← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

ضابط المروءة ما ضوابط المروءة التي ينبغي على المسلم أن يسلكها, وما هي السبل التي ييسر للإنسان سلوك هذا العمل؟ الضابط بارك الله فيك: أن المروءة فعل ما يجمله ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه, كل ما يعبر الناس خلقاً حسناً فهو مروءة, ويجتنب كل ما يدنسه ويشينه, هكذا قال العلماء في ضبطها فهو منضبط, وهذا يختلف باختلاف الناس, من الناس من هو شريف ووجيه وذو مرتبة عالية, إذا فعل ما يفعله ما هو دونه انتقد, وإذا فعله غيره لم ينتقد, فنقول للأول: إذا فعلته فقد خالفت المروءة, ونقول للثاني: إن فعلك إياه لا يخالف المروءة, فهذا مقياس, المروءة: فعل ما يجمله ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه.

стр. 2977

كيفية متابعة الإمام ما هو الضابط في متابعة الإمام هل هو سماع الصوت، أو رؤية الحركة؛ لأن الإمام عندنا في الحي يكبر للسجود وهو واقف فيهوي الناس يسجدون قبله، فما هو الضابط يا شيخ؟ وهل فعلهم هذا صحيح؟ الضابط أن يتم الفعل؛ لأن التكبير علامة عليه ودليل عليه, أشاهد الإمام فإذا قال: الله أكبر وهو قائم قبل أن يصل إلى الأرض, وأنا أراه أنه لم يصل إلى الأرض فلا أسجد, لقول البراء بن عازب: (كان النبي ﷺ إذا سجد لا يحني أحد منا ظهره حتى يقع النبي ﷺ ساجداً ثم نقع سجوداً بعده) . أما إذا كنت لا تراه فهنا تأتي وظيفة السمع, فاعمل بما تسمع, ويكون المسئول عن ذلك الإمام, إذا كان يكبر وهو قائم فالمسئولية عليه. وبعض الناس يكبر وهو قائم؛ لأنه يصلي (بالميكرفون) وإذا كبر عند السجود لم يسمع, وهذا أخطأ من وجهين: أولاً: استعمال مكبر الصوت في الصلاة, ليس له أصل ولا له حاجة؛ لأنه سيسمع الذين هم خارج المسجد, والذين هم خارج المسجد ليسوا بحاجة له, بل لا يزيدهم ذلك إلا كسلاً, تجد الكسول إذا سمع الإمام في الشرفة قال: أدرك الإمام في الثانية وكذلك في الثالثة والرابعة، بل في قول بعض العلماء: إن الصلاة تدرك بتكبيرة الإحرام, فتفوته الصلاة وهو يسوف, ولهذا يعتبر هذه خطأ من بعض الأئمة: أولاً: أنه لا داعي له. ثانياً: أنه يوجب تمادي الكسلان في كسله. ثالثاً وهو أشدها: أنه يشوش على غيره من المساجد, بل ومن الذين يصلون في بيوتهم, أرأيت المرأة -مثلاً- وهي تصلي في بيتها والإمام يقرأ ويكبر الصوت, سوف ترتبك ويشوش عليها, وهذا مما نهى عنه الرسول ﷺ حيث سمع أصحابه يقرءون ويجهرون بالقرآن وهم يصلون قال: (لا يجهرن بعضكم على بعض في القرآن أو قال في القراءة) . ونحن أحياناً نوجه -والحمد لله- عندنا في بلدنا، ولم نسمع أحداً يصلي في مكبر الصوت إلا في يوم الجمعة.

стр. 2978

حكم الحلف بالقرآن هل يجوز الحلف بالقرآن؟ الحلف بالقرآن تريد بذلك القرآن الذي نزل على محمد ﷺ جائز؛ لأنه من كلام الله, وكلام الله تعالى صفة من صفاته وجميع صفات الله يجوز الحلف بها. أما إذا كنت تريد بالقرآن المصحف الذي هو الورق والحروف المكتوبة فهذا لا يجوز؛ لأن هذا مخلوق, والحلف سبالمخلوق شرك كما قال النبي ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ثم نقول أيضاً: ما الذي حثك على أن تحلف بالقرآن؟ ما هناك قسم إلا بالقرآن؟ احلف بالله، قال النبي ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) .

стр. 2979

الجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة ما حكم الجهاد في الوقت هذا؟ ومن ذهب يجاهد دون إذن والديه فما حكمه؟ الجهاد -بارك الله فيك- قائم ماضٍ إلى يوم القيامة, وهو في الأصل فرض كفاية, إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين, ولكن قالوا: إنه يكون فرض عين في أربعة مواضع: الموضع الأول: إذا حضر والتقى الصفان فإنه يجب أن يبقى ولا يجوز الفرار, لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٥-١٦] وأخبر النبي ﷺ أن التولي يوم الزحف من الموبقات المهلكات. الموضع الثاني: إذا استنفره الإمام, قال: انفر للجهاد, فيجب عليه أن ينفر, لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٨-٣٩] . الموضع الثالث: إذا كان الرجل محتاجاً إليه, يعني: يحتاج إليه الناس في هذه الغزوة وجب عليه, مثل: أن يكون لديه سلاح لم يتمرن عليه أحد وهذا الغازي متمرن عليه, فيجب عليه أن يخرج؛ لأنه صار فرض عين في حقه. الموضع الرابع: قتال الدفاع, إذا حاصر العدو بلده وجب عليه أن يقاتل؛ لأنه إن لم يفعل احتل العدو بلده وحصل من الفساد ما لا تحمد عقباه. في هذه الأحوال الأربعة يكون الجهاد فرض عين, وما عدا ذلك فهو فرض كفاية. أما القتال بدون إذن الوالدين فلا يجوز, إلا إذا كان فرض عين, وعرفت الأحوال التي يكون فيها فرض عين، فإذا كان إحدى هذه الأحوال وجب أن يجاهد حتى وإن نهاه والده أو أمه. والحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, ونسأل الله أن يثيبكم على حضوركم فإن: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) .

стр. 2980

لقاء الباب المفتوح [١٠٤] في هذا اللقاء تحدث الشيخ عن تفسير سورة الماعون كاملة، فبين فيها المعاني، وأتى بالفوائد والفرائد في شرح مختصر موجز بأسلوب سهل وشيق، وختمه بأجوبه مسددة على الأسئلة التي وردت فيه.

стр. 2981

تفسير سورة الماعون الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الرابع بعد المائة من لقاء الباب المفتوح, والذي يتم في كل يوم خميس من كل أسبوع, وهذا هو الخميس الثامن عشر من شهر جمادى الأولى عام (١٤١٥هـ) . نبتدئ هذا اللقاء بتفسير قول الله ﵎: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون:٢] إلى آخر السورة إن شاء الله.

стр. 2982

تفسير قوله تعالى: (أرأيت الذي يكذب بالدين) فيقول الله ﵎: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون:١] (أرأيت) خطاب لكن لمن؟ هل هو للرسول ﷺ ؛ لأنه الذي أنزل عليه القرآن، أم هو عام لكل من يتوجه إليه الخطاب؟ العموم أولى, فنقول: (أرأيت الذي) عام لكل من يتوجه إليه الخطاب, ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون:١] أي: بالجزاء, فهؤلاء الذين هم ينكرون البعث, ويقولون: ﴿أإذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٧] * ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٨] ، ويقول القائل منهم: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] هؤلاء يكذبون بيوم الدين, ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون:١] أي: بالجزاء.

стр. 2983

تفسير قوله تعالى: (فذلك الذي يدع اليتيم) قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:٢-٣] فجمع بين أمرين: الأمر الأول: عدم الرحمة بالأيتام الذين هم محل الرحمة؛ لأن الأيتام هم الذين مات آباؤهم قبل أن يبلغوا، وهم محل الشفقة والرحمة؛ لأنه فاقد لأبيه, فقلبه منكسر يحتاج إلى جبر, ولهذا ورد في النصوص فضل الإحسان إلى الأيتام, لكن هذا -والعياذ بالله- (يدع اليتيم) يدفعه بعنف؛ لأن الدع هو: الدفع بعنف، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً﴾ [الطور:١٣] أي: دفعاً شديداً, فتجد اليتيم إذا جاء إليه يستجديه شيئاً أو يكلمه في شيء يحتقره, ويدفعه بشدة, فلا يرحمه. الأمر الثاني: أيضاً لا يهتمون برحمة الغير, ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:٣] فالمسكين الفقير المحتاج إلى الطعام لا يحض هذا على إطعامه؛ لأن قلبه حجر -والعياذ بالله- قاسٍ، فقلوبهم ﴿كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] إذاً ليس فيه رحمة لا للأيتام ولا للمساكين, فهو قاسي القلب والعياذ بالله.

стр. 2984

تفسير قوله تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) ثم قال الله : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] و (ويل) هذه كلمة وعيد, وهي تتكرر في القرآن كثيراً, والمعنى: الوعيد الشديد على هؤلاء, (للمصلين) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] هؤلاء مصلون يصلون مع الناس أو أفراداً لكنهم (عن صلاتهم ساهون) أي: غافلون عنها لا يقيمونها على ما ينبغي, يؤخرونها عن الوقت الفاضل, لا يقيمون ركوعها ولا سجودها ولا قيامها ولا قعودها, لا يقرءون ما يجب فيها من قراءة سواء كانت قرآناً أو ذكراً, إذا دخل في صلاته وإذا به غافل, قلبه يتجول يميناً وشمالاً فهو ساهٍ عن صلاته. وهذا مذموم، الذي يسهو عن الصلاة ويغفل عنها ويتهاون بها، لا شك أنه مذموم, أما الساهي في صلاته فهذا لا يلام, والفرق بينهما: أن الساهي في الصلاة معناه: أنه نسي شيئاً, نسي عدد الركعات, نسي شيئاًَ من الواجبات وما أشبه ذلك, ولهذا وقع السهو من رسول الله ﷺ وهو أشد الناس إقبالاً على صلاته, بل إنه قال ﵊: (جعلت قرة عيني في الصلاة) ومع ذلك سها في صلاته؛ لأن السهو معناه: أنه ينسى شيئاً على وجه لا يلام عليه, أما الساهي عن صلاته فهو متعمد بالتهاون في صلاته, ومن السهو عن الصلاة أولئك القوم الذين يدعون الصلاة مع الجماعة, فإنهم لا شك أنهم عن صلاتهم ساهون, فيدخلون في هذا الوعيد.

стр. 2985

تفسير قوله تعالى: (الذين هم يراءون) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٦-٧] أيضاً إذا فعلوا الطاعة فإنما يقصدون بها التزلف إلى الناس, وأن يكون لهم قيمة في المجتمع, ليس قصدهم التقرب إلى الله , فهذا مراءٍ -والعياذ بالله- يتصدق من أجل أن يقول الناس: ما أكرمه، هذا مصلٍ يحسن صلاته من أجل أن يقول الناس: ما أحسن صلاته، وما أشبه ذلك، هؤلاء يراءون، أصل العبادة لله ولكن يريدون مع ذلك أن يحمدهم الناس عليها, ويتقربون إلى الناس بتقربهم إلى الله, هؤلاء المراءون والعياذ بالله. أما من يصلي لأجل الناس بمعنى: أنه يصلي بين يدي الملك -مثلاً- أو غيره يخضع له ركوعاً أو سجوداً فهذا مشرك كافر قد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار, لكن هذا يصلي لله مع مراعاة أن يحمده الناس على عبادته على أنه عابد لله , وهذا يقع كثيراً في المنافقين كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] انظر إلى هذا الوصف: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] إذاً هم عن صلاتهم ساهون, هنا يقول: (الذين هم يراءون) وإن قال إنسان: وهل الذين يسمعون مثلهم؟ مثلاً: لو أن إنساناً يقرأ القرآن ويجهر في الصلاة ويحسن القراءة، ويحسن الأداء والصوت من أجل أن يقال: ما أقرأه، هل يكون مثل الذين يراءون؟ نعم. كما جاء في الحديث: (من سمّع سمّع الله به, ومن راءى راءى الله به) المعنى: من سمع فضحه الله, وبين للناس أن الرجل ليس مخلصاً، ولكنه يريد أن يسمعه الناس فيمدحوه على عبادته, ومن راءى كذلك راءى الله به, فالإنسان الذي يرائي الناس أو يسمِّع الناس فسوف يفضحه الله, وسوف يتبين أمره عاجلاً أم آجلاً.

стр. 2986

تفسير قوله تعالى: (ويمنعون الماعون) قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧] أي: يمنعون ما يجب بذله من المواعين -وهي: الأواني- أي: يأتي الإنسان إليه ويستعير منهم آنية, يقول: أنا محتاج إلى دلو, محتاج إلى إناء أشرب به, أحتاج إلى لمبة كهرباء وما أشبه ذلك ويمنع, هذا أيضاً مذموم, ومنع الماعون ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: يأثم به الإنسان. القسم الثاني: لا يأثم به ولكن يفوته الخير. فما وجب بذله فإن الإنسان يأثم بمنعه, وما لم يجب بذله فإن الإنسان لا يأثم بمنعه لكن يفوته خير, مثال ذلك: إنسان جاءه رجل مضطر فقال: أعطني إناءً أشرب به فإن لم أشرب مت, فبذل الإناء له واجب, حتى إن بعض العلماء يقول: لو مات هذا الإنسان فإنه يضمنه ذاك بالدية؛ لأنه سبب موته, ويجب عليه بذل ما طلبه, جاء إنسان إلى آخر يقول: أعطني ثوباً أدفأ به من البرد وإلا هلكت, هنا يجب عليه أن يبذل له ذلك الثوب وجوباً. لكن اختلف العلماء في هذه المسألة: هل يجب على المستعير -في هذا الحال- أن يعطي المعير أجرة أو لا يجب؟ أو يجب في المنافع دون غيرها, كيف هذا؟ مثلاً: إنسان أتاك وهو مضطر إلى طعام فإن لم تطعمه هلك, هنا يجب عليك أن تطعمه لكن هل يجب عليه أن يعطيك قيمة الطعام؟ قال بعض أهل العلم: يجب عليه أن يعطيك قيمة الطعام, وقال آخرون: لا يجب؛ لأن إطعامه في هذا الحال واجب عليك من عند الله, وهذا القول هو الراجح؛ لأنه ليس له عوض؛ لأن إنقاذ الواقع في الهلكة واجب, ولا يمكن أن يأخذ الإنسان أجراً على ما أوجب الله عليه. المسألة الثانية: جاءك إنسان مضطر إلى ثوب خوفاً من البرد, فأعطيته الثوب فهل يجب عليه أجره في هذا الثوب؟ بعض العلماء يقول: يجب عليه أجره, وبعضهم يقول: لا يجب, والصحيح: أنه لا يجب عليه أجره, ولكن إذا أعطيته إياه على سبيل التملك فهو ملكه, وإن أعطيته على سبيل الإعارة وجب عليه إذا وجد ثوباً غيره أن يرده عليك, هذا هو القول الصحيح, وبهذا ينتهي الكلام على هذه السورة. فيجب على المرء أن ينظر في نفسه: هل هو ممن اتصف بهذه الصفات أو لا؟ إن كان ممن اتصف بهذه الصفات قد أضاع الصلاة وسها عنها, ومنع الخير عن الغير فليبشر بالويل -والعياذ بالله-, وإن كان قد تنزه عن ذلك فليبشر بالخير, والقرآن الكريم ليس المقصود منه أن يتلوه الإنسان فقط ليتعبد لله بتلاوته, إنما المقصود أن يتأدب به, ولهذا قالت عائشة ﵂: (كان خلق النبي ﷺ القرآن) (خلقه) أي: أخلاقه التي يتخلق بها، يأخذها من القرآن, وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.

стр. 2987

الأسئلة

стр. 2988

كلمة توجيهية لأئمة المساجد يقول الله في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١-٢] , بعض الأئمة -هداهم الله- يستعجل في الصلاة فيضطر بعض الناس لترك الصلاة في المسجد الذي في الحي الذي يسكن فيه, وينتقل لآخر؟ هذا السؤال يحتاج إلى توجيه كلمة للأئمة: وهو أن الإمام هل هو يصلي لنفسه، أو يصلي لنفسه ولغيره؟ الجواب: يصلي لنفسه ولغيره, فيجب عليه مراعاة الناس, لا إفراط ولا تفريط, أي: لا إفراط بحيث يطيل عليهم أكثر مما جاءت به السنة, ولا تفريط بأن يُنقص عما جاءت به السنة, الإنسان الذي يصلي وحده إن شاء طوّل وإن شاء نقص عما جاءت به السنة ولكنه قام بالواجب، وإن شاء اتبع السنة, لكن الإمام يجب أن يتبع السنة, لماذا؟ لأنه أمين على الناس, والأمين يجب عليه أن يفعل الأصلح, كما قال الله في مال اليتيم: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢] وقال النبي ﷺ لـ معاذ بن جبل ولمن أطال في صلاة الفجر -رجل آخر-: (إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف) ومعنى (ليخفف) أي: لا يطيل أكثر مما جاءت به السنة, فإن الإنسان لا يصلي لنفسه وإنما يصلي لنفسه ولغيره, فالواجب عليه مراعاة السنة فيها, ولا يهمه انتقاد منتقد, قد يقول: لو أتيت بالسنة، يمكن يقول بعض الناس: أطلت، لكن إذا أخل بالسنة من الذي يقول له: أخللت؟ الله يوم القيامة, سوف يحاسب في ذلك اليوم ليس له مفر, وليس له حجة, لكن اليوم له حجة يقول: أنا أتيت بالسنة, ائتني بدليل على أن الرسول ﷺ كان ينقص عما قلت أو عما فعلت وأنا أتبعه, أما أن آتي بالسنة وتقول: أطلت، أليس الرسول ﵊ أشد الناس رعاية للأمانة؟ بلى. ومع ذلك يقرأ في فجر يوم الجمعة (الم تنزيل -السجدة-) في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية (هل أتى على الإنسان) ، وربما قرأ في المغرب (سورة الطور) ، وربما قرأ فيها بسورة (الأعراف) ، فأين الخروج عن السنة؟! فالواجب على الإمام ألا يسرع سرعة تمنع المأمومين من فعل السنة؛ لأنه مؤتمن, وأما قوله: إن الناس يقولون: أطلت. هذا ليس له حجة, لا ينفعه عند الله , لكن لا يزيد على ما جاءت به السنة؛ لأن الرسول ﵊ غضب في ذلك ونهى عنه. وإذا كان إمامك لا يمكّنك من أداء الواجب فاطلب غيره, حتى لو فرضنا أنك دخلت مع إنسان بعد أن فاتتكم الصلاة، ثم رأيت أنه يسرع سرعة لا تتمكن معها من الإتيان بالواجب فانفصل عنه وكمّل لنفسك.

стр. 2989

كيفية التخلص من التعامل بربا النسيئة في التبادل بالعملات هذا سؤال موجه من جماعة من الإخوة السودانيين يقولون فيه: أصحاب الفضيلة أهل الذكر المحترمين, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: أفيدونا جزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء, نحن إخوانكم من السودان ونحن مقيمون في هذا البلد المضياف, وعندما نريد تحويل نقودنا من العملة السعودية إلى العملة السودانية يوجد تجار يشترون منا هذه العملة, ويقولون لنا: إذا أردت التسليم فوراً, بمعنى: أن يقبض الريالات هنا ويستلم أهلنا منه العملة السودانية هناك, فهذا له سعر, وإذا أردنا أن نتركها عنده إلى مدة شهر أو شهرين أو أكثر فهذه لها سعر خاص, وكلما بعدت مدة التسليم زاد في قيمة التحويل, بمعنى: أنه تحويل أجل, فهل يصح لنا التحويل مع هؤلاء التجار، علماً بأن أسعار التحويل بالبنك زهيدة جداً مقابل سعر التجار الفوري والآجل؟ وإذا صح التحويل معهم, هل يصح بالحالتين العاجل والآجل، أم يصح بإحداهما دون الأخرى؟ وجزاكم الله عنا خير الجزاء؟ من المعلوم أن التبادل بالعملات يجري به الربا بالنسبة للنسيئة, بمعنى: أنه لا يجوز تأخير القبض لا من الدافع ولا من المدفوع إليه؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) فإذا أراد الإنسان أن يصرف ريالات سعودية بجنيهات سودانية فالواجب أن يقبض العوض من الجانبين, من الدافع والمدفوع إليه, ولا يجوز تأخير القبض. وعلى هذا: فالصورة الصحيحة: أن يسلم السوداني دراهم سعودية إلى البنك ويأخذ بيده عوضها من الجنيهات السودانية, ثم يقول للبنك: خذها مرة ثانية حوّلها لي إلى السودان , هذا ليس فيه إشكال، هذه معاملة طيبة حسنة. الصورة الثانية: أن يقول للبنك: هذه دراهم سعودية حولها إلى السودان سعودية, وهناك يأخذها المحال عليه بالجنيهات السودانية بسعرها هناك, ليس بسعرها هنا, مثلاً: لو كان سعرها في السعودية الجنيه السوداني في السعودية -مثلاً- بريالين, وهناك بثلاثة, لازم أن نعتبر بالسعر الذي هناك, والعكس بالعكس لو كان هنا بثلاثة وهناك بريالين لا بد أن نعتبر السعر هناك. هاتان صورتان لا بأس بهما, الصورة الأولى: التقابل هنا ثم تحويل العملة السودانية إلى البنك هناك في السودان , والثانية: أن تحول الريالات السعودية إلى السودان على أنها سعودية, ثم هناك يقع التصارف يداً بيد بسعر الريال السعودي هناك؛ هاتان صورتان جائزتان وما عداهما فليس بجائز. وما ذكر في السؤال أشد إثماً؛ لأن فيه تأخير القبض وفيه ربا النسيئة بالزيادة, وهذا يكون ظلمات بعضها فوق بعض, فنقول للإخوة السودانيين وغيرهم -أيضاً- ممن يجري مجراهم: الطريق السليم يبنى على وجهين وقد ذكرا.

стр. 2990

الحج على امرأة لديها أخت مسنة تقوم برعايتها ولا يوجد أحد يقوم بعناية أختها فضيلة الشيخ! توجد امرأة كبيرة السن, وعندها أخت أكبر منها, هذه المرأة تقوم بعناية أختها الكبيرة بحيث أنها تغسلها وتلبسها وتطعمها وتسقيها, هذه الأخت ما حجت إلى الآن، هل يجوز لها أن تذهب تحج، مع العلم أنه لا يوجد أحد ليقوم بعناية أختها؟ إذا كانت الأخت الكبيرة في ضرورة فليس عليها حج, أما إن كانت مجرد أنها ألطف بها من غيرها وأحسن رعاية ويمكن لأحد أن يقوم بالواجب فإنه إذا استطاعت السبيل أي: وجدت النفقة والمحرم يجب عليها أن تحج. السائل: لا يوجد من يقوم بعنايتها؟ الشيخ: مطلقاً؟ السائل: مطلقاً. الشيخ: إذاً تبقى معها لا تذهب للحج.

стр. 2991

حكم الانحناء للمخلوقين بعض الناس عندما يقابل أحداً أكبر منه منزلة أو رتبة, فإنه يخضع له ويطأطئ رأسه يعني: تكريماً, فما رأيكم؟ رأينا في هذا أنه لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منع من ذلك, فلا يحل لأحد أن يحني ظهره إلا لله رب العالمين, وأما المخلوق فلا تحني ظهرك له, وأقبح من ذلك أن يسجد له, فإن السجود للمخلوق تعظيماً وتذللاً من الشرك المخرج عن الملة -نسأل الله العافية-. وأما الانحناء فإنه حرام, لكن لا يصل إلى حد الشرك.

стр. 2992

حكم طاعة المسئولين الذين تُعينهم الجمعيات بخصوص الدعوة عندنا بالتنظيم خاصة, فنوزع المنطقة عندنا خاصة جمعية إحياء التراث, حيث تتوزع على عدة قطع, وكل قطعة لها مسئول, والمسئول هذا يرجع إلى مسئول أعلى منه, كتنظيم دعوي, من ناحية دروس وغيره, فالسؤال هنا: هل المسئول هذا طاعته واجبة أم لا؟ إذا كان إذا التنظيم من قبل ولي الأمر فإنه يجب التمشي بما يقول؛ لأنه نائب عن ولي الأمر الذي تجب طاعته في غير معصية الله. وأما إذا كان تنظيماً داخلياً لا علاقة للحكومة فيه، فهؤلاء إن رضوا أن يكون هذا أميرهم فطاعته واجبة, وإن لم يرضوا فلا يجب طاعته.

стр. 2993

حكم الرد على من يسمع قارئاً يخطئ في قراءته إذا كان الإنسان جالساً في المسجد وعن يمينه أو شماله قارئ للقرآن بصوت مرتفع أو في غير المسجد, وهذا القارئ يخطئ كثيراً في الآيات, فهل يجب عليه أن يرد عليه؟ وإذا كان آثماً لعدم الرد عليه, فهل يغير مكانه حتى لا يسمع قراءته؟ هذه مشكلة تقع كثيراً في الواقع, فنقول أولاً: القارئ يُنهى أن يجهر بصوته وحوله من يصلي؛ لأنه يشوش عليهم, ولأن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهم يجهرون بالقراءة فنهاهم, وقال: (لا يؤذيَّن بعضكم بعضاً في القراءة) هذا بالنسبة للقارئ. أما بالنسبة للسامع فإنه من يقرأ لحناً يحيل المعنى وجب عليه أن يرد عليه, وإن كان لا يحيل المعنى فإنه لا يجب أن يرد عليه, فمثلاً لو قال: "الحمد لله ربَ العالمين, الرحمن الرحيم" هذا لا يغير المعنى, أما إن كان يغير المعنى كما لو قال: "صراط الذين أَنعمتُ عليهم" أو قال: " أَهدنا الصراط المستقيم" وجب عليك الرد؛ لأنك تسمع أن القرآن يُحرَّف فيجب عليك أن تعدله.

стр. 2994

الضابط في معرفة الشرك الأكبر من الشرك الأصغر يقول شيخ الإسلام: من صرف شيئاً من العبادة لغير الله فهو كافر. فمثلاً: طلب العلم الشرعي لغير وجه الله, السؤال: ما هو الضابط بين معرفة أن هذا الأمر شرك أكبر أم أصغر, هل هو بالاستقراء؟ أولاً هل أنت تعرف العبادات؟ ستقول: نعم أعرف العبادات منها: الصلاة والنذر والذبح وما أشبهها إذا فعلت هذا تقرباً وتزلفاً للآدمي فهذا شرك أكبر, وإذا فعلته لله لكن ليراك الآدمي فيمدحك فهذا رياء وهو شرك أصغر. طلب العلم لغير الله إن كان العلم مما لا يبتغى به وجه الله مثل علم الدنيا: كالحساب والهندسة والرياضة وما أشبه ذلك فلا حرج على الإنسان أن ينوي به الدنيا؛ لأنه لا يتقرب به إلى الله, وأما إذا كان علم التوحيد والفقه والتفسير والحديث وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز أن يريد به عرضاً من الدنيا, لكنه لا يكون شركاً, حتى لو أراد الإنسان بطلب العلم أن ينال وظيفة -مثلاً- فإنه لا يكون مشركاً الشرك المخرج عن الملة لكن يقال: إنك على خطأ, اطلب العلم لله .

стр. 2995

حكم الابتعاد عن الزوجة أكثر من ستة أشهر بغير رضاها هل يجوز للرجل أن يسافر ويبعد عن زوجته سنة أو أكثر بغير رضاها، مع العلم أن لها في هذه المدة حقوقاً؟ لا يجوز له أن يغيب عن أهله أكثر من ستة أشهر إلا لحاجة, كعلاج وما أشبهه فلا بأس؛ لأنه مضطر, وأما لغير ذلك فلا يجوز, إلا إذا رضيت وكانت في محل آمن فلا بأس, وأما إذا لم ترضَ فإنه يحرم عليه أن يبقى, وحينئذٍ نقول لها: أنتِ بالخيار إن شئت أن تبقين معه على هذه الحال وإلا فلكِ الفسخ, ونقول له أيضاً: إما أن ترجع إلى أهلك، وإما أن تخيرها هل تبقى معك أو تطلقها, حتى لا يضيع حقها.

стр. 2996

حكم القيام وتقبيل اليد للعالم والأكبر سناً النبي ﷺ حينما أتى سيدنا سعد بن معاذ ليفصل في أمر أهل المدينة , النبي ﷺ قال لهم: إذا كان سيدنا سعد قادماً على دابته قوموا إلى سيدكم هذا ما قرأناه إن كان صحيحاً, ثم ما رأيكم أن النبي ﷺ جعل أصحابه يقومون إلى سيدنا سعد بن معاذ لينزلوه عن دابته, ثم ما رأيكم في تقبيل يد العلماء, هذا يقف جنباً إلى جوار ما قلته أنت من الانحناء إلى عالم أو أكبر سناً, وهل رواية سيدنا سعد هل هي صحيحة إلى جانب تقبيل يد العلماء, إلى جانب الانحناء لمن نرى أنه أفضل منا مكانة أو علماً أو غير ذلك؟ أما سعد بن معاذ ﵁، فإنه لما أقبل إلى النبي ﷺ قال: (قوموا إلى سيدكم) لأنه سيد قومه بلا شك, وقال لهم الرسول ﷺ : (قوموا إلى سيدكم) وهذا ليس فيه إشكال أن يقال: سيد بني فلان, أو سيد آل فلان. وأما القيام إليه فلا بأس به -أيضاً- لو أن رجلاً دخل من الباب هنا ثم قمت من مكانك تستقبله فلا بأس, كما فعل النبي ﷺ حين قدم وفد ثقيف وهو بـ الجعرانة فإنه قام ﵊ حين أقبلوا، وهذا لا بأس به, وأما الانحناء فإنه خضوع ظاهر, الأول: إكرام استقبال وهذا إكرام بلا شك, وأما الانحناء فهو خضوع, ولهذا: (سئل النبي ﷺ : عن الرجل يلقى أخاه أينحني له، قال: لا) لأن الانحناء لا يجوز إلا لله رب العالمين. وأما تقبيل يد الأب أو الأم أو الأخ الكبير أو العالم أو الشيخ الكبير احتراماً، فهذا لا بأس به ولا إشكال فيه. السائل: فيه انحناء. الشيخ: لا يوجد انحناء أبداً, حتى لو فرضنا أن الرجل الذي تريد أن تقبل يده قصير ونزلت رأسك لتقبل يده فهذا ليس انحناء إكرام, هذا الانحناء للوصول للتقبيل, مع أنه يمكن أن يأخذ بيده ويرفعها ويقبلها وهو واقف تماماً.

стр. 2997

وصايا للكشافة الذين يقومون بخدمة الحجاج فضيلة الشيخ! لا يخفى على فضيلتكم ما يقوم به الكشافة في الحج من أعمال وخدمات, نرجو منكم التكرم بإبداء رأيكم حول هذا الموضوع من خلال ما شاهدتموه وما تتمنوا أن يكون عليه برامجهم في المستقبل؟ الكشافة في الواقع أن لهم سعي مشكور في أيام الحج؛ لأنهم يقومون بتنظيم المرور من جهة, وبإرشاد الضائع من جهة أخرى, وبالمساعدة لمن يحتاج إلى مساعدة, وهم بأنفسهم -أيضاً- حسب ما بلغنا مستقيمون, يقومون بالنوافل التي يستطيعونها, وبالعبادات التي يستطيعونها, وفيه أيضاً من التآلف والتعارف بين أفراد الأمة الذين جاءوا من أنحاء شتى، وما يحصل فيه من الخير الكثير, فنصيحتي لهم: أولاً: أن يخلصوا عملهم لله , بحيث يريدون التقرب بذلك إلى الله . ثانياً: أن ينووا بهذا الاحتساب على الله بالإحسان؛ لأن الله تعالى يجزي المحسنين, ويحب المحسنين, ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه) ، وقال: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) . ثالثاً: أوصيهم كذلك أيضاً: بغض البصر عن إطلاقه في مشاهدة النساء المتبرجات؛ لأنه -كما تعلمون- في موسم الحج يكون توجد نساء متبرجات بناءً على عادتهن في بلادهن, فيغضون بصرهم, وينصحون أولياء هؤلاء النساء إذا كانوا معهن: بأن يلزموا نساءهم بالحجاب الشرعي الذي أهمه تغطية الوجه, وليس الحجاب الشرعي كما تفعله بعض النساء حين تغطي كل شيء منها إلا وجهها وكفيها، هذا ناقص, فإن الأدلة تدل على وجوب ستر الوجه إلا من المحارم والزوج. ولا شك أن الإنسان إذا رأى أعمال هؤلاء الكشافة فإسنه يسر بذلك. فنوصيهم: بألا يتأخروا إذا طلب منهم المشاركة في ذلك, وأن يلاحظوا الإخلاص لله تعالى والرفق بعباد الله والإحسان إليهم.

стр. 2998

التثويب في أذان الفجر التثويب في أذان صلاة الفجر يكون في الأول أم الثاني؟ الشيخ: التثويب! السائل: نعم. الشيخ: يعني: قصدك في الإقامة أو في الأذان؟ السائل: في الأذان. الشيخ: ليس هناك أول ولا ثاني. السائل: الذي قبله يا شيخ الشيخ: الذي قبل الفجر؟ السائل: نعم. الشيخ: هذا ليس أذاناً للفجر، فإن محمداً ﷺ قال: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم) لم يقل يؤذن بليل ليخبركم بالفجر, والأذان للصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها, لقول النبي ﷺ : (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) فالأذان الأول الذي يسمى أولاً, هو في الحقيقة ليس للفجر, لكنه لمن يريد أن يقوم في الليل, والتثويب الذي هو قول: "الصلاة خير من النوم" إنما يشرع في أذان الفجر الذي هو الأذان بعد طلوع الفجر, وما ورد من الحديث: (إذا أذنت الأول لصلاة الفجر) المراد به: الأذان الذي بعد طلوع الفجر, لكن سمي أولاً بالنسبة إلى الإقامة؛ لأن الإقامة تسمى أذاناً كما قال الرسول ﷺ : (بين كل أذانين صلاة) ، وكذلك كما جاء في حديث ابن عمر -أظن- أنه سئل عن صلاة النبي ﷺ بعد الفجر فقال: (كان يصلي ركعتين بعد أذان الفجر, كأن الأذان بين أذنيه) قال العلماء المراد بالأذان هنا: الإقامة, أي: كأنه يقيم بمعنى: أنه يسرع في سنة الفجر؛ لأن السنة في صلاة الفجر أن تخففها, فالمهم يا أخي! التثويب وهو قول: "الصلاة خير من النوم" إنما يكون في الأذان الذي بعد طلوع الفجر. السائل: والذي يفعل بالحرم! يا شيخ؟ الشيخ: الحرم! ماذا يفعل به؟ السائل: فيه أذانان يا شيخ. الشيخ: أين هو؟ السائل: في الحرم. الشيخ: للفجر؟ السائل: نعم. الشيخ: لا يوجد أذانان للفجر. السائل: يكون قبل الوقت أذان. الشيخ: هذا ليس للفجر إنما لإرجاع القائم وإيقاظ النائم, ويوجد -أيضاً- في غير الحرم, حتى هنا في عنيزة يُؤذن أحدهم قبل الفجر بساعة والآخر بنصف ساعة حسب الناس, المهم أن ما كان قبل دخول الوقت فليس أذاناً للصلاة، خذ هذه قاعدة.

стр. 2999

الواجب في التبادل بالعملات أن يكون يداً بيد إلا في الضرورة تعقيب بالنسبة للسؤال الأول وهو تحويل النقود السودانية, بالنسبة للتحويل تقرأ نشرة يومية أو أسبوعية من قبل الحكومة بسعر الصرف, فيعطي هذا الدافع قيمة هذه النقود ما يعادل عن طريق البنك بالعملة السودانية, هذا يومياً عن طريق السفارة أو البنوك يعطى هذا الشيك, ولكن يتأخر القبض بموجب هذا الشيك, يعني: يعطوك هذا الشيك ما يعادله، وأنت ترسل إما في هذه اللحظة أو حسب ما تريد، الإشكال الثاني: هو تحويل الرعايا عن طريق التجار, هذا فيه سعر عالٍ والسعر الخاص بالنسبة للدولة، يعني: فرق بسيط ليس بكثير ولكنه زهيد, فيصبح على العامل أو الذي يحول هذه الحوالة عند التاجر أن ينتظر إشارة من التاجر في السودان أن يستلم عن طريق أهله هذا المبلغ, ويخبره بأنه استلم هذا المبلغ, والذي معه هنا -مثلاً- في عنيزة يعطيه هذا المبلغ, فأصبح هناك فرق تقريباً يوم أو ساعات الواجب القبض في المجلس وهو ليس حاصل. السائل: هذا هو الإشكال يا شيخ. الشيخ: هو ليس حاصل، أنا أقول: لا بد للإنسان على الأقل أن يتكلم مع أهله هناك ويقول كم سعر الريال السعودي عندكم, ثم يصارح البنك هنا بالسعر الذي قالوا له، ويرسل فوراً. السائل: هذا الذي يرسل. الشيخ: هذا للضرورة قد نقول: إنه جائز؛ لأني سمعت أنه لا يمكن إلا هذا, فإذا كان حقيقة لا يمكن إلا هذا فهذا ضرورة ولا بأس به. السائل: صحيح، لكن الإشكال الذي يورد علينا هو عن طريق التجار لهم أسعار مرتفعة ولا بد أن تنتظر؛ لأنهم يرغمون المحول على أساس أنه ينتظر يوم أو ساعات إلى أن يسلموا أهله هناك. الشيخ: هذا لا يجوز.

стр. 3000

وجوب العدل بين الأولاد في الهبات والعطايا أعدَّ لي أبي منزلاً تزوجت فيه, وكان في نيته أن يصنع لإخواني الذكور مثلما صنع لي إذا بلغوا سن الزواج, والسؤال: هل يعتبر ذلك المنزل هبة من أبي ينتقل إلى ملكي بحيث إذا مات لا يرث فيه إخواني, أم أنه يعتبر من ملك أبي حيث إذا مات يرث فيه إخواني الذكور والإناث؟ وإذا كان هبة فهل يجب عليه التسوية بيني وبين أخواتي وهن لا يحتجن إلى ذلك, إذ هن مكفيات بمنازل أزواجهن, جزاكم الله خيراً؟ الواجب في هذه الحال ألا يعطى الابن البيت ملكاً, يعطيه إياه إعارة؛ إذ أن الابن هنا سيقضي حاجته لسكناه ولو إعارة, فيكون إعطاؤه إياه زائداً, فإما أن يعطي الآخرين الذكور مثله والبنات نصفه, وإما أن يقول: يا بني! هذا إعارة عندك حتى تستطيع أن توجد بيتاً من عندك. السائل: لا يجوز أن يكون هبة؟ الشيخ: لا يجوز؛ لأن الهبة ليست ضرورة, أليس كذلك؟ يمكن أن ينتفع به وهو لأبيه، ومثله أيضاً: السيارة عندنا -مثلاً- أحد الأولاد يحتاج إلى سيارة للمدرسة, والآخرون لا يحتاجونها فنقول: اعط ابنك الذي يحتاج السيارة لينتفع بها وملكها لك أنت, حتى إذا حصل موت منك أو منه فتعود إلى التركة.

стр. 3001

حكم إخراج نصيب تزويج الأبناء من التركة لو أن الأب متعود أنه يزوج أبناءه كلهم, ويدفع المهر لهم, فزوجهم جميعاً إلا واحد أو اثنين، وتوفي وله تركة, هل يخرج نصيب تزويج هذين لا. لأن الاثنين الباقين لم يحل زواجهم بعد. السائل: حل. الشيخ: حل في حياته؟ السائل: حل في حياته. الشيخ: لماذا لم يزوجهم؟ السائل: هم كانوا ينتظرون أي. الجواب: إذاً التفريط منهم هم, فإذا توفي أبوهم فإنه لا يخرج من تركته لهم شيء. السائل: إذا رضوا الإخوان؟ الشيخ: إذا رضوا لا بأس, وهذا حسن إن رضوا.

стр. 3002

من ساهم بشيءٍ من المال في مال أبيه فلا يضم إلى التركة إذا كان المالك ملك الأرض وأنا الذي تكلفت بناء البيت، فهل يرجع للتركة مكان البيت أم كله؟ لا. يرجع لك ما أنفقت وللورثة البقية. بارك الله فيكم, وتقبل الله منا ومنكم.

стр. 3003

لقاء الباب المفتوح [١٠٥] في ظلال تفسير سورتي الكوثر والكافرون كان هذا اللقاء مع فضيلة الشيخ، حيث تناول آيات السورتين واستخرج منهما كثيراً من الأحكام والمعاني والدلالات، وكان من أهمها: ما هو الكوثر؟ وموضوع التكرار في القرآن وفوائده.

стр. 3004

تفسير سورة الكوثر الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الخامس بعد المائة من لقاء الباب المفتوح الذي يتم في كل خميس من كل أسبوع, وهذا الخميس هو الخامس والعشرون من شهر جمادى الأولى عام (١٤١٦هـ) .

стр. 3005

تفسير قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على ما تيسر من سورة الكوثر: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١-٣] هذه السورة قيل: إنها مكية، وقيل: إنها مدنية, والمكي: هو الذي نزل قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة , سواء نزل في مكة أو في المدينة أو في الطريق في السفر، يعني كل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وما نزل قبلها فهو مكي, هذا هو القول الراجح من أقوال العلماء. يقول الله مخاطباً النبي ﷺ : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ والكوثر في اللغة العربية: هو الخير الكثير, وهكذا كان النبي ﷺ قد أعطاه الله تعالى خيراً كثيراً في الدنيا والآخرة, فمن ذلك: أنه النهر العظيم الذي في الجنة والذي يصب منه ميزابان على حوضه المورود ﷺ , ماؤها أشد بياضاً من اللبن, وأحلى مذاقاً من العسل, وأطيب رائحة من المسك, وهذا الحوض في عرصات القيامة يرده المؤمنون من أمة النبي ﷺ , وآنيته كنجوم السماء كثرة وحسناً, فمن كان وارداً على شريعته في الدنيا كان وارداً على حوضه في الآخرة, ومن لم يكن وارداً على شريعته فإنه محروم منه في الآخرة. نسأل الله أن يوردنا وإياكم حوضه, ويسقينا منه. ومن الخير الكثير التي أعطيها ﷺ في الدنيا: ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر, وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل, وأعطيت الشفاعة, وأحلت لي المغانم, وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) هذا من الخير الكثير؛ لأن بعثه إلى الناس عامة يستلزم أن يكون أكثر الأنبياء أتباعاً وهو كذلك, فهو أكثرهم أتباعاً ﵊. ومن المعلوم أن الدال على الخير كفاعل الخير, والذي دلَّ هذه الأمة العظيمة التي فاقت الأمم كثرة هو محمد ﷺ , وعلى هذا فيكون للرسول ﷺ من أجر كل واحد من أمته نصيب من الأجر, ومن يحصي الأمة إلا الله . ومن الخير الذي أعطيه في الآخرة المقام المحمود, ومنه الشفاعة العظمى, فإن الناس في يوم القيامة يلحقهم من الكرب والغم ما لا يطيقون, فيطلبون الشفاعة فيأتون إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى حتى تصل إلى النبي ﷺ فيقوم ويشفع, ويقضي الله تعالى بين العباد بشفاعته, وهذا مقام يحمده عليه الأولون والآخرون, داخل في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩] . إذاً الكوثر: الخير الكثير، ومنه النهر الذي في الجنة, فالنهر الذي في الجنة هو الكوثر لا شك ويسمى كوثراً لكن ليس هو فقط الذي أعطاه الله نبيه محمد ﷺ من الخير.

стр. 3006

تفسير قوله تعالى: (فصل لربك وانحر) ولما ذكر منته عليه بهذا الخير الكثير قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] شكراً لله على هذه النعمة العظيمة, أن تصلي وتنحر لله, والمراد بالصلاة هنا جميع الصلوات, وأول ما يدخل فيها الصلاة المقرونة في النحر وهي صلاة عيد الأضحى, لكن الآية شاملة عامة: ((فَصَلِّ لِرَبِّكَ)) الصلوات المفروضة والنوافل وصلاة العيد والجمعة, ﴿وَانْحَرْ﴾ أي: تقرب إليه بالنحر, والنحر يختص بالإبل, والذبح للبقر والغنم, لكنه ذكر النحر؛ لأن الإبل أنفع من غيرها بالنسبة للمساكين؛ ولهذا النبي ﷺ في حجه أهدى مائة بعير, ونحر منها ثلاثاً وستين بيده, وأعطى علي بن أبي طالب الباقي فنحرها, وتصدق بجميع أجزائها إلا بضعة واحدة من كل ناقة فأخذها وجعلت في قدر فطبخها, فأكل من لحمها وشرب من مرقها, وأمر بالصدقة حتى بجلودها ﵊, والأمر له أمر له وللأمة, فعلينا أن نخلص الصلاة لله وأن نخلص النحر لله, كما أمر بذلك نبينا ﷺ .

стр. 3007

تفسير قوله تعالى: (إن شانئك هو الأبتر) ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣] هذا في مقابل إعطاء الكوثر قال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (شانئك) أي: مبغضك، والشنئان البغض, ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٢] أي: لا يحملنكم بغضهم أن تعتدوا, وقال: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي: لا يحملنكم بغضهم على ترك العدل فقال : ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] , فـ ﴿شَانِئَكَ﴾ أي: مبغضك. ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ الأبتر اسم تفضيل, من بتر يعني قطع, أي: هو الأقطع المنقطع من كل خير, وذلك أن كفار قريش يقولون: محمد أبتر, لا خير فيه ولا بركة فيه، ولا في اتباعه, أبتر لما مات ابنه القاسم ﵁ قالوا: محمد أبتر, لا يولد له, وإذا ولد له فهو مقطوع النسل, فبين الله أن الأبتر هو مبغض الرسول ﵊, فهو الأبتر المقطوع عن كل خير, الذي ليس فيه بركة وحياته ندامة عليه, وإذا كان هذا في مبغضه فهو أيضاً في مبغض شرعه, فمن أبغض شريعة الرسول ﵊، أو أبغض شعيرة من شعائر الإسلام، أو أبغض أي طاعة مما يتعبد به الناس في دين الإسلام فإنه كافر خارج عن الدين, لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩] وما حبطوا في العمل إلا بالكفر, فمن كره فرض الصلوات فهو كافر ولو زكّى, ومن كره فرض الزكاة فهو كافر ولو صلّى, لكن من استثقلها مع عدم الكراهة فهذا فيه خصلة من خصال النفاق لكنه لا يكفر, وفرق بين من استثقل الشيء ومن كره الشيء. إذاً: هذه الآية تضمنت بياناً لنعمة الله على رسوله ﷺ بإعطائه الخير الكثير, ثم الأمر بالإخلاص لله في الصلوات والنحر وكذلك في سائر العبادات, ثم بيان أن من أبغض الرسول ﵊ أو أبغض شيئاً من شريعته فإنه هو الأقطع الذي لا خير فيه ولا بركة فيه.

стр. 3008

تفسير سورة الكافرون ثم قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١-٦] هذه السورة هي إحدى سورتي الإخلاص, لأن سورتي الإخلاص: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) ، وكان النبي ﷺ يقرأ بهما في سنة الفجر, وفي سنة المغرب, وفي ركعتي الطواف, لما تضمناه من الإخلاص لله , والثناء عليه بالصفات الكاملة, في سورة (قل هو الله أحد) .

стр. 3009

تفسير قوله تعالى: (قل يا آيها الكافرون) يقول الله آمراً نبيه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] يناديهم ويعلن لهم بالنداء, (يا أيها الكافرون) وهذا يشمل كل كافر سواء كان من المشركين أو من اليهود أو من النصارى أو من الشيوعيين أو من غيرهم, كل كافر يجب أن تناديه بقلبك أو بلسانك إن كان حاضراً لتتبرأ منه ومن عبادته.

стр. 3010

تفسير قوله تعالى: (لا أعبد ما تعبدون) قال تعالى: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١-٥] كرر في الجمل على مرتين مرتين, ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبد الذي تعبدونهم, وهم الأصنام, ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وهو الله, وهنا (ما) في قوله: ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ بمعنى: من؛ لأن الاسم الموصول إذا عاد إلى الله فإنه يأتي بلفظ من ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: أنا لا أعبد أصنامكم وأنتم لا تعبدون الله ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآن يظن الظان أن هذه مكررة للتوكيد, وليس كذلك؛ لأن الصيغة مختلفة ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ هذا فعل أو اسم؟ فعل, ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ عابد وعابدون اسم, وفي التوكيد لابد أن تكون الجملة الثانية كالأولى, إذاً القول بأنه كرر للتوكيد ضعيف, إذاً لماذا هذا التكرار؟ قال بعض العلماء: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآن, ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ في المستقبل, هذا قول, فصار: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني في الحال ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني: في المستقبل، لأن فعل المضارع يدل على الحال, واسم الفاعل يدل على الاستقبال, بدليل أنه عمل, واسم الفاعل لا يعمل إلا إذا كان للاستقبال. لكن أورد على هذا القول إيراد, كيف قال: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ مع أنهم قد يؤمنون فيعبدون الله؟ وعلى هذا فيكون في هذا القول نوع من الضعف, أجابوا عن ذلك بأن قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يخاطب المشركين الذين علم الله تعالى أنهم لن يؤمنوا, فيكون الخطاب ليس عاماً وهذا مما يضعف القول بعض الشيء, فعندنا الآن قولان: الأول: أنها توكيد, والثاني: أنها في المستقبل. القول الثالث: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبد الأصنام التي تعبدونها, ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: لا تعبدون الله, ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في العبادة, يعني: ليست عبادتي كعبادتكم، ولا عبادتكم كعبادتي, فيكون هذا نفي للفعل لا للمفعول له, أي: ليس نفي للمعبود ولكنه نفي للعبادة, أي: لا أعبد كعبادتكم ولا تعبدون أنتم كعبادتي؛ لأن عبادتي خالصة لله, وعبادتكم عبادة الشرك. القول الرابع: اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀, أن قوله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ هذا الفعل, فوافق القول الأول في هذه الجملة ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في القبول, بمعنى: ولن أقبل غير عبادتي, ولن أقبل عبادتكم وأنتم كذلك لن تقبلوا, فتكون الجملة الأولى عائدة على الفعل, والجملة الثانية عائدة على القبول والرضا, أي: لا أعبده ولا أرضى به, وأنتم كذلك لا تعبدون الله ولا ترضون بعبادته, وهذا القول إذا تأملته لا يرد عليه شيء من الأقوال السابقة, فيكون قولاً حسناً جيداً. ومن هنا نأخذ: أن القرآن الكريم ليس فيه شيء مكرر إلا وفيه فائدة, لأننا لو قلنا: إن في القرآن شيئاً مكرراً بدون فائدة لكان في القرآن ما هو لغو وهو منزه عن ذلك, وعلى هذا فالتكرار في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وفي سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ قد يقال: ليس لها فائدة, بل هو تكرار لفائدة عظيمة, وهي: أن كل آية ما بين هذه الآية المكررة فإنها تشتمل على نعم عظيمة, وآلاء جسيمة, ثم فيها من الفائدة اللفظية: تنبيه المخاطب, بحيث يكرر عليه: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] ويكرر عليه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:١٥] .

стр. 3011

تفسير قوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين) ثم قال : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٥] لكم دينكم الذي أنتم عليه والذين تدينون به, ولي دين, فأنا بريء من دينكم وأنتم بريئون من ديني, قال بعض أهل العلم: وهذه السورة نزلت قبل فرض الجهاد, لأنه بعد الجهاد لا يقر الكافر على دينه إلا بالجزية إن كان من أهل الكتاب وعلى القول الراجح: أو من غيرهم. ولكن الصحيح أنها لا تنافي الأمر بالجهاد, حتى نقول: إنها منسوخة, بل هي باقية ويجب أن نتبرأ من دين اليهود والنصارى والمشركين في كل وقت وحين, ولهذا نقر اليهود والنصارى على دينهم بالجزية ونحن نعبد الله وهم يعبدون ما يعبدون. على كل حال: هذه السورة فيها البراءة والتخلي من عبادة غير الله , سواء في المعبود أو في نوع الفعل, وفيه الإخلاص لله , وألا نعبد إلا الله وحده لا شريك له. وإلى هنا ينتهي ما تيسر من الكلام على هذه السورة وسورة الكوثر.

стр. 3012

الأسئلة

стр. 3013

سنن يوم الجمعة، وحكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أرجو من فضيلتكم أن تذكروا لنا السنن التي ينبغي على المسلم اتباعها في يوم الجمعة, وما حكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؟ قراءة سورة الكهف سنة؛ لأن فيها أجراً عظيماً ثبت عن النبي ﷺ , وأما ما يفعل في يوم الجمعة فهو: أولاً: الاغتسال, والاغتسال للجمعة واجب, إذا تركه الإنسان بدون عذر كان آثماً؛ لأن النبي ﷺ قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) أي: على كل بالغ, وقال ﷺ : (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) ولما دخل عثمان بن عفان ﵁ وأمير المؤمنين عمر يخطب، لامه على تأخره, فقال: (يا أمير المؤمنين! والله ما زدت على أن توضأت ثم أتيت, فقال له: والوضوء أيضاً؟ -أي: وتقتصر على الوضوء أيضاً- وقد قال النبي ﷺ : إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فأنت ترى أن أمير المؤمنين عمر ﵁ عاتب عثمان بن عفان ﵁ مع مقامه في الإسلام, وكما نعلم جميعاً أنه الخليفة الثالث في هذه الأمة, ومع ذلك عاتبه حين اقتصر على الوضوء, ولكنه واجب تصح الصلاة بدونه؛ لأنه ليس واجباً عن حدث كغسل الجنابة لكنه واجب يأثم الإنسان بتركه إلا لعذر, كما لو كان هناك برد شديد وليس عنده ما يسخن به الماء أو كان مريضاً يتضرر بالغسل أو ما أشبه ذلك. ومن ذلك أيضاً: السواك, وهذا السواك ليس السواك المعتاد بل هو سواك خاص, تنظف به الأسنان أكثر ويدلكها أكثر. ومنها: الطيب, أن يتطيب الإنسان في رأسه ولحيته وثوبه. ومنها: التبكير إليها, أن يبكر حين تطلع الشمس؛ لأن النبي ﷺ حث على ذلك فقال: (من اغتسل -أي: يوم الجمعة- ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة, ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة, ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن, ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة, ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة) فالذي ينبغي للمسلم أن يغتنم الفرصة, فهذه هي فرصة العمر, أي فائدة أن تبقى تقطع الوقت -كما يقولون- في البيت أو السوق, وتترك هذا الأجر العظيم؟ اذهب إلى المسجد يحصل لك ثواب هذا القربان: بدنة، أو بقرة، أو كبش أقرن أو دجاجة أو بيضة بعد أن تغتسل, ثم إذا ذهبت إلى المسجد سيحصل لك خير كثير, تشاغل بالصلاة أو بالقراءة, إذا مللت من الصلاة قرأت, وإذا مللت من القراءة صليت, ولا بأس أن تتحدث إلى أحد إخوانك بشيء نافع, كالمباحثة في العلم أو ما أشبه ذلك, لكن الحرمان! والشيطان -نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه- يغلب على كثير من الناس, تجده في البيت ليس معه شغل فتراه في البيت من أجل أن يقضي الوقت من أجل يأتي وقت الصلاة، وهذا من الحرمان الكثير. كذلك أيضاً مما يستن في يوم الجمعة قبل الصلاة: أن يلبس الإنسان أحسن ثيابه التي عنده سواء كان جديداً أم غسيلاً؛ لأن ذلك من السنة, وينبغي أن يتحرى الدعاء إذا دخل الإمام يوم الجمعة بما شاء ولا سيما في أثناء الصلاة؛ لأن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً وهو قائم يصلي إلا أعطاه إياه. ومنها: أن يكثر من الصلاة على النبي ﷺ , أكثرها, صل دائماً، الإنسان لا يمل ولا يتعب, صل دائماً: اللهم صل على محمد اللهم صل على محمد وأنت ماشٍ وأنت جالس وفي المسجد وفي البيت وفي السوق. والخير كثير, وقد ذكر ابن القيم ﵀ في زاد المعاد أشياء كثيرة ترجع إليها إن شاء الله لتكتمل الفائدة.

стр. 3014

حكم الصلاة عن الميت فضيلة الشيخ! سمعت أن فضيلتكم يجيز الصلاة للميت, أرجو التوضيح؟ نعم, ما سمعت عني فهو صحيح, أن الإنسان لو صلّى ركعتين لوالده أو أمه أو ما أشبه ذلك فلا بأس, ولكن ليس معنى هذا: أننا نطلب من الإنسان أن يفعله, نحن نقول هذا عمل مرجوح, والأفضل أن تدعو لهما, الدعاء لهما أفضل من الصدقة لهما, وأفضل من الحج لهما, وأفضل من الأضحية لهما, وأفضل من كل عمل؛ لأن هذا هو الذي دلنا عليه الرسول ﷺ , ولا أظن أن أحداً يشك أن أعظم إنسان يدل على الخير هو الرسول ﷺ , لا يمكن أن يحجب عنا الخير إطلاقاً, وقد قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية -أي: يعمل لنفسه عملاً يكون صدقة جارية له خلال حياته- أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له) ولا يعمل له؟ يدعو له، مع أن سياق الحديث في العمل, فلو كان العمل للميت أمراً مشروعاً لقال: أو ولد صالح يعمل له, أو يصلي أو يزكي أو ما أشبه ذلك لكن المشكلة أن العوام يقولون: لا, ويصرون على أن يتصدق أحدهم أو يعتمر لوالده أو يحج وما أشبه ذلك، ولو فتشت ما وجدته يدعو إلا قليلاً لوالده, وهذا لا شك أنه اختيار المرجوح على الراجح, نقول: يا أخي! اذهب واعتمر لنفسك وادع لأبيك في الطواف وفي السعي وفي الصلاة, أما أن تجعل عباداتك التي أنت ستحتاج إليها يوماً من الدهر تجعلها لهؤلاء الأموات الذين انقطع عملهم وتترك ما أرشدك إليه الرسول ﵊؟ هذا خطأ. لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي إلا أن الناس الآن -الحمد لله- يسرنا كثيراً أنهم بدءوا ينتبهون, كنا نعهد سابقاً أنه لا أضحية إلا لميت, حتى لو قعدت أضحي لنفسي قالوا: باسم الله عليك! أنت ميت؟ الأضحية للميت, لا يعرفون أن الأضحية للحي, لكن الآن -الحمد لله- انتبهوا وصاروا يعرفون أن الأضاحي للأحياء, والأموات يدخلون تبعاً إذا قلت: اللهم إن هذه عني وعن أهل بيتي وفيهم ميت يدخل تبعاً, أو لهم وصايا هم أوصوا بها نعم يضحى لهم بها.

стр. 3015

خطورة تهاون من يضبط الساعة للعمل ولا يضبطها لصلاة الفجر قول الله تعالى في سورة الماعون: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] هل يدخل في هذا الذين يحسنون ضبط الساعة للعمل ولا يضبطونها لصلاة الفجر, فما توجيهكم لهم؟ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] سبق لنا أنهم يفرطون في واجباتهم, سواء الفجر أو العصر كما يغلب على بعض الناس نسأل الله العافية, في صلاة الفجر لا يقومون إلا إذا جاء وقت العمل, وفي صلاة العصر حيث أنهم يأتون يتغدون ويحتاجون للنوم, لا يصلون إلا عند غروب الشمس, هؤلاء ممن ذكر الله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ سواء ضبطوا الساعة للعمل أو لم يضبطوها, المهم أنهم يضيعون الصلاة.
следующие страницы →