← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

حكم الاستمناء والواجب على من استمنى في نهار رمضان شاب استمنى في نهار رمضان، فماذا يجب عليه؟ الشيخ: أولاً: يجب أن تعلم أن الاستمناء محرم سواء كان باليد أو بالتمرغ على الفراش أو بأي وسيلة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥-٧] ولأن النبي ﷺ حث الشباب على النكاح، فقال: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ولم يرشد النبي ﷺ إلى شيء آخر مع أنه أهون من الصوم وأدعى للقبول ومع ذلك لم يرشد إليه النبي ﷺ ، فلو كان جائزاً لأرشد إليه الرسول ﵊ لأنه أشد الناس رأفة بأمته، فعلى هذا الذي فعل أن يتوب إلى الله من الاستمناء نفسه، ثم عليه أن يتوب توبة أخرى من كونه فعل ذلك في نهار رمضان، ومن تمام توبته في المسألة الثانية أن يقضي اليوم الذي فعل فيه هذا الاستمناء.

стр. 4272

حكم الاستقراض من البنك الربوي بدون فائدة هناك رجل يريد أن يتدين من بنك ربوي بشرط دون زيادة؟ يعني يستقرض منه. السائل: نعم، فما حكمه؟ الشيخ: لا بأس، يجوز للإنسان أن يستقرض من البنك الربوي بدون ربا، ويجوز أن يشتري منه سلعة إذا كان عنده سلع يبيعها، ويجوز أن يبيع عليه أيضاً؛ لأن النبي ﷺ عامل اليهود واشترى منهم، وقبل هديتهم، وأجاب دعوتهم وأكل، مع أن المعروف أن اليهود كانوا يتعاملون بالربا ويأكلون السحت، والقاعدة عندي: أن ما حرم لكسبه فهو حرام على الكاسب فقط أما على غيره فإنه حلال إذا أخذ بطريق حلال، ما حرم لكسبه فهو حرام على من؟ السائل: على الكاسب. الشيخ: فإذا أخذ من هذا الكاسب بطريق حلال فليس بحرام، أما ما حرم لعينه كشيء مغصوب تعرف أن هذا الشيء مغصوب أو مسروق فإنه لا يحل لك أن تقبله ولا تشتريه، وكذلك ما حرم لعينه على سبيل العموم كالخمر والدخان وما أشبه ذلك فلا يجوز أن تقبله ولا تشتريه. إذاً: الجواب على سؤالك ماذا كان؟ السائل: يجوز. الشيخ: يجوز أن يستقرض من البنك بدون ربا.

стр. 4273

حكم ترك الجمع بين الصلاتين بسبب المطر لمن لا يرى الجمع إذا جمع إمام المسجد صلاة العصر مع صلاة الظهر لوجود المطر الشديد، فهل يجوز لمن لم ير الجمع بأن يخرج من المسجد؟ وماذا يفعل المصلي في راتبة الظهر؟ إذا جمع الإمام بين الظهر والعصر في المطر وكان في المأمومين من لا يرى ذلك فليصل معهم بنية النافلة؛ لأن صلاته بنية النافلة أجر وثواب وموافقة للأصحاب، وخروجه يتضمن الشقاق والاختلاف، وأن يكون فعله هذا سبباً لتسلط الألسن عليه، ورحم الله امرأً كف الغيبة عن نفسه. فنقول إذاً: يصلي معهم بنية النافلة، أما من جمع بين الظهر والعصر لمرض أو سفر أو مطر أو لأي سبب مبيح فإنه يصلي راتبة الظهر البعدية بعد صلاة العصر ولا حرج عليه، وهذا مستثنى، لكن لا يصلي غيرها؛ لأنه عندما صلى العصر ولو كان في وقت الظهر دخل وقت النهي في حقه.

стр. 4274

حكم أبناء تزوج أبوهم امرأة ثم طلقها قبل أن يخلو بها أو يمسها رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يحصل خلوة ولا مساس، فما الحكم بالنسبة للأولاد؟ أولاد؟!! السائل: أولاد الرجل من امرأة ثانية. الشيخ: الحكم أن الزوجة المطلقة هذه محرم لهم؛ لأنهم من محارمها، بمعنى: أنه يجوز السفر بها والخلوة وأن تكشف لهم، إلا إذا وجد سبب يقتضي المنع؛ لأنه ربما يكون هناك فتنة لو خلا بها أحد الأولاد فإنها امرأة أبيهم التي لم يدخل بها، لا يكون عندهم من الإحساس والغيرة ما يمنعهم من مواقعة المحظور، وإلا فالأصل أن الرجل إذا عقد على امرأة وطلقها قبل الخلوة والدخول فإنها تحرم عليه هو ولا تكشف له وجهها، لكن بالنسبة لأولاده -أي: لأبنائه- فهم من محارمها وتكشف لهم ما لم يخش الفتنة.

стр. 4275

حكم استئذان الإمام العام للجهاد إمام عندنا خطب يوم الجمعة وقال: لا يشترط في الجهاد إمام عام ومن قال هذا فقد جانب الصواب؟ لا بد من الإمام لكن ما هو إمام عام، الإمام العام: إمام يكون على كل الأمة، وهذا شيء مضى من زمان، والأمة متفرقة حتى في عهد الصحابة كانت الأمة متفرقة، لكن الإمام الخاص الذي ينتمي إليه هذا المجاهد لا بد أن يأذن له وأن يساعده، أما الجهادات التي تكون من فئات، فهذه تبين الآن أن نتيجتها ليست على المطلوب، ولا يحتاج أن أمثل لكم؛ لأن الأمر واضح عندكم أن هذه تشبه العصابات، ولهذا حصل من الشر والفساد بعد ذلك ما هو معلوم الآن، حتى صار الذين يقاتل من أجلهم صاروا هم بين أنفسهم يقتتلون.

стр. 4276

جواز أكل البصل والثوم في غير أوقات الصلاة أحد المشايخ يقول: عجبت من أناس يقولون أذكار الصباح والمساء وهم يأكلون الثوم والبصل؟ أين وجه العجب؟ السائل: يعني: تذهب عنهم الملائكة وتتأذى منهم. الشيخ: هذا غلط؛ لأن النبي ﷺ لم يقل: إن الملائكة تتأذى من آكل البصل، أو إنها تفر منه، لكنه نهى من أكل بصلاً أو ثوماً أن يدخل المسجد وقال: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) والمراد: الملائكة الذين في المساجد الذين يعمرونها، ولو كان الرسول قال: كل من أكل ثوماً أو بصلاً فرت منه الملائكة وتأذت منه، لكان هذا يقتضي أن يكون حراماً كما قلنا: إن اقتناء الصور حرام؛ لأن الإنسان إذا اقتنى الصور فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، ولهذا لما فتح الناس خيبر ووقعوا في أكل البصل، وكأن النبي ﷺ كرهها فقالوا: إنها حرمت، فقال ﵊: (إنه ليس لي تحريم ما أحل الله) فأباحها لهم. ولهذا نقول: إن أكل البصل والثوم والكراث وما أشبهها من النوابت التي لها رائحة ليس حراماً، لكن من أكلها فلا يقرب المسجد؛ لأن الملائكة تتأذى منه، نعم. لو فرض أن إنساناً أكلها ليجعلها وسيلة لترك الجماعة الواجبة عليه صارت حينئذ حراماً؛ لأنه تحيل على إسقاط الواجب، وهذا كما قال أهل العلم ﵏: إن الإنسان لو سافر في رمضان من أجل أن يفطر صار السفر حراماً والفطر حراماً، يلزمه أن يصوم حتى في السفر؛ لأنه سافر تحيلاً على إسقاط الواجب، والتحيل على إسقاط الواجبات لا يسقطه، كما أن التحيل على تحليل المحرمات لا يجعلها حلالاً.

стр. 4277

الواجب على من جامع زوجته مكرهة في نهار رمضان رجل جامع زوجته عشر مرات في رمضان خلال الثلاث السنوات؟ في يوم واحد؟ السائل: لا. متفرقة خلال ثلاثة أعوام دون رضا زوجته الشيخ: يعني: الزوجة مكرهة؟ السائل: إي نعم. ماذا عليه؟ الشيخ: أما الزوجة فلا شيء عليها ما دامت لا تستطيع المقاومة، أو أنها قاومت وعجزت فلا شيء عليها. وأما هو فعليه لكل فعلة كفارة، إذا كان عشر مرات أولاً إعتاق عشر رقاب، فإن لم يجد صام شهرين لكل فعلة وهي عشر مرات فيلزمه صيام عشرين شهراً، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً لكل فعلة أي: ستمائة، لكن لا يلزم أن يطعم الستمائة يمكن يكرر على الستين الإطعام عشر مرات.

стр. 4278

سبب قراءة سورة يس على المحتظر لا على الميت لماذا ذكر العلماء عند قراءة سورة يس تكون على المحتظر ولا تكون على الميت، مع أن ظاهر الحديث أنها على الميت؟ الشيخ: أولاً: اعلم أن الحديث هذا فيه مقال: فمن العلماء من ضعفه وقال: إنه لا يصح، ولهذا كفينا إياه. وأما على القول بأن الحديث حسن وأن العمل به جائز، فقالوا: إن المحتظر يستفيد من قراءتها أكثر مما يستفيد إذا مات، ويكون: (على موتاكم) أي: على الذين حضرهم الموت، وهذا له وجهة نظر؛ لأنه لم يعهد من الرسول ﵊ أنه كان يقرأ على الموتى بعد ما يدفنون أو قبل أن يغسلوا، بل إن النبي ﵊ أمر بالإسراع بالميت.

стр. 4279

حكم تأخير صرف المعاش الذي يكون عن طريق الشيكات رواتب المدرسين في القصيم تأتي عن طريق شيكات من أحد البنوك الربوية، فيعني لو كان المدرس عنده ظروف وأجل الصرف لأسبوع أو أقل أو أكثر هل عليه شيء؟ أو لا بد أن يبادر بسحبه؟ ليس عليه شيء، كل إنسان يحول على البنك فإنه لا يلزمه بأن يبادر بأخذه؛ لأننا لم نعلم أحداً يقول: من كان له حق على الشخص الذي يتعامل بالربا فيجب أن يبادر بأخذ حقه، فله أن ينقله، متى احتاجه أخذه.

стр. 4280

حكم القضاء من مال الزكاة لمن عليه دين ربوي من لزمه دين ربوي تعامل مع بنك ربوي ثم أفلس، فهل يعطى من الزكاة؟ من الذي أفلس؟ السائل: المستدين. الشيخ: نعم. يعطى من الزكاة؛ لأنه مدين داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠] أما بمقدار رأس المال فلا إشكال فيه، وأما بالزيادة الربوية فإن كنا في بلد لو رفع الأمر إليه لألغى هذه الزيادة قلنا: لا تساعدوه؛ لأن بإمكان هذا الغارم أن يتخلص منها، وإن كنا في بلد يحكم بهذه الزيادة الربوية فمعناه: أنه لا بد لهذا المدين من إيفائه فيعطى لإيفائه، ولا يقال: إن هذا معونة على الإثم والعدوان؛ لأن الإثم في الأصل على آخذ الربا أو على معطي الربا؟ الأصل على الآخذ؛ لأنه الظالم، أما هذا فمظلوم، فالآن نريد أن نخلصه من هذا الظلم. ولكن رأيي في الموضوع: أنه إذا تعاقد طرفان على مسألة ربوية سواء في البنوك أو غيرها برضاهما جميعاً فإننا لا نعطي آخذ الربا الزيادة الربوية، ولا نعفي معطي الربا من أخذها، نأخذها ونجعلها في بيت المال؛ لأن كل أحد من هذين قد عصى الله فلا نمكنه من أن يستمر في معصيته.

стр. 4281

حكم الزواج بنية الطلاق هل يجوز للرجل أن يتزوج المرأة بنية الطلاق وقت الضرورة؟ أسألك الآن: لو كان لك بنت وأراد شخص ما أن يتزوجها بنية الطلاق هل تزوجه؟ السائل: لا أعرف الحكم في هذا. الشيخ: لا أريد الحكم، إنسان تعرف أنه يريد أن يتزوج بنتك ما دام في هذا البلد، ومن ثم يطلقها تزوجه أو لا تزوجه؟ السائل: لا أزوجه. الشيخ: لا تزوجه، إذاً إذا أضمر هذه النية يكون قد غش البنت وأهلها، وتعرف أن الغش حرام، هو صحيح فيه رفق بالمتزوج أن يحصن فرجه وأن يسلم من الزنا، لكن فيه ضرر على البنت وأهلها، فيكون هذا العقد متضمناً للغش والغش حرام، لكن لماذا لم يتزوج زواجاً بنية مطلقة؟ وهو إذا تزوج بنية مطلقة ثم بدا له أن يطلقها لكونه رجع إلى بلده أو لأنها لم تعجبه فالأمر واسع.

стр. 4282

التفريط في صلاة الجماعة وعلاج ذلك لي صديق لا يصلي معي جماعة في المسجد بعض الفروض، وذلك بسبب تفريط في النوم حيث يغيب عن صلاة الجماعة في صلاة الفجر وفي صلاة العصر في الأغلب، وهو لا يعمل بالأسباب التي تساعده على الاستيقاظ من النوم، حيث أنه يغلق باب حجرته على نفسه، وبعد مناصحة له يقول: إنه لا يتعمد النوم، مع أن نومه زائد عن الحد الطبيعي، والسؤال يا شيخ: هل نستمر في مناصحة هذا الصديق، أم نبتعد عنه ونهجره مدة معينة لكي يرتدع؟ وهل هذا الصديق يعتبر جليساً طيباً مع وجود صفات كثيرة من التحلي ببعض الأخلاق الحميدة وشيم الرجال أم يعتبر جليس سوء ويجب الابتعاد عنه؟ ونلاحظ يا شيخ ألا يمر يوم على هذا الرجل إلا وقد أضاع فرضاً أو فرضين أو ثلاثة؟ لا شك أن هذا الرجل ممن قال الله فيهم: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ [التوبة:١٠٢] بل فقد الوصف الأول حيث وأنه لم يعترف بالذنب؛ لأنه يقول: إنني نائم والنائم لا مؤاخذة عليه، لكن يجب أن يتخذ الوسائل التي يستيقظ بها من ساعة منبهة أو من صديق له يقول إذا حان الوقت يضرب عليه التليفون أو لأهله، أما كونه يغلق الباب على نفسه وهو يعلم أنه لن يستيقظ فهذا متعمد لترك الجماعة، وقوله: إني نائم ليس بعذر؛ لأن عنده من يوقظه، فأنتم استمروا في مجالسته مع النصح وقولوا له: إن لم تفعل فإننا سوف نهجرك، هددوه بهذه العقوبة فربما يكون عند التهديد مستقيماً إن شاء الله. السائل: يا شيخ عنده منبه ساعة في حجرته، هل يعني أن نعذره في هذا، يقول: أنا عندي شيء يسعدني لكن أريد أن أغلق الباب على نفسي. الشيخ: القضية الخاصة ربما يريد أن يغلق الباب على نفسه؛ لأن عنده الصبيان. السائل: لا. هو سكن الجامعة يا شيخ. الشيخ: يعني ما عنده أحد يزعجه. السائل: ليس معه رفيق في نفس الحجرة، وعنده منبه لكنه يغلق الباب. الشيخ: إذا كان عنده منبه لماذا لم ينتبه؟ السائل: لا يستيقظ عليه؛ لأنه ثقيل النوم. الشيخ: إذا كان ما يستيقظ عليه فمعناه: وجوده كالعدم. السائل: نعم. الشيخ: إذا كان لا يستيقظ على هذا المنبه -يعني: وجوده كالعدم- فلا بد أن يفتح الباب، أو يعطي صاحباً له مفتاح الباب ويغلق على نفسه، ثم إذا جاء صاحبه فتح عليه الباب. وقل له: إن فعل هذا -أي: أعطى صاحبه مفتاحاً وأغلق الباب- فلينزع المفتاح من القفل؛ لأنه إن بقي لم يستطيع أحد أن يفتح.

стр. 4283

حكم قطع آذان الماعز والكي بقصد الزينة ورفع السعر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما يفعله رعاة الغنم عندما يقومون بقطع آذان الماعز وكي قرونه بقصد الزينة وقصده رفع السعر، علماً بأن الكي والقطع يؤذي الحيوان، فما رأي الشرع في هذا؟ أولاً: في هذا السؤال ملحوظتان: الملحوظة الأولى: إلقاء السلام؛ لأننا لا نعلم أن الصحابة إذا أرادوا أن يسألوا الرسول ﷺ يلقون ﵇ إلا إذا دخلوا ليحضروا. الملحوظة الثانية: قولك: ما حكم الشرع في هذا؟ لأني لا أود أن يوجه السؤال لشخص يمكن يخطئ ويمكن يصيب، فيقال: ما رأي الشرع؛ لأنه إذا أجاب بخطأ صار الشرع خطأً. أما بالنسبة لقطع الآذان فكان أهل الجاهلية يقطعون آذان البهائم لعقيدة وهي: أن هذه البهيمة -مثلاً- إذا ركبت كذا وكذا مدة من السنين قطعوا آذانها إشارة إلى أنها محترمة لا يجوز أكلها، أو إذا حملت هذه الناقة عدة بطون كذلك فعلوا بها، أو إذا أضرب الجمل مدة معينة فعلوا به كذلك، وهذه لا شك عقيدة باطلة ولا تعتمد، أحياناً يكون قطع الآذان من أجل زيادة الثمن كما نسمع الآن أن بعض البهائم المقطعة آذانها تبلغ قيمتها عشرة آلاف، وأنا أرى أن هذا من السفه بالنسبة للمشتري، هذه البهيمة -مثلاً- التي تساوي مائتين قطع آذانها يجعلونها بخمسة آلاف أو ستة آلاف هل زادت بقطع الآذان؟ لا. هي هي طبيعتها ولبنها وكلها سواء، لذلك نرى أن هذا في الواقع من السفه، لكن بالنسبة لقطع الأذن من حيث هو لا بأس به إلا أنه يشترط أن يبنجها عند القطع لئلا تتألم بشيء ليس ضرورياً، وها هو النبي ﷺ والخلفاء الراشدون كانوا يسيمون إبل الصدقة -يكوونها بالنار- ولا شك أنها ستتألم، وربما يتعفن الجرح وتتأذى أكثر.

стр. 4284

حكم من دخل مسجداً ولم يصل المغرب ووجدهم يصلون العشاء سافرنا من المدينة إلى القصيم وأخرنا صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، وأدركنا ركعتين من صلاة العشاء في إحدى القرى، فهل نجعلها نافلة ونعيد صلاة المغرب من الأول جماعة؟ إذا دخل الإنسان المسجد وهو لم يصل صلاة المغرب ووجدهم يصلون صلاة العشاء وأدرك معهم ركعتين فليجعلها مغرباً -ينوي المغرب- فإذا سلم الإمام يقضي واحدة، وإذا دخل معهم في الثانية من صلاة العشاء وسلم الإمام يسلم معه؛ لأنه صلى ثلاثاً، وإذا دخل معهم من أول الصلاة وهو ينوي صلاة المغرب فإنه إذا قام الإمام إلى الرابعة لا يمكن أن يتابعه، فإذا تابعه بطلت صلاته، بل يجلس ويقرأ التشهد ويكمل ويسلم، ثم يقوم ويدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء ويتمها أربعاً؛ لأن المسافر إذا صلى مع إمام وهو يصلي أربعاً وجب عليه أن يتم أربعاً.

стр. 4285

حكم لبس الساعة المطلية بالذهب أو بصفار يشبه الذهب ما حكم لبس الساعة المطلية بالذهب أو بصفار يشبه الذهب؟ الشيخ: أما بالنسبة للمرأة فلا بأس بها إذا لم تكن ساعة رجالية، لكن الرجال إن كانت مطلية بطلاء يشبه الذهب وليس ذهباً فلا بأس بها، ولكننا ننصح بعدم لبسها؛ لأن من رآها يظنها ذهباً وحينئذ إن كان الرجل قدوة اقتدى به الناس وقالوا: الذهب لا بأس به، وإن كان غير قدوة صار شماتة للناس وصاروا يتكلمون فيه، والحمد لله يوجد ساعات غير مطلية بهذا النوع كثيرة، وأما إذا كانت مطلية بالذهب نظرنا إذا كان الذهب له سمك فهذا لا يجوز إطلاقاً، وإن كان مجرد لون فهو جائز لكن ننصح بعدم ذلك للعلة التي ذكرناها. وإلى اللقاء إن شاء الله في الأسبوع القادم، وفقنا الله وإياكم للعلم النافع، والعمل الصالح، إنه على كل شيء قدير.

стр. 4286

لقاء الباب المفتوح [١٥٢] الحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو فرض عين بإجماع المسلمين، ومن جحد وجوبه فهو كافر، وقد فرض الحج في السنة التاسعة للهجرة، وحج النبي ﵊ في السنة العاشرة من الهجرة، ويجب على كل من أراد الحج أن يقتدي بالنبي ﷺ ويحج كحجه ﵊، وقد قال ﵊: (خذوا عني مناسككم) فأمرنا أن نقتدي به في حجه ﵊.

стр. 4287

صفة حج النبي ﵊ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني والخمسون بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو الثامن عشر من شهر ذي القعدة عام (١٤١٧هـ) . وبما أننا على أبواب الحج فإننا سنجعل بدلاً عن التفسير كلاماً في الحج. فنقول وبالله التوفيق: أولاً: الحج مرتبته من الدين الإسلامي أنه أحد أركان الإسلام الخمسة، لقول النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام) . وهو فرض بإجماع المسلمين، ومن جحد وجوبه وهو ممن عاش بين المسلمين فإنه يكون كافراً؛ لأن وجوبه مما علم بالضرورة من دين الإسلام، ومن تركه متهاوناً فإنه على خطر؛ لأن من العلماء من قال: إذا ترك الحج تهاوناً فإنه يكفر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] وعلى هذا فالإنسان على خطر إذا تركه. وقد فرض الله تعالى الحج في السنة التاسعة للهجرة، وحج النبي ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة، فخرج من المدينة في اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة، ووصل إلى مكة صبيحة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وكان معه الهدي ﵊ فأحرم قارناً -أي: بالحج والعمرة جميعاً- قال: لبيك حجاً وعمرة. وأما من معه من المسلمين فانقسموا إلى ثلاثة أقسام: ١- منهم: من كان قد ساق الهدي فأحرم قارناً كالنبي ﷺ . ٢- ومنهم: من لم يسق الهدي فحج مفرداً. ٣- ومنهم: من تمتع. فصاروا على ثلاثة أقسام: منهم من أحرم بعمرة متمتعاً بها إلى الحج، ومنهم من أحرم بحج، ومنهم من أحرم بعمرة وحج. وصل النبي ﷺ إلى البيت فبدأ بالطواف، فطاف سبعة أشواط مبتدئاً بالحجر، وفي هذا الطواف رمل ثلاثة أشواط -أي: أسرع في مشيه- ومشى أربعة أشواط، وفي هذا الطواف اضطبع بردائه فجعل وسطه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر من ابتداء الطواف إلى انتهائه. ثم تقدم بعد الطواف إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] وصلى ركعتين قرأ فيهما ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الركعة الأولى، وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مع الفاتحة. ثم رجع إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] (أبدأ بما بدأ الله به) فصعد على الصفا حتى رأى الكعبة فرفع يديه يدعو ويكبر ويهلل، وكان من ذكره في هذا المكان أن قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) ثم يدعو، ثم أعاد الذكر مرة ثانية، ثم يدعو، ثم أعاد الذكر مرة ثالثة، ثم انحدر متجهاً إلى المروة. وفي طريقه مر بالوادي مجرى السيل وهو نازل، فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى ﵊ -أي: ركض ركضاً شديداً- حتى صعد، ثم مشى إلى المروة، والوادي ليس موجوداً الآن؛ لأن السيول صرفت يميناً وشمالاً لكن موجود فيه علامة ذلك وهي العمود الأخضر من ابتداء أركان الوادي إلى انتهائه، صعد على المروة واتجه إلى القبلة وقال ما قاله على الصفا حتى أتم سبعة أشواط مبتدئاً بـ الصفا ومنتهياً بـ المروة، فكان أول ابتدائه من الصفا وآخر شوط على المروة. ثم أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يجعلوا نسكهم عمرة، وأن يقصروا ويحلوا من إحرامهم الحل التام حتى النساء، ثم خرج من مكة ونزل في الأبطح بظاهر مكة حتى كان اليوم الثامن من ذي الحجة، فخرج إلى منى وأحرم من حل من عمرته من مكانه، ثم توجه إلى منى في ضحى يوم الثامن ونزل فيها، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً بلا جمع. ولما طلعت الشمس سار إلى عرفة ونزل بمكان قبل عرفة يقال له: نمرة، حتى زالت الشمس، ثم ركب ناقته بعد ذلك -بعد زوال الشمس- ونزل في بطن الوادي وادي هرنة وخطب الناس خطبة عظيمة بليغة، ثم أذن وأقام فصلى الظهر ثم أقام وصلى العصر جمعاً وقصراً، ثم ركب حتى أتى الموقف الذي اختار أن يقف فيه ﵊ عند الصخرات عند جبل عرفات، وعليه الآن علم قائم منصوب، وقف هناك إلى أن غربت الشمس، وكان على بعيره ﵊ مستقبل القبلة يدعو الله تعالى يبتهل إليه؛ لأن خير الدعاء دعاء يوم عرفة. ولما غابت الشمس واستحكم غروبها دفع متجهاً إلى مزدلفة، وكان ﷺ يأمر الناس بالسكينة، وكلما أتى جبلاً من الجبال -يعني: أتى شيئاً مرتفعاً -أرخى لناقته الزمام حتى تصعد، وكلما وجد فجوة أسرع، وفي أثناء الطريق نزل فبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فقال له أسامة بن زيد وكان رديفه على ناقته: (الصلاة يا رسول الله! قال: الصلاة أمامك) أي: في مزدلفة، وصل إلى مزدلفة بعد دخول وقت العشاء فصلى المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ثم اضطجع في محل نزوله حتى تبين الصبح. فلما تبين الصبح صلى الفجر بأذان وإقامة، ولم يذكر في هذه الليلة أنه أوتر ولا أنه صلى سنة الفجر، لكن المعروف من هديه ﷺ أنه كان لا يدع الوتر حضراً ولا سفراً، وكذلك لا يدع ركعتي الفجر حضراً ولا سفراً، وبناءً على هذا العموم نقول: إن الوتر مشروع ليلة مزدلفة وكذلك سنة صلاة الفجر. ثم ركب بعد أن صلى الفجر حتى أتى المشعر الحرام، فوقف عنده ودعا ووحد الله وكبره إلى أن أسفر جداً، ودفع قبل أن تطلع الشمس متجهاً إلى منى على راحلته، ووقف عند الجمرة وأمر ابن عباس أن يلتقط له سبع حصيات فقط أخذهن بيده صلوات الله وسلامه عليه، وجعل يوترهن ويقول: (بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين) فرمى جمرة العقبة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ثم انصرف إلى المنحر فنحر وكان أهدى مائة بعير فنحر منها بيده الكريمة ثلاثاً وستين بعيراً، وأعطى علي بن أبي طالب الباقية فنحرها، وأمره ﷺ أن يتصدق بلحومها وجلالها -يعني: حتى جلالها التي كانت مغطاة بها الظهور أمر النبي ﷺ أن يتصدق به- وأمر أن يؤخذ من كل بعير قطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها. ثم حلق ﵊ رأسه وحل من إحرامه التحلل الأول، فتطيب ﷺ ونزل إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، فطاف سبعة أشواط وليس فيها رمل ولا اضطباع؛ لأن الرمل والاضطباع لمن هم في الطواف الأول، ولم يسع بين الصفا والمروة؛ لأنه كان سعى بعد طواف القدوم، والقارن والمفرد إذا سعيا بعد طواف القدوم فإنهما لا يعيدان السعي، وصلى بـ مكة الظهر. ثم خرج إلى منى وبقي فيها ليلة الحادي عشر، وفي اليوم الحادي عشر بعد الزوال ذهب ماشياً إلى الجمرات فرمى الجمرة الأولى وهي أبعدهن من مكة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم تقدم قليلاً ووقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو الله، ودعا دعاءً طويلاً ثم انصرف، ثم اتجه إلى الوسطى فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم تقدم قليلاً حتى وقف مستقبل القبلة رافعاً يديه إلى الله ودعا دعاء طويلاً، ثم رمى جمرة العقبة وانصرف إلى رحله. وفي يوم الثاني عشر فعل مثلما فعل في اليوم الحادي عشر، وفي اليوم الثالث عشر فعل كذلك مثلما فعل في اليومين قبله؛ لأنه تأخر، وكان رميه ﷺ في الأيام الثلاثة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر بعد الزوال قبل أن يصلي الظهر، ولهذا لما رمى الجمرات في اليوم الثالث عشر بعد الزوال نزل إلى مكة وصلى الظهر في الأبطح في المحصف، وبات تلك الليلة -ليلة الرابع عشر- هناك، وفي آخر الليل أمر بالرحيل، فارتحل إلى المسجد الحرام وطاف بالبيت طواف الوداع وصلى الفجر بعد ذلك، ثم رجع قافلاً إلى المدينة. هذا هو خلاصة حج النبي ﷺ ، ولنا في هذا وقفات:

стр. 4288

أعمال أيام الحج الموقف الأول: أيام الحج تبين أنها ستة أيام، وهي: اليوم الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.

стр. 4289

أعمال اليوم الثامن من أيام الحج فماذا نفعل في اليوم الأول -الثامن-؟ يحرم الحجاج المحلون بالحج ضحى اليوم الثامن وينزلون في منى ويصلون فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، هذه أعمال اليوم الثامن وليلة التاسع.

стр. 4290

أعمال اليوم التاسع من أيام الحج في اليوم التاسع ينصرف الحجاج من منى إلى عرفة وينزلون إذا تيسر لهم في نمرة، وإن لم يتيسر فلا حرج أن يستمروا في سيرهم إلى عرفة فيصلون فيها الظهر والعصر جمعاً وقصراً، والجمع يكون جمع تقديم؛ من أجل أن يتسع الوقت للدعاء، ويتفرق الناس في مواقفهم، ولهذا اختار النبي ﷺ أن يجمع جمع تقديم في يوم عرفة لهذا السبب؛ أولاً: ليطول وقت الوقوف، وثانياً: ليتفرق الناس في مواقفهم؛ لأنهم لو تفرقوا قبل أن يصلوا العصر ما اجتمعوا على صلاة، فلهذا جمع النبي ﷺ جمع تقديم، ثم إن الموقف الذي وقف فيه الرسول ﷺ هل هو متعين أو كل عرفة موقف؟ استمع إلى قول الرسول ﷺ : (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) فأنت إذا وقفت في مكانك أديت السنة، ولا سيما في وقتنا الحاضر مع شدة الزحام والضياع الكثير لمن ذهب ليقف في موقف الرسول ﵊، فإن الأفضل أن يبقى في مكانه. ثم اعلم أنك لو ذهبت إلى موقف الرسول ﷺ فأنت على خطر من الضياع ومن الجوع والعطش، ولن يتسنى لك أن تقف في ذلك الموقف إلى أن تغرب الشمس؛ لأنك لا بد أن تعود إلى رحلك قبل غروب الشمس وإلا لضعت بين هذه السيارات وفات الخشوع الذي يطلب من الإنسان في مثل هذه المشاعر، فالأفضل إذاً أن تقف في مكانك درءاً لهذه المفاسد أو لهذه المضارب. في يوم عرفة يقف الناس في عرفة -بعد الصلاتين الظهر والعصر جمع تقديم- إلى أن تغرب الشمس، ولا يجوز للإنسان أن يدفع من عرفة قبل غروب الشمس، ودليل ذلك: أولاً: أن النبي ﷺ وقف حتى غربت الشمس وقال: (خذوا عني مناسككم) وهذا أمر أن نتأسى به. ثانياً: لو كان الدفع جائزاً قبل الغروب لكان أول من يفعله رسول الله ﷺ ؛ لأن ذلك أيسر وأرفق بالأمة حيث يدفعون نهاراً، وقد كان من هدي الرسول ﷺ أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، ونحن إذا قلنا: إن الأيسر أن تدفع في النهار وقد امتنع منه الرسول ﷺ نعلم أنه إثم؛ لأن من هديه أن يختار الأيسر ما لم يكن إثماً. ثالثاً: أننا لو دفعنا قبل الغروب لكان في ذلك مشابهة بالمشركين ومخالفة لهدي سيد المرسلين ﷺ ؛ لأن المشركين يدفعون من عرفة قبل أن تغرب الشمس، إذا كانت الشمس على رءوس الجبال كالعمائم على رءوس الرجال دفعوا.

стр. 4291

أعمال اليوم العاشر من أيام الحج في ليلة العيد ينزل الحجاج في مزدلفة فهل لهم أن يدفعوا قبل أن يصلوا الفجر؟ نقول: نعم. النساء والضعفاء الأفضل أن يتقدموا في الدفع؛ لأن النبي ﷺ رخص لهم، والإنسان لا ينبغي له أن يعدل عن الرخصة لا سيما في وقتنا الحاضر مع الزحام، فإن الأولى أن يدفع النساء والصغار ومن لا يحتمل مزاحمة الناس في آخر الليل من أجل أن يرموا الجمرة قبل زحمة الناس، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أذن للنساء والصغار أن يدفعوا من آخر الليل. في مزدلفة وقف النبي ﷺ بعد أن صلى الفجر عند المشعر الحرام، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] وهل لا بد أن يكون الوقوف هناك -أي: عند المشعر الذي هو محل المسجد اليوم-؟ لا. ليس من الضرورة؛ لأن الرسول ﷺ وقف عند المشعر وقال: (وقفت هاهنا وجامة كلها موقف) وجامة هي في مزدلفة. في يوم العيد وبعد الوصول إلى منى فهمنا أن الرسول ﷺ فعل ما يأتي: أولاً: رمى، ثم نحر، ثم حلق وحل، ثم نزل وطاف، وهذا هو الأفضل أن الإنسان يرتبها هكذا، الرمي ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف ثم السعي لمن كان متمتعاً أو مفرداً أو قارناً ولم يكن سعى بعد طواف القدوم، هذه الأنساك الخمسة أو الأربعة لو أن الإنسان قدم بعضها على بعض فهل عليه من حرج؟ لا. اسمع الجواب من الرسول ﷺ حين كان لا يسأل في ذلك اليوم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: (افعل ولا حرج) حتى قال له سائل من الناس: (سعيت قبل أن أطوف؟ قال: لا حرج) وهذا من رحمة الله أن جعل فسحة للناس في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض حتى لا يجتمعوا على شيء واحد؛ لأن الناس إذا اجتمعوا كلهم على الرمي أو كلهم على الطواف أو كلهم على النحر لحصل في ذلك مشقة، لكن إذا فسح الأمر فصار هذا يذهب إلى مكة ويطوف، وهذا يذهب إلى المنحر وينحر، وهذا يذهب إلى المرمى ويرمي، حصل في ذلك توسعة. ورد في بعض الأسئلة التي وردت على الرسول ﷺ في ذلك اليوم أن السائل يقول: لم أشعر ففعلت كذا قبل كذا. وورد في بعضها الإطلاق، فهل نأخذ بهذا القيد ونقول: إنه لا يجوز اختلاف الترتيب إلا لإنسان لم يشعر؟ الجواب: لا. لا نقيد هذا؛ لأن الرسول ﷺ قال: (افعل ولا حرج) وهذا شيء في المستقبل، لو قال: لا حرج عليك لقلنا: ربما يكون هذا الجواب مبنياً على السؤال، وأنه لا حرج على الإنسان إذا قدم بعضها على بعض في عدم الشعور، لكن لما قال: افعل ولا حرج. و (افعل) كما يعرف الناس أنها للمستقبل، علمنا أن الترتيب ليس بواجب، ولهذا لما أراد الرسول ﷺ أن يصحح ما وقع ويمنع مما يستقبل قال لـ أبي بكرة حينما ركع قبل أن يصل الصف: (زادك الله حرصاً ولا تعد) ولو كان هذا الترتيب واجباً لقال للسائل: لا حرج ولا تعد. على كل حال: المتأمل للسنة في هذا يتبين له أن الأمر واسع، وأنه لا حرج أن يقدم الإنسان بعضها على بعض، سواء كان لعذر أو لغير عذر. إذاً في يوم العيد يفعل الحاج كم نسكاً؟ خمسة، إذا كان متمتعاً أو كان مفرداً أو قارناً ولم يكن سعى مع طواف القدوم، وأربعة إن كان مفرداً أو قارناً وسعى مع طواف القدوم؛ لأنه في هذه الحال يسقط عنه السعي. هذا في يوم العيد.

стр. 4292

أعمال اليوم الحادي عشر من أيام الحج في اليوم الحادي عشر ليلة الحادي عشر الناس نازلون في منى والنزول في منى واجب؛ لأن النبي ﷺ إنما رخص لأهل الأعذار كالسقاة والرعاة أن يدعوا المبيت في منى، رخص لعمه العباس أن ينزل إلى مكة ليتولى السقاية -سقاية الناس من زمزم- وهذه مصلحة عامة، ورخص للرعاة -رعاة إبل الحجيج- ألا يبيتوا في منى ويبيتوا في مراعيهم؛ لأنهم يشتغلون في مصلحة عامة، فدل هذا على أن غيرهم ليس له رخصة، وتهاون بعض الناس في المبيت بـ منى لا وجه له إطلاقاً، فمن أراد السنة والحج المبرور فليتمسك بما عليه الرسول ﷺ . في اليوم الحادي عشر يرمي الناس الجمرات بعد الزوال؛ لأن النبي ﷺ لم يرمها إلا بعد الزوال، ولا يجوز تقديم الرمي في أيام التشريق على الزوال، لأن النبي ﷺ رمى بعد الزوال، وقال: (خذوا عني مناسككم) ولولا أن الرمي قبل الزوال لا يصح لرخص للضعفاء والنساء أن يرموا قبل الزوال كما رخص لهم أن يرموا قبل طلوع الشمس في يوم العيد، ولو كان جائزاً -أعني: الرمي قبل الزوال- لفعله النبي ﷺ ؛ لأن الرمي قبل الزوال أيسر على الناس من الرمي بعد الزوال. إذاً الرمي بعد الزوال معناه: انتظار اشتداد الحر، وهذا يشق على الناس، فلو كان الرمي في الصباح جائزاً لكان أيسر على الأمة، فلما تركه الرسول ﷺ وانتظر حتى الزوال علمنا أن الرمي قبل الزوال ليس من هدي النبي ﷺ ، وقد قال النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . ويدلك على أنه لا يصح الرمي قبل الزوال أن النبي ﷺ كان يتحين -أي: ينتظر حتى تزول الشمس- ومن حين تزول الشمس يرمي قبل أن يصلي الظهر، فكأنه ينتظر -كما يقولون- بفارغ الصبر أن تزول الشمس حتى يرمي. ولا يغرنك ترخيص بعض العلماء المبني على غير قاعدة شرعية، ولو أننا أردنا أن نأخذ ترخيصاً مطلقاً لقلنا: كل أيام التشريق محل ذكر لله ، فارم في أي وقت شئت، لكن هذه أمور محددة ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣] من ذكر الله في الأيام المعدودات رمي الجمرات، هل نأخذ بإطلاق الآية ونقول: متى شئت فارم؟ لا، لأن الأمر بالذكر هنا مطلق بينته السنة فلا تغتر، لكن إذا قال قائل: إذا قلتم: إنه لا يكون الرمي إلا بعد الزوال والحجاج يبلغون مليون وخمسمائة ألف كيف يتسنى أن يرمي هؤلاء فيما بين الزوال إلى غروب الشمس، هذا صعب جداً؛ لأنك لو قسمت هذا العدد على هذا الزمن لوجدت أنه لا بد أن يرمي في الدقيقة كذا وكذا من المائة، أو نحو ذلك؟ نقول: الأمر واسع والحمد لله، يمكن أن ترمي بعد غروب الشمس إلى أن يطلع الفجر من اليوم الثاني، والرمي بعد الغروب إن كان أداءً فهو أداء؛ لأن كثيراً من العلماء يقول: إن الرمي في أيام التشريق من الزوال إلى طلوع الفجر من اليوم الثاني، وإذا قلنا بأنه لا يمتد إلى الليل وأنه ينتهي بغروب الشمس قلنا: الرمي بعد غروب الشمس يكون قضاءً، فالحاج عجز أن يرمي في وقت الأداء، فليرم في وقت القضاء، والأمر واسع والحمد لله. فإن قال قائل: النهار تبع لليل، وأنت إذا قلت: ترمي اليوم الحادي عشر في ليلة الثاني عشر جعلت الليل تابعاً للنهار والحال أن النهار تابع لليل؟ قلنا: لا غرابة في ذلك، أليس الناس في عرفة يقفون من الزوال إلى طلوع الشمس من يوم النحر، فليلة النحر الآن تابعة لليوم التاسع وهي ليلة العاشر فلا غرابة في هذا. إذاً في اليوم الحادي عشر ماذا نصنع؟ نرمي الجمرات الثلاث، مرتبة كما سمعتم: الأولى ثم الوسطى ثم العقبة.

стр. 4293

أعمال اليوم الثاني عشر من أيام الحج في ليلة الثاني عشر: يبيت الحجاج في منى، وعرفتم أن البيتوتة في منى واجبة، وأنه لا يجوز التهاون بها، وفي اليوم الثاني عشر نرمي الجمرات كما رميناها في الحادي عشر، ثم من أراد أن يتعجل فلينصرف من منى ومن أراد أن يتأخر فليبق؛ لأن الله خير، فقال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣] وأيهما أفضل؟ التأخير أفضل؛ لأن الله أثنى على المتأخرين فقال: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ ولأن النبي ﷺ تأخر، والتأسي به خير، ولأن في التأخر زيادة عمل صالح كالبيتوتة ورمي الجمرات. إذا انتهى الحج وأراد الإنسان أن يرجع إلى بلده فلا بد أن يطوف للوداع بدون سعي وبدون إحرام سبعة أشواط، ثم ينصرف فوراً إلى بلده ويكون طواف الوداع آخر شيء، وعلى هذا فمن طاف للوداع ثم خرج ورمى ومشى من منى فإن طوافه في غير محله، ويكون كالذي لم يطف، لقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وقد أمر أن يكون طواف الوداع آخر شيء، ويسقط طواف الوداع عن الحائض والنفساء؛ لأن النبي ﷺ لما قيل له: (إن صفية قد طافت طواف الإفاضة وكانت حائضاً، قال: فلتنفر) أي: ولا وداع عليها، ولحديث عبد الله بن عباس ﵄: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفف عن الحائض) قال العلماء ﵏: لو أخر طواف الإفاضة الذي يكون يوم العيد فطافه عند السفر أجزأه عن طواف الوداع، كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد، أي: لو دخلت المسجد وصليت الفريضة الرباعية أو الثلاثية أو الثنائية أجزأتك عن تحية المسجد، كذلك طواف الإفاضة فريضة، وهو أوكد من طواف الوداع، إذا طفته عند السفر أجزأك عن طواف الوداع، ولكن ماذا تنوي؟ نقول: النية هنا لها ثلاث صور: ١- إما أن ينوي طواف الوداع وحده. ٢- أو طواف الإفاضة وحده. ٣- أو ينويهما جميعاً. إذا نوى طواف الوداع وحده لم يجزئه عن طواف الإفاضة؛ لأنه لا يجزئ الأدنى عن الأعلى، وقد ذكرت لكم: أن طواف الإفاضة أعلى من طواف الوداع؛ بدليل: أن طواف الوداع يسقط عن الحائض وطواف الإفاضة لا يسقط. وإذا نوى طواف الإفاضة وحده أجزأ عن طواف الوداع، وإذا نواهما جميعاً حصلا له جميعاً، لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) .

стр. 4294

مسائل عند العامة في الحج يقولون: إن من عليه قضاء رمضان ولم يصم فلا حج له! وهذا غير صحيح لأنه لا علاقة بين قضاء رمضان والحج. ويقول بعضهم: من لم يعق عنه فلا حج له، وهذا أيضاً غير صحيح؛ لأنه لا علاقة بين الحج والعقيقة. ويقول بعضهم: إذا كانت المرأة حائضاً ولم تطف طواف الإفاضة لبست حفاظة على فرجها وطافت وهي حائض، وهذا لا صحة له؛ لأن هذا لو كان جائزاً؛ لقال الرسول ﷺ في حديث صفية: لتستذفر بثوب وتطوف كما قال لـ أسماء بنت عميس حين ولدت في ذي الحليفة وأرسلت إليه: كيف أصنع يعني: في الإحرام؟ قال: (اغتسلي واستذفري بثوب وأحرمي) ولكن ماذا نفعل إذا كانت المرأة حائضاً ولم تطف طواف الإفاضة وأهلها سيسافرون ماذا تصنع؟ نقول: إن كانت في بلاد السعودية فأمرها سهل لها طريقان: إما أن تبقى هي ومحرمها في مكة حتى تطهر وتطوف، وهذا -والحمد لله- سهل ممكن أن تبقى هي ومحرمها، وإذا طهرت وطافت سافرا بأي وسيلة بطائرة بسيارة النقل الجماعي بسيارة خصوصية بأي وسيلة؛ لأنه سهل في المملكة. أو أنها تسافر إلى مكان عملها وتبقى على التحلل الثاني؛ لأنها لم تحل إلا التحلل الأول فلا يحل لزوجها أن يستمتع بها ولا يعقد عليها النكاح، فإذا طهرت عادت إلى مكة وطافت طواف الإفاضة، إلا أنه في هذه الحال ينبغي أن تحرم بعمرة من الميقات وتطوف وتسعى وتقصر للعمرة ثم تأتي بطواف الإفاضة، هذا إذا كانت في البلاد السعودية. وإذا كانت في الخارج فهنا نختار ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنها تتلجم تتحفظ -بأن تضع شيئاً على فرجها يمنع من تسرب الدم إلى المسجد- وتطوف ولو كانت حائضاً؛ وذلك للضرورة؛ لأن من لم تكن في المملكة يشق عليها الرجوع ويشق عليها أن تبقى مع محرمها متخلفة عن القافلة، وقد قال الله ﵎: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] فالضرورات تبيح المحظورات، فإذا كان طواف الحائض حراماً واضطرت إلى ذلك فإنها تفعل ما يخشى منه المحظور، وهو أن تتحفظ -تضع خرقة على فرجها حتى تمنع تسرب الدم إلى المسجد- وتطوف. ولعل ما قلناه الآن فيه الكفاية والله الموفق.

стр. 4295

الأسئلة

стр. 4296

حكم من ترك واجباً من واجبات الحج ناسياً أو جاهلاً رجل أخذ عمرة ثم نسي أن يحلق شعره، فلبس المخيط، وعندما تذكر حلق شعره وهو لابس المخيط؟ جاهلاً. السائل: جاهلاً. الشيخ: لا شيء عليه؛ لأنه غاية ما يقال: إنه لبس المخيط قبل أن يحل من إحرامه وهو ناسٍ وجاهل فليس عليه شيء.

стр. 4297

حكم من استأجر محلاً لمدة معينة ثم باع صاحب المحل محله قبل انتهاء المدة استأجرت محل تجارة من شخص بعقد لمدة ثلاث سنوات، وبعد سنة من استئجاري للمحل قام ببيع المحل والمشتري يريد المحل حقه؟ يريد أن تخرج؟ السائل: نعم. الشيخ: هذه بارك الله فيك لا يحلها إلا القاضي أو المصالحة بينكما، إما أن تصالحه وإما القاضي.

стр. 4298

حج الزوجة ليس واجباً على زوجها فضيلة الشيخ! أنا عندي زوجتين وكلهن لم يستطعن الحج مع أهلهن، فهل واجب علي حجهن في الوقت هذا؟ حج الزوجة ليس واجباً على زوجها إلا إذا كان مشروطاً عليه في عقد النكاح.

стр. 4299

الوعيد الذي يلحق صاحب الدش في فتاوى الدش هناك بعض طلاب العلم يقولون: إن أي شخص يركب هذا الجهاز لا يدخل الجنة، وإنما أفتوا بذلك اجتناباً للفتنة، فنريد توضيح المسألة؟ هذا بارك الله فيك ما فيه إشكال، نصوص الوعيد تبقى على عمومها لكن ما تطبق على كل شخص بعينه؛ لأننا ما نعلم قد يعفو الله عنه، فقول الرسول ﷺ : (ما من عبد يسترعيه الله على رعاية يموت يوم يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه الجنة) هذا الحديث عام، فإذا وجدنا شخصاً قد ولاه الله على رعية ومات وهو غاش لها دخل في هذا الوعيد، لكن لا نشهد له بعينه بأن نقول: محمد يحرم عليه الجنة؛ لأنه غاش للرعية، هذا ليس فيه إشكال، لكن نظراً لأن العامة لا يفهمون الفرق بين التعيين والتعميم كتبنا بدل: حرم الله عليه الجنة، يخشى أن يلحقه الوعيد أو كلمة نحوها فقط، وإلا فالحديث عام وينطبق على هذا؛ لأننا لو سألنا أي أحد من الناس: هل الرجل استرعاه الله على رعيته على أهله؟ السائل: نعم. الشيخ: لا شك، هل من النصيحة والأمانة أن يجلب لهم هذا الدش أو يمكنهم منه مع قدرته على منعه؟ السائل: نعم. الشيخ: من الأمانة؟ السائل: من الأمانة أنه لا يدخله البيت. الشيخ: إذاً ليس من الأمانة، يكون غاشاً أو غير غاش؟ السائل: غاشاً. الشيخ: إذا مات يصدق الحديث، لكن لا تشهد لشخص بعينه، الآن -مثلاً- يقول الرسول ﵊: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) وجدنا رجلاً يجر ثوبه خيلاء هل نشهد له بعينه أن الله لا ينظر إليه؟ السائل: لا نشهد بعينه. الشيخ: لكن نقول: أنت داخل في العموم، أما بعينه فلا يجوز أن نشهد؛ لأنه ربما يتوب الله عليه، أو يكون له حسنات تغمر السيئات، أو يستغفر له، أو يشفع له من يصلون عليه؛ لأنه: (ما من رجل مسلم يموت ويقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) . الآن مثلاً المؤمن الذي يعمل الصالحات في الجنة أم في النار؟ السائل: في الجنة. الشيخ: رجل نعلم أنه مؤمن يعمل الصالحات هل نشهد له بعينه في الجنة؟ لا. فيجب أن يعرف الناس الفرق بين التعميم وبين التعيين. رجل قتل في الساحة في الجهاد في سبيل الله على يد العدو (من قتل في سبيل الله فهو شهيد) هل نقول: هذا الرجل المقتول شهيد؟ الجواب: لا.

стр. 4300

التفصيل في جماعة التبليغ تعلمون أن جماعة التبليغ نشأت في بيئة بعيدة عن العلم الشرعي وقلة العلماء -علماء أهل السنة- كما هي عندنا ولله الحمد، ولكن هناك ثلاث نقاط أريد أن أسأل فضيلتكم عنها: هذه الجماعة يا شيخ لها أصول أسست عليها وهي أربعة أصول. الشيخ: ستة. السائل: لا. الأصول التي أسست عليها غير الأصول الستة، وما إلى ذلك من البدع والشركيات. الشيخ: بينها لنا من أجل أن يكون الجواب مبنياً على السؤال. السائل: ثم الشيخ: بين الأصول الأربعة أو الستة. السائل: يعني: الأصول الشيخ: أنا لا أستطيع أن أجيب إلا عن شيء. السائل: طرق يا شيخ الشيخ: ما هي الطرق؟ السائل: طرق صوفية أربع. الشيخ: ما هي؟ السائل: الطريقة السهرورودية والنقشبندية والقادرية الشيخ: ألم تعلم أن هذه الطرق من كانوا عندنا في المملكة لا يعرفون عنها شيئاً. السائل: أنا ما أسأل يا شيخ! عن الذين في المملكة بل عن هذه الجماعة بشكل عام، ثم إن هناك الصفات الست التي هي أصل منهجهم في الدعوة في إقامة حلق الذكر وما إلى ذلك، كذلك الكتاب الذي يعتمدون عليه خصوصاً خارج المملكة والجزيرة كتاب تبليغ النصاب، وفيه من البدع والشركيات التي ذكرها أهل العلم، كذلك هناك في معرض كلام سابق لكم عنهم يا شيخ! قلتم: بأنه ينقصهم العلم، فإذا كان العلم ينقصهم فإن أساس الدعوة وقبول العمل كما هو أساس قبول العبادة معدوم، كذلك يا شيخ! فيمن يخرج معهم قلتم: بأنه لا ينبغي أن يخرج إلا طالب علم يصحح ويتعلم ويعلم، هذه الجماعة يخرج معهم أناس ليس معهم من العلم شيء وقد يواجهون من البدع والشرك والشبه خصوصاً أنهم يدعون الكفار، نريد تعليقاً على هذه النقاط يا شيخ؟ الشيخ: بارك الله فيك، أما أنا نظري لهذه الفئة الذين في خارج البلاد ما أدري عنها وإن كنا نسمع من بعض الإخوة الذين ذهبوا من طلاب العلم وسمعوا خطبهم يقولون: ما رأينا شيئاً، بل هم يقولون: نحن نحملكم أيها السعوديون المسئولية أن تدلونا على ما يوافق الشرع، حدثني عن ذلك ثقتان من أهل بريدة ذهبوا واستمعوا إلى خطبهم، لكن مع ذلك نصيحتي: ألا يذهب أحد من إخواننا في المملكة إلى تلك البلاد؛ لأنهم مع قلة علمهم وفصاحة أولئك قد ينخدعون، فلذلك أرى أن تكون الدعوة هنا وأن يتلقوا أصول دعوتهم من العلماء عندنا، العلماء محاط فيهم؛ لأننا رأينا لهم تأثيراً بالغاً -الحق يجب أن يقال والباطل يجب أن يقال ويبين بطلانه- كم من فاسق هداه الله على أيديهم، بل كم من كافر اهتدى إلى الإسلام على أيديهم؛ لأن دعوتهم مبنية على السماحة والإيثار وطلاقة الوجه؛ وهذا من أساس الدعوة، لكن كونه يقول مثلاً: لا تأخذوا إلا بهذه الصفات دون ما سواها لا شك أن هذا من أكبر الأخطاء، فإذا قالوا: نحن نؤمن بهذه الصفات دون غيرها، قلنا: هذا خطأ عظيم وهذه الصفات ما هي إلا شعرة في جلد الثور، وأما إذا قالوا: لا. نحن نقول: هذه الصفات ولكن نقر غيرها. نقول: يجب أن تضيفوا إليها ما جاء في الكتاب والسنة، ولهذا أتمنى أن يكون أساس دعوتهم مبني على حديث عمر بن الخطاب ﵁ حين جاء جبريل فسأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأماراتها، ثم قال: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) فلو أن أحداً من أهل العلم أسس قواعد تضاد الصفات السبع التي يقولون لكان في هذا خيراً كثيراً. السائل: يبقى الكافر الذي أسلم على أيديهم بشهادتين يعلمونه فقط -وأنا ممن خرجت إلى بنجلاديش وحضرت- يعلمونه فقط آداب النوم كيف يأكل وكيف يشرب. الشيخ: هذا حسن، لكن هل يقول: لا تتعلم غيرها؟ ألم تعلم أن هذه الآداب كثير من طلاب العلم عندنا لا يفقهونها، ومن عرفها لا يطبقها السائل: كافر يا شيخ! ما عنده من العلم شيء في أصول ديننا يا شيخ! وأركان الدين الإسلامي. الشيخ: نحن نعلمهم شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، معناها ولوازمها وبقية أركان الإسلام مثلما قال الرسول لـ معاذ: (أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله) . السائل: هم لا يعلمون هؤلاء. الشيخ: لا. يجب أن يعلموهم، هذا من جملة جهلهم، ولهذا أقول لطلاب العلم: ينبغي أن يخرجوا معهم ليبصروهم. السائل: فقط طلاب العلم يا شيخ؟ الشيخ: وأنا لا أرى أن يذهبوا إلى خارج البلاد.

стр. 4301

حكم المبيت في منى هل يلزم المبيت في منى النوم؟ لا. البقاء يكفي، وأيضاً يكفي البقاء معظم الليل ولا يلزم أن ينام كل الليل، يعني: صار الليل عشر ساعات وبقي ست ساعات كفى، لكن الأفضل أن يبقى جميع الوقت، وهنا مسألة وهي: أن بعض الناس يقول: إن منى ضاقت ولا يجد بها مكاناً. فنقول: إذا لم يجد فيها مكاناً فلينزل عند آخر خيمة حتى يكون مع الناس، كما أن الرجل إذا لم يجد في المسجد مكاناً أين يصلي يذهب إلى بيته أم ماذا يصنع؟ يصلي مع الصفوف إذا اتصلت ولو في الطريق.

стр. 4302

حكم حج من عليه دين إذا وجد من يحججه رجل عليه دين فوجد من يحججه فهل له أن يحج؟ يعني معناه: إنسان عليه دين وإنسان يريد أن يتبرع ويعطيه مالاً يحج به كذا؟ السائل: نعم. الشيخ: ولا ينقصه للدين شيء، أي: لا يكون هذا عامل يعمل ولو فقيه ينفع أهل الدين، يعني: افرض أن هذا عامل عليه دين -مثلاً- عشرة آلاف وهو يعمل في حرفة يكسب كل يوم -مثلاً- خمسمائة ريال؛ إذا ذهب يحج يبقى على الأقل عشرة أيام كم يفوته من المكسب؟ السائل: خمسة آلاف. الشيخ: هل هذا الرجل عاطل يقول: سواء سافرت إلى الحج أو بقيت أنا لن أكسب شيئاً، فهذا نقول: لا مانع، خذ من صاحبك وحج به؛ بشرط ألا يخشى فيما بعد أن هذا الذي تبرع له بالمال يمن عليه، وكلما صار شيء قال: هذا جزائي حينما حججت بك، فهذا لا يلزمه أن يحج.

стр. 4303

حكم من حج متمتعاً ونسي التقصير بعض الحجاج يكون متمتعاً ويدخل في أعمال الحج ولم يقصر، هل يكون في هذه الحالة متمتعاً؟ الشيخ: أليس قد حل بعد السعي؟ السائل: بلى. حل الآن وهو متمتع وربما أنه يجهل وجوب الحلق، نعم نقول: هو متمتع (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ولكن يبقى الآن أنه لا يمكنه أن يحلق؛ لأنه دخل في الإحرام، فالأحوط فيما أرى أنه يذبح فدية في مكة ويوزعها على الفقراء عن الحلق، بالإضافة إلى هدي التمتع.

стр. 4304

حكم امرأة أقرضت زوجها مالاً وقالت له: إن حججت عني سامحتك والدتي أقرضت والدي سبعة آلاف ريال وقالت له: إن حججت لي وأخذت ما يكفيك سامحتك في البقية، فهل هذا جائز؟ الشيخ: فريضة أم نافلة؟ السائل: لا. نافلة. الشيخ: والله لا بأس، لكني أرى ألا تفعل إن كانت تريد أن تحسن إليه تسامحه بلا شيء. السائل: هو اقترض منها هذا المال؟ الشيخ: أنا فاهم لكنه الآن لا يستطيع أن يوفي؟ السائل: نعم. لا يستطيع. الشيخ: إذا سامحته جزاها الله خيراً، إذا كان الرسول ﷺ يقول: (من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) . السائل: لكن لا يحج؟ الشيخ: والله لا أرى الاستنابة في حج النافلة، في نفسي منها شيء؛ لأننا نقول للإنسان: إما أن تحج أنت بنفسك ولا تدع أحداً يحج عنك، أنت الآن ما استفدت، الحاج يستفيد في طوافه وسعيه ووقوفه وأنت الآن كأنك أعطيتها دراهم لشخص بسلعة اشتريتها، ولهذا قال الإمام أحمد ﵀ في رواية عنه: لا تصح الاستنابة في النفل مطلقاً. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 4305

لقاء الباب المفتوح [١٥٣] هكذا تمر السنوات، فيذهب عمر الإنسان مثل بساط يسحب من تحت رجليه سريعاً، ولكن بهدوء ودون إعلان، فيدرك الإنسان حينئذ أنه قد انتهى وذهب كما يذهب بياض الصفحة تحت سواد المداد. ولكن! ها هي فرصة المحاسبة والمعاتبة، والمراجعة والتوبة، لا زالت ماثلة يتحدث عنها هذا اللقاء، وعن أهمية الحرص على العلم، والاجتهاد في تحسين الخلق. يشمل هذا اللقاء -إضافة لما سبق- على إجابات قيمة لتساؤلات الحاضرين.

стр. 4306

نهاية العام دعوة للمحاسبة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث والخمسون بعد المائة من اللقاءات المعبر عنها بـ (لقاء الباب المفتوح) التي تتم كل يوم خميس، وهذا هو الخميس الأول من شهر محرم عام (١٤١٨هـ) نفتتح به هذا العام الجديد، ونسأل الله ﵎ أن يجعله عاماً مباركاً علينا وعلى المسلمين، وأن يجعله عام أمن وإيمان، وسلامة وإسلام، وتعاون على البر والتقوى، وتناهٍ عن الإثم والعدوان، إنه على كل شيء قدير. من المعلوم أن العام المنصرم مر بأحداثه المؤلمة والسارة والنافعة والضارة وكلٌ سوف يراه الإنسان، كما قال الله تبارك الله وتعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٦-٨] . ومن المعلوم أن التاجر في نهاية عام تجارته ينظر في جداول عمله، وما ربح وما خسر في عامه المنصرم، حتى يستدرك ما فات، ويصلح ما فسد، وإذا كان هذا في تجارة الدنيا، فإن تجارة الآخرة يجب أن تكون أهم وأعظم في قلب الإنسان؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١٠-١١] ، ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩] .

стр. 4307

التوبة ثمرة للمراجعة والمحاسبة إذا نظر الإنسان في ديوان عمله في العام المنصرم فإما أن يعثر على واجب أهمله وتهاون به، فعليه أن يستدركه؛ لأن الاستدراك مع التوبة إلى الله تعالى والإنابة إليه يصلح ما فسد، ومن كان مجترأً على معاصي الله -والإنسان غير معصوم- فإن باب التوبة مفتوح، قال الله ﵎: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] وهذا في حق التائبين، فإن الإنسان إذا تاب مهما كان ذنبه فإن الله تعالى يغفره له. وقد ذكر الله أعظم الذنوب في حقه وحقوق عباده، وبين أن التوبة منها تجعل السيئات حسنات، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] وهذه من أعظم الذنوب الأول: ﴿لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ أي: لا يشركون به فالشرك أعظم الذنوب في حق الله ، ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وقتل النفس التي حرم الله أعظم العدوان على ابن آدم؛ ولهذا كان أول ما يقضى في الناس يوم القيامة بالدماء، والثالث: ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ والزنا من أعظم الجرم في حقوق الإنسان في تدنيس عرضه، هذه الأصول الثلاثة قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] وهذه من نعمة الله أن الإنسان إذا أذنب وتاب إلى الله وآمن وعمل عملاً صالحاً صارت سيئاته السابقة حسنات فضلاً من الله ونعمة، والحمد لله رب العالمين. فالمهم أن هذا نظرنا في عامنا المنصرم، فما هو نظرنا نحو عامنا الجديد.

стр. 4308

الأعمال بالخواتيم إن الإنسان العاقل يجب عليه أن يعتبر ما يستقبل فيما مضى، فالعام المنصرم مضى وكأنه ساعة من نهار، كأنه لحظة من اللحظات، وهكذا العام المستقبل سوف يكون كصاحبه، سيمضى سريعاً، فعلينا أن نعقد العزم والجد والاجتهاد على ما ينفعنا في ديننا ودنيانا في العمل الصالح واجتناب المحرم عسى أن نستدرك ما فات، وبقية عمر المؤمن لا قيمة له، والأعمال بالخواتيم. ولقد أخبر النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق: (أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) حتى لا يبقى عليه وينتهي أجله، وليس المعنى: حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع من حيث العمل، يعني: أن عمله سوف يدنيه من الجنة، المعنى: حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع بالنسبة لأجله، ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، أما لو عمل بعمل أهل الجنة حقيقة حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع من حيث العمل، فإن الله تعالى لن يخيب سعيه (ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً) . ومحال في حكمة الله ورحمته أن يخذل شخصاً أمضى عمره في طاعة الله حتى لا يبقى إلا ذراع، لكن هذا مراد الرسول ﷺ ، حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع، يعني: من حيث الأجل لكنه يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس -أعوذ بالله- وهو من أهل النار، نسأل الله العافية. ويشهد لهذا الحديث الثابت عند البخاري وغيره: (أن رجلاً كان مع النبي ﷺ في غزوة وكان رجلاً شجاعاً مقداماً يغبطه الصحابة وينظرون إليه نظر إجلال، فقال النبي ﷺ يوماً من الأيام: هذا من أهل النار، فعظم ذلك على الصحابة -لماذا؟ لأنه رجل شجاع مقدام لا يدع شاذة للعدو ولا فاذة إلا قضى عليها، فإذا كان هذا من أهل النار وهو بهذه المثابة في الجهاد؛ فكيف بمن دونه- فقال أحدهم: والله! لألزمنه -يعني: لأكونن قريناً له حتى أنظر ماذا يكون الرجل؟ . ماذا تكون حاله؟ - يقول: فأصيب بسهم، فجزع -وكأنه والله أعلم جزع لأنه رجل مقدام شجاع، والشجاع لا يرضى أن يهزم- جزع فسل سيفه ثم وضعه على صدره واتكأ عليه حتى طلع من ظهره -والعياذ بالله- فقتل نفسه -وقاتل نفسه في النار- فرجع الرجل إلى النبي ﷺ وقال: أشهد أنك رسول الله، قال: وبم؟ قال: إن الرجل الذي قلت: إنه من أهل النار فعل كيت وكيت، ثم قال النبي ﷺ : إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار) . أصلح الله لنا ولكم السرائر والظواهر، فالعمل على السريرة على سريرة القلب، طهر القلب؛ تطهر الجوارح! والقلب هو الذي يبتلى يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩-١٠] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٨-٩] فعليك -يا أخي المسلم- بتطهير قلبك وتنقيته من الشك والشرك، والنفاق والحقد على المسلمين، والبغضاء والعداوة، حتى يطهر ظاهرك وباطنك.

стр. 4309

استقبال العام بطلب العلم علينا أن نستقبل هذا العام الجديد بالاجتهاد بالعمل الصالح المقرب إلى الله ﵎، إخلاصاً لله، ومتابعة لرسوله ﷺ ، ولا سيما طلب العلم فإن طلب العلم نوع من الجهاد في سبيل الله، بل هو جهاد في سبيل الله، بل هو أفضل من الجهاد في سبيل الله عند كثير من العلماء؛ لأن الناس محتاجون إلى العلم أكثر من احتياجهم إلى الجهاد إذ أن الجهاد في معالجة إصلاح الغير، وطلب العلم في إصلاح النفس وإصلاح الغير. فالجهاد في سبيل الله محتاج إلى العلم، وليس العلم محتاجاً إلى الجهاد في سبيل الله، ولذلك فضل كثير من العلماء المحققين طلب العلم على الجهاد في سبيل الله، وإن كان القول الراجح عندي أن في ذلك تفصيلاً بالنسبة لأعيان الناس: فمن الناس من نقول الجهاد في حقه أفضل، ومن الناس من نقول: إن طلب العلم في حقه أفضل، فإذا وجدنا رجلاً مستعداً للعلم حفظاً وفهماً وجلداً ومتابعة، وهو دون ذلك في الجهاد في سبيل الله، قلنا له: العلم في حقك أفضل، وإذا كان آخر شجاعاً مقداماً نشيطاً قوياً وليس بذاك في الحفظ والفهم قلنا له: الجهاد في حقك أفضل، فالتفضيل في العبادات وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يراعيها: التفضيل في العبادات من حيث هي، والتفضيل في العبادات من حيث الأعيان الذين يقومون بها، هذا يجب أن يعرف الإنسان الفرق، ونحن نقول: التفضيل المطلق هو أن العلم أفضل بلا شك، يعني: طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله، لكن من حيث الأعيان فيه التفصيل الذي ذكرته لكم، نقول لهذا الشخص: الأفضل أن تبقى في طلب العلم، وللآخر أن تذهب في الجهاد في سبيل الله.

стр. 4310

استقبال العام بإصلاح الخُلق مع الناس علينا أيضاً أن نستقبل هذا العام الجديد بإصلاح الخلق مع الناس أن نلقى الناس بوجه بشوش أن نفشي السلام بيننا ابتداءً ورداً خلافاً لبعض الناس الآن تجدهم من طلاب العلم لكن لا يفشون السلام، يلاقي الإنسان صاحبه وزميله في الدراسة سواء في الكلية أو في المسجد لا يسلم عليه إلا أن يشاء الله، يلاقي إخوانه في السوق لا يسلم عليهم إلا أن يشاء الله، ولهذا اشتهر عند بعض الناس عند بعض العوام -والعوام هوام-: أن طلاب العلم جفاة لا يسلمون وإذا سلم عليهم يردون بآنافهم ولا يسمعهم المسلِّم، كل هذا من غرور الشيطان، فالذي ينبغي لنا بل يجب علينا أن نكون لإخواننا المسلمين أحبة متآلفين. وإفشاء السلام من أسباب دخول الجنة، قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ -ثم أجاب نفسه فقال:- أفشوا السلام بينكم) أظهروه أعلنوه، ثم المسلِّم ماذا يأتي له من الأجر؟ التسليمة الواحدة عشر حسنات، عشر حسنات باقيات لك في يوم تحتاج إليها لا تجد زيادة في حسناتك، وأنت أحوج ما تكون إليها، تجدها عند الله ﵎، لو قيل للناس: كل إنسان يسلم نعطيه درهماً، ماذا يكون؟ يفشون السلام أم لا؟ يفشون السلام، بل يترددون على الجالس عدة مرات لأجل أن يحصلوا على زيادة دراهم، مع أن الدراهم إما فانية وإلا مفني عنها، الإنسان لن يعمر والدراهم لن تعمر لابد من مفارقة إما من أصحاب الأموال وإما من الأموال نفسها، ولهذا وبخ الله من يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة فقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٦-١٧] . فعلينا أيها الإخوة أن نستقبل عامنا بحسن الخلق مع الناس، فإن حسن الخلق من أفضل الأعمال حتى قال النبي ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) ويتعين أن يكون حسن الخلق في الدعوة إلى الله؛ لأن الدعوة إلى الله ليس لمجرد الإصلاح بينك وبين غيرك، أو جلب الألفة بينك وبين غيرك، لكنها لإقامة دين الله، فلا ينبغي أن نجفو في الدعوة إلى الله، بل ندعو باللطف واللين وتحمل الأذى، بل وتحمل المخالفة من المدعوين، بمعنى: أننا لا ينبغي أن نطلب أو نأمل الحصول على المطلوب في أول وهلة، كم بقي النبي ﷺ يدعو الناس في مكة؟ ثلاثة عشر سنة يدعوهم إلى الله بالتي هي أحسن بالموعظة الحسنة، بكل ما يستطيع من الوصول به إلى تحقيق مراده ﵊، ومع ذلك ربه وهو أعلم وأحكم ينزل عليه الأحكام فترة فترة، لم يجد من أركان الإسلام في مكة إلا ركنان فقط هما: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والثاني: الصلاة، الباقي كله جاء في المدينة، الزكاة وإن قيل: إن أصلها فرض في مكة لكن الإنسان كان فيها مخيراً، في المدينة فرضت الأنصبة وبينت وبين المقدار وبين أهل الزكاة، لكن هذه التربية من الله يجب أن نأخذها محل اعتبار وألا نريد من الناس أن يصلحوا بين عشية وضحاها، هذا شيء مستحيل تأباه حكمة الله . إذاً علينا أن نلاطف الناس في الدعوة إلى الله ، ونتحمل منهم الأذى، ونتحمل منهم البقاء على بعض المعاصي، رجاء إحسانها في المستقبل. يوجد من الدعاة من عنده غيرة عظيمة، لكن لا يحسن أن يدعو الناس مع كبح هذه الغيرة، بمعنى: أنه إذا رأى شخصاً على منكر لم يملك نفسه من غيرته أن يعنف عليه بالإنكار، وهذا خطأ ليس بصحيح، عندما تجد إنساناً يشرب سيجارة مثلاً هل تصيح به تقول له: ويلك! هذا حرام هذا حرام، أنت مصر على معصية فأنت من الفاسقين، جانبت العدل، هل هذا لائق؟ لا، أمهله دعه ثم تكلم معه بيسر، أخي! ماذا تنفعك هذه؟ هل فيها منفعة؟ هل فيها مضرة؟ حتى يأخذ عن اقتناع، واعلم أن من وافقك عن قهر وسلطان فإنه لن ينتفع في الغالب، إذا صد عنك أو صددت عنه عاد لما هو عليه، لكن إذا وافقك عن اقتناع فهذا هو المقصود وهذا الذي يحصل به المراد. فعليكم -أيها الأخوة- باللطف في الدعوة إلى الله، وأن تقابلوا الناس بصدر رحب.
следующие страницы →