسر لك جلسة معه أو مناسبة فذكره بالله ، قل: يا أخي! اتقِ الله أنت تعرف أن حلق اللحى حرام، وأنه لا يجوز، وهل ترضى لنفسك أن تتبع هدي المشركين والمجوس وتترك هدي محمد ﵊، وانصحه وعظه. الثاني نقول: علمه؛ لأنه يكون جاهل. الأول نقول: عظه وذكره بالله . لكن على كل حال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] نسأل الله لنا ولكم التوفيق.

стр. 2487

حكم قص شعر البنت مثل شعر الولد هل يجوز قص شعر الطفلة بشكل ولادي -بشكل ولد-، وأن شعرها ضعيف جداً يجب قصه؟ لا يجوز أن يقص شعر المرأة كشعر الرجل، سواءً كانت صغيرة أو كبيرة؛ لأن النبي ﷺ (لعن المتشبهات من النساء بالرجال) . وأما كون الشعر ضعيفاً فالقص يزيده ضعفاً، والحلق يقال: إنه يزيده نمواً وشدة وتمسكاً، ولكن ربما يحصل هنا وتكتفي بالحلق إذا أمكن. وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى، بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً.

стр. 2488

لقاء الباب المفتوح [٨٥] تكلم الشيخ عن تفسير سورة القدر، وما احتوت عليه هذه السورة من فضل هذا اليوم المبارك، والسبب هو نزول أو ابتداء نزول القرآن فيه، بالإضافة إلى ذلك: نزول الملائكة في هذه الليلة عنواناً على الرحمة والخير والبركة، فقد جعل الله هذه الليلة خيراً من ألف شهر، وبالرغم من ذلك فهي سلام حتى مطلع الفجر، وذكر فيها الليالي التي يتحرى فيها ليلة القدر، بالإضافة إلى ذلك سبب إبهام الله لهذه الليلة، ثم شرع الشيخ بالإجابة على الأسئلة، وركز على جانب مهم في الدعوة إلى الله.

стр. 2489

تفسير سورة القدر الحمد لله والشكر لله على نعمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الخامس والثمانون من اللقاءات الأسبوعية التي تتم كل خميس، وهذا هو الخميس الحادي عشر من شهر شعبان عام (١٤١٥هـ) نبتدئه -كالمعتاد- بتفسير ما انتهينا إليه من الجزء الثلاثين من كتاب الله ، وقد انتهينا إلى سورة القدر حيث يقول الله ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:١-٣] .

стр. 2490

تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر:١] الضمير هنا يعود إلى الله ، والهاء في قوله: (أنزلناه) يعود إلى القرآن، وذكر الله تعالى نفسه بالعظمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ دون أن يقول: إني أنزلته؛ لأنه العظيم الذي لا شيء أعظم منه، والله تعالى يذكر نفسه أحياناً بصيغة العظمة، مثل هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] . وأحياناً يذكر نفسه بصيغة الواحد مثل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] وذلك لأنه واحد عظيم، وباعتبار الصفة يأتي ضمير العظمة، وباعتبار الوحدانية يأتي ضمير الواحد، والضمير في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أعني ضمير المفعول به، وهي الهاء يعود إلى القرآن، وإن لم يسبق له ذكر لأن هذا أمر معلوم، ولا يمكن لأحد أن يشك في أن المراد بذلك إنزال القرآن الكريم. أنزله الله تعالى في ليلة القدر، فما معنى: إنزاله في ليلة القدر؟ الصحيح أن معناها: ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، وليلة القدر في رمضان لا شك في هذا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] فإذا جمعت هذه الآية أعني: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى هذه الآية التي نحن بصدد الكلام عليها، تبين لك أن ليلة القدر في رمضان، وبهذا نعرف أن ما اشتهر عند العامة من أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شهر شعبان لا أصل له ولا حقيقة له، فإن ليلة القدر في رمضان، وليلة النصف من شعبان كليلة النصف من رجب وجمادى وربيع وصفر ومحرم وغيرهن من الشهور، لا تختص بشيء. حتى ما ورد في فضل القيام فيها فهي أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، وكذلك ما ورد من تخصيص يومها وهو يوم النصف من شعبان بالصيام فإنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، لكن بعض العلماء ﵏ يتساهلون في ذكر الأحاديث الضعيفة فيما يتعلق بالفضائل، فضائل الأعمال أو الشهور أو الأماكن، وهذا أمر لا ينبغي، وذلك لأنك إذا سقت الأحاديث الضعيفة في فضل شيء ما، فإن السامع سوف يعتقد أن ذلك صحيحاً وينسبه إلى الرسول عليه الصلاة السلام، وهذا شيء كبير، فالمهم أن يوم النصف من شعبان وليلة النصف من شعبان لا يختصان بشيء دون سائر الشهور، فليلة النصف لا تختص بفضل قيام، وليلة النصف ليست ليلة القدر ويوم النصف لا يختص بصيام. نعم شهر شعبان ثبت في السنة بأن النبي ﷺ كان يكثر الصيام فيه حتى لا يفطر منه إلا قليلاً، وما سوى ذلك مما يتعلق بصيامه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلا ما لسائر الشهور، كفضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر وأن تكون في الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وهي أيام البيض. وقوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ما معنى: (القدر) هل هو الشرف كما يقال: فلان ذو قدر عظيم أو ذو قدر كبير أي: ذو شرف كبير، أو المراد بالقدر التقدير؛ لأنه يقدر فيها ما يكون في السنة لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٣-٤] أي يفصل ويبين؟ من العلماء من قال هذا، ومن العلماء من قال بهذا، والصحيح: أنه شامل للمعنيين، فليلة القدر لا شك أنها ذات قدر عظيم وشرف كبير، وأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من الإحياء والإماتة والأرزاق وغير ذلك.

стр. 2491

تفسير قوله تعالى: (وما أدراك ما ليلة القدر) ثم قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر:٢] وهذه جملة بهذه الصيغة يستفاد منها التعظيم والتفخيم وهي مطردة في القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار:١٧-١٨] ، وقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١-٢] ، وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١-٣] فهذه الصيغة تعني التفخيم والتعظيم، فهنا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: ما أعلمك ليلة القدر وشأنها وشرفها وعظمها، ثم بين هذا بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] وهذه الجملة كالجواب، للاستفهام الذي سبقها، وهو قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ .

стр. 2492

تفسير قوله تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر) قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] أي: من ألف شهر ليس فيه ليلة القدر، والمراد بالخيرية هنا: ثواب العمل فيها، وما ينزل الله تعالى فيه من الخير والبركة على هذه الأمة، ثم ذكر ما يحدث في تلك الليلة.

стр. 2493

تفسير قوله تعالى: (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) وقال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:٤] (تنزَّل) أي: تَنْزِلُ شيئاً فشيئاً؛ لأن الملائكة سكان السماوات -والسماوات سبع- تنزل الملائكة إلى الأرض شيئاً فشيئاً حتى تنزل الأرض، ونزول الملائكة في الأرض، عنوانٌ على الرحمة والخير والبركة، ولهذا إذا امتنعت الملائكة من دخول شيء كان ذلك دليلاً على أن هذا المكان التي امتنعت الملائكة من دخوله قد يخلوا من الخير والبركة، كالمكان الذي فيه الصور (فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة) يعني: صورة محرمة؛ لأن الصورة إذا كانت ممتهنة في فراش أو وسادة فأكثر العلماء على أنها جائزة، وعلى هذا فلا تمتنع الملائكة من دخول المكان؛ لأنه لو امتنعت لكان ذلك ممنوعاً، فالملائكة تتنزل في ليلة القدر بكثرة ونزولهم خيرٌ وبركة. وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره، والمراد به الإذن الكوني، لأن إذن الله أي أمره ينقسم إلى قسمين: إذنٌ كوني، وإذنٌ شرعي، فقوله تعالى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] أي: ما لم يأذن به شرعاً؛ لأنه قد أذن به قدراً فقد شرع من دون الله لكنه ليس بإذن الله الشرعي، وإذن قدري كما في هذه الآية: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره القدري، وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قيل: إن (من) بمعنى الباء أي: بكل أمر مما يأمرهم الله به وهو مبهم لا نعلم ما هو لكننا نقول: إن تنزل الملائكة إلى الأرض عنوان على الخير والرحمة والبركة.

стр. 2494

تفسير قوله تعالى: (سلام هي حتى مطلع الفجر) قال تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر:٥] الجملة هنا مكونة من مبتدأ وخبر والخبر فيها مقدم والتقدير: هي سلام أي: هذه الليلة سلام، ووصفها الله تعالى بالسلام لكثرة من يسلم فيها من الآثام وعقوباتها، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر ما تقدم من ذنبه) ومغفرة الذنوب لا شك أنها سلامة من وبائها وعقوباتها. (حتى مطلع الفجر) أي: تتنزل الملائكة في هذه الليلة (حتى مطلع الفجر) أي: إلى مطلع الفجر، وإذا طلع الفجر انتهت ليلة القدر.

стр. 2495

تحري ليلة القدر سبق أن قلنا: أن ليلة القدر في رمضان لا شك، لكن في أي جزءٍ من رمضان أفي أوله أو وسطه أو آخره؟ نقول للجواب على هذا: إن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول ثم العشر الأوسط تحرياً لليلة القدر، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر، فاعتكف العشر الأواخر. إذاً: فليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وفي أي ليلة منها؟ الله أعلم؛ قد تكون في ليلة إحدى وعشرين، أو في ليلة ثلاثين، أو فيما بينهما، لم يأتِ تحديدٌ لها في ليلة معينة كل عام، ولهذا أوري النبي ﷺ ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين، ورأى في المنام أنه يسجد في صبيحتها في الماء والطين، فأمطرت السماء تلك الليلة أي: ليلة إحدى وعشرين فصلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مسجده، وكان مسجده من عريش، لا يمنع تسرب الماء من السقف فسجد النبي ﷺ صباحها أي: في صلاة الفجر في الماء والطين، ورأى الصحابة ﵃ على جبهته أثر الماء والطين، ففي تلك الليلة كانت في إحدى وعشرين، ومع ذلك قال: (التمسوها في العشر الأواخر) ، وفي رواية: (في الوتر من العشر الأواخر) . ورآها الصحابة ذات سنة من السنين في السبع الأواخر، فقال ﷺ : (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) يعني: في تلك السنة، أما في بقية الأعوام فهي في كل العشر، فليست معينة لكن أرجى ما تكون ليلة سبعٍ وعشرين، وقد تكون مثلاً في هذا العام ليلة سبعٍ وعشرين، وفي العام الثاني ليلة إحدى وعشرين، وفي العام الثالث ليلة خمس وعشرين وهكذا

стр. 2496

سبب إبهام الله لهذه الليلة وإنما أبهمها الله لفائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: بيان الصادق في طلبها من المتكاسل؛ لأن الصادق في طلبها لا يهمه أن يتعب عشر ليالٍ من أجل أن يدركها، والمتكاسل قد يكسل ويقول: ما دام لا أدري أي ليلة هي يكسل أن يقوم عشر ليالي من أجل ليلة واحدة. الفائدة الثانية: كثرة ثواب المسلمين بكثرة الأعمال، لأنه كلما كثر العمل كثر الثواب. وبهذه المناسبة: أود أن أنبه إلى غلط كثير من الناس في الوقت الحاضر حيث يتحرون ليلة سبع وعشرين في أداء العمرة، فإن في ليلة سبع وعشرين تجد المسجد الحرام قد غص بالناس وكثروا، وتخصيص ليلة سبع وعشرين بالعمرة من البدع، لأن رسول الله ﷺ لم يخصصها بعمرة في فعله، ولم يخصصها أي: ليلة سبع وعشرين بعمرة في قوله، فلم يعتمر ليلة سبع وعشرين من رمضان مع أنه كان في عام الفتح ليلة سبع وعشرين من رمضان كان في مكة ولم يعتمر، ولم يقل للأمة: تحروا ليلة سبع وعشرين في العمرة أو بالعمرة، وإنما أمر أن نتحرى ليلة سبعٍ وعشرين بالقيام فيها لا بالعمرة، وبه يتبين خطأ كثير من الناس. وبه أيضاً: أن الناس ربما يأخذون دينهم كابراً عن كابر على غير أساس من الشرع، فاحذر أن تعبد الله إلا على بصيرة، بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو عمل الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم. وبهذا انتهى الكلام على سورة القدر، نسأل الله ﵎ أن يبلغنا وإياكم إياها في هذا العام وفيما بعده على خير وسلام، وأن يتقبل منا ومنكم إنه على كل شيء قدير.

стр. 2497

الأسئلة

стр. 2498

الاستخارة تكون في الأمر الذي لا يدري ما عاقبته فضيلة الشيخ! هل ركعتا الاستخارة مشروعة فقط في الأمر الذي لم تتبين فيه المصلحة، أم أنها تفعل في كل أمر يقدم عليه ولو كان ظاهره الخير كإمامة مسجد أو خطبة امرأة صالحة وما شابه ذلك. أرجو التوضيح؟ صلاة الاستخارة أن الإنسان إذا هم بأمر وتردد في عاقبته، فإنه يستخير الله أي: يسأل الله خير الأمرين: الإقدام أو الترك، فيصلي ركعتين من غير الفريضة فإذا سلم قال: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسميه- خير لي في ديني ودنياي، أو قال: عاقبة أمري وعاجله فاقدره لي ويسره لي، وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري وعاجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به) فإذا فعل ذلك واستقر رأيه بعد هذا على الإقدام أو الترك فإن الله إذا كان قد قبل منه يجعل الخير فيما حصل. ولكنه لا يستخير في كل شيء، يعني: ليس للإنسان إذا أراد أن يتغدى أن يقول: أستخير الله إذا أراد أن يذهب يصلي مع الجماعة أن يقول: أستخير الله، إنما يستخير الله في أمر لا يدري ما عاقبته، ومن ذلك: إمامة المسجد، لو عرض عليه إمامة المسجد ولم يترجح عنده الإقدام أو الترك فليستخر الله، فالإمامة من حيث هي خير في ذاتها، لكن العاقبة؛ لأن الإنسان لا يدري في المستقبل هل يقوم بواجب الإمامة أو لا يقوم؟ وهل يستقر في هذا المسجد أو لا يستقر؟ وهل يكون ملائماً للجماعة أو غير ملائم؟ هو لا يستخير على أن الإمامة من حيث هي خير أو ليس خير الإمامة من حيث هي خير لكن العاقبة، كم من إنسان كان إماماً في مسجد ثم لحقه من التعب وعدم القيام بالواجب، والمشاكل مع الجماعة ما يتمنى أنه لم يكن إماماً، كذلك المرأة الصالحة المرأة الصالحة لا شك أنها خير (واظفر بذات الدين تربت يمينك) كما قال ﵊، لكن لا أدري ما العاقبة؟ قد تكون هي امرأة صالحة ولكن لا تتلاءم مع أمه؛ لأن بعض الأمهات نسأل الله العافية يكون عندها غيرة، إذا رأت صلاح الحال بين ابنها وزوجته غارت وحاولت أن تفسد بينهما، وكذلك أهلها ربما إذا رأوا البنت قد حضي عندها زوجها وأنها تحبه وتقدمه على ما تريد أمها أو ما يريد أبوها، فإنهم ربما يحاولون الإفساد بينها وبينه، فالإنسان قد يستخير الله لا من أجل أنه يقدم على امرأة صالحة لكن يستخير الله لأنه لا يعلم ما العاقبة في تزوج هذه المرأة. والمهم أن كل شيء تتردد فيه فعليك بالله، الجأ إليه، اسأله خير الأمرين.

стр. 2499

صرف الزكاة لمن عنده مال قليل لا يسد حاجته فضيلة الشيخ! بالنسبة للزكاة، رجل راتبه قليل ويصرف على ثلاث عوائل هل يستحق زكاة؟ الزكاة للفقير المحتاج إليها، فمثلاً: هذا الذي ينفق على ثلاث عوائل كما قلت في السؤال قد يكون عنده راتب كثير ثمانمائة ريال، في الوقت الحاضر ثمانمائة ريال لا يساوي شيئاً بالنسبة للثلاث العوائل، حتى لو فرض أن البيت الذي يسكنه ملكاً له، فإن ثمان مائة ريال في وقتنا الحاضر لا تكفي المئونة للأكل والشرب واللباس وغير ذلك من الحوائج، فليأخذ من الزكاة ما يسد حاجته فقط ولا يزيد، فإذا قدر أنه يستغني بعشرة آلاف مثلاً على مدار السنة فلا يأخذ أكثر، وما دام محتاجاً فليأخذ ولا حرج على هذا.

стр. 2500

أمور مهمة في الدعوة إلى الله فضيلة الشيخ! إذا أتينا للخروج في سبيل الله للدعوة نعطي هدايات، مثلاً: يجب علينا إذا خرجنا في سبيل الله أن نجتنب أربع مسائل: الأولى: عدم التدخل بالمسائل الفقهية، وعدم التدخل بالأمور السياسية، وعدم التدخل بالأمراض الاجتماعية كإنكار المنكر أو ما شابه ذلك. إذا قلنا له: أين دليل ذلك؟ قال: كيف أجاب الإمام محمد عبد الوهاب: اعلم رحمك الله تعالى أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم أربع مسائل فما الأمر في هذا؟ أولاً: قولك إذا خرجنا في سبيل الله، الخروج في سبيل الله يعني: الخروج لقتال الكفار، هذا هو المراد بسبيل الله، وأما فعل الخيرات عموماً فهو وإن دخل في كونه طريقاً إلى الله ، لكنه ليس هو الجهاد في سبيل الله الذي وردت النصوص بفضله غاية ما في ذلك أن يقال: الخروج للدعوة إلى الله هذا الصواب. والخروج للدعوة إلى الله لا بد فيها من أمرين أساسيين: الأمر الأول: أن يكون عند الإنسان علم بالشريعة التي يدعو إليها، ولا أقول أن يكون عالماً بكل الشريعة؛ لأن هذا شيءٌ لا يطاق، وحتى أكبر عالم لا يستطيع أن يدرك جميع الأحكام الشرعية، لكن أن يكون عالماً بالشرع فيما يدعو إليه، يعني: لا يتكلم إلا بعلم، فلابد من أن يكون على بصيرة. الشيء الثاني: لابد أن يكون عاملاً بما يدعو إليه حتى يكون قدوة. أما عدم التدخل في المسائل الفقهية، فلعل الذين اشترطوا ذلك علموا أنفسهم أن بضاعتهم في الفقه قليلة، وأن التدخل فيها بدون علم ليس إلا مجرد مراء لا فائدة منه، فيخشون أن يقع النزاع لهذا السبب فيقولون: لا تبحثوا في الأمور الفقهية. نعم لو كان بينهم عالم فقيه مرجع لهم، فإنه لابد من أن يتفقهوا في دين الله بقدر المستطاع، لكن نظراً لأنهم لا يسهل عليهم أن يكون معهم هذا النوع من العلماء قالوا: لا تبحثوا في المسائل الفقهية لأن البحث بدون علم مجرد مراء لا يستفيد منه الناس، إلا شحن القلوب بعضها على بعض. وأما قولهم: لا تتكلموا في الأمور السياسية، فنحن نوافقه على هذا؛ لأن البحث في الأمور السياسية لا يمكن أن يكون بين أيدي العوام الكل يقول ما يريد، الأمور السياسية لها أناس معينون يتولون الأمور، ولهذا لا تجد مثلاً سياسة عمر بن الخطاب مبثوثة في سوق الباعة والمشترين، كل يلوكها وكل يتكلم. أبداً، وإذا أراد أن يعمل شيئاً استشار من هم أهل للشورى حين يشكل عليه الأمر، وليست المسائل السياسية ألعوبة تطرح بين أيدي العوام كل يلوك فيها بما شاء، لأن هناك أموراً سرية لا يمكن أن يطلع عليها العوام، يتصرف الحكام فيها حسب ما يرون من المصلحة، والواجب على الحاكم أن يقدم ما فيه مصلحة المسلمين الذين ولاهم الله عليه، ولهذا قال الله تعالى مشيراً إلى هذه المسألة: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء:٨٣] يعني نشروه ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم﴾ [النساء:٨٣] فجعل الله تعالى للرأي أناساً يعرفون ويستنبطون الأشياء وينظرون في العواقب. فأنا أوافق على أنه لا ينبغي لنا أن نجعل مجالسنا في الأمور السياسية؛ لأنه لا فائدة من هذا إطلاقاً، إلا أنه ربما يأت الإنسان بصورة صديق ويتكلم فيما يوغر الصدور على ولاة الأمور، حتى تحصل الفرجة بين الشعب وولاته ويحصل بذلك شرٌ كثير، وهو قد يتظاهر بمثل الصديق وليس بصديق ولكن في قلبه شيء على الولاة فيريد أن ينفذه ويفرج عن صدره، وقد يكون صديقاً يريد الخير ويريد الإصلاح لكن لم يعرف كيف الطريق إلى ذلك؛ لأن طريق الإصلاح ليس بإشاعة العيوب ونشرها بين الناس، سواءً كانت عيوب علماء أو عيوب أمراء، إنما لمحاولة الإصلاح وسلوك ما تحصل به الفائدة. فأرى أن اشتراط عدم التدخل في السياسة أرى أنه جيد، وأنه مما يوجب أن ينصرف الناس إلى عبادة الله وحده، وإلى تحقيق التوحيد، وإلى الكف عما لا يعنيهم لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) . الثالث والرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني: مشاكل المجتمع، وهذا خطأ، كونهم لا يبحثون فيها خطأ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١-٣] فذكر أربعة أوصاف: الإيمان والعمل الصالح وهذا خاص في الإنسان نفسه ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ وهذا لغيره، فلا بد من أن نبحث عن المشاكل الاجتماعية، من أجل أن نقوم بحل هذه المشاكل، وإصلاح ما فسد، ولمِّ ما تفرق وما أشبه ذلك، لكن بطريقٍ موافق لما جاءت به الشريعة، لا بطريق العنف وكون الإنسان يحمل عداوة وبغضاء للمنصوح؛ لأن هذه مسألة أيضاً يجب التنبه لها، أنت إذا رأيت رجلاً يعمل عملاً سيئاً وهو مؤمن لكنه عاصٍ لا شك أنك تكره معصيته، ويجب أن تكره معصيته لكن أن تكرهه هو؟ هذا يحتاج إلى تفصيل، ولا يجوز أن تكرهه حتى تعرف ما عنده، قد يكون هذا العاصي الذي عمل المعصية جاهلاً بها لا يعلم أنها معصية. وأنا أضرب لكم مثلاً: رجل شاب تزوج وكان يجامع أهله في رمضان وهو صائم، ويقول: أنا كنت أظن الذي يحرم هو الجماع بالإنزال، ويقسم أنه ما علم أن الجماع بدون إنزال حرام، ولا شك أن الجماع في نهار رمضان أنه من أعظم الذنوب؛ لأنه هتك لحرمة ركن من أركان الإسلام وهو الصيام، لكن هذا الآن جاهل، نحن نكره فعله هذا؛ لأنه معصية لكن لا نكرهه حتى نعلم، فإذا قال أنه جاهل فإن سعة الإسلام ويسر الإسلام لا يوجب أن نَكرهه حتى نقيم عليه الحجة. كثير من الإخوة إذا رأى إنساناً على معصية فإنه -أي الرائي- يكره المعصية وهذا حق لكن يكره العاصي ثم يعامله معاملة المعنف الكاره له الذي يريد أن ينتقم منه، وهذا غلط كبير. والواجب أن تعالج العاصي معالجة الطبيب الرفيق الذي يداوي الجرح ليبرأ لا يداويه ليزداد، فتعامل هذا الرجل بلطف وإرادة خيرٍ له ورحمة به. ولهذا أقول لكم كلاماً قاله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وشيخ الإسلام ابن تيمية معروف ﵀ بالشدة على أهل البدع ومحاربتهم، قال: (إنك إذا نظرت إلى أهل الكلام -وأهل الكلام: هم الذين يرجعون في إثبات العقائد إلى عقولهم لا إلى الكتاب والسنة- قال: إذا نظرت إليهم بعين القدر رحمتهم ورققت لهم؛ لأنهم ابتلوا بهذا فضلوا، ترحمهم وترق لهم، وإذا نظرت إليهم بعين الشرع، وأنه لا يجوز إقرارهم، رأيت أنهم مستحقون لما قال الشافعي ﵀ وما الذي قال الشافعي؟ قال الشافعي في الحكم في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد والنعال، وأن يطاف بهم في العشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام. هكذا العلماء المربون ينظرون إلى الخلق نظرة إصلاح لا نظرة انتقام وكراهية، أنا أكره المعصية التي يقوم بها هذا الرجل، لكن هذا الرجل مؤمن أخي ولو زنا وسرق هو أخي ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] . هل هناك أعظم من قتل النفس بغير حق؟ لا، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩-١٠] انظر الترقيق: (أصلحوا بين أخويكم) كل منهم يقاتل أخاه (وسباب المسلم فسوق وقتاله كفر) لكن مع ذلك هذا ترقيق في الكلام (أصلحوا بين أخويكم) أخوة وإن كانوا يقتتلون بعضهم يقتل بعضاً. فهذه مسألة يجب على الدعاة والآمرين بالمعروف والناهيين عن المنكر أن ينتبهوا لها، وأنا واثق بأن الإنسان إذا اتقى الله ، وسلك ما أرشده الله إليه ورسوله فالنجاح محقق، وكم من إنسان رأيته على معصية ثم خاطبته باللين والتعقل فيرجع عن المعصية، فإذا خاطبته بالعنف والغيرة والحمية التي في قلبك وانتهرته وزجرته فسوف ينفر من ذلك. لذلك أحث إخواني الدعاة إلى الله والآمرين بالمعروف والناهيين عن المنكر: أن يلاحظوا هذه النقطة؛ وهي أنهم إذا دعوا فإنهم يريدون إصلاح المدعو، إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر يريدون كذلك إصلاح الفاعل للمنكر والتارك للمعروف دون التعنيف عليه، وإذا سلكوا هذا يسر الله أمرهم. السائل: يا شيخ! الاهتمام بالعقيدة في الدعوة كما في حديث معاذ عندما النبي ﷺ بعثه إلى اليمن وقال: (إنك ستأتي قوماً أهل كتاب) فأول ما بدأ، بدأ بالتوحيد، وكثير من الدعاة يذهب ويخرج ويدعو الناس يعني يدعوهم للصلاة وفضائل الأعمال، ولا يهتم بالعقيدة، فلو تنبهونهم جزاكم الله خيرا؟ الشيخ: الدعاة الآن الذين في المملكة العربية السعودية لا يركزون كثيراً على جانب التوحيد؛ لأن الناس -ولله الحمد- على عقيدة حسنة، ليس هناك اختلاف، وربما لو فتحوا شيئاً من الاختلافات في العقيدة وعلم الكلام ربما يفتحون أبواباً مغلقة لذلك يهتمون بالأمور العملية دون الأمور العقدية؛ لأنك لو تأتي عجوزاً من عجائز الناس في المملكة العربية السعودية وتسألها أسئلة في ذات الله أو صفات الله، لوجدت عندها من التوحيد ما هو محقق، فهذا هو السبب من أنهم يدعون إلى الفروع التي فيها التقصير. وأما بعث النبي ﷺ معاذاً

стр. 2501

حكم التصدق بالمال دون إذن صاحبه فضيلة الشيخ في الأثر: (أن رجلاً كان عنده مال، وكانت له زوجة تنفق دون أن يعلم، فلما كان يوم القيامة جاءت هذه الصدقة وضللت عليه) فما أدري هل هذا النص له صحة، وإذا كان كذلك فما هو نص الحديث؟ والله! لا أعلم أن هذا حديث؛ لكن يقال: أن هناك رجلاً -وهذا حديث مجالس ليس حديثاً نبوياً- كان شحيحاً وكان ينهى امرأته أن تتصدق بشيء، وأنه رأى في المنام أن القيامة قد قامت، وأن الناس في هم وغم وكرب، وأن عليه ظلاً. يظلله وفيه ثلاثة خروق يقول: فجاءت ثلاث تمرات فسدت الخروق، فتم الظل، فجاء إلى أهله وقص عليهم القصة، قال: ما هذا؟ أنا أستغرب! فأخبروه أنهم كانوا يتصدقون وهو لا يعلم، وأنهم آخر ما تصدقوا بثلاث تمرات، وهي التي سدت الخروق. فلا أدري. على كل حال: (كل امرئٍ في ظل صدقته يوم القيامة) هذا حديث صحيح، ولكن حسب القواعد الشرعية التي نحن نعلم -والعلم عند الله أن من تصدق عنه بلا إذنه فلا أجر له، لا سيما إذا كان ينهى، كيف يؤجر على شيء ما نواه ولا أذن فيه؟!! لا يمكن. لكني أقول: ربما يكون هذا سؤال يجرنا لشيء آخر: وهو لا يجوز لأهل البيت أن يتصدقوا إذا كان أبوهم يمنعهم من الصدقة، لا يجب أن يتصدقوا، حتى وإن كان في ذلك مصلحة للأب في المستقبل، لكن ما دام أنه نهاهم فالمال ماله، وإذا علموا أن الرجل لا يرضى بقوله أو بحاله فلا يتصدقوا حتى يأتي ويأذن.

стр. 2502

شقيق زوج المرأة لا يكون محرماً لها هل يكون الرجل محرماً لزوجة أخيه؟ وهل زوجة الأخ كزوجة الابن أو زوجة الأب؟ لا، ليست زوجة الأخ كزوجة الابن أو زوجة الأب، فزوجة الأخ ليس أخو زوجها محرماً لها، فيجب عليها أن تستتر كما تستتر من الأجنبي، بل لو قيل: إنه يجب أن تستر عن أخي زوجها أكثر مما تستتر عن رجل الشارع! لو قيل بذلك لكان له وجه؛ لأنها إذا كشفت وجهها لأخي زوجها، وهو معه في البيت صارت الفتنة أعظم، فأي ساعة يدخل البيت وقد أغراه الشيطان يمكن يحاول خداعها، لكن في الشارع لو أن الرجل نظر إليها وأعجبته لا يستطيع الوصول إليها كأخي زوجها، فالمهم أن الرسول ﵊ أشار إلى هذه النقطة، حيث قال: (إياكم والدخول على النساء، قالوا: يا رسول الله أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) يعني: فاحذروه. إذاً: أخو زوج المرأة ليس محرماً لها، أما أبو زوج المرأة فهو محرم، وكذا ابن زوج المرأة محرم.

стр. 2503

الإيمان بالقدر خيره وشره فضيلة الشيخ! بمناسبة الكلام على سورة القدر نرجو أن تعطونا لمحة موجزة عن الركن السادس من أركان الإيمان وهو الإيمان بالقدر خيره وشره، وتوضيح كلمة شره على ما قد يوهم منها الكلام؟ الكلام في القدر ليس بهين، بل من أعظم المشاكل، لكن على كل حال نجيب عن النقطة الأخيرة وهي الشر من قوله: (الإيمان بالقدر خيره وشره) . القدر كله من الله قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] فهل في قدر الله شر؟ الجواب: أن نقول: القدر إن كان المراد تقدير الله للشيء فليس بشر؛ لأن الله لا يقدر شيئاً إلا وهو خير، حتى المرض والموت والخوف والقتال والزلازل، هي بالنسبة لتقدير الله لها خير لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ النتيجة؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] لكن بالنسبة للمقدور: هو الذي فيه خير وشر، المقدور: المفعول المخلوق هذا هو الذي فيه الخير والشر، كقوله في القدر (خيره وشره) المراد به: شر المقدور، لا شر القدر أما القدر الذي هو تقدير الله فكله خير. المقدور كما تشاهدون الذئب من مقدورات الله شر أو خير؟ شر، الشاة من مقدورات الله خير أو شر؟ خير، فالشر والخير في المقدورات أما في التقدير فلا، ولهذا قال النبي ﵊: (الخير بيديك والشر ليس إليك) . نسأل الله تعالى أن يقدر لنا ولكم ولجميع المسلمين، ما فيه الخير والصلاح. ونسأل الله تعالى في هذا المقام، في حلول هذا الوقت المبارك من فريضة من فرائض الله أن ينصر إخواننا في الشيشان والبوسنة والهرسك، وأن يدمر دولة الروس ويمزقها كل ممزق ويفرقها كل مفرق، ونسأل الله تعالى أن يجعلها عبرة للعالمين في الذل والتفرق والشتات، ونسأل الله الذي شتت الاتحاد السوفيتي أن يشتت دول الروس حتى تتمزق قطعاً! عاجلاً غير آجل! والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 2504

لقاء الباب المفتوح [٨٦] في هذا اللقاء المبارك كان للشيخ وقفة مع الطاعات والأعمال الصالحة التي لا تنقضي بانقضاء شهر رمضان، بل تستمر وتزداد وتتنوع أيضاً من صيام وصلاة ليل وصدقة إلى غيرها من الأعمال الأخرى والعبادات، وفي نفس اللقاء اعتياداً لما كان عليه الشيخ في بداية لقائه كان هناك تفسير للآيات الأولى من سورة البينة.

стр. 2505

توالي الطاعات بعد رمضان الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فهذا هو اللقاء السادس والثمانون من اللقاءات التي يعبر عنها باللقاء المفتوح، يتم هذا في يوم الخميس الخامس عشر من شهر شوال من هذا العام، أسأل الله أن يجعل هذا اللقاء وما سبقه وما يلحقه إن شاء الله لقاء مباركاً نافعاً، وأبشركم ولله الحمد أن الله نفع به إذ يسر من يفرغ الأشرطة ويطبعها وينشرها في عباد الله، فنسأل الله أن يجزي الجميع خيراً، ويرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح. بعد شهر رمضان وبعد أن أدى المسلمون ما أدوا فيه من عبادة الله قد يلحق بعض الناس الفتور عن الأعمال الصالحة؛ لأن الشيطان يتربص بعباد الله الدوائر ويقعد لهم بكل صراط، وقد أقسم أن يأتي بني آدم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم وقال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] ولكن العاقل إذا تبصر واعتبر علم أنه لا انقطاع للعمل الصالح إلا بالموت، لقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ، ولقول النبي ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله) فلا ينقطع العمل إلا بالموت، ولهذا ينبغي لنا أن نغتنم فرص العمر ما دام الله تعالى قد أعطانا صحة وفراغاً، وقال النبي ﷺ : (خذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك) .

стр. 2506

الصوم بعد رمضان إذا انقضى شهر الصيام فلا يعني ذلك أن التعبد لله تعالى بالصيام قد انقضى، بل الصيام لا يزال مشروعاً في كل وقت، حتى أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) وهذا يلزم أن يكون الإنسان صائماً نصف الدهر بل أكثر لأنه سيمر به رمضان يصومه شهراً كاملاً، إذاً فالصيام والحمد لله لا يزال عبادة مشروعة، وهناك أيام معينة يسن صيامها منها: يوم الإثنين ويوم الخميس، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن صيام يوم الإثنين؟ فقال: (ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، أو أنزل علي فيه) وكان يصوم يوم الإثنين والخميس فقيل له في ذلك، فقال: (هما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى؛ فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) . ومما يسن صومه أيضاً: أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر من أوله، أو وسطه، أو آخره، فقد كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ولا يبالي أصامها من أول الشهر أو وسطه أو آخره، لكن الأفضل أن تكون في أيام البيض الثلاثة: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. وكذلك يسن صيام تسع ذي الحجة لأنه: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) ، وصيام الأيام الصالحة، ويتأكد ذلك في يوم عرفة لغير الحجاج، لأن النبي ﷺ قال فيه: (أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والباقية) . ومما يسن صومه أيضاً: يوم عاشوراء، ويصوم قبله يوماً أو بعده يوماً؛ لأن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء ورغب فيه وقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها) ولما قدم إلى المدينة ووجد اليهود يصومونه فسألهم عن ذلك فقالوا: إنه يومٌ نجىّ الله فيه موسى وقومه، وأهلك فرعون وقومه، فنحن نصومه شكراً لله، فقال الرسول ﵊: (نحن أولى بموسى منكم) فصامه وأمر الناس بصيامه. والمهم أن التعبد لله تعالى بالصوم لا يزال مشروعاً والحمد لله، فلنحرص على الصيام حتى ننال أجره، فإنه جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى قال: (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به) .

стр. 2507

القيام بعد رمضان أما القيام فما زال أيضاً مشروعاً، فإنه يسن القيام كل ليلة، والأفضل أن يكون بعد منتصف الليل إلى الثلث، ثم ينام السدس لأن هذا هو قيام داود، وهو أفضل القيام: أن تنام نصف الليل الأول، ثم تقوم الثلث، ثم تنام السدس إلى أن يطلع الفجر. وذلك لأن هذا قيامٌ يشمل الراحة، راحة البدن في أول الليل، وراحة البدن في آخر الليل، مع إدراك النزول الإلهي الذي يكون في الثلث الآخر من الليل، فإن ربنا جل وعلا ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) ولهذا يجد الإنسان لذة عظيمة في الصلاة في هذا الوقت، ومناجاة الله تعالى، حتى إنه يبقى طعمها في قلبه لا يزول أبداً، إلا أن يشاء الله. فالقيام إذاً مشروع في كل وقت، لا تقل: انقضى رمضان فلا قيام، بل إن القيام في كل وقت وفي كل ليلة إلا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام، أو يومها بصيام، فقال: (لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام ولا يومها بصيام) ولهذا يكره أن يصوم الإنسان يوم الجمعة مفرداً له إلا لسبب، مثل أن يوافق يوم الجمعة يوم عرفة، أو يوم عاشوراء، أو يكون عليه قضاء من رمضان لا يتمكن من قضائه إلا في يوم الجمعة، فيصومه من أجل القضاء لا من أجل أنه يوم الجمعة؛ فهذا لا بأس به.

стр. 2508

الصدقة بعد رمضان الصدقة مشروعة في كل وقت، وكل وقت تتقرب فيه إلى الله تعالى بالصدقة فإنك مأجور، غير مبتدع، ولا نشرع في دين الله ما ليس منه، بل إن إنفاقك اليومي على أهلك وعلى نفسك صدقة، كما ثبت ذلك عن رسول ﷺ ، إذاً فالمسلمون ولله الحمد يفعلون جميع ما يفعلون في شهر رمضان فلا ينبغي لهم أن يستحسنوا وأن يقولوا انتهى وقت العمل؛ فإن هذا من وساوس الشيطان وتثبيطه عن الخير. نسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.

стр. 2509

تفسير آيات من سورة البينة بعد هذه الكلمة القصيرة التي أرجو من الله تعالى أن أكون أول من ينتفع بها وأن ينفعني وإياكم بما علمنا، بعدها نتكلم يسيراً على سورة البينة لأننا انتهينا إليها فيقول الله : بسم الله الرحمن الرحيم، والكلام على البسملة قد تقدم كثيراً لنا في هذا المجلس وغيره، وبينا أن البسملة آية من كتاب الله، تكلم الله بها كما تكلم بالقرآن جل وعلا، ولكنها آية مستقلة، لا تعد من آية السورة التي بعدها، ولا من آية السور التي قبلها، بل هي مستقلة تبتدئ بها السور من الفاتحة إلى (قل أعوذ برب الناس) ما عدا سورة براءة، فإنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه افتتح سورة براءة بالبسملة، ولهذا أغفلها الصحابة ﵃، لكن احتياطاً وخوفاً من أن تكون سورة مستقلة جعلوا بينها وبين سورة الأنفال فاصلة.

стр. 2510

تفسير قوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) يقول الله : ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١] أي: ما كان الكفار من أهل الكتاب والمشركين (منفكين) أي: تاركين لما هم عليه من الكفر (حتى تأتيهم البينة) والذين كفروا من أهل الكتاب هم اليهود والنصارى سموا بذلك لأن صحفاً بقيت عندهم إلى أن بعث النبي ﷺ مع ما فيها من التبديل والتحريف والتغيير، وإذا سمعتم في القرآن أهل الكتاب فالمراد بهم اليهود والنصارى، اليهود لهم التوراة، والنصارى لهم الإنجيل، أما المشركون فهم عبدة الأوثان من كل جنس، من بني إسرائيل ومن غيرهم، يقول: (لم يكن) هؤلاء (منفكين) أي: تاركين لما هم عليه من الشرك والكفر ومنفكين عنه (حتى تأتيهم البينة) . فما هي البينة؟

стр. 2511

تفسير قوله تعالى: (رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة) قال تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ [البينة:٢] (البينة) : كل شيء يبين به الحق فإنه يسمى بينة، ولهذا قال النبي ﵊: (البينة على المدعي واليمين على المنكر) فكل ما بان به الحق فهو بينة، ويكون في كل شيء بحسبه، فما هي البينة التي ذكرها الله هنا؟ البينة قال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:٢-٣] وهذا الرسول هو النبي محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي صلوات الله وسلامه عليه، وجاء بصيغة نكرة (رسول) تعظيماً له؛ لأنه ﵊ جديرٌ بأن يعظم التعظيم اللائق به دون نقص ولا غلو. ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [البينة:٢] أي: أن الله أرسله إلى العالمين بشيراً ونذيراً، قال الله ﵎: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ [النساء:٧٩] ، وقال الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١] فهو محمد ﵊، مرسل من عند الله بواسطة جبريل ﵊؛ لأن جبريل هو رسول رب العالمين إلى رسله موكل بالوحي ينزل به على من يشاء الله من عباده إذاً: من المراد بالرسول؟ محمد. من أرسله؟ الله؛ لقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ من هو الواسطة بين الرسول وبين الله؟ جبريل؛ لأن جبريل موكل بالوحي ينزل به على من يشاء من عباد الله. ﴿يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ يعني: يقرأ لنفسه وللناس (صحفاً) جمع صحيفة وهي الورقة، أو اللوح، أو ما أشبه ذلك مما يكتب به، (مطهرة) أي: منقاة من الشرك، ومن رذائل الأخلاق، ومن كل ما يسوء؛ لأنها نزيهة مقدسة.

стр. 2512

تفسير قوله تعالى: (فيها كتب قيمة) قال تعالى: ﴿فِيهَا﴾ [البينة:٣] أي: في هذه الصحف ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:٣] (كتب) أي: مكتوبات قيمة، فكتب: جمع كتاب، بمعنى: مكتوب، والمعنى: أن في هذه الصحف مكتوبات قيمة كتبها الله ، ومن المعلوم أن الإنسان إذا تصفح القرآن وجده كذلك، أي: وجد أنه يتضمن كتباً أي مكتوبات قيمة. انظر إلى ما جاء به القرآن من توحيد الله ، والثناء عليه وحمده وتسبيحه تجده مملوءاً بذلك، انظر لما في القرآن من وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووصف أصحابه المهاجرين والأنصار، ووصف التابعين لهم بإحسان، انظر إلى ما جاء به القرآن من الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة، تجد أن كل ما جاء به القرآن فهو قيم أي: قيم بنفسه، وكذلك هو مقيم لغيره.

стр. 2513

تفسير قوله تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة) قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤] إذاً: أخبر الله بهذه الآية أنه لا يمكن أن ينفك هؤلاء الكفار من أهل الكتاب والمشركين حتى تأتيهم البينة، فلما جاءتهم بينة هل انفكوا عن دينهم؟ يعني: عن كفرهم وشركهم؟ استمع للجواب: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ يعني: لما جاءتهم البينة هل آمنوا؟ لا، ولكنهم اختلفوا، منهم من آمن ومنهم من كفر، فمن النصارى من آمن مثل النجاشي ملك الحبشة، ومن اليهود من آمن أيضاً مثل عبد الله بن سلام ﵁، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فمن علم الله منه أنه يريد الخير ويريد الدين لله آمن ووفق للإيمان، ومن لم يكن كذلك وفق للكفر، كذلك أيضاً من المشركين من آمن، وما أكثر المشركين من قريش الذين آمنوا، فصار الناس قبل بعثة الرسول ﵊ لم يزالوا على ما هم عليه من الكفر حتى جاءتهم البينة، ثم لما جاءتهم البينة ما الذي حصل؟ تفرقوا واختلفوا، هنا قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] . وسيأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذه السورة، لأنه جاء وقت الأسئلة الآن.

стр. 2514

الأسئلة

стр. 2515

حكم أداء كفارة القتل بسبب حادثٍ مروري لمن لم يستطع رجل تعرض لحادث مروري توفي فيه ثلاثة أشخاص: امرأة، وبنت، ورجل، وهذا الرجل المتسبب في الحادث حسب تقرير الجهات المختصة، يقول: إن حالته المادية متدنية، فصار عليه حادث آخر وهو الآن في المستشفى ولا يستطيع القيام بالصيام، وقد سمع أنه في بعض البلاد الإسلامية لا يزال الرق موجوداً ويقول: هل يستدين مبلغاً ويعتق به، وإذا كان المبلغ موجوداً فأين الذين يعتقهم، وكيف السبيل إلى ذلك، ماذا يفعل أثابكم الله؟ أولاً: لابد أن نعرف الحادث ويوصف لنا، لأنه أحياناً يظن بعض الناس أن لكل حادث حدث فهو على من كان سبباً فيه وليس كذلك، ونحن الآن نفتي بناءً على أن الحادث موجب للضمان فنقول: أولاً: عليه ثلاث ديات تكون على عاقلته لأولياء المقتولين، وإذا عفوا فلا حرج تسقط الدية. ثانياً: عليه ثلاث كفارات، والكفارة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وعلى هذا فيكون عليه ثلاث رقاب يعتقها إن كان قادراً وعنده مال فائض عن حاجاته، وإن لم يكن عنده مال؛ فعليه أن يصوم عن كل نفس شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فلا شيء عليه؛ لأن الله تعالى ذكر كفارة القتل ولم يذكر إلا خصلتين فقط وهما: العتق ثم الصيام ولم يذكر الطعام. وقوله: يتدين أو يستلف نقول: لا تتدين ولا تستلف، إذا لم يكن المال متوفر لديك سقط عنك العتق إلا الصيام، وإذا كنت لا تستطيع سقطت عنك الكفارة لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .

стр. 2516

حكم المرور أمام المصلين خاصة في الحرم ما حكم من يمرون أمام المصلين خاصة في الحرم من النساء والرجال ويقطعون الصلاة؟ الشيخ: أما الرجال فإنهم لا يقطعون الصلاة، لكن الإنسان مأمور بأن يردهم، وأما النساء فالمرأة البالغة تقطع الصلاة إذا مرت بينك وبين سترتك، أو بينك وبين موضع سجودك إذا لم يكن لك سترة سواءً في الحرم أو في غير الحرم، إلا إذا كان الإنسان لم يتيسر له مكان إلا في مكان مرور الناس مثل عند الأبواب فهذا للضرورة لا تنقطع صلاته؛ لأنه لو أخذ يرد الناس لكثرت الحركة في صلاته فأبطلتها. السائل: لكن ما الحكم إذا ساروا من بعيد قليلاً؟ الشيخ: إذا ساروا من بعيد من وراء موضع سجوده فهذا لا يضر، ولا يضر أقل من مترين، يعني: مثلاً الآن في الحرم فيه إمداد يصلى وراءه، إذا مر من وراء المدة ما يضر حتى لو كانت امرأة، كذلك أيضاً في صحن المطاف بلاط إذا مر من وراء البلاط لا يضر.

стр. 2517

من أحكام الصلاة بالنسبة للمريض هذه امرأة توفيت ولكنها لم تصلِ بعض الفروض مع أنها كانت بفكرها لكنها لا تستطيع القيام ولا الجلوس، ويقرب منها التراب لتتطهر لكن لا تستطيع، ومع أنها في آخر وقت كانت تصلي وتكثر من التكبيرات مع أنها بفكرها، فماذا عليها وفقكم الله؟ ليس عليها شيء الآن يعني: أنه لا تقضى عنها الصلاة، لكن ينبغي لأولادها وذويها أن يكثروا من الاستغفار لها والدعاء لها. وبهذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة يلجأ إليها بعض المرضى، نقول أولاً: المريض يجب عليه أن يتطهر بالماء، فإن لم يستطع فبالتراب، فإن لم يستطع صلى بلا تراب ولا ماء، ولا يدع الصلاة. ثانياً: يجب عليه أن يصلي قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب، فإن لم يستطع فبالإيماء، فإن لم يستطع فإنه ينوي بقلبه ولا يترك الصلاة. ثالثاً: بعض الناس إذا كان في ثيابه نجاسة وهو لا يستطيع أن يغسلها، ولا يستطيع أن يغير الثوب يقول: لا أصلي حتى يعافيني الله وأطهر ثوبي، وهذا غلط أيضاً، بل يصلي ولو كان ثوبه نجساً، ولو كان بدنه نجساً وهو عاجز عن إزالة النجاسة، يصلي على حسب حاله؛ لأن الصلاة لها وقت محدود لابد أن تقع فيه على حسب استطاعة الإنسان لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] أرجو أن يكون هذا معلوماً عندكم، وأن تنبهوا عليه في المجالس؛ لأن أكثر الناس يجهلون هذا الشيء، وكذلك أن تسألوا المرضى إذا عدتموهم كيف تصلون؟ كيف تتطهرون؟ وتوجهوهم إلى ما يجب، لأن الإنسان مسئول عن علمه الذي أعطاه الله كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] ولا تقولوا: أين الميثاق؟ نحن نجد العلماء ولا يقولون: إن الله أخذ عليهم ميثاقاً، يعني: لا يشعرون بهذا، لكن يقولون: مجرد إعطاء الله للإنسان العلم هو ميثاق، إذا آتاك الله علماً فهذا يعني الميثاق أن تبينه للناس، وهذه من نعمة الله على العبد أن يجعله محلاً للعلم وارثاً للرسالة؛ لأن الله قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه﴾ [الأنعام:١٢٤] وهو كذلك أعلم حيث يجعل وراثة هذه الرسالة، فمن علم الله فيه خيراً فقهه في دينه كما قال النبي ﵊: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فوصيتي لنفسي وإياكم الحرص على نشر العلم بين الناس، ولا تحقروا شيئاً، إذا علمت إنساناً مسألة واحدة وعمل بها ثم علمها آخر وآخر وآخر فكل ما يحصل من أجر بالعمل الذي أنت دللت الناس عليه فلك مثله.

стр. 2518

حكم إبقاء الأهل عند أهلهم إذا كانوا أهل معاصٍ والذهاب في رحلة طلب علم أو دعوة فضيلة الشيخ! أنا متزوج من عائلة عندهم بعض المعاصي والأحوال، فأحياناً نطلع في رحلات لطلب العلم أو للدعوة إلى الله تعالى فأضطر أني أترك أهلي عندهم، فهل تركهم أولى، أو البقاء معهم أولى؟ أنت إذا خرجت في الرحلات وكانت رحلة نزهة فلا تخرج إذا خفت على أهلك أن يتغيروا إذا ذهبوا إلى أهلهم، وإن كان الخروج في طلب العلم أو في الدعوة إلى الله ، فانظر هل هناك أحد من الناس يقوم مقامك وإلا فالبقاء عند أهلك أولى، هل لا يوجد أحد يقوم مقامك وأن الأمر فرض عليك، فاذهب ولكن لا تذهب بعيداً، ارجع إلى أهلك قبل الليل وكن معهم.

стр. 2519

نصيحة بخصوص حب الدنيا والاستغراق في الملاهي والشهوات فضيلة الشيخ! تعلمون ما انفتح على الناس في هذا الزمان من حب الدنيا والاستغراق في الملاهي والشهوات، وما يخطط له أعداء الإسلام، نريد كلمة لمن يسمع هذا الكلام أو يقرأه، أو نصيحة في الرجوع إلى الله وعودة إلى كتاب الله . أظن أنه لا شيء أشد تأثيراً من المواعظ في القرآن الكريم، والله تعالى أجمل ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٧-٦] . هاتان الآيتان من أعظم ما يكون موعظة لمن تبصر، وعد الله حق سواءٌ كان للذي وعد به أجراً وثواباً للصالحين، أو عقوبة ونكالاً للعاصين، هو حق، صدق، ثابت، لابد أن يقع، ثم قال: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ فتصدكم عما أمر الله به أو توقعكم فيما نهى الله عنه، والحياة الدنيا في الحقيقة تغر الإنسان الأبله السفيه، أما الإنسان العاقل الكيس فإنها لا تغره، وكيف تغر الدنيا إنساناً وهي في الحقيقة مشحونة ومملوءة بالهم والغم والتنغيص والكدر، وكما قال الشاعر الأول: لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته في ادكار الموت والهرم أنت ترى الإنسان في يومك على ظهر الأرض، وفي غدك في باطن الأرض، والذي مر عليه أفلا يجوز أن يمر عليك؟ الجواب: بلى، يمكن أن تكون اليوم في عالم الدنيا وغداً في عالم الآخرة، فكيف تغتر بدار لا يدري الإنسان متى يرتحل عنها، بدار الارتحال عنها ليس بيدك، بدار لا يدري ربما يبقى ما هو فيه من الرفاهية وربما يزول. فالحاصل: أن الإنسان يجب ألا تغره الدنيا، وأن يتبصر في أمره، وأن يعلم أنه في الدنيا عابر إلى مقر آخر، حتى مقر القبور ليس مقراً بل هو زيارة، كما قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١-٢] والمقر هو إما الجنة وإما النار، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة، فلا ينبغي للإنسان العاقل أن تغره الدنيا، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥] الشيطان وأولياء الشيطان، فالغرور اسم جنس ليس خاصاً بالشيطان بل هو عام للشيطان وأوليائه، فما أكثر شياطين الإنس الذين يغرون الإنسان، ويسفهونه، ويوقعونه فيما يندم عليه، وهم جلساء السوء الذين حذر منهم النبي ﵊ حيث قال: (إن مثل الجليس السوء كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة) . ثم بين الله أن الإنسان لا يغتر بالدنيا إلا من عدوٍ له وهو الشيطان، فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ وصدق الله، والآية هنا فيها خبر وطلب، الخبر قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ والطلب: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ أمرنا الله أن نتخذه عدواً، فإذا قال قائل: كيف أعلم أن هذا من الشيطان أو من الرحمن؟ قلنا: إذا كان الذي وقع في قلبك حباً للمعاصي وكراهة للطاعات فهو من الشيطان، ومعلوم أنه إذا كان حباً للطاعات وكرهاً للمعاصي فهو من الرحمن ، هذه العلامة، قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦] لكنهم جهال لا يدعون السفهاء، يظنون أن هذا هو الخير، أو يملي لهم الشيطان ويقول: افعل ثم تب، ثم يفعل ولا يتوب. نسأل الله أن يقينا شرور أنفسنا وشر أعدائنا.

стр. 2520

خصوصية المعاصي في مكة نحن مجموعة من الشباب أتينا من مكة المكرمة لزيارتكم والسلام عليكم، على أهل القصيم بصفة عامة، وعلى فضيلتكم بصفة خاصة ونبلغكم أيضاً السلام من مكة المكرمة وأهلها، وحقيقة هنا طلب يا شيخ: وهو بعض الوصايا التي توجهها لشباب مكة خاصة وأنهم أهل مكة المكرمة وبيت الله الحرام، وحيث أننا نعيش في أحد الأحياء التي تعج بالمنكرات وما يخالف أمر الله وفقكم الله لما يحبه ويرضى؟ وعليك وعليهم السلام، ونحن نشتاق إلى مكة كثيراً وإلى المدينة كثيراً، والواجب على جميع عباد الله أن يكونوا عباداً لله حقيقة يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه ولاسيما في مكة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] فالمعاصي في مكة أعظم جرماً وأكبر إثماً، وإن كانت لا تتضاعف في الكمية لكنها تتضاعف في الكيفية، وإني أحذر هؤلاء الذين أشرت إليهم إن كانوا موجودين من مغبة سوء أعمالهم، ويجب عليكم أن تناصحوهم أولاً، فإن قاموا بالواجب فهذا مطلوب، وإن لم يقوموا بالواجب فهناك جهات مختصة ارفعوا الأمر إليهم لأن الله يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] فسكوت الناس عن المنكر مع القدرة على تغييره موجب لعقوبة الله ، وموجب للفتنة، وأن الإنسان يفتن في دينه أكثر مما فتن فالواجب عليكم الآن بارك الله فيكم المناصحة فإن اهتدوا فهذا المطلوب، وإن لم يهتدوا فالواجب أن يرفعوا إلى ولاة الأمور، وسيكون إن شاء الله من ولاة الأمور ما تقر به عيون المؤمنين.

стр. 2521

ثواب من صلى اثنتي عشرة ركعة فضيلة الشيخ! يقول ﷺ : (من صلى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة) والحديث صحيح، هل هذا بصفة دائمة، أو تصلي يوماً وتترك يوماً؟ وهل إذا فاتتك منها تقضيها بارك الله فيك؟ الحديث ظاهره أنه إذا صلى ولو مرة واحدة بنى الله له بيتاً في الجنة، واليوم الثاني بيتاً آخر وهكذا وفضل الله واسع، لكن يجب على الإنسان ألا يغلب جانب الرجاء في هذه الأمور أي: فيما رتب عليه الثواب، بل ينظر إلى الثواب في هذه الأعمال، وإلى العقاب في أعمال أخرى، ربما تحيط به سيئاته وإن كان عمل هذه الحسنة، فالموازنة يوم القيامة لابد منها: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] لا يقول الإنسان: إذاً سيبنى لي بيوتاً كثيرة في الجنة، نقول: نعم، وفضل الله واسع، والجنة عرضها السماوات والأرض، لكن احرص على أن تتجنب ما نهى الله عنه، حتى لا يكون هناك موازنة يوم القيامة فترجح السيئات بالحسنات، لأن الموازنة يوم القيامة إذا رجحت الحسنات فهو من أهل الجنة، وإذا رجحت السيئات فهو من أهل النار، يعذب فيها ما شاء الله ثم ينجو إلا أن يعفو الله عنه، ومن تساوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف الذين يوقفون على مكان مرتفع يشرف على النار وعلى الجنة، ولكن في النهاية يدخلون الجنة. ولو فاتته يقضيها، الرواتب تقضى كما تقضى الفرائض.

стр. 2522

كيفية الرد على غلاة الصوفية في شبهة الاحتفال بالمولد لو ادعى غلاة الصوفية وأشباههم بأن فضل يوم الإثنين أن النبي ﷺ أمر بصيامه وبيان فضله، وأن الاحتفال بذكراه سنوياً من باب أولى، فماذا نرد عليهم؟ الشيخ: أقول إذا كانوا يريدون أن يحتفلوا بيوم الإثنين فالواجب أسبوعياً. لماذا يخصص؟ السائل: لفضل يوم الإثنين لأنه ولد فيه. الشيخ: لعلك تريد المولد؟ السائل: نعم. الشيخ: صرح به. السائل: لا هم الشيخ: هم يقولون: إن الرسول يقول: (ذاك يوم ولدت فيه) يدل على تعظيم اليوم الذي ولد فيه لا على يوم الإثنين؛ لأن مولد الرسول ليس يوم الإثنين سيكون (١٢) ربيع على ما يعتقدون، لكن نقول: إن الرسول ﵊ إذا قدرنا أنه عظم اليوم الذي ولد فيه، فبماذا عظمه؟ بالصيام، هل عظمه بهذا الاحتفال المنكر؟ فهذا حجة عليهم وليس حجة لهم، نقول: إذا كنتم صادقين باتباع الرسول فعظموه بما عظمه به وهو الصيام. ثم الرسول ﵊ لم يرد أن يعظم اليوم الذي ولد فيه، لكن أراد أن يبين أن الله تعالى جعل في هذا اليوم أشياء مهمة لبني آدم وهي: أنه ولد فيه، وبعث فيه، وأنزل عليه فيه. وأقول لهم: إذاً أقيموا الحزن والمأتم لأن الرسول مات يوم الإثنين.

стр. 2523

حكم جمعيات الأموال والزكاة فيها بعد مضي الحول على إنشائها فضيلة الشيخ: داخل مع جماعة في جمعية أموال ونحن تقريباً ثلاثين شخصاً ندفع كل شهر ألف ريال من كل واحد، ثم يجرون قرعة أي: أن كل واحد يستلم متى ما جاء دوره في الشهر الأول أو الثاني أو الثالث، وهكذا فدوري أنا في هذه الجمعية في رمضان القادم، نحن لنا الآن خمسة أشهر، ونصيبي واحد وعشرون ألف ريال وعليَّ فيها دين مقداره عشرين ألفاً فالسؤال: ما رأيك في هذه الجمعية؟ وهل فيها زكاة للذي يستلم الدور الثالث عشر بعد السنة؟ وهل علي زكاة في هذا المبلغ؟ أما الجمعية فهي جائزة ولا بأس بها؛ لأنها من باب التعاون والرفق بالإخوان، وهي قرض محض، وليس فيه جر منفعة كما توهمه بعض الناس، ولذلك أنا أدفع ألف ريال ولا يأتيني إلا ألف ريال ولا أستفيد، والمصلحة التي عادت إليَّ قد فعلت مثلها، لأني أقرضت وأقرضت. وأما الزكاة فيجب على الإنسان أن يزكي ماله من الدين وإن كان هو مديون، فإذا جاء مثلاً وقت زكاته سواءً في رمضان أو غير رمضان فأنت أحصِ ما لك من الديون عند الناس وزكها، لكن إن شئت أخرجها مع مالك، وإن شئت قيدها فإذا قبضت الدين أخرجها.

стр. 2524

السبيل إلى التخلص من المعاصي المستحكمة في النفوس والإقبال على طلب العلم هناك يا فضيلة الشيخ! بعض المعاصي المستحكمة في النفوس فكيف يستطيع الإنسان إخراج حب هذه الذنوب والمعاصي من نفسه، وكيف يكون صادقاً مع الله تعالى، وكيف يكون صادقاً في طلب العلم والتوجه إلى الله ، وادع الله لنا أن يوفقنا للطاعة وللعلم؟ لا شك أن هذا سؤال يرد على النفوس، لكنه يرد من نفوس عندها شيء من القنوط، والإنسان يجب ألا يقنط من رحمة الله وأن لا ييئس، وأن يكرر الدعاء لله والافتقار إليه وسيجد الثمرة قريباً، لكن كون الإنسان يستعظم ما عنده من الذنوب والإعراض والغفلة ثم يقول: متى أكون صالحاً؟ هذا هو الداء الوحيد، فالواجب على الإنسان ألا ييأس من رحمة الله، وأن يقبل على الله بقدر المستطاع، ويحاول ربما أنه يريد أن يقبل على الله لكن الشيطان يصرفه، فليحاول مرة بعد أخرى حتى يستقيم، وأحسن شيء هو محاولة إحضار القلب في الصلاة، هذا هو المهم، يعني: إذا قدرت أن تحضر قلبك في الصلاة كلما صليت فاعلم أن هذا فتح باب خير، لأن الله قال في القرآن الكريم: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت:٤٥] يعني: افعلها مستقيمة ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فإذا أقمت الصلاة تماماً فأبشر بالخير، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] ليس على ملمات الدنيا فقط بل على كل شيء. فأوصي هذا الأخ الذي يتعاظم الذنوب في نفسه وربما ييأس من رحمة الله عز جل، أوصيه بأن يبعد هذا الوهم من نفسه، وأن يحاول بقدر ما يستطيع إقامة الصلاة على الوجه المطلوب، فإن هذا هو الدواء، وهذا هو المفتاح، ونسأل الله لنا ولكم السلامة. كذلك أيضاً طلب العلم، يقبل إقبالاً حقيقياً ولا ييأس، لأن بعض الناس إذا بدأ بالعلم ورأى أنه صعب تمثل بقول الشاعر: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع نقول: هذا غلط، بل اصبر وصابر ورابط، واتق الله، أربع وصايا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] وكم من أناس طلبوا العلم وهم كبار لكن جدوا واجتهدوا وافتقروا إلى الله، ولجئوا إليه ، وحصلوا خيراً كثيراً، وقد ذكر لي بعض الإخوة رواية -وأنا ما رأيتها- أن ابن حزم ﵀ وهو من العلماء المشهورين الكبار دخل يوماً المسجد فجلس، فقال له بعض الحاضرين في المسجد: قم صل ركعتين، فقام وصلى ركعتين، ثم دخل مرة بعد العصر فقام يصلي، فقال بعض أصحابه: لا تصل هذا وقت نهي، فقال: سبحان الله! ما هذا الجهل إن قمت أصلي قالوا: لا تصل. وإن جلست قالوا صل، معنى ذلك أنه ليس عنده علم، ثم بعد ذلك بدأ يطلب العلم حتى حصل. مع أن القول الراجح: إن الإنسان إذا دخل المسجد في أي وقت فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، لأنها ذات سبب، والنوافل التي لها سبب ليس عليها وقت نهي.

стр. 2525

حكم الوسواس في الصلاة فضيلة الشيخ رجل عنده وسواس في الصلاة أحياناً يقرأ الفاتحة والشيطان يقول: ما قرأت، وصار يكرر الفاتحة، هل في تكرار الفاتحة شيء؟ تكرار الفاتحة مكروه لاسيما إذا كان الحامل عليه الوساوس، وإذا قال الشيطان: إنك لم تقرأ، فليقل: كذبت، لكن لا يقولها بلسانه ويقولها في نفسه، وليستمر فإنه قد قرأ، وكما أن الشيطان يأتي يقول: ما قرأت الفاتحة أو ما كبرت أو ما نويت، كذلك يأتي للإنسان ويقول: أحدثت، ويوسوس له أنه أحدث، وقد قال النبي ﵊: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) .
следующие страницы →