← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

ثواب من صلى اثنتي عشرة ركعة فضيلة الشيخ! يقول ﷺ : (من صلى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة) والحديث صحيح، هل هذا بصفة دائمة، أو تصلي يوماً وتترك يوماً؟ وهل إذا فاتتك منها تقضيها بارك الله فيك؟ الحديث ظاهره أنه إذا صلى ولو مرة واحدة بنى الله له بيتاً في الجنة، واليوم الثاني بيتاً آخر وهكذا وفضل الله واسع، لكن يجب على الإنسان ألا يغلب جانب الرجاء في هذه الأمور أي: فيما رتب عليه الثواب، بل ينظر إلى الثواب في هذه الأعمال، وإلى العقاب في أعمال أخرى، ربما تحيط به سيئاته وإن كان عمل هذه الحسنة، فالموازنة يوم القيامة لابد منها: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] لا يقول الإنسان: إذاً سيبنى لي بيوتاً كثيرة في الجنة، نقول: نعم، وفضل الله واسع، والجنة عرضها السماوات والأرض، لكن احرص على أن تتجنب ما نهى الله عنه، حتى لا يكون هناك موازنة يوم القيامة فترجح السيئات بالحسنات، لأن الموازنة يوم القيامة إذا رجحت الحسنات فهو من أهل الجنة، وإذا رجحت السيئات فهو من أهل النار، يعذب فيها ما شاء الله ثم ينجو إلا أن يعفو الله عنه، ومن تساوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف الذين يوقفون على مكان مرتفع يشرف على النار وعلى الجنة، ولكن في النهاية يدخلون الجنة. ولو فاتته يقضيها، الرواتب تقضى كما تقضى الفرائض.

стр. 2522

كيفية الرد على غلاة الصوفية في شبهة الاحتفال بالمولد لو ادعى غلاة الصوفية وأشباههم بأن فضل يوم الإثنين أن النبي ﷺ أمر بصيامه وبيان فضله، وأن الاحتفال بذكراه سنوياً من باب أولى، فماذا نرد عليهم؟ الشيخ: أقول إذا كانوا يريدون أن يحتفلوا بيوم الإثنين فالواجب أسبوعياً. لماذا يخصص؟ السائل: لفضل يوم الإثنين لأنه ولد فيه. الشيخ: لعلك تريد المولد؟ السائل: نعم. الشيخ: صرح به. السائل: لا هم الشيخ: هم يقولون: إن الرسول يقول: (ذاك يوم ولدت فيه) يدل على تعظيم اليوم الذي ولد فيه لا على يوم الإثنين؛ لأن مولد الرسول ليس يوم الإثنين سيكون (١٢) ربيع على ما يعتقدون، لكن نقول: إن الرسول ﵊ إذا قدرنا أنه عظم اليوم الذي ولد فيه، فبماذا عظمه؟ بالصيام، هل عظمه بهذا الاحتفال المنكر؟ فهذا حجة عليهم وليس حجة لهم، نقول: إذا كنتم صادقين باتباع الرسول فعظموه بما عظمه به وهو الصيام. ثم الرسول ﵊ لم يرد أن يعظم اليوم الذي ولد فيه، لكن أراد أن يبين أن الله تعالى جعل في هذا اليوم أشياء مهمة لبني آدم وهي: أنه ولد فيه، وبعث فيه، وأنزل عليه فيه. وأقول لهم: إذاً أقيموا الحزن والمأتم لأن الرسول مات يوم الإثنين.

стр. 2523

حكم جمعيات الأموال والزكاة فيها بعد مضي الحول على إنشائها فضيلة الشيخ: داخل مع جماعة في جمعية أموال ونحن تقريباً ثلاثين شخصاً ندفع كل شهر ألف ريال من كل واحد، ثم يجرون قرعة أي: أن كل واحد يستلم متى ما جاء دوره في الشهر الأول أو الثاني أو الثالث، وهكذا فدوري أنا في هذه الجمعية في رمضان القادم، نحن لنا الآن خمسة أشهر، ونصيبي واحد وعشرون ألف ريال وعليَّ فيها دين مقداره عشرين ألفاً فالسؤال: ما رأيك في هذه الجمعية؟ وهل فيها زكاة للذي يستلم الدور الثالث عشر بعد السنة؟ وهل علي زكاة في هذا المبلغ؟ أما الجمعية فهي جائزة ولا بأس بها؛ لأنها من باب التعاون والرفق بالإخوان، وهي قرض محض، وليس فيه جر منفعة كما توهمه بعض الناس، ولذلك أنا أدفع ألف ريال ولا يأتيني إلا ألف ريال ولا أستفيد، والمصلحة التي عادت إليَّ قد فعلت مثلها، لأني أقرضت وأقرضت. وأما الزكاة فيجب على الإنسان أن يزكي ماله من الدين وإن كان هو مديون، فإذا جاء مثلاً وقت زكاته سواءً في رمضان أو غير رمضان فأنت أحصِ ما لك من الديون عند الناس وزكها، لكن إن شئت أخرجها مع مالك، وإن شئت قيدها فإذا قبضت الدين أخرجها.

стр. 2524

السبيل إلى التخلص من المعاصي المستحكمة في النفوس والإقبال على طلب العلم هناك يا فضيلة الشيخ! بعض المعاصي المستحكمة في النفوس فكيف يستطيع الإنسان إخراج حب هذه الذنوب والمعاصي من نفسه، وكيف يكون صادقاً مع الله تعالى، وكيف يكون صادقاً في طلب العلم والتوجه إلى الله ، وادع الله لنا أن يوفقنا للطاعة وللعلم؟ لا شك أن هذا سؤال يرد على النفوس، لكنه يرد من نفوس عندها شيء من القنوط، والإنسان يجب ألا يقنط من رحمة الله وأن لا ييئس، وأن يكرر الدعاء لله والافتقار إليه وسيجد الثمرة قريباً، لكن كون الإنسان يستعظم ما عنده من الذنوب والإعراض والغفلة ثم يقول: متى أكون صالحاً؟ هذا هو الداء الوحيد، فالواجب على الإنسان ألا ييأس من رحمة الله، وأن يقبل على الله بقدر المستطاع، ويحاول ربما أنه يريد أن يقبل على الله لكن الشيطان يصرفه، فليحاول مرة بعد أخرى حتى يستقيم، وأحسن شيء هو محاولة إحضار القلب في الصلاة، هذا هو المهم، يعني: إذا قدرت أن تحضر قلبك في الصلاة كلما صليت فاعلم أن هذا فتح باب خير، لأن الله قال في القرآن الكريم: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت:٤٥] يعني: افعلها مستقيمة ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فإذا أقمت الصلاة تماماً فأبشر بالخير، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] ليس على ملمات الدنيا فقط بل على كل شيء. فأوصي هذا الأخ الذي يتعاظم الذنوب في نفسه وربما ييأس من رحمة الله عز جل، أوصيه بأن يبعد هذا الوهم من نفسه، وأن يحاول بقدر ما يستطيع إقامة الصلاة على الوجه المطلوب، فإن هذا هو الدواء، وهذا هو المفتاح، ونسأل الله لنا ولكم السلامة. كذلك أيضاً طلب العلم، يقبل إقبالاً حقيقياً ولا ييأس، لأن بعض الناس إذا بدأ بالعلم ورأى أنه صعب تمثل بقول الشاعر: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع نقول: هذا غلط، بل اصبر وصابر ورابط، واتق الله، أربع وصايا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] وكم من أناس طلبوا العلم وهم كبار لكن جدوا واجتهدوا وافتقروا إلى الله، ولجئوا إليه ، وحصلوا خيراً كثيراً، وقد ذكر لي بعض الإخوة رواية -وأنا ما رأيتها- أن ابن حزم ﵀ وهو من العلماء المشهورين الكبار دخل يوماً المسجد فجلس، فقال له بعض الحاضرين في المسجد: قم صل ركعتين، فقام وصلى ركعتين، ثم دخل مرة بعد العصر فقام يصلي، فقال بعض أصحابه: لا تصل هذا وقت نهي، فقال: سبحان الله! ما هذا الجهل إن قمت أصلي قالوا: لا تصل. وإن جلست قالوا صل، معنى ذلك أنه ليس عنده علم، ثم بعد ذلك بدأ يطلب العلم حتى حصل. مع أن القول الراجح: إن الإنسان إذا دخل المسجد في أي وقت فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، لأنها ذات سبب، والنوافل التي لها سبب ليس عليها وقت نهي.

стр. 2525

حكم الوسواس في الصلاة فضيلة الشيخ رجل عنده وسواس في الصلاة أحياناً يقرأ الفاتحة والشيطان يقول: ما قرأت، وصار يكرر الفاتحة، هل في تكرار الفاتحة شيء؟ تكرار الفاتحة مكروه لاسيما إذا كان الحامل عليه الوساوس، وإذا قال الشيطان: إنك لم تقرأ، فليقل: كذبت، لكن لا يقولها بلسانه ويقولها في نفسه، وليستمر فإنه قد قرأ، وكما أن الشيطان يأتي يقول: ما قرأت الفاتحة أو ما كبرت أو ما نويت، كذلك يأتي للإنسان ويقول: أحدثت، ويوسوس له أنه أحدث، وقد قال النبي ﵊: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) .

стр. 2526

حكم من ترك واجباً مؤقتاً متعمداً فضيلة الشيخ! سئلت في إحدى المحاضرات: عن شخص ترك صوم رمضان لمدة ثلاث سنوات عمداً فأجبته بناءً على القاعدة: أن من ترك واجباً مؤقتاً متعمداً لا قضاء عليه. وفي نفس الوقت سئلت: عن شخص ترك الصيام لمدة ستة أيام متعمداً فأجبته بأنه لابد بأن يقضي. فما وجه التفريق بينهما؟ الشيخ: لا أظن هذا يقع. السائل: لا أنا سمعت ذلك في شريط فتاوى رمضانية. الشيخ: هذا بارك الله فيك -أي: الثاني- لعله أفطر عمداً، معناه شرع في الصوم ثم أفطر في أثناء النهار، هذا يجب عليه أن يقضي، لأنه لما تلبس بالصوم وجب عليه بتلبسه به فوجب عليه قضاءه، أما الأول الذي لم يصم أصلاً فهذا هو الذي نقول: لو قضى لم ينفعه.

стр. 2527

حكم التنفل بين المغرب والعشاء فضيلة الشيخ! ما حكم التنفل بين المغرب والعشاء؟ وهل ينبغي المواظبة أو الترك أحياناً؟ وهل ينكر على من واظب على التنفل بين المغرب والعشاء أو هذا يعتبر من التنطع والتشدد في الدين جزاكم الله خيراً؟ لا ينكر على من يتطوع بين المغرب والعشاء؛ لأن تحديد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأوقات النهي يدل على أن ما عداها كله وقت صلاة، بل قد قال النبي ﵊ للرجل قال له: (سل، قال: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوغير ذلك؟ قال: هو ذاك، قال: أعني على نفسك بكثرة السجود) أي: بكثرة الصلاة، فعليك بالصلاة فإنها خيرٌ، لو تبقى تصلي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر فأنت على خير، لكن لا تجهد نفسك يعني: لا تجعل هذا إلزاماً عليك كما فعل عبد الله بن عمرو بن العاص أنه يقوم الليل ويصوم النهار فنهاه النبي ﵊ عن ذلك.

стр. 2528

كيفية تقسيم الليل أرجو توضيح تقسيم الليل: النصف والثلث من أين يبدأ الليل وإلى أين ينتهي؟ الشيخ: يبدأ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.

стр. 2529

طريقة طلب العلم وبدايته فضيلة الشيخ العلم وطريقة طلب العلم هل يبدأ مثلاً بعلم التفسير، أو علم العقيدة، أو علم التوحيد، أو العلوم الأخرى؟ لا شك أن أشرف الكلام كلام الله، وأحق ما يكون بالعناية كلام الله، وأنفع ما يكون كلام الله، ولهذا نقول: ابدأ بالتفسير قبل كل شيء، لكن هذا لا يعني ألا تقرأ غيره، لكن ركز أولاً على علم التفسير، وأنت تعلم وإخواننا الحاضرون وغيرهم أيضاً يعلمون أن القرآن مشتمل على كل شيء، ففيه العقيدة، وفيه الفقه، وفيه الآداب، وفيه كل شيء ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩] فعليك بالتفسير، احرص عليه ما استطعت. وطريقة ذلك: أن تفكر أنت أولاً في معنى الآية، قبل أن تراجع الكتب، فإذا تقرر عندك شيء فارجع إلى الكتب، وذلك لأجل أن تمرن نفسك على معرفة معاني كتاب الله بنفسك، ثم إن الإنسان قد يفتح الله عليه من المعاني ما لا يجده في كتب التفسير، خصوصاً إذا ترعرع في العلم وبلغ مرتبة فيه فإنه قد يفتح له من خزائن هذا القرآن الكريم ما لم يجده في غيره. وأضرب لك مثلاً بـ تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: فإنه يستنبط من الآيات الكريمة أحياناً معاني لا تجدها في أي تفسير سابق. ثم بعد ذلك تأخذ بما صح عن رسول الله ﷺ من الحديث في التوحيد والأخلاق والأعمال. إذاً أول ما ينشأ الإنسان يحفظ كتاب الله حفظاً عن ظهر قلب، ثم يبدأ بتفسيره، ثم يحفظ ما تيسر من السنة كـ عمدة الأحكام مثلاً أو بلوغ المرام، أو ما أشبه ذلك، ثم يطالع كتب العلماء التي كتبوها في الشريعة الإسلامية. السائل: لكن ما هي طرق تثبيت المعلومة يا شيخ؟! الشيخ: طرق تثبيت العلم كثيرة منها: التعاهد، أن الإنسان يتعاهد ولهذا قال النبي ﷺ : (تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها) التعاهد يعني التكرار، سواءً كرر اللفظ أو كرر معناه، بأن يكون له مباحث مع إخوانه ومناقشات. وثانياً: العمل بالعلم، فإن العمل بالعلم يثبته ويزيده قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] . ثالثاً: الدعوة إلى الله تعالى بما حصلت من العلم، فإن هذا أيضاً يثبت العلم ويزيده. المهم أن له طرقاً كثيرة منها هذه الثلاث التي ذكرتها. السائل: لكن ما هي أفضل كتب التفسير؟ الشيخ: على كل حال كتب التفسير موجودة، ولكن أحسن ما يكون للمبتدئ تفسير ابن كثير، أو تفسير البغوي أو تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي.

стр. 2530

كلام حول قاعدة: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة شيخنا حفظك الله ذكر الإمام النووي رحمة الله عليه في شرحه لـ صحيح مسلم تحت قول النبي ﷺ لما أتاه الرجل الأعرابي فقال: (يا رسول الله! متى أوقات الصلاة؟ فقال: صل معنا، فصلى معهم يومين وكان النبي ﷺ يصلي في أول وقت الصلاة، وفي اليوم الثاني كان يصلي في آخر الصلاة) فيقول الإمام النووي رحمة الله عليه: إن جمهور الأصوليين قد اتفقوا على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز من هذا الحديث. فما دليل الشيخ والقاعدة التي نعرفها منك حفظك الله أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بارك الله فيك؟ الشيخ: هو الأصل تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بمعنى: أنه لابد أن الرسول يبلغ لأنه مأمور بالبلاغ، فإذا احتاج الناس إلى معرفة الحكم ولم يبينه الرسول كان هذا ممتنعاً، ضرورة أنه لابد أن يبلغ، والبلاغ الذي يتحتم هو أن تدعو الحاجة إليه، أما الحديث فليس فيه تأخير بيان عن وقت الحاجة، إذ من الجائز أن يقول الرسول ﵊: وقت الظهر من كذا إلى كذا، ووقت العصر من كذا إلى كذا، إلى آخر الأوقات في خلال دقيقة واحدة، لكن الرسول ﵊ أحياناً يفضل التعليم بالفعل؛ لأن التعليم بالفعل يرسخ في الذهن، ولا ينساه الإنسان في الغالب، فلهذا أراد أن يبقي هذا الإعرابي لفائدتين: أولاً: أن يعرف الأوقات بالفعل. والثانية: أن يستفيد من كيفية صلاة الرسول ﵊. السائل: ما دليل القول الثاني: إن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز؟ الشيخ: أصلاً هذا قول باطل، إذ ليس فيه تأخير بيان عن وقت الحاجة، أنا قلت لك: هذا فيه أن الإنسان يسلك في البيان ما هو أقرب إلى التبيين والرسوخ. السائل: يا شيخ! هو يذكر أن جمهور الأصوليين على هذا، كيف أخذه جمهور الأصوليين. الشيخ: من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] وإذا احتاج الناس إلى معرفة الحكم صار البلاغ واجباً.

стр. 2531

علاقة التوكل على الله بإجراء العمليات القيصرية فضيلة الشيخ! يقول الله في سورة عبس: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس:٢٠] فالله تكفل بتيسير هذا المولود، ويلاحظ كثيرٌ من الناس من الرجال والنساء الاستعجال للقيام بعملية ما تسمى بالقيصرية، فهل هذا من ضعف التوكل على الله ؟ أرى بارك الله فيك أن هذه الطريقة التي يستعملها الناس الآن عندما تحس المرأة بالطلق تذهب إلى المستشفى ويصنع لها عملية قيصرية أرى أن هذا من وحي الشيطان، وأن ضرر هذا أكثر بكثير من نفعه؛ لأن المرأة لابد أن تجد ألماً عند الطلق لكن ألمها هذا تستفيد منه فوائد: الفائدة الأولى: أنه تكفير للسيئات. الثاني: أنه رفعة للدرجات إذا صبرت واحتسبت. والثالث: أن تعرف المرأة قدر الأم التي أصابها مثلما أصاب هذه المرأة. والرابع: أن تعرف قدر نعمة الله تعالى عليها بالعافية. والخامس: أن يزيد حنانها على ابنها؛ لأنه كلما كان تحصيل الشيء بمشقة كانت النفس عليه أشفق، وإليه أحن. والسادس: أن الابن أو أن هذا الحمل يخرج من مخارجه المعروفة المألوفة وفي هذا خير له وللمرأة. والسابع: أنها تتوقع بذلك ضرر العملية؛ لأن العملية تضعف غشاء الرحم وغير ذلك، وربما يحصل له تمزق، وقد تنجح وقد لا تنجح. والثامن: أن التي تعتاد القيصرية لا تكاد تعود إلى الوضع الطبيعي لأنه لا يمكنها، وخطر عليها أن تتشقق محل العمليات. والتاسع: أن في إجراء العمليات تقليل للنسل، وإذا شق البطن ثلاث مرات من مواضع مختلفة وهن وضعف وصار الحمل في المستقبل خطيراً. والعاشر: أن هذه طريقة من طرق الترف، والترف سبب للهلاك، كما قال الله تعالى في أصحاب الشمال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] فالواجب على المرأة أن تصبر وتحتسب وأن تبقى تتولد ولادة طبيعية فإن ذلك خير لها في الحال وفي المآل. وعلى الرجال أيضاً هم بأنفسهم أن ينتبهوا لهذا الأمر، وما يدرينا فلعل أعداءنا هم الذين سهلوا علينا هذه العمليات من أجل أن تفوتنا هذه المصالح ونقع في هذه الخسائر. السائل: ما مفهوم الترف؟ الشيخ: الترف أن فيه اجتناب ألم المخاض الطبيعي، وهذا نوع من الترف. والترف إذا لم يكن معيناً على طاعة الله فهو إما مذموم أو على الأقل مباح.

стр. 2532

حكم الوضوء من القيء قرأت في أحد كتب الحديث فقال: باب ما جاء في الوضوء من القيء. فهل الوضوء هنا للوجوب، وهل إذا استقاء الإنسان أو أتاه قيء عليه وضوء؟ لا، الصحيح أن كل ما خرج من البدن فإنه لا ينقض الوضوء، لا القيء ولا الدم ولا غير ذلك إلا البول والغائط، أو ما خرج من مخرج البول أو الغائط، هذا هو القول الراجح. وإن صح حديث: (أن الرسول قاء فتوضأ) فالمراد على سبيل الاستحباب فقط؛ لأن فعل النبي ﷺ المجرد عن الأمر إنما يفيد الاستحباب، ولا يفيد الوجوب.

стр. 2533

حكم أخذ أحكام المسافر لمن يمكث خارج بلده أسبوعين في العمل فضيلة الشيخ! أنا من أهل مكة المكرمة ومتزوج من مكة وأقطن مكة ولكن عملي خارج مكة في المنطقة المجاورة لكم منطقة البجادية، فأنا أمكث في العمل أربعة عشر يوماً وأذهب إلى مكة سبعة أيام، فهل وجودي في العمل وأنا متزوج في مكة وساكن وأذهب إلى مكة بعد أربعة عشر يوماً فهل وجودي في العمل يعتبر سفراً؛ لأن في العمل يا شيخ! بعض الإخوة يطلبون مني صلاة الجمعة وما أدري كيف الطريق؟ الشيخ: هل أنت في إقامتك في هذا العمل مطمئن وتريد البقاء دائماً، أو أنت تنتظر الفرصة حتى تعود إلى مكة؟ السائل: أنا في أقرب فرصة أتمنى إن شاء الله أن أرجع إلى مكة. الشيخ: إذاً أنت مسافر يباح لك ما يباح للمسافرين من القصر والمسح ثلاثة أيام على الخفين وغير ذلك، ولكنك إذا صليت خلف إمام يتم وجب عليك الإتمام، ويجب عليك أن تصلي مع الجماعة، أما إذا طلب منك صلاة الجمعة وأنت في محل تقام فيه الجمعة يعني: لست في خارج البلد فصل الجمعة إماماً، وإن لم تكن من أهل البلد، هذا هو القول الراجح الصحيح: أنه لا يشترط لإمامة الجمعة أن يكون إنساناً مستوطناً.

стр. 2534

حكم تأجير المحل لمن يحلق اللحى رجل عنده محل تجاري، ولكنه مؤجره محل حلاقة، وفيه عشرة حلاقين يحلقون اللحى فهل إيجاره حلال أم حرام؟ أنت تعرف أن الحلاقين اليوم أكثر ما يحلقون اللحى، وعلى هذا فلا يحل لك أن تؤجر دكانك للحلاقين؛ لأن هذا من باب التعاون على الإثم والعدوان وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] ، أما لو جاءك حلاق يريد أن يستأجر الدكان وقال: أنا ألتزم لك بألا أحلق لأحد لحية فهذا لا بأس، فإن قدر أنه حلق بدون إذنك فالإثم عليه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 2535

لقاء الباب المفتوح [٨٧] في هذا اللقاء تفسير المقطع الثاني من سورة البينة، من قوله تعالى: ((إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين. إلخ)) فذكر الشيخ تفسير هذه الآيات، مبيناً معنى (جهنم) وأن أهل الكتاب كفار؛ لأنهم لم يؤمنوا برسول الله ﷺ ، ثم تكلم عن الآية التي تليها، مبيناً ما أعده الله للمؤمنين من الجزاء والثواب، وتكلم عن أصناف المؤمنين ومنازلهم عند الله تعالى.

стр. 2536

تفسير آيات من سورة البينة الحمد لله، وأصلي وأسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فهذا هو اللقاء السابع والثمانون من اللقاءات التي يعبر عنها باللقاء المفتوح، وهذا هو يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر شوال عام (١٤١٥هـ) ، نبتدئ هذا اللقاء بإكمال تفسير سورة البينة.

стр. 2537

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) انتهينا في اللقاء السابق إلى قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦] ، بين الله تعالى هنا في هذه الآية بياناً مؤكداً بأن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين (في نار جهنم) أي: في النار التي تسمى جهنم، وسميت جهنم لبعد قعرها وسوادها، فهو مأخوذ من الجهمة، وقيل: إنه اسم أعجمي عربته العرب، وأياً كان فإنه -أعني لفظ جهنم- اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ (من) هنا بيان للإبهام، أعني: إبهام الاسم الموصول بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وعلى هذا فيقتضي أن أهل الكتاب كفار وهم اليهود والنصارى، وكذلك الأمر؛ فإن اليهود والنصارى كفارٌ حين لم يؤمنوا برسول الله محمد ﷺ ، وإن قالوا: أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويدعون لموتاهم بالرحمة، وما أشبه ذلك من العبارات التي يتزلفون بها فإنهم كاذبون، إذ لو كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر لآمنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل لآمنوا برسلهم؛ لأن النبي ﷺ قد وجد وصفه في التوراة والإنجيل، كما قال الله ﵎ في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] ، بل إن عيسى ﷺ قال لبني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] ، فلما جاء هذا الرسول الذي بشر به عيسى بالبينات قالوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ، وكذبوه ولم يتبعوه، إلا نفراً قليلاً من اليهود والنصارى، فقد آمنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم واتبعوه. ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (شر البرية) أي: شر الخليقة؛ لأن البرية هي الخليقة، وعلى هذا فيكون الكفار من بني آدم من اليهود والنصارى والمشركين شر البرية، شر الخلائق، وقد بين الله ذلك تماماً في قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال:٥٥] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٢-٢٣] ، فهؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين هم شر البرية عند الله ، وإذا كانوا هم شر البرية فلن نتوقع منهم إلا كل شر؛ لأن الشرير ينبثق منه الشر، ولا يمكن أبداً أن نحسن الظن بهم قد نثق بالصالحين منهم كما وثق النبي ﷺ بالمشرك عبد الله بن أريقط حين استأجره ليدله على طريق الهجرة، لكن غالبهم وجمهورهم لا يوثق بهم؛ لأنهم شر.

стр. 2538

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) ولما ذكر الله حكم هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين ذكر حكم المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧] ، والقرآن الكريم مثانٍ تثنى فيه المعاني؛ فيؤتى بالمعنى وما يقابله، ويؤتى بأصحاب النار وأصحاب الجنة، ويؤتى بآيات الترهيب وآيات الترغيب وهلم جراً؛ لأجل أن يكون الإنسان سائراً إلى الله بين الخوف والرجاء، ولئلا يمل؛ فإن جمع الأساليب وجمع المواضيع لا شك أنه يعطي النفس قوة واندفاعاً، خلاف ما لو كان الكلام على وتيرة واحدة فإن الإنسان قد يمل، ولا تتحرك نفسه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ فخير خلق الله هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم على طبقات أربع بينها الله في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] ، هذه الطبقات الأربع هي طبقات المؤمنين، أعلاها طبقة النبوة، وأعلى طبقات النبوة طبقة الرسالة، ثم بعد ذلك -أي: بعد النبوة- الصديقية، وعلى رأس الصديقين أبو بكر ﵁، والشهداء قيل: إنهم أولو العلم، وقيل: إنهم الذين قتلوا في سبيل الله، والآية تحتمل المعنيين جميعاً بدون مناقضة، والذي ينبغي لمفسر القرآن أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين بدون مناقضة أن يحملها على المعنيين جميعاً، فالشهداء هم أولو العلم، وهم الذين قتلوا في سبيل الله، وكلهم مرتبتهم عالية فوق سائر المتبعين للرسل إلا الصديقين، قال تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ وهم أدنى الطبقات، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات على اختلاف طبقاتهم ﴿هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ أي: خير ما خلق الله من البرايا.

стр. 2539

تفسير قوله تعالى: (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن) ثم بين جزاءهم فقال: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البينة:٨] وهنا قدم الله الثناء على المؤمنين الذين عملوا الصالحات على ذكر جزائهم؛ لأن ثناء الله عليهم أعظم مرتبة وأعلى منقبة، ولذلك قدمه على الجزاء الذي هو جزاؤهم في يوم القيامة ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ، (جنات) جمعها لاختلاف أنواعها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما) ، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] ، ثم ذكر أوصاف هاتين الجنتين ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢] ، وقال تعالى: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ﴾ [السجدة:١٩] . والجنات التي ذكرها الله تعالى جزاءً للمؤمنين العاملين الصالحات هي عبارة عن منازل عظيمة أعدها الله للمؤمنين المتقين (فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ، ولا يمكن للإنسان في هذه الدنيا أن يتصور كيف نعيم الآخرة أبداً، لأنه أعلى وأجل مما نتصور قال ابن عباس ﵄: [ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء] لكنها تختلف الحقائق اختلافاً عظيماً. قال : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ العدن بمعنى الإقامة في المكان وعدم النزوح عنه، ومن تمام نعيم أهل الجنة أن كل واحد منهم لا يطلب تحولاً عما هو عليه من النعيم؛ لأنه لا يرى أن أحداً أكمل منه، ولا يحس في قلبه أنه في غضاضة بالنسبة لمن هو أرقى منه وأكمل، قال الله ﵎: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ [الكهف:١٠٨] أي: لا يبغون تحولاً عما هم عليه؛ لأن الله تعالى قد أقنعهم بما أعطاهم فلا يجدون أحداً أكمل نعيماً منهم؛ ولهذا سمى الله تعالى هذه الجنات جنات عدنٍ، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها. ((تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)) [البينة:٨] (من تحتها) قال العلماء: من تحت قصورها وأشجارها، وإلا فهو على سطحها وليس أسفل، إنما هو من تحت هذه القصور والأشجار، والأنهار التي ذكرها الله هنا مجملة فصلها في سورة محمد فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:١٥] ، وقد جاءت الآثار في وصف هذه الأنهار: أنها تجري بغير أخدود وبغير خنادق. بمعنى: أن النهر يجري على سطح الأرض يتوجه حيث وجهه الإنسان، ولا يحتاج إلى شق خنادق ولا إلى بناء أخدود تمنع سيلان الماء يميناً وشمالاً وفي هذا يقول ابن القيم ﵀ في كتابه النونية: أنهارها من غير أخدودٍ جرت سبحان ممسكها عن الفيضانِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ أي: ماكثين فيها أبداً لا يموتون، ولا يمرضون، ولا يبأسون، ولا ينامون، ولا يحزنون، ولا يمسهم فيها نصب، فهم في أكمل النعيم دائماً وأبداً، أبد الآبدين اللهم اجعلنا منهم. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وهذا أكمل نعيم، أن الله تعالى يرضى عنهم فيحل عليهم رضوانه فلا يسخط بعده أبداً، بل وينظرون إلى الله ﵎ بأعينهم كما يرون القمر ليلة البدر لا يشكون في ذلك ولا يمترون في ذلك ولا يتضامون في ذلك، أي: لا ينضم بعضهم إلى بعض ليريه الآخر، بل كل إنسان يراه في مكانه حسب ما أراد الله . ثم قال عز جل: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: ذلك الجزاء لمن خشي الله ، والخشية هي خوف الله المقرون بالهيبة والتعظيم، ولا يصدر ذلك إلا من عالم بالله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٨] . وبهذا تمت هذه السورة العظيمة، وتم ما تيسر لنا من الكلام على تفسيرها، ونسأل الله أن يجعلنا جميعاً ممن يتلون كتاب الله حق تلاوته، إنه على كل شيء قدير.

стр. 2540

الأسئلة

стр. 2541

حكم كتابة لفظ الجلالة أو آيات من القرآن على الطاولات وما أشبه ذلك فضيلة الشيخ، بعض الطلاب والموظفين يلصقون على الطاولات لفظ الجلالة، أو لا إله إلا الله، وأحياناً آية الكرسي، فهل في هذا شيء؟ الشيخ: الطاولة التي يتكئ عليها؟ السائل: نعم التي يكتب عليها. أما كتابة القرآن على الطاولة ثم يتكئ الإنسان عليها ليكتب أو يتكئ عليها ليستريح فإن هذا فيه نوع امتهان للقرآن الكريم فلا يكتب، وأما غير القرآن فإنه أهون، ومع ذلك لا أرى حاجة لكتابته، ومن أراد أن يتذكر ذكر الله فليتذكر ذلك بقلبه، وأخشى أن يكتب (لا إله إلا الله) ثم يأتي بعض زملائه -كما جرت به العادة- يحدثه ويركب على الطاولة من غير أن يشعر، أو يشعر ولكن لا يبالي، فأرى ألا يُكتب عليها شيءٌ. حتى أيضاً حسب النظام -كما أعلم- أنه ممنوع أن يكتب على الطاولات شيء. السائل: يلصقون ملصقات؟ الشيخ: حتى الملصقات أيضاً لا داعي لها.

стр. 2542

معنى حديث: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته) فضيلة الشيخ! يقول ﷺ : (لا يقعدن أحدكم متكئاً على أريكته يقول: هذا كتاب الله ما وجدنا فيه حلالاً حللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) ما معنى قوله: (متكئاً على أريكته) ؟ وهل في هذا الحديث دليل على وجوب متابعة الرسول ﷺ ؟ وإذا كان الأمر كذلك فما معنى قول الأصوليين وعلماء الفقه: السنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها؟ أما لفظ الحديث فليس كما قال السائل: (لا يقعدن أحدكم على أريكته) ، بل قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته) وهذا تحذير من النبي ﵊ أن يكون الإنسان على هذا الوصف وعلى هذه الحال، عنده من الغطرسة والكبرياء ما جعله متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من عند الرسول ﵊ ويقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه. يعني: لا نتبع السنة، وهذا تحذير من الرسول ﵊ أن يكون الإنسان على هذا الوصف، ولهذا قال: (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) ، وهي السنة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣] ، قال أهل العلم: المراد بالحكمة هنا السنة، بدليل قوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣] . ومعلوم أن رد السنة الصحيحة الثابتة عن الرسول ﵊ كرد القرآن تماماً؛ لأن ما جاء به الرسول ﵊ من أحكام فهو كما جاء في القرآن من الأحكام، إذ هو رسول الله ، فمن قال: لا أقبل إلا ما جاء في القرآن، قلنا: إنك واقع في هذا الحديث الذي حذر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته أن يكونوا على هذا الحال. ثم نقول له: إن ردك لما جاء به الرسول هو رد لما جاء به القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن:٢٣] ، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما السنة فالسنة لها اصطلاحان: اصطلاح عام، واصطلاح خاص. أما الاصطلاح العام فإن السنة هي طريقة النبي ﷺ الشاملة للواجب والمستحب وغير ذلك، ومنه قول أنس بن مالك ﵁: [من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم] هذه السنة واجبة. أما الاصطلاح الخاص فهو اصطلاح الفقهاء ﵏؛ حيث قسموا الأحكام الشرعية إلى خمسة أقسام: واجب، وسنة، وحرام، ومكروه، ومباح، وإنما قسموا ذلك ليتبين الشيء الذي ألزم به الشرع؛ فيكون واجب الفعل إن كان واجباً، ويكون واجب الترك إن كان حراماً، وما دون ذلك يكون سنة في المأمور ومكروهاً في المنهي عنه. وعليه فلا إشكال، فصارت السنة الآن نوعان: عامة وخاصة، فالعامة: هي التي يراد بها طريق النبي ﵊ الشامل للواجب والمستحب. أما الخاصة: فهي ما اصطلح عليه الفقهاء حيث قالوا: إن السنة: هي التي إذا فعلها الإنسان أثيب عليها وإذا تركها لم يعاقب.

стр. 2543

حكم الحج عمن مات ولم يحج تكاسلاً فضيلة الشيخ! رجل من سكان مكة استطاع الحج لكنه لم يحج، وصار يؤخر الحج ويقول: للسنة القادمة، حتى مات، فهل يقضى عنه الحج؟ الصحيح أنه يقضى عنه إذا كان عازماً على فعل الحج ولكنه متكاسل، أما لو كان عازماً على الترك فإنه لا يقضى عنه، بل يبقى في ذمته يعذب به إن شاء الله، هذا هو التفصيل الذي تطمئن إليه النفس، ولكن ليعلم أن الحج واجبٌ على الفور، وأنه لا يجوز لمن قدر عليه أن يؤخره، لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] ، فقيده بالاستطاعة، فمتى وجدت الاستطاعة وجب الحج.

стр. 2544

وجود أهل الجنة والنار فيهما أمر غيبي في السيرة: أن النبي ﷺ عندما عرج به إلى السماء اطلع على أهل الجنة فرأى أكثر أهلها الفقراء والمساكين، ثم اطلع على أهل النار فرأى أكثر أهلها النساء، ثم أيضاً جاء في سيرة التابعين: أن سفيان الثوري ﵀ رؤي في المنام فقيل له: ما صنع الله بك؟ فقال: وضعت قدمي على الصراط والأخرى في الجنة. فهل الصراط يجتاز الآن؟ وهل الجنة فيها سكانها والنار فيها سكانها أيضاً؟ فما هو تفصيل ذلك؟! أقول -بارك الله فيكم جميعاً- الأمور الغيبية لا ينبغي أن نبحث فيها عن كيفيتها وأن نتعمق؛ لأن هذا من التنطع، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (هلك المتنطعون! هلك المتنطعون! هلك المتنطعون!) ، وقال الإمام مالك لمن سأله: كيف استوى الله على العرش؟ قال له: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول) هذه الأمور يجب أن نؤمن بها وألا نبحث عنها، ولهذا ألقى النبي ﷺ هذا الحديث على أصحابه ولم ينبس واحد منهم بكلمة يقول: كيف ذلك يا رسول الله؟ حتى أنه أخبر أنه سمع خشخشة نعال بلال، ومع ذلك ما قالوا: كيف يا رسول الله؟ بلال في الدنيا ما ذهب إلى الآخرة ولا جاء؟ لكنهم آمنوا وصدقوا. فنصيحتي لكم جميعاً: أن مثل هذه الأمور تؤمنون بها على ظاهرها وتقولون: هي حق، وأما كيف ذلك؟ وهل أهل الجنة الآن موجودون فيها، وأهل النار موجودون فيها؟ فقد رأى النبي ﷺ من أهل الجنة من رأى، ورأى من أهل النار من رأى، رأى عمرو بن لحي يجر قصبه، أي: أمعاءه في النار، ورأى امرأة تعذب في هرة حبستها، ورأى فيها صاحب المحجن الذي يسرق الحجاج بمحجنه، فالحاصل أني أنصح لكم: ألا تتعرضوا لمثل هذه الأسئلة. أما موقفي أنا فيها فهو موقف الصحابة ﵃، أن أقول: آمنت بالله وبرسول الله، وبما جاء عن الله ورسوله، ولا أتجاوز ذلك، وأقول: إن الرسول ﵊ في المعراج أخبرنا عما رأى وهو حق. وأقول: إنا إذا لزمنا هذه الطريق استرحنا، وأي واحد يسألنا نبين له أن هذا لا طريق للعلم به، وأن موقفنا منه هو التفويض، أي: تفويض الكيفية إلى الله ، أما المعنى فنحن نعرف المعنى.

стр. 2545

التفصيل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله فضيلة الشيخ، يقول أكثر أهل العلم: إن الحاكم بغير ما أنزل الله إذا كان لا يستحل الحكم بغير ما أنزل الله، ويعلم أن حكم الله خير من حكم غيره فهو لا يكفر إلا بشرط الاستحلال. فما هو الدليل على أنه لا يكفر إلا أن يكون مستحلاً لذلك؟ وإذا كان الاستحلال لا يكون إلا في القلب باعتقاد الشيء حله من حرامه فكيف لنا أن نعرف أن هذا مستحل أو غير ذلك؟ جزاكم الله خيراً! أولاً: بارك الله فيك، لا بد أن نعلم أن معنى تكفير الإنسان نقله من الإسلام إلى الكفر، ويترتب على هذا أحكام عظيمة، من أهمها: استباحة دمه وماله، وهذا أمر عظيم لا يجوز لنا أن نتهاون به، مثلاً: لو قلنا هذا حلال وهذا حرام بغير علم أهون مما إذا قلنا: هذا كافر وهذا مسلم بغير علم. ومن المعلوم أن التكفير والإسلام إنما هو إلى الله ، فإذا نظرنا إلى الأدلة وجدنا أن الله وصف الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف؛ فقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] ، ووصف الحكم بغير ما أنزل الله بالجهل، فقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ، فلابد أن نرى مخرجاً من هذه الأوصاف التي ظاهرها التعارض، ولا مخرج لنا في ذلك إلا أن تطبق على القواعد الشرعية. فمثلاً: إذا جاءنا رجل ورفع الحكم الشرعي وأحل بدله قوانين تخالف ما أنزل الله على رسوله، فهذا لا شك أنه مستحل؛ لأنه رفع الحكم نهائياً ووضع قانوناً من وضعه أو من وضع من هو أسوأ حالاً منه، فهذا كافر؛ لأن رفعه للأحكام الشرعية ووضع القوانين بدلها يعني أنه استحل ذلك، لكن يبقى عنه: هل نكفر هذا الرجل بعينه، أو ننظر حتى تقوم عليه الحجة؟ لأنه قد يشتبه عليه مسائل الأمور الدنيوية من مسائل الأمور العقدية أو التعبدية، ولهذا تجده يحترم العبادة ولم يغير فيها، فلا يقول مثلاً: إن صلاة الظهر تأتي والناس في العمل نؤجلها إلى العصر، أو صلاة العشاء تأتي والناس محتاجون إلى النوم والعشاء نقدمها إلى المغرب مثلاً، يحترم هذا، لكن في الأمور الدنيوية ربما يتجاسر ويضع قوانين مخالفة للشرع، فهذا من حيث هو كفر لا شك فيه؛ لأن هذا رفع الحكم الشرعي واستبدل به غيره، ولكن لا بد أن نقيم عليه الحجة، وننظر لماذا فعلت ذلك؟ قد يلبس عليه بعض العلماء الذين هم علماء دولة، ويحرفون الكلم عن مواضعه من أجل إرضاء الحاكم، فيقولون مثلاً: إن مسائل الدنيا اقتصادياً وزراعياً وأخذاً وإعطاءً موكول إلى البشر؛ لأن المصالح تختلف، ثم يموهون عليه بقوله ﷺ : (أنتم أعلم بأمور دنياكم) وغالب الحكام الموجودين الآن جهلة، لا يعرفون شيئاً، فإذا أتى إنسان كبير العمامة طويل الأذيال واسع الأكمام وقال له: هذا أمر يرجع إلى المصالح، والمصالح تختلف بحسب الزمان والمكان والأحوال، والنبي ﵊ قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) ، ولا بأس أن تغيروا القوانين التي كانت مقننة في عهد الصحابة وفي وقت مناسب إلى قوانين توافق ما عليه الناس في هذا الوقت، فيحللون ما حرم الله، ويقولون مثلاً: الربا نوعان: ربا الاستثمار، وربا الاستغلال، فالأول جائز والثاني حرام، ثم يقولون: اكتب هذه المادة. فيكون هذا جاهلاً، لكن إذا أقمنا عليه الحجة وقلنا: هذا غلط، وهذا خطأ وتحريف من هذا العالم الذي غرك، ثم أصر على ما هو عليه؛ حينئذ نحكم بكفره ولا نبالي. فالحاصل: أن العلماء ﵏ قسموا هذا التقسيم من أجل موافقة هذه النصوص المطلقة للقواعد الشرعية المعلومة.

стр. 2546

نصيحة لأعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضيلة الشيخ! تعلمون أن كثيراً من أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يواجهون اختلاءات، ومن ضمن هذه الاختلاءات النساء اللاتي يواجهونهن يكن بلباس غير ساتر ويكن متبرجات مفتنات، فما هي نصيحتكم لهؤلاء الأعضاء الذين يواجهون مثل هذه المشاكل، والذين يتأخرون أحياناً بل وربما غالباً عن أداء الصلوات في المساجد؟ الشيخ: الاختلاء ماذا تريد به؟ السائل: سواءً كان اختلاءً في المنزل أو في غيره. الشيخ: الاختلاء خلوة الرجل بالمرأة؟ السائل: نعم. الشيخ: على كل حال، فيما أظن أن هناك توجيهات من الرئاسة العامة حول هذا الموضوع، فأرى أن العضو يتمشى على هذه التعليمات والتوجيهات، وإذا رأى أن منها شيئاً غير مناسب فالواجب أن يكتب عنه، ويبين أنه غير مناسب، وأنه ربما تكون هذه التعليمات في زمن مضى عليه عشرون سنة أو أكثر، والأمور اختلفت لا شك، فليس حال النساء اليوم كحال النساء قبل خمس سنوات فضلاً عن عشرين سنة أو أكثر، فالذي أرى أنه يجب على العضو أن يتبع ما جاء به النظام أو التوجيه، وما رأى أنه غير مناسب فإن عليه أن يكتب عنه. السائل: من ناحية الشخص. الشيخ: هذا هو الموقف؛ لأن الشخص يتولى هذه الولاية بحسب ما ولاه ولي الأمر، والعلماء ﵏ قالوا: إن الذي يتولى أمراً من أمور الدولة لا يملك أكثر مما وكل إليه. حتى ذكروا في القضاء: أن القاضي لا يقضي إلا فيما وجه إليه فقط، فيقولون: إما أن يولى عموم النظر في عموم العمل، أو عموم النظر في خصوص العمل، أو خصوص النظر في عموم العمل، أو خصوص النظر في خصوص العمل. بمعنى: أن الإنسان قد يولى الحكم في الأنكحة فقط، هذا القاضي الذي ولي الحكم في الأنكحة لا يمكن أن يقضي بين اثنين في مسائل البيوع؛ لأنه يتوقف تصرفه على حسب ما وكل إليه. والحمد لله، الإنسان ما دام أن هذا شيئاً قد وجه إليه فذمته بريئة، لكن لا مانع من أن يتكلم -مثلاً- إذا رأى قرينة قوية تدل على أن هذا الرجل مع هذه المرأة ليسوا على حال مرضية؛ أن يتكلم معهما بهدوء إذا لم تحصل مفسدة أكبر؛ لأن بعض الإخوة يكون عنده غيرة واندفاع، فمجرد ما يرى رجلاً معه امرأة يوقف السيارة ويتكلم ويقول: (ليش؟) وما أشبه ذلك، وهذا غير مناسب. أما الصلاة فلا بأس أن يتأخر الأعضاء من أجل إقامة الناس إلى الصلاة، ولو فاتتهم الصلاة يصلون جماعة، وربما يدل لذلك قول الرسول ﵊: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم) .

стр. 2547

صلة الأرحام وكم المدة المحددة لذلك ؟ فضيلة الشيخ! هل يعتبر عم أمي وخال أمي وأبناؤهم من الرحم الذين يجب أن أصلهم؟ وما هي المدة المعتبرة التي إذا جاوزها شخص يعتبر قاطعاً لرحمه؟ أنت تعرف أن الصلة في القرآن والسنة مطلقة، فالله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد:٢١] ، ويقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] والنبي ﷺ في أحاديث متعددة ذكر صلة الرحم ولم يقيدها بشيء معين، فهي -إذاً- ترجع إلى العرف، والعرف يختلف الناس فيه بحسب القرابة من الشخص، وبحسب حاجتهم إلى الصلة، وبحسب أحوال الناس، فقد يكون الناس -مثلاً- في زمن فقر يحتاج القريب إلى أن تصله بالنفقة؛ بالطعام والشراب والكسوة وما أشبه ذلك، أكثر مما إذا كان الناس في زمن غنى، كذلك مثلاً: قريب مريض يحتاج إلى تعهد أكثر من قريب ليس بمريض، فما جرت به العادة أنه صلة فهو صلة، وما جرت العادة أنه قطيعة فهو قطيعة، فالناس اليوم لا يرون أن من الواجب أن تذهب إلى قريبك كل يوم، اللهم إلا القريب القريب مثل الأم والأب، ولا يرون من القطيعة إذا وصلته بالشهر مرة أو في المناسبات، المهم أن هذا الشيء يرجع إلى العادة والعرف.

стр. 2548

سماع الموتى للأحياء فضيلة الشيخ! هناك سؤال أثير في مكتب الدعوة وهو أن أحد الهنود أثار شبهة، يقول: هل الموتى يسمعون؟ وإذا كانوا يسمعون هل يكون سماعهم في مكان مخصوص وفي مواضع مخصوصة مثلاً، أم سماع عام؟ إن النبي ﷺ أخبر أن الميت إذا دفن وأتاه الملكان، قال: (إنه ليسمع قرع نعالكم) أي: المنصرفون عنه، وهذا سماع حال الدفن. ووقف صلى الله عليه وعلى آله وسلم على قتلى قريش في قليب بدر، وجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، ولما راجعه الصحابة في ذلك قال: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) ، وروي عن النبي ﵊ أنه قال: (ما من رجل يمر بقبر رجل يعرفه في الدنيا ثم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه فرد ﵇ ، وهذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه، منهم من ضعفه، وإذا كان ضعيفاً فلا دليل فيه، ومنهم من قال إنه حسن، ومنهم من صححه، فنقول: ما جاءت به السنة نعتقده، وما لم تجئ به السنة نقول: الله أعلم. لكن على فرض أنهم يسمعون فإنهم لا ينفعون غيرهم، بمعنى أنهم لا يدعون الله له، ولا يستغفرون الله له، ولا يمكنهم الشفاعة لهم. وإنما قلت ذلك لئلا يتعلق هؤلاء القبوريون بما قلت، ويقولون: ما دام أنهم يسمعون -إذاً- هذا من أولياء الله نسأله أن يسأل الله لنا أو أن يشفع لنا عند الله، فهذا غير وارد أصلاً؛ لأن الإنسان إذا مات انقطع عمله، حتى النبي ﵊ عندما مات انقطع عمله، لكن الرسول ﵊ خلف لأمته علماً عظيماً الذي يعمل به كل أحد من الأمة المجيبة للدعوة، وقد قال ﵊: ( إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ، ولا أحد ورث للخلق علماً ينتفعون به أكثر مما ورثه النبي ﷺ لأمته.

стр. 2549

صحة أداء الحج من الجاهل بالمناسك شخص أدى فريضة الحج، وهو جاهل بجميع المناسك، فلم يقم بها تماماً، ثم تبين له فيما بعد أنه جاهل في أداء هذه المناسك، بعد ذلك منَّ الله عليه بحجة ثانية، فهل ينوي الفريضة الأولى أم ينوي هذه نافلة؟ ينوي هذه الثانية نافلة، وإذا قدر أن الأولى وقعت على وجهٍ لا يرضاه الله ولا يقبله صارت الثانية هي الفريضة. وبهذه المناسبة أود أن تحثوا الناس -ونحن الآن قريبون من وقت الحج- على تعلم أحكام الحج قبل أن يحجوا؛ لأن بعض الناس يذهب مع الحجاج ما قال الناس قاله وما فعلوه فعله، وهو لا يدري ما المعنى، ثم إذا رجع وسأل وإذا عليه أشياء كثيرة قد أخل بها، بل بعض الناس -والعياذ بالله- تجده أخل بحجه قبل عشر سنوات ثم يأتي يسأل، أو أخل بحجه هذه السنة التي مضت ثم يأتي يسأل بعد ستة أو سبعة أشهر، فهذا غلط، المهم أنكم تحثون الناس على أن يتعلموا أحكام الحج قبل أن يحجوا.

стр. 2550

حكم التصوير بكاميرا الفيديو فضيلة الشيخ! ما حكم التصوير بكاميرا الفيديو؟ الذي أرى أنه لا بأس بها، إلا أن الانشغال بها مضيعة للوقت، ما لم يكن هناك مصلحة، وفي بعض الأحيان يكون التصوير بذلك حراماً؛ كالذين يصورون حفلات الزواج، مثلاً: يصورون النساء، أو المرأة مع زوجها، أو الملاقاة فهذا حرام؛ لأنه ليس فيه إلا إثارة الشهوة لمن اطلع على هذه الصورة، أو التفرج على نساء المسلمين، وهذه جميلة وهذه قبيحة، وهذه طويلة وهذه قصيرة، وهذه بيضاء وهذه سوداء، وما أشبه ذلك. لكن إذا أردنا أن نصور مجلس علم فهذا لا بأس به، ولا حرج فيه.

стр. 2551

وقت ساعة الإجابة يوم الجمعة ما هو القول الراجح في مسألة ساعة الإجابة في يوم الجمعة مع ذكر الدليل؟ أرجح الأقوال: أنها من حين يخرج الإمام إلى أن تقضى صلاة الجمعة، أي: من يوم يجيء الإمام يوم الجمعة إذا دخل وصعد المنبر، من ذلك الوقت إلى أن تقضى الصلاة؛ لأن هذا ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، وهو أيضاً مناسب للإجابة؛ لأن الناس يجتمعون فيه على فريضة من فرائض الله، وإجابة دعوة الناس المجتمعين أقرب من إجابتها متفرقين، ثم يلي هذا بعد العصر؛ لأنه ورد في حديث أبي هريرة تعيينها من بعد صلاة العصر، لكن الأول أصح. والإنسان ينبغي أن يجتهد في الدعاء في وقت إقامة صلاة الجمعة وكذلك بعد العصر ويجمع بين الأمرين.

стр. 2552

مكان الروح بعد الموت، وحكم المجانين في الآخرة فضيلة الشيخ! بالنسبة للإنسان إذا مات أين تكون روحه؟ والمجانين ماذا يعمل الله بهم؟ أما أهل الجنة فتكون أرواحهم في الجنة وهم المؤمنون، وأما أهل النار فتكون أرواحهم في النار، كما جاء ذلك في الحديث عن النبي ﷺ . أما المجانين فإذا كان أهلهم مؤمنين، أبوه أو أمه فهو من المؤمنين؛ لأن المجانين والأطفال حكمهم حكم آبائهم، ولد المؤمنين من المؤمنين، وولد الكفار ليس من المؤمنين في أحكام الدنيا، أما في الآخرة فالصحيح أن الله يمتحنهم بما شاء من التكليف، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار. السائل: والحديث -يا شيخ- (أن النبي ﷺ رأى الولدان الذين حول إبراهيم ﵇ فسأله الصحابة قالوا: وأبناء المشركين. قال: وأبناء المشركين) . الشيخ: لا، ليسوا أبناء المشركين؛ لأن أبناء المشركين الصواب فيهم ما قاله الرسول: (الله أعلم بما كانوا عاملين) .

стр. 2553

موقف المسلم من الجماعات الإسلامية ومناهجها فضيلة الشيخ! ما هو موقف المسلم من الجماعات الإسلامية ومناهجها والدعوات الواردة والداخلة في هذه البلاد حفظكم الله؟ أنت تعلم -بارك الله فيك- أن هذا القرآن نزل لهذه الأمة إلى يوم القيامة، وأن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وأن هذا القرآن حذر الله فيه من التفرق، فقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٥٩] ، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فالجماعات التي تؤدي إلى تفرق الكلمة واختلاف القلوب جماعات باطلة، وأما الجماعات التي لا تؤدي إلى ذلك كاختلاف المسلمين في المذاهب فهذا مذهبه حنبلي وهذا شافعي وهذا مالكي وهذا حنفي فإنها لا تضر ما دامت القلوب لم تختلف. لكن مع الأسف الشديد أنا وجدنا اليوم أن هناك جماعات اختلفت قلوبها، وصار بعضها يضلل بعضاً، بل ربما يكفر بعضها بعضاً، وتجد الإنسان يحب أن يرى عدواً حقيقة له من الكفار والمنافقين ولا يرى هذا المسلم الذي خالفه في المنهج، وهذه بلوى وهي -والله- وصمة عظيمة على مستقبل اليقظة الإسلامية؛ أن يكون هؤلاء المؤمنون يضرب بعضهم بعضاً، ويقدح بعضهم ببعض، وكأنهم يقولون لأهل الكفر والنفاق والإلحاد: اطمئنوا فإننا سنكفيكم، سنتمزق فيما بيننا، وسيضلل بعضنا بعضاً، ويبدع بعضنا بعضاً وهذه مشكلة، والواجب على الجماعات الإسلامية كـ جماعة التبليغ، وجمعية الإصلاح، وجمعية التراث، والإخوان المسلمين وغيرهم أن يكونوا أمة واحدة، وأن يجلس رؤساؤهم بعضهم إلى بعض ويبحثوا في نقط الخلاف بينهم ثم يصححوا هذا الخلاف، ما دام الهدف واحداً إن كانوا صادقين وهو القيام بشريعة الله وإعزاز دين الله، فليكونوا على مائدة واحدة، أما أن يتكلم بعضهم في بعض من وراء الجدر، وتتمزق الكلمة وتتفرق الأمة، فهذا غلط. ونأسف أن بعض الناس يستغل الشباب الصغار ليحزبهم، ثم يقول: احذروا من الجماعة الفلانية، احذروا من الشخص الفلاني، احذروا من كذا، سبحان الله! أنت تريد أن تبني أمة متفرقة متمزقة فيما بعد؟!! فأنا أحذر جداً من هذه الجماعات التي يضلل بعضها بعضاً، وأرى أن الواجب أن نكون أمة واحدة على هدف واحد، وألا تختلف القلوب مهما اختلفت الآراء والأقوال.

стр. 2554

حكم الانتظار وقت الأذان الثاني يوم الجمعة ثم الصلاة بعد الأذان فضيلة الشيخ! يوم الجمعة يلاحظ على بعض المصلين أنه إذا شرع المؤذن في الأذان الثاني ودخلوا المسجد وقفوا حتى ينتهي المؤذن، ثم إذا شرع الخطيب في خطبته بدءوا بالصلاة، فما الحكم؟ قال بعض العلماء هكذا، أي: أنك تجيب المؤذن، ثم إذا أجبت المؤذن تأتي بالركعتين، ولكن هذا القول ضعيف، والقول الراجح: أنك تصلي ركعتين لوجهين: الوجه الأول: المبادرة في صلاة الركعتين، بدل أن تبقى واقفاً ثم تأتي بهما نقول: بادر. الثاني: أن تتأهب لاستماع الخطبة، فإن استماع الخطبة أهم من إجابة المؤذن؛ لأن إجابة المؤذن سنة واستماع الخطبة واجب، والواجب مقدم على السنة، أما إذا دخلت وهو يؤذن في غير الجمعة فلا بأس أن تجيب المؤذن أولاً؛ لئلا تفوت الإجابة، ثم بعد ذلك تأتي بتحية المسجد.

стр. 2555

كيفية التصرف في مال الغائب الذي لم يعد رجل كانت عنده شغالة وأعطته مبلغاً من النقود لكي يأتي لها ببعض الحوائج، فأتى بما أرادته وبقي عنده نقود ونسي أن يعطيها إياها، وذهبت بلا عودة، فما الحكم بباقي النقود، مع أنه قد تبرع بأكثر منها لها؟ الواجب عليه أن يبحث عن هذه الخادمة، أين هي، وأين أهلها، وكيف يوصل إليها ما بقي من فلوسها، فإن لم يقدر تصدق به -أي: بما بقي- عنها، ينوي أن ثوابها لها، وأما ما تبرع به من قبل فهذا ذهب بأجره ولا يمكن أن يسترده بهذه الفلوس.

стр. 2556

زكاة الخليطين، وحكم زكاة أحدهما عن الآخر فضيلة الشيخ! الخليطان في بهيمة الأنعام إذا أخذ المزكي زكاة من مال أحدهما فما موقف الآخر بالنسبة للأول؟ الخليطان إذا أخذ المزكي من مال أحدهما فإنه يرجع على الآخر بما يلزمه من هذه الزكاة، فمثلاً: من له أربعون والثاني له عشرون يرجع عليه بالثلث إذا كان صاحب الأربعين هو الذي بذلها، ويرجع عليه بالثلثين إن أخذت من مال صاحب العشرين؛ لأن المال الخليط كالمال الواحد. السؤال: فضيلة الشيخ، إذا كان هناك خليطان وتبرع أحدهما بدفع الزكاة عن الآخر، فما حكم الآخر، هل يزكي، أم أنه لا يدفع زكاة؟ الجواب: إذا أجاز الثاني تصرف خليطه فلا بأس، لا سيما إذا كان الواجب في الزكاة عين واحدة، مثلاً: شاة واحدة لا يمكن أن تتجزأ، أما إذا كان الواجب شاتان وكان مالهما متساوياً فهذه ربما نقول: انتظر لأجل أن تؤدي زكاة نفسك وصاحبك يؤدي زكاة نفسه ومع هذا نقول: إذا أجازها صاحبها فلا بأس.

стр. 2557

حكم التعمق في البحار والأرواح وغيرها فضيلة الشيخ! ما حكم التعمق في البحار وكذلك الأرواح وعلم السماوات وغيرها؟ أما التعمق بما يمكن إدراكه فلا بأس به إذا لم يشغل عما هو أهم منه، ومعلوم أن البحار يمكن إدراكها في العلوم لأنها أمر محسوس، وكذلك الأفلاك كالشمس والقمر وغيرها، وأما ما لا يمكن إدراكه فالتعمق فيه تنطع وإضاعة وقت، مثل أن يتعمق الإنسان فيما يتعلق بصفات الله ، أو فيما يتعلق باليوم الآخر، أو فيما يتعلق بمسائل القبر والبرزخ؛ لأن هذا لا يمكن إيضاحه، فهذا هو التفصيل في هذا الأمر.

стр. 2558

قصر الصلاة في السفر فضيلة الشيخ، هناك مسافرون وفي أثناء السفر لا يجدون إماماً مقيماً، فتارة ينوي القصر فإذا هو متم، وتارة ينوي الإتمام فإذا به يقصر، وهذا إذا لم نلحق تكبيرة الإحرام، فما هو الحكم؟ الحكم في ذلك أن ننظر لظاهر الحال، فمثلاً: إذا كان هذا المسجد على الطريق فالغالب أن الذين يصلون فيه مسافرون فينوي القصر، وأما إذا كان المسجد في البلد فالغالب أن الذين يصلون مقيمون، فينوي الإتمام. السائل: فضيلة الشيخ، لو نويت القصر ثم أتم الإمام؟ الشيخ: أتم معه. السائل: إذا كانت الصلاة جماعة وما تدري هل يتم أو يقصر؟ الجواب: انظر للظاهر، ما هو الظاهر من هذا الإنسان، إذا كان المسجد على الطرق أو في المحطات محطة البنزين فهذا الظاهر أن الذين يصلون مسافرون، فتنوي القصر، فإذا أتم فأتم، فلو دخلت معهم في الركعة الثانية وبنيت على أنه مسافر وأنه يقصر ثم أتم فإنك تتم، إذا سلم تأتي بركعة.

стр. 2559

حكم تعليق القرآن في البيوت، ومعنى التولة ما حكم من يعلق القرآن والآيات في البيت؟ وهل هذه التي تسمى التولة؟ أما تعليق الآيات في البيت فإن قصد بذلك التبرك فهو بدعة، وكذلك إن قصد التعبد لله فهو بدعة، وإن قصد التنبيه فلا وجه له، وذلك لأن الذين يجلسون في هذا المجلس ربما ينتبهون، وربما يكون مكتوباً فوق رءوسهم قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] ، ومجلسهم كله غيبة، وهذا إهانة للقرآن الكريم، وربما يقال: إنه من باب اتخاذ آيات الله هزواً، ثم إن السلف وهم أشد منا حرصاً على التنبيه والتذكير لم يكونوا يفعلون هذا. ثم إن المسألة الآن تطورت فصاروا يكتبون هذه اللوحات وهذه الأوراق بكتابات كأنها نقوش، وكأنها زخارف، حتى ربما يكتبون الآية ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ:١٣] على صورة محراب، يكتبون: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] على صورة قلم، وربما: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء:٧٩] يكتبه على صورة طير، والجبال يكتبه على صورة جبل، والرمان يكتبه على صورة شجر الرمان، كل هذا غلط، وقد اختلف العلماء في: هل يجوز أن يكتب القرآن بغير الرسم العثماني؟ فكيف إذا كتب على هذه الأشكال والزخارف؟!! ولهذا أنا أنهى عنها، وأقول: لا تضع في مجلسك الخاص أو العام آيات معلقة، الآيات والحمد لله موجودة في المصحف، ومن أراد أن يتعظ بها فليأخذها من المصحف. أما التولة فهي شيء يعلقونه يدعون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والزوج إلى امرأته، ويشبه ذلك ما يسمونه عندنا بالدبلة، فإن بعضهم يكتب اسم امرأته في الخاتم الذي يلبسه وتكتب هي اسم الزوج في الخاتم الذي تلبسه، ويدعون أن هذا رابطة، حتى أن بعضهم إذا كان عليه دبلة من ذهب وقيل له: دعها اخلعها، قال: (الست تزعل) . يعني بـ (الست) الزوجة، وكأنها تتشاءم لو أنه خلعها بأنه يفارقها، فالحاصل: أن التولة هي هذا الشيء الذي يحبب المرأة إلى زوجها والزوج إلى امرأته، وقد جاء في الحديث أنها من الشرك، فعلى الإنسان أن يتجنب من هذه الأمور، وأن يخلص لله في توكله وعبادته. وإلى هنا ينتهي هذا المجلس، أعادنا الله وإياكم من أمثاله على خير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 2560

لقاء الباب المفتوح [٨٨] هذا اللقاء يحتوي على موضوعين: الأول: تفسير قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء. ) فالله لم يأمر عباده بشيء يتعلق بأمور الدنيا، وإنما أمرهم أن يعبدوه سبحانه، وأن تكون عبادتهم خالصة. أما الموضوع الثاني: فهو الحج والذي ذكر فيه الشيخ بعض المسائل والأحكام التي تتعلق به.
следующие страницы →