← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

حكم زيادة ثمن السلعة إن كان آجلاً فضيلة الشيخ: إذا أردت أن أبيع سيارة بالتقسيط وأخذت زيادة على مبلغها نقداً فهل يعتبر هذا ربا؟ وهل يلزمني أن أنقلها باسمي أم لا؟ إذا كانت السيارة عندك، وكان المشتري يريد السيارة نفسها، أو يريد أن يتكسب بها، فهذا لا بأس به ما دامت معلومة والثمن معلوم، حتى وإن بعتها بأكثر من قيمتها حاضراً، يعني: لو كانت حاضراً تساوي خمسين فبعتها بستين لا بأس. أما إذا كانت السيارة ليست عندك، بأن جاء هذا الرجل وقال: أنا أريد السيارة الفلانية واذهب إلى المعرض واشتر السيارة وأنا سأشتريها منك بعد ذلك بالتقسيط زائداً عن ثمنها الذي اشتريتها به، فهذا لا يجوز، وهذا حرام؛ لأنه حيلة على أن يقرضه بفائدة. وأما إذا كانت السيارة عنده وجاء إنسان يشتريها لا لغرض السيارة ولا لغرض أن يتكسب بها ولكن لغرض الدراهم بمعنى: أنه يشتري سيارة ليبيعها ويشتري بيتاً، أو ليبيعها ويتزوج بها، أو ما أشبه ذلك، فهذه مسألة تسمى عند العلماء مسألة التورق وهي عند شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء حرام وعند غيرهم حلال. والذي يظهر لي: أنه إذا احتاج الإنسان حاجة شديدة إلى هذه ولم يجد طريقاً سواها يقضي به حاجته فلا بأس بهذا. السائل: هل يلزمني مثلاً أن أنقلها باسمه الآن إذا أخذتها -مثلاً- الآن فجاءني هو وقال: أريد السيارة من عندك والسيارة ما هي موجودة عندي الآن لكن أنا مثلاً أشتري السيارة؛ لأنه ليس عن قصد أن أعطيك إياها. أشتريها مثلاً ثم أتفق أنا وإياه. الشيخ: ما يصلح هذا؛ لأنه ما اشتراها إلا له، لولا أنه جاء يقول: أريد السيارة الفلانية ما اشتراها، وكونه يقول: أنا أشتريها وإذا شاء هَوَّنّ؛ هذا غير وارد، لأن هذا الذي جاء وعين السيارة ما يمكن يهون، ثم إذا هون بقيت هذه التهوينة نقطة سوداء في معاملتكم.

стр. 2802

حكم صيام كفارة قتل الخطأ عمن مات وهي عليه فضيلة الشيخ: شخص حصل له حادث وتوفي به فقرر المرور أن الخطأ عليه مائة بالمائة واشترك معه في هذا الحادث ناسٌ آخرون أي: السيارة الثانية، ومات منهم شخص واحد، السؤال: هل على الرجل الأول الذي عليه الخطأ كفارة؟ وهل يجوز أن يشترك في هذه الكفارة خمسة أشخاص لأجل أن يقضوها بسرعة؟ وهل يجوز أن يؤخروا هذه الكفارة إلى أن يمضي وقت؟ الأول الذي كان الخطأ منه مائة بالمائة ومات وكان قبيله أيضاً مات عليه أن يكفر بعتق رقبة، فإذا كان له مال ووجدت الرقبة اُشتري من ماله رقبة وأُعتقت، فإن لم يكن له مال يكفي لإعتاق الرقبة أو لم توجد رقبة فإنه لا شيء عليه لأن الواجب عليه في مثل هذا الحال الصيام ولم يتمكن، وقد قال الله ﵎: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فلا يصوم عنه أحد في هذه الحال؛ لأنه -أصلاً- ما وجب عليه الصوم، إذ لم تكن ثمة مدة يمكنه أن يصوم فيها، فلا يصوم عنه أحد.

стр. 2803

حكم المقابر المنفردة في الصحاري يوجد في بعض الصحاري القريبة من القرى قبور في غير المقابر وأحياناً تكون مسورة، فما الحكم في مثل هذه القبور؟ أرى أنه إذا تيقن أنها قبور؛ لأنه قد يكون هناك شيء يشبه القبر وليس بقبر، لكن إذا تيقنا أنها قبور واجب التشاور مع القاضي والبلدية: هل الأولى أن تنقل هذه القبور إلى المقابر؛ لأنه أصون لها وأحفظ لها، أو أن تبقى في مكانها؟ السائل: طيب؛ يا شيخ! هل يلزم أن يدفن الميت في مقبرة خاصة، مثلاً: لو توفي أحد في الصحراء، هل يلزم بأن نذهب به إلى المقبرة. الشيخ: الذهاب به إلى المقبرة أحسن؛ لأنه أحفظ له، قد يأتي إنسان مثلاً يتملك هذه الأرض ويحرث فيها ويزرع فوق القبر وهو لا يعلم، فكوننا ننقله إلى المقابر أحسن بكثير.

стр. 2804

حكم مقولة: إن كل من لقي النبي ﷺ من الأنبياء فهو صحابي فضيلة الشيخ: نقل أحد الكتاب عن الإمام الذهبي في كتاب تجريد أسماء الصحابة: أن عيسى بن مريم صحابي ونبي. وتعليلاً لكونه صحابياً؟ قال: لأنه لقي النبي ﷺ ، وسلم عليه، فالسؤال: هل جميع الأنبياء الذين لقوا النبي ﷺ يطلق عليهم تعريف الصحابة، وكذلك المؤمنون من الجن؟ أرى أن هذا من التكلف، كوننا نعد عيسى بن مريم ﵊ من الصحابة من التكلف؛ لأن جميع الأنبياء رأوا النبي ﵊ وسلموا عليه، يعني: رآه كثير منهم في ليلة المعراج، والرسول عرج به بجسده، ورآهم حقاً وكلمهم وكلموه وسلم عليهم وسلموا عليه، فهل نقول: إن آدم صحابي، ويحيى صحابي، وعيسى صحابي، وموسى صحابي وإبراهيم صحابي؟!! ثم إن وصف عيسى ﵊ بأنه نبي رسول من أولي العزم أفضل من أن نصفه بأنه صحابي، هو في غنى عن أن يوصف بأنه صحابي، ولا أدري هذه الدسيسة من أين جاءت؟ لأن هذا يستلزم ألا نقول: إن أبا بكر هو خير هذه الأمة. وهذا لا شك أن هذا يحبه الرافضة، يحبون ألا يكون أبو بكر خير هذه الأمة، ونحن نقول: خير هذه الأمة أبو بكر، أما عيسى بن مريم فهو مثل الرسول ﵊ في منزلته، وإن كان الرسول أفضل الرسل لكنه في منزلة الرسالة، أقوى من منزلة الصحبة وأفضل، ولو أردنا أن نقول هكذا لقلنا: كل من لاقاهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة المعراج كلهم صحابة. أرى: أن هذا من التنطع ومن التكلف، وقد قال علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة: [خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر] وكان علي بن أبي طالب يخطب على المنبر ويقول: [خير هذه الأمة أبو بكر] وكذلك ابن عمر صح عنه أنهم كانوا يخيرون في عهد الرسول ﵊ ويقولون: [خير هذه الأمة أبو بكر] في عهد الرسول. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 2805

لقاء الباب المفتوح [٩٧] زخر القرآن الكريم بالآيات والسور التي تبين كثيراً من أهوال يوم القيامة، ومن تلك السور سورة القارعة، والتي كان للشيخ معها هذا البيان والتفسير لما احتوته من ذكر لبعض أهوال يوم القيامة وأحوال الناس في ذلك اليوم. ذلك هو محور لقاء الشيخ وكلامه في هذا اللقاء المفتوح.

стр. 2806

تفسير سورة القارعة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الرابع لهذا العام عام (١٤١٦هـ) وهو من اللقاءات التي يعبر عنها بـ (لقاء الباب المفتوح) والذي يتم كل خميس في كل أسبوع، وهذا هو يوم الخميس الرابع والعشرون من شهر محرم عام (١٤١٦هـ) .

стр. 2807

تفسير قوله تعالى: (القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة) نبتدئ هذا اللقاء بما انتهينا إليه من تفسير جزء النبأ حيث انتهينا إلى سورة القارعة. يقول الله ﵎: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١-٢] . الخ. البسملة آية من كتاب الله، يؤتى بها في ابتداء كل سورة ولا تحسب من آيات السورة لا في الفاتحة ولا في غيرها على القول الراجح من أقوال العلماء، فأول آية في الفاتحة هي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١] والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢] والثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٣] والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٤] والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٥] والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦] والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] إلا أنه لم يؤت بها في أول سورة براءة؛ نظراً لأن ذلك لم يثبت عند الصحابة ﵃ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأشكل عليهم الأمر: هل هي بقية سورة الأنفال، أم هي سورة مستقلة؟ فلهذا وضعوا فاصلاً دون البسملة. يقول الله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١-٢] (القارعة) اسم فاعل من قرع، والمراد التي تقرع القلوب وتفزعها، وذلك عند النفخ في الصور، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل:٨٧] فهي تقرع القلوب بعد قرع الأسماع، وهذه القارعة هي قارعة عظيمة لا نظير لها قبل ذلك، وهي من أسماء يوم القيامة كما تسمى الغاشية والحاقة. وقوله: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ (ما) هنا استفهام بمعنى التعظيم والتفخيم، أي: ما هي القارعة التي ينوه عنها؟ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ هذا زيادة في التفخيم والتعظيم والتهويل، يعني: أي شيء أعلمك عن هذه القارعة، أي: ما أعظمها وما أشدها.

стр. 2808

تفسير قوله تعالى: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث) ثم بين متى تكون، فقال جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤] أي: أنها تكون في ذلك الوقت ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ حين يخرجون من قبورهم، قال العلماء: يكونون كالفراش المبثوث، والفراش -كما تعرفون- هو هذه الطيور الصغيرة التي تتزاحم عند وجود النار في الليل، وهي ضعيفة وتكاد تمشي بدون هدى وتتراكم، وربما لطيشها تقع في النار وهي لا تدري، فهم يشبهون الفراش في ضعفه، وحيرته، وتراكمه، وسيره إلى غير هدى، والمبثوث يعني: المنتشر، فهو كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر:٧] لو تصورت هذا المشهد يخرج الناس من قبورهم على هذا الوجه لتصورت أمراً عظيماً لا نظير له، هؤلاء العالم من آدم إلى أن تقوم الساعة كلهم يخرجون خروج رجل واحد في آن واحد من هذه القبور المبعثرة في مشارق الأرض ومغاربها، ومن غير القبور: كالذي ألقي في لجة البحر وأكلته الحيتان، أو في فلوات الأرض وأكلته السباع، أو ما أشبه ذلك، كلهم سيخرجون مرة واحدة يصولون ويجولون في هذه الأرض.

стр. 2809

تفسير قوله تعالى: (وتكون الجبال كالعهن المنفوش) قال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ القارعة:٥] أما الجبال وهي تلك الجبال العظيمة الراسية الصلبة فتكون كالعهن المنفوش، العهن: الصوف، والمنفوش: المبعثر، أو إن العهن هو القطن والمعنى واحد، المهم أنها تكون بعد أن كانت صلبة قوية راسخة تكون مثل العهن المنفوش الصوف أو القطن، والمنفوش كما قلنا: المبعثر سواءٌ نفشته بيدك أو بغير ذلك فإنه يكون خفيفاً يتطاير مع أدنى ريح، وقد قال الله تعالى في آية أخرى أن الجبال تكون هباء منثورا، وقال جل وعلا هنا: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة:٥] .

стр. 2810

تفسير قوله تعالى: (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية) قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:٦-١١] قسم الله تعالى الناس إلى قسمين: القسم الأول: من ثقلت موازينه، وهو الذي رجحت حسناته على سيئاته. والقسم الثاني: من خفت موازينه، وهو الذي رجحت سيئاته على حسناته، أو الذي ليس له حسنة أصلاً كالكافر، يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦-٧] العيشة مأخوذة من العيش وهو الحياة، يقال: عاش الرجل زمناً طويلاً، أي: بقي وحيي زمناً طويلاً، والعِيْشَة هنا على وزن فعلة فهي هيئة وليست مصدراً، المصدر الدال على الوحدة أن تقول: عَيْشَة، وأما إذا قلت: عِيْشَة فهي فعلة تدل على الهيئة كما قال ابن مالك ﵀: وفعلة لمرة كجَلسة وفِعلة لهيئة كجِلسة المعنى: أنه في حياة طيبة راضية، وراضية قيل: إنها اسم فاعل بمعنى اسم المفعول أي: مرضية، وقيل: إنها اسم فاعل من باب النسبة أي: ذات رضا، وكلا المعنيين واحد، المعنى: أنها عيشة طيبة ليس فيها نكد، وليس فيها صخب، وليس فيها نصب، كاملة من كل وجه، وهذا يعني: العيش في الجنة، جعلنا الله وإياكم منهم، هذا العيش ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] لا يحزنون ولا يخافون، في أنعم عيش، وأطيب بال، وأيسر حال، فهي عيشة راضية.

стр. 2811

تفسير قوله تعالى: (وأما من خفت موازينه فأمه هاوية) قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٨-٩] ومن خفت موازينه إما أنه الكافر الذي ليس له أي حسنة؛ لأن حسنات الكافر يجازى بها في الدنيا ولا تنفعه في الآخرة، أو أنه مسلم لكنه مسرف على نفسه وسيئاته أكثر ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (أم) هنا بمعنى مقصود، أي: الذي يقصده الهاوية، والهاوية من أسماء النار، يعني: أنه مآله إلى نار جهنم والعياذ بالله، وقيل: إن المراد بالأم هنا أم الدماغ، والمعنى: أنه يلقى في النار على أم رأسه نسأل الله السلامة، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يترجح أحدهما على الآخر، ولا يتنافيان؛ فإنه يؤخذ بالمعنيين جميعاً، فيقال: يرمى في النار على أم رأسه، وأيضاً: ليس له مأوىً ولا مقصد إلا النار.

стр. 2812

تفسير قوله تعالى: (وما أدراك ما هيه نار حامية) قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ [القارعة:١٠] هذا من باب التفخيم والتعظيم لهذه الهاوية والعياذ بالله، يسأل: ما هي؟ أتدري ما هي؟ إنها لشيء عظيم، إنها ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:١١] ، في غاية ما يكون من الحمو وقد قال النبي ﵊: (إنها فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً) إذا تأملت نار الدنيا كلها سواء نار الحطب، أو الورق، أو (البوتوغاز) أو أشد من ذلك فإن نار جهنم مفضلة عليها بتسعة وستين جزءاً نسأل الله العافية. في هذه الآية: التخويف والتحذير من هذا اليوم، وأن الناس لا يخرجون عن حالين: إما رجل رجحت حسناته، أو رجل رجحت سيئاته، وفيها أيضاً دليل على أن يوم القيامة فيه موازين، وقد جاء في بعض النصوص: أنه ميزان، فهل هو واحد أو متعدد؟ قال بعض أهل العلم: إنه واحد وإنما جمع باعتبار الموزون؛ لأنه يوزن فيه الحسنات والسيئات، وتوزن فيه حسنات فلان وفلان، وتوزن فيه حسنات الأمة هذه والأمة الأخرى، فهو مجموع باعتبار الموزون لا باعتبار الميزان وإلا فالميزان واحد. وقال بعض أهل العلم: إنها موازين متعددة، لكل أمة ميزان، ولكل عمل ميزان فلهذا جمعت. والأظهر والله أعلم: أنه ميزان واحد لكنه جمع باعتبار الموزون على حسب المال أو على حسب الأمم أو على حسب الأفراد. وفي هذه الآية: دليل على أن الإنسان إذا تساوت حسناته وسيئاته فإنه قد سكت عنه في هذه الآية، ولكن بين الله تعالى في سورة الأعراف أنهم لا يدخلون النار وإنما يحبسون في مكان يقال له (الأعراف) وذكر الله تعالى في سورة الأعراف ما يجري بينهم وبين المؤمنين وأنهم ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٧] . نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن رجحت حسناته على سيئاته، وأن يغفر لنا ولكم، ويعاملنا بعفوه إنه على كل شيء قدير.

стр. 2813

الأسئلة

стр. 2814

حكم الزكاة في الزيوت والسكر والتوابل وبذور الأعلاف السائل: هل في الزيوت والسكر والتوابل وبذور الأعلاف زكاة، وإذا كان فما دليل ذلك وما نصابه؟ الشيخ: اختلف العلماء ﵏ في الحبوب التي لا تؤكل ولا تكون قوتاً هل فيها زكاة أو لا؟ فمنهم من قال: إن فيها زكاة لعموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] . ومنهم من قال: إنها لا تجب فيها الزكاة. وهذا هو الأقرب، وهو أن الزكاة لا تجب إلا في المطعوم الذي يكال ويدخر، وعلى هذا فلا تجب الزكاة في هذه البذور؛ لأنها ليست مطعوماً مدخراً، وهذا القول هو الأرجح، والأصل براءة الذمة حتى يقوم الدليل على الوجوب. ولقد أخرج البخاري قول الرسول ﵊: (ليس في ما دون خمسة أوسق من ثمر ولا حب صدقة) وهذا الذي يوسق في العادة الذي يطعم ويدخر.

стр. 2815

جواز الاستماع إلى القرآن مع الأكل إما في البيت أو السيارة ما حكم من يسمع القرآن وهو يأكل إما في البيت أو في السيارة؟ الشيخ: لا حرج عليه أن يستمع الإنسان إلى القرآن وهو مشتغل بالأكل؛ لأن ذلك لا يمنعه من الاستماع، أما لو كان العمل يستدعي حضور القلب والفكر ويلهيه عن استماع القرآن فالأولى ألا يستمع مثل: لو كان يعمل عمل مهنة مثلاً يصلح سيارة، أو يصلح أشياء تحتاج إلى أن يكون الذهن مرتبطاً بهذا العمل فهنا نقول: الأولى ألا يستمع إلى القرآن؛ لأنه حينئذٍ يكون غافلاً عنه. السائل: والمحاضرات يا شيخ؟! الشيخ: وهو يقرأ يعني؟ السائل: لا، وهو يأكل أو يشرب؟ الشيخ: لا بأس لأن الذي غير القرآن أمره أخف.

стр. 2816

معنى قول النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه) ما معنى قول الرسول ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه) ؟ معناها: أنه لا يكمل إيمان العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير الديني والدنيوي. وفي هذا الحديث: تحذير من الحسد الذي هو كراهة ما أنعم الله به على غيرك؛ لأن الحسد من خصال اليهود. وبهذا عرفت أنه ليس المعنى أنه ليس له إيمان إطلاقاً، بل المعنى لا يكمل إيمانه.

стр. 2817

عدم جواز بيع الأسهم الذي في البنك العقاري لشخص آخر السائل: رجل سجل اسمه في البنك ليقوم بالبناء، وبعد سنوات باع اسمه ما حكم ذلك العمل؟ الشيخ: إذا تقدم الإنسان إلى البنك العقاري لبناء بيتٍ له فإنه لا يجوز أن يتحول عن هذا الطلب إلا بموافقة البنك؛ لأنه لو فتح الباب لتلاعب الناس بهذا، فيقال لهذا الرجل: إن كنت استغنيت الآن عن البناء، أو عدلت عن رأيك فاذهب إلى البنك وقل: ألغوا اسمي، وإن كنت محتاجاً فاستعن بالله وكمل المسيرة. السائل: لا يجوز يا شيخ؟! الشيخ: لا، لا يجوز البيع؛ لأنه ليس لك إلا حق الانتفاع فقط، فإن انتفعت بما قيدت به اسمك وإلا فاترك.

стр. 2818

صفة الأذكار بعد الصلاة كم صفة للأذكار بعد الصلاة يا شيخ! وما يفرق في صلاة المغرب والفجر؟ الأذكار بعد الصلوات أول ذكر: أن تستغفر الله ثلاثاً أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. ثم تقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. ثم تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثلاث مرات، إلا في المغرب والفجر فتقولها عشر مرات، وتزيد فيها يحيي ويميت. ثم تسبح والتسبيح له أربع صفات: الصفة الأولى: أن تقول: سبحان الله عشر مرات، والحمد لله عشر مرات، والله أكبر عشر مرات. والصفة الثانية: أن تقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين. والصفة الثالثة: أن تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم تقول لإتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. الصفة الرابعة: أن تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمساً وعشرين مرة. فصار ثلاثاً منها تكمل المائة، وواحد لا تكمل المائة ما تقول إلا ثلاثين سبحان الله عشراً، والحمد لله عشراً، والله أكبر عشراً.

стр. 2819

حكم وقوع الطلاق لمن قال لزوجته: إذا لم تسقطي ما في بطنك فأنت طالق السائل: جاءني سؤال من أخ مصري: إنه طلق زوجته قال لها: إذا لم تسقطي ما في بطنك فأنت طالق، وكانت حامل من ثلاثة إلى أربعة أشهر، فهل يقع منه الطلاق أو لا يقع؟ الشيخ: أولاً نقول لهذا الزوج: أنه أخطأ حيث أراد من زوجته أن تضع حملها، وليس له الحق في إجبارها على ذلك، ثم إنه إذا بلغ إلى هذه المدة ثلاثة أو أربعة شهور لا يجوز إسقاطه إلا لضرر محقق. وليعلم أن إسقاط الجنين إن كان بعد نفخ الروح فيه فإنه لا يجوز إسقاطه بأي حال من الأحوال؛ لأنه قد نفخ فيه الروح، وإسقاطه يؤدي إلى قتله وهلاكه، حتى لو قيل: إن الأم إن لم يسقط عنها هذا الحمل ماتت، نقول: ولتمت؛ لأنها إذا ماتت ماتت بفعل من؟ بفعل الله، لكن لو أننا أسقطنا الحمل وأمتناه ومات في ذلك فقد مات بفعلنا، ومن المعلوم أنه لا يجوز إماتة شخص لإحياء شخص آخر. الحالة الثانية: قبل أن تنفخ فيه الروح لا شك أنه يختلف بحسب بلوغ الجنين فهو أول ما يكون نطفة أهون، ثم إذا كان علقة صار إسقاطه أشد، ثم إذا كان مضغة صار إسقاطه أشد. هذا حكم إسقاط الجنين. فنقول لهذا الزوج: إنك أخطأت بعملك هذا كونك ترغم امرأتك على أن تسقط الجنين ونقول: للزوجة ليس عليك أن تضعي الحمل بل لكِ أن تعصي هذا الزوج. وإذا لم تضعه فهل يقع عليها الطلاق أو لا؟ هذا يرجع إلى نية الزوج إذا كان نيته بهذا الكلام منعها وتأكيد منعها من إبقاء الحمل في بطنها فإنها لا تطلق، وأما إذا كان قصده الطلاق فإنها تطلق. السائل: مع العلم أنها الطلقة الثالثة لها. الشيخ: سواء الثالثة أو الثانية أو الأولى، الحكم واحد، إن كان ناوياً للطلاق فهي تطلق.

стр. 2820

حكم من لم يسلم على إخوانه في المسجد بحجة أنهم على عقيدة فاسدة السائل: ما هي نصيحتكم لمن يصلي مع إخوة له في المسجد، ولا يسلم عليهم في المسجد بحجة أن عقيدتهم فاسدة؟ الشيخ: وكيف تكون عقيدته هو؟ السائل: حسب زعمه صحيحة. الشيخ: لا يسلم عليهم حتى في الصلاة، يعني: ما يقول: السلام عليكم ورحمة الله. السائل: بعد الصلاة لا يسلم. الشيخ: يعني: إذا قرأ التحيات قام ولا يسلم؟ السائل: لا يسلم عليهم. الشيخ: يعني يسلم في الصلاة؟ السائل: إي نعم. الشيخ: ولكن لا يلتفت؟ السائل: لا. بعد الصلاة لا يسلم عليهم أساساً حتى داخل المسجد، وهم واحد باكستاني وواحد هندي بحجة أن عقيدتهم فاسدة. الشيخ: على كل حال السلام كما تعلم سنة، السلام في غير سلام الصلاة سنة إن شاء سلم وإن شاء لم يسلم، لكننا نرى أن هذا الإمام ما دام إماماً فالذي ينبغي أن يتألف هؤلاء، وأن يعلمهم العقيدة الصحيحة؛ لأنهم جهال، وغالب هؤلاء العمال الذين يأتون إلينا عاشوا في بلدٍ أهله عندهم بعض الانحراف ولا يعلمون، ومن حقهم علينا أن نعلمهم وأن ندعوهم للسنة، فنشير على هذا الرجل أن يسلم إذا دخل، وأن يتألفهم، وأن يعلمهم إما في كل فرض وإما في الفرض الذي يكونون فيه غير مشغولين.

стр. 2821

حقيقة عدم مبايعة علي بن أبي طالب لأبي بكر الصديق بالخلافة فضيلة الشيخ! ذكر بعض المؤرخين أن علياً ﵁ لم يبايع أبا بكر بالخلافة إلا بعد مضي ستة أشهر من خلافته، وبعد وفاة فاطمة بنت محمد ﵂، فما مدى صحة هذا القول؟ أولاً: إن هذا قوله لا يصح، وقد قيل: إن علي بن أبي طالب بايع أبا بكر من يومه لكنه أسرَّ ذلك عن فاطمة؛ لأن فاطمة ﵂ صار في قلبها شيء على أبي بكر ﵁ حين منعها من ميراث أبيها صلوات الله وسلامه عليه وقوله هو الحق، لأن النبي ﷺ قال: (إننا معشر الأنبياء لا نورث) لكن تعرف النساء، وربما يكون هناك أحدٌ من الأعداء يملأ قلبها غيظاً على أبي بكر ﵁، ولا أدري إن كنت نسيت أنها ﵂ بايعت في آخر الأمر، لكن علياً بايع بلا شك مع الناس، إنما غاية ما هنالك أنه أسر ذلك عن فاطمة ﵂.

стр. 2822

حكم من توضأ ثم وجد بعد الوضوء لاصقاً بمقدار الظفر على يده ورجله لم يصله الماء السائل: فضيلة الشيخ! إذا توضأ الإنسان ثم وجد بعد الوضوء أن على يده أو رجله لاصق بمقدار الظفر بحيث أنه يجزم أن الماء لم يصل سواء قبل الصلاة أو بعد الصلاة، فما الحكم؟ الشيخ: إذا تيقن أن هذا اللاصق كان قبل الوضوء فوضوؤه لم يصح، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] وما تحت هذا اللاصق لم يغسل، فيكون وضوؤه غير صحيح، وأما إذا أشكل عليه هل حصل هذا قبل الوضوء أو بعده فوضوؤه صحيح ولا تلزمه الإعادة؛ لأن الأصل عدم وجوده. السائل: وهل يعيد الصلاة؟ الشيخ: إذا كان قد تيقن أنه قبل الوضوء فإنه يزيله ويتوضأ ويعيد الصلاة.

стр. 2823

خطورة الكلام على الحكام والعلماء والدعاة والجماعات فضيلة الشيخ! ما رأيكم في كثير من الشباب الذين إذا اجتمعوا في مجلس من المجالس يقضون جلَّ وقتهم في الكلام على ولاة أمور المسلمين، أو الدعاة، أو العلماء، أو الجماعات الإسلامية، ويرون أن هذا من باب النصح، أو من باب التحذير من الأخطاء، أو نحو ذلك؟ أرى أن هؤلاء أضاعوا أوقاتهم بلا فائدة، واشتغلوا عما هو مهم فيما ليس فيه فائدة أيضاً، بل فيه مضرة، خصوصاً الكلام عما يتعلق بأهل العلم والأمراء لما في ذلك من الضرر العظيم على الأمة؛ لأن الكلام في العلماء في الغيبة يهون قدرهم في نفوس الناس، وإذا هان قدر العلماء في نفوس الناس صار قبولهم لما يقول هؤلاء العلماء ضعيفاً، واختلت بذلك الشريعة، وأما الأمراء فيقال أيضاً: إنه إذا تُكلم فيهم بالغيبة، والسب، والشتم، وذكر المساوئ، والإعراض عن المحاسن؛ فإنه يؤدي إلى كراهة الناس لهم، وعدم انصياعهم لأمرهم، وإلى الفوضى والتفرق بين الأمة، والوزر على هؤلاء إن حصل شيءٌ من ذلك، ثم نقول لهؤلاء: هل كلامكم هذا يؤدي إلى الإصلاح؟ سيكون الجواب: لا، لا يؤدي إلى الإصلاح بل يزيد الشر شراً.

стр. 2824

كلام حول نظرية علمية جيولوجية لأحد الكتاب فضيلة الشيخ! أحد الكتاب في إحدى المجلات ذكر نظرية علمية جيولوجية قال: إن الأرض تتكون من قشرة ولب، والقشرة تخالف حركة اللب، وفي وقتنا هذا اللب يتجه من الشرق إلى الغرب، والقشرة تتجه من الغرب إلى الشرق، فتطلع الشمس من المشرق، ثم بعد ذلك يقول: أنه يحصل تباطؤ من اللب مع القشرة حتى يأتي إلى فترة استقرار، ثم بعد ذلك يحصل تعاكس في الاتجاه بين القشرة واللب، فالقشرة تتجه من الشرق إلى الغرب واللب العكس، ثم يحصل تباطؤ، والتباطؤ هذا يحصل اليوم في التسارع قد يكون عشر ساعات، والتباطؤ قد يكون خمسين ساعة، يعني: تباطؤ القشرة عن اللب يكون اليوم خمسين ساعة، لأن مسألة الاحتكاك بين القشرة واللب فيطول اليوم دوران الأرض، ثم بعد ذلك يستدل ويقول بقصة ذي القرنين قال: إنها كانت تلك الفترة فترة استقرار بين القشرة واللب فذو القرنين بلغ مغرب الشمس وبلغ مطلع الشمس، فنصف الكرة الأرضية كان في ضوء كامل ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً﴾ [الكهف:٩٠] والآخر: كانوا في ظلام كانوا لا يفقهون قولا، فما عندهم إضاءة الشمس، ثم قال: نجعل ذلك بين علمائنا وما هي إلا قابلة للأخذ والرد، فما رأيكم؟ والله أنا أرى أنها قابلة قبولاً لا يعدل عنه إلى عدم الخوض في ذلك، لأن هذا ليس عندنا منه علم، أما الذي أعلمه أن هناك قشرة ولب يتعاكسان في المسير ثم يتباطأ أحدهما فيتفقان، ثم تنعكس المسألة فيكون الليل نهار والنهار ليل، هذا لا علم لنا به، كل هذا من الأقوال التخرصية التي لا يمكن أن يصل فيها إلى علم أبداً. أما هذا فغلط لأن ذا القرنين كان قد أعطاه الله تعالى ملكاً وقدرة ولهذا قال: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذَا بَلَغَ﴾ [الكهف:٨٩-٩٠] فهناك غاية مدة، و (أتبع سبباً) أيضاً يعني السبب كل ما وصل إلى المقصود، وكونه يأت بصيغة التنكير يدل على أنه سبب عظيم، وليس المعنى أنه في لحظة ولحظة وصل هذا وهذا، وأما قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً﴾ [الكهف:٩٠] المعنى: أنهم بدائيين ليس عندهم منازل، ولا أظلة، ولا شيء كالحيوانات.

стр. 2825

حكم من لا يستنشق خوفاً من ضرر الماء على خياشيمه السائل: بعض الناس لا يستنشق خوفاً من أن يضر الماء بخياشيمه فهل الوضوء صحيح أم لا؟ الشيخ: لا يستنشق خوفاً من الماء؟ السائل: يضره الماء. الشيخ: الخياشيم؟ السائل: الخياشيم. الشيخ: لا، هو ممكن أن يدخل الماء بين المنخرين وإن لم يستنشقه. السائل: يعني ليس هناك داعي للاستنشاق الشيخ: إي نعم. ما دام يعرف أن منه ضرراً؛ لأن بعض الناس يكون عنده جيوب في الخياشيم إذا دخلها الماء تضرر من ذلك. السائل: ما عنده ضرر، لكن هو يخاف كالأولاد الصغار؟ الشيخ: العيال الصغار. السائل: هم لا يستنشقون، لكن هو يخاف. الشيخ: على كل حال إذا كان مجرد وهم لا عبرة به، فلا يصح وضوؤه، هو لابد أن يصل الماء إلى باطن المنخرين هذا الواجب. السائل: قريب أم بعيد؟ الشيخ: قريب هذا الواجب ما هو لازم يصل إلى الخياشيم.

стр. 2826

معنى قوله تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) فضيلة الشيخ: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨] ومتى يكون ذلك؟ وما كيفية مرورها؟ يكون ذلك يوم القيامة، لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٧-٨٨] وهذا معنى كونها هباءً، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، ومن فسرها: بأنه دوران الأرض في الدنيا. فقد قال على الله بلا علم، بل قال ما يخالف قول الله ؛ لأن الله ذكر هذا بعد أن ينفخ في الصور. وأما قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ أن يوم القيامة كله يقين ولا يمكن فيه شيء يسمى فيه حسباناً ولا ظناً، فيقال: إن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:١-٢] ومع هذا فإن الله يقول: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ وهذا يكون يوم القيامة.

стр. 2827

حكم استخدام جهاز الصدى في المساجد فضيلة الشيخ يوجد في بعض المساجد بالإضافة إلى مكبرات الصوت يوجد جهاز يسمى جهاز الصدى، ولكن أئمة المساجد يختلفون في ضبطهم لهذا الجهاز، فبعضهم يزيد في تكرير الحرف من الآية إلى مرتين فأكثر، ويتضح ذلك أكثر في حرفي السين والصاد، وبعضهم الآخر يجعل الجهاز يضخم بدون ترديد فلا يؤثر هذا على القراءة للقرآن الكريم، فما حكم وضع الصنف الأول الذي يردد بكثرة، وما توجيهاتكم لمن يفعلونه، علماً أن الصنف الثاني لا يكون فيه تكراراً للأحرف وجزاكم الله خيراً؟ أما الصنف الأول الذي يكون فيه تكرار الحرف هذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى زيادة حروف في كلام الله . وأما الثاني الذي ليس فيه إلا تفخيم الصوت فينظر إن كان هذا أدعى للخشوع فلا بأس، وإلا فتركه أولى؛ لأن كون الناس يستمعون القرآن بدون واسطة في الغالب أخشع، وإذا اعتاد الإنسان أنه لا يخشع إلا إذا سمع عبر هذا الصوت صار إذا قرأ القرآن وحده لا يحصل له الخشوع، وعلى هذا فتركه أولى في كلا الحالين. لكن الحالة التي تؤدي إلى تكرار الحروف يكون فيها حراماً؛ لأنه لا يحل للإنسان أن يزيد في كلام الله ما ليس منه.

стр. 2828

حكم صلاة الجماعة للنساء في البيوت هناك امرأة في بيتها تقوم مع بنات لها بصلاة الجماعة في إحدى الغرف إلزامياً يومياً في خمس صلوات ما حكم هذا؟ لا يجب على النساء صلاة الجماعة لا في بيوتهن ولا في المساجد، لكن اختلف العلماء: هل تسن صلاة الجماعة للنساء في بيوتهن أو لا؟ فمنهم من قال: تسن لهن صلاة الجماعة. ومنهم من قال: إنها لا تسن. فلتنظر هذه المرأة مع بناتها إذا كانت صلاتهن جماعة أحسن لأنهن يقمن من النوم ويصلين جميعاً، ثم إن إمامتهن ستكون مطمئنة في الصلاة لا تسرع الإسراع المخل، فإنه في هذه الحال تكون صلاتهن جماعة أفضل، وإذا كان لا يحصل هذه الميزة فلتكن صلاتهن جماعة أحياناً وأحياناً.

стр. 2829

حكم قول: (الدين الإسلامي فيه لب وقشور) هل الدين الإسلامي فيه قشور بحيث نقول: هذه المسألة من القشور أو جزئيات؟ الدين الإسلامي ليس فيه قشور، كله أصول، وكله لب، وكله نافع، وكله خير، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة:١٠] ، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] وهذا كله يدل على أن القرآن ليس فيه شيء لا فائدة منه. نعم في الدين الإسلامي ما هو مؤكد أكثر من الآخر، فالصلوات المفروضة آكد من التطوع، والصلاة أفضل من الصيام، وما أشبه ذلك، أما أن يقال: قشور ولب فلا، ولا يجوز لنا أن نقول هذا إطلاقاً؛ لأن هذا يفهم أن القرآن فيه ما لا فائدة منه، كما أن القشور ليس منها فائدة.

стр. 2830

كلام حول مسألة التكفير فضيلة الشيخ! عنك خرجت في الآونة الأخيرة بعض الكتب، والكتيبات، والنشرات؛ تتكلم في مسألة عظيمة وهي مسألة الكفر، وذلك أن الذين تكلموا في هذه المسألة انقسموا إلى قسمين: منهم من يتشدد فيكفر الحكومات ومن يعمل بها، ويكفر كذلك المجتمعات. ومنهم -وهو الصنف الثاني- من تساهل في هذا الأمر وقال: إن الكفر لا يكون في الكفر العملي أي: لابد أن يكون في الاعتقادي، ولابد أن يكون تكذيباً وجحوداً، وإذا لم يكن كذلك فليس هناك كفر. وبين يديَّ رسالة تكلمت في هذه المسألة، وانتشرت بين الناس، وطبعت بكثرة، ووزعت على الناس، وهي مسألة: إحكام التقرير في أحكام مسألة التكفير لمصنف سمى اسمه: بـ مراد شكري، وذكر في هذا الكتاب مسائل كثيرة، أذكر نموذجين يا فضيلة الشيخ. قال في الصفحة السابعة عشرة: وهذه السطور أخي الموفق لخصت فيها أقوال نحارير أهل العلم، وأكابرهم في كل عصر، أعلم الناس بمقالات السلف ومن بعدهم، وأعيد لك التلخيص بألخص منه مرة أخرى: فلا يكفر قطعاً إلا المكذب للنبي ﷺ ، ولا يثبت التكذيب للنبي ﷺ إلا بعد ثبوت أمرين اثنين: الأول: ثبوت النص قطعياً بإجماع ضروري متواتر أنه صدر عن النبي ﷺ . والثاني: ثبوت المعنى كذلك بإجماع متواتر ضروري أن النبي ﷺ أراد كذا. وعندها نجزم أن المخالف لهذين الشرطين مكذب، ومثله الجاحد؛ فهو مكذب للنبي ﷺ بلا أي شبهة، ولا عارض تأويل؛ فهو كافر، فاعلم واحرص على هذا التحقيق، واحرز دينك من الموسوسين. وقال في الصفحة الثامنة والعشرين بعد أن ذكر أقوال الناس: فهذه النصوص -يعني: الأقوال- المتقدمة ظاهرة وجلية أن الكفر هو: تكذيب النبي ﷺ ، والجحود هو الاستحلال والعناد والإنكار والنفي كلها بمعنى، وبهذا التقرير لا يمكن أن يكون عملٌ من الأعمال كفراً ناقلاً عن الملة إلا إذا تضمن ضرورة وقطعاً التكذيب وذلك مثل: سب الله، أو سب الرسول ﷺ ، أو السجود لصنم، أو إلقاء المصحف في القذر، ومثل ذلك دون أي شبهة تتعرض أو إشكال يفترض. فما توجيهكم فضيلة الشيخ في هذين الصنفين؟ هذه مسألة كما ذكرت خطيرة وهي التكفير والتبديع والتفسيق وما إلى ذلك، تجد بعض الناس يتحاشى أن يقول: هذا حلال أو هذا حرام إلا بعد أن يكون ذلك ثابتاً بالشرع. ويقول: ليس لي أن أحلل وأحرم، التحليل والتحريم من الله ورسوله، لكنه في مسألة التكفير يتساهل، ويكفر من لا يكفره الله ورسوله، ولم يعلم هذا المسكين أن خطر التكفير أعظم من خطر التحليل والتحريم؛ لأن من كفر من ليس أهلاً عاد كفره عليه كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سواءً قلنا: إنه يعود إليه شرعاً، أو يعود إليه قدراً، فهو لن يتخلص من أن يكون كافراً إذا كفر من لم يكفره الله ورسوله. وأما حصر التكفير بالاعتقاد فهذا غلط أيضاً ومخالف للقرآن وللسنة وأقوال السلف: أما القرآن: فإن الله تعالى ذكر عن إبليس أنه كفر مع أن إبليس مقر بالله وعالم بما له من الأسماء والصفات والقدرة، ومع هذا كفر بتركه السجود الذي أمر به، وهذا ليس كفراً عقدياً بل هو كفر عملي. وأما السنة: فقد ثبت عن النبي ﷺ أن قال: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) ، وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) وهذا كفر عملي يكفر بترك الصلاة مع اعتقاده وجوبها. وأما مخالفته لأقوال السلف: فقال عبد الله بن شقيق ﵀: [كان أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال -وانتبه إلى قوله من الأعمال- تركه كفر غير الصلاة] . فالكفر نوعان: كفر جحود وتكذيب، وكفر استكبار وإباء، وكلاهما ثابت. وأما المفرط الذي يكفر كل إنسان كان على غير رأيه فهذا أيضاً على خطر عظيم، ويشبه أن يكون من الخوارج الذين يكفرون بالكبيرة، ويقولون: إن فاعل الكبيرة كافر مخلد في النار. فعليك بالطريق الوسط لا تتجاوز ما دل عليه الكتاب والسنة، والعباد عباد الله، هو الذي يحكم بكفر هذا أو إسلام هذا، وأنت لست محللاً ولا محرماً، ولا مكفراً ولا نافياً للكفر، الأمر إلى الله . فرأيي: أن هؤلاء مفرطون، وهؤلاء مفرطون، فمن كفر بكل شيء فهو مفرط، ومن نفى الكفر العملي فهو مفرط.

стр. 2831

حكم الخروج مع جماعة التبليغ فضيلة الشيخ! قبل سنوات قريبة كان هناك كثير من الإخوان يأتي ويتساءل عن الخروج مع جماعة التبليغ، فأكثر ما نسمع من طلبة العلم أنهم يحضونه على العلم، وعلى الاتجاه إلى حلقات الذكر، وحلقات العلم الموجودة في المدن، وأيضاً إلى التعاون مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إلخ. ولكن من سنتين تقريباً حصل هبوط وتلاشي بحلقات العلم في كثير من المدن، بل تكاد تكون معدومة في بعض المدن، فالإخوان في جماعة التبليغ يتساءلون يقولون: نحن الآن أين نذهب إذا ما كان هناك طالب علم نجتمع إليه، أو نتعلم منه فأين نذهب؟ علماً بأن الإخوان في جماعة التبليغ هم الوحيدون فقط الذين يستمرون على نشاطهم، وعلى اجتماعاتهم، وعلى جهدهم المقل أو المكثر، فنريد يا فضيلة الشيخ! حقيقة ولو أنه طال الكلام عن هذا الأمر ونحن حقيقة معنا مجموعة من الشباب يأتون من مدن تبعد خمسمائة أو ستمائة كيلو ليحضروا هذا اللقاء؛ لأنه في المدن التي نعيش فيها ليس هناك حقيقة تعرف يعني ما الذي حصل لأكثر طلبة العلم ابتعدوا عن الحلقات، فالحقيقة يا شيخ! نحن لا ندري نخليهم يواصلون مع جماعة التبليغ، أو نبقى على موقفنا الأول ونقول: اتجهوا إلى العلم، وإذا قلنا لهم: اتجهوا إلى العلم يقولون: لا نجد من يعلمنا، أو إذا جلسنا عند بعض طلبة العلم بدأ يبدع ويفسق، فيقولون: ما نجد حقيقة الذي يعيننا على أنفسنا، أو على استمرار النشاط إلا هؤلاء الإخوة، فما رأي فضيلتكم خاصة في هذه الأيام التي بدأ فيها الضعف الحقيقي في أكثر المناطق؟ أقول: نسأل الله العافية، ونسأل الله أن يعيد نشاط الشباب فيما فيه الخير لهم وللبلاد. جماعة التبليغ جماعة نشطة، وجماعة فيها خير، وجماعة لها تأثير لا يوجد لأي جماعة أخرى، وجماعة تكف شرها عن الناس لا تتكلم في الناس؛ لا في الحكام، ولا في العلماء، ولا في الأمراء، وهذا شيء مشهور، بل إنهم يحاولون ترك الجدال عندهم حتى في مسائل العلم، كل هذا للابتعاد عن التنافر، وتأثيريهم واضح، كم من إنسان فاسق صار بواسطتهم عدلاً مستقيماً، وكم من إنسان كافر دخل في الإسلام من أجلهم، وحسن أخلاقهم، لكن ينقصهم العلم، يحتاجون إلى طلبة علم يكونون معهم ويبينون لهم الحق؛ حتى يكونوا على بصيرة من الأمر، ويخشى من السفر إلى الخارج إلى باكستان أو بنجلادش أو غيرها مما يخاف عليهم من البدع هناك، على أن بعض الإخوة من أهل القصيم ذهبوا في هذه السنة لاجتماع كان في باكستان أو بنجلادش -لا أدري- لكنهم ذكروا أن كبيرهم الذي ألقى الخطبة في هذا الجمع الغفير كان من أول ما بدأ من صلاة المغرب إلى أربع ساعات بعد الغروب وهو يقرر التوحيد، يقولون: ولم نسمع عنه ما يدل على مخالفة التوحيد أبداً، ومع ذلك لما حصل بيننا وبينهم لقاء أثنى على أهل العلم في هذه البلاد وقال: نحن نتمنى أن يأتينا أحدٌ منكم يبين لنا الخطأ حتى نرجع عنه. فعلى كل حال: يحتاجون إلى طلبة علم يكونون معهم، فطالب العلم إذا كان معهم سيستفيد من جهتين: الجهة الأولى: أنه يعلمهم ويرشدهم ويوجه هذه الفئة التي تدعوا الناس بأخلاقها، وآدابها، وإيثارها، يعلمهم ما يجب عليهم من أمور الشرع. والجهة الثاني: أنه هو بنفسه إذا كان شامخ الرأس لكونه طالب علم؛ فإنه يلين ويعرف التواضع، والقيام بالإيثار، فذمهم مطلقاً غلط، ومدحهم مطلقاً غلط، لكن فيما أعلم حسناتهم أكثر من سيئاتهم، والنقص الذي عندهم هو مسألة العلم، عندهم جهل. نسأل تعالى أن يجمعنا جميعاً على العلم النافع والعمل الصالح إنه على كل شيء قدير.

стр. 2832

لقاء الباب المفتوح [٩٨] في هذا اللقاء تفسير آيات سورة التكاثر، حيث تحدث الشيخ خلالها عن الانشغال بالتكاثر والفخر بذلك، وهذا يعد من أسباب اللهو التي تشغل الإنسان عن طلب الآخرة، فيمتد اللهو والانشغال بالتكاثر إلى أن تأتي للشخص منيته، فقد هدد الله تعالى من ألهاه التكاثر وأكد التهديد بصيغة الردع والزجر برؤية الجحيم، وأكد رؤيتها في يوم القيامة، والسبب يعود إلى الغفلة وقلة العلم، بالإضافة إلى سؤال الله لعباده عن النعيم الذي كانوا يتنعمون به في الدنيا وذلك يوم القيامة، ثم انتقل الشيخ إلى الإجابة عن الأسئلة المتنوعة.

стр. 2833

تفسير سورة التكاثر الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثامن والتسعون من لقاء الباب المفتوح الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا هو الخميس الثامن من شهر صفر عام (١٤١٦هـ) .

стр. 2834

تفسير قوله تعالى: (ألهاكم التكاثر) نفتتح هذا اللقاء بما انتهينا إليه من تفسير جزء سورة النبأ، حيث وصلنا إلى سورة التكاثر يقول الله : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١-٢] هذه الجملة جملة خبرية، يخبر الله بها العباد مخاطباً لهم يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] ومعنى (ألهاكم) أي: شغلكم حتى لهوتم عما هو أهم من ذكر الله تعالى والقيام بطاعته، والخطاب كما تعلمون لجميع الأمة، إلا أنه يخصص بمن شغلتهم أمور الآخرة عن أمور الدنيا وهم قليل، وإنما نقول: هم قليل؛ لأنه ثبت في الصحيحين أن الله ﵎ يقول يوم القيامة: (يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون) واحد في الجنة والباقي في النار، وهذا عدد هائل إذا لم يكن من بني آدم إلا واحد من الألف إلى الجنة والباقون من أهل النار، إذاً فالخطاب بالعموم في مثل هذه الآية جارٍ على أصله؛ لأن الواحد من الألف ليس بشيء بالنسبة إليهم. وأما قوله: ﴿التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] فهو يشمل التكاثر بالمال، والتكاثر بالقبيلة، والتكاثر بالجاه، والتكاثر بالعلم، وبكل ما يمكن أن يقع فيه التفاخر، ويدل لذلك قول صاحب الجنة لصاحبه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ [الكهف:٣٤] فالإنسان قد يتكاثر بماله فيطلب أن يكون أكثر من الآخر مالاً وأوسع تجارة، وقد يتكاثر الإنسان بقبيلته، يقول: نحن أكثر منهم عدداً كما قال الشاعر: ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر أكثر منهم حصى؛ لأنهم كانوا فيما سبق يعدون الأشياء بالحصى، فمثلاً: إذا كان هؤلاء حصاهم عشرة آلاف والآخرون حصاهم ثمانية آلاف صار الأول أكثر وأعز، فيقول الشاعر: ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر كذلك يتكاثر الإنسان بالعلم، فتجده يفخر على غيره بالعلم، لكن إن كان بالعلم الشرعي فهو خير، وإن كان بالعلم غير الشرعي فهو إما مباح وإما محرم، المهم أن مما يقع فيه التكاثر العلم، وهذا هو الغالب على بني آدم التكاثر فيتكاثرون في هذه الأمور عما خلقوا له من عبادة الله .

стр. 2835

تفسير قوله تعالى: (حتى زرتم المقابر) قال تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢] يعني: إلى أن زرتم المقابر، يعني: إلى أن متم، فالإنسان مجبول على التكاثر إلى أن يموت، بل كلما ازداد به الكبر ازداد به الأمل، فهو يشيب في السن، ويشب في الأمل، حتى إن الرجل له تسعون سنة مثلاً تجد عنده من الآمال وطول الأمل ما ليس عند الشاب الذي عمره خمس عشرة سنة. هذا معنى الآية الكريمة، أي: أنكم تلهوتم بالتكاثر عن الآخرة إلى أن متم. وقيل إن معنى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢] حتى أصبحتم تتكاثرون بالأموات كما تتكاثرون بالأحياء، فيأتي الإنسان فيقول: أنا قبيلتي أكثر من قبيلتك، وإذا شئت فاذهب إلى القبور، عد القبور منا وعد القبور منكم فأيهم أكثر، لكن هذا قول ضعيف، بعيد من سياق الآية، والمعنى الأول هو الصحيح، هو أنكم تتكاثرون إلى أن تموتوا. وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢] استدل به عمر بن عبد العزيز ﵀: على أن الزائر لا بد أن يرجع إلى وطنه، وأن القبور ليست بدار إقامة. وكذلك ذكر عن بعض الأعراب أنه سمع قارئاً يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١-٢] فقال: والله لنبعثن، لأن الزائر كما هو معروف يزور ويرجع فقال: والله لنبعثن، وهذا هو الحق، وبهذا نعرف أن ما يذكره بعض الناس الآن في الجرائد وغيرها، يقول عن الرجل إذا مات: إنه انتقل إلى مثواه الأخير، أن هذا كلام باطل وكذب؛ لأن القبور ليست هي المثوى الأخير، بل لو أن الإنسان اعتقد مدلول هذا اللفظ لصار كافراً بالبعث، والكفر بالبعث ردة عن الإسلام، لكن كثيراً من الناس يأخذون الكلمات ولا يدرون ما معناها، ولعل هذه موروثة عن الملحدين الذين لا يقرون بالبعث بعد الموت.

стр. 2836

تفسير قوله تعالى: (كلا سوف تعلمون) قال الله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٣-٤] قيل: إن كلا بمعنى: الردع، يعني: ارتدعوا عن هذا التكاثر، وقيل: أنها بمعنى حقاً، ومعنى: (سوف تعلمون) أي: سوف تعلمون عاقبة أمركم إذا رجعتم إلى الآخرة، وأن هذا التكاثر لا ينفعكم، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ فيما رواه مسلم: (أن العبد يقول: مالي مالي -يعني يفتخر به- وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت) والباقي تاركه لغيرك، وهذا هو الحق، الآن أموالنا التي بين أيدينا إما أن نأكلها فتفنى، وإما أن نلبسها فتبلى، وإما أن نتصدق بها فنمضيها وتكون أمامنا يوم القيامة، وإما أن نتركها لغيرنا، لا يمكن أن يخرج المال الذي بأيدينا عن هذه القسمة الرباعية. ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٣] أي: سوف تعلمون عاقبة أمركم بالتكاثر الذي ألهاكم عن الآخرة, ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٤] وهذه الجملة تأكيدٌ للردع مرة ثانية.

стр. 2837

تفسير قوله تعالى: (كلا لو تعلمون علم اليقين) ثم قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٥] يعني: حقاً لو تعلمون علم اليقين لعرفتم أنكم في ضلال، ولكنكم لا تعلمون علم اليقين؛ لأنكم غافلون، لاهون في حديث الدنيا، ولو علمتم علم اليقين لعرفتم أنكم في ضلال وفي خطأ عظيم.

стр. 2838

تفسير قوله تعالى: (لترون الجحيم) قال تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٦-٧] (لترون) هذه جملة مستقلة ليست جواب لو، ولهذا يجب على القارئ أن يقف عند قوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٥] ونحن نسمع كثيراً من الأئمة الذين عندهم علم يصلون فيقولون: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٥-٦] وهذا الوصل إما غفلة منهم ونسيان، وإما أنهم لم يتأملوا الآية حق التأمل، وإلا لو تأملوها حق التأمل لوجدوا أن الوصل يفسد المعنى؛ لأنه إذا قال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٥-٦] صار رؤية الجحيم مشروطة بعلمهم، وهذا ليس بصحيح، لذلك يجب التنبه والتنبيه لهذا إذا سمعتم أحداً يقرأ: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٥-٦] نبهوه، قل: يا أخي وصلك هذا يوهم فساد المعنى، وأنت قف أولاً: لأنها رأس آية، والمشروع أن يقف الإنسان عند رأس كل آية. وثانياً: أن الوصل يفسد المعنى ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٥-٦] إذاً ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٦] جملة مستأنفة لا صلة لها بما قبلها، وهي جملة قسمية فيها قسم مقدر والتقدير: والله لترون الجحيم. ولهذا يقول المعربون في إعرابها: إن اللام موطأة للقسم، وجملة ترون هي جواب القسم، والقسم محذوف، والتقدير: والله لترون الجحيم. والجحيم اسم من أسماء النار.

стр. 2839

تفسير قوله تعالى: (ثم لترونها عين اليقين) قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٧] تأكيداً لرؤيتها، يوم القيامة، يؤتى بها تجر بسبعين ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك، فما ظنك بهذه الدار والعياذ بالله؟ إنها دار كبيرة عظيمة؛ لأن فيها سبعين ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك، والملائكة عظام شداد، فهي نار عظيمة أعاذنا الله وإياكم منها.

стр. 2840

تفسير قوله تعالى: (ثم لتسألن يومئذٍ عن النعيم) قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] يعني: ثم في ذلك الموقف العظيم تسألن عن النعيم، واختلف العلماء ﵏ في قوله: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] هل المراد الكافر، أو المراد المؤمن والكافر؟ والصواب: أن المراد به المؤمن والكافر، كلٌ يسأل عن النعيم، لكن الكافر يسأل سؤال توبيخ وتقريع، والمؤمن يسأل سؤال تذكير، والدليل على أنه عام: ما جرى في (قصة النبي ﷺ وأبي بكر وعمر حيث خرجوا ذات يوم من الجوع، فذهبوا إلى بستان رجلٍ يقال له أبو الهيثم بن التيهان فاستأذنوا، فقال النبي ﷺ : السلام عليكم -وكانت امرأته وراء الباب- فردت ﵈ وفدت بالأم والأب، فسألوا عن زوجها فقالت: إنه ذهب يستعذب الماء أي: يأتي بالماء العذب الطيب، فجلسوا ثم جاء الرجل ففرح بهم فرحاً عظيماً، وقال: إنه لا أحد أكرم أضيافاً مني اليوم، ثم قطع لهم عذقاً من النخل وأتى به وألقاه بين أيديهم فقال النبي ﷺ : هلا جنيت. يعني: خرفت، وتعلمون أن الخراف أن يأخذ الإنسان الرطب فقط، فقال: أردت يا رسول الله أن يكون بين أيديكم البسر والرطب والمذنب -لأن العذق يشمل كل الثلاثة- فأكلوا ثم دعوا بالماء فشربوا، فقال رسول الله ﷺ : ماء طيب، وطعام طيب، وظل طيب، لتسألن يومئذٍ عن النعيم) وهذا دليل على أن الذي يسأل المؤمن والكافر، لكن يختلف السؤال، سؤال المؤمن سؤال تذكير بنعمة الله عز جل عليه، حتى يفرح ويعلم أن الذي أنعم عليه في الدنيا أكرم من أن ينعم عليه بالآخرة، بمعنى: أنه إذا تكرم عليه في الدنيا تكرم عليهم بنعمته في الآخرة، أما الكافر فإنه سؤال توبيخ وتنبيه. نسأل الله تعالى أن يستعملنا وإياكم في طاعته، وأن يجعل ما رزقنا عوناً على طاعته، إنه على كل شيء قدير.
следующие страницы →