Полный текст (6 569 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
تفسير قوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين)
ثم قال : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٥] لكم دينكم الذي أنتم عليه والذين تدينون به, ولي دين, فأنا بريء من دينكم وأنتم بريئون من ديني, قال بعض أهل العلم: وهذه السورة نزلت قبل فرض الجهاد, لأنه بعد الجهاد لا يقر الكافر على دينه إلا بالجزية إن كان من أهل الكتاب وعلى القول الراجح: أو من غيرهم.
ولكن الصحيح أنها لا تنافي الأمر بالجهاد, حتى نقول: إنها منسوخة, بل هي باقية ويجب أن نتبرأ من دين اليهود والنصارى والمشركين في كل وقت وحين, ولهذا نقر اليهود والنصارى على دينهم بالجزية ونحن نعبد الله وهم يعبدون ما يعبدون.
على كل حال: هذه السورة فيها البراءة والتخلي من عبادة غير الله , سواء في المعبود أو في نوع الفعل, وفيه الإخلاص لله , وألا نعبد إلا الله وحده لا شريك له.
وإلى هنا ينتهي ما تيسر من الكلام على هذه السورة وسورة الكوثر.
стр. 3012
الأسئلة
стр. 3013
سنن يوم الجمعة، وحكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة
أرجو من فضيلتكم أن تذكروا لنا السنن التي ينبغي على المسلم اتباعها في يوم الجمعة, وما حكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؟
قراءة سورة الكهف سنة؛ لأن فيها أجراً عظيماً ثبت عن النبي ﷺ , وأما ما يفعل في يوم الجمعة فهو: أولاً: الاغتسال, والاغتسال للجمعة واجب, إذا تركه الإنسان بدون عذر كان آثماً؛ لأن النبي ﷺ قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) أي: على كل بالغ, وقال ﷺ : (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) ولما دخل عثمان بن عفان ﵁ وأمير المؤمنين عمر يخطب، لامه على تأخره, فقال: (يا أمير المؤمنين! والله ما زدت على أن توضأت ثم أتيت, فقال له: والوضوء أيضاً؟ -أي: وتقتصر على الوضوء أيضاً- وقد قال النبي ﷺ : إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فأنت ترى أن أمير المؤمنين عمر ﵁ عاتب عثمان بن عفان ﵁ مع مقامه في الإسلام, وكما نعلم جميعاً أنه الخليفة الثالث في هذه الأمة, ومع ذلك عاتبه حين اقتصر على الوضوء, ولكنه واجب تصح الصلاة بدونه؛ لأنه ليس واجباً عن حدث كغسل الجنابة لكنه واجب يأثم الإنسان بتركه إلا لعذر, كما لو كان هناك برد شديد وليس عنده ما يسخن به الماء أو كان مريضاً يتضرر بالغسل أو ما أشبه ذلك.
ومن ذلك أيضاً: السواك, وهذا السواك ليس السواك المعتاد بل هو سواك خاص, تنظف به الأسنان أكثر ويدلكها أكثر.
ومنها: الطيب, أن يتطيب الإنسان في رأسه ولحيته وثوبه.
ومنها: التبكير إليها, أن يبكر حين تطلع الشمس؛ لأن النبي ﷺ حث على ذلك فقال: (من اغتسل -أي: يوم الجمعة- ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة, ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة, ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن, ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة, ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة) فالذي ينبغي للمسلم أن يغتنم الفرصة, فهذه هي فرصة العمر, أي فائدة أن تبقى تقطع الوقت -كما يقولون- في البيت أو السوق, وتترك هذا الأجر العظيم؟ اذهب إلى المسجد يحصل لك ثواب هذا القربان: بدنة، أو بقرة، أو كبش أقرن أو دجاجة أو بيضة بعد أن تغتسل, ثم إذا ذهبت إلى المسجد سيحصل لك خير كثير, تشاغل بالصلاة أو بالقراءة, إذا مللت من الصلاة قرأت, وإذا مللت من القراءة صليت, ولا بأس أن تتحدث إلى أحد إخوانك بشيء نافع, كالمباحثة في العلم أو ما أشبه ذلك, لكن الحرمان! والشيطان -نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه- يغلب على كثير من الناس, تجده في البيت ليس معه شغل فتراه في البيت من أجل أن يقضي الوقت من أجل يأتي وقت الصلاة، وهذا من الحرمان الكثير.
كذلك أيضاً مما يستن في يوم الجمعة قبل الصلاة: أن يلبس الإنسان أحسن ثيابه التي عنده سواء كان جديداً أم غسيلاً؛ لأن ذلك من السنة, وينبغي أن يتحرى الدعاء إذا دخل الإمام يوم الجمعة بما شاء ولا سيما في أثناء الصلاة؛ لأن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً وهو قائم يصلي إلا أعطاه إياه.
ومنها: أن يكثر من الصلاة على النبي ﷺ , أكثرها, صل دائماً، الإنسان لا يمل ولا يتعب, صل دائماً: اللهم صل على محمد اللهم صل على محمد وأنت ماشٍ وأنت جالس وفي المسجد وفي البيت وفي السوق.
والخير كثير, وقد ذكر ابن القيم ﵀ في زاد المعاد أشياء كثيرة ترجع إليها إن شاء الله لتكتمل الفائدة.
стр. 3014
حكم الصلاة عن الميت
فضيلة الشيخ! سمعت أن فضيلتكم يجيز الصلاة للميت, أرجو التوضيح؟
نعم, ما سمعت عني فهو صحيح, أن الإنسان لو صلّى ركعتين لوالده أو أمه أو ما أشبه ذلك فلا بأس, ولكن ليس معنى هذا: أننا نطلب من الإنسان أن يفعله, نحن نقول هذا عمل مرجوح, والأفضل أن تدعو لهما, الدعاء لهما أفضل من الصدقة لهما, وأفضل من الحج لهما, وأفضل من الأضحية لهما, وأفضل من كل عمل؛ لأن هذا هو الذي دلنا عليه الرسول ﷺ , ولا أظن أن أحداً يشك أن أعظم إنسان يدل على الخير هو الرسول ﷺ , لا يمكن أن يحجب عنا الخير إطلاقاً, وقد قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية -أي: يعمل لنفسه عملاً يكون صدقة جارية له خلال حياته- أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له) ولا يعمل له؟ يدعو له، مع أن سياق الحديث في العمل, فلو كان العمل للميت أمراً مشروعاً لقال: أو ولد صالح يعمل له, أو يصلي أو يزكي أو ما أشبه ذلك لكن المشكلة أن العوام يقولون: لا, ويصرون على أن يتصدق أحدهم أو يعتمر لوالده أو يحج وما أشبه ذلك، ولو فتشت ما وجدته يدعو إلا قليلاً لوالده, وهذا لا شك أنه اختيار المرجوح على الراجح, نقول: يا أخي! اذهب واعتمر لنفسك وادع لأبيك في الطواف وفي السعي وفي الصلاة, أما أن تجعل عباداتك التي أنت ستحتاج إليها يوماً من الدهر تجعلها لهؤلاء الأموات الذين انقطع عملهم وتترك ما أرشدك إليه الرسول ﵊؟ هذا خطأ.
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
إلا أن الناس الآن -الحمد لله- يسرنا كثيراً أنهم بدءوا ينتبهون, كنا نعهد سابقاً أنه لا أضحية إلا لميت, حتى لو قعدت أضحي لنفسي قالوا: باسم الله عليك! أنت ميت؟ الأضحية للميت, لا يعرفون أن الأضحية للحي, لكن الآن -الحمد لله- انتبهوا وصاروا يعرفون أن الأضاحي للأحياء, والأموات يدخلون تبعاً إذا قلت: اللهم إن هذه عني وعن أهل بيتي وفيهم ميت يدخل تبعاً, أو لهم وصايا هم أوصوا بها نعم يضحى لهم بها.
стр. 3015
خطورة تهاون من يضبط الساعة للعمل ولا يضبطها لصلاة الفجر
قول الله تعالى في سورة الماعون: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] هل يدخل في هذا الذين يحسنون ضبط الساعة للعمل ولا يضبطونها لصلاة الفجر, فما توجيهكم لهم؟
﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] سبق لنا أنهم يفرطون في واجباتهم, سواء الفجر أو العصر كما يغلب على بعض الناس نسأل الله العافية, في صلاة الفجر لا يقومون إلا إذا جاء وقت العمل, وفي صلاة العصر حيث أنهم يأتون يتغدون ويحتاجون للنوم, لا يصلون إلا عند غروب الشمس, هؤلاء ممن ذكر الله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ سواء ضبطوا الساعة للعمل أو لم يضبطوها, المهم أنهم يضيعون الصلاة.
стр. 3016
حكم قول المستفتي: ما حكم الشرع في هذه المسألة وإلقائه السلام عند السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هناك بعض السائلين إذا أراد أن يسأل أحد المشايخ عن سؤال, قال: ما حكم الشرع في هذه المسألة, أو ما قول الشرع في هذه المسألة, أفتونا جزاكم الله خير؟
القول بإسناد كلمة: ما قول الشرع، أو ما حكم الشرع إلى شخص يخطئ ويصيب، هذا خطأ؛ لأن الشرع ليس مقيداً بشخص إلا بالنبي ﷺ , هو الذي لا يقر على خطأ في دين الله, أما غير الرسول ﷺ لا يمكن أن تقول: ما حكم الشرع وهو بشر يخطئ ويصيب, لكن قل: ما حكم الشرع في نظرك؟ أو ما رأيك في كذا؟ هذا هو الأسلم والأولى, افرض أنك قلت لهذا الرجل: ما حكم الشرع؟ فقال: حكم الشرع في كذا أنه حرام وليس بحرام, صار كذباً على الشرع, لهذا نرى: أن الأحسن في التعبير أن يقال: ما حكم الشرع في نظرك؟ أو ما ترى في كذا؟ وأما تصدير السؤال بالسلام وهو جالس مع المسئول فهذا ليس من السنة, يعني: بعض الناس الآن تجده في المجلس ثم يقول: السلام عليكم ورحمة الله، ما حكم كذا وكذا؟ هذا ليس من السنة؛ لأن الذين كانوا يسألون الرسول ﷺ في مكانهم لا يسلمون, إنما يسلم الذي يقدم كما في حديث المسيء في صلاته الذي جاء وصلّى في ناحية المسجد صلاة لا يطمئن فيها, ثم جاء فسلم على الرسول ﷺ فرد ﵇ وقال: (ارجع فصلِ فإنك لم تصلِّ) فهذا نعم يسلم, أما إنسان جالس في الحلقة ثم إذا أراد أن يورد السؤال قال: السلام عليكم ورحمة الله، فهذا ليس من السنة, ومعلوم أننا نحن مُتبِعون بمعنى: أننا نتمشى في عباداتنا على ما شرع لنا لا نتجاوز ولا نقصر، لكني أقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 3017
السنة للإمام في الإتيان إلى المسجد
السائل: ما السنة للإمام هل هو التبكير، أم الإتيان عند الإقامة؟ الشيخ: يعني حضوره إلى المسجد؟ السائل: نعم.
الشيخ: السنة في حق الإمام أن يبقى في بيته يتعبد النافلة القبلية كصلاة الفجر والظهر, أو يفعل ما شاء, ثم إذا جاء وقت الإقامة حضر, هكذا كان النبي ﵊ يفعل, لكن لو جاء من قبل فلا بأس, يعني لا يقال: هذا بدعة, قد يرى الإمام -مثلاً- من المصلحة أنه يأتي متقدماً من أجل أن يشجع الناس على التقدم, فهذا قد يكون خيراً, أما إذا لم يكن هناك مصلحة راجحة فالأفضل أن يبقى في بيته حتى يأتي وقت الإقامة ولا سيما في يوم الجمعة, وبعض الإخوة في يوم الجمعة يأتي مبكراً وهو إمام وخطيب, يقول: لأن الرسول ﷺ حث على التقدم يوم الجمعة, فيقال: حث الرسول ﷺ على التقدم يوم الجمعة لكن شرع لأمته ألا يأتي الإمام إلا إذا جاء وقت الصلاة, فكان الرسول ﷺ لا يأتي للجمعة إلا حين يأتي وقت الصلاة؛ فلا يسن تقدم الإمام يوم الجمعة بل يبقى في بيته إلى أن يحين وقت الصلاة, ويكون مثاباً على بقائه في بيته, كما يثاب المتقدم من المأمومين.
стр. 3018
حكم استلام راتب المسجد مع غياب الإمام بعض الأيام
السائل: سمعنا عنك طريقة تؤديها عند استلام راتب المسجد, وهي: أنك تخصم راتب الوقت الذي تغيب عنه ولا تؤم المصلين فيه, وعلى ذلك قام بعض الأئمة بوضع جدول يبين فيه جميع أوقات الصلوات اليومية خلال شهر كامل, وإذا تغيب عن هذا الوقت وضع أمامه إشارة أنه غائب عنه, وعند استلامه للراتب إما أن يستسمح من الأوقاف بأخذ الرواتب عن الأوقات التي لم يصليها أو يخصمها هو بنفسه, ويتبرع بها ويلزم نفسه بهذه الطريقة, فهل فعلهم هذا صحيح؟ وهل ما نقل عنكم صحيح أيضاً؟ جزاكم الله خيراً الشيخ: أما ما نقل عنا فليس بصحيح, نتغيب الوقت والوقتين, واليوم واليومين في أعمال تقتضيها الحال, ولا نخصم شيئاً, والإمام إمام, واليوم واليومان في الشهر لا يضر, لكن بعض الناس -والعياذ بالله- يأخذ الإمامة باسمه ويكلها إلى شخص آخر في كل الصلوات, فيأخذ مثلاً راتب قدره (١٠٠٠) ريال, ويعطي هذا الذي يصلي (٥٠٠) ريال, من الذي حل له الـ (٥٠٠) الباقية؟ ولا سيما أنه من بيت المال لا يمكن أن يبذل إلا في مقابل منفعة وعمل, فما الذي أحل لك أن تأخذ (١٠٠٠) ريال وتعطي هذا النائب عنك (٥٠٠) ريال؟!! هذا حرام بلا شك, ويأكله آكله سحتاً, وشر من ذلك أن يرسم هذا الإنسان في المسجد مع أن أنظمة الدولة لا تجيزه لكنه يتستر, فيأخذ الوظيفة باسمه ويعطيها لهذا الذي رسمه هو, هذا يتضمن عدوان على الدولة وعلى نظامها, ويتضمن أكلاً للباطل فيما زاد عما يعطيه هذا الذي أقامه, بعض الناس مثلاً يأخذ ممن لا تجيز الدولة أن يقوموا بهذه الوظيفة ويتفق معه على أن يكون هو الذي أمام الدولة -أي: المواطن- ويكون المنفذ للعمل فعلاً هو هذا الذي لا تجيزه الدولة أن يقوم به في هذا المنصب، ولا يبالي ويأخذ الزيادة, هذا حرام أيضاً, وفيه كما قلت محذوران: المحذور الأول: التستر الذي هو خديعة للدولة.
المحذور الثاني: أكل المال بالباطل.
حتى لو فرض أنه قال: أنا أعطي الراتب كله هذا الرجل الذي قام عني، لا يجوز, ما دامت الأنظمة لا تجيز أن يقوم في هذا المنصب؛ لأن كل واحد من أبناء المملكة العربية السعودية له بيعة في عنقه لولي الأمر فيها, تستلزم بمقتضى الآيات الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] تستلزم أن يتمشى على هذا النظام.
السائل: كيف بالنسبة للفراشة في المسجد؟ الفراشة -والله- قالوا لنا أي: الجهة المسئولة- المقصود أن ينظف المسجد, والفراشة لا يختلف فيها القصد, المقصود أن المسجد ينظف ويصان, وربما تكون صيانة الأجنبي في المسجد وفراشته له أحسن من الوطني, الوطني كسول ملول, لكن الأجانب في الغالب أنهم أنفع, وأنا قد سألت بعض المسئولين عن هذه المسألة وقالوا: نحن لا نريد إلا مسجداً مصاناً, لكن من الورع أن الإنسان لا يأخذ شيئاً زائداً عما قام به هذا الشخص أو يعطيه إياه.
أما الذي فعله لنفسه هذا شيء لا نقول: فيه شيء! ربما أنه يحب الورع.
السائل: طيب قلتم: يوزع الأوراق على مجموعة من الشباب الشيخ: لا غلط، هذا من التنطع.
السائل: يعطيهم الأوراق يقول: إن أردتم الشيخ: لا أبداً ولا يعطيهم الأوراق، يفعله بنفسه ولا يلزم الناس به، والناس إذا أعطوا هذه الأوراق على جهة ورع وعبادة ربما يأخذون بها، وهذا من التنطع، وقد قال النبي ﷺ : (هلك المتنطعون) لكن الورع يختلف الناس فيه, قد يتورع إنسان ويجد في نفسه حرجاً من شيء, وغيره لا يرى هذا, ويذكر أن الإمام أحمد ﵀: جاءه سائل يسأل امرأة أو رجل، وأظنها امرأة فقالت له: يا أبا عبد الله إن السلطان يمر ونحن نغزل على ضوء القمر, وإنه بمروره يزداد عملنا, لأنه تكون الأنوار أقوى وأوسع, فهل لنا الحق في هذا؟ فقال: نعم, أنتم لم تجلبوا الأنوار هم الذي مروا في السوق ونفعكم الله بها.
هذا معنى كلامه, هو تعجب من هذا السؤال, فلما انصرفت قال للذي حوله: من هذه المرأة؟ قالوا: هذه فلانة أخت إبراهيم بن أدهم , فقال: ادعوها, فدعوها فجاءت, فقال: ذلك لا يحل لكِ، كيف؟ قال: من بيتكم خرج الورع.
أي: أنتم أهل الورع, والناس يختلفون.
стр. 3019
لقاء الباب المفتوح [١٠٦]
تحدث الشيخ ﵀ عن سورة النصر وبيّن أن المراد بالنصر هو تسليط الإنسان على عدوه، وأن المراد بالفتح هو فتح مكة الذي كان في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان، وذكر الشيخ أن في هذه السورة إخباراً للنبي ﵊ بانتهاء مهمته وأن أجله قد قرب.
كما تحدث الشيخ عن سورة المسد، فقسم أعمام النبي ﵊ إلى ثلاثة أقسام، وبين أصنافهم من حيث الإيمان والكفر.
وفي نهاية لقائه أجاب عن أسئلة الحاضرين.
стр. 3020
تفسير سورة النصر
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء السادس بعد المائة من اللقاءات المعبر عنها بـ (لقاء الباب المفتوح) التي يتم بها اللقاء كل خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الثاني من شهر جمادى الثانية عام (١٤١٦هـ) نسأل الله أن يرزق الجميع علماً نافعاً وعملاً صالحاً.
في هذا اللقاء سنتكلم عن سورتين من كتاب الله : أولاهما سورة النصر, يقول الله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] * ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ [النصر:٢] * ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:٣] الخطاب للنبي ﷺ لا شك فيه.
стр. 3021
تفسير قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح)
يقول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] النصر: هو تسليط الإنسان على عدوه, بحيث يتمكن منه ويخذله ويكبته, وهو -أعني النصر-: أعظم سرور يحصل للعبد في أعماله؛ لأن المنتصر يجد نشوة عظيمة وفرحاً وطرباً, لكنه إذا كان بحق فهو خير, وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) أي: أن عدوه مرعوب منه إذا كان بينه وبينهم مسافة شهر, والرعب: أشد شيء يفتك بالعدو؛ لأن الذي حصل في قلبه الرعب لا يمكن أن يثبت أبداً, بل سيطير طيران الريح, فقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر:١] أي: نصر الله إياك على عدوك, ﴿وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] معطوف على النصر, والفتح به نصر لا شك, لكنه عطفه على النصر تنويهاً بشأنه، وهو من باب عطف الخاص بالعام, كقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر:٤] أي: في ليلة القدر, فالملائكة هم الملائكة والروح جبريل, وخصه بذكره لشرفه, وفي قوله: ﴿وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] للعهد الذهني, أي: الفتح المعهود المعروف في أذهانكم, وهو فتح مكة.
وكان فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان, وسببه: أن النبي ﷺ لما صالح قريشاً في غزوة الحديبية الصلح المشهور نقضوا العهد, فغزاهم النبي ﵊, وخرج إليهم مختفياً وقال: (اللهم عم أخبارنا عنهم) فلم يفاجئهم إلا وهو محيط بهم ﵊, ودخل مكة في العشرين من شهر رمضان عام (٨ هـ) منصوراً مظفراً مؤيداً, حتى إنه في النهاية اجتمع إليه كفار قريش حول الكعبة فوقف على الباب يقول: (يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم؟) وهو الذي كان قبل ثماني سنوات هارباً منهم, وهو الآن في قبضته وتحت تصرفه, قال: (ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم, قال: إني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف:٩٢] ) ثم منَّ عليهم ﵊ بالعفو, فعفى عنهم.
هذا الفتح سماه الله تعالى فتحاً مبيناً، فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح:١] أي: بيناً عظيماً واضحاً, ولما حصل عرف العرب بل عرف الناس جميعاً أن العاقبة لمحمد ﷺ , وأن دور قريش وأتباعها قد انقضى, فصار الناس يدخلون في دين الله أفواجاً -أي: جماعات- بعدما كانوا يدخلون فيه أفراداً ولا يدخل فيه الإنسان في بعض الأحيان إلا مختفياً, صاروا يدخلون أفواجاً في دين الله, وصارت النفوذ ترد على النبي ﵊ في المدينة من كل جانب, حتى سمي العام التاسع عام الوفود, فجعل الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.
стр. 3022
تفسير قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً)
يقول الله : إذا رأيت هذه العلامة: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣] كان متوقع أن يكون
فاشكر الله على هذه النعمة, واحمد الله عليها, نصر وفتح, ما جزاؤه من العبد؟ الشكر, هذا هو المتوقع, لكن صار المتوقع على خلاف ما نتوقع, قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣] وهذا نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان:٢٣-٢٤] كان المتوقع ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ أن يقال: فاشكر ربك على هذا التنزيل, وقم بحقه وما أشبه ذلك, لكن قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إيذاناً بأنه سوف ينال أذىً بواسطة إبلاغ هذا القرآن ونشره بين الأمة, ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ فكان الجواب يبدو متناكراً مع الشرط, لكن عندما تتأمل تعرف الحكمة, المعنى: أنه إذا جاء نصر الله والفتح, فقد قرب أجلك فما بقي عليك إلا التسبيح والحمد: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي: سبحه تسبيحاً مقروناً بالحمد, والتسبيح: تنزيه الله تعالى عما لا يليق بجلاله, والحمد: هو الثناء عليه بالكمال مع المحبة والتعظيم, اجمع بين التنزيه وبين الحمد, ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي: اسأله المغفرة, فأمره الله تعالى بأمرين: الأمر الأول: التسبيح المقرون بالحمد.
الأمر الثاني: الاستغفار, وهو: طلب المغفرة, والمغفرة: ستر الله تعالى على عبده ذنوبه مع محوها والتجاوز عنها, وهذا غاية ما يريد العبد؛ لأن العبد كثير الذنْب, يحتاج إلى مغفرة, إن لم يتغمده الله برحمته هلك, ولهذا قال النبي ﷺ : (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله, قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) اللهم تغمدنا برحمتك, لا أحد يدخل بعمله الجنة أبداً؛ لأن عملك هذا لو أردت أن تجعله في مقابل نعمة من النعم -نعمة واحدة- لأحاطت به النعم, فكيف يكون عوضاً تدخل به الجنة؟ ولهذا يقول بعض العارفين في نظم له:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر
قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:٣] أي: لم يزل تواباً على عباده, فإذا استغفرته تاب عليك, هذا هو معنى السورة, لكن السورة لها مغزىً عظيم لا يتفطن له إلا الأذكياء, ولهذا لما سمع عمر بن الخطاب ﵁ أن الناس انتقدوه في كونه يدني عبد الله بن عباس مع صغر سنه ولا يدني أمثاله من شباب المسلمين, وعمر ﵁ من أعدل الخلفاء الراشدين, أراد أن يبين للناس أنه لم يحابِ ابن عباس في شيء, فجمع كبار المهاجرين والأنصار في يوم من الأيام ومعهم عبد الله بن عباس وقال: ما تقولون في هذه السورة: (إذا جاء نصر الله والفتح) ؟ ففسروها بحسب ما يظهر فقط, فقال: ما تقول يا بن عباس؟ قال: يا أمير المؤمنين! هذا أجل رسول الله ﷺ المعنى كأن الله يقول له: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ [النصر:١-٢] فقد انتهت مهمتك, ولن يبقى عليك إلا الرحيل, وأنت ما خلقت للدنيا لتتنعم فيها وتبقى فيها طويلاً, خلقت لمهمة انتهت, فهو أجل رسول الله ﷺ , فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم.
فتبين من ذلك فضل ابن عباس وتميزه، وأن عنده من الذكاء والمعرفة بمراد الله ما افتقده كثير من الناس.
لما نزلت هذه السورة جعل رسول الله ﷺ -الذي هو أشد الناس عبادة لله وأتقاهم لله- جعل يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, اللهم اغفر لي) فنقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, اللهم اغفر لنا ذنوبنا, وإسرافنا في أمرنا, وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
стр. 3023
تفسير سورة المسد
أما السورة الثانية فهي قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١-٥] .
سبحان الله! هذا القرآن فيه من الدلالات الكثيرة ما يدل دلالة واضحة على أن رسول الله ﷺ حق, ليس لعلوه ولا لجاهه ولا لرئاسة قومه أبداً, له أعمام انقسموا في معاملته ومعاملة ربه إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: آمن به, وجاهد معه, وأسلم لله رب العالمين.
القسم الثاني: ساند وساعد لكنه باقٍ على الكفر -والعياذ بالله-.
القسم الثالث: عاند وعارض وهو كافر.
أما القسم الأول: فـ العباس بن عبد المطلب , وحمزة بن عبد المطلب , والثاني أفضل من الأول؛ لأن الثاني من أفضل الشهداء عند الله , ووصفه النبي ﷺ بأنه أسد الله وأسد رسوله, واستشهد ﵁ في أحد في السنة الثانية من الهجرة, جمعني الله وإياكم به في جنات النعيم.
أما القسم الثاني: من ساند وساعد مع بقايا الكفر فهو أبو طالب , الذي قام مع النبي ﷺ خير قيام في الدفاع عنه, ومساندته, ولكنه -والعياذ بالله- قد سبقت له كلمة العذاب, فلم يسلم حتى في آخر حياته وفي آخر لحظة من الدنيا عرض عليه النبي ﷺ أن يسلم ولكنه أبى, ومات على قوله: إنه على ملة عبد المطلب , فشفع له النبي ﵊ حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه.
أما القسم الثالث: الذي عاند وعارض فهو أبو لهب , أنزل الله فيه سورة كاملة تتلى في الصلوات فرضها ونفلها, في السر والعلن, يثاب المرء على تلاوتها على كل حرف عشر حسنات, أي: من يقرأ سيرة أبي لهب التي في هذه السورة له في كل حرف عشر حسنات, لكن لو قرأت سيرة أبي بكر من سيرة ابن إسحاق أو سيرة البداية والنهاية وغيرها لم يحصل لك هذا الأجر, فالإنسان كأنه يدعى دعوة أكيدة إلى قراءة سيرة أبي لهب , كل حرف تقرأه من سورة المسد لك به عشر حسنات.
стр. 3024
تفسير قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب)
يقول الله : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] وهذا رد على قوله -أي: قول أبي لهب - حينما جمعهم النبي ﷺ ليدعوهم إلى الله, فبشر وأنذر, قال أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا؟! هذه الإشارة للتحقير, أي: هذا أمر حقير لا يحتاج أن يجمع له زعماء قريش, وهذا كقولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٦] أي: يعيبها ويسبها -يعنون الرسول- قريش تقول: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٦] والمعنى: للتحقير ليس فيه شيء ولا يهتم بهم, كما قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] .
فالحاصل: أن أبا لهب قال: تباً لك ألهذا جمعتنا؟! فرد الله عليه بهذه السورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] والتباب الخسار, كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر:٣٧] أي: خسار, وبدأ بيديه قبل ذاته؛ لأن اليدين هما آلة العند والحركة والأخذ والعطاء وما أشبه ذلك, وهذا اللقب أبو لهب لقب مناسب تماماً في حاله ومآله.
وجه المناسبة: أن هذا الرجل سوف يكون في نار تلظى -والعياذ بالله- لهباً عظيماً, فكنيته مطابقة لحاله ومآله, ويقول الشاعر:
وقل أن أبصرت عينك ذا لقب إلا ومعناه إن فكرت في لقبه
ولما أقبل سهيل بن عمرو في قصة غزوة الحديبية قال الرسول ﷺ : (هذا سهيل بن عمرو وما أراه إلا سهل لكم من أمركم) لأن الاسم مطابق للفعل.
يقول الله : ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢] (ما) يحتمل أن تكون استفهامية, والمعنى: أي شيء أغنى عنه ماله وما كسب؟!
لا شيء, ويحتمل أن تكون ما نافية أي: لم يغنِ عنه ماله وما كسب شيئاً, وكلا المعنيين متلازمان, ومعناهما: أن ماله وما كسب لم يغن عنه شيئاً, ومع أن العادة أن المال ينفع, المال يأتي به الإنسان نفسه, لو تسلط عليه عدو وقال: أنا أعطيك كذا وكذا من المال وأطلقني, سيطلقه، لكن قد يطلب مالاً كثيراً أو قليلاً, لو مرض انتفع بماله, لو جاع انتفع بماله, فالمال ينفع, لكن النفع الذي لا ينجي صاحبه من النار ليس بنفع.
стр. 3025
تفسير قوله تعالى: (ما أغنى عنه ماله وما كسب)
قال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ [المسد:٢] أي: من الله شيئاً, وقوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢] قيل: المعنى وما كسب من الولد، كأنه قال: ما أغنى عنه ماله وولده, كقول نوح: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً﴾ [نوح:٢١] فجعلوا قوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢] يعني بذلك الولد, وأيدوا هذا القول بقول النبي ﷺ : (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) .
والصواب: أن الآية أعم من هذا, وأن الآية تشمل الأولاد, وتشمل المال المكتسب الذي ليس في يده الآن, وتشمل ما كسبه من شرف وجاه, كل ما كسبه مما يزيده شرفاً وعزاً فإنه لا يغني عنه شيئاً.
стр. 3026
تفسير قوله تعالى: (سيصلى ناراً ذات لهب)
قال تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] والسين في قوله: (سيصلى) للتتفيس المفيد للحقيقة والقرب, أي: أن الله تعالى وعده أو توعده بأنه سيصلى ناراً ذات لهب, فالسين: للتحقيق والتقريب, أي: أنه سوف يصلى عن قريب ناراً ذات لهب؛ لأن البقاء في الدنيا مهما طال فإن الآخرة قريبة, حتى الناس في البرزخ وإن مضت عليهم ملايين السنين فكأنها ساعة، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥] وشيء يقدر بساعة من النهار, أظن أننا نتفق على أنه قريب ولا شيء.
فكونه يصلى النار ذات لهب أمر محقق وقريب.
стр. 3027
تفسير قوله تعالى: (وامرأته حمالة الحطب)
قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤] أي: وكذلك امرأته معه -والعياذ بالله- وهي امرأة من أشراف قريش, لكن لم يغنِ شرفها شيئاً؛ لكونها شاركت زوجها في العدوان والإثم والبقاء على الكفر, وقوله: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤] قرئت بالنصب وبالرفع, أما النصب فإنها تكون حالاً من امرأة, أي: وامرأته حال كونها حمالة الحطب, أو تكون منصوبة على الذم؛ لأن النعت المقطوع يجوز نصبه على الذم أي: أذموا حمالة الحطب, وأما على قراءة الرفع فهي صفة لامرأة, ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤] ما الحطب الذي تحمله، وتحمله بكثرة؟ (حمالة) صيغة مبالغة، ذكروا أنها تحمل الحطب الذي فيه الشوك وتضعه في طريق النبي ﷺ -والعياذ بالله- من أجل أذى الرسول ﷺ .
стр. 3028
تفسير قوله تعالى: (في جيدها حبل من مسد)
قال تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:٥] الجيد: العنق, والحبل معروف, والمسد الليف, يعني: أنها متقلدة حبلاً من الليف تخرج به إلى الصحراء لتربط به الحطب الذي تأتي به لتضعه في طريق النبي ﷺ -نعوذ بالله من ذلك- وهو إشارة إلى دنو منزلتها وأنها أهانت نفسها, امرأة من أكابر قبائل قريش تخرج إلى الصحراء وتضع هذا الحبل في عنقها وهو من الليف, معناه: فيه من المهانة لكن من أجل أذية الرسول ﵊, نسأل الله العافية.
وبهذا انتهى الكلام على ما يسره الله على هاتين السورتين.
стр. 3029
الأسئلة
стр. 3030
الكلام الذي يقصد به التسلية أو الألغاز التي ظاهرها المساس بالعقيدة
في بعض المجالس يحصل أن يتكلم أحد الحاضرين بكلام يقصد به التسلية، أو يأتي به على هيئة ألغاز, ولكن يظهر للسامع أن به مساساً بالعقيدة, ومن ذلك أنه يقول: إن لي في الأرض ما ليس لله في السماء.
ويقصد بذلك الزوجة والولد، والله منزه عن الصاحبة والولد, كما يقول: لا حمد للاهي ولا شكر له.
وقصده اللاهي الذي ألهته دنياه عن آخرته, فما حكم الشرع في نظركم لذلك؟ وما نصيحتكم لمن يقول مثل هذا الكلام؟
أرى أن هذا الكلام حرام؛ لأنه يوهم معنىً باطلاً وإن كان سوف يفسر ما يريد, لكن سيبقي الشيطان أثر ذلك في قلب المخاطب أو المستمع, وأنصح من يتكلم بهذا أن يقرأ قول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] واعلم أن كلمتك هذه إن ترتب عليها كفر أو شك فالحساب عليك.
فعلى كل مؤمن أن يحترم جانب الحق, جانب الرب , وأن يعلم أن الأمر خطير, (رُب كلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً) -والعياذ بالله- أو أكثر, فأرى أن هذا الكلام منكر, وأنه لا يحل للإنسان أن يلقيه, وأن على من سمعه أن ينصحه، فإن اهتدى فله ولمن نصحه, وإن لم يهتدِ فإنه يجب عليه أن يغادر المكان الذي يلقى فيه مثل هذا الكلام.
стр. 3031
استخدام بعض أجزاء الحيوانات للإنسان
هذا شخص أوصاني أن أسألكم هذا السؤال يقول: إن جراحي القلوب قد يضعون عرقاً أو شرياناً معدنياً وقد يضعون -أيضاً- شرياناً يأخذونه من الخنزير, مع أن الشريان الذي من المعدن قد يصيبه الصدى, والشريان الذي من الخنزير يكون أحسن، وقد يلتحم ويصير وكأنه من الإنسان نفسه, فما حكم ذلك؟
لا بأس به، أي: لا بأس أن يصل إنسان شريان قلبه بشريان حيوان آخر, وينظر إلى ما هو أنسب لقلبه؛ لأن هذا ليس من الأكل إنما حرم الله أكل الخنزير، وهذا ليس أكلاً, وإذا علمنا أنه لا ينفعه إلا هذا فهذا من باب الضرورة, وقد قال الله تعالى في أكل لحم الخنزير الأكل المباشر: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] .
стр. 3032
إعطاء الكافر هدية بسبب خدمته للمسلم
هناك أناس من الكفار قد يكون زميلك في الدراسة, فعند قدومك في المطار يسهل عليك الأمور الجمركية, وأنت في المقابل تشتري له هدية, هل يجوز هذا؟ الشيخ: أرأيت لو كان مسلماً؟ السائل: لو كان مسلماً ممكن تكافئه على هذا.
الشيخ: والكافر؟ السائل: أنا أسأل.
الشيخ: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه) لكن هل يحل للإنسان أن يكافئ عمال الحكومة ويعطيهم هدايا، وقد قال النبي ﷺ : (هدايا العمال غلول) ؟ يقال: أما إن كان ذلك لدفع شرهم ولا يندفع شرهم إلا بإعطائهم فلا بأس, حتى وإن كان مسلماً, مثلاً: أصحاب الجمارك لو قدرنا أنك تعطيهم مالاًَ ليكفوا عن أخذ الجمرك فلا بأس؛ لأن هذا دفع للظلم, مع أن الأفضل في هذا الحال أن تخضع، لكنه لما لم يكن به منابذة صار جائزاً, أما أن تنابذهم وتقول: لا أعطيكم, أنتم ظلمة, ومال المسلم محترم.
فهذا حرام عليك؛ لأن الواجب على المؤمن أن يسمع ويطيع وإن ضرب ظهره وأخذ ماله, لكن في باب المدافعة بالمال لا بأس به.
стр. 3033
قصر الصلاة لطلاب الجامعات والفطر في رمضان
فضيلة الشيخ! ما حكم قصر الصلاة لطلاب الجامعات خلال مدة دراستهم؟ وهل ينطبق إذا كان لهم حق القصر رخصة الفطر في رمضان أم لا؟
هذه المسألة مختلف فيها اختلافاً طويلاً عريضاً, فقد اختلف فيها العلماء على أكثر من عشرين قولاً؛ وذلك لأنه ليس هناك نصوص واضحة وصريحة بالتحديد, وإذا لم يكن هناك نصوص واضحة صريحة بالتحديد فالأولى إبقاء النصوص على عمومها, وأن الإنسان ما دام في السفر فهو مسافر, يترخص بجميع رخص السفر, حتى وإن أقام لغرض يعرف أنه ينتهي في المدة الفلانية أو لغرض متى انتهى رجع ولا يدري متى ينتهي.
فالصواب: أن البابين حكمهما واحد, وأن من أقام لغرض متى انتهى رجع إلى بلده فإنه مسافر سواء حدد المدة أم لم يحددها, إذ ليس هناك نص في أن تحديد المدة ينقطع به السفر.
لكني أقول: إن المقيمين للدراسة يجب عليهم أن يصلوا في جماعة إذا كانوا في بلاد إسلامية، ولا يحل لهم التخلف عنها باعتبار أنهم مسافرون؛ لأن المسافر لا تسقط عنه صلاة الجماعة ولا صلاة الجمعة، أيضاً ما دام في البلاد التي تقام فيه الجمعة, لكن لو فاتتهم الصلاة أو كانوا في مكان ليس حولهم مساجد وصلوا فلهم القصر على ما نرى أنه القول الصحيح, ومن قال: إنهم ليس لهم القصر فعليه الدليل؛ لأنهم ما زالوا مسافرين مغادرين لأهليهم ضاربين في الأرض يبتغون من فضل الله.
وأما صيام رمضان فلهم أن يفطروا ويؤخروا إلى وقت يكون فيه النهار أقصر أو أبرد, لكن تأخيره إلى ما بعد رمضان الثاني في نفسي منه شيء؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك تراكمت عليهم الشهور, وربما عجزوا عن القضاء في المستقبل, فأرى أنه لا بد أن يصوم رمضان قبل أن يأتي رمضان الثاني.
стр. 3034
دفن الميت في البيت
رجل دفن ابنه السقط من الشهر التاسع في زاوية من البيت, فهل يجوز له أن ينبش عليه القبر ويدفنه في المقابر, أم ماذا عليه؟ الشيخ: هل غسله وكفنه وصلّى عليه؟ السائل: نعم.
الشيح: الأفضل أن يحفره الآن ويأخذ رفاته وينقله إلى المقابر.
السائل: مر عليه زمن طويل.
الشيخ: لا بأس، يحفره الآن ويأخذ رفاته؛ لأنه إن بقي شغل مكاناً من البيت, وإن حجّر عليه فصار مشكلة أن يقال: هذا قبر، ثم بعد مضي سنوات كثيرة ربما يتخذ وثناً.
стр. 3035
حكم الواسطة في الوظائف
ما حكم ما يسمى بين الناس "الواسطة" وقد لا يخفى عليك معناها: وهو الشافع.
أولاً: أن في ظني أن (٩٠%) من المتعارف عليه بالواسطة هو على حساب آخرين, أي: تأخير الأحق وتقديم من دونه, ثم إنها فاشية عند الناس كثيراً, ويتعذر بعضهم بأن يقول: كل شخص يفعل ما يستطيعه، كل الناس يفعلون ولذلك أنا سأفعل ما أستطيع, فما حكمها -حفظكم الله- وبماذا تنصح الناس في ذلك؟
طلب الشفاعة لشخص أن يتبوأ وظيفة أو غيرها، إن كان هناك من هو أحق منه وقد تقدم لهذه الوظيفة ويعلم أنه إذا اتخذ الواسطة أو الشافع سوف يقدم هذا على من هو أحق، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا يشبه بيع المسلم على أخيه, وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك.
أما إذا كان الأمر قد حجز من قبل المسئولين وأنه لا يمكن أن يوظفوا أحداً حتى لو كان مستحقاً؛ لأنهم يريدون أن يتقدم من يحابونه لسبب أو لآخر، فله الحق أن يتقدم بالواسطة.
стр. 3036
تبشير العاصي بالجنة في قبره
فضيلة الشيخ! علمت من الحديث الطويل للبراء بن عازب ﵁ عن حال المؤمن والكافر عند الاحتضار والقبر, من بشارة بالنار وخذلان عند السؤال للكافر, وبشارة للجنة وتثبيت للمؤمن, فهل هذه البشارة أيضاً للمؤمنين الذين يخدشون على الصراط، أو يعذبون على بعض معاصيهم في الدنيا قبل دخولهم الجنة، هل هؤلاء يبشرون في القبر بالجنة أم يبشرون بالنار؟
الظاهر أن البشرى تحصل للمؤمن وإن كان عليه معاصٍ, وبعد ذلك قد يعفو الله عنها في الآخرة, وقد يعذب بها بمشيئة الله سبحانه تعالى, كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] .
السائل: هو يبشر بالجنة وإن كان عليه معاصٍ.
الشيخ: يبشر بالجنة وإن كان عليه معاصٍ.
стр. 3037
معنى قوله تعالى: (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت)
فضيلة الشيخ! ما معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢] ما المراد بقوله: ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢] ؟
قوله ﵎: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢] بابل منفصل عما بعدها, ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: الناس ﴿مِنْهُمَا﴾ [البقرة:١٠٢] أي: من الملكين ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: الناس ﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] .
هذه الآية امتحن الله عباده وهو يفعل ما يشاء, أنزل ملكين من الملائكة بمكان يقال له: بابل؛ وهو معروف في العراق , والملكان اسم أحدهما: هاروت, والثاني: ماروت, أنزل عليهما نوع من السحر يتعلمانه، علمهم الله إياه, وصارا يعلمان الناس هذا السحر, لكي يقيما الحجة وينفيا العذر: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] فمن الناس من يترك ولا يتعلم, ومنهم من يتعلم, هذا هو معنى الآية.
فإذا قال قائل: كيف يكون ملكان يعلمان السحر ويعلمانه الناس, وتعلم السحر حرام كما صرحا به: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] ؟ فيقال: من الذي يحلل ويحرم؟ الله, والله قد يجعل الشيء الحرام حلالاً, بل واجباً, فالله تعالى أذن لهذين الملكين أن يعلما الناس السحر فتعليمهما السحر بإذن الله فلا يكون معصية ولا كفراً.
أرأيتم السجود لغير الله أليس شركاً؟ بلى.
ومع هذا لما امتنع الشيطان من السجود لآدم حين أمر الله الملائكة به صار الشيطان كافراً وصارت الملائكة مؤمنة مسلمة عندما سجدت, معناه: سجدت لغير الله, والسجود لغير الله شرك, فصار في هذه الحال طاعة وعبادة.
قتل الإنسان ولده من كبائر الذنوب, من أعظم الذنوب أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك أو لغير ذلك من الأسباب, ومع ذلك صار طاعة يحمد الإنسان عليها حينما أمر الله إبراهيم ﵊ أن يقتل ابنه.
كذلك السحر تعلمه حرام؛ لكن إذا كان بإذن الله صار حلالاً فلا إشكال في المسألة.
بـ بابل أي: مكان بلد اسمه بابل , وهاروت وماروت اسم للملكين.
стр. 3038
أب عق عن ابنه بشاة فمات الابن فعليه أن يعق الثانية
زوج رزقه الله بمولود ذكر ثم عق عنه بشاة فمات الولد, فهل يعق عنه بأخرى أم يكتفي بالأولى؟ الشيخ: لماذا اقتصر على الشاة في الأول؟ السائل: لأن الولد كان مريضاً, فاقتصر على الشاة.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله, كأنه يقول: أعطيتك يا رب نصف واحدة, وسأعطيك نصف العقيقة أم ماذا؟ السائل: لم أسأله يا شيخ! لكن هذا سؤاله.
الشيخ: على كل حال، إذا كان هذا وجهة نظره فهي خاطئة, وعليه أن يتوب إلى الله , وأما العق بالثانية فيعق سواء بقي الولد حياً أو ميتاً.
стр. 3039
التفصيل في أفضلية الصلاة في الصف الأيمن
هل الأفضلية في الصف الأول في الصلاة في الأيمن مطلقاً حتى ولو كان الأيسر قليلاً؟
لا.
أيمن الصفوف أفضل من أيسرها مع التقارب أو التساوي, أما بعد الإمام فالدنو من الإمام أفضل, والدليل على هذا: أنه كان في أول الإسلام إذا كانوا ثلاثة صف الإمام في الوسط, أحدهم عن يمينه والآخر عن يساره, ولو كان الأيمن الأفضل مطلقاً لكان الذي على اليسار يذهب إلى اليمين, ويكون الإمام عن يسارهما, ثم إن الدنو من الإمام أمر مطلوب, وقد ورد في الحديث الضعيف: (وسطوا الإمام) فصار الأيمن أفضل مع التقارب أو التساوي مثل: أن يكون عن يسار الإمام أربعة وعن يمينه أربعة فدخل إنسان فيكون في الصف الأيمن أفضل, أما إذا كانوا عشرة على اليمين وثلاثة على اليسار فإنه يكون في اليسار.
стр. 3040
معنى قوله تعالى: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر)
شهد من نثق بهم, أنهم رأوا القمر في الصباح في المشرق في وقت الصلاة, وفي نفس اليوم -في المساء- رأوه في المغرب, أي: أن الشهر هلّ في نفس اليوم الذي رأوه, ألا يشكل هذا في قوله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس:٤٠] ؟
الظاهر أنه لا يشكل هذا, معنى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس:٤٠] أي: لا يمكن للشمس أن تخرج ليلاً, ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس:٤٠] أي: لا يمكن أن يكون الليل في النهار, ومعنى الآية: أن الله تعالى قد قدر الليل والنهار فلا يمكن لأحدهما أن يكون في وقت الآخر, لكنه جل وعلا بحكمته يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل -أي: يدخله- لكنه إيلاج كما يولج السلك في الإبرة, أي: أنه رويداً رويداً هذا هو معنى الآية.
وأما ما ذكرت فالله تعالى يقول: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:٢] فربما يسبق الشمس يرى في أول النهار ثم يرى في آخر النهار, وهذا يقع، المهم أنهم ثقات, وعليه فإذا رؤي في صباح اليوم التاسع والعشرين ثم شهد شهود ثقات أنهم رأوه في ليلة الثلاثين بعد الغروب فإنه يحكم بدخول الشهر الثاني.
стр. 3041
حكم المرأة الشاكة في الحمل المتوفى عنها زوجها
رجل توفي عن امرأتين, واكتملت العدة الشرعية من المرأتين, إحدى النساء تقول: أنا عندي بالأشعة شيء غير محدد هو جنين أو غير جنين, علماً أنها تحيض فتقول: أنا سأستعمل أعشاب طب عربي من أجل إن كان طفلاً سيحييه الله, وإن كان غيره فيسقط, فما هو الواجب نحو هذه المرأة؟
المرأة الشاكة تنتظر حتى تتيقن أنها غير حامل, والتي ليس عندها شك إذا تمت أربعة أشهر وعشرة أيام انقضت عدتها.
стр. 3042
حكم صلاة الأطفال في الصفوف وحكم إبعادهم منها
في أحد المساجد حلقة للصبية لتحفيظ القرآن الكريم، والأطفال يأتون بجوار والديهم على أساس ألا يعبثون بعضهم مع بعض، فما أدري الحكم في ذلك؛ لأنهم يقطعون الصف؟ الشيخ: يعني: خلاصة سؤالك: هل يجوز للصبيان أن يكونوا في الصف؟
نعم, يجوز أن يكون الصبيان في الصف ولو قطعوا الصف؛ لأنهم بشر ليسوا حجراً وليسوا أعمدة, فهم لا يقطعون الصفوف, ولا يجوز لأحد أن يبعدهم من مكانهم -أيضاً- حتى ولو كانوا خلف الإمام مباشرة في الصف الأول، فإنه لا يحل لأحد أن يبعدهم من مكانهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به) ولأن إقامتهم وطردهم من هذا المكان يؤدي إلى كراهتهم للمسجد ولأهل المسجد, ولأن طردهم من ذلك يؤدي أن تقوم العداوة بين آبائهم ومن طردهم, ولأن إقامتهم من ذلك يؤدي إلى أن يجتمع الصبيان في صف واحد, فيكون تشويشهم وإشغالهم للناس أشد, وأما قول الرسول ﷺ : (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى) فهو والله على العين والرأس, وفوق كل ذي قول غير قول الله , لكن ما معنى الحديث؟ هل قال الرسول ﵊: لا يليني إلا أولو الأحلام والنهى, حتى نقول: اطردوا هؤلاء؟ المعنى: أن ذوي الأحلام والنهى يجب عليهم أن يتقدموا حتى يكونوا هم الذين يلونه, ففرق بين أن يقول: لا يليني إلا أولو الأحلام, وقوله: ليليني أولو الأحلام.
стр. 3043
حكم التمثيل بالكفار
قدم علينا أحد الإخوة المجاهدين من البوسنة والهرسك , وتكلم عن الأعداء والتمثيل بهم, فاعترض عليه أحد الإخوة وقال: إن هذا لا يجوز وهو حرام, فرد عليه الأخ القادم من الجهاد وقال: إن هذا يجوز قبل قتله, أما بعد قتله فلا يجوز التمثيل به, فما رأيكم جزاكم الله خيراً؟
من رأى أنه لا يجوز التمثيل بالكفار إذا عثر عليه مطلقاً أخذ بعموم الحديث الذي كان الرسول ﵊ يوصي به من يبعثهم من الجيوش والسرايا: (ألا تمثلوا) ، ولكن هذا العموم مخصوص بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] فإذا كانوا يفعلون بنا ذلك فلنا أن نفعل بهم مثلما يفعلون بنا؛ لأننا لو نتقاصر عن هذا صار فيه ذل, وهم لن ينفعهم إذا لم نمثل بهم بحيث يكفون عن التمثيل بنا في المستقبل, وإلا لو رجونا ذلك لقلنا: نظراً لهذه المصلحة لا نمثل بهم.
стр. 3044
معنى قوله ﵊: (لا تسبوا الأموات)
فضيلة الشيخ! حديث عائشة ﵂ في البخاري أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) هل هذا يشمل عموم الأموات الكفار وغيرهم، أم أنه خاص؟
والله في احتمال أنه من العموم, يعني: في بعض الألفاظ: (فتؤذوا الأحياء) والكافر قد يتأذى قريبه المسلم بسبه, والمسألة تحتاج إلى النظر في المصلحة بالنسبة لسب الأموات الكفار، قد يكون فيه مصلحة.
стр. 3045
حكم قتل الكافر بعد نطقه بالشهادتين
قصة حدثت في أفغانستان , أحد الإخوة المجاهدين وجد شيوعياً فشهد هذا الشيوعي شهادة أن لا إله إلا الله محمداً رسول الله, قال: أنا أسلمت, فقتله هذا المجاهد المسلم بعد أن أعلن شهادته, فهل هذه الحادثة نظير لحادثة أسامة بن زيد، أم تختلف؟
نعم.
هي نظيرها, وهذا الرجل المسلم يحرم عليه أن يقتله, ما دام أنه قال: أشهد أن لا إله إلا اله وأن محمداً رسول الله.
السائل: مع أن الشيوعي كان مثخناً بالجراح.
الجواب: ولو أثخن بالجراح, أليس معه عقله؟ كل من معه عقله فإسلامه صحيح, لكن ما دام متأولاًَ فالله يعفو عنه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 3046
لقاء الباب المفتوح [١٠٧]
يقول النبي ﷺ في فضل سورة الإخلاص: (إنها لتعدل ثلث القرآن) ، وقد كان النبي ﷺ يقرأها في الركعة الثانية من سنة الفجر وفي سنة المغرب وفي ركعتي الطواف، وكذلك في الركعة الثالثة من الوتر؛ لأنها مبنية على الإخلاص التام لله، ومما ورد في فضل سورتي الفلق والناس أنه ﵊ كان يتحصن بأذكار يقولها، فلما نزلت هاتان السورتان أخذ بهما وترك ما سواهما، وقد فسر الشيخ هذه السور الثلاث حتى نتدبرها نتفهم معانيها.
стр. 3047
تفسير سورة الإخلاص
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء السابع بعد المائة من اللقاءات التي تتم كل أسبوع في كل يوم خميس, وهذا هو الخميس التاسع من شهر جمادى الثانية عام (١٤١٦هـ) .
стр. 3048
تفسير قوله تعالى: (قل هو الله أحد)
نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على سورة الإخلاص وما تيسر من السورة التي بعدها, يقول الله ﵎ للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وهذا الخطاب للرسول ﵊ وللأمة أيضاً, (هو الله أحد) ضمير الشأن مبتدأ عند المعربين, ولفظ الجلالة (الله) هو خبر المبتدأ, و (أحد) خبر ثان، و (الله الصمد) جملة ثانية.
ذكروا في سبب نزول هذه السورة: أن المشركين أو اليهود قالوا للنبي ﷺ : صف لنا ربك؟ من أي شيء هو؟ فأنزل الله هذه السورة, أي: (قل هو الله أحد) أي: هو الله الذي تتحدثون عنه وتسألون عنه هو أحد, أي: متوحد بجلاله وعظمته ليس له مثيل, وليس له شريك, بل هو متفرد بالجلال والعظمة .
стр. 3049
تفسير قوله تعالى: (الله الصمد)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] جملة مستقلة, بين الله تعالى أنه الصمد, فما معنى: (الصمد) ؟ أجمع ما قيل في معناه: أنه الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته, فقد روي عن ابن عباس أن الصمد: هو الكامل في علمه, الكامل في حلمه, الكامل في عزته, الكامل في قدرته.
إلى آخر ما ذكر في الأثر, وهذا يعني أنه مستغنٍ عن جميع المخلوقات؛ لأنه كامل, وورد -أيضاً- في تفسيرها: أن الصمد: هو الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم.
وهذا يعني: أن جميع المخلوقات مفتقرة إليه, وعلى هذا فيكون المعنى الجامع للصمد هو: الكامل في صفاته التي افتقرت إليه جميع مخلوقاته.
стр. 3050
تفسير قوله تعالى: (لم يلد ولم يولد)
قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] (لم يلد) ؛ لأنه جل وعلا لا مثيل له, والولد مشتق من والده, وجزء منه, كما قال النبي ﷺ في فاطمة: (إنها بضعة مني) والله جل وعلا لا مثيل له, ثم إن الولد إنما يكون للحاجة إليه؛ إما في المعونة على مكابدة الدنيا, وإما في الحاجة إلى بقاء النسل, والله مستغنٍ عن ذلك, فلهذا (لم يلد) ؛ لأنه لا مثيل له, ولأنه مستغنٍ عن كل أحد , وقد أشار الله إلى امتناع ولادته -أيضاً- في قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٠١] فالولد يحتاج إلى صاحبة تلده, وكذلك هو خالق كل شيء, فإذا كان خالق كل شيء, فكل شيء منفصل عنه, (ولم يلد) وفي هذه الجملة رد على ثلاث طوائف منحرفة من بني آدم، وهم: المشركون, واليهود, والنصارى؛ لأن المشركين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً وقالوا: إن الملائكة بنات الله, واليهود قالوا: عزير ابن الله, والنصارى قالوا: المسيح ابن الله, (ولم يولد) ؛ لأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء.
следующие страницы →