Полный текст (6 569 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
الأسئلة
стр. 2732
فساد المجتمع ودور المسلم تجاهه
فضيلة الشيخ: في هذا الزمن ظهرت بعض المنكرات التي تفسد عقيدة المسلم، والشاب الملتزم يتألم من الداخل لرؤية بعض أحوال المسلمين في استعمالها، ويخشى أيضاً من هذا القول: إذا لم تدع تدعى.
فما دور الشاب الملتزم، وأوجه لكم هذا السؤال يا فضيلة الشيخ لإبراء ذمتي أمام الله ؟ الشيخ: لو ذكرت شيئاً من المنكرات التي ظهرت.
السائل: من هذه المنكرات بارك الله فيكم: ما تسمى بالصحون التي على البيوت بما فيها من الهدم للعقيدة، وكذلك تخريب أخلاق المسلمين.
الشيخ: نحن تكلمنا من هذا المكان عدة مرات على هذه الدشوش، وبينا أنه لا يجوز للإنسان أن يقتنيها لما فيها من الأضرار العظيمة الهادمة للعقيدة والأخلاق، وكذلك المفسدة، يعني: هي تهدم وتفسد أيضاً، وقد بلغنا أشياء عجيبة عن هذا وقصص غريبة، يتخذها من يشاهد هذه الخبائث وكأنها أحاديث سمر، ولهذا نحن نحذر من اقتنائها، ونقول لمن اقتناها: إن عليك إثمها وإثم من استعملها؛ لأن هذه البلية تتصل بالجيران أيضاً، الجيران يمكنهم أن يأخذوا منها، فهي بلاء، وما أدر هذا المسكين الذي وضعها في بيته هل هو يعلم، أو عنده عهد من الله أنه سيخلد؟!! ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٧٨] ما يدريه لعله يموت في يومه قبل غروب شمسه، أو في ليله قبل طلوع فجره، ثم تبقى هذه الآثام مسجلة عليه في صحائف أعماله وهو في قبره والعياذ بالله، لهذا نحن نحذر منها غاية الحذر، ونرى أن وجودها في البيوت حرام، وأن الإنسان يجب عليه أن يتقي الله تعالى في نفسه أولاً، وفي أهله ثانياً، وفي جيرانه ثالثاً، وفي مجتمعه رابعاً؛ لأن المجتمع إذا رأى فلاناً وضعها قال: إذاً ليس فيها بأس.
ثم إن السوء يجر بعضه بعضاً، وأهل السوء يعتصم بعضهم ببعض، ويقوى بعضهم ببعض، ولهذا قال الله تعالى في عذاب أهل النار: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] .
فالمهم أني -نصحاً لله وإبراءً للذمة- أحذر إخواننا المسلمين من هذه الدشوش، أو الصحون، أو المستقبلات التي توضع في بيوتهم، وأقول: اتقوا الله في أنفسكم، وأهليكم، وجيرانكم، وفي مجتمعكم ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥] .
السائل: ما هو دور الشاب؟ الشيخ: دور الشاب في هذا أن ينصح، ويحذر، وإذا كان في بيته فليهجر إذا كان ذلك سبباً للإصلاح، وإذا لم يكن سبباً للإصلاح فلا يهجر، وينزوي في غرفة من الغرف، أو حجرة من الحجر.
стр. 2733
حكم الشراء من محلات تبيع المنكرات
فضيلة الشيخ: بعض الأسواق تبيع المجلات والدخان، ومن الشباب الملتزمين من يشتري من هذه البقالات يعني: يدعمونهم، ما حكم الذي يشتري منها؟ الشيخ: يعني: المجلات فيها صور دخان، أو ماذا قصدك؟ السائل نفسه: أسواق ومحلات تبيع الدخان والمجلات والجرائد، والذين يرتادونها أناس ملتزمون، ما حكم الذين يشترون منها، هل يجوز لهم الشراء من هذه المحلات؟ الشيخ: نعم فهمت، يعني تقول: هذه البقالات والمحلات التجارية إذا كانت تبيع أشياء محرمة، هل يجوز أن نشتري منها شيئاً مباحاً، أو لا؟ أرى أنه إن أمكن أن تشتروا من غيرها فهو أولى، حتى يتقلص الناس عنها، وحينئذٍ تضطر إلى أن تدع هذا الشيء المحرم الذي تبيعه.
أما إذا لم تجدوا غيرها، أو كانت هي أنسب من غيرها إما لكونها أرخص، أو لكونها أقرب إلى البيت، أو ما أشبه ذلك فلا حرج عليه.
стр. 2734
حكم تغطية المحرم رأسه عند النوم
هل يجوز للمحرم أن يغطي رأسه عند النوم؟
المحرم إن كان أنثى فمعروف أنه يجوز أن تغطي رأسها، أما إذا كان رجلاً فلا يجوز لا عند النوم ولا في حال اليقظة، لكن لو أنه غطاه وهو نائم ثم استيقظ وجب عليه إزالته أي: كشف رأسه ولا شيء عليه؛ لأن النائم مرفوع عنه القلم.
وحتى لو كان الجو بارداً فلا يجوز أن يغطيه، لكن إن خاف ضرراً فهو كالذي يكون به عللاً من رأسه يغطيه ويفدي، إما بصيام ثلاثة أيام، وإما بإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما بذبح شاة.
стр. 2735
معنى حديث: (إن هذا الدين متين)
فضيلة الوالد: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق.
) الحديث.
فما معنى: هذا الحديث بارك الله فيك؟
هذا الحديث لا أظنه يصح عن النبي ﵊، لكن معنى: (إنه لمتين) أي: قوي، يحتاج إلى صبر ومصابرة، فليكن الإنسان رفيقاً في الدعوة إليه حتى لا ينفر الناس منه.
стр. 2736
حكم الذبح لأهل الكتاب
فضيلة الشيخ: في بلادنا هناك عادات للكفار فلا يأكلون الذبيحة إلا إذا ذبحها رجل مسلم، وهذا الرجل المسلم يأخذ منهم مبلغاً معيناً، فهل هذا يجوز؟ الشيخ: يعني: أجرة على الذبح؟ السائل نفسه: نعم.
الشيخ: أولاً: كونهم لا يأكلون إلا ما ذبحه مسلم، فيه غلط؛ لأن الله أباح لنا ما ذبحه اليهود والنصارى فقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٥] قال ابن عباس ﵁ وعن أبيه: [طعامهم ذبائحهم] فالذين تحل ذبائحهم ثلاثة أصناف: المسلم، واليهودي، والنصراني، فإذا ذبح المسلم ذبيحة وطلب الأجرة عليها سواء قبل الذبح أو بعده فلا بأس؛ لأن هذا عمل مباح، وأخذ الأجرة على العمل المباح مباح.
стр. 2737
صلاة الضحى للمسافر
فضيلة الشيخ! هل تصلى سنة الضحى في السفر؟
سنة الضحى تصلى حتى في السفر، وقد ذكر كثيرٌ من العلماء: أن صلاة النبي ﷺ عام الفتح في بيت أم هانئ ثماني ركعات ضحى قال: (إن هذه سنة الضحى) .
وقال بعض أهل العلم: إن هذه سنة الفتح.
وعلى كل حال فسأعطيك قاعدة ينفعك الله بها إن شاء الله: لا يسقط عن المسافر من النوافل إلا ثلاث: راتبة الظهر وراتبة المغرب وراتبة العشاء، وما عدى ذلك فهو باقٍ على أصله، فالنوافل المطلقة للإنسان المسافر أن يتنفل بما شاء، وصلاة الضحى، وصلاة الليل، والوتر، وسنة الفجر، وصلاة الاستخارة، وتحية المسجد؛ كلها باقية على أصلها، فأنت استثنى ثلاثاً والباقي على أصله، الثلاث: هي راتبة الظهر والمغرب والعشاء.
стр. 2738
معنى حديث: (أشد الناس بلاءً)
يا شيخ: أحسن الله إليك! روى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل: (أشد الناس بلاءً الأنبياء فالأمثل والأمثل) فما المقصود بالأمثل الأخير؟
(أشد الناس بلاءً الأنبياء) لأن الله ابتلاهم بالنبوة، وابتلاهم بالدعوة إلى الله، وابتلاهم بقوم ينكرون ويصفونهم بصفات القدح والذم كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢] ولكن هذا الابتلاء هو في الواقع؛ لأن كل ما أصابهم من جرائها فهو رفعة في درجاتهم.
(ثم الأمثل فالأمثل) يعني: الأصلح فالأصلح، كلما كان الإنسان أصلح، وكلما كان أقوى دعوة إلى الله، وكلما كان أشد تمسكاً في دين الله، كان له أعداء أكثر، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٣١] وعداوة المجرمين للأنبياء ليس لأشخاصهم بل لما جاءوا به من الحق، وعلى هذا فيكون كل من تسمك بما جاءوا به من الحق ناله من العداوة من المجرمين مثلما ينال الأنبياء أو أقل بحسب الحال، والله حكيم يبتلي بالنعم ويبتلي بالنقم، فابتلاؤه بالنعم ليبلونا أنشكر أم نكفر، وبالنقم ليبلونا أنكفر أم نصبر، هذا هو معنى الحديث.
وهذا في الحقيقة تسلية للمؤمن الداعي إلى الله إذا ناله ما ناله من الناس فإنما ذلك في سبيل الله، وإذا كان رسول الله ﷺ لما أدميت إصبعه قال:
هل أنت إلا إصبعٌ دميتي وفي سبيل الله ما لقيتي
فأنت اعلم أن كل ما أصابك من استهزاء أو سخرية من المجرمين بسبب ما قمت به من الدعوة إلى الله، أو التمسك بدين الله، فاعلم أن لك أجراً في ذلك؛ لأنه في سبيل الله.
стр. 2739
منهج أهل السنة في إنكار المنكر
فضيلة الشيخ: هل يجوز لمن أراد أن ينكر المنكرات أن ينكرها على المنابر، وهل هذا هو منهج أهل السنة والجماعة؟
أما المنكرات إذا شاعت فلابد أن تنكر على المنابر، لكن لا يتكلم بالأشخاص أنفسهم، لأن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينكر على قوم قال: ما بال قوم يقولون كذا وكذا.
وأما إذا كان المنكر قليلاً في الناس فلا ينبغي أن ينكر على المنابر؛ لأن إنكاره على المنابر معناه إشاعته بين الناس، كما يقول العوام: (والذي ما دري يدري) فإذا شاعت هذه الفعلة المنكرة بين الناس أنكرها على المنابر حتى يفهم الناس، لكن لا تفعل شيئاً يوجب أن يثور الناس على ولاة الأمور وأن يكرهوهم وينبذوهم؛ لأن خطر هذا عظيم، قد يتراءى للناس أو يريه الشيطان أنه إذا فعل ذلك كان فيه ضغط على الولاة بأن يستقيموا على دين الله، ولكن الأمر ليس كذلك، هذا إذا كانت القوى متقابلة، فقد يكون هناك ضغط، كالبلاد -غير السعودية - تجد أن الولاة إنما يصلون إلى المناصب عن طريق الانتخاب، فهذا ربما يكون إعلان ما يفعله الحاكم من السوء ضغطاً عليه بحيث يستقيم حتى يرشح مرة ثانية، لكن بلاد تكون فيها القوة مع السلطة لا يستقيم به هذا الأمر إطلاقاً.
وليس من الحكمة أن يثير الإنسان الرعية على رعاتها حتى تكرههم ولا تنقاد لأمرهم، أو ترى أنهم لا يستحقون أن يكونوا ولاة، مع العلم بأننا إذا نظرنا إلى من حولنا وجدنا أننا والحمد لله بخير، فبلادنا ولله الحمد يعلن فيها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان فيه شيء من الضعف لكن لا يوجد أي بلاد غير بلادنا فيها هيئة تسمى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
كذلك أيضاً المحاكم كلها مبنية على الشرع، ماذا قال صاحب الإقناع، ماذا قال صاحب المغني، ماذا قال صاحب المجموع للنووي، ماذا قال فلان، ماذا قال فلان، لا يرجعون إلى قوانين وضعية، إنما إلى الكتاب والسنة وما استنبط منها في كتب أهل العلم، هذه نعمة عظيمة، ومن أراد الكمال في مثل هذا الزمن فليكمل نفسه أولاً قبل أن يحاول تكملة غيره، هل الشعب الآن مثلاً هل هو مكمل نفسه؟ لا.
الشعوب فيها انحراف كثير، فيها كذب وغش في المعاملات، سوء أخلاق، استماع إلى الأغاني وغير ذلك، يوجد في الشعب من هذا حاله، فإذا كنا كذلك فلا ينبغي أن نريد من ولاة الأمور أن يكونوا على مستوى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
وذكر: أن رجلاً من الخوارج جاء مرة إلى علي بن أبي طالب وقال له: يا علي ما بال الناس اختلفوا عليك -أظنكم تعرفون ما جرى لـ علي من الفتن وخروج الخوارج عليه وغير ذلك- ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟ فقال له كلمة أفحمت الخارجي قال له: [رجال أبي بكر وعمر أنا وأمثالي، ورجالي أنت وأمثالك] فألقم حجراً، وهذا صحيح.
فالحاصل: أن المنكرات إذا شاعت بين الناس فلابد من إنكارها، لكن دون أن يحصل بذلك فتنة، أو تعرض لأحد، أو إيغار الصدور على ولاة الأمور، أما إذا كانت يفعلها واحد من بين مائة نفر مثلاً، أو ألف نفر فهنا نختص بهذا الرجل وننهاه ونخوفه من الله ؛ لأنك إذا أنكرت المنكر على المنابر وهو لا يفعله إلا قلة من الناس معناه: أنك أشعته بين الناس.
стр. 2740
معنى البيعة عند أهل العلم
فضيلة الشيخ: ثبت في الحديث عنه ﷺ أنه قال: (من مات وليس في عنقه بيعة لأحد مات ميتتة جاهلية) ومعلوم: أنه في أكثر بلاد المسلمين اليوم لا يتحقق هذا الأمر، وأنه ليس في عنقهم بيعة، لأسباب كثيرة منها: الاضطرابات السياسية، والانقلابات وغيرها، فكيف يخرج المسلمون في تلك البلاد من هذا الإثم وهذا الوعيد جزاك الله خيراً؟
المعروف عند أهل العلم: أن البيعة لا يلزم منها رضى كل واحد، وإلا من المعلوم أن في البلاد من لا يرضى أحد من الناس أن يكون ولياً عليه، لكن إذا قهر الولي وسيطر وصارت له السلطة فهذا هو تمام البيعة، لا يجوز الخروج عليه، إلا في حالة واحدة استثناها النبي ﵊ فقال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) فقال: (إلا أن تروا) والرؤية إما بالعين أو بالقلب، الرؤية بالعين بصرية، وبالقلب علمية، بمعنى: أننا لا نعمل بالظن أو بالتقديرات أو بالاحتمالات بل لابد أن نعلم علم اليقين، وأن نرى كفراً لا فسوقاً، يعني مثلاً: الحاكم لو كان أفسق عباد الله، عنده شرب خمر، وغيره من المحرمات، وهو فاسق لكن لم يخرج من الإسلام؛ فإنه لا يجوز الخروج عليه وإن فسق؛ لأن مفسدة الخروج عليه أعظم بكثير من مفسدة معصيته التي هي خاصة به.
الثالث قال: (بواحاً) البواح يعني: الصريح، والأرض البواح: هي الواسعة التي ليس فيها شجر ولا مدر ولا جبل بل هي واضحة للرؤية، لابد أن يكون الكفر بواحاً ظاهراً ما يشك فيه أحد، مثل: أن يدعو إلى نبذ الشريعة، أو أن يدعو إلى ترك الصلاة، وما أشبه ذلك من الكفر الواضح الذي لا يحتمل التأويل، فأما ما يحتمل التأويل فإنه لا يجوز الخروج عليه حتى وإن كنا نرى نحن أنه كفر وبعض الناس يرى أنه ليس بكفر، فإننا لا يجوز لنا الخروج عليه؛ لأن هذا ليس بواحاً.
الرابع: (عندنا فيه من الله برهان) (أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) فإن لم يكن عندنا برهان أي: دليل واضح، ليس مجرد اجتهاد أو قياس، بل هو بين واضح أنه كفر، حينئذٍ يجوز الخروج.
ولكن هل معنى جواز الخروج أنه جائز بكل حال، أو واجب على كل حال؟ الجواب: لا.
لا بد من قدرة على منابذة هذا الوالي الذي رأينا فيه الكفر البواح، أما أن نخرج عليه بسكاكين المطبخ، وعواميل البقر، ولديه دبابات وصواريخ، فهذا سفه في العقل وضلال في الدين، لأن الله لم يوجب الجهاد على المسلمين حين كانوا ضعفاء في مكة ما قال: اخرجوا على قريش وهم عندهم، ولو شاءوا لاغتالوا كبراءهم وقتلوهم، لكنه لم يأمرهم بهذا، ولم يأذن لهم به، لماذا؟ لعدم القدرة.
وإذا كانت الواجبات الشرعية التي لله تسقط بالعجز فكيف هذا الذي سيكون فيه دماء، يعني: ليس إزالة الحاكم بالأمر الهين، أو مجرد ريشة تنفخها وتروح، لابد من قتال منك وقتال منه، وإذا قتل فله أعوان، فالمسألة ليست بالأمر الهين حتى نقول بكل سهولة: نزيل الحاكم ونقضي عليه وينتهي كل شيء.
فلابد من القدرة، والقدرة الآن ليست بأيدي الشعوب فيما أعلم والعلم عند الله ، ليس في أيدي الشعوب قدرة على إزالة مثل هؤلاء القوم الذين نرى فيهم كفراً بواحاً، ثم إن القيود التي ذكرها النبي ﷺ قيود صعبة، من يتحقق من هذا الحاكم مثلاً، علمنا أنه كافر علم اليقين، نراه كما نرى الشمس أمامنا، ثم علمنا أن الكفر بواح ما يحتمل التأويل، ولا فيه أي أدنى لبس، ثم عندنا دليل من الله وبرهان قاطع؛ هذه قيود صعبة، أما مجرد أن يظن الإنسان أن الحاكم كفر، هذا ما هو صحيح أنه يكفر، لابد من إقامة الحجة، وأنتم تعلمون أنه ما ضر الأمة من أول ما ضرها في عهد الخلفاء الراشدين إلا التأويل الفاسد، والخروج على الإمام.
الخوارج لماذا خرجوا على علي بن أبي طالب؟ قالوا: لأنه حكَّم غير القرآن.
كانوا في الأول معه على جيش معاوية ولما رضي بالصلح والتحاكم إلى القرآن قالوا: خلاص أنت الآن حكمت آراء الرجال ورضيت بالصلح فأنت كافر، فسوف نقاتلك.
فانقلبوا عليه بماذا؟ بالتأويل، وليس كل ما رآه الإنسان يكون هو الحق، قد ترى أنت شيئاً محرماً، أو شيئاً معصية، أو شيئاً كفراً، وغيرك ما يراه كذلك، أليس نرى نحن أن تارك الصلاة كافر؟ نرى ذلك لا شك، يأتي غيرنا ويقول: ليس بكفر.
والذي يقول: ليس بكفر علماء ليس ناس أهل هوى، علماء لكن هذا الذي أدى لهم اجتهادهم، فإذا كان العلماء من أهل الفقه قد يرون ما هو كفر في نظر الآخرين ليس بكفر فما بالك بالحكام الذين بعضهم عنده من الجهل ما عند عامة الناس.
فالمهم أن هذه المسائل مسائل صعبة وخطيرة، ولا ينبغي للإنسان أن ينساب وراء العاطفة أو التهييج، بل الواجب أن ينظر بنظر فاحص متأنٍ متروي، وينظر ماذا يترتب على هذا الفعل، ليس المقصود أن الإنسان يبرد حرارة غيظته فقط، المقصود إصلاح الخلق، وإلا فالإنسان لا شك أنه يلحقه أحياناً غيرة ويمتلئ غيظاً مما وقع، أو وقع من بعض الولاة، لكن يرى أن من المصلحة أن يعالج هذه المشكلة بطريق آخر غير التهييج.
وكما قلت لكم: إن بعض الناس يظن أن هذا سببٌ يقتضي الضغط على ولي الأمر حتى يفعل ما يرى هذا القائل أنه إصلاح، ولكن هذا غير مناسب في مثل بلادنا.
стр. 2741
حكم جعل أحاديث الطاعة منحصرة في القائد العام للمسلمين
فضيلة الشيخ: ما رأيكم فيمن يقول: إن أحاديث السمع والطاعة لولاة الأمر تنصرف إلى القائد العام الذي يقود المسلمين جميعاً؟
رأينا أن هذا ليس بصحيح، كل ولي أمر تجب طاعته، حتى الرجل في أهل بيته يجب على أهل بيته طاعته ما لم يأمرهم بمعصية، حتى القوم الثلاثة إذا سافروا وأمَّروا أحدهم وجب عليهم طاعته؛ لعموم الأدلة على وجوب طاعة الأمير.
ثم إن الخليفة الواحد على سائر الأمة هذا قد انقضى زمنه منذ عهد بعيد، من حين انقرض عهد الخلفاء الراشدين الأربعة تمزقت الأمة، فبنو أمية في الشام وما حوله، وعبد الله بن الزبير في الحجاز وما حوله، وآخرون في المشرق وما حوله، وآخرون في اليمن، تمزقت الأمة، ومع ذلك فكل العلماء الذين يتكلمون على وجوب السمع والطاعة يتكلمون على وجوب السمع والطاعة في عهدهم مع تفرقهم، وكل إقليم أو ما أشبهه فيه أمير يختص به، وعلى هذا الرأي الفاسد الباطل، معناه: أن الآن ليس للأمة إمام، والأمة الآن تعيش في أمر جاهل، ليس هناك إمام ولا رعية، ولا سلطان ولا مسلط عليه.
ثم نقول لهؤلاء: إن كنتم صادقين فأوجدوا لنا إماماً عاماً لكل الأمة، لا يستطيعون.
اللهم إلا إذا جاء المهدي، فهذا أمره إلى الله .
стр. 2742
حكم لعب الصبيان في المساجد
فضيلة الشيخ: ربما يحدث في المسجد إزعاج من بعض الصبيان فهل لأحد المأمومين أن يقطع صلاته لمنع ذلك، أو يلتفت فقط ليعرف هؤلاء لتأنيبهم فيما بعد؟
أولاً: يجب على ولاة أمور هؤلاء الصبيان أن يتقوا الله ، وألا يمكنوا صبيانهم من الحضور ما داموا عابثين يلعبون، فإن قدر أن هؤلاء الصبيان جاءوا بغير علم آبائهم كما هو الواقع أحياناً فإنه يجب أن يقال لأبيه إذا كان حاضراً: يا فلان! خذ ولدك اذهب به إلى أهلك.
فإن عجزنا وعجزنا عن دفع أذاهم إلا بإخراجهم من المسجد أخرجناهم، أما قطع الصلاة من أجل ذلك فلا يجوز؛ لأن الإنسان إذا دخل في فرض وجب عليه إتمامه، وإزعاج هؤلاء الصبيان لا يؤدي إلى إفساد صلاة الآخرين، لو كان يؤدي إلى إفساد صلاة الآخرين لكان التماس الأمر محل نظر، لكنه لا يؤدي إلى إفساد صلاة الآخرين فليصبروا حتى تنتهي الصلاة، ثم يعرفوا هؤلاء الصبيان ويتصلوا بآبائهم.
والالتفات في الحاجة لا بأس، لكن يكون التفات بالوجه فقط لا بالجسم كله.
وهؤلاء الأولاد ربما يمكن إصلاحهم بمهادأتهم ويقال: يا أبنائي هذا لا يجوز، وهذا بيت الله، وهؤلاء آباؤكم وإخوانكم لا تزعجوهم، لا تفسدوا عليهم الصلاة.
стр. 2743
وسائل الدعوة إلى الله
ذكرت أن الداعي لابد له من معرفة حال المدعو، هل الوسائل مثل المكاتبة والشريط والكتاب تكفي إذا علمت أن حال المدعو قد تدخل في جدال معه ونقاش طويل؟
لا شك أن وسائل الدعوة كثيرة إما بالمقابلة أو المشافهة، وإما بالمراسلة بالكتابة، وإما بالمراسلة عن طريق الشريط، المهم الوصول إلى هداية الخلق بأي وسيلة، وإذا رأيت مثلاً: أنك إذا دخلت معهم مشافهة يحصل في هذا جدل ولا ينتفع أحدكما بالآخر، فلا بأس أن ترسل له رسالة خطية أو شفوية عن طريق الشريط.
стр. 2744
نفع آية الكرسي لمن قرأها
فضيلة الشيخ: ما صحة حديث: (من قرأ آية الكرسي ثلاث مرات ففي أول مرة حفظ له، وثاني مرة حفظ لأهله، وثالث مرة حفظ لحيه) ؟
هذا حديث باطل ليس بصحيح، آية الكرسي لا تنفع إلا من قرأها، (من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح) .
стр. 2745
حكم أخذ الراقي للمال
هذا أحد الإخوة يسأل: بالنسبة للراقي الذي يأخذ المال من المريض ما حكمه؟ وهل يتوضأ المريض من الآيات المغموسة بالماء أو يغتسل؟ وهو يريد الدعاء يا شيخ!
الراقي لا بأس أن يشترط شيئاً لنفسه لأن الصحابة ﵃ الذين بعثهم النبي ﵊ واستضافوا قوماً ولم يضيفوهم، فقدر الله على سيدهم أن لدغته عقرب، فطلبوا راقياً يرقيه، فجاءوا إلى الصحابة وقالوا: هل فيكم راقٍ؟ قالوا: نعم، ولكن لا نرقي إلا بكذا وكذا من الغنم، فأعطوهم، فذهب أحدهم وجعل يقرأ عليه فاتحة القرآن حتى قام هذا اللديغ كأنما نشط من عقال، فأخذوا ما جعلوا لهم حتى أتوا به النبي ﷺ وسألوه عن ذلك فقال: (خذوا واضربوا لي معكم بسهم) فهذا لا بأس به.
لكن كوننا نجعلها متجراً -يعني: تجارة- حتى إني سمعت بعض الناس يكتب آيات من القرآن على أوراق بالزعفران، وهذه الورقة قيمتها سبعون ريالاً، وهذه قيمتها مائة ريال، وهذه قيمتها خمسون ريالاً يعني: كأنه دكان صيدلي، فأنا أشك في جواز هذا الشيء.
ثم أقول لإخواني القراء: ليجعلوا عملهم لله ، ولنفع إخوانهم، حتى يجعل الله في قراءتهم البركة والخير.
وقصة الصحابة ﵃ قد يكون عذر الصحابة أن هؤلاء لم يضيفوهم مع وجوب ضيافتهم، فقالوا: هؤلاء قوم لم يكرمونا ولم يقوموا بواجبنا إذاً لا ننفعهم إلا بهذا.
وأما الاغتسال بالماء المقروء به أو الوضوء به، فلا أرى هذا، الذي أعلمه عن السلف الصالح أنهم يشربون الماء الذي قرئ فيه، وأنهم لا يغسلون به أجسادهم ولا يتوضئون به.
стр. 2746
معنى كلمة الشارع في كتب أهل العلم
فضيلة الشيخ: يرد في بعض كتب أهل العلم لفظة: (ولذا أراد الشارع، ومن حكمة الشارع) .
هل هذه كلمة من أسماء الله تعالى؟
لا، يرد في كتب أهل العلم كلمة الشارع، والشارع هذا وصف وليس اسماً، مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ [الشورى:١٣] ويطلق الشارع في كتب أهل العلم على الله ، وهو الذي له الحكم وإليه الحكم، ويطلق أحياناً على النبي ﵊؛ لأن النبي ﷺ مشرع لأمته، فإنه ﵊ إذا قال قولاً أو فعل فعلاً يتعبد به لله فهو شرع، فلهذا يطلق الشارع على الرب وعلى النبي، وليس اسماً بل هو وصف.
стр. 2747
حكم التقليد في أبواب العقائد
هل يجوز التقليد في أبواب العقيدة، أم لابد من الأخذ بالدليل؟
يجوز التقليد في العقائد مما لا يتمكن معرفته بالدليل، ولهذا نرى العامة الآن كلهم يقلدون، بل قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] سؤالنا أهل الذكر عن هؤلاء الرسل معناه أن نقلد المسئول ونأخذ بقوله، فالتقليد في المسائل العقدية كالتقليد في المسائل العملية تماماً ولا فرق، فالذي لا يستطيع الوصول إلى الحق بنفسه ففرضه التقليد ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] .
وأما من قال: إنه لا يصح إيمان المقلد.
فمقتضى قوله: أن العوام من الناس لا يصح إيمانهم؛ لأنهم إنما بنوا إيمانهم على التقليد، علمائهم قالوا كذا يقولون كذا.
стр. 2748
نصيحة لمشاهدي الدش بحجة الأخبار
فضيلة الشيخ: كيف ننصح صاحب الدش، وإذا أتيت أنصح صاحب الدش أوقفني بحجج، فمن الحجج أنه يقول: أنا أتيت بهذا الدش لكي أسمع الأخبار فبدلاً من أن أسمع من الراديو أسمع من جهاز يأتي لي بالأخبار مثل الراديو، وكذلك لأن أكثر الأخبار لا تصح، والأخبار الأوروبية أكثر صحة من أخبار الدول المجاورة، وأما المنكرات فإنها لا تأتي إلا في آخر الليل، وأنا لا أشاهدها، وأمنع أولادي منها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وإن قلت له: هو حرام، فإنه يعلم أن هذا حرام، فكيف أدعوه؟
إذا كان يعلم أن هذا حرام وأصر عليه فإن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة كما قال العلماء ﵏، وأنا أقول: يكفي حجة عليك أن تعرف أنه حرام، فإذا كنت تعلم أنه حرام فما الذي يجعلك تقتنيه؟!! وأما مسألة الأخبار فالأخبار ما هي؟ إذا كانت الأخبار دولية فإننا نجزم جزماً أنه لا يذاع في الأخبار إلا ما يخدم المصالح الكفرية، سواء عن طريق الدش، أو عن طريق الإذاعات الأخرى، أو عن طريق الصحافة أو غيرها.
ولهذا دائماً يتحدثون عن أشياء واقعية، وإذا سألنا وجدنا أنها كذب، وليس لها صحة، يتكلمون أحياناً عن مسألة الشيشان وعن مسألة البوسنة والهرسك، وبما أننا نتتبع الأخبار من الإخوان الذين يتصلون بنا نجد أن هذا الذي يقال في الإذاعات كله تغطية وتعتيم، ليس صحيحاً، فمن الذي قال لك: إن ما يقال في الدش صحيح، وما ينقل في الأخبار الأخرى غير صحيح؟! ثم إنك افرض أنك بقيت إلى الساعة الثانية عشرة أمام هذا الدش، وأن كله أخبار من المغرب إلى هذا ماذا استفدت؟ لا شيء، هل أنت ستذهب إلى رئيس الروس أو رئيس أمريكا أو إلى رئيس الإنجليز أو إلى رئيس الفرنسيين، تقول له: يا فلان! قف عند حدك، ما يمكن كذا.
стр. 2749
حكم اليهود والنصارى الموجودين الآن
فضيلة الشيخ: هل اليهود والنصارى الموجودون الآن هم من أهل الكتاب؟
الذي أرى أنهم من أهل الكتاب، ما داموا يدينون بدين أهل الكتاب أو ينتسبون إلى دين أهل الكتاب فهم من أهل الكتاب، لأن الله ذكر في سورة المائدة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] مع أنه قال في نفس المائدة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] ، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] فكفرهم وأحل طعامهم.
السائل: حتى مع تحريفهم لكتبهم.
الشيخ: إي نعم! حتى مع التحريف كان موجوداً في عهد الرسول أيضاً.
السائل: وإذا خرجوا إلى الشيوعية.
الشيخ: لا، هو إذا قالوا: نبذنا دين أهل الكتاب ولا نعترف به، ولا ندخل في الإسلام سندخل في الشيوعية القائلة بأنه: لا إله ولا رب.
هؤلاء واضح، لكن أناس يدينون بالمسيحية ويصلون في الكنائس، ويترحمون على أمواتهم، ويفعلون الأعياد وإن كانت كفرية لكن يرونها أعياداً لهم، فلهم حكم أهل الكتاب.
وإلى هنا انتهى هذا اللقاء، وأسأل الله أن يجعله خيراً وبركة، وأن يرزقنا وإياكم العصمة في القول والعمل.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 2750
لقاء الباب المفتوح [٩٥]
شرح الشيخ عليه رحمة الله في هذا اللقاء سورة الزلزلة، فجلى معانيها، وأوضح عباراتها بأسلوب يسير، وتحدث عن عرض الأعمال على الإنسان يوم القيامة؛ لأن كل صغير وكبير موزون عليه، وتعرض لمسائل تتعلق بالميزان وخلاف العلماء فيها.
وعقب ذلك أجاب عن الأسئلة، وكان أهمهما سؤال عن الحكم الشرعي عند عدم ظهور الهلال، وكيف يصوم الناس في هذه الحالة؟
стр. 2751
تفسير سورة الزلزلة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو يوم الخميس التاسع من شهر محرم (عام ١٤١٦هـ) وهو اللقاء الثاني من هذا العام نبدؤه بتفسير قول الله تبارك ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١] .
يقول الله : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:١-٤] هذا هو جواب الشرط.
стр. 2752
تفسير قوله تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها)
قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١] والمراد بذلك ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١-٢] وقوله: (زلزالها) أي: الزلزال العظيم الذي لم يكن مثله قط، ولهذا يقول الله : ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:٢] من شدة ذهولهم وما أصابهم تجدهم كأنهم سكارى وما هم بسكارى بل هم صحاة لكن لشدة الهول صار الإنسان كأنه سكران، لا يدري كيف يتصرف ولا كيف يفعل.
стр. 2753
تفسير قوله تعالى: (وأخرجت الأرض أثقالها)
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة:٢] والمراد بهم أصحاب القبور، فإنه إذا ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] يخرجون من قبورهم لرب العالمين كما قال الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] .
стр. 2754
تفسير قوله تعالى: (وقال الإنسان مالها)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة:٣] (قال الإنسان) المراد به الجنس، أي: أن الإنسان البشر يقول: ما لها؟! أي شيء لها هذا الزلزال، ولأنه يخرج وكأنه كما قال الله تعالى: كأنه سكران، فيقول: ما الذي حدث لها وما شأنها؟ لشدة الهول.
стр. 2755
تفسير قوله تعالى: (يومئذٍ تحدث أخبارها)
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [الزلزلة:٤] أي: في ذلك اليوم إذا زلزلت ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤] أي: تخبر عما فعل الناس عليها من خير أو شر، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أن المؤذن إذا أذن فإنه لا يسمع صوته شجر ولا مدر ولا حجر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) فتشهد الأرض بما سمع عليها من خير أو شر، وهذه الشهادة من أجل بيان عدل الله ، وأنه لا يؤاخذ الناس إلا بما عملوه، وإلا فإن الله بكل شيء محيط، ويكفي أن يقول لعباده جل وعلا: عملتم كذا وعملتم كذا، لكن من باب إقامة العدل وعدم إنكار المجرم؛ لأن المجرمين ينكرون أن يكونوا مشركين، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] لأنهم إذا رأوا أهل التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشرك لعلهم ينجون، ولكنهم يختم على أفواههم وتتكلم الأيدي وتشهد الأرجل والجلود أيضاً والألسن كلها تشهد على الإنسان بما عمل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يبقى على إنكاره بل يقر ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت.
стр. 2756
تفسير قوله تعالى: (بأن ربك أوحى لها)
وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٥] أي: بسبب أن الله أوحى لها، يعني: أذن لها في أن تحدث أخبارها، وهو على كل شيء قدير، إذا أمر شيئاً بأمر فإنه لا بد أن يقع، يخاطب الله الجماد، فيتكلم الجماد كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] (وقال الله تعالى للقلم: اكتب، قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيام) .
وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] فالله إذا وجه الكلام إلى شيء ولو جماداً فإنه يخاطب الله ويتكلم ولهذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٤-٥] .
стр. 2757
تفسير قوله تعالى: (يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً)
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [الزلزلة:٦] يعني: يوم تزلزل الأرض زلزالها ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً﴾ [الزلزلة:٦] أي: جماعات متفرقين، كل يتجه إلى مأواه، فأهل الجنة جعلنا الله وإياكم منهم يتجهون إليها، وأهل النار والعياذ بالله يساقون إليها ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٨٥-٨٧] فيصدر الناس جماعات وزمراً على أصناف متباينة تختلف اختلافاً كبيراً كما قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٢١] .
стр. 2758
تفسير قوله تعالى: (ليروا أعمالهم)
قال تعالى: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:٦] أي: يصدرون أشتاتاً فيروا أعمالهم، يريهم الله تعالى أعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وذلك بالحساب وبالكتاب، فيعطى الإنسان الكتاب إما بيمينه وإما بشماله، ثم يحاسب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله ، أما المؤمن فإن الله تعالى يخلو به وحده ويقرره بذنوبه ويقول: فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا حتى يقر ويعترف، فإذا رأى أنه هلك قال الله : (إني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) ، وأما الكافر والعياذ بالله فإنه لا يعامل بهذه المعاملة بل ينادى على رءوس الأشهاد: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:٦] هذا مضاف، والمضاف يقتضي العموم، وظاهره: أنهم يرون الأعمال الصغيرة والكبيرة، وهو كذلك إلا ما غفره الله من قبل بحسنات أو دعاء أو ما أشبه ذلك فهذا يمحى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فيرى الإنسان عمله يرى عمله القليل والكثير، حتى يتبين له الأمر جلياً ويُعطى كتابه ويقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] ولهذا يجب على الإنسان ألا يقدم على شيء لا يرضي الله ؛ لأنه يعلم أنه مكتوب عليه، وأنه سوف يحاسب عليه.
стр. 2759
تفسير قوله تعالى: (فمن يعمل مثال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] (من) شرطية تفيد العموم يعني: أي إنسان يعمل مثقال ذرة فإنه سيراها، سواء من الخير أو من الشر، ومثقال ذرة يعني: وزن ذرة، والمراد بالذرة صغار النمل كما هو معروف، وليس المراد بالذرة الذرة المتعارف عليها اليوم كما ادعاه بعضهم؛ لأن هذه الذرة المتعارف عليها اليوم ليست معروفة في ذاك الوقت، والله لا يخاطب الناس إلا بما يفهمون، وإنما ذكر الذرة؛ لأنها مضرب المثل في القلة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠] وإن من المعلوم أن من عمل ولو أدنى من الذرة فإنه سوف يجده، لكن لما كانت الذرة مضرب المثل في القلة قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧] .
وقوله ﵎: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة:٧] يفيد أن الذي يوزن هو الأعمال.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: فمن العلماء من يقول: إن الذي يوزن هو العمل.
ومنهم من يقول: إن الذي يوزن هي صحائف الأعمال.
ومنهم من يقول: إن الذي يوزن هو العامل نفسه.
ولكل دليل.
أما من قال: إن الذي يوزن هو العمل فاستدل بهذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة:٧] ؛ لأن تقدير الآية: فمن يعمل عملاً مثقال ذرة، واستدلوا أيضاً بقول النبي ﷺ : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان) وهذا القول كما ترى له دليل من القرآن ومن السنة.
لكن يشكل على هذا: أن العمل ليس جسماً يمكن أن يوضع في الميزان بل العمل عمل انتهى وانقضى.
ولكن يجاب عن هذا: أولاً: بأن يقال: على المرء أن يصدق بما أخبر الله به من أمور الغيب، وإن كان عقله قد يحار فيه ويتعجب ويقول: كيف يكون هذا؟ فعلينا التصديق؛ لأن قدرة الله تعالى فوق ما نتصور.
ثانياً: أن الله تعالى يجعل هذه الأعمال أجساماً توضع في الميزان وتثقل وتخف، والله تعالى قادر على أن يجعل الأمور المعنوية أجساماً كما صح عن النبي ﷺ في أن الموت يؤتى به على صورة كبش ويوقف بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة فيشرئبون ويطلعون لماذا نودوا، ويقال: يا أهل النار فيشرئبون ويطلعون لماذا نودوا، فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولوا: نعم هذا الموت مع أنه في صورة كبش، والموت معنىً ليس جسماً، ولكن الله تعالى يجعله جسماً يوم القيامة فيقال: (هذا الموت فيذبح أمامهم ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت) وبهذا يزول الإشكال الوارد على هذا القول.
أما من قال: إن الذي يوزن هو صحائف الأعمال، فاستدلوا بحديث صاحب البطاقة: (الذي يؤتى يوم القيامة به ويقال: انظر إلى عملك، فتمد له السجلات مكتوب بها العمل السيئ -سجلات عظيمة- فإذا رأى أنه قد هلك، أوتي بالبطاقة الصغيرة فيها: لا إله إلا الله، فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال له: إنك لا تظلم شيئاً، ثم توزن البطاقة في كفة والسجلات في كفة فترجح بهن البطاقة) وهي: لا إله إلا الله.
قالوا: فهذا دليل على أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال.
وأما الذين قالوا: إن الذي يوزن هو العامل نفسه، فاستدلوا بحديث عبد الله بن مسعود ﵁: (أنه كان ذات يوم مع النبي ﷺ فهبت ريح شديدة، فقام عبد الله بن مسعود فجعلت الريح تكفئه -لأنه نحيف القدمين والساقين- فجعل الناس يضحكون، فقال النبي ﷺ : مم تضحكون؟ أو: مم تعجبون؟ والذي نفسي بيده! إن ساقيه في الميزان أثقل من أحد) وهذا يدل على أن الذي يوزن هو العامل.
فيقال: نأخذ بالقول الأول: أن الذي يوزن العمل، ولكن ربما يكون بعض الناس توزن صحائف أعماله، وبعض الناس يوزن هو بنفسه.
فإن قال قائل: على هذا القول أن الذي يوزن هو العامل هل ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا؟ وأن صاحب الجسم الكبير العظيم يثقل ميزانه يوم القيامة؟ ف
لا، لا ينبني على إنسان الدنيا، يؤتى بالرجل السمين الغليظ الكبير الواسع الجسم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وهذا عبد الله بن مسعود يقول النبي ﵊: (إن ساقيه في الميزان أثقل من أحد) فالعبرة ليست بثقل الجسم أو عدم ثقله يوم القيامة وإنما بما كان معهم من أعمال صالحة.
يقول الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] .
وفي هذه السورة كلها: التحذير والتخويف من زلزلة الأرض.
وفيها: الحث على الأعمال الصالحة.
وفيها: أن العمل لا يضيع مهما قلَّ حتى لو كان مثقال ذرة أو أقل فإنه لا بد أن يراه الإنسان ويطلع عليه يوم القيامة.
نسأل الله تعالى أن يختم لنا ولكم بالخير والسعادة والصلاح والفلاح، وأن يجعلنا ممن يحشرون إلى الرحمن وفداً، إنه على كل شيء قدير.
стр. 2760
الأسئلة
стр. 2761
حكم قضاء الضامن لدين ضمينه من الزكاة
رجل ضمن لآخر ديناً على ثالث فأعسر المدين، هل يجوز للضامن أن يسدد دين المضمون عليه من زكاته؟
نعم يجوز هذا لدخوله في عموم قول الله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠] يقول الضامن: وأنا لم أقض الدين عن نفسي وإنما قضيته عن المدين، وأبرأت ذمته، وأعلم أنني لو قضيته من مالي لبقي الدين في ذمة الغريم، وحينئذٍ يكون قضائي إياه من زكاتي إبراءً لذمة الغريم، فيدخل في عموم الآية.
стр. 2762
حكم إفراد يوم عاشوراء بالصيام
ما رأيكم في إفراد اليوم العاشر من شهر المحرم بالصيام بنية صيام عاشوراء؟ الشيخ: لعلك تريد الجمعة أم مطلق؟ السائل: مطلق.
الشيخ: صيام عاشوراء له أربع مراتب: المرتبة الأولى: أن نصوم التاسع والعاشر والحادي عشر، وهذا أعلى المراتب، لما رواه أحمد في المسند: (صوموا يوماً قبله ويوماً بعده خالفوا اليهود) ، ولأن الإنسان إذا صام الثلاثة أيام حصل على فضيلة صيام ثلاثة أيام من الشهر.
المرتبة الثانية: التاسع والعاشر لقول النبي ﷺ : (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) لما قيل له: إن اليهود كانوا يصومون اليوم العاشر وكان يحب مخالفة اليهود، بل مخالفة كل كافر.
والمرتبة الثالثة: العاشر مع الحادي عشر.
والمرتبة الرابعة: العاشر وحده، فمن العلماء من قال: إنه مباح، ومنهم من قال: إنه يكره، فمن قال: إنه مباح استدل بعموم قول النبي ﵊ حين سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها) ولم يذكر التاسع.
ومن قال: إنه يكره، قال: إن النبي ﷺ قال: (خالفوا اليهود صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده) ، وفي لفظ آخر: (صوموا يوماً بعده ويوماً قبله) وهذا يقتضي وجوب إضافة يوم إليه من أجل المخالفة، أو على الأقل: كراهة إفراده.
والقول بالكراهة لإفراده قوي، ولهذا نرى أن الإنسان يخرج من هذا بأن يصوم التاسع قبله أو الحادي عشر.
стр. 2763
حكم رد السلام والمصافحة على غير المسلمين
هؤلاء إخوة يقولون: في عملنا يوجد رافضة ويهود ونصارى ويسلمون علينا بالمصافحة فهل نصافحهم؟
إذا سلم عليك يهودي أو نصراني أو وثني أو ملحد أو شيعي أو غير ذلك وصافحك فصافحه؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] ، والنبي ﵊ إنما نهى أن تبدأهم بالسلام، أما إذا سلموا فرد عليهم كما سلموا؛ لأن هذا هو العدل، ودين الإسلام دين العدل.
стр. 2764
حكم السهر للطاعة وتفويت صلاة الفجر
هناك أشخاص من طلاب العلم يسهرون في الليل أحياناً في الصلاة أو في المذاكرة ويضيعون صلاة الفجر، وإن نصحتهم أعطاك حججاً: أن الرسول أخر مرة صلاة الفجر، ويأتي بأدلة لا أدري من أين يأتي بها؟
لا هذا من الغلط أن الإنسان يبقى ساهراً في الليل بتهجد أو بمراجعة علم ثم ينام عن صلاة الفجر، هذا غلط عظيم، وأما ما استدلوا به أن الرسول فاتته صلاة الفجر فهذا كان في سفر، وكانوا قد نزلوا في آخر الليل وقالوا: من يرقب لنا الفجر، فاعتمد بلال ﵁ على ذلك، ولكنه نام وأخذه الذي أخذه، وهذا ليس كالإنسان الذي يجعل هذا عادة.
يعني: قد نعذر إنساناً في ليلة من الليالي سهر بعمل أو بغير عمل، أو أرق وما نام، ثم نام حتى طلعت الشمس، فهذا يعذر، لكن كونه يتخذ هذه عادة فليس بمعذور ولا يحل له.
ثم الواجب على الإنسان إذا استدل بالقرآن أو بالسنة أن يكون الدليل مطابقاً للحال التي استدل به عليها، فإن لم يفعل كان محرفاً للقرآن والسنة، ومنزلاً للقرآن والسنة غير منازلهما.
стр. 2765
الواجب فعله إذا اختلفت الفتوى
كثير من طلبة العلم الذين لم يصلوا إلى مرحلة النضوج في الطلب يأخذون بقول فلان في بعض الأحكام والرخص، يأخذون مثلاً بقول فلان في غسل الجمعة، وبقول فلان في زكاة الحلي، فعلى ماذا يمشي طالب العلم إذا لم يصل إلى مرحلة الترجيح؟
الواجب على طالب العلم وعلى العامي أيضاً إذا اختلف الناس عنده في الفتوى، أن يختار من الفتاوي من يرى أنه أقرب إلى الصواب، ومعلوم أن الإنسان يعرف أن فلاناً من العلماء أقرب إلى الصواب من فلان؛ وذلك لغزارة علمه ولورعه ودينه، لأننا لا نعتمد على كثرة العلم وغزارة العلم، إذ أن بعض الناس عنده غزارة علم وكثرة علم لكن ليس عنده تقوى ولا خوف من الله، فتجده يتهاون في الإفتاء، وبعض الناس عنده تقوى وورع لكن ضعيف في العلم، فيختار من هو أغزر علماً وأقوى تقوى، فإن تساوى عنده الرجلان، أو لم يعلم أن أحدهما أفضل فقيل: إنه يخير بين القولين، وقيل: يأخذ بالأشد، وقيل: يأخذ بالأيسر، والصحيح: أنه يأخذ بالأيسر لتكافؤ الأدلة، ولأن الأصل عدم إشغال الذمة وبراءتها.
أما كونه يتتبع الرخص عن عمد، فإذا أُفتي بشيء ولم يناسبه قال: أسأل فلان الثاني، وإذا لم يناسبه قال: أسأل الثالث، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا من باب التلاعب في دين الله، وقد نص أهل العلم على أن من تتبع الرخص فسق، فالبعض يبالغ وقال: من تتبع الرخص تزندق؛ لأنه لم يتعبد لله بالهدى ولكن تعبد له بالهوى.
стр. 2766
التوفيق بين كره العاصي والتلطف معه
كيف يتم التوفيق بين الحب في الله والكره فيه والتودد إلى العصاة لجذبهم إلى الهداية؟
الحب في الله: أن تحب الرجل لا تحبه إلا لله، والكره في الله: أن تكرهه لا تكرهه إلا لله.
وأما التودد لشخص من أجل تأليف قلبه للإسلام أو للطاعة إذا كان عاصياً فهذا ليس حباً ولكنه تلطف، فأنت تتودد إليه تلطفاً فقط في المعاملة، أما قلبك فيكرهه ويكره ما عليه من المعاصي، فهذا هو الفرق، الحب في الله قلبك يحبه، وأما التودد لشخص من أجل أن نحمله على التقوى إن كان عاصياً، أو على الإسلام إن كان كافراً، فهذا ليس حباً له ولكن حباً لما ندعوه إليه مع كراهتنا لعمله وكفره.
стр. 2767
وجوب الصلاة على من بلغ سبع سنين
الأمر في قوله ﷺ : (مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين.
) الحديث.
هل الأمر هذا يقتضي الوجوب؟
الأمر هنا للوجوب.
أولاً: لأنه أمر، والأصل في أوامر الله ورسوله الوجوب.
وثانيا: لأنه من باب الرعاية وحسن الولاية، ومعلوم أن الولي على الشيء يجب عليه أن يفعل له ما هو أنفع وأصلح.
فالأمر للوجوب، وكذلك قوله: (اضربوهم عليها لعشر) الأمر للوجوب، لكن يقيد بما إذا كان الضرب نافعاً؛ لأنه أحياناً تضرب الصبي ولكن ما ينتفع بالضرب، ما يزداد إلا صياحاً وعويلاً ولا يستفيد، ثم إن المراد بالضرب الضرب غير المبرح، الضرب السهل الذي يحصل به الإصلاح ولا يحصل به الضرر.
أما مسألة صلاة الفجر فقد يقال: إنها فيها كلفة لا سيما في أيام الشتاء، وأنه ما دام لم يكلف ولم يجب على الصبي فإنه يسقط عن الولي.
стр. 2768
معنى ارتهان الغلام بعقيقته
ما معنى قوله ﷺ : (كل غلام مرتهن بعقيقته) ؟
معنى قوله ﷺ : (كل غلام مرتهنٌ بعقيقته) أن الغلام محبوس عن الشفاعة لوالديه يوم القيامة إذا لم يعق عنه أبوه، هكذا فسره بعض أهل العلم.
وقال بعض العلماء: مرتهن بعقيقته أي: أن العقيقة من أسباب انطلاق الطفل في مصالح دينه ودنياه، وانشراح صدره عند ذلك، وأنه إذا لم يعق عنه فإن هذا قد يحدث له حالة نفسية توجب أن يكون كالمرتهن.
وهذا القول أقرب، وأن العقيقة من أسباب صلاح الولد وانشراح صدره ومضيه في أعماله.
стр. 2769
نصيحة لأولياء الأمور بشأن ملابس الأطفال
انتشر في الوقت الأخير لبس الملابس القصيرة بين البنات والأولاد، وكذلك لبس البناطيل للبنات، فهل من كلمة توجيهية لأولياء الأمور من الآباء والأمهات في هذا المجال جزاك الله خيراً؟
أما الثياب القصيرة بالنسبة للذكور فليس فيها شيء، بل إن النبي ﷺ قال: (أزرة المؤمن إلى نصف الساق) ، وأما بالنسبة للنساء فهذا لا شك أنه خلاف المشروع، وأن نساء الصحابة كن يلبسن الثياب إلى الكعب، وإذا خرجن إلى السوق يرخينه إلى ذراع؛ حتى لا تنكشف أقدامهن.
وأما لبس البنطال للمرأة فهو حرام فيما نرى؛ لأن الرسول ﷺ لعن المتشبهات من النساء بالرجال، ولأنه ذريعة إلى أن تلبس المرأة بنطالاً ضيقاً يصف حجم أفخاذها وعجيزتها، ولا يغرنك قول بعض النساء: أنا ألبس بنطالاً واسعاً فضفاضاً، فإن هذا وإن صح في امرأة من عشر نساء فإنه في المستقبل سوف لا يصح في أي امرأة، ثم إن علة التشبه توجب المنع سواء كان ذلك البنطلون واسعاً أو غير واسع.
والعجب أن بعض النساء يقلن: إن هذا هو رغبة الزوج، وإني لأعجب من الزوج أن يختار هذا اللباس لامرأته وهو لبس رجل، وأقول للزوج: إنه يباح لك ما تقضي به وطرك وتقوى به شهوتك يباح لك ما هو أعظم من هذا، اجعلها تلبس ثوباً خفيفاً رهيفاً وهذا أدعى إلى جماعها والرغبة فيها من لبس هذا البنطلون، لكن الشيطان يزين للناس بعض الأعمال المنكرة نسأل الله السلامة.
بعض البنات الصغار يلبسن إلى فوق الركبة، وانتشرت ملابس للصغار في الأسواق إلى فوق الركبة؟ الشيخ: هذا كما تفضلت، بعض الصغار يلبسن ثياباً صغيرة إلى فوق الركبة والفخذ بعضه خارج، ويدعي أولياءهن -الذين سوف يسألون عن ذلك يوم القيامة- يدعي أنهن صغار، وأن عورتهن لا تتجاوز السوءة، وما أشبه ذلك.
فيقال: إن الطفلة إذا تعودت هذا اللباس ألفته، ولم تستنكره، ونزع منها الحياء أيضاً، ولذلك تجد الفرق بين إنسان يحافظ على ستر عورته وإنسان لا يحافظ، تجد الذي لا يحافظ كالعمال مثلاً: يرفع ثوبه إلى أن يبدو من فخذه الشيء الكثير لا يبالي؛ لأنه ألف ذلك واعتاده، لكن تأتي لإنسان محترم لا تجده يسمح لنفسه أن يرفع ثوبه إلى أن يبدو فخذه، اللهم إلا لحاجة لا بد منها فهذا شيء آخر.
فالحاصل أننا نقول: حتى الصبيان لا يلبسون هذا، وأعني بالصبيان: الفتيات؛ لأنها تعتاد عليه، وينزع منها الحياء، ثم إذا كبرت تكون قد ألفت هذا اللباس.
стр. 2770
بم يثبت دخول الشهر ؟
لقد كثر في اليومين السابقين الكلام حول يوم عاشوراء وفي أي يوم سيكون، فبعضهم قال: إن يوم أمس الأربعاء هو يوم التاسع، واليوم الخميس هو العاشر، وبعضهم قال: إن يوم الأربعاء هو يوم الثامن ويوم الخميس هو التاسع، وقد سمعنا أنك بعد صلاة فجر يوم أمس الأربعاء أخبرت المصلين في المسجد: أن اليوم يوم التاسع وهو يوم الأربعاء، فما صحة هذه الأقوال؟ وماذا يفعل من لم يصم يوم الأربعاء إن كان هو يوم التاسع؟ وبماذا تنصح المسلمين تجاه هذا اليوم؟
أما نصيحتي للمسلمين تجاه هذا اليوم فإني أقول: إن هذا اليوم يوم سن صومه لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رغب فيه حين قال: (إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها) .
وأما فيما يتعلق بإثبات عاشوراء، فأنا أعطيك قاعدة تبني عليها شرعية من رسول الله ﵊: أمرنا النبي ﵊ إذا لم نر الهلال ليلة الثلاثين أن نكمل الشهر ثلاثين يوماً، فقال في رمضان: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) وهذه قاعدة في كل الشهور، لكن النبي ﷺ ذكر رمضان؛ لأنه هو الشهر الذي يحرص الناس به على ترائي الهلال.
وبناءً على ذلك نقول: شهر ذي الحجة متى يكون ثلاثين في هذه السنة؟ يوم الثلاثاء ثلاثين، هل رأيناه ليلة الثلاثاء رأينا هلال محرم؟ الجواب: إن رأيناه وثبت بشهادة اثنين فهذا يوجب دخوله، وإن لم يره إلا واحد أو لم يره أحد فإن الواجب أن نكمل شهر ذي الحجة ثلاثين، وإذا كملنا شهر ذي الحجة ثلاثين صار أول الشهر هذا يوم الأربعاء فيكون يوم الأربعاء هو الثامن، ويوم الخميس هو التاسع، ويوم الجمعة هو العاشر، وهذا هو المتمشي على القواعد الشرعية.
وأما من حدثك أنني قلت للناس: فجر يوم الأربعاء أن اليوم تاسع، فقد كذب، ولم نتكلم، والحمد لله أن الله ربط علينا ألا نتكلم أمس العصر، وإلا كنت أقول: لعلي أعلم الناس حتى لا أغرهم لأني قلت لهم في الخطبة: إن العاشر هو يوم الجمعة، فقلت: لعلي أنبههم، لكن الحمد لله أن الله ربط على لساني ولم أقل شيئاً؛ لأن الناس أكثروا عليَّ، يعني قال واحد: قال: حدثني الشيخ عبد الله السعد عن الشيخ ابن قعود وكلاهما معروف ثقة عن مجلس القضاء: بأن أمس هو التاسع.
ثم جاء آخر وقالوا: سمعنا بالإذاعة عن مجلس القضاء أن الشهر دخل يوم الثلاثاء.
لكن الذي سمعته أيضاً وهو في سند صحيح: أن أحد القضاة سأل الشيخ صالح اللحيدان رئيس المجلس الأعلى للقضاء؟ وقال: إنه لم يثبت عندنا إلا بشهادة واحد.
وشهادة الواحد لا يثبت فيها دخول الشهر إلا في رمضان، فالحمد لله خرجت الآن فتوى من الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي المملكة: بأن يوم الجمعة هو اليوم العاشر، والأمر سهل، الذي صام يوم الأربعاء على أنه التاسع والخميس على أنه العاشر يصوم غداً على أنه العاشر، ويكون له ثلاثة أيام.
ثم أيضاً لا تصدقوا كل ما ينقل عن العلماء، فقد ينقل عن العلماء أشياء تشيب الرأس ما لها أصل.
من الذي نقل يا شيخ قول الشيخ عبد الله السعد؟ أما عبد الله السعد فحدثني أحد الطلبة وهو رجل ثقة عن عبد الله السعد عن عبد الله بن قعود عن مجلس القضاء، وحدثني أيضاً (خالد المزيني) من طلابنا في الجامعة معيد عن مجلس القضاء مباشرة: أن أمس تاسع واليوم عاشر.
والذي يظهر لي والله أعلم: أن هؤلاء الذين في المجلس سمعوا أنه شهد شاهد واحد وقاسوا هذا على شهر رمضان فقالوا ثلاثين.
على كل حال: الحمد لله الأمر واسع، ولم يفت شيئاً، معك غداً تصوم ويكون هو العاشر.
أنا ذكرت حديثاً عن الرسول إذا لم نره نكمل ثلاثين، لكن بعض الناس رضوا في شيء آخر بعد التقويم ثلاثين ذي الحجة حسب الرؤية تعتبر واحداً وثلاثين في التقويم؛ لأن التقويم سبقنا بيوم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وإلى لقاء آخر.
следующие страницы →