Полный текст (6 569 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
حكم ذبح الهدي إذا كسرت قدمه
لماذا رخصنا للعجزة والضعاف والمضطرين في النفور من مزدلفة قبل الوقت ولم نرخص لهم في رمي الجمار قبل الوقت؟
رخصنا للضعفة في الدفع من مزدلفة؛ لأن الرسول ﷺ رخص لهم.
السائل: ألا يقاس على رمي الجمرات؟ الشيخ: لا يصح القياس؛ لأن العلة موجودة في عهد الرسول، الزحام الذي يكون عند رمي الجمرات في أيام التشريق هو الذي يكون عند رمي جمرة العقبة يوم العيد، ومع ذلك لم يرخص لهم.
السائل: الهدي يعطى للراجل وغيره؟ الجواب: لا بأس الذي لا يستطيع أن يذبحه بنفسه، أو بوكيله المباشر يعطي الراجل.
السائل: الهدي التي كسرت يده إذا كنت لم أفعل هذا في السنة الماضية أفعله هذه السنة؟ الشيخ: انكسرت يده قبل أن تعينه، أم بعد ما عينته؟ السائل: بعد ما عينته.
الشيخ: قلت هكذا؟ السائل: إيه وذبحته.
الشيخ: ذبحته بهذه النية ولكن قبل أن ينكسر هل أنت عينته، أم اشتريت وتريد أن تجعله هدياً؟ السائل: لا اشتريته وهو هدي.
الشيخ: افرض إنساناً اشترى عبداً يريد أن يكون كفارة هل يعتق قبل أن يقول أنت عتيق؟ السائل: لا.
الشيخ: لا يعتق مع أنه اشتراه بنية العتق، لكن لا يعتق حتى يقول: إنه عتيق، أيضاً: اشترى بيتاً ليجعله وقفاً هذه نيته، هل يكون البيت وقفاً لمجرد الشراء، أو لا بد أن يقول: هذا وقف؟ السائل: لا بد أن يقول: هذا وقف.
الشيخ: هذه أيضاً الأضحية أو الهدي اشترى هذه الشاة لتكون هدياً فهل قال: إنها هدي؟ إن كان كذلك فالآن تعينت، وإن لم يقل ذلك تعينت بالذبح لكن بشرط أن تذبح وهي سليمة.
السائل: أنا يا شيخ أثناء شرائي لها ونيتي أنها هدي.
الشيخ: لكن هل قلت: إن هذا هدي بلسانك أم لا؟ السائل: نعم قلتها.
الشيخ: بلسانك؟ السائل: نعم.
الشيخ: ثم انكسرت بعد ما قلت من كلامك؟ السائل: نعم.
الشيخ: إذاً الحمد لله أجزأت، ما دام أن انكسارها ليس بسبب منك، أنت الذي أخذتها وأخرجتها من السيارة، أو أنت الذي أفزعتها حتى قفزت من السيارة، المهم إذا لم يكن ما هو منك فتجزئك.
السائل: بعض العوام لا يعينون ويقولون: هذا هديي، وإنما يشتريه على أساس أنه بنية هدي لكن لا يعين؟ الشيخ: إذا لم يقل: هذا هديي، أو إذا سأله شخص: ما هذا؟ قال: هذا هدي، فهي لا يكون هدي.
السائل: لأن غالب الناس يشترون الهدي على أساس أنه هدي لكن لا يعينون.
الشيخ: نقول: ما دام أنها تعيبت اتركها واشتر غيرها السائل: ما تعيبت وإنما تعينت.
الشيخ: السؤال الآن بارك الله فيك عن التي تعيبت قبل التعيين، لكن الآن تبينت أنها معينة قبل.
السائل: لكن أقصد لك يا شيخ التعيين إذا ما عينت أن هذا هدي لكن اشتريته على أنه هدي؟ الشيخ: ما صار هدياً، ولهذا يجوز لك أن تبيعه لأنك لو اشتريته على أنه هدي، ووجدت من قال: بكم اشتريت هذا؟ تقول: بمائتين، قال: أريده بمائتين وخمسين، لك أن تبيعه منه، لأنك ما عينته باللفظ.
السائل: يوجد كثير من الناس الآن يشترون الهدي ولا يعينونه.
الشيخ: لكن الغالب أنه يذبح وهو ما قال شيئاً، هو إذا ذبحها تعينت، لأن التعيين يحصل إما بالقول وإما بالذبح، فالذبح يعتبر تعييناً، لكن النية بلا قول ولا ذبح هذه لا تصلح.
السائل: هذا مثل وكالة الراجحي أنا أعطيه المال وأنا لم أرها ولم أعينها.
الشيخ: هذه المشكلة من وكالة الراجحي أو غير وكالة الراجحي أو الإغاثة، هذه مشكلة؛ لأن الإغاثة الآن إذا اجتمع عندهم ألفا رأس لا يقولون: هذه أضحية موسى، وهذه أضحية محمد، وهذه أضحية عبد الله، وإنما يريدون أن يذبحوها عن هذا المجموع، طيب! أنا الآن لا أدري أين أضحيتي.
وأنا قلت لكم في أثناء الكلام: إن الخروج عن العمل المشروع لا بد أن يحدث مشاكل.
стр. 2697
بم يكون إدراك الحاج ؟
جرى نقاش حول إدراك الحج: هل الذي يأتي إلى عرفة بعد غروب الشمس يكون مدركاً للحج؟
نعم، ما دام أنه أتى قبل طلوع الفجر يوم العيد فقد أدرك.
стр. 2698
لقاء الباب المفتوح [٩٣]
وافق هذا اللقاء نهاية العام الهجري، فكان حديث الشيخ عن أصناف الناس وأحوالهم بالنسبة لحياتهم، فمنهم مجتهد، ومنهم مقصر، ومنهم خاسر لدنياه وأخراه.
ثم أجاب عن الأسئلة والتي كان معظمها متعلق بالصلاة والحج.
стр. 2699
أقسام الناس بالنسبة لزمانهم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث والتسعون من لقاء الباب المفتوح والذي يتم يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة عام (١٤١٥هـ) وحيث إن هذا اللقاء هو آخر لقاء في هذا العام، وأنه أعقب موسم الحج؛ فإننا نهنئ أنفسنا وإياكم بما منَّ الله به على المسلمين في هذا العام من الحج الهادئ الذي تم فيه أداء النسك على الوجه الأتم، وعلى أكمل راحة ولله الحمد، لا من جهة الجو والطقس حيث كان بارداً في الليل ومقبولاً في النهار ولا سيما في يوم عرفة حيث أظل الله المسلمين بالغمام.
ثم إننا نشكر الله أن أمضينا من أعمارنا عاماً كاملاً، نرجو الله أن نكون قد استفدنا منه وانتهزنا فرص العمر؛ وذلك لأن العمر لحظات ودقائق وأيام تمضي سريعاً وتزول جميعاً، والسعيد من عمرها بطاعة الله ، وليس للإنسان من عمره إلا ما أمضاه بطاعة الله، أما ما لم يمضه في طاعة الله فهو إما خسارة وإما عقوبة وإثم، فالناس بالنسبة لزمانهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
стр. 2700
قسم استغل وقته في طاعة ربه
قسم أمضى زمانه في طاعة ربه حتى في العادات التي اعتادوها من أكل وشرب ولباس ودخول وخروج وغير ذلك إذا ابتغى به وجه الله أثابه الله لقول النبي ﷺ لـ سعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لم تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك) فهؤلاء هم الرابحون الذين استغلوا الوقت ولم يمض عليهم ساعة من الزمن إلا ولله تعالى فيها طاعة من هؤلاء البررة الأطهار.
стр. 2701
قسم أمضى عمره في معصية الله تعالى
القسم الثاني: عكس ذلك من أمضى عمره في معصية الله وفي اللهو والسهو والترف الذي فيه التلف حتى ضاع عليه العمر وندم ولات ساعة مندم، تجده يُمضي عمره في غير ما يرضي الله ، وإذا أتى بالطاعة أتى بها على الوجه الذي لا يقرب منه، بل ربما يأتي بالطاعة على وجه العادة فقط اعتاد أن يفعل هذا الشيء فصار جبلة له وطبيعة دون أن يقصد به وجه الله وهذا أيضاً خاسر غاية الخسران والعياذ بالله.
стр. 2702
قسم خلط عمره بأعمال صالحة وسيئة
القسم الثالث: من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فصار لهم نصيباً من حياتهم ولكنه ليس النصيب الأكمل، ولهذا ينبغي للإنسان العاقل أن ينتهز فرص العمر قبل أن ينتهي عمره وهو لا يشعر فيضيع عليه الوقت.
كم من إنسان أمَّل أملاً بعيداً، وعُمراً مديداً ولكن حال بينه وبين ذلك غيب المنون فاقتنصته الآجال، وصار بعد الوجود إلى الزوال، ولنا أسوة فيما يقع من الحوادث التي نشاهدها أحياناً ونسمع بها أحياناً تتكرر كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر يلبس الإنسان ثوبه، ويزر إزاره بيده، ثم لا يفك هذا الإزار إلا الغاسل والإنسان على سرير غسله.
يدخل السيارة فاتحاً الباب مغلقاً على نفسه ثم لا يخرج منها، بل يخرج ميتاً جنازة، وفي هذا عبر لمن اعتبر نسأل الله يجعلنا وإياكم من المعتبرين.
أما فيما يتعلق في ختام هذا العام فإنه ينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه وأن ينظر ماذا قدم في هذا العهد ماذا قدم لنفسه إن كان مسرفاً فليستعتب وليتب إلى الله (والتائب من الذنب كمن لا ذنب له) ، وإن كان محسناً فليحمد الله وليسأل الله الثبات على ذلك، ويجب أن يبعد عن نفسه الغرور والعجب بما أنعم الله عليه من نعمة الإسلام وفعل الخيرات، لأنه إذا أُعجِبَ وغُرَّ بنفسه دخل في قول الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] .
فنسأل الله تعالى أن يجعل لنا ولكم من أعمالنا نصيباً نتقرب به إلى الله ، وألا يجعل ما علمنا وبالاً علينا إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
стр. 2703
الأسئلة
стр. 2704
حكم من حج وترك طواف الإفاضة
رجل حج قارناً وفي اليوم الثاني عشر من ذي الحجة طاف طواف الوداع ورجع إلى بلده؟ الشيخ: ولم يطف للإفاضة؟ السائل: ما نوى ولا طاف ولا سعى، ولكن يقول: إنه طاف طواف الوداع.
الشيخ: أول ما قدم سعى؟ السائل: طاف وسعى أول ما قدم.
الشيخ: هذا الرجل الذي حج حج قران وطاف للقدوم أول ما قدم إلى مكة وسعى، ثم بعد أن وقف بـ عرفة ومزدلفة طاف للوداع وانصرف، نقول: إنه بقي عليه طواف الإفاضة وهو ركن لا يتم الحج إلا به، ويبقى عليه من الإحرام التحلل الثاني، وعلى هذا فلا يقرب زوجته إن كان ذا زوجة، ويجب عليه أن يكمل حجه ما دام الشهر باقياً الآن يجب عليه أن يسافر إلى مكة، والأفضل أن يأخذ عمرة حين يمر بالميقات فيحرم من الميقات ويطوف ويسعى ويقصر ثم يطوف طواف الإفاضة.
السائل: يا شيخ هذا كان قبل ثلاث سنوات.
الشيخ: إذاً: لابد الآن أن يذهب إلى مكة ولو كان قبل ثلاث سنوات الآن يجب عليه أن يذهب إلى مكة ويفعل ما قلت لك، يأتي بعمرة؛ لأنه مر بالميقات ويريد إكمال النسك، فيحرم بعمرة ويطوف ويسعى لها ويقصر ثم يأتي بطواف الإفاضة.
وأما جماع زوجته أنا أرى أن نعاقبه بالأشد؛ لأن الرجل متهاون له ثلاث سنوات وما سأل وهذه مشكلة، لكن على القول: بأن الجاهل لا يلزمه شيء نقول: إذا تاب إلى الله وأصلح عمله فإنه لا يلزمه سوى ما ذكرت.
стр. 2705
حكم الوقف إذا اشتمل على بدع ومحرمات
فضيلة الشيخ: هذا شخص يسأل ويقول: في أحد مكتبات المساجد كتبٌ فيها بدع وكتب فيها صور ويقال: إن أصحابها جاءوا بها وقفاً على هذه المكتبة! فماذا نفعل بهذه الكتب التي في المكتبة، وهي مكتبة أحد المساجد؟
الواجب على القائمين على مكاتب المساجد إذا رأوا كتباً فيها بدع أو فيها صور فاتنة أن يحرقوا هذه الكتب، وألا يبقوها في أيدي الشباب؛ لأنها تضرهم من ناحية العقيدة، وتضرهم أيضاً من ناحية الأخلاق فيما يتعلق بالصور، حتى وإن كان صاحبها أوقفها، لكن إن كان صاحبها حياً فينبغي أن يبلغ، ويقال: إن هذا لا يحل لك أن تجعله في المكتبة، ونرى أن تشتري بدله من الكتب المفيدة.
стр. 2706
حكم التمتع في الحج لمن أتى في اليوم الثامن
من وصل إلى الميقات في اليوم الثامن هل له أن يتمتع؟ وإذا كان له ذلك هل الأفضل التمتع أم القران؟
إذا وصل إلى الميقات في اليوم الثامن قبيل الظهر فلا أرى أن يأتي بعمرة؛ لأن الله يقول: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦] فلابد أن يكون هناك وقت يفصل بين العمرة وبين الحج، والإنسان إذا وصل إلى الميقات بعد أن دخل وقت الحج مأمور أن يخرج إلى منى، وأن يسعى في الحج ويكمل الحج.
وبناءً على ذلك: أرى أن الأفضل لمن مر بالميقات في الوقت الذي يخرج الناس فيه إلى منى أرى أن يأتي بقران، وألا يأتي بتمتع؛ لأن التمتع في الحقيقة فات وقته إذ أن الله يقول: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦] وهذا يدل على أن هناك فاصلة ووقتاً بين العمرة الحج.
ونقول: إذا كنت تريد أن يحصل لك حجٌ وعمرة فأقرن والقران يحصل به حجٌ وعمرة، لقول النبي ﷺ لعائشة: (طوافك بالبيت وبـ الصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك) .
ومعروف أن الرسول ﵊ وأصحابه خرجوا إلى منى في ضحى اليوم الثامن.
стр. 2707
حكم التهنئة بالعام الهجري الجديد
فضيلة الشيخ: ما رأيكم في تبادل التهنئة في بداية العام الهجري الجديد؟
أرى أن بداية التهنئة في قدوم العام الجديد لا بأس بها ولكنها ليست مشروعة بمعنى: أننا لا نقول للناس: إنه يسن لكم أن يهنئ بعضكم بعضاً، لكن لو فعلوه فلا بأس، وإنما ينبغي له أيضاً إذا هنأه في العام الجديد أن يسأل الله له أن يكون عام خيرٍ وبركة فالإنسان يرد التهنئة.
هذا الذي نراه في هذه المسألة، وهي من الأمور العادية وليست من الأمور التعبدية.
стр. 2708
حكم نيابة من لا يصلي في الحج
فضيلة الشيخ: رجل ملتحٍ يحج عن الناس ولا يصلي، ما صحة الحج؟
الرجل الذي لا يصلي أبداً لا في المسجد ولا في البيت هذا كافر مرتد، يجب أن يدعى إلى الصلاة وإلا قتل كافراً، يعني: هو مرتد، ولا يصح حجه، حتى لو حج لغيره فإنه لا يصح لأنه كافر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤] مع أن النفقات نفعها متعدٍ ومع ذلك لا تقبل منهم لكفرهم، وعلى من علم أن هذا الرجل كافر عليه أن يغرمه ما أعطاه من الأموال وأن يحج بدل هذه الحجة إذا كانت فرضاً، وإن كانت تطوعاً فليس عليه شيء يعني: إن شاء أقام من يحج عنه، وإن شاء حج بنفسه وإن شاء لم يحج.
стр. 2709
الفرق بين الغيبة والنميمة
ما الفرق بين الغيبة والنميمة، وهل هناك أحوال يجوز للإنسان أن يغتاب فيها الناس؟
الفرق بين الغيبة والنميمة، أن الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، بأن تسبه في دينه أوخلقه أو خلقته أو عمله أو أي شيء، فإذا ذكرته بما يكره في غيبته فهذه الغيبة، (قالوا: يا رسول الله! أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) .
وأما النميمة فهي: نقل كلام الناس بعضهم لبعض بقصد الإفساد مثل: أن يأتي إلى شخص ويقول: إن فلان يقول فيك كذا وكذا، سواء كان صادقاً أو كاذباً، هذه هي النميمة مأخوذة من نم الحديث إذا عزاه إلى غيره، والنميمة أعظم من الغيبة؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه مر بقبرين وقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) فهذا هو الفرق بينهما.
أما هل تجوز الغيبة أو النميمة؟! فهذا ينظر إذا كان ذلك للمصلحة فلا بأس أن تذكره بما يكره إذا كان للمصلحة، مثل: أن يأتي إليك رجل يستشيرك في شخص يريد أن يعامله أو يزوجه وأنت تعلم أن فيه شيئاً مذموماً فلك أن تذكر ذلك الشيء، فإن فاطمة بنت قيس ﵂ أتت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تستشيره حيث تقدم لها ثلاثة رجال: أبو جهم ومعاوية بن أبي سفيان وأسامة بن زيد، فجاءت تستشير النبي ﷺ في ذلك: من تتزوج منهم فقال: (أما أبو جهم فضراب للنساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة) فهنا ترى أن النبي ﷺ ذكر معاوية وأبا جهم بما يكرهون لكن لإرادة أن ينصف، فهذا لا بأس به.
كذلك النميمة لو نممت إلى: إنسان ما يقول به شخص آخر ترى أن هذا الشخص صديق له واثق منه، ولكن هذا الصديق الذي وثق منه ينقل كلامه إلى الناس، فتأتي إليه وتحذره وتقول: إن فلاناً ينقل كلامك إلى الناس، وأنه يقول فيك كذا،وكذا فهذا أيضاً لا بأس به، بل قد يكون واجباً.
والمسألة تعود إلى: هل في ذلك مصلحة تربو على مفسدة الغيبة فتقدم المصلحة، هل في ذلك مصلحة تربو على مفسدة النميمة فتقدم المصلحة؛ لأن الشرع كله حكمة يوازن بين المصالح والمفاسد فأيهما غلب صار الحكم له، إن غلبت المفسدة صار الحكم لها، وإن غلبت المصلحة صار الحكم لها، وإن تساوى الأمران فقد قال العلماء ﵏: درأ المفاسد أولى من جلب المصالح.
стр. 2710
حكم جمع الصلوات بدون عذر شرعي
فضيلة الشيخ: أناس بعد رمي جمرة العقبة لم يؤدوا جميع الصلوات حتى قدموا إلى أهلهم، فعند قدومهم جمعوا صلاة أربعة أيام مرة واحدة! الشيخ: ولماذا؟! السائل: بحجة أنهم متعبون!
هؤلاء الذين ذكرت أنهم لما رموا جمرة العقبة تركوا الصلاة حتى رجعوا إلى أهلهم وعذرهم في ذلك أنهم متعبون نقول: إن هؤلاء آثمون؛ لأنهم أخروا الصلاة بلا عذر شرعي ولا ينفعهم قضاؤها، يعني: لو قضوها ألف مرة فإنها لا تقبل منهم؛ لأنهم خرجوا بها عن الوقت الذي حدده الله بلا عذر، وقد قال النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه.
فبلغهم أن يتوبوا إلى الله وأن يرجعوا إليه مما صنعوا وألا يقدموا على شيء في العبادات إلا بعد أن يسألوا أهل العلم.
стр. 2711
حكم إقامة أكثر من جماعة في نفس المسجد
إذا انتهت جماعة المسجد من الصلاة ودخلت جماعة أخرى تبدأ بالصلاة، ودخلت جماعة ثالثة وبدءوا بالصلاة ما حكم الجماعة الثانية من ناحية الصحة والبطلان؟
أما الجماعة الأولى التي أقامت الصلاة بعد أن فاتتها جماعة المسجد هؤلاء مأجورون مثابون على عملهم؛ لقول النبي ﷺ : (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) ، ولأن رجلاً دخل والنبي ﷺ يصلي بأصحابه وقد فاتته الصلاة فقال: (من يتصدق على هذا فيصلي معه، فقام إليه بعض الصحابة وصلى معه) .
أما الجماعة الثالثة التي جاءت والجماعة الثانية تصلي فصلوا وحدهم فهؤلاء مفارقون لجماعة المسلمين وأرى أن يعيدوا صلاتهم احتياطاً؛ لأنهم فارقوا الجماعة، اللهم إلا أن يكون هناك لهم عذر مثل أن يقولوا: هؤلاء يصلون صلاة العشاء ونحن نصلي صلاة المغرب، فهم قد يكون لهم شبهة ووجهة نظر لكن مع ذلك نرى أن يدخلوا مع الجماعة الثانية ولو كانوا يصلون العشاء وهؤلاء يصلون صلاة المغرب؛ لأن اختلاف نية الإمام والمأموم لا يضر على القول الراجح.
стр. 2712
ضابط الجمع بين الصلاتين للمسافر
شخص يسافر إلى البلاد الكافرة ويقيم بها حوالي شهر ويكون في أوقات الصلاة خارج مقر إقامته فتصعب عليه الصلاة، فمثلاً: قد يكون في مكان يصلي الظهر ثم في مكان آخر قد لا تتسنى له صلاة العصر، فما هو أسهل أمر له، هل ترون الجمع أو القصر وما هي أسهل طريقة حفظكم الله؟
نرى أن المسافر إذا كان لا يمكنه أن يصلي كل صلاة في وقتها إلا بمشقة أو بفوات مصلحة أن يجمع إما جمع تقديم أو جمع تأخير، حسب ما يكون أيسر له وأسهل في حاجته سواء كان يريد البقاء شهراً أو شهرين أو أكثر؛ لأنه ليس هناك دليل على تحديد المدة التي ينقطع بها السفر، وعلى هذا فنقول لهذا الأخ: اجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم أو تأخير حسب ما يتيسر لك، وكذلك بين المغرب والعشاء.
стр. 2713
مقدار المبيت الواجب بمنى
ما مقدار المبيت بـ منى؟
ذكر العلماء ﵏: أن المبيت بـ منى واجب وأن يكون معظم الليل.
مثلاً: إذا قدرنا أن الليل عشر ساعات فليكن خمس وساعات ونصف كلها بـ منى، وما زاد على ذلك فهو سنة.
стр. 2714
حكم الجدال في الطريق إلى الحج
أناس يتجادلون في الطريق إلى الحج، فهل هذا صحيح؟
يقول الله في الحج: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] والجدال ثلاثة أنواع: الأول: جدال يريد به إثبات حق فهذا واجب حتى وإن كان الإنسان في الحج، ما دام يريد إثبات الحق فواجب عليه أن يجادل لكن بالتي هي أحسن لقول الله ﵎: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] لا يقول: إن هذا جدال والله يقول: ﴿وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] نقول: هذا جدال واجب لابد منه، وهو دفاع في الواقع عن الحق أو إثبات له.
والثاني: جدال في أمور ليست حقاً ولا باطلاً، مثل أن يقول: الشيء الفلاني الذي في الجبل إنسان، وهذا يقول: حجلة، وهذا يقول: حجر وما أشبه ذلك ويتجادلون، هذا أيضاً منهي عنه لما فيه من تحريك النفس وصدها عما هي بصدده من الإقبال على النسك.
والثالث: أن يكون جدالاً باطلاً بمعنى: أنه يجادل وهو يعلم أن الحق بخلاف ما يقول، لكن يريد أن ينتصر لنفسه وأن تكون كلمته هي العليا فهذا آثم، آثم من جهة أنه جادل وهو محرم بالحج، ومن جهة أنه أراد أن يحق الباطل ويبطل الحق.
وفي هذه الحال: حبذا لو أن القافلة جعلت لها أميراً يحدد لها المصالح حتى لا يحصل النزاع؛ لأنه أحياناً يكون جدال: يقول: نريد أن نبقى، والثاني يقول: نمشي، هذا يقول: نقدم الغداء وهذا يقول: نؤخره، ويحصل جدال، إذا كان هناك أمير فحسن، وقد أمر النبي ﷺ المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يأمروا أحدهم.
وتأمير هذا الواحد ليس معناه: أنه أمير بلا إمارة بل هو أمير له إمارة وله كلمة يجب قبولها؛ لأنه لما كان أميراً صار من أولياء الأمور، وقد أمر الله بطاعة ولي الأمر إذا لم يأمر بالمعصية.
стр. 2715
صور من البيوع التي يدخل فيها الربا
رجل يبيع سيارات فأتاه شخص يريد أن يشتري منه سيارة، فقال: عندي سيارتان السيارة الثانية أفضل من السيارة الأولى، وسوف أشتريها لك وأبيعها لك كما تشاء إما نقداً أو تقسيطاً، والنقد حوالي أربعين ألف والتقسيط اثنين وستين ألف، فما حكم هذا البيع هل فيه ربا؟
إذا كان هذا الذي يريد أن يبيع السيارة ليست السيارة في ملكه ولكن يريد أن يشتريها لهذا الشخص، فهذا حرام عليه أن يأخذ أكثر من القيمة التي دفع، فإذا اشتراها بخمسين لا يجوز أن يبيعها بواحد وخمسين؛ لأنه إن فعل ذلك وقع في الربا، ولكن يبيعها بخمسين ويكون قد أقرض المشتري ثمن السيارة، وهذا خير.
أما إذا كانت السيارات موجودة عند الرجل وصار الناس يأتون يشترون منه فيقول لهم: إن اشتريتم بتقسيط فهو بكذا، وإن اشتريتم نقداً فهو بكذا، يعني: أنزل، مثلاً يقول: هي بالتقسيط بستين ألف، وهي بالنقد بخمسين ألف، فهذا لا بأس به، إذا أخذها المشتري بأحد الثمنين؛ لأن هذا لا محظور فيه، وليس فيه ربا، وليس فيه جهالة وغرر، بل هو بيع واضح، لن ينصرف المشتري إلا وقد علم حاله هل اشتراها بمؤجل أو اشتراها بنقد.
وأما ما ذهب إليه بعض أهل العلم وقالوا: إن هذا من البيعتين في بيعة والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيعتين في بيعة، فهذا ليس بصواب، لأنك إذا قلت: هذه بعشرين نسيئة أو بعشرة نقداً فأخذها بأحد الثمنين فليس هناك بيعتان، هي بيعة واحدة لكن خُيِّرَ الإنسان فيها بين ثمنين، أحدهما أكثر ولكنه مؤجل والثاني أقل ولكنه نقد.
والبيعتين في بيعة إنما تنطبق على مسألة العينة وهي: أن يبيع الإنسان شيئاً بمائة إلى أجل ثم يشتريه بثمانين نقداً، فإن هذا هو العينة التي حذرنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه من قلوبكم حتى ترجعوا إلى دينكم) .
стр. 2716
حكم من بدأ رمي الجمار بالعكس جاهلاً
رجل رمى الجمار في اليوم الحادي عشر وبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى فما الحكم؟ الشيخ: إذا بادر بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى صحيح.
السائل: لا -يا شيخ- بدأ بالعقبة.
الشيخ: العقبة تسمى الكبرى.
السائل: ثم الوسطى ثم الصغرى.
الشيخ: عكس.
السائل: نعم.
الشيخ: جاهلاً أو عالماً؟ السائل: جاهلاً.
الشيخ: لو كنا الآن في وقت الجمار قلنا له: اذهب وارم الوسطى ثم العقبة وينتهي الإشكال، لكن الآن وقد فات الأوان وانتهت أيام الرمي وهو جاهل لا يدري فأرى ألا شيء عليه إن شاء الله؛ لأنه جاهل، لكن عليه وعلى غيره ممن يريد الحج أو العمرة أن يعرف الأحكام قبل أن يشرع في العبادة؛ لئلا يقع في خطأ، ثم بعد ذلك يحاول أن يصحح هذا الخطأ.
стр. 2717
حكم الخروج من صلاة الفريضة
فضيلة الشيخ: أنا من أهل المدينة وصليت في الحرم، وأتى رجل وقد فاتته ركعة -وأنا لم تفتني ولا ركعة- ورائحته دخان، فلما أتى بجانبي خرجت من الصلاة وتأخرت إلى الثاني فهل هذا يجوز أم لا؟
إذا صلى إلى جنبك أحدٌ رائحته كريهة سواء بسبب الدخان -في ملابسه- أو بصل أو ثوم أو غير ذلك: فإن كان يمكنك أن تؤدي صلاتك بطمأنينة وراحة فإنه لا يحل لك أن تنصرف منها؛ لأن الفريضة إذا دخل فيها الإنسان حرم أن يخرج منها إلا لضرورة.
وأما إذا كنت لا تحتمل هذا ولا تستطيع، وخشيت من أن يكون فيك دوخة أو أن تتقيأ، أو على الأقل شوش عليك صلاتك، فهنا لا بأس أن تدع هذا المكان إلى مكان آخر خالٍ من ذلك.
стр. 2718
علاج العين والسحر
فضيلة الشيخ رجل تزوج امرأة، ومنذ ليلة الزواج وامرأته يأتيها آلام وأوجاع، والآن لها ما يقارب ثلاث سنوات من الزواج، ولما ذهبت إلى أهلها أخذها أخوها إلى رجل يقرأ -يثنى عليه ويذكر بخير- فلما ذهب بها إليه وفي مكان في المجلس قال لها: انظري إلى الجدار وانظري فوق الدائرة وشدي خطوتك عليك وقُرّبَتْ منه، ثم أخذ المشلح الذي عليه ووضعه على رأسها وغطى بعض جسمها، ثم بعد ذلك مسك إصبعها ثم وضع يده على رأسها، ثم قرب منها فقال: أنت بك عين، والذي عانك امرأتان فيهما عور أحدهما أمك وعين أمك محبة، والأخرى زوجة عم زوجك، وأراهما الآن في جبهتك، ويصف المرأة أن عرض جبهتها قدر إصبعين من أصابعه ثم أخذ يتمتم تقول المرأة: لم يقرأ أي حرف، يتمتم ولا أستطيع أن أجزم أنه يتمتم.
قرأ الفاتحة ثم بعد ذلك قالت: إني أرى رجلاً يأتيني في غرفتي ويزعجني في المنام فقال: لا عبرة بهذا الرجل، أنت الذي بك هو ما قلت لك.
ثم بعد ذلك تأتين يوم الثلاثاء القادم بسدر وملح مخلوط مع بعضه وماء وزيت ثم سأقرأ به، فبعدما أتى أخوها يوم الثلاثاء القادم بالزيت أخبره بالمرأة الثانية قال: المرأة الثانية زوجة عم الزوج، فما رأيك بهذا؟ الشيخ: وهل هذا الرجل الذي أخبر بأن الذي أصابها بالعين فلانة وفلانة هل هذا حقيقة؟ السائل: لا نعلم.
الشيخ: إذاً: من أين جاءه هذا العلم، أنا أخشى أن يكون هذا من المشعوذين المفرقين بين الناس.
السائل: أنا ناقشت أخا هذه المرأة وقلت: كيف تذهب بأختك إلى هذا الرجل؟ قال: إنه رجل يذكر بخير، وهو شيخ، وأنه شفى الله على يديه كثيراً من المرضى، وأنه يقرأ قرآناً وليس صحيحاً الذي قيل عنه، فقلت له أسألك سؤالاً واحداً: هو يقرأ، وقد يستخدم مثلاً جناً مسلمين يبشروه كما ذكر شيخ الإسلام مثلاً أو كذا، لكن أريد سؤالاً واحداً وهو أنه: كيف يرى المرأتين في جبهتها؟ الشيخ: على كل حال: أنا أرى أن يذهب إلى هذا وأمثاله، وأن يقال: إذا كان صاحب خير يقرأ على المصاب بالعين أو غيرها من الأمراض ويكفي، أو يعلم العائن ويطلب منه أن يفعل ما أمر به النبي ﵊.
السائل: الآن زوجها يقول: هل آخذ من هذين المرأتين لزوجتي، أو أن أكون إذا أخذت منهما يكون من تصديق الكاهن؟ الشيخ: هو لا شك أنه إذا أخذ فهو مصدق، حتى نعرف عن هذا الرجل وعن حاله، قد يكون رجل ظاهره الصلاح لكنه يستعين بالجن، بأشياء محرمة، فمثل هذه الأمور يجب التوقف فيها.
السائل: يعني لا يأخذ من هاتين المرأتين؟ الشيخ: لا أنا لا أشير عليه أن يأخذ منهن أبداً، يستعين بالله ويقرأ ويستعمل الأشياء المفيدة.
стр. 2719
كفارة قتل الخطأ
فضيلة الشيخ: أولاً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ نشهد الله على حبك فيه.
ولي سؤال: امرأة عليها كفارة قتل الخطأ مثل صيام شهرين متتالين، صامت شهر وأتتها العادة فما الحكم؟
أولاً: بارك الله فيك! أسأل الله تعالى أن يحبك كما أحببتني فيه.
ثانياً: السلام عند إلقاء السؤال ليس له أصل؛ لأننا قد جلسنا جميعاً زمناً، ولهذا كان الصحابة ﵃ يسألون الرسول ﵊ في المجلس دون أن يسلموا، لكن هذه اعتادها بعض الناس وما أعلم لها أصلاً.
وسؤالك يحتاج أن ننظر كيف كان القتل؛ لأن بعض الناس قد يظن أن هذا القتل موجب للكفارة وليس كذلك، ولهذا نسأل هذه المرأة ربما تقول: إنها نامت عند ابنتها أو عند طفلتها ثم قامت فوجدت الطفلة ميتة، فيقول لها الشيطان: أنت التي قتلتيها، وهذا ليس بصحيح، فلابد أن نسأل: هل هي سبب لموتها أو لا؟ وإذا قدرنا أننا وصلنا إلى غاية وهي أنها هي السبب في موتها، فعليها الكفارة وعلى عاقلتها الدية، والكفارة كما نعلم أو كما يعلم كثير منا هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ولا يقطع التتابع إذا أفطرت المرأة للحيض؛ لأن هذا فطر لابد منه، ولا يقطع التتابع أيضاً إذا أفطر للسفر، ولا يقطع التتابع إذا مرض فشق عليه الصوم، وهنا نقول القاعدة: أن ما يجب عليه التتابع من الصيام إذا قطعه لعذر شرعي فإنه لا ينقطع التتابع، فإذا زال العذر أكمل الصيام ولا يلزمه أن يستأنف من جديد.
السائل: وأيام العيد يا شيخ؟! الشيخ: أيام العيد ما تقطع التتابع، يعني: يوم العيد في رمضان ويوم العيد في الأضحى وثلاثة أيام من أيام التشريق أربعة لا تقطع التتابع.
стр. 2720
حكم إقامة جماعة مع الجهل بوجود جماعة أخرى في المسجد
بالنسبة لجماعتين في مسجد: الجماعة الثانية لا تدري أنه يوجد جماعة في هذا المسجد كما يوجد هذا كثيراً في الحرم أو غيرها من المساجد، فصلت فهل نقول: صلاتهم مقبولة، أم يلزمهم قطعها من حين الشروع في التكبير.
الشيخ: دخلوا المسجد وظنوا أن الناس قد صلوا، فشرعوا بالصلاة، ثم تبين أن أهل المسجد لم يصلوا؟ السائل: لا، ثم تبين أن جماعة أخرى يصلون في جهة ثانية.
الشيخ: هؤلاء ثم تبين أن جماعة أخرى يصلون في جهة ثانية.
فهؤلاء لا يلزمهم قطع الصلاة؛ لأنهم دخلوا على وجه معذورين فيه؛ دخلوا على أنهم قد فاتتهم الصلاة، ومن فاتته الصلاة أقامها جماعة، فلا يلزمهم أن يقطعوا الصلاة.
بخلاف ما لو دخلوا وكبروا على أن الناس قد خرجوا من الصلاة، ثم تبين أن الجماعة في المسجد لم يصلوا بعد، يعني: أقام المؤذن الصلاة وهم قد شرعوا في الصلاة، فهنا نقول: اقطعوها؛ لأن إمام المسجد ذو سلطان، وقد نهى النبي ﷺ أن يؤم الرجلُ الرجلَ في سلطانه.
فيفرق بينما إذا كانت الجماعة الأم الأولى أو جماعة لاحقة، فإن كانت الجماعة الأولى قطعوا صلاتهم ولو بعد شروعهم فيها ثم دخلوا في الجماعة الأولى، وإن كانت الجماعة الثانية قد فاتتهم الصلاة -مثلاً- فإنهم لا يقطعون الصلاة من أجلهم.
стр. 2721
الرد على من يقول بفساد حج من وطئ ناسياً
يا شيخ! بعض أهل العلم يرون: أن وطئ الحاج الناسي المحرم يفسد الحج، واستدلوا: أنه يجب عليه غسل الجنابة وإنما المرفوع هو المأثم والمغرم، كيف يرد عليهم؟
نرد على هؤلاء الذين يقولون: إن الإنسان إذا جامع وهو صائم في رمضان أو جامع وهو محرم فعليه كفارة ويسقط عنه الإثم، نرد عليهم بأمرين: أمر أثري وأمر نظري: أما الأثري فنقول: إن الله تعالى قال في كتابه: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] (فقال الله تعالى: قد فعلت) وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] وهذا لم يتعمد.
وحصل تطبيق عملي لهذه القاعدة: وهي عدم المؤاخذة بالجهل والنسيان.
فقد أفطر الصحابة ﵃ في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس ولم يأمرهم بالقضاء؛ لأنهم كانوا جاهلين، ظنوا أن الشمس قد غربت.
وعدي بن حاتم ﵁ أراد أن يصوم فجعل تحت وسادته عقالين وهما الحبلان اللذان تشد بهما يد البعير أحدهما أسود، والثاني أبيض، فجعل ينظر إليهما، فلما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود أمسك، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة.
ومعاوية بن الحكم تكلم في الصلاة ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة.
فالمهم أن نقول: هذه الأدلة تدل على أن الإنسان إذا فعل شيئاً محرماً جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه.
أما الدليل النظري الذي نرد عليهم فنقول: إذا سقط الإثم لزم سقوط الكفارة؛ لأن الكفارة إنما تكون من أجل اتقاء عقوبة هذا الإثم، فإذا لم يكن هناك إثم فلا عقوبة.
وعموم العفو في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] يشمل العفو عن الذنب والعفو عن الكفارة.
стр. 2722
حكم حج من قلد الناس في حجهم
امرأة تقول: إنها لا تعلم مناسك الحج الثلاثة، ولا تعلم النية فيهما، ماذا تقول في نيتهما؟ وتقول: لها خمس حجات وهي تحج، يوم التروية تذهب مع الناس إذا ذهبوا عرفة ومزدلفة وترمي الجمار وما لها نية محددة من الأنساك الثلاثة، فتسأل عن صحة حجها في هذه الأعمال؟
الظاهر أن حجها صحيح؛ لأنها كأنما تشاهدها الآن، كأنها تقول: أحرمت بما الناس محرمون به، والإحرام بما أحرم به فلان جائز كما قال النبي ﷺ لـ علي بن أبي طالب في حجة الوداع وكان قد بعثه إلى اليمن مع أبي موسى الأشعري ﵁ فقال له: بما أهللت؟ قال: بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: فإن معي الهدي فلا تحل -فجعله قارناً- وأما أبو موسى فقال أنه أهل بما أهل به رسول الله ﷺ ولكن لما لم يكن معه هدي أمره أن يجعلها عمرة؛ لأن التمتع أفضل من القران.
فهذه المرأة لا شك مما يظهر لنا أنها أحرمت بما أحرم به الناس، وأنها تقول: دربي درب الناس، لكن كما ذكرت قبل قليل: الواجب على الإنسان إذا أراد العبادة سواءً حجاً أو صوماً أو صدقة أو غير ذلك أن يتعلم قبل أن يتقدم، أما بعد أن فعل يأتي ويقول: ما الحكم؟ فهذا لا شك أنه خلاف الأولى.
стр. 2723
تحري زيادة العمر ونقصانه في الوثائق الرسمية
فضيلة الشيخ! رجل له والد ولد عام ثلاثة وسبعين، وفي حفيظة النفوس مكتوب خمسة وسبعين، والوظائف الآن حددت لسن معين بحسبه يكون القبول والتقاعد وضعت الوزارة لجنة للنظر في مثل هذا السن، فهل له أن يتقدم إلى اللجنة للنظر في سنه لعدم وجود سابق شهادة ميلاد تحدد سنه؟ وهل عليه مأثم لو أنقصوا سنه أو زادوا؟ الشيخ: هو لماذا نقلها من ثلاثة وسبعين إلى خمسة وسبعين؟ السائل: لا يدري.
والدي يرحل، وهو صاحب أغنام لا يدري! الشيخ: الواجب بارك الله فيك أن تقول له: يجب عليك التوبة، والتوبة ألا تستمر في الذنب يجب أن تبلغ المسئولين بأن الحقيقة أن ولادته عام ثلاثة وسبعين.
السائل: لو ذهب إلى اللجنة وطلب النظر في سنه مرة ثانية؟ الشيخ: هذا طيب.
السائل: واللجنة زودت أو نقصت في سنه.
الشيخ: لا.
اللجنة الآن إن كان يظن أنها لن تقبل قوله، ولن تلتفت له؛ فهذا لا فائدة منه، لا يذهب، أما إذا كان يرى أن اللجنة ستقبل ما يقول، وستبني عليه؛ فالواجب عليه أن يذهب ويقول: أنا عمري الواقع كذا وكذا.
والرزق على الله، لا يمكن أن يستجلب رزق الله في معصيته إطلاقاً، لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢-٣] ومفهومها: أن من لا يتق الله لا يجعل له مخرجاً.
السائل: يبني على قول والده يا شيخ؟ الشيخ: معلوم؛ لأنه هو نفسه يمكن ما يعلم متى ولد.
الشيخ: طيب والده بدوي يرحل، ما يدري هو صواب أو خطأ، فالوالد صاحب ماشية ما يدري.
على كل حال أولاً: كما قلت: إن الناس يغلب عليهم الجهل.
وثانياً: أن الناس يغلب عليهم التهاون والطمع، وفي الأول ليست الأمور كاليوم -والحمد لله- في الأول الناس عندهم فقر ويريدون أن يصلوا إلى المال بأي طريق، لكن الحمد لله الآن تحسنت الأحوال، فالواجب أن يبلغ المسئولين بالواقع، هذا إذا كان يغلب على ظنه أنهم سيوافقونه، أما إذا كان يقول: لن يسمعوا لقوله فلا فائدة.
стр. 2724
حكم تجاوز الميقات بنية العودة إليه
من تجاوز الميقات عالماً عامداً لكنه أراد الراحة، مثلاً: تجاوز ميقات قرن إلى الشرائع ليرتاح عند أقربائه، ثم يرجع إلى الميقات ويحرم منه، وهو يريد نسكاً، هل يأثم بهذا التجاوز أم أن الأمر فيه سهولة؟
لا الأمر فيه سهولة، يعني: الأفضل ألا يتجاوز الميقات حتى يحرم، ويمكنه أن يستريح عند أقاربه وهو محرم، والناس لا يرون في هذا بأساً ولا خجلاً ولا حياء، لكن لو فعل، وقال: سأذهب أستريح الآن، وأرجع إلى الميقات وأحرم منه؛ فلا حرج.
السائل: تكون مدة أسبوع؟ الشيخ: ما هناك مانع أبداً، المهم أنه يتجاوز الميقات ونيته أن يرجع ويحرم منه.
السائل: يلزمه أن يرجع إلى الميقات الذي تجاوزه.
الشيخ: يلزمه أن يرجع إلى الميقات الذي تجاوزه.
السائل: بعد أم قرب؟ الشيخ: سواء بعد أم قرب.
стр. 2725
حكم صلاة المنفرد خلف الصف
أنا إمام مسجد ويحصل من جماعة المسجد أن يأتي شخص مثلاً يصلي منفرداً خلف الصف، ويأتي البعض فيصف معه فأنا أنبههم على أن الصف لم يكتمل فأسأل عن حديث الرسول ﷺ : (من وصل صفاً وصله الله ومن قطعه قطعه الله) فعلى ماذا يحمل هذا الحديث؟ وهل يأثم من لم يكمل الصف وصلى بجوار المنفرد؟
لا بأس، يعني: مثلاً إذا أتيت والصف ما اكتمل لكن وجدت هذا الرجل قد صف وحده خلف الصف فصف معه، هذا إذا كان في أول ركعة، أما إذا كان في ثاني ركعة فقد بطلت صلاة هذا الرجل فلا فائدة من أن تصف معه.
وإذا كنت لا تعلم فأرى أن تصف معه أحسن، ويكون هذا ترك مستحب من أجل المعاونة على واجب.
والحديث فيه نظر.
وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء، وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى في السنة القادمة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 2726
لقاء الباب المفتوح [٩٤]
تحدث الشيخ ﵀ عما يجب على الداعية المسلم من أخلاق يتحلى بها لنشر دين الله في أرضه، فلابد أن يخلص نيته لله ويرجو بدعوته رضا الله تعالى، وأن يعامل المدعوين بحكمة ورفق، ويعلم حالهم قبل دعوتهم.
وأجاب بعد ذلك عن الأسئلة الموجهة إليه، وكان من أبرزها ما يتعلق بالتعامل مع الحكام ومسائل الخروج عليهم.
стр. 2727
أخلاق الداعية المسلم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو المجلس الرابع والتسعون من لقاءات الباب المفتوح، ويتم هذا في أول خميس من عام (١٤١٦هـ) وذلك في اليوم الثالث من شهر محرم، نسأل الله أن يجعله عاماً مباركاً علينا وعلى المسلمين، وأن يجعله محفوفاً بالنصر العزيز والفتح المبين إنه على كل شيء قدير.
إننا بافتتاح هذا العام الجديد نود أن نبين أنه لابد للأمة الإسلامية من الدعوة إلى الحق؛ لأن الدين الإسلامي لم يستقم إلا بالدعوة إلى الله، وقد قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] .
والداعي لابد له من أمور تجب عليه مراعاتها:
стр. 2728
إخلاص النية لله
وهذا هو أهم الأمور وأشدها على النفوس، حتى قال بعض السلف: [ما جاهدت نفسي على شيء ما جاهدتها على الإخلاص] لأن الإنسان يعتري نفسه النظر إلى أشياء كثيرة: إما إلى الجاه، أو إلى القرب من الناس، أو إلى التصدر، أو إلى أمور دنيوية أخرى كثيرة تخدش الإخلاص وتخل به.
فما هو الإخلاص في الدعوة إلى الله ؟ الإخلاص في الدعوة إلى الله : أن ينوي الداعي قبل كل شيء أنه ممتثل لأمر الله، قائم بأمره، مطيعٌ له؛ لأن الله أمره بذلك: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] وإذا نوى هذه النية صارت دعوته عبادة، لا يكتب كلمة إلا وله فيها أجر، ولا يلفظ بحرف إلا وله فيه أجر، ولا يمشي إلا وله أجر، ولا يجلس إلا وله أجر، ولا يقوم إلا وله أجر، ما دام في هذه المهمة العظيمة الدعوة إلى الله.
ويضاد ذلك: أن يكون الإنسان يريد من القيام داعياً بين الناس أن يظهر أمامهم، وأن يجلوه، وأن يعظموه، وأن يجعلوه قائداً، فإن هذه نية دنيئة، أدنى من الدين الإسلامي، الدين الإسلامي يجب أن يكون هو المراد، وألا يكون المراد هو النفع الذاتي، فإن ذلك نقص عظيم.
ثانياً من أمور الإخلاص: أن يقصد الإنسان بالدعوة إلى الله إقامة دين الله في عباد الله، لأن الدين مثل الأرض الرياض الأرض الرياض قابلة للزرع لكنها تحتاج إلى ماء، فالدعوة إلى الله بمنزلة الماء الذي ينزل على الأرض الروضة القابلة للإنبات، كذلك ينزل هذا الوحي على قلوب الرجال بواسطة هذا الداعية فتقوم الملة وتستقيم الأمة، وهذا مقصد حسن؛ أن يكون قصد الإنسان بالدعوة إلى الله إقامة دين الله في عباد الله.
ويتعلق بالإخلاص كذلك: أن ينوي إصلاح عباد الله؛ لأن العباد يعتورهم ثلاثة أمور: الأمر الأول: هوى النفس.
والثاني: الشيطان.
والثالث: البيئة والمجتمع.
ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﵊: (كل مولودٌ يولد على الفطرة: فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) لأن البيئة لها تأثير عظيم.
الهوى أيضاً، الشيطان فلابد أن يكون هناك دعوة تعين عباد الله على محاربة الأعداء الثلاثة وهي: النفس، والشيطان، والمجتمع، ولهذا تجد فرقاً بين شخص يعيش بين أهلين مستقيمين، وبين آخر يعيش بين أهلين منحرفين، فالدعوة إلى الله لابد أن ينوي الإنسان بها إصلاح عباد الله.
стр. 2729
الدعوة إلى الله بحكمة
الحكمة: هي أن يضع الأشياء مواضعها.
ومن الحكمة العلم، أن يكون عالماً بما يدعو إليه، عالماً بحال من يدعوهم أيضاً، فأما كونه عالماً بما يدعو إليه فلابد أن يكون عنده علم من الشرع، يعرف أن هذا حق فيدعو إليه، ويعرف أن هذا باطل فيحذر منه، وأما أن يقوم رجل جاهل لا يعرف فيدعو ويدَّعي أن الله يلهمه حين كلامه وحين خطابه، فهذا غلط، بل لابد أن يعلم أولاً ثم يدعي؛ لأنه إذا لم يعلم ما يدعو إليه فقد يَضِلْ ويُضِلْ أيضاً، وإصلاح الناس بعد الإضلال على يد شخص يقول إنه داعية يصعب على الإنسان أن يقيمه، وأن يزيل هذا الضلال.
وإذا تكلم بما لا يعلم فقد وقع هو نفسه فيما حرم الله عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] فكيف تدعو بما لا تعلم؟ وأن يكون عنده علم بحال المدعو حتى يكون منزلاً له منزلته، لأن هناك فرقاً بين أن تدعو شخصاً جاهلاً ساذجاً لا يعرف شيئاً، وهو لين العريكة طيب القلب، فهذا دعوته سهلة، ينقاد بأدنى سبب، وبين أن تدعو رجلاً مارداً عنده جدل ولسان فصيح، فهذا يحتاج إلى دعوة قوية، وتكون بأسلوب مقنع واضح بين ينبني على الأدلة من الكتاب والسنة وعلى الأدلة من العقل أيضاً؛ لأن من الناس من إيمانه بالكتاب والسنة ضعيف، لكن إذا ذكرت له أشياء معقولة خضع وعجز عن الجدال؛ فلا بد أن تعلم حال من تدعوهم إلى الله لتكون على بصيرة من الأمر في كيفية دعوتهم، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب) فبين له حالهم من أجل أن يكون لديه استعداد لمواجهتهم وكيفية مخاطبتهم.
وإذا كان عنده -أي عند الداعية- علم بأحوال المدعو فإنه سوف ينزله منزلته، إن كان من أصحاب لين القول ألان له القول، وإن كان من أصحاب إغلاظ القول أغلظ له القول ولا بأس، فإن الله يقول: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [العنكبوت:٤٦] فهؤلاء الذين ظلموا يعاملون معاملة تليق بظلمهم، والظلم هنا بمعنى المعاندة، أي: معاندة الحق والمراوغة.
стр. 2730
الأسوة الحسنة
ومما تجب العناية به بالنسبة للداعي: أن يكون هو أسوة حسنة، عنده عبادة ومعاملة طيبة، وعنده أيضاً أخلاق يدعو الناس بها، وفي الحديث عن النبي ﵊: (إنكم لن تسعوا الناس بأرزاقكم ولكن تسعوهم بحسن الخلق) فحسن الخلق جذاب، كم من إنسان قليل العلم يهدي الله على يديه أمماً لأنه حسن الخلق، وكم من إنسان عنده علم واسع كثير لكنه جاف سيئ الخلق ينفر الناس منه، وقد ذكر الله نبيه بهذا فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وهذه الرحمة رحمة للداعي وللمدعو، فهي رحمة من الله لرسوله ﵊، ورحمة من الله للخلق الذين يدعوهم الرسول؛ لأنه لو كان فظاً غليظ القلب ما اهتدوا على يديه، فلهذا ينبغي للداعية أن يكون رحب الصدر واسعاً، يأخذ ويعطي ولا يأنف، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤] ومن صبرهم: أن يصبروا على أذى الناس الذين يدعونهم؛ لأنه لابد من أذية، فلابد من الصبر.
وكذلك من آداب الداعية: أنه ينبغي له أن يتقيد بما يقول حسب ما تقتضيه الحاجة، فهناك أناس لا يحسن أن تتكلم معهم في أمور اجتماعية توجب تشتت أفهامهم وأفكارهم، وربما توجب العداوة بينهم، وهناك أناس مميزون يمكن أن تتكلم عندهم في الأمور الاجتماعية لمحاولة إصلاحها، فالناس يختلفون، ولهذا أنا أحث نفسي وإياكم على ألا نحقر أنفسنا على أن ندعو إلى الله بكل ما نستطيع وبكل أسلوب وعلى كل حال؛ لأن ذلك خيرٌ لنا ولمن ندعوهم إلى الله، فإن (من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من عمل به إلى يوم القيامة) .
أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وقادة مصلحين، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
стр. 2731
الأسئلة
стр. 2732
فساد المجتمع ودور المسلم تجاهه
فضيلة الشيخ: في هذا الزمن ظهرت بعض المنكرات التي تفسد عقيدة المسلم، والشاب الملتزم يتألم من الداخل لرؤية بعض أحوال المسلمين في استعمالها، ويخشى أيضاً من هذا القول: إذا لم تدع تدعى.
فما دور الشاب الملتزم، وأوجه لكم هذا السؤال يا فضيلة الشيخ لإبراء ذمتي أمام الله ؟ الشيخ: لو ذكرت شيئاً من المنكرات التي ظهرت.
السائل: من هذه المنكرات بارك الله فيكم: ما تسمى بالصحون التي على البيوت بما فيها من الهدم للعقيدة، وكذلك تخريب أخلاق المسلمين.
الشيخ: نحن تكلمنا من هذا المكان عدة مرات على هذه الدشوش، وبينا أنه لا يجوز للإنسان أن يقتنيها لما فيها من الأضرار العظيمة الهادمة للعقيدة والأخلاق، وكذلك المفسدة، يعني: هي تهدم وتفسد أيضاً، وقد بلغنا أشياء عجيبة عن هذا وقصص غريبة، يتخذها من يشاهد هذه الخبائث وكأنها أحاديث سمر، ولهذا نحن نحذر من اقتنائها، ونقول لمن اقتناها: إن عليك إثمها وإثم من استعملها؛ لأن هذه البلية تتصل بالجيران أيضاً، الجيران يمكنهم أن يأخذوا منها، فهي بلاء، وما أدر هذا المسكين الذي وضعها في بيته هل هو يعلم، أو عنده عهد من الله أنه سيخلد؟!! ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٧٨] ما يدريه لعله يموت في يومه قبل غروب شمسه، أو في ليله قبل طلوع فجره، ثم تبقى هذه الآثام مسجلة عليه في صحائف أعماله وهو في قبره والعياذ بالله، لهذا نحن نحذر منها غاية الحذر، ونرى أن وجودها في البيوت حرام، وأن الإنسان يجب عليه أن يتقي الله تعالى في نفسه أولاً، وفي أهله ثانياً، وفي جيرانه ثالثاً، وفي مجتمعه رابعاً؛ لأن المجتمع إذا رأى فلاناً وضعها قال: إذاً ليس فيها بأس.
ثم إن السوء يجر بعضه بعضاً، وأهل السوء يعتصم بعضهم ببعض، ويقوى بعضهم ببعض، ولهذا قال الله تعالى في عذاب أهل النار: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] .
فالمهم أني -نصحاً لله وإبراءً للذمة- أحذر إخواننا المسلمين من هذه الدشوش، أو الصحون، أو المستقبلات التي توضع في بيوتهم، وأقول: اتقوا الله في أنفسكم، وأهليكم، وجيرانكم، وفي مجتمعكم ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥] .
السائل: ما هو دور الشاب؟ الشيخ: دور الشاب في هذا أن ينصح، ويحذر، وإذا كان في بيته فليهجر إذا كان ذلك سبباً للإصلاح، وإذا لم يكن سبباً للإصلاح فلا يهجر، وينزوي في غرفة من الغرف، أو حجرة من الحجر.
стр. 2733
حكم الشراء من محلات تبيع المنكرات
فضيلة الشيخ: بعض الأسواق تبيع المجلات والدخان، ومن الشباب الملتزمين من يشتري من هذه البقالات يعني: يدعمونهم، ما حكم الذي يشتري منها؟ الشيخ: يعني: المجلات فيها صور دخان، أو ماذا قصدك؟ السائل نفسه: أسواق ومحلات تبيع الدخان والمجلات والجرائد، والذين يرتادونها أناس ملتزمون، ما حكم الذين يشترون منها، هل يجوز لهم الشراء من هذه المحلات؟ الشيخ: نعم فهمت، يعني تقول: هذه البقالات والمحلات التجارية إذا كانت تبيع أشياء محرمة، هل يجوز أن نشتري منها شيئاً مباحاً، أو لا؟ أرى أنه إن أمكن أن تشتروا من غيرها فهو أولى، حتى يتقلص الناس عنها، وحينئذٍ تضطر إلى أن تدع هذا الشيء المحرم الذي تبيعه.
أما إذا لم تجدوا غيرها، أو كانت هي أنسب من غيرها إما لكونها أرخص، أو لكونها أقرب إلى البيت، أو ما أشبه ذلك فلا حرج عليه.
стр. 2734
حكم تغطية المحرم رأسه عند النوم
هل يجوز للمحرم أن يغطي رأسه عند النوم؟
المحرم إن كان أنثى فمعروف أنه يجوز أن تغطي رأسها، أما إذا كان رجلاً فلا يجوز لا عند النوم ولا في حال اليقظة، لكن لو أنه غطاه وهو نائم ثم استيقظ وجب عليه إزالته أي: كشف رأسه ولا شيء عليه؛ لأن النائم مرفوع عنه القلم.
وحتى لو كان الجو بارداً فلا يجوز أن يغطيه، لكن إن خاف ضرراً فهو كالذي يكون به عللاً من رأسه يغطيه ويفدي، إما بصيام ثلاثة أيام، وإما بإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما بذبح شاة.
стр. 2735
معنى حديث: (إن هذا الدين متين)
فضيلة الوالد: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق.
) الحديث.
فما معنى: هذا الحديث بارك الله فيك؟
هذا الحديث لا أظنه يصح عن النبي ﵊، لكن معنى: (إنه لمتين) أي: قوي، يحتاج إلى صبر ومصابرة، فليكن الإنسان رفيقاً في الدعوة إليه حتى لا ينفر الناس منه.
следующие страницы →