← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

تفسير قوله تعالى: (كلا سوف تعلمون) قال الله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٣-٤] قيل: إن كلا بمعنى: الردع، يعني: ارتدعوا عن هذا التكاثر، وقيل: أنها بمعنى حقاً، ومعنى: (سوف تعلمون) أي: سوف تعلمون عاقبة أمركم إذا رجعتم إلى الآخرة، وأن هذا التكاثر لا ينفعكم، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ فيما رواه مسلم: (أن العبد يقول: مالي مالي -يعني يفتخر به- وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت) والباقي تاركه لغيرك، وهذا هو الحق، الآن أموالنا التي بين أيدينا إما أن نأكلها فتفنى، وإما أن نلبسها فتبلى، وإما أن نتصدق بها فنمضيها وتكون أمامنا يوم القيامة، وإما أن نتركها لغيرنا، لا يمكن أن يخرج المال الذي بأيدينا عن هذه القسمة الرباعية. ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٣] أي: سوف تعلمون عاقبة أمركم بالتكاثر الذي ألهاكم عن الآخرة, ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٤] وهذه الجملة تأكيدٌ للردع مرة ثانية.

стр. 2837

تفسير قوله تعالى: (كلا لو تعلمون علم اليقين) ثم قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٥] يعني: حقاً لو تعلمون علم اليقين لعرفتم أنكم في ضلال، ولكنكم لا تعلمون علم اليقين؛ لأنكم غافلون، لاهون في حديث الدنيا، ولو علمتم علم اليقين لعرفتم أنكم في ضلال وفي خطأ عظيم.

стр. 2838

تفسير قوله تعالى: (لترون الجحيم) قال تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٦-٧] (لترون) هذه جملة مستقلة ليست جواب لو، ولهذا يجب على القارئ أن يقف عند قوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٥] ونحن نسمع كثيراً من الأئمة الذين عندهم علم يصلون فيقولون: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٥-٦] وهذا الوصل إما غفلة منهم ونسيان، وإما أنهم لم يتأملوا الآية حق التأمل، وإلا لو تأملوها حق التأمل لوجدوا أن الوصل يفسد المعنى؛ لأنه إذا قال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٥-٦] صار رؤية الجحيم مشروطة بعلمهم، وهذا ليس بصحيح، لذلك يجب التنبه والتنبيه لهذا إذا سمعتم أحداً يقرأ: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٥-٦] نبهوه، قل: يا أخي وصلك هذا يوهم فساد المعنى، وأنت قف أولاً: لأنها رأس آية، والمشروع أن يقف الإنسان عند رأس كل آية. وثانياً: أن الوصل يفسد المعنى ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٥-٦] إذاً ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٦] جملة مستأنفة لا صلة لها بما قبلها، وهي جملة قسمية فيها قسم مقدر والتقدير: والله لترون الجحيم. ولهذا يقول المعربون في إعرابها: إن اللام موطأة للقسم، وجملة ترون هي جواب القسم، والقسم محذوف، والتقدير: والله لترون الجحيم. والجحيم اسم من أسماء النار.

стр. 2839

تفسير قوله تعالى: (ثم لترونها عين اليقين) قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٧] تأكيداً لرؤيتها، يوم القيامة، يؤتى بها تجر بسبعين ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك، فما ظنك بهذه الدار والعياذ بالله؟ إنها دار كبيرة عظيمة؛ لأن فيها سبعين ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك، والملائكة عظام شداد، فهي نار عظيمة أعاذنا الله وإياكم منها.

стр. 2840

تفسير قوله تعالى: (ثم لتسألن يومئذٍ عن النعيم) قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] يعني: ثم في ذلك الموقف العظيم تسألن عن النعيم، واختلف العلماء ﵏ في قوله: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] هل المراد الكافر، أو المراد المؤمن والكافر؟ والصواب: أن المراد به المؤمن والكافر، كلٌ يسأل عن النعيم، لكن الكافر يسأل سؤال توبيخ وتقريع، والمؤمن يسأل سؤال تذكير، والدليل على أنه عام: ما جرى في (قصة النبي ﷺ وأبي بكر وعمر حيث خرجوا ذات يوم من الجوع، فذهبوا إلى بستان رجلٍ يقال له أبو الهيثم بن التيهان فاستأذنوا، فقال النبي ﷺ : السلام عليكم -وكانت امرأته وراء الباب- فردت ﵈ وفدت بالأم والأب، فسألوا عن زوجها فقالت: إنه ذهب يستعذب الماء أي: يأتي بالماء العذب الطيب، فجلسوا ثم جاء الرجل ففرح بهم فرحاً عظيماً، وقال: إنه لا أحد أكرم أضيافاً مني اليوم، ثم قطع لهم عذقاً من النخل وأتى به وألقاه بين أيديهم فقال النبي ﷺ : هلا جنيت. يعني: خرفت، وتعلمون أن الخراف أن يأخذ الإنسان الرطب فقط، فقال: أردت يا رسول الله أن يكون بين أيديكم البسر والرطب والمذنب -لأن العذق يشمل كل الثلاثة- فأكلوا ثم دعوا بالماء فشربوا، فقال رسول الله ﷺ : ماء طيب، وطعام طيب، وظل طيب، لتسألن يومئذٍ عن النعيم) وهذا دليل على أن الذي يسأل المؤمن والكافر، لكن يختلف السؤال، سؤال المؤمن سؤال تذكير بنعمة الله عز جل عليه، حتى يفرح ويعلم أن الذي أنعم عليه في الدنيا أكرم من أن ينعم عليه بالآخرة، بمعنى: أنه إذا تكرم عليه في الدنيا تكرم عليهم بنعمته في الآخرة، أما الكافر فإنه سؤال توبيخ وتنبيه. نسأل الله تعالى أن يستعملنا وإياكم في طاعته، وأن يجعل ما رزقنا عوناً على طاعته، إنه على كل شيء قدير.

стр. 2841

الأسئلة

стр. 2842

الحالة التي يجب فيها التيمم فضيلة الشيخ! هل يجوز لنا أن نتيمم بمجرد فقد الماء مع أننا سوف نجده قبل انتهاء الوقت؟ يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦] فأمر أن نتوضأ من الحدث الأصغر ونتطهر من الحدث الأكبر إذا قمنا إلى الصلاة، فإن لم نجد تيممنا، فيجوز لمن ليس عنده ماءٌ عند دخول وقت الصلاة أن يتيمم، لكن العلماء ﵏ قالوا: إذا كان يغلب على ظنه أنه يجد الماء قبل خروج الوقت فالأفضل أن يؤخر التيمم إلى أن يصل إلى الماء. السائل: لكن بعض الإخوة قد ذكر لنا أن ابن عمر ﵄ تيمم وصلى وهو يرى جدران المدينة. وكان هذا في أول الوقت فما توجيهكم بهذا الأثر؟ الشيخ: هذا الأثر لا أدري عنه، لكننا نستدل بالآية كما سمعتم: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦] أي وقت، لكن الأفضل كما قلت: أن يؤخر ما دام يرجو وجود الماء.

стр. 2843

معنى التعزية وصفتها ووقتها فضيلة الشيخ! ما صفة التعزية؟ وهل يعزى غير أقرباء الميت وزملائه وجيرانه؟ وهل التقبيل أو المصافحة عند التعزية مشروع؟ وهل يعزى بالهاتف أو الذهاب إلى المنزل المعزي؟ وهل هو حديث: (إنما التعزية للمصاب) أم ماذا وما معناه؟ التعزية سنة مؤكدة للمصاب، من قريب أو صديق أو زميل أو غير ذلك، ومعنى التعزية: تقوية المصاب على تحمل ما نزل به من المكروه، هذه التعزية، ومنه الأرض العزاز يعني الصلبة، فكأنك تصلب هذا الرجل وتقويه، حتى لا يلين أمام هذه المصيبة بل يكون قوياً، فكلما رأيت مصاباً بما عليه أو فقد حبيبه أو مرض أو غير ذلك أن تعزيه، وأحسن صيغة للتعزية ما عزى به النبي ﷺ ، إحدى بناته حيث قال للرسول الذي أرسلته إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مرها فلتصبر ولتحتسب: فإن لله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيء عنده بأجل مسمى) هذا أحسن ما يقول، وله أن يقول دعاء مناسباً مثلما هو مشهور عند الناس اليوم: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر الله لميتك، أو غير ذلك من الدعاء المناسب. وأما التقبيل والمصافحة فليس من سنن التعزية، إلا إذا كان هذا أول ما لقيته فإنك تصافحه؛ لأن المشروع عند الملاقاة المصافحة، وأما أن تتخذ سنة على أنها من سنن التعزية فهذا بدعة؛ لأن كل من تقرب إلى الله بشيء لم يشرعه الله كان مبتدعاً. وأما مكانها: فليس لها مكان معين، أي مكان تجد فيه المصاب وتشعر بأنه مصاب فإنك تعزيه. وأما زمنها: فقيل إنها تقيد بثلاثة أيام من حدوث المصيبة، استدلالاً بقول النبي ﷺ : (لا يحل لامرأة أن تحد على ميتٍ فوق ثلاث إلا على زوجها) ولكن الاستدلال بهذا الحديث فيه نظر؛ لأن الحديث في الإحداد وليس في التعزية، والصواب: أن التعزية مشروعة ما دامت المصيبة باقية، فإن نسيها أو رؤي أنه ليس بمصاب إلى ذلك الحد فإنه لا يعزى، ولكن هل تكرر التعزية بمعنى: أنك إذا عزيته اليوم ثم رأيته من الغد هل تعيد التعزية عليه؟ أقول: إن وجد سبب فنعم، فمثلاً: لو عزيته اليوم وأتيته من الغد ووجدت الرجل ما زال حزيناً وما زال يبكي مثلاً فإني أقول له: يا أخي اتق الله ولا تؤذي الميت؛ لأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ولكن ليس تعذيب عقوبة بل تعذيب تألم وضيق نفس وما أشبه ذلك. فصار الخلاصة: أنها لا تختص بأحد، وإنما تشمل كل مصاب، ولا تختص بمكان، ولا تختص بزمن، ما دام أثر المصيبة باقياً فعزه، أما تكرارها فكما علمتم إن دعت الحاجة إلى ذلك وإلا فلا تكرر. السائل: التعزية بالهاتف؟ الشيخ: بأي شيء يكون، التعزية بالهاتف أو بكتابة أو بأي شيء. السائل: والذهاب إليه؟ الشيخ: لا نرى الذهاب إليه في البيت؛ لأن جرير بن عبد الله ﵁ يقول: [كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة] اللهم إلا أن يكون قريباً جداً، وتخشى إن لم تذهب عَدَّوا ذلك من قطيعة الرحم فهذا شيء آخر. السائل: والحديث يا شيخ ما صحته؟ الشيخ: ليس هذا حديث.

стр. 2844

حكم نفخ الكفين بعد الضرب بهما في الأرض للمتيمم هل يشرع للمتيمم أن ينفخ في كفيه بعد أن يضرب يديه في الأرض؟ نفخ المتيمم يديه إذا ضرب بهما الأرض قد ثبتت به السنة عن النبي ﷺ ، وهو محمول على أنه كان علق بها تراب كثير، وأما إذا كان لا يعلق بها تراب كثير فلا نفخ.

стр. 2845

حكم بيع الشيء بثمن مرتفع على ثمنه الأصلي عند التأجيل تاجر يشتري من شخص سيارة بمبلغ مليونين ونصف جنيه بشيك مؤجل، لمدة ستة أشهر، أو أربعة ملايين جنيه سوداني لمدة سنة، ثم يبيع السيارة في ذلك المجلس بمبلغ مليون ونصف جنيه سوداني، ما الحكم في هذا البيع؟ وهل الشيك المؤجل إذا حال عليه الحول تجب فيه الزكاة علماً بأنه ما زال مستنداً في يد البائع الأول؟ ويقول ملحوظة: علماً بأن قيمة السيارة الحقيقية في السوق مليون ونصف. هو لا بأس أن الإنسان يشتري سيارة أو غيرها بثمن نقداً حاضراً أقل مما لو اشتراها بثمن مؤجل، فمثلاً يقول: أنا أشتري هذه السيارة بعشرة آلاف نقداً أو باثني عشر ألفاً إلى سنة، ثم يتفقان على أحد الثمنين قبل التفرق، هذا لا بأس به، وليس من باب بيعتين في بيعة كما ظنه بعض أهل العلم، بل هذا تخيير للرجل بين هذه البيعة أو هذه البيعة، وسوف لا ينصرفان من مكانهما إلا وقد عينا ذلك إما المؤجل أو المعجل، وأما التحويل على الثمن بالشيك فلا بأس به أيضاً؛ وذلك لأن بيع السيارة بالدراهم ليس فيه ربا. وأما كون المشتري يبيع السيارة بثمن أقل من أجل أن يأخذ ثمنها فهذه تسمى عند العلماء مسألة التورق، إن باعها على غير الذي اشتراها منه، وإن باعها على الذي اشتراها منه فهي مسألة العينة، فصاحب السيارة اشتراها من زيد باثني عشر ألفاً مؤجلاً إلى سنة، ثم باعها على عمر بعشرة آلاف نقداً هذه تورق، فإن باعها على زيد الذي اشتراها منه أولاً بعشرة آلاف فهذه مسألة العينة، وقد اختلف العلماء ﵏ في مسألة التورق هل هي حلال أو حرام؟ فاختار بعض العلماء: أنها حلال إذا احتاج الإنسان إلى النقد يعني: إلى الثمن، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنها حرام وأنها من العينة التي حرمها النبي ﷺ ، والاحتياط ألا يفعل، يقال: إذا كنت محتاجاً دراهم ووجدت من يقرضك فهذا المطلوب، وإن لم تجد فعليك بالسلم يعني: أن تأخذ دراهم بسلعة مؤجلة تصفها وتبين صفاتها بأن تقول مثلاً: أعطني عشرة آلاف ريال وأنا أعطيك سيارة بعد سنة صفتها كذا وكذا وتضبطها بالصفات هذا جائز لأن الصحابة فعلوه حين قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) . السائل: هل الشيك المؤجل إذا حال عليه الحول تجب فيه الزكاة علماً بأن المستند ما زال في يده يعني يكون لمدة سنة؟ الشيخ: الشيك المؤجل يعني: الشيك الذي كتب لإنسان بثمن مؤجل إذا كلم صاحب البنك وقال: نعم عندي هذا، صار كأنه دين تجب الزكاة فيه.

стр. 2846

بيان كيفية إقامة الحجة في تبليغ دين الله مسألة فهم الحجة شيخ الإسلام ﵀ -وكذلك ابن القيم وابن العربي المالكي ﵏ يقولون: وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها كلامه هذا في الفتاوى. اختلف الدارسون لكتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في هذه القضية أيضاً، وحاولت أن أفهمها ويسر الله لي بعض النقولات الخفيفة التي سأعرضها عليكم ليتجلي الأمر أكثر: رأى بعض طلبة الشيخ ﵏ أن الشيخ لا يشترط لقيام الحجة فهمها، ونقلوا عنه بعض النقولات منها: فإن حجة الله هو القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، وقيام الحجة وبلوغها نوع، وقد قامت عليهم أي: الكفار والمنافقين وفهمهم إياها نوع آخر. ثم وجد نص آخر للشيخ ﵀ في رسالة للشريف يقول فيها: وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبة عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم وفي رواية: عدم من يفهمهم. ثم في قول آخر: فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر الصديق ﵁ بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر. وآخرها ما وقفت على كلام للشيخ أخرجه محمد رشيد رضا في طبعة الرسائل النجدية: وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهماً جلياً كما يفهمها من هداه الله ووفقه وانقاد لأمره، فالرجاء البيان حفظك الله. الذي نراه: أن الحجة لا تقوم إلا إذا بلغت المكلف على وجه يفهمها، لكن نعرف أن أفهام الناس تختلف، من الناس من يفهم من هذا النص معنىً جلياً مثل الشمس، ومعنىً لا يحتمل عنده أي شك، ومن الناس من يفهم النص فهماً أولياً مع احتمال شك في قلبه، فالأول في قمة المعرفة والعلم، والثاني في أول العلم، والثاني قد قامت عليه الحجة لا شك؛ لأنه فهم منه ما يراد به، لكن ليس على الفهم التام الذي فهمته الطائفة الأولى كـ أبي بكر وعمر، وأما من بلغه النص ولكنه لم يعرف منه معنىً أصلاً كرجل أعجمي بلغه النص باللغة العربية ولكن لا يدري ما معنى هذا النص، فهذا لم تقم عليه الحجة بلا شك، ودليل هذا قول الله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٤] أي: بعد البيان بهذا اللسان الذي يفهمونه يضل الله من يشاء، فلا يقبل ويهدي من يشاء فيقبل. وأي فائدة لرجل أعجمي يُقرأ عليه القرآن من لسان عربي وهو لا يدري ما هو، أنت الآن لو أتى إليك رجل أعجمي وأنت عربي لا تفهم الأعجمية ثم كلمك بخطبة خمس صفحات أو أكثر لا تفهم منها شيئاً إطلاقاً فكذلك العجم بالنسبة للعرب. فالذي نرى: أنه لا بد من بلوغ الحجة وفهم معناها على وجه يتبين له الحق، وأما قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] فلا شك أن القرآن نزل بلفظ ومعنى، فالمراد من بلغه لفظه ومعناه، أو ومن بلغه من أهل هذه اللغة الذين تقوم عليهم الحجة إذا بلغهم القرآن بمجرد وصوله إليهم، وهذا القول هو الذي تدل عليه الأدلة بخصوصها وأدلة أخرى بعمومها مثل قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ومن المعلوم أن من لا يعرف المعنى فإنه ليس بوسعه أن يقبله، لكن على من بلغه أن الرسول محمداً ﷺ قد بعث، وأن دينه نسخ الأديان كلها، يجب عليه أن يبحث، وهنا قد يفرط في البحث فلا يكون معذوراً لتفريطه.

стр. 2847

حكم الصلاة في الملابس التي عليها صور فضيلة الشيخ ما حكم الصلاة في الملابس التي عليها صور بعض ذوات الأرواح؟ لا يجوز لبس الملابس التي فيها صور ذوات الأرواح مطلقاً؛ وذلك لأن استعمال الصور محرم. أما صحة الصلاة فالصحيح أن الصلاة صحيحة؛ وذلك لأن اللباس المحرم لا يبطل الصلاة، فالصلاة بالثوب المغصوب صحيحة، والصلاة في ثوب الحرير للرجل صحيحة، والصلاة في ثوب فيه صور للرجال والنساء صحيحة، لكنه آثم بلبس هذه الألبسة التي فيها الصور، ولا فرق بين الرجل البالغ وبين الصبي، كل يجب أن يتجنب لباس هذه الثياب التي فيها الصور.

стр. 2848

معنى الرياء مع ذكر أقسامه فضيلة الشيخ! بعض العلماء يقسمون الرياء إلى رياء شرك ورياء إخلاص، وقد روي عن الفضيل بن عياض قوله: أن من فعل الطاعة من أجل الناس فهو رياء، ومن ترك طاعة خشية الرياء فهو شرك، فما معنى التقسيم؟ وما صلته بقول الفضيل بن عياض حفظكم الله؟ الرياء بارك الله فيك: هو أن يعمل الإنسان العبادة ليراه الناس فيمدحوه عليها، وليس له نية أن ينتفع بها في الآخرة، وإنما يريد الذكر والشهرة بين الناس، هذا هو الرياء، لكن يقال أحياناً: رياء وسمعة، فالرياء لما يُرى والسمعة لما يسمع، ثم إن الرياء قد يكون شركاً أكبراً وقد يكون شركاً أصغراً على حسب ما قام في قلب الفاعل، فمن فعل العبادة لمجرد الرياء فقط، فهذا مشرك شركاً أكبر؛ لأنه لم ينو لله تعالى إطلاقاً، ولا يريد التقرب إليه، إنما يريد التقرب إلى الناس فقط، ومن كان يريد الله لكن يحب أن يراه الناس حتى يمدحوه فهذا رياء ولا يصل إلى الشرك الأكبر، ولهذا تجد في تعبير ابن القيم ﵀ للشرك الأصغر أنه يقول: ويسير الرياء، وهذا يعني: أن كثير الرياء أكبر من ذلك، ولكن إذا حدث للإنسان رياءٌ في عبادة ثم دافعه، ولم يركن إليه فهذا لا يضره الرياء، بل يكون مجاهداً له أجر العبادة وأجر الجهاد أي: جهاد النفس عن الرياء، لكن من لم يطرأ على قلبه الرياء مطلقاً أفضل، كما جاء في الحديث الصحيح: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه فله أجران) إذاً الرياء الخالص هذا شرك أكبر، والرياء المشوب بإخلاص لله هذا شرك أصغر، والرياء الوارد على القلب إن استرسل معه الإنسان فقد وقع في الشرك أصغره أو أكبره، وإن حاول التخلص منه ودافعه فإنه لا يضره.

стр. 2849

حكم النذر لأحد الأولياء وما يترتب عليه امرأة نذرت لأحد الأولياء وهو ميت، نذرت له كلما تضع مولوداً ذكراً كان أم أنثى أن تعطيه خروف (طلي) الشيخ: تعطيه من؟ السائل نفسه: تعطيه الولي. الشيخ: وهو ميت؟ السائل: نعم تذبح. ولقد سبق أن أوفت باثنين والباقي اثنان، وطبعاً هذا الخروف تسلمه لشخص يقال له الخليفة أي: خليفة الولي المتوفى، وهو يتصرف في هذا الخروف على مزاجه إن شاء ذبحه للموجودين، وإن شاء باعه في السوق وقبض قيمته سؤالنا: هل يجوز لزوجها أن يعطيها في الإيفاء بهذا النذر؟ الشيخ: يعطيها مال لتوفي؟ السائل: إي نعم. أو يرفض، علماً بأن الزوجة متمسكة بهذه العقيدة أي: أنها تعتقد اعتقاداً جازماً أن هذا الولي المتوفى يمكنه أن ينفع ويضر، وما حكم بقاء زوجها معها وهي على هذه الحالة؟ أرجو من سماحتكم إفادتنا في ذلك ولو كانت الإجابة مسجلة في شريط تكون أفضل لإرسالها إلى الكثير الذين عندهم هذا الاعتقاد، وإذا لم يتيسر الشريط أرجو الإجابة بأي وسيلة كما أرجو أن تدلونا على أسماء أشرطة من المكتبات يكون فيها عظة لمثل هذه المشكلة أثابكم الله ووفقكم إلى كل خير، مقدمه أخوكم سوداني الجنسية؟ الجواب على هذا يتضمن شيئين: الشيء الأول: يقول: هل يلزم زوجها أن يعطيها لوفاء النذر؟ ونقول: لا يلزم زوجها بل ولا يحل له أن يعطيها للوفاء بهذا النذر، بل إذا أصرت على العقيدة التي ذكرها السائل: أن هذا الولي ينفع ويضر، فهي مشركة ولا يجوز له أن تبقى معه، يجب عليه الفراق؛ لأن المسلم لا يحل له أن يتزوج المشركة. أما الثاني: فنقول لهذه المرأة: إن نذرك نذر باطل؛ لأنه معصية، ولا نذر في معصية، وعليها أن تكفر كفارة يمين عن النذر، وعليها أن تتوب إلى الله تعالى من هذه العقيدة، وتعلم أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله ، قال الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ وهو سيد الأولياء قال له: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ [الجن:٢١-٢٢] يعني: لو أرادني الله تعالى بشيء فلا أحد يجيرني من الله، ويعصمني منه، فكيف أنا أجير غيري؟! وإذا كان هذا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكيف بمن دونه؟! وعلى هذا نقول: إن الأولياء لا ينفعون ولا يضرون، والذبح لهم شرك بالله عز جل مخرج عن الملة، ولو ماتت وهي على هذه الحال لكانت من أصحاب النار، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] . فالآن قل للأخ: أولاً: يجب عليه مفارقتها حتى تتوب من هذا الشرك، فإذا تابت فإنه يجب عليها أن تكفر عن نذرها كفارة يمين. وثانياً: يجب عليه أن يعظ هذه المرأة ويخوفها بالله، ويقول: إن عملها هذا شرك أكبر ولو ماتت عليه لماتت إلى النار والعياذ بالله.

стр. 2850

نصيحة لمن يقوم بنزع الأوراق الدعوية المعلقة في المساجد فضيلة الشيخ! ما توجيهكم لمن يقوم بنزع فتاوى العلماء التي تلصق على أبواب المساجد وفي الأماكن العامة، وكذلك من ينزع إعلانات المحاضرات التي يلقيها بعض العلماء وطلاب العلم، وإعلانات الدورات العلمية، ولأضرب على ذلك مثلاً هو: أنه قام أحد الإخوة بتوزيع ما صدر من فضيلة الشيخ الوالد عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وما صدر من فضيلتكم حفظكم الله مما يتعلق بخطورة انتشار النشرات التي تأتي من لندن، قام بتوزيعها في أحد المساجد، فقام بعض الناس بسحبها فوضعها مرتين فثلاث فسحبت، فلما سأل من قام بهذا العمل؟ قال: هذه تثير الفتن بين الناس، فما توجيهكم حفظكم الله تعالى؟ توجيهنا أن هذا الرجل إذا كان يفعل ما يفعل كراهة للحق فإنه على خطر عظيم؛ لأن كراهة الحق من نواقض الإسلام، وأما إذا كان يفعل ذلك كراهة للشخص الذي يقوم بالحق بقطع النظر عما يقوم به فهذا دون الوجه الأول، ولا يعتبر في الحكم الأول، لكنه آثم ومعتدٍ على أخيه، حيث منع من انتشار علمه ومزق وسائل الانتشار. وأما دعواه: أن الفتوى بخطورة النشرات التي تأتي من لندن تثير الفتنة، فلا أظنه صادقاً، أي: أنه قال هذا ولا أظنه صادقاً فيه؛ لأنه يعلم أن الفتنة كل الفتنة في انتشار هذه النشرات، وتمزيقها وإحراقها هو سبب لإطفاء الفتنة، ولا أحد يفتتن بها ويحب أن تنتشر إلا وهو من رءوس الفتة والعياذ بالله. فنصيحتي لهؤلاء: أن يتقوا الله في أنفسهم وفي شعبهم الوادع الهادئ المطمئن، وألا يقبلوا مثل هذه النشرات التي تثير البغضاء والعداوة والكراهة للعلماء ولولاة الأمور، وتوجب الشقة والفرقة بين الرعية والراعي؛ لأن هذا من أسباب الفتن، ومن تتبع التاريخ وجد أن أول الفتنة كلام وآخرها سهام. فنصيحتي لهؤلاء: أن يتقوا الله ، وأن يكونوا من دعاة الحق، ومحبي الخير للأمة، ولكننا واثقون بإذن الله أن هؤلاء لن يفلحوا، كل من كان ظالماً فإنه لا يفلح لقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١] ، ولقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١] . ولا شك أن النشرات التي تأتي من لندن كما قال الأخ السائل حسب ما نعلم: إنها إفساد، ومثار للفتنة، وأن إتلافها هو الذي يحصل به زوال الفتنة، وأنا أنصح كل من رآها أن يمزقها ويحرقها، وأن ينصح من ابتلي بمحبة انتشارها.

стр. 2851

حكم الصلاة في ملابس النوم هل يجوز للإنسان أن يصلي النافلة بملابس النوم؟ يقول الله : ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] أي: عند كل صلاة، وملابس النوم إذا كانت طاهرة ليس حراماً أن يصلي فيها. لكن هل يقال: إن هذا الرجل اتخذ زينته؟ الجواب: لا، يعني: وإن كانت تجزئه الصلاة لكن الأفضل أن يصلي بالثياب المعتادة؛ لأنه سوف يقف بين يدي الله ، فالآن نقول: لا حرج أن يصلي الإنسان في ثياب النوم إذا كانت طاهرة، لكن الأفضل أن يكمل زينته لقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] .

стр. 2852

حكم ذكر الشخص في حال غيبته بما يكره للتحذير والنصيحة فضيلة الشيخ! قام أحد الإخوة بإلقاء كلمة عن الغيبة وحذر من الغيبة، وحذر مما يقوم به محمد المسعري من هذه النشرات الباطلة، فقام أحد الناس ورد عليه وقال: فعلك هذا غيبة لهذا الشخص، فهل هذا صحيح؟ ثم هل صحيح ما ذكر عنكم أن هذا الشخص المسعري ليس له عرض وليس له غيبة، وقد نقل ذلك إلينا فنرجو التثبت من هذا؟ أما من حذر من الغيبة ومن نشرات الرجل الذي ذكرته فلا شك أنه محق، والغيبة النهي فيها موجود في كتاب الله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] . وأما من قال له: إن ذكرك هذا الرجل الذي ينشرها من الغيبة. أيضاً فنقول له: إن ذكر ذلك ليس من الغيبة بل هو من النصيحة، وذكر الإنسان بما يكره نصحاً للمسلمين من النصيحة والخير، أليس النبي ﷺ حين جاءته فاطمة بنت قيس تستشيره تقول: إنه خطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد، أليس قد قال ﵊: (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فضراب للنساء، أنكحي أسامة) فذكر النبي ﷺ بما يكرهان بلا شك لكن للنصيحة. فإذا كان ذكرنا هذا الرجل الذي يثير الفتنة بين الناس، وينشر معايب العلماء، ومعايب ولاة الأمور، إذا كان ذكرنا له على سبيل النصيحة وتحذير الناس منه، فهذا خير، وهو مما يتقرب به العبد إلى ربه، والناهي عن ذلك أي عن التحذير من هذا الرجل ناهي عن الخير، وناهياً عن النصيحة. وأنا أرى: أن يترك هذا الرجل، وألا يكون مثاراً للجدل بين الشباب وبين الناس، وكما قيل في المثل: (إذا جاءك البئر بريح فسده تستريح) . ولا ينفع أن يكون مثال الجدل، هذا فيما أظن أنه إذا لم تحصل الكلمات الكثيرة فستنطفئ ناره بإذن الله كما قلنا فيما سبق: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١] السائل: كلها مزاعم ويوزعون هذه الأمور في المساجد. الشيخ: على كل حال سيلقون جزاءهم. السائل: هل صحيح ما نقل عنكم: أن هذا الشخص لا عرض له ولا غيبة له؟ الشيخ: لا أبداً، وأنا من عادتي أني لا أذكر الشخص بعينه إطلاقاً، ولهذا تجدني الآن في جوابي هذا أحب ألا أذكر اسمه؛ لأن تعليق الأشياء بالأوصاف أفضل من تعليقها بالأشخاص، أنت إذا علقتها بالشخص ربما يتوب هذا الشخص ويرجع إلى الله وتبقى كلمتك فيه إلى يوم القيامة، لكن إذا ذكرتها بالأوصاف صارت عامة له ولغيره وصار إذا قدر الله هدايته سالماً من تعيينه، فأنا أقول: كل إنسان يبث الفرقة وينشر المساوئ، فإنه يجب التحذير منه.

стр. 2853

التفصيل في مسألة معية الله مع خلقه فضيلة الشيخ يقول أحد الطلاب عن مسألة صدرت وينسبها إليك في المعية معية الخالق مع الخلق، يقول: أنك تقول: أن الله جل وعلا مستوىٍ على عرشه ويكون بذاته مع خلقه. فهل هذا القول صحيح؟ أبداً، نحن نقول: إن الله معنا وهو مستوىٍ على عرشه، كما جاء في القرآن الكريم كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] فنثبت لله ما أثبته لنفسه، ولكننا نقول: أي إنسان يقول: إن الله معنا بذاته في أمكنتنا فإنه كافر؛ لأنه مكذب لأدلة العلو، ويلزم من قوله: أن يكون الله تعالى في أماكن الأقذار والأنتان، ويلزم من قوله: أن الله إما أن يتعدد وإما أن يتجزأ، لكن بعض الناس يفهم من الكلام شيئاً آخر غير المراد فينقله على ما فهمه ويبني على فهمه الخاطئ. السائل: يقول: يستدل بالآية هذه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ؟ الشيخ: لا، نحن نقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] فيها قولان للسلف: القول الأول: ثم وجه الله حقيقة، وهذا كقوله ﷺ للمصلي: (إن الله قبل وجهك) . والقول الثاني في الآية: أن المراد بالوجه الجهة، يعني: فثم جهة الله أن الله أكبر من كل شيء، محيط بكل شيء، لكننا نستدل بالآية التي تلونها أولاً: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] هو نفسه، لكنه ليس معناه أن ذاته تكون في الأرض لا أحد يقول به ممن يعرف الله حق المعرفة. وقد ضرب شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة الواسطية لما ذكر أنه معنا حقيقة ضرب مثلاً يتبين به الأمر، قال: هذا القمر في السماء ونقول: إنه معنا حقيقة، المسافر يقول: سرت والقمر معي أو النجم معي وهو في السماء، فإذا كان هذا في المخلوق فما بالك في الخالق، فيصح أن نقول: معنا حقيقة وهو على عرشه حقيقة كما نقول: ينزل إلى السماء الدنيا في آخر الثلث الآخر من الليل حقيقة وهو على عرشه حقيقة.

стр. 2854

ضابط السفر الذي يباح القصر فيه فضيلة الشيخ! نريد ضابط السفر هل هو على العرف، أم أربعة أيام فما فوق، أم ثمانية كيلو، نريد الضابط في هذه المسألة؟ حد السفر الذي يبيح فيه القصر مختلف فيه. فالعلماء منهم من قال: إنه محدود بالمسافة، فمن نوى هذه المسافة فهو مسافر إذا خرج من بلده، ومنهم من قال: إنه مقيد بالعرف، والثاني هو الصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ويدل على هذا حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين) والشك من شعبة، فهذا يدل على أنه لا يقدَّر مسافة مسيرة يومين؛ لأن ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال أقل بكثير، فالمرجع في هذا إلى العرف، ولكن إذا كنت لا تحيط بالعرف، وهذه هي المشكلة أن الإنسان يقول: هل هذا سافر عرفاً أو لا؟ فالأصل الإتمام، متى شككت في مسوغ القصر فعليك بالإتمام لبراءة الذمة.

стр. 2855

لقاء الباب المفتوح [٩٩] في هذه المادة يتحدث الشيخ عن تفسير سورة العصر والوقوف مع آياتها وبيان حقائقها، ثم بعد ذلك يجيب عن الأسئلة الواردة في اللقاء.

стр. 2856

تفسير سورة العصر الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الأسبوعي المسمى بلقاء الباب المفتوح، وهو اللقاء التاسع والتسعون، يتم هذا اللقاء يوم الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الأول عام (١٤١٦هـ) نتكلم فيه بما شاء الله من تفسير سورة العصر.

стр. 2857

تفسير قوله تعالى: (والعصر) يقول الله : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١-٢] فما المراد بالعصر؟ قيل: إن المراد بالعصر: آخر النهار؛ لأن آخر النهار أفضله، وصلاة العصر تسمى الصلاة الوسطى أي: الفضلى كما سماها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك. وقيل: إن العصر هو الزمان، وهذا هو الأصح: أن العصر هو الزمان، أقسم الله به لما يقع فيه من اختلاف الأحوال، وتقلبات الأمور، ومداولة الأيام بين الناس، وغير ذلك مما هو مشاهد في الحاضر ومتحدث عنه في الغالب، فالعصر هو الزمان الذي يعيشه الخلق، وتختلف أوقاته شدة ورخاءً، وحرباً وسلماً، وصحة ومرضاً، وعملاً صالحاً وعملاً سيئاً، إلى غير ذلك مما هو معروف للجميع.

стр. 2858

تفسير قوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر) أقسم الله بالزمان على أي شيء؟ على قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] والإنسان هنا عام؛ لأن المراد به الجنس، وعلامة الإنسان الذي يراد به العموم أن يحل محله، أي: محل (ألـ) كلمة كل، فهنا لو قيل: كل إنسان في خسر لكان هذا هو المعنى، ومعنى الآية الكريمة: أن الله أقسم قسماً على حال الإنسان أنه في خسر، أي: في خسران ونقصان في كل أحواله، في الدنيا والآخرة، إلا من استثنى الله ، وهذه الجملة كما ترون مؤكدة بثلاث مؤكدات: الأول: القسم، والثاني: إن، والثالث: اللام، وأتى بقوله: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ ليكون أبلغ من قوله: لخاسر، وذلك أن (في) معناها الظرفية، فكأن الإنسان منغمس في الخسر، والخسران محيط به من كل جانب.

стр. 2859

تفسير قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا) قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] استثنى الله هؤلاء المتصفين بهذه الصفات الأربع: وذلك كما بينه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سأله جبريل عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) وشرح هذا الحديث يطول لو تكلمنا عليه الآن، لكن قد تكلمنا عليه في مواطن كثيرة، فالذين آمنوا بهذه الأصول الستة هم المؤمنون، ولكن يجب أن يكون إيماناً لا شك فيه ولا تردد معه، بمعنى: أنك تؤمن بهذه الأشياء وكأنك تراها رأي العين. والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام: القسم الأول: مؤمن إيماناً خالصاً لا شك فيه ولا تردد. والقسم الثاني: كافر جاحد منكر. والقسم الثالث: متردد. فمن الناجي من هؤلاء الأقسام الثلاثة؟ الناجي القسم الأول، الذي يؤمن إيماناً لا تردد فيه، يؤمن بالله بوجوده بأسمائه بصفاته بألوهيته وربوبيته، وغير ذلك مما هو معلوم من صفات الرب جل وعلا، ويؤمن بالملائكة وهم عالم الغيب خلقهم الله تعالى من نور، وكلفهم بأعمال منها ما هو معلوم، ومنها ما ليس بمعلوم، فجبريل ﵊ مكلف بالوحي ينزل به من عند الله إلى الأنبياء والرسل، وميكائيل مكلف بالقطر والنبات، يعني: وكله الله على المطر وكل ما يتعلق بالمطر والنبات. وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، ومالك موكل بالنار، ورضوان موكل بالجنة، ومن الملائكة من لا نعلم أسماءهم ولا نعلم أعمالهم أيضاً، لكن جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من موضع أربع أصابع في السماء إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد) . كذلك: نؤمن بالكتب الذي أنزلها الله على الرسل عليهم الصلاة والسلام، ونؤمن بالرسل الذين قصهم الله علينا نؤمن بهم بأعيانهم، والذين لم يقصهم علينا نؤمن بهم إجمالاً؛ لأن الله لم يقص علينا جميع أنباء الرسل، قال الله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨] . وكذلك الإيمان باليوم الآخر وهو يوم البعث، يوم يخرج الناس من قبورهم للجزاء حفاة عراة غرلاً بهماً. فالحفاة، يعني: الذين ليس عليهم نعال ولا خفاف، أي: أن أقدامهم عارية، والعراة: الذين ليس عليهم ثياب، والغرل: الذين لم يختنوا، والبهم: الذين ليس معهم مال، يحشرون كذلك، ولما حدث النبي ﵊ بأنهم عراة قالت عائشة: (يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض، قال: الأمر أعظم من ذلك) أي: من أن ينظر بعضهم إلى بعض؛ لأن الناس كلٌ مشغول بنفسه. قال شيخ الإسلام ﵀: ومن الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يكون بعد الموت، فيجب أن تؤمن بفتنة القبر، أي: بالاختبار الذي يكون للميت إذا دفن، وتولى أصحابه عنه، فإنه يأتيه ملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه، وتؤمن كذلك بأن القبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، أي: أن فيه العذاب أو الثواب، وتؤمن كذلك بالجنة والنار وكل ما يتعلق باليوم الآخر فإنه داخل في قولنا: أن تؤمن بالله واليوم الآخر. القدر تقدير الله ، يعني: يجب أن تعلم بأن الله تعالى قدر كل شيء، وذلك (أن الله خلق القلم قال له: اكتب، قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى بتلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) . إذاً: الإيمان في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يشمل الإيمان بالأصول الستة التي بينها الرسول ﵊.

стр. 2860

تفسير قوله تعالى: (وعملوا الصالحات) أما قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] فمعناه: أنهم قاموا بالأعمال الصالحة من صلاة وزكاة وصيام وحج وبر للوالدين وصلة للأرحام وغير ذلك، لم يقتصروا على مجرد ما في القلب بل عملوا وأنتجوا، والصالحات: هي التي اشتملت على شيئين: الأول: الإخلاص لله. والثاني: المتابعة للرسول ﵊. وذلك أن العمل إذا لم يكن خالصاً لله فهو مردود، قال الله ﵎ في الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) فلو قمت تصلي مراءاة للناس، أو تصدقت مراءاة للناس، أو طلبت العلم مراءاة للناس، أو وصلت الرحم مراءاة للناس، أو غير ذلك، فالعمل مردود حتى وإن كان صالحاً؛ يعني: في ظاهره. كذلك الاتباع، لو أنك عملت عملاً لم يعمله الرسول ﵊، وتقربت به إلى الله مع الإخلاص لله، فإنه لا يقبل منك؛ لأن النبي ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .

стр. 2861

تفسير قوله تعالى: (وتواصوا بالحق) قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر:٣] أي: صار بعضهم يوصي بعضاً بالحق، والحق هو الشرع، يعني: كل واحد منهم يوصي الآخر، إذا رآه مفرطاً في واجب أوصاه وقال: يا أخي! انفع نفسك، قم بالواجب، إذا رآه يفعل محرماً أوصاه، قال: يا أخي! اجتنب الحرام، فهم لم يقتصروا على نفع أنفسهم، بل نفعوا أنفسهم وغيرهم، تواصوا بالحق، والحق هنا بمعنى الشرع، يوصي بعضهم بعضاً به.

стр. 2862

تفسير قوله تعالى: (وتواصوا بالصبر) قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] والصبر: حبس النفس عما لا ينبغي فعله. وقسمه أهل العلم إلى ثلاثة أقسام فقالوا: إن الصبر صبرٌ على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله. الصبر على الطاعة: كثيرٌ من الناس يكون فيه كسل عن الصلاة مع الجماعة، مثلاً: لا يذهب إلى المسجد، يقول: أصلي في البيت وأديت الواجب، فيكسل نقول: يا أخي اصبر نفسك، احبسها وكلفها على أن تصلي مع الجماعة. كثير من الناس إذا رأى زكاة ماله كثيرة شح وبخل، وصار يتردد: أخرج هذا المال الكثير أو أتركه؟ وما أشبه ذلك، نقول: يا أخي! اصبر نفسك، أكرهها على أداء الزكاة، وهكذا بقية العبادات، فإن العبادات كما قال الله تعالى في الصلاة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] أكثر عباد الله تجد أن العبادات عليهم ثقيلة، فهم يتواسون بالصبر، اصبر على الطاعة ولا تمل ولا تكسل. كذلك الصبر عن المعصية: بعض الناس تجره نفسه إلى أكساب محرمة: إما بالربا، وإما بالغش والكذب، وإما بالتدليس، أو بغير ذلك من أنواع الحرام، فنقول: اصبر يا أخي! اصبر نفسك لا تتعامل على وجه محرم. بعض الناس أيضاً يبتلى بالنظر إلى النساء، تجده ماشياً في السوق كلما مرت امرأة أتبعها بصره، نقول: يا أخي! اصبر واحبس نفسك عن هذا الشيء. أيضاً الصبر على أقدار الله: قد يصاب الإنسان بمرض في بدنه، يصاب الإنسان بفقد شيء من ماله، يصاب الإنسان بفقد أحبته، فيجزع ويتسخط ويتألم، فيتواصون فيما بينهم: اصبر يا أخي! هذا أمر مقدر، والجزع لا يفيد شيئاً، واستمرار الحزن لا يرفع الحزن، اصبر، قدر أن هذا الشيء لم يكن أصلاً، يعني مثلاً: إنسان فقد مليون ريال فحزن لذلك وتعذب منه، ماذا نقول له؟ نقول: اصبر يا أخي! قدر أن هذا المليون لم يوجد، ألست قد خرجت من بطن أمك ليس عليك ثياب، قدر أن هذا ما كان، كذلك أيضاً الأولاد مثلاً: إنسان امتحن بموت ابنه، نقول: يا أخي! اصبر، قدر أن هذا الابن لم يخلق، ثم كما قال الرسول ﵊ لإحدى بناته: (مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى) الأمر كله لله وليس لك، فإذا أخذ الله تعالى ملكه كيف تعتب على ربك؟! كيف تتسخط؟! فهذه أنواع الصبر: الأول: الصبر على طاعة الله. والثاني: عن معصية الله. والثالث: على أقدار الله. أيها أشق على النفوس؟ هذا يختلف، بعض الناس يشق عليه القيام بالطاعة، وتكون عليه ثقيلة جداً، وبعض الناس بالعكس الطاعة هينة عليه، لكن ترك المعصية صعب شاق، يشق عليه مشقة كبيرة، وبعض الناس يسهل عليه الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية لكن لا يتحمل الصبر على المصائب، يعجز، حتى أنه قد تصل به الحال إلى أن يرتد والعياذ بالله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] . إذاًَ: نأخذ من هذه الآية: أن الله أكد بالقسم المؤكد بإن واللام، أن جميع بني آدم خاسرون، بل في خسر الخسر محيط بهم من كل جانب، إلا من اتصف بهذه الصفات الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. قال الشافعي ﵀: لو لم ينزل الله على عباده حجة إلا هذه السورة لكفتهم. يعني: كفتهم موعظة وليس كفتهم تشريعاً؛ لأن ليس فيها من التشريع شيء، ليس فيها طهارة ولا صلاة ولا زكاة ولا حج ولا صيام، لكن كفتهم موعظة، فالإنسان عاقل يعرف أنه في خسر، إلا إذا اتصف بهذه الصفات الأربع، فإنه سوف يحاول بقدر ما يستطيع أن يتصف بهذه الصفات الأربع. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الرابحين الموفقين.

стр. 2863

الأسئلة

стр. 2864

حكم طاعة الوالدين في الامتناع عن مجالس الذكر أب يمنع ابنه من حضور مجالس الذكر والدروس العلمية، ونتج عن ذلك أن هذا الولد ترك الالتزام، واتجه للأفلام وما شابهه من المحرمات، هل يعتبر فعل هذا الوالد من الصد عن سبيل الله؟ وهل يطاع في هذه الحالة؟ إذا نهاك أبوك أو أمك عن حضور المجالس فلا تطعه؛ لأن حضور مجالس الذكر خير، ولا يعود على الوالدين بالضرر، فلهذا نقول: لا تطعهما ولكن احرص على أن تداريهما، ومعنى المداراة: ألا تبين أنك تذهب إلى حلق الذكر كأنك تذهب إلى أصحابك أو ما أشبه ذلك. أما بالنسبة للأب والأم اللذين يمنعان الولد من حضور مجالس الذكر، فإن منعهما من الصد عن ذكر الله، وهما آثمان في ذلك، والذي ينبغي للأب والأم إذا رأيا ولدهما قد أقبل على العلم أن يستبشرا بذلك، وأن يساعداه بكل ما يستطيعان؛ لأن هذا من نعمة الله عليه وعليهما، فمن الذي ينفع من الأولاد إذا مات الإنسان؟ الولد الصالح، كما قال النبي ﵊: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولدٌ صالح يدعو له) .

стр. 2865

الضابط في الرياء إذا طرأ أثناء العمل فضيلة الشيخ: ذكرت أثناء كلامك عن الرياء أن الرياء إذا كان من أصل العمل يبطل العمل كاملاً، فكيف إذا جاء الرياء أثناء العمل؟ إذا حدث الرياء في أثناء العبادة فالواجب مدافعته والإعراض عنه، وعدم الالتفات إليه، وإذا كان الإنسان يدافعه وعجز فإن ذلك لا يضره، لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] لكن إن استرسل معه ونوى المراءاة، فإن كان في صلاة ونحوها مما إذا بطل آخره بطل أوله فإن الصلاة تبطل؛ لأنه لا يمكن أن نقول: الركعة الأخيرة فاسدة والركعة الأولى صحيحة، وإن كان مما لا ينسحب حكم آخره على أوله كالصدقة مثلاً فإن الأول يصح؛ لأنه خال من الرياء، والثاني لا يصح، فلو أعد عشرة دراهم ليتصدق بها فتصدق بخمسة بنية خالصة، ثم دخلت النية في الخمسة الباقية، فإن الخمسة الأولى صحيحة ولا نقص فيها، والبطلان يكون في الثانية، فهذا هو الضابط فيما إذا طرأ الرياء على العبادة في أثنائها. الأول: قلنا إذا دافعه وأعرض عنه ولم يسترسل معه فهذا لا يضره. الثاني: إذا استرسل معه نظرنا فإن كان آخر العبادة مبنياً على أولها، فإنه إذا بطل آخرها بطل أولها كالصلاة، وإلا صح الأول الخالي من الرياء وبطل الثاني الذي شابه الرياء.

стр. 2866

حكم عقود التأمين رجل يعمل في شركة، وهذه الشركة تقوم باستقطاع دينارين من كل شهر من راتبه قيمة تأمين صحي، وهذا الاستقطاع إجباري بالنسبة للموظف، أما بالنسبة لزوجه وأولاده فهو على الاختيار، والسؤال: هل يجوز أن يقوم بإشراك أهله؟ لا يجوز أن يقوم بإشراك أهله في هذا؛ لأنه ربما يعطيهم عوض هذا الاستقطاع ولا يحصل لأهله مرض، وربما يحصل لأهله مرض ويستهلك أكثر مما أعطاهم عدة مرات فيكون هذا العمل دائراً بين الغنم والغرم، وكل عقد دائر بين الغنم والغرم فإنه من الميسر المحرم. أما بالنسبة له هو فما دام الأمر إجبارياً فليعتبر هذا ظلماً منهم، ثم إن طرأ عليه ما يحتاج إلى علاج فإنه يعالج عندهم بقدر ما أعطاهم فقط. السائل: لكن المبلغ قليل يا شيخ! الشيخ: تدفع ريالين في الشهر يعني أربعة وعشرين ريالاً في السنة. السائل: مثلاً مرض في السنة الأولى الأربعة والعشرين الريال قليلة. الشيخ: هذا هو الشيء المحرم، يعني: قد يمرض في السنة الأولى ويستهلك علاجه آلافاً، وقد لا يمرض أبداً؛ ولذلك نقول: إنه محرم، وما أخذ منه على سبيل الإجبار فليسلمه، وإذا قدر أنه مرض فلا يعالج عندهم إلا بمقدار ما أعطاهم.

стр. 2867

لا تُدرك الجماعة بالدخول مع الإمام في التشهد الأخير إذا دخلت المسجد والإمام في التشهد الأخير ماذا أفعل؟ إذا دخلت المسجد والإمام في التشهد الأخير فادخل معه، كبر تكبيرة الإحرام وأنت قائم ثم اجلس، وإذا سلم تأتي بما بقي عليك. السائل: هل يعتبر أني أدركت الجماعة؟ الشيخ: الصحيح أنك لم تدركها، لكن تثاب على نيتك وعلى حضورك للمسجد.

стр. 2868

حكم قراءة القرآن للجنب ما حكم قراءة القرآن بالنسبة للجنب؟ الصحيح أن قراءة القرآن للجنب حرام، وأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، حتى لو توضأ فإنه لا يباح له أن يقرأ حتى يغتسل.

стр. 2869

من أسباب مضايقة الدعاة فضيلة الشيخ: يقول بعض طلبة العلم: إنما تعانيه الدعوة إلى الله في العالم الإسلامي من تضييق واضطهاد، ناتج عن مخالفة الدعاة للمنهج السديد في الدعوة إلى الله، الذي هو منهج الأنبياء، فما مدى صحة هذه المقولة، آمل من فضيلتكم التفصيل؟ أنا لا أستطيع أن أحكم على دول بعيدة عني، فقد يكون مضايقتها للدعاة بناءً على تصرف بعض الدعاة، وقد تكون مضايقتها للدعاة لكراهتها للدعوة، فلا ندري والناس يختلفون، لكن نحن نقول بالنسبة على سبيل العموم: إنه ينبغي للدعاة أن يسلكوا الحكمة في إيصال الحق إلى الخلق، وليس المقصود العتب ولا الانتصار للنفس، ولا احتقار المدعو، والمقصود الإصلاح، فاسلك أقرب الطرق إلى الإصلاح، فقد يكون من المصلحة ألا أتكلم على شخص أمامي متلبساً بمنكر، وأؤجل هذا إلى وقت آخر يكون فيه مجال للكلام، وقد يكون من المصلحة أيضاً ألا أنكر عليه بالقول، ولكني أدعوه بالفعل بالتأليف، أدعوه إلى بيتي، أكرمه بالضيافة، أعطيه هدية عينية أو نقدية؛ لأن الله جعل من الزكاة نصيباً للمؤلفة قلوبهم. وما يحصل من التضييق في بعض البلاد على الدعاة، أو على بعضهم فيما أرى أن سببها أمران: الأمر الأول: أن تكون الدولة كارهة للحق، لا تريد الحق إطلاقاً، تريد أن يكون الناس كلٌ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] كلٌ على جهته، وكلٌ يفعل ما يشاء بشرط المحافظة على الأمن وعدم الفوضى. وهذه في الحقيقة علناً لا تمت إلى طريق السلف بصلة. وقد يكون بعض الحكام لا يكرهون الدعوة إلى الحق، وربما يؤيدونها ويدعون إليها، لكن يكرهون منهجاً معيناً من بعض الدعاة، هذا المنهج هو أنه يثير الرعية على رعاتها، إذا ذكرت المثالب، مثالب الحكام دون محاسنهم، فإن هذا ليس منهجاً سليماً، بل يقال: إن المنهج السليم أن تناصح ولاة الأمور بمشافهتهم إن تمكنت، بالكتابة إليهم، تسلمها بيدك إن استطعت، أو بطريق آخر، فإن اهتدوا فهذا المطلوب، وإلا فليس من المصلحة أن نثير الناس على هؤلاء الحكام؛ لأنه ينتج من الشر والفساد والتفرق أكثر مما يحصل من المصلحة، بل قد تنعدم المصلحة مطلقاً، إذا ركب الحاكم رأسه وقال: أنا لن أخضع لهذا الذي حاول الضغط عليَّ بإثارة الشعب مثلاً. لذلك نرى أن المنهج السليم أن توجه الدعوة إلى الشعب نفسه، فمثلاً إذا كان في الشعب تعامل بالربا، أوجه الخطاب والدعوة إلى نفس الشعب، تقول: هذا حرام، ولا يجوز للإنسان أن يتعامل فيه، والواجب الكف عنه، كذلك إذا رأيت أن أشرطة الغناء، أو ما يسمع من الإذاعات من الغناء منتشر، أحذر الناس من ذلك، وأقول: اتقوا الله هذا محرم، هذا لا يجوز، لكن بعض الدعاة يضرب عن هذا صفحاً، ويذهب يتكلم عن الحكومة التي أقرت هذا الشيء، فيقول مثلاً: تقر الربا تقر المعازف تقر كذا وكذا، أهم شيء هو إصلاح الشعب، والشعب إذا صلح بالضرورة ستصلح الحكومة؛ لأن الشعب أفراد مكون من حاكم ومحكوم، والمحكوم بلا شك أكثر من الحاكم، يعني: أفراد الحكومة مثلاً لا يأتون. ولا نسبة لهم بالنسبة للشعب وإذا صلح الشعب فلابد أن تصلح الحكومة، فينتج من هذا أن ولاة الأمر يتصورون أن مقصود هذا الداعية الإساءة إلى الحكومة، وتفريق الناس عنها، والدعوة إلى اختلافهم عليها وعصيانها، وأنها ليست صالحة، وما أشبه ذلك، فيسلطون على هذا الداعية وعلى من ينتصر له. السائل: والمنكرات المعلنة يا شيخ! هل تنكر علناً؟ الشيخ: بلى تنكر علناً، لكن كيف أنكرها؟ أقول: لا يجوز أن أتعامل مع البنوك مثلاً بربا، لا يجوز أن نستمع إلى الأغاني الماجنة أو المعازف، لا يجوز مثلاً أن نشتري الصحف أو المجلات التي فيها صور خليعة، أو تنشر أفكاراً هدامة، وما أشبه ذلك.

стр. 2870

حكم صلاة الرواتب قبل الأذان إذا دخل الشخص المسجد قبل صلاة الظهر وصلى ركعتين، وأذن المؤذن هل يصلي أربعاً أو يكتفي باثنتين؟ ما صليته قبل الأذان فليس راتبه، يعتبر تحية مسجد، فإذا أذن المؤذن صل ركعتين ثم ركعتين.

стр. 2871

اسم خازن الجنة هل ورد على أن اسم خازن الجنة رضوان؟ اشتهرت به الآثار أن اسمه رضوان، لكنني لا أعرف فيه حديثاً صحيحاً عن الرسول ﵊. السائل: وإسرافيل؟ الشيخ: إسرافيل صحيح. السائل: في دعاء استفتاح الليل. الشيخ: إي نعم، في دعاء استفتاح الليل: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل) .

стр. 2872

حكم بيع الصحف المحلية حكم بيع الصحف المحلية التي تصدر من هنا؟ أنا لا أرى فيها بأساً إلا إذا كان فيها أفكاراً سيئة، أو صوراً خليعة. السائل نفسه: فيها أخبار الرياضة والفن والغناء والدعاية لها؟ الشيخ: هذه اتركها لا تشترِها. السائل: المجلة لابد أن يكون لها ملحق يومي عن هذا الموضوع. الشيخ: والله! أنا لا أدري، أنا أرى أن عدم اطلاع الإنسان على ما يكون في العالم يعتبر نقصاً، فالأولى أن يقال: إذا كنت تحب أن تطلع على أخبار العالم اشتر هذا؛ لأن أكثرها غير الذي أنت تقول، وهذا مزقه السائل: السؤال -يا شيخ- عن بيعها -صاحب محل يسأل-: هل يبيع مثلاً الجزيرة والرياض وعكاظ وغير ذلك؟ الشيخ: إذا جاز شراؤها جاز بيعها؛ لأن البيع عقد بين اثنين.

стр. 2873

حكم الوفاء بالنذر رجل نذر نذراً بصيام الأيام البيض من كل شهر، ولكن الرجل يعاني من كثرة العطش فإن توقف فما عليه؟ إذا نذر إنسان أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأن الصيام طاعة وقد قال النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) لكن لا يلزم أن تكون متوالية، إذا كان لم يشترط أن تكون متتابعة، فلا بأس أن يصوم يوماً في أول الشهر ويوماً في وسطه ويوماً في آخره، وبهذا يسهل عليه، ما أظن أحداً يعجز أن يصوم يوماً في الأسبوع.

стр. 2874

حكم مجالسة تارك الصلاة إذا كان الإخوة في المنزل من غير المصلين والمحادين لله ورسوله، فكيف يكون التعامل معهم، علماً بأننا نسكن في نفس المنزل، وإذا كان أحدهم يقوم بالإنفاق من ماله، فهل يجوز أن آكل وأن أشرب معه أو من طعامه؟ إذا كان البيت فيه من لا يصلي بل يحاد الله ورسوله، فالواجب قبل كل شيء نصيحته، فلعل الله أن يهديه؛ لأن الله مقلب القلوب ، وقد قال رسول الله ﷺ : (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) فإذا نصح ولم ينتصح فالواجب الخروج من البيت، حتى وإن كان هو المنفق فإنه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢-٣] .

стр. 2875

حكم من جمع الظهر والعصر في سفره ثم دخل بلده قبيل العصر إذا كنت في سفر ودخل عليَّ وقت الظهر، فهل يحق لي أن أجمع الظهر والعصر جمع تقديم مع العلم أني سأدخل البلد قبل دخول وقت العصر؟ نعم لا حرج، يعني: إذا أقبل الإنسان على بلده ودخل وقت الظهر فله أن يجمع العصر إليها؛ لأنه لا زال في سفر، لكن الأفضل إذا كان يعلم أو يغلب على ظنه أنه يصل إلى بلده قبل دخول وقت العصر ألا يجمع؛ لأنه ليس فيه حاجة إلى ذلك، لكن لو جمع فلا حرج. السائل: لكن لو جمع ثم وصل البلد هل يصلي العصر مرة أخرى. الشيخ: لا. قد أدى الفريضة وانتهى.
следующие страницы →